Verse. 2256 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

يَّرِثُنِيْ وَيَرِثُ مِنْ اٰلِ يَعْقُوْبَ۝۰ۤۖ وَاجْعَلْہُ رَبِّ رَضِيًّا۝۶
Yarithunee wayarithu min ali yaAAqooba waijAAalhu rabbi radiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يَرثني» بالجزم جواب الأمر وبالرفع صفة وليا «ويرث» بالوجهين «من آل يعقوب» جدّي، العلم والنبوة «واجعله رب رضيا» أي: مرضيا عندك. قال تعالى في إجابة طلبه الابن الحاصل به رحمته:

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: «يَرِثُنِي» قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة «يَرِثُنِي وَيَرِثُ» بالرفع فيهما. وقرأ يحيـى بن يعمر وأبو عمرو ويحيـى بن وثاب والأعمش والكسائيّ بالجزم فيهما، وليس هما جواب «هب» على مذهب سيبويه، إنما تقديره إن تهبه يرثني ويرث؛ والأوّل أصوب في المعنى لأنه طلب وارثاً موصوفاً؛ أي هب لي من لدنك الولي الذي هذه حاله وصفته، لأن الأولياء منهم من لا يرث؛ فقال: هب لي الذي يكون وارثي؛ قاله أبو عبيد؛ ورد قراءة الجزم؛ قال: لأن معناه إن وهبت ورث، وكيف يخبر الله عز جل بهذا وهو أعلم به منه؟! النحاس: وهذه حجة متقصاة؛ لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة؛ تقول: أطع الله يدخلك الجنة؛ أي إن تطعه يدخلك الجنة. الثانية: قال النحاس: فأما معنى {يرثني ويرث من آل يعقوب} فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة؛ قيل: هي وراثة نبوّة. وقيل: هي وراثة حكمة. وقيل: هي وراثة مال. فأما قولهم وراثة نبوّة فمحال؛ لأن النبوّة لا تورث، ولو كانت تورث لقال قائل: الناس ينتبسون إلى نوح عليه السلام وهو نبيّ مرسل. ووراثة العلم والحكمة مذهب حسن؛ وفي الحديث «حديث : العلماء ورثة الأنبياء»تفسير : . وأما وراثة المال فلا يمتنع، وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا نورث ما تركنا صدقة» تفسير : فهذا لا حجة فيه؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع. وقد يُؤوَّل هذا بمعنى؛ لا نُورث الذي تركنا صدقة؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يخلّف شيئاً يورث عنه؛ وإنما كان الذي أباحه الله عز وجل إياه في حياته بقوله تبارك اسمه: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} تفسير : [الأنفال: 41] لأن معنى «لله» لسبيل الله، ومن سبيل الله ما يكون في مصلحة الرسول صلى الله عليه وسلم ما دام حياً؛ فإن قيل: في بعض الروايات «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» ففيه التأويلان جميعاً؛ أن يكون «ما» بمعنى الذي. والآخر لا يورث من كانت هذه حاله. وقال أبو عمر: واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام: «حديث : لا نورث ما تركنا صدقة» تفسير : على قولين: أحدهما: وهو الأكثر وعليه الجمهور ـ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يورث وما ترك صدقة. والآخر: أن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يُورَث؛ لأن الله تعالى خصه بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته، كما خُصَّ في النكاح بأشياء أباحها له وحرمها على غيره؛ وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم ابن عُلَية، وسائر علماء المسلمين على القول الأوّل. الثالثة: قوله تعالى: {مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قيل: هو يعقوب إسرائيل، وكان زكريا متزوجاً بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبها إلى يعقوب؛ لأنها من ولد سليمان بن داود وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوّة في سبط يعقوب بن إسحاق. وقيل: المعنيُّ بيعقوب هاهنا يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان أبي مريم أخوان من نسل سليمان بن داود عليهما السلام؛ لأن يعقوب وعمران ابنا ماثان، وبنو ماثان رؤساء بني إسرائيل؛ قاله مقاتل وغيره. وقال الكلبي: وكان آل يعقوب أخواله، وهو يعقوب بن ماثان، وكان فيهم الملك، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى. وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يرحم الله ـ تعالى ـ زكريا ما كان عليه من ورثته»تفسير : . ولم ينصرف يعقوب لأنه أعجمي. الرابعة: قوله تعالى: {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} أي مرضياً في أخلاقه وأفعاله. وقيل: راضياً بقضائك وقدرك. وقيل: رجلاً صالحاً ترضى عنه. وقال أبو صالح: نبياً كما جعلت أباه نبياً.

البيضاوي

تفسير : {يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ } صفتان له وجزمهما أبو عمرو والكسائي على أنهما جواب الدعاء، والمراد وراثة الشرع والعلم فإن الأنبياء لا يورثون المال. وقيل يرثني الحبورة فإنه كان حبراً، ويرث من آل يعقوب الملك، وهو يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة والسلام. وقيل يعقوب كان أخا زكريا أو عمران بن ماثان من نسل سليمان عليه السلام. وقرىء «يرثني وارث آل يعقوب» على الحال من أحد الضميرين، وأو «يرث» بالتصغير لصغره، و وارث من آل يعقوب على أنه فاعل {يَرِثُنِى} وهذا يسمى التجريد في علم البيان لأنه جرد عن المذكور أولاً مع أنه المراد. {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} ترضاه قولاً وعملاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَرِثُنِى } بالجزم: جواب الأمر، وبالرفع صفة ولياً {وَيَرِثُ } بالوجهين {مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ } جدّي: العلم والنبوة {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً } أي: مرضياً عندك.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَرِثُنِى} مالي {وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} النبوة، أو يرثهما العلم والنبوة، أو منه النبوة ومن آل يعقوب الأخلاق، أو يرث مني العلم ومن آل يعقوب الملك، فأجيب إلى وراثة العلم دون الملك، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ روي عن الرسول صلى الله عليه سلم قال: "حديث : يرحم الله زكريا ما كان عليه من ورثة " تفسير : . {رَضِيّاً} مرضي الأخلاق والأفعال، أو راضياً بقضائك وقدرك.

النسفي

تفسير : {يَرِثُنِى وَيَرِثُ } برفعهما صفة لـ {ولياً} أي هب لي ولداً وارثاً مني العلم ومن آل يعقوب النبوة، ومعنى وراثة النبوة أنه يصلح لأن يوحى إليه ولم يرد أن نفس النبوة تورث. ويجزمهما: أبو عمرو وعلي على أنه جواب للدعاء يقال: ورثته وورثت منه {مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ } يعقوب بن إسحاق {وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً } مرضياً ترضاه أو راضياً عنك وبحكمك فأجاب الله تعالى دعاءه وقال: {يٰزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ } تولى الله تسميته تشريفاً له. {نبشرك} بالتخفيف: حمزة {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } لم يسم أحد بيحيى قبله وهذا دليل على أن الاسم الغريب جدير بالأثرة. وقيل: مثلاً وشبيها ولم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط وأنه ولد بين شيخ وعجوز وأنه كان حصوراً، فلما بشرته الملائكة. به {قَالَ رَبّ أنّى } كيف {يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } وليس هذا باستبعاد بل هو استكشاف أنه بأي طريق يكون أيوهب له وهو وامرأته بتلك الحال أم يحولان شابين {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود اليابس من أجل الكبر والطعن في السن العالية {عتياً} و{صلياً} و{جثياً} و{بكياً} بكسر الأوائل: حمزة وعلي وحفص إلا في {بكيا}.

الجنابذي

تفسير : {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قرئ بالرّفع والجزم، وقرئ وارث آل يعقوب بنصب وارث واضافته على ان يكون حالاً من احد الضّميرين، وقرئ او يرث آل يعقوب على التّصغير، ووارث من آل يعقوب بالرّفع عى ان يكون فاعل يرثنى {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} مرضيّاً.

اطفيش

تفسير : {يَرِثُنِى} نعت وليا. وقرأ أبو عمرو والكسائى بالجزم فى جواب الدعاء والقراءتان فى قوله: {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} جدى العلم والنبوة سأل ربه أن يجعل من صلبه من يقوم بالعلم والنبوة لئلا يضيعا لما رأى من إفساد بنى إسرائيل وقتلهم الأنبياء وليس المراد إرث المال لأن الأنبياء لا تورث وما لهم لبيت المال. وقيل: يرث حبورتى وملك آل يعقوب وزكريا كان رأس الأحبار. وقيل: يرث مالى ونبوة آل يعقوب وحبورتهم. قلت: زكريا أبعد من أن يشفق على ماله أن يرثه بنو عمه ولم يجب الله دعاءه فإن يحيى قتل قبل أبيه زكريا فلم يرث آباءه. وإجابة دعاء الأنبياء غالبة لا لازمة كما لم يجب لإبراهيم فى حق أبيه وكما لم يجب نبينا صلى الله عليه وسلم فى سؤاله: أن لا يذيق بعض أمته بأس بعض وذلك لمخالفة ما طلبوا ما جف به القلم وكان مما جف به أن يوجد يحيى نبيًّا صالحاً ثم يقتل. والحبورة: العلم بتميز الكلام وتحسينه وفلان حبر بفتح الحاء وكسرها وهو أفصح ويعقوب هو ابن إسحاق وزكريا عليه السلام من نسله. قيل: وكان من نسل هارون. وقيل: يعقوب بن ماثان أخو زكريا. وقيل: يعقوب أخو عمران أبى مريم وهما أخوان من نسل سليمان والإرث يتعدى للموروث منه بنفسه وبمن كما فى الآية. وقيل: من للتبعيض لأن آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء. قلت: ويصح أن تكون للابتداء ولا يمنع الابتداء والتعدية كونهم ليسوا كلهم أَنبياء وعلماء غايته أن يكون كقوله: {أية : يخرج منهما اللؤلو والمرجان}تفسير : وقرأ ابن عباس والجحدرى يرثنى وارث من آل يعقوب. قلت: الجملة نعت وليا والرابط وارث فإنه ظاهر فى مقام ضمير الولى أو الرابط محذوف على طريقة التجديد البديعى وهو أن ينتزع من متصف بصفة آخر مثله مبالغة لكمالها فيه أى يرثنى به وارث جُرِّد وارث من وليا مع أنه هو. وقرأ على وجماعة يرثنى وارثا من آل يعقوب بنصب وارثا على الحال من ضمير الرفع أو النصب فى يرثنى. وقيل: هذه قراءة الجحدرى وابن عباس والتى قبلها لعلى ومن معه وعن الجحدرى يرثنى أُوَيْرِث تصغير وارث وقال: لأنه غُلَيّم صغير والأصل وُوَيْرث بواوين الأولى فاء الكلمة والثانية ألف وارث أبدلت الأولى واوا لانضمامها. {وَاجْعَلْهُ رَبِّ} يا رب. {رَضِيّاً} مرضيا عندك قولا وفعلا واعتقادا فعيل بمعنى مفعول وأخبره بإجابه دعائه بقوله: {يَا زَكَرَيَّا إنَّا نُبَشِّرُكَ} فقرأ حمزة بفتح النون وإسكان الهاء وضم الشين. {بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} تولى تسميته تشريفاً له ولأبيه واختار له هذا الاسم لأنه أحياه بالإيمان أو أحيى به عقم أمه. {لَمْ نَجْعلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِياً} نظيرا فى التسمية لم يسم أحد باسمه قبله وفى التسمية بالأسماء الحسنة المحمودة تنويه بشأن المسمى ومثله يعمر ويعيش وهو علم منقول من مضارع واختار بعض أنه عجمى. وقيل: سمى بذلك لأنه حيى به رحم أمه ولأن دين الله حى بدعوته. وقيل: لم نجعل له نظيرا فى أنه لم يعص ولم يهم بمعصية وفى أنه ولد من شيخ فانٍ وعجوز عاقر لم يلدا زمان الولادة ولما ذهب زمانها ولدا وفى أنه لم تلد العواقر مثله. وقيل: لم يرد اجتماع الفضائل كلها ليحيى فإن إبراهيم وموسى قبله أفضل منه وإنما قيل للمِثل: سمىّ لأن المتماثلين يتشاركان فى الاسم.

اطفيش

تفسير : {يرثنى ويرثُ مِن آلِ يعقُوب} أى يرث علمى، فحذف المضاف، ورث العلم من آل يعقوب، واختلف الأُسلوب بذكر مِنْ لكثرة ما يرث من زكرياء، وقلة ما يرث من آل يعقوب، أو لأنه يرث منه الحبورة، وكان زكرياء رئيس الأحْبار، ويرث من آل يعقوب، وهم بنو ماتان الملك، وكان بنو ماتان ملوكاً، أو لأنه لا شأن للمال عنده حتى يعتنى به، إلا طلب أن يرثه ولى له مطيع ليصرفه فى وجوهه، لا من يفسد به رغبة فى إقامة الدين، لا خوف أن يعاقب بإفساد المفسد به بعده إذ لا عقاب بذلك على الموروث إذ لم يقصد الإفساد لا يقال ما لا تصدق به لأنه رجا الانتفاع به فى الاسلام بعده على استمرار، وهذا منى مجرد توجيه لا ترجيح فإن الراجح أن المراد وراثة العلم أو النبوة أو الملك، والعدل أو الحبورة، وكان زكرياء رأس الأحبار. ولا يستدل على أن الموروث المال بأن الإرث حقيقة فيه خاصة، وإن سلمنا فاستعماله فى غيره فجاز مشهور، ومن ذلك ما ورد أن العلماء ورثة الأنبياء، وقوله تعالى: "أية : ثم أورثنا الكتاب" تفسير : [فاطر: 32] وقوله: "أية : خلف ورثوا الكتاب" تفسير : [الأعراف: 169] وقوله: "أية : وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم" تفسير : [الشورى: 14] وقوله: "أية : إن الأرض لله يورثها" تفسير : [الأعراف: 128] "أية : ولله ميراث السماوات والأرض"تفسير : [آل عمران: 180]. وقول الحلبى عن أبى عبدالله: إن سليمان ورث داود، وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ورث سليمان والأنبياء لا يرثون مالا، ولا يورثون، وقيل يرثون ولا يورثون. وعن ابن عباس فى الآية: يرثنى مالى، وعن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله تعالى زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله" تفسير : ورجح بعض أن الموروث المال، لأن الإرث لا كسب فيه، والعلم بالكسب فتبقى النبوة، إذ لا كسب فيها فتحتملها الآية، ولا مانع أن يعطى نبى بعض ما دعا دون بعض، بأن أعطاه يحيى ومات قلبه، والأكثر أنه مات بعد زكرياء. والآل من يئول إليه لقرابة أو صحبة، أو دين، وزكرياء من ولد هارون، وهارون من ولد لاوى بن يعقوب، وكان زكرياء متزوجاً بأخت مريم، وهى من ولد سليمان وسليمان من ولد يهوذا. {واجْعَله رَبِّ رضياً} دليل على أنه ليس الموروث النبوة، لأنه لا يكون نبى إلا رضياً، ولا يدعو زكرياء أن يكون رضياً، مع أنه يكون نبياً ورضياً، فقيل بمعنى مفعول، أى مرضياً عندى قولا وفعلا وبين عبادى فيتبعوه قـ.

الالوسي

تفسير : وقوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} صفة لولياً كما هو المتبادر من الجمل الواقعة بعد النكرات، ويقال: ورثه وورث منه لغتان كما قيل، وقيل من للتبعيض لا للتعدية، وآل الرجل خاصته الذين يؤل إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، ويعقوب على ما روي عن السدي هو يعقوب بن إسحٰق بن إبراهيم فإن زكريا من ولد هٰرون وهو من ولد لاوي بن يعقوب وكان متزوجاً بأخت مريم بنت عمران وهي من ولد سليمان بن داود عليهما السلام وهو من ولد يهوذ بن يعقوب أيضاً. وقال الكلبـي ومقاتل: هو يعقوب بن ماثان وأخوه عمران بن ماثان أبو مريم. وقيل: هو أخو زكريا عليه السلام والمراد من الوراثة في الموضعين العلم على ما قيل. وقال الكلبـي: كان بنو ماثان رؤس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا عليه السلام رئيس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده الحبورة ويرث من بني ماثان ملكهم فتكون الوراثة مختلفة في المضعين وأيد ذلك بعدم اختيار العطف على الضمير المنصوب والاكتفاء بيرث الأول، وقيل الوراثة الأولى وراثة النبوة والثانية وراثة الملك فتكون / مختلفة أيضاً إلى أن قوله: {وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً} أي مرضياً عندك قولاً وفعلاً، وقيل راضياً والأول أنسب يكون على هذا تأكيداً لأن النبـي شأنه أن يكون كذلك، وعلى ما قلنا يكون دعاء بتوفيقه للعمل كما أن الأول متضمن للدعاء بتوفيقه للعلم فكأنه طلب أن يكون ولده عالماً عاملاً، وقيل: المراد اجعله مرضياً بين عبادك أي متبعاً فلا يكون هناك تأكيد مطلقاً، وتوسيط {رَبّ} بين مفعولي الجعل على سائر الأوجه للمبالغة في الاعتناء بشأن ما يستدعيه. واختار السكاكي أن الجملتين مستأنفتان استئنافاً بيانياً لأنه يرد أنه يلزم على الوصفية أن لا يكون قد وهب لزكريا عليه السلام من وصف لهلاك يحيـى عليه السلام قبل هلاكه لقتل يحيـى عليه السلام قبل قتله. وتعقب ذلك في «الكشف» بأنه مدفوع بأن الروايات متعارضة والأكثر على هلاك زكريا قبله عليهما السلام، ثم قال: وأما الجواب بأنه لا غضاضة في أن يستجاب للنبـي بعض ما سأل دون بعض ألا ترى إلى دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم في حق أمته حيث قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها»تفسير : وإلى دعوة إبراهيم عليه السلام في حق أبيه فإنما يتم لو كان المحذور ذلك وإنما المحذور لزوم الخلف في خبره تعالى فقد قال سبحانه وتعالى في الأنبياء: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } تفسير : [الأنبياء: 76، 84، 88، 90] وهو يدل على أنه عليه السلام أعطي ما سأل من غير تفرقة بين بعض وبعض وكذلك سياق الآيات الأخر. ولك أن تستدل بظاهر هذه الآية على ضعف رواية من زعم أن يحيـى هلك قبل أبيه عليهما السلام، وأما الإيراد بأن ما اختير من الحمل على الاستئناف لا يدفع المحذور لأنه وصل معنوي فليس بشيء لأن الوصل ثابت ولكنه غير داخل في المسؤول لأنه بيان العلة الباعثة على السؤال ولا يلزم أن يكون علة السؤال مسؤلة انتهى. وأجاب بعضهم بأنه حيث كان المراد من الوراثة هنا وراثة العلم لا يضر هلاكه قبل أبيه عليهما السلام لحصول الغرض وهو أخذ ذلك وإفاضته على الغير بحيث تبقى آثاره بعد زكريا عليه السلام زماناً طويلاً ولا يخفى أن المعروف بقاء ذات الوارث بعد الموروث عنه. وقرأ أبو عمرو والكسائي والزهري والأعمش وطلحة واليزيدي وابن عيسى الأصفهاني وابن محيصن وقتادة بجزم الفعلين على أنهما جواب الدعاء؛ والمعنى أن تهب لي ذلك يرثني الخ، والمراد أنه كذلك في ظني ورجائي، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهم والحسن وابن يعمر والجحدري وأبو حرب بن أبـي الأسود وأبو نهيك {يرثني} بالرفع وأرث فعلاً مضارعاً من ورث وخرج ذلك على أن المعنى يرثني العلم وأرث أنا به الملك من آل يعقوب وذلك بجعل وراثة الولي الملك وراثة لزكريا عليه السلام لأن رفعة الولد رفعة للوالد والواو لمطلق الجمع، وقال بعضهم: والواو للحال والجملة حال من أحد الضميرين، وقال صاحب «اللوامح»: فيه تقديم ومعناه فهب لي ولياً من آل يعقوب يرثني النبوة إن مت قبله وأرثه ماله إن مات قبلي وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريباً، ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه وجماعة أنهم قرأوا {يرثني وارث} برفع وارث بزنة فاعل على أنه فاعل {يَرِثُنِي} على طريقة التجريد كما قال أبو الفتح وغيره أي يرثني ولي من ذلك الولي أو به فقد جرد من الولي ولياً كما تقول رأيت منه أو به أسداً، وعن الجحدري أنه قرأ {وارث} بإمالة الواو، وقرأ مجاهد {أو يرث} تصغير وارث وأصله وويرث / بواوين الأولى فاء الكلمة الأصلية والثانية بدل ألف فاعل لأنها تقلب واواً في التصغير كضويرب ولما وقعت الواو مضمومة قبل أخرى في أوله قلبت همزة كما تقرر في التصريف ونقل عنه أنه قال التصغير لصغره فإنه عليه السلام لما طلبه في كبره علم ولو حدساً أنه يرثه في صغر سنه، وقيل: للمدح وليس بذاك. هذا واستدل الشيعة بالآية على أن الأنبياء عليهم السلام تورث عنهم أموالهم لأن الوراثة حقيقية في وراثة المال ولا داعي إلى الصرف عن الحقيقة، وقد ذكر الجلال السيوطي في «الدر المنثور» عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبـي صالح أنهم قالوا في الآية: يرثني مالي وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبـي حاتم عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم قال في الآية: «يرحم الله تعالى أخي زكريا ما كان عليه من ورثة» وفي رواية «ما كان عليه ممن يرث ماله»، وقال بعضهم: إن الوراثة ظاهرة في ذلك ولا يجوز هٰهنا حملها على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله: {وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً} ولا على وراثة العلم لأنه كسبـي والموروث حاصل بلا كسب. ومذهب أهل السنة أن الأنبياء عليهم السلام لا يرثون مالاً ولا يورثون لماصح عندهم من الأخبار. وقد جاء ذلك أيضاً من طريق الشيعة فقد روى الكليني في «الكافي» عن أبـي البختري عن أبـي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر، وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعاً باعتراف الشيعة، والوراثة في الآية محمولة على ما سمعت ولا نسلم كونها حقيقة لغوية في وراثة المال بل هي حقيقة فيما يعم وراثة العلم والمنصب والمال وإنما صارت لغلبة الاستعمال في عرف الفقهاء مختصة بالمال كالمنقولات العرفية ولو سلمنا أنها مجاز في ذلك فهو مجاز متعارف مشهور خصوصاً في استعمال القرآن المجيد بحيث يساوي الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } تفسير : [فاطر: 32] وقوله تعالى: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الأعراف: 169] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ } تفسير : [الشورى: 14] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [الأعراف: 128] {أية : وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [آل عمران: 180] قولهم لا داعي إلى الصرف عن الحقيقة قلنا: الداعي متحقق وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب ودون تأويله خرط القتاد، والآثار الدالة على أنهم يورثون المال لا يعول عليها عند النقاد، وزعم البعض أنه لا يجوز حمل الوراثة هنا على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله: {وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً} قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه. وزعم أن كسبية الشيء تمنع من كونه موروثاً ليس بشيء فقد تعلقت الوراثة بما ليس بكسبـي في كلام الصادق، ومن ذلك أيضاً ما رواه الكليني في «الكافي» عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: إن سليمان ورث داود وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ورث سليمان عليه السلام فإن وراثة النبـي صلى الله عليه وسلم سليمان عليه السلام لا يتصور أن تكون وراثة غير العلم والنبوة ونحوهما، ومما يؤيد حمل الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال أنه ليس في الأنظار العالية والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم المتغير الفاني واتصلت بالعالم الباقي ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة لا سيما جناب زكريا عليه السلام فإنه كان مشهوراً بكمال الانقطاع والتجرد فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدر أو يظهر من أجله الكلف والحزن والخوف ويستدعي من حضرة الحق سبحانه وتعالى ذلك النحو من الاستدعاء وهو يدل على كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا، وقالت الشيعة: إنه عليه السلام خاف أن يصرف بنو عمه ماله بعد موته فيما لا ينبغي / فطلب له الوارث المرضي لذلك، وفيه أن ذلك مما لا يخاف منه إذ الرجل إذا مات وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر صار المال مال ذلك الآخر فصرفه على ذمته صواباً أو خطأ ولا مؤاخذة على الميت من ذلك الصرف بل لا عتاب أيضاً مع أن دفع هذا الخوف كان ميسراً له عليه السلام بأن يصرفه قبل موته ويتصدق به كله في سبيل الله تعالى ويترك بني عمه الأشرار خائبين لسوء أحوالهم وقبح أفعالهم. وللأنبياء عليهم السلام عند الشيعة خبر بزمن موتهم وتخيير فيه فما كان له خوف موت الفجأة أيضاً فليس قصده عليه السلام من مسألة الولد سوى إجراء أحكام الله تعالى وترويج الشريعة وبقاء النبوة في أولاده فإن ذلك موجب لتضاعف الأجر إلى حيث شاء الله تعالى من الدهر، ومن أنصف لم يتوقف في قبول ذلك والله تعالى الهادي لأقوم المسالك.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلِ} (6) - فَيَرِثُ هَذا الوَلَدُ مِنِّي الْعِلْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَالحِكْمَةَ، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، وَاجْعَلْهُ يَا رَبِّ مَرْضِيّاً عِنْدَكَ، وَعِنْدَ خَلْقِكَ، تُحِبُّهُ أَنْتَ، وَتُحَبِّبُهُ إِلَى الخَلْقِ فِي دِينِهِ وَخُلُقِهِ. رَضِيّاً - مَرْضِيّاً عِنْدَكَ قَوْلاً وَفِعْلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق أن أوضحنا أن الميراث هنا لا يُراد به ميراث المال؛ لأن الأنبياء لا يورثون، وما تركوه من مال فهو صدقة من بعدهم، إنما المراد هنا ميراث العلم والنبوة والملْك، وحَمْل منهج الله إلى الناس، ونلحظ أنه لم يكتَفِ بقوله (يَرِثُنِي) بل قال: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ..} [مريم: 6] فلستُ أنا القمة في الطاعة في آل يعقوب، فهناك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وهذا تواضع منه ومراعاة لأقدار الرجال وإنزالهم منازلهم. وقوله: {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} [مريم: 6] أي: مرضياً عنه منك. ثم يقول الحق سبحانه: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 554 : 4 : 42 - سفين في قوله {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوة. [الآية 6].

همام الصنعاني

تفسير : 1733- حدّثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن قَتَادَة، عن الحسن، في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [الآية: 6]، قال: نبوّته وعلمه. 1734 - قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يرحم الله زكريت وَمَا كَانَ عليه من ورثة، ويرحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد ". تفسير : 1735 - قال عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة: لم يبعث الله نبياً إلا في ثروة من قومه بعد لوط، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم في ثروة قومِهِ، وقالَ قوم شعيب {أية : وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} تفسير : [هود: 91]. 1736- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة: لولا أن يوسف استعان على ربه، ما لبث في السجن كل الذي لبث.