Verse. 2257 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

يٰزَكَرِيَّاۗ اِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلٰمِۨ اسْمُہٗ يَحْــيٰى۝۰ۙ لَمْ نَجْعَلْ لَّہٗ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا۝۷
Ya zakariyya inna nubashshiruka bighulamin ismuhu yahya lam najAAal lahu min qablu samiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا زكريا إنا نبشرك بغلامِ» يَرثُ كما سألت «اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا» أي: مسمى بيحيى.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في من المنادي بقوله: يا زكريا، فالأكثرون على أنه هو الله تعالى وذلك لأن ما قبل هذه الآية يدل على أن زكريا عليه السلام إنما كان يخاطب الله تعالى ويسأله وهو قوله: { أية : رَبّ إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّي } تفسير : [مريم: 4] وقوله: { أية : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً } تفسير : [مريم: 4] وقوله: { أية : فَهَبْ لِي } تفسير : [مريم: 5] وما بعدها يدل على أنه كان يخاطب الله تعالى وهو يقول: { أية : رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } تفسير : [آل عمران:40] وإذا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاباً مع الله تعالى وجب أن يكون النداء من الله تعالى وإلا لفسد النظم، ومنهم من قال هذا نداء الملك واحتج عليه بوجهين. الأول: قوله تعالى في سورة آل عمران: { أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } تفسير : [آل عمران: 39]. الثاني: أن زكريا عليه السلام لما قال: { أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ } تفسير : [مريم: 8، 9] وهذا لا يجوز أن يكون كلام الله فوجب أن يكون كلام الملك. والجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يقال حصل النداءان نداء الله ونداء الملائكة. وعن الثاني: أنا نبين إن شاء تعالى أن قوله: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ } يمكن أن يكون كلام الله. المسألة الثانية: فإن قيل إن كان الدعاء بإذن فما معنى البشارة، وإن كان بغير إذن فلماذا أقدم عليه؟ والجواب هذا أمر يخصه فيجوز أن يسأل بغير إذن، ويحتمل أنه أذن له فيه ولم يعلم وقته فبشر به. المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة أنه لم يسم أحد قبله بهذا الاسم. الثاني: أن المراد بالسمي النظير كما في قوله: { أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } تفسير : [مريم: 65] واختلفوا في ذلك على وجوه. أحدها: أنه سيد وحصور لم يعص ولم يهم بمعصية كأنه جواب لقوله: { أية : وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً } تفسير : [مريم: 6] فقيل له إنا نبشرك بغلام لم نجعل له من قبل شبيهاً في الدين، ومن كان هكذا فهو في غاية الرضا. وهذا الوجه ضعيف لأنه يقتضي تفضيله على الأنبياء الذين كانوا قبله كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وذلك باطل بالإتفاق. وثانيها: أن كل الناس إنما يسميهم آباؤهم وأمهاتهم بعد دخولهم في الوجود، وأما يحيى عليه السلام فإن الله تعالى هو الذي سماه قبل دخوله في الوجود فكان ذلك من خواصه فلم يكن له مثل وشبيه في هذه الخاصية. وثالثها: أنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر، واعلم أن الوجه الأول أولى وذلك لأن حمل السمي على النظير وإن كان يفيد المدح والتعظيم ولكنه عدول عن الحقيقة من غير ضرورة وإنه لا يجوز، وأما قول الله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } فهناك إنما عدلنا عن الظاهر لأنه قال: { أية : فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } تفسير : [مريم: 65] ومعلوم أن مجرد كونه تعالى مسمى بذلك الاسم لا يقتضي وجوب عبادته، فلهذه العلة عدلنا عن الظاهرة، أما ههنا لا ضرورة في العدول عن الظاهر فوجب اجراؤه عليه ولأن في تفرده بذلك الاسم ضرباً من التعظيم لأنا نشاهد أن الملك إذا كان له لقب مشهور فإن حاشيته لا يتلقبون به بل يتركونه تعظيماً له فكذلك ههنا. المسألة الرابعة: في أنه عليه السلام سمي بيحيى روى الثعلبي فيه وجوهاً. أحدها: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أحيا به عقر أمه. وثانيها: عن قتادة أن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان والطاعة والله تعالى سمى المطيع حياً والعاصي ميتاً بقوله تعالى: { أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 122] وقال: { أية : إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يحييكم } تفسير : [الأنفال: 24]. وثالثها: إحياؤه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية لما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من أحد إلا وقد عصى أو هم إلا يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها » تفسير : . ورابعها: عن أبي القاسم بن حبيب أنه استشهد وأن الشهداء أحياء عند ربهم لقوله تعالى: { أية : بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [آل عمران: 169]. وخامسها: ما قاله عمرو بن عبد الله المقدسي: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن قل ليسارة، وكان اسمها كذلك، بأني مخرج منها عبداً لا يهم بمعصية اسمه حيي. فقال: هبي له من اسمك حرفاً فوهبته حرفاً من اسمها فصار يحيى وكان اسمها يسارة فصار اسمها سارة. وسادسها: أن يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى فصار قلبه حياً بذلك الإيمان وذلك أن أم يحيى كانت حاملاً به فاستقبلتها مريم وقد حملت بعيسى فقالت لها أم يحيى: يا مريم أحامل أنت؟ فقالت: لماذا تقولين؟ فقالت: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. وسابعها: أن الدين يحيا به لأنه إنما سأله زكريا لأجل الدين، واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة لأن أسماء الألقاب لا يطلب فيها وجه الإشتقاق، ولهذا قال أهل التحقيق أسماء الألقاب قائمة مقام الإشارات وهي لا تفيد في المسمى صفة ألبتة.

القرطبي

تفسير : في الكلام حذف؛ أي فاستجاب الله دعاءه فقال: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث: أن يفرد بتسميته؛ وقد تقدّم معنى تسميته بيحيى في «آل عمران». وقال مقاتل: سماه يحيـى لأنه حَيِي بين أب شيخ وأم عجوز؛ وهذا فيه نظر؛ لما تقدم من أن امرأته كانت عقيماً لا تلد. والله أعلم. قوله تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي لم نسمّ أحداً قبل يحيـى بهذا الاسم؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن أسلم والسدي. ومَنَّ عليه تعالى بأن لم يَكِل تسميته إلى الأبوين. وقال مجاهد وغيره: {سَمِيّاً } معناه مثلاً ونظيراً، وهو مثل قوله تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65] معناه مثلاً ونظيراً وهذا كأنه من المساماة والسموّ؛ وهذا فيه بعد؛ لأنه لا يفضّل على إبراهيم وموسى؛ اللهم إلا أن يفضّل في خاص كالسؤدد والحصر حسب ما تقدّم بيانه «في آل عمران». وقال ابن عباس أيضاً: معناه لم تلد العواقر مثله ولداً. وقيل: إن الله تعالى اشترط القَبْل، لأنه أراد أن يخلق بعده أفضل منه وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية دليل وشاهد على أن الأسامي السُّنُع جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنزه عن النبز حتى قال قائل:شعر : سُنُعُ الأسَامِي مُسْبِلِي أُزُر حُمْرٍ تَمَسُّ الأرضَ بالهُدبِ تفسير : وقال رؤبة للنسابة البكري وقد سأله عن نسبه: أنا ابن العَجَّاج؛ فقال: قَصَّرتَ وعَرَّفتَ. قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} ليس على معنى الإنكار لما أخبر الله تعالى به، بل على سبيل التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولداً من امرأة عاقر وشيخ كبير. وقيل: غير هذا مما تقدّم في «آل عمران» بيانه. {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} يعني النهاية في الكبر واليبس والجفاف؛ ومثله العُسِي؛ قال الأصمعيّ: عَسَا الشيءُ يَعسُ عُسوًّا وعَسَاء ممدود أي يَبِس وصَلُب، وقد عسا الشيخُ يَعسو عُسِيّا وَلَّى وكَبِرَ مثل عَتَا؛ يقال: عَتَا الشيخُ يَعتو عُتياً وعِتيًّا كبر وولّى، وعتوت يا فلان تعتو عتواً وعتِياً. والأصل عتوّ لأنه من ذوات الواو، فأبدلوا من الواو ياء؛ لأنها أختها وهي أخفّ منها، والآيات على الياءات، ومن قال: «عِتِيًّا» كره الضمة مع الكسرة والياء؛ وقال الشاعر:شعر : إنما يُعذَرُ الوليدُ ولا يُعْــذَرُ من كان في الزّمان عِتِيَّا تفسير : وقرأ ابن عباس «عُسِيًّا» وهو كذلك في مصحف أبيّ. وقرأ يحيـى بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص «عِتِيا» بكسر العين وكذلك «جِثيا» و«صِلِيا» حيث كن. وضم حفص «بُكِيًّا» خاصة، وكذلك الباقون في الجميع، وهما لغتان. وقيل: «عِتيا» قَسِيّا؛ يقال: ملك عاتٍ إذا كان قاسي القلب. قوله تعالى: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي قال له الملَك «كذلك قال ربك» والكاف في موضع رفع؛ أي الأمر كذلك؛ أي كما قيل لك: «هو عليّ هين». قال الفراء: خَلْقه عليّ هيِّن. {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ} أي من قبل يحيـى. وهذه قراءة أهل المدينة والبصرة وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين «وَقَدْ خَلَقْنَاكَ». بنون وألف بالجمع على التعظيم. والقراءة الأولى أشبه بالسواد. {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} أي كما خلقك الله تعالى بعد العدم ولم تك شيئاً موجوداً، فهو القادر على خلق يحيـى وإيجاده. قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً} طلب آية على حملها بعد بشارة الملائكة إياه، وبعد قول الله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} زيادة طمأنينة؛ أي تمم النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة. وقيل: طلب آية تدله على أن البشرى منه بيحيـى لا من الشيطان؛ لأن إبليس أوهمه ذلك. قاله الضحاك وهو معنى قول السدي؛ وهذا فيه نظر لإخبار الله تعالى بأن الملائكة نادته حسب ما تقدّم في «آل عمران» {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} تقدّم في «آل عمران» بيانه فلا معنى للإعادة.

البيضاوي

تفسير : { يٰزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ } جواب لندائه ووعد بإجابة دعائه وإنما تولى تسميته تشريفاً له. {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } لم يسم أحد بيحيـى قبله، وهو شاهد بأن التسمية بالأسامي الغريبة تنويه للمسمى. وقيل سمياً شبيهاً كقوله تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}تفسير : [مريم: 65] لأن المتماثلين يتشاركان في الاسم، والأظهر أنه أعجمي وإن كان عربياً فمنقول عن فعل كيعيش ويعمل. وقيل سمي به لأنه حيـي به رحم أمه، أو لأن دين الله حيـي بدعوته.

ابن كثير

تفسير : هذا الكلام يتضمن محذوفاً، وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه، فقيل له: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} كما قال تعالى: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [آل عمران: 38 - 39] وقوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} قال قتادة وابن جريج وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير رحمه الله. قال مجاهد: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي: شبيهاً، وأخذه من معنى قوله: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 65] أي: شبيهاً، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله، وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقراً من أول عمرها، بخلاف إبراهيم، وسارة عليهما السلام، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما، لا لعقرهما، ولهذا قال: {أية : أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تفسير : [الحجر: 54] مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة، وقالت امرأته: {أية : يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} تفسير : [هود: 72 - 73].

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى في إجابة طلبه الابن الحاصل به رحمته: { يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ } يَرِثُ كما سألت {ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } أي: مسمى بيحيى.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَا زَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى} فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث: أن يفرد بتسميته. فدل ذلك على أمرين: أحدهما: اختصاصه به. الثاني: على اصطفائه له. قال مقاتل سماه يحيى لأنه صبي بين أب شيخ وأم عجوز {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيَّاً} فيه ثلاثة اقاويل: أحدها: أي لم تلد مثله العواقر، قاله ابن عباس. فيكون المعنى لم نجعل له مثلاً ولا نظيراً. الثاني: أنه لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً، قاله مجاهد. الثالث: أي لم يسم قبله باسمه أحد، قاله قتادة.

ابن عطية

تفسير : المعنى قيل له بإثر دعائه {يا زكريا إنا نبشرك بغلام} يولد لك {اسمه يحيى} وقرأ الجمهور "بَشِّرك" بفتح الباء وكسر الشين مشددة، وقرأ أصحاب ابن مسعود "نبْشُرك" بسكون الباء وضم الشين، قال قتادة: سمي {يحيى} لأن الله أحياه بالنبوءة والإيمان، وقال بعضهم سمي بذلك لأن الله أحيا له الناس بالهدى. وقوله {سمياً} معناه في اللغة لم نجعل لم مشاركاً في هذا الاسم، أي لم يتسم قبل بـ {يحيى} وهذا قول قتادة وابن عباس وابن أسلم والسدي، وقال مجاهد وغيره {سمياً} معناه مثلاً ونظيراً وهذا كأنه من المساماة والسمو، وفي هذا بعد لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى اللهم إلا أن يفضل في خاص بالسؤود والحصر. وقال ابن عباس معناه لم تلد العواقر مثله. وقول زكرياء {أنى يكون لي غلام} اختلف الناس فيه فقالت فرقة: إنما كان طلب الولي دون تخصيص ولد فلما بشر بالولد استفهم عن طريقه مع هذه الموانع منه، وقالت فرقة: إنما كان طلب الولد وهو بحال يرجو الولد فيها بزواج غير العاقر أو تسرٍّ، ولم تقع إجابته إلا بعد مدة طويلة صار فيها الى حال من لا يولد له فحينئذ استفهم وأخبر عن نفسه بـ {الكبر} والعتو فيه. وقالت فرقة: بل طلب الولد فلما بشر به لحين الدعوة تفهم على جهة السؤال لا على جهة الشك كيف طريق الوصول الى هذا وكيف نفذ القدر به؟ لا أنه بعد عنده هذا في قدرة الله. و"العتي" و"العسي" المبالغة في الكبر أو يبس العود أو شيب الرأس أو عقيدة ما ونحو هذا، وقرأ حمزة الكسائي "عِتياً" بكسر العين والباقون بضمها، وقرأ ابن مسعود "عَتياً" بفتح العين، وحكى أبو حاتم أن ابن مسعود قرأ "عُسياً" بضم العين وبالسين وحكاها الداني عن ابن عباس أيضاً، وحى الطبري عن ابن عباس أنه قال: ما أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ولا أدري أكان يقرأ {عتياً} أو "عسياً" بالسين. وحكى الطبري عن السدي أنه قال: نادي جبريل زكرياء إن الله يبشرك {بغلام إسمه يحيى} فلقيه الشيطان فقال له إن ذلك الصوت لم يكن لملك وإنما كان لشيطان فحينئذ قال زكرياء {أنى يكون لي غلام}، ليثبت إن ذلك من عند الله، و {زكرياء} هو من ذرية هارون عليه السلام، وقال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة وقيل ابن سبعين وقال الزجاج: ابن خمس وستين فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له. وقوله {قال كذلك} قيل إن المعنى قال له الملك {كذلك} فليكن الوجود كما قيل لك {قال ربك} خلق الغلام {عليّ هين}، أي غير بدع فكما {خلقتك من قبل} وأخرجتك من عدم الى وجود كذلك أفعل الآن، وقال الطبري: معنى قوله {كذلك} أي الأمران اللذان ذكرت من المرأة العاقر والكبرة هو {كذلك} ولكن {قال ربك} قال القاضي والمعنى عندي قال الملك {كذلك} أي على هذه الحال {قال ربك هو علي هين}. وقرأ الجمهور "وقد خلقتك" وقرأ حمزة الكسائي "وقد خلقناك". وقوله {ولم تك شيئاً} أي موجوداً، قال زكرياء {رب اجعل لي آية} علامة أعرف بها صحة هذا وكونه من عندك. وروي أن زكرياء عليه السلام لما عرف ثم طلب الآية بعد ذلك عاقبه الله تعالى بأن أصابه بذلك السكوت عن كلام الناس، وذلك وإن لم يكن عن مرض خرس أو نحوه ففيه على كل حال عقاب. ما روي عن ابن زيد أن زكرياء لما حملت زوجته منه يحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم احداً، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه، ويحتمل على هذا أن يكون قوله {اجعل لي آية} معناه علامة أعرف بها أن الحمل قد وقع، وبذلك فسر الزجاج. ومعنى قوله {سوياً} فيما قال الجمهور صحيحاً من غير علة ولا خرس، وقال ابن عباس أيضاً ذلك عائد على "الليالي" أراد كاملات مستويات، وقوله {فخرج على قومه} المعنى أن الله تعالى أظهر الآية بأن خرج زكرياء من محرابه وهو موضع مصلاة، و {المحراب} أرفع المواضع والمباني اذ هي تحارب من ناوأها ثم خص بهذا الاسم مبنى الصلاة، وكانوا يتخذونها فيما ارتفع من الأرض، واختلف الناس في اشتقاقه، فقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمة يحارب الشيطان والشهوات، وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرَب بفتح الراء كأن ملازمه يلقى منه حرباً وتعباً ونصباً، وفي اللفظ بعد هذا نظر، وقوله {فأوحى} قال قتادة وابن منبه: كان ذلك بإشارة، وقال مجاهد: بل بأن كتبه في التراب. قال القاضي أبو محمد: وكلا الوجهين وحي. وقوله {أن سبحوا}، {أن} مفسرة بمعنى "أي"، و {سبحوا} قال قتادة: معناه صلوا، والسبحة الصلاة، وقالت فرقة: بل أمرهم بذكر الله وقول سبحان الله. وقرأ طلحة "أن سبحوه" بضمير، وباقي الآية ويقال "وحى وأوحى" بمعنى واحد.

ابن عبد السلام

تفسير : {نُبَشِّرُكَ} بإجابة الدعوة، وإعطاء الولد، وتفرد الرب ـ عز وجل ـ بتسميته اختصاصاً له واصطفاء، سمي يحيى، لأنه حَيَ بين شيخ وعجوز. {سَمِيّاً} لم تلد العواقر مثله فلا مثل له ولا نظير، أو لم نجعل لزكريا قبل يحيى ولداً، أو لم نُسمِّ أحداً قبله باسمه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ}. اختلفُوا في المنادي، فالأكثرون على أنَّه هو الله تعالى؛ لأنَّ زكريَّا إنَّما كان يخاطبُ الله تعالى، ويسأله بقوله: {أية : رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} تفسير : [مريم:4]، وبقوله: {أية : وَلَمْ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا} تفسير : [مريم:4] وبقوله: "فهب لي"، وبقوله بعده: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ}، فوجب أن يكون هذا النداءُ من الله تعالى، وإلاّ لفسد [المعنى و] النَّظْم، وقيل: هذا النداءُ من الملكِ؛ لقوله: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} تفسير : [آل عمران: 39]. وأيضاً: فإنه لمَّا قال: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 8، 9]. وهذا لا يجوزُ أن يكونُ كلام الله؛ فوجب أن يكون كلام الملكِ. ويمكنُ أن يجاب بأنه يحتملُ أنَّه يحصل النداءان: نداءُ الله تعالى، ونداءُ الملائكة. ويمكنُ أن يكون قوله: {كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ} من كلام الله تعالى، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. فصل [في] الكلام اختصار، تقديره: استجاب الله دعاءهُ، فقال: {يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ}: بولدٍ، ويقال: زكريَّاء "بالمد والقصر"، ويقال: زكرَى أيضاً، نقله ابن كثيرٍ. فإن قيل: كان دعاؤهُ بإذنٍ، فما معنى البشارة؟ وإن كان بغير إذنٍ؛ فلماذا أقدم عليه؟. فالجوابُ: يجوز أن يسأل بغير إذن، ويحتمل أنَّه أذن له فيه، ولم يعلمْ وقته، فبُشِّر به. قوله: "يَحْيَى": فيه قولان: أحدهما: أنه اسمٌ أعجميٌّ، لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهرُ، ومنعهُ من الصَّرف؛ للعلميَّة والعجمةِ، وقيل: بل هو منقولٌ من الفعلِ المضارعِ، كما سمَّوا بـ "يَعْمُرَ" و "يعيشَ" و "يَمُوتَ" وهو يموت بنُ المُزرَّع. والجملة من قوله: "اسْمُهُ يَحْيى" في محلِّ جرِّ صفة لـ "غُلامٍ" وكذلك "لم نجعلْ" و "سَمِيًّا" كقوله: "رَضيًّا" إعراباً وتصريفاً، لأنَّه من السُّمُوِّ، وفيه دلالةٌ لقول البصريين: أن الاسم من السموِّ، ولو كان من الوسم، لقيل: وسيماً. فصل قال ابن عباسٍ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعكرمةُ، وقتادةُ: إنَّه لم يسمَّ أحدٌ قبله بهذا الاسم. وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاء: لم نجعل له شبهاً ومثلاً؛ لقوله تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} تفسير : [مريم: 65] أي: مثلاً. والمعنى: أنه لم يكن له مثلٌ؛ لأنَّهُ لم يعصِ، ولم يهُمَّ بمعصية قط؛ كأنَّه جواب لقوله {أية : وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} تفسير : [مريم:6] فقيل له: إنَّا نُبشِّرُكَ بغلامٍ، لم نجعلْ له شبيهاً في الدِّين، ومنْ كان كذلك، كان في غايةِ الرضا. وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّه يقتضي تفضيلُه على الأنبياءِ قبله؛ كآدَمَ، ونوحٍ، وإبراهيم، وموسى، [وعيسى]؛ وذلك باطلٌ. وقيل: لم يكن له مثلٌ في أمر النِّساء؛ لأنَّه كان سيِّداً وحصوراً. وقال عليٌّ بنُ أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: لم تَلدِ العواقرُ مثلهُ ولداً. وقيل: لأنَّ كُلَّ الناس، إنما يُسمُّونهم آباؤهم وأمهاتهم بعد دخولهم في الوجود، وأما يحيى فإنَّ الله سمَّاه قبل دخوله في الوجود، فكان ذلك من خواصِّه. وقيل: لأنَّه ولدُ شيخٍ، وعجوزٍ عاقرٍ. فصل في سبب تسميته بيحيى واختلفُوا في سبب تسميته بيحيى، فعن ابن عبَّاس: لأنَّ الله أحيا به عقر أمه، ويرد على هذا قصَّة إبراهيم، وزوجته، قالت: {أية : يَٰوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72] فينبغي أن يكون اسمُ ولدهم يحيى. وعن قتادة: لأنَّ الله تعالى أحيا قلبهُ بالإيمانِ والطَّاعة، والله تعالى سمَّى المطيعَ حيًّا، والعاصِيَ ميِّتاً؛ بقوله: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} تفسير : [الأنعام: 122]. وقال: {أية : إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24]. وقيل: لأنَّ الله تعالى أحياه بالطَّاعة؛ حتى لم يعص، ولم يهُمَّ بمعصيةٍ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما مِنْ أحدٍ إلاَّ وقد عَصَى، أو هَمَّ إلاَّ يحيى بنُ زكريَّا، فإنَّه لَمْ يهُمَّ ولَمْ يَعْملهَا" تفسير : وفي هذا نظر؛ لأنه كان ينبغي أن تسمى الأنبياء كلهم والأولياء بـ "يحيى". وقال ابن القاسم بن حبيب: لأنه استشهد، والشهداء أحياء عند ربهم، قال تعالى: {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [آل عمران: 169] وفي ذلك نظر؛ لأنه كان يلزم منه أن يُسَمَّى الشهداءُ كلُّهم بيَحْيَى. وقال عمرو بنُ المقدسيِّ: أوحى الله تعالى، إلى إبراهيم - عليه السلام - أنه قُلْ لسارَّة بأنِّي مخرجٌ منها عبداً، لا يَهُمُّ بمعصيةٍ اسمه حيى، فقال: هَبِي لهُ من اسمكِ حرفاً، فوهبته حرفاً من اسمها، فصار يَحْيَى، وكان اسمُها يسارة، فصار اسمها سارة. وقيل: لأنَّ يحيى أوَّلُ من آمن بعيسى، فصار قلبه حبًّا بذلك الإيمانِ. وقيل: إنَّ أمَّ يحيى كانت حاملاً به، فاستقبلتها مريم، وقد حملت بعيسى، فقالت لها أمُّ يحيى: يا مريمُ، أحاملٌ أنت؟ فقالت: لم تقولين؟ فقالت: أرى ما في بطني يسجُد لما في بطنك. قوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي: مِنْ أين يكُون لي غلامٌ، والغلامُ: هو الإنسانُ الذكر في ابتداءِ شهوته في الجماع، ويكونُ في التلميذ، يقال: غلامُ ثعلبٍ. {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً}. أي: وامرأتي عاقرٌ، ولم يقل: عاقرةٌ؛ لأنَّ من كان على "فاعل" من صفة المؤنَّث ممَّا لم يكن للمذكَّر، فإنَّه لا تدخل فيه الهاءُ، كامرأةٍ عاقرٍ وحائضٍ. قال الخليلُ: هذه صفاتُ المذكَّر، وصف بها المؤنَّث، كما وصف المذكَّر بالمؤنَّث؛ حيث قال: رجُلٌ نكَحةٌ، ورُبَعَةٌ، وغلامٌ نُفَعَةٌ. قوله: "عِتيًّا": فيه أربعةُ أوجه: أظهرها: أنه مفعولٌ به، أي: بلغتُ عتيًّا من الكبرِ، فعلى هذا "مِنَ الكِبرِ" يجوز أن يتعلَّق بـ "بَلغْتُ" ويجوز أن يتعلق بمحذوفٍ؛ على أنه حالٌ من "عِتِيًّا" لأنه في الأصلِ صفةٌ له؛ كما قدرته لك. الثاني: أن يكون مصدراً مؤكِّداً من معنى الفعل؛ لأنَّ بلوغَ الكبر في معناه. الثالث: أنَّه مصدر واقعٌ موقع الحالِ من فاعل "بَلَغْتُ" أي: عاتياً، ذا عتيٍّ. الرابع: أنه تمييزٌ، وعلى هذه الأوجه الثلاثة "مِنْ" مزيدةٌ، ذكره أبو البقاء، والأولُ هو الوجهُ. والعُتُوُّ: بزنة فعولٍ، وهو مصدر "عَتَا، يَعْتُو" أي: يَبِسَ، وصلُبَ، قال الزمخشريُّ: "وهو اليُبْسُ والجساوةُ في المفاصلِ، والعظام؛ كالعُودِ القاحل؛ يقال: عَتَا العُودُ وجسَا، أو بلغتُ من مدارِج الكِبرِ، ومراتبه ما يسمَّى عِتيًّا" يريد بقوله: "أوْ بلغْتُ" أنه يجوزُ أن يكون مِنْ "عَتَا يَعْتُو" أي: فسد. والأصلُ: "عُتُووٌ" بواوين، فاستثقل واوان بعد ضمتين، فكسرتِ التاءُ؛ تخفيفاً، فانقلبت الواو الأولى ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فاجتمع ياءٌ وواوٌ، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواوُ ياءً، وأدغمت فيها الأولى، وهذا الإعلالُ جارٍ في المفرد هكذا، والجمع: نحو: "عِصِيّ" إلا أنَّ الكثير في المفرد التصحيح؛ كقوله: {أية : وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيراً} تفسير : [الفرقان: 21] وقد يعلُّ كهذه الآية، والكثيرُ في الجمع الإعلالُ، وقد يصحَّحُ؛ نحو: "إنَّكُمْ لتنْظرُونَ في نحوٍّ كثيرةٍ" وقالوا: فُتِيٌّ وفُتُوٌّ. وقرأ الأخوان "عتيًّا" و {صِلِيّاً} [مريم: 70] و "بِكِيًّا" [مريم: 58] و {جِثِيًّا} [مريم: 72] بكسر الفاء للإتباع، والباقون بالضمِّ على الأصل. وقرأ عبدُ الله بن مسعودٍ بفتح الأوَّل من "عتيًّا" و "صَليًّا" جعلهما مصدرين على زنة "فعيلٍ" كالعجيجِ والرَّحيلِ. وقرأ عبد الله وأبي بن كعبٍ "عُسِيًّا" بضم العين، وكسر السينِ المهملة، وتقدم اشتقاقُ هذه اللفظة في الأعراف، وتصريفها. والعُتِيُّ والعُسِيُّ: واحدٌ. يقال: عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا، وعتيًّا، فهو عاتٍ، وعَسَا يَعْسُو عُسُوًّا وعسيًّا فهو عَاسٍ، والعَاسي: هو الذي غيرُه طولُ الزمانِ إلى حال البُؤس. وليل عاتٍ: طويل، وقيل: شديدُ الظلمة. فصل في هذه الآية سؤالان: أحدهما: لم تعجب زكريَّا - عليه الصلاة والسلام - بقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} مع أنَّه هو الذي طلب الغلام؟. والسؤال الثاني: قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} هذا التعجُّب يدل على الشك في قدرة الله تعالى على ذلك، وذلك كفر، وهو غير جائز على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؟. فالجوابُ عن الأول: أمَّا على قول من قال: ما طلب الولد، فالإشكال زائلٌ، وأمَّا على قول من قال: إنَّه طلب الولد، فالجوابُ أن المقصود من قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} هو البحث على أنه تعالى يجعلهما شابين، ثم يرزقهما، أو يتركهما شيخين، ويرزقهما الولد، مع الشيخوخة؟ ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} تفسير : [الأنبياء: 89، 90]. وما هذا الإصلاحُ إلاَّ أنَّه تعالى أعاد قُوَّة الولادة. وذكر السديُّ في الجواب وجهاً آخر، فقال: إنَّه لمَّا سمع النداء بالبشارة جاءهُ الشيطان، فقال: إنَّ هذا الصَّوت ليس من الله تعالى، بل من الشيطانِ يسخر منك، فلمَّا شكَّ زكريَّا قال: {ربّ، أنى يكُون لي غلامٌ}، وغرض السدي من هذا أن زكريا - عليه السلام - لو علم أن المبشَّر بذلك هو الله تعالى، لما جاز له أن يقول ذلك، فارتكب هذا. وقال بعضُ المتكلِّمين: هذا باطلٌ باتِّفاق؛ إذ لو جوَّز الأنبياءُ في بعض ما يردُ عن الله تعالى أنَّه من الشيطان، لجوَّزوا في سائره، ولزالتِ الثقة عنهم في الوحي، وعنَّا فيما يوردُونه إلينا. ويمكنُ أن يجاب عنه: بأنَّ هذا الاحتمال قائمٌ في أوَّل الأمر، وإنَّما يزولُ بالمعجزةِ، فلعلَّ المعجزةَ لم تكُن حاصلةً في هذه الصور، فحصل الشَّك هنا فيها دون ما عداها. والجوابُ عن السؤال الثاني من وجوه: الأول: أن قوله: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ}. ليس نصًّا في كون ذلك الغلام ولداً له، بل يحتمل أن يكون زكريَّا - عليه الصلاة والسلام - راعى الأدب، ولم يقل: هذا الغلام، هل يكون ولداً لي، أم لا، بل ذكر أسباب حُصُول الولدِ في العادة؛ حتى أنَّ تلك البشارة، إنْ كانت بالولد، فإن الله تعالى يزيلُ الإبهام، ويجعل الكلام صريحاً، فلمَّا ذكر ذلك، صرَّح الله تعالى بكون الولد منه، فكان الغرضُ من كلام زكريَّا هذا، لا أنه كان شاكًّا في قُدرة الله تعالى عليه. الثاني: أنه ما ذكر ذلك للشك، لكنْ على وجه التعظيم لقدرته، وهذا كالرجل الذي يَرَى صاحبه قد وهب الكثير الخطير، فيقول: أنَّى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا من ملكك! تعظيماً وتعجُّباً. الثالث: أن من شأن من بُشِّرَ بما يتمناه؛ أن يتولد له فرط السرور به عند أوَّل ما يرد عليه استثباتُ ذلك الكلام؛ إما لأن شدة فرحه به توجبُ ذهوله عن مقتضيات العقل والفكر، وهذا كما أن امرأة إبراهيم عليه السلام بعد أن بشرت بإسحاق قالت {أية : قَالَتْ يَٰوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} تفسير : [هود: 72] فأزيل تعجبها بقوله: {أية : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 73]، وإما طلباً للالتذاذ بسماع ذلك الكلام مرة أخرى، وإما مبالغةً في تأكيد التفسير. قوله: "كَذِلكَ": في محلِّ هذه الكاف وجهان: أحدهما: أنه رفع على خبر ابتداءٍ مضمرٍ، أي: الأمرُ كذلك، ويكون الوقفُ على: "كَذلِكَ"، ثم يبتدأ بجملةٍ أخرى. والثاني: أنها منصوبةُ المحلِّ، فقدَّرهُ أبو البقاء بـ "أفْعَلُ" مثل ما طلبتَ، وهو كنايةٌ عن مطلوبه، فجعل ناصبه مقدَّراً، وظاهره أنه مفعولٌ به. وقال الزمخشريُّ: "أو نصب بـ "قَالَ" و "ذَلِكَ" إشارةٌ إلى مُبْهم يفسره "هُو عليِّ هيِّنٌ"، ونحوه: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الحجر: 66]. وقرأ الحسن "وهُوَ عليَّ هيِّنٌ"، ولا يخرَّج هذا إلا على الوجه الأول، أي: الأمرُ كما قلت، وهو على ذلك يُهونُ عليَّ. ووجهٌ آخرُ: وهو أن يُشارَ بـ "ذَلِكَ" إلى ما تقدَّم من وعد الله، لا إلى قولِ زكريَّا، و "قَالَ"محذوفٌ في كلتا القراءتين. يعني قراءة العامَّة وقراءة الحسنِ - أي: قال: هُوَ عليَّ هيِّنٌ، قال: وهُوَ عليَّ هيِّنٌ، وإن شئت لمْ تنوهِ؛ لأنَّ الله هو المخاطب، والمعنى أنه قال ذلك، ووعدهُ وقوله الحقُّ". وفي هذا الكلام قلقٌ؛ وحاصله يرجع إلى أنَّ "قال" الثانية هي الناصبةُ للكاف. وقوله: "وقَالَ محذوفٌ" يعني تفريعاً على أنَّ الكلام قد تمَّ عند "قال ربُّك" ويبتدأ بقوله: "هُوَ عليَّ هيِّنٌ". وقوله: "وإنْ شِئْتَ لمْ تَنْوهِ"، أي: لم تَنْوِ القول المقدَّر؛ لأنَّ الله هو المتكلِّمُ بذلك. وظاهرُ كلام بعضهم: أنَّ "قال" الأولى مسندةٌ إلى ضمير الملكِ، وقد صرَّح بذلك ابن جريرٍ، وتبعه ابن عطيَّة. قال الطبريُّ: "ومعنى قوله "قال كذلكَ" أي: الأمران اللذان ذكرت من المرأةِ العاقر والكبرِ هو كذلك، ولكن قال ربُّك، والمعنى عندي: قال الملكُ: كذلك، أي: على هذه الحال، قال ربُّك، هو عليَّ هيِّنٌ" انتهى. وقرأ الحسن البصري "عَليِّ" بكسر ياء المتكلم؛ كقوله [الطويل] شعر : 3582 أ- عَليِّ لعمرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ لِوالِدِهِ ليْسَتْ بذاتِ عقَارِبِ تفسير : أنشدوه بالكسر. وتقدم الكلام على هذه المسألة في قراءة حمزة "بمُصْرِخيِّ" [إبراهيم: 22]. قوله: "وقَدْ خلقْتُكَ" هذه الجملة مستأنفةٌ، وقرأ الأخوان "خَلقْناكَ" أسنده إلى الواحد المعظِّمِ نفسهُ، والباقون "خلقْتُك" بتاء المتكلِّم. وقوله: "ولَمْ يَكُ شَيْئاً" جملةٌ حاليةٌ، ومعنى نفي كونه شيئاً، أي: شيئاً يعتدُّ به؛ كقوله: [البسيط] شعر : 3582 ب-............................... إذا رَأى غيْرَ شيءٍ ظنَّهُ رَجُلاَ تفسير : وقالوا: عجبتُ من لا شيءٍ، ويجوز أن يكون قال ذلكَ؛ لأنَّ المعدومَ ليس بشيءٍ. فصل قيل: إطلاق لفظ "الهَيِّن" في حق الله تعالى مجاز؛ لأن ذلك إنما يجوزُ في حقِّ من يجوز أن يصعب عليه شيء، ولكن المراد؛ أنه إذا أراد شيئاً كان. ووجه الاستدلال بقوله تعالى {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} فنقول: إنه لما خلقه من العدم الصَِّرف والنفي المحضِ، كان قادراً على خلق الذوات والصفات والآثار، وأما الآن، فخلق الولد من الشيخ والشيخة لا يحتاج فيه إلا إلى تبديل الصفات، والقادرُ على خلق الذوات والصفات والآثار معاً أولى أن يكون قادراً على تبديل الصفات، وإذا أوجده عن العدم، فكذا يرزقه الولد بأن يعيد إليه وإلى صاحبته القوَّة التي عنها يتولَّد الماءان اللذان من اجتماعهما يُخلقُ الولد. فصل الجمهورُ على أنَّ قوله: "قال: كذلِكَ قال ربُّكَ" يقتضي أن القائلَ لذلك ملك مع الاعتراف بأن قوله {يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ} قول الله تعالى، وقوله {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} قول الله تعالى، وهذا بعيدٌ؛ لأنه إذا كان ما قبل هذا الكلام وما بعده قول الله تعالى، فكيف يصحُّ إدراجُ هذه الألفاظ فيما بين هذين القولين، والأولى أن يقال: قائلُ هذا القول أيضاً هو الله تعالى؛ كما أن الملك العظيم، إذا وعد عبده شيئاً عظيماً، فيقول العبد: من أين يحصلُ لي هذا، فيقول: إن سلطانكَ ضمِنَ لك ذلك؛ كأنه ينبه بذلك على أن كونه سلطاناً ممَّا يوجب عليه الوفاء بالوعد، فكذا ههنا. قوله: { قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا}. أي: اجعل لي علامة ودلالة على حمل امرأتي. فصل قال بعضُ المفسِّرين: طلب الآية لتحقيق البشارة، وهذا بعيد؛ لأن بقول الله تعالى قد تحقَّقت البشارةُ، فلا يكون إظهار الآية أقوى في ذلك من صريح القول، وقال آخرون: البشارةُ بالولدِ وقعت مطلقة، فلا يعرف وقتها بمجرَّد البشارة، فطلب الآية ليعرف بها وقت الوقوعِ، وهذا هو الحق. واتفقوا على أن تلك الآية هي تعذرُ الكلام عليه، فإن مجرَّد السكوتِ مع القدرةِ على الكلام لا يكونُ معجزةً، ثم اختلفوا على قولين: أحدهما: أنه اعتقل لسانه أصلاً. والثاني: أنه امتنع عليه الكلامُ مع القوم على وجه المخاطبة، مع أنه كان متمكناً من ذكر الله، ومن قراءة التوراة، وهذا القولُ عندي أصحُّ؛ لأن اعتقال اللسان مطلقاً قد يكون لمرضٍ، وقد يكون من فعل الله، فلا يعرف زكريا عليه السلام أن ذلك الاعتقال معجزٌ إلا إذا عرف أنه ليس لمرض، بل لمحضِ فعل الله تعالى مع سلامة الآلات، وهذا مما لا يعرف إلا بدليل آخر، فتفتقر تلك الدلالة إلى دلالة أخرى، أما لو اعتقل لسانه عن الكلام، مع القوم، مع اقتداره على التكلم بذكر الله تعالى وقراءةِ التوراةِ، علم بالضرورة؛ أن ذلك الاعتقال ليس لعلَّةٍ ومرضٍ، بل هو لمحض فعل الله، فيتحقق كونه آية ومعجزة، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: {ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} خص ذلك بالتكلم مع الناس؛ وهذا يدلُّ بطريق المفهوم؛ أنه كان قادراً على التكلُّم مع غير الناس. قوله: "سَوِيًّا": حالٌ من فاعل "تُكَلِّمَ"، وعن ابن عباس: أنَّ "سويًّا" من صفةِ الليالي بمعنى "كاملات"، فيكونُ نصبه على النعت للظرف، والجمهورُ على نصب ميم "تُكَلِّم" جعلوها الناصبة. وابن أبي عبلة بالرفعِ، جعلها المخففة من الثقيلة، واسمها ضميرُ شأنٍ محذوف، و "لا" فاصلةٌ، وتقدَّم تحقيقه. وقوله: "أنْ سَبِّحُوا": يجوز في "أنْ" أن تكون مفسِّرة لـ "أوْحَى"، وأن تكون مصدرية مفعولة بالإيحاء، و "بُكْرَةً وعشِيًّا" ظرفا زمانٍ للتسبيح، وانصرفت "بُكْرَةً"؛ لأنه لم يقصدْ بها العلميَّةُ، فلو قُصِدَ بها العلميةُ امتنعت من الصَّرف، وسواءٌ قصد بها وقتٌ بعينه؛ نحو: لأسيرنَّ الليلة إلى بكرة، أم لم يقصدْ؛ نحو: بكرةُ وقتُ نشاطٍ؛ لأنَّ علميَّتها جنسيَّةٌ؛ كأسامة، ومثلها في ذلك كله "غُدْوة". وقرأ طلحة "سَبِّحُوه" بهاءِ الكناية، وعنه أيضاً: "سَبِّحُنَّ" بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة مؤكَّداً بالثقيلة، وهو كقوله: {أية : لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} تفسير : [هود: 8]، وقد تقدَّم تصريفه. قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ}، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه؛ أن يفتح لهم الباب، فيدخلون ويصلون؛ إذ خرج عليهم زكريا متغيِّراً لونه، فأنكروه، فقالوا: ما لك يا زكريا {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ}. قال مجاهدٌ: كتب لهم الأرض، {أَن سَبِّحُواْ}، أي صلوا لله، {بُكْرَةً}، غدوة، {وَعَشِيًّا}، معنا أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشياً، فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقتُ حمل امرأته، ومنع الكلام خرج إليهم، فأمرهم بالصلاة إشارة. قوله عز وجل: {يَٰيَحْيَىٰ}، قيل: فيه حذف معناه: وهبنا له يحيى، وقلنا له: يا يحيى، {خُذِ ٱلْكِتَٰبَ}، يعني التوراة، وقيل يحتمل أن يكون كتاباً خصَّ الله به يحيى، كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك، والأول أولى؛ لأن حمل الكلام ههنا على المعهود السابق أولى، ولا معهود إلا التوراة. وقوله {يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ} يدلُّ على أن الله تعالى بلغ بيحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطبه بذلك، فحذف ذكره؛ لدلالة الكلام عليه. قوله: "بقُوَّة" حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبساً أنت، أو ملتبساً هو بقُوَّة؛ وليس المراد بالقوة القدرة على الأخذ؛ لأن ذلك معلوم لكلِّ أحد، فيجب حمله على معنى يفيد المدح، وهو الجد والصبر على القيام بأمر النبوة، وحاصلها يرجع إلى حصول ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمُور به، والإحجام عن المنهيِّ عنه. قوله: {وَءَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا}. قال ابن عبَّاس: الحكم: النُّبوة "صَبِيًّا"؛ وهو ابن ثلاث سنين وقيل: الحكمُ فهم الكتاب، فقرأ التوراة وهو صغيرٌ. وقيل: هو العَقْل، وهو قولُ مُعَمَّر. وروي أنه قال: ما للَّعبِ خُلِقْنا. والأوَّل أولى؛ لأنَّ الله تعالى أحكم عقلهُ في صباه، وأوحى إليه، فإنَّ الله تعالى بعث عيسى ويحيى - عليهما الصلاة والسلام - وهما صبيَّانِ، لا كما بعث موسى ومحمَّداً - عليهما الصلاة والسلام - وقد بلغا الأشُدَّ. فإن قيل: كيف يعقلُ حصولُ العقل والفطنة والنُّبُوَّة حال الصِّبَا. فالجوابُ: هذا السَّائِلُ إمَّا أن يمنع خرق العاداتِ، أو لا يمنع منه، فإن منع منه، فقد سدَّ باب النبوات؛ لأنَّ الأمر فيها على المعجزات، ولا معنى لها إلا خرق العاداتِ، وإن لم يمنع منه، فقد زال هذا الاستبعادُ؛ فإنَّه ليس استبعاد صيرورةِ الصَّبيِّ عاقلاً أشدَّ من استبعاد انشقاقِ القمر، وانفلاق البحر، و "صبيًّا": حال من "هاء" آتيناه. قوله "وحَنَاناً": يجوز أن يكون مفعولاً به، نسقاً على "الحُكْمَ" أي: وآتَيْنَاهُ تَحَنُّناً. والحنانُ: الرحمةُ واللِّينُ، وأنشد أبو عبيدة قول الحطيئةِ لعمر بن الخطَّاب: [المتقارب] شعر : 3583 أ - تَحَنَّنْ عَليَّ هدَاكَ المَلِيكُ فإنَّ لِكُلِّ مقامٍ مقَالا تفسير : قال: وأكثر استعماله مُثَنًّى؛ كقولهم: حَنَانَيْكَ، وقوله: شعر : 3583 ب -......................... حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ من بعضِ تفسير : [وجوَّز] فيه أبو البقاء أن يكون مصدراً، كأنَّه يريدُ به المصدر الواقع في الدعاء؛ نحو: سَقْياً ورَعْياً، فنصبه بإضمار فعلٍ [كأخواته]، ويجوز أن يرتفع على خبر ابتداءٍ مضمر؛ نحو: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} تفسير : [يوسف: 18] و {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأعراف: 46] في أحد الوجهين، وأنشد سيبويه: [الطويل] شعر : 3584- وقَالَتْ حنانٌ مَا أتى بِكَ هَهُنَا أذُو نسبٍ أمْ أنتَ بالحَيِّ عارفُ تفسير : وقيل لله تعالى: حنَّّانٌ، كما يقال له "رَحِيمٌ" قال الزمخشريُّ: "وذلك على سبيل الاستعارةِ". فصل في المراد بـ "حَنَاناً" اعلم أن الحنان: أصله من الحنين، وهو الارتياحُ، والجزع للفراق كما يقال: حنينُ النَّاقة، وهو صوتها، إذا اشتاقت إلى ولدها، ذكره الخليل. وفي الحديث: أنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان يُصلِّي إلى جذعٍ في المسجد، فلمَّا اتَّخذ المنبر، وتحوَّل إليه، حنَّت تلك الخشبةُ، حتَّى سُمِعَ حنينُها، وهذا هو الأصل، ثُمَّ يقال: تَحَنَّنَ فلانٌ على فلانٍ، إذا [تعطَّف] عليه ورحمهُ. واختلف الناس في وصف الله تعالى بالحنان، فأجازه بعضهم، وجعلهُ بمعنى الرَّؤُوف الرَّحيم، ومنهم من أباه؛ لما يرجع إليه أصلُ الكلمة. قالوا: ولم يصحُّ الخبر بهذه اللفظة في أسماء الله تعالى. وإذا عرف هذا، فنقولُ: في الحنانِ ها هنا وجهانِ: الأول: أن نجعله صفةً لله تعالى. والثاني: أن نجعله صفةً لـ "يحيى"، فإن جعلناه صفة لله تعالى، فيكونُ التقديرُ: وآتيناهُ الحكم حناناً، أي: رحمةً منَّا. ثم هاهنا احتمالات: الأول: أن يكون الحنانُ من الله تعالى لـ "يحيى"، والمعنى: وآتيناهُ الحكم صبيًّا حناناً [منَّا] عليه، أي: رحمة عليه، "وزكَاةً" أي: وتزكيةً، وتشريفاً له. والثاني: أن يكون الحنانُ من الله تعالى لزكريَّا، والمعنى: أنا استجبنا لزكريَّا دعوته بأن أعطيناه ولداً ثم آتيناه الحكم صبيًّا وحناناً من لدُنَّا على زكريا فعلنا ذلك "وزَكَاةً" أي: تزكيةً له عن أن يصير مردود الدُّعاء. الثالث: أن يكُون الحنانُ من الله تعالى لأمَّة يحيى - عليه السلام - والمعنى: آتيناه الحكم صبيًّا حناناً على أمَّته؛ لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده. وإن جعلناه صفةً ليحيى - عليه السلام - ففيه وجوهٌ: الأول: آتيناهُ الحكم والحنان على عبادنا، أي والتعطُّف عليهم وحسن النَّظر لهم، كما وصف محمَّداً - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {أية : حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128] وقوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} تفسير : [آل عمران: 159] وقوله: "وزَكَاةً" أي: شفقةً، ليست داعيةً إلى الإخلال بالواجب؛ لأنَّ الرأفة واللِّين ربَّما أورثا ترك الواجب؛ ألا ترى إلى قوله: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 2] وقال: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} تفسير : [التوبة: 123] وقال: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} تفسير : [المائدة: 54]. والمعنى: أنَّا جمعنا له التعطُّف على عباد الله، مع الطَّهارة عن الإخلال بالواجبات، ويحتمل أنَّا آتيناه التعطُّف على الخلق، والطَّهارة [عن المعاصي]، فلم يَعْص، ولم يَهُمَّ بمعصية. الثاني: قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا}: تعظيماً من لدنا. والمعنى: آتيناهُ الحكم صبيًّا؛ تعظيماً إذ جعلناه نبيًّا وهو صبيٌّ، ولا تعظيم أكثر من هذا؛ ويدلُّ عليه ما رُوِيَ أنَّ ورقة بن نوفلٍ مرَّ على بلالٍ، وهو يعذب، قد ألصقَ ظهرهُ برمضاء البطحاء، وهو يقول: أحدٌ، أحدٌ، فقال: والذي نفسي بيده، لئنْ قتلْتُمُوه، لاتَّخذنَّهُ حناناً، أي: مُعَظَّماً. قوله: "مِنْ لَدُنَّا" صفةٌ له. قوله: "وَزَكاةً". قال ابن عباس: هي الطَّاعة، والإخلاص. وقال قتادةُ والضحاك: هو العملُ الصَّالح. والمعنى: آتيناهُ رحمةً من عندنا، وتحنُّناً على العبادِ؛ ليدعوهم إلى طاعة ربِّهم، وعملاً صالحاً في إخلاص. وقال الكلبيُّ: صدقة تصدَّق الله بها على أبويه، وقيل: زكَّيناه بحُسْن الثَّناء، أي كما يزكِّي الشهودُ الإنسان. وهذه الآيةُ تدلُّ على أن فعل العبد خلقٌ لله تعالى لأنه جعل طهارتهُ وزكاتهُ من الله تعالى، وحملهُ على الألطاف بعيدٌ؛ لأنَّه عدولٌ عن الظَّاهرِ. قوله: {وَكَانَ تَقِيًّا} مُخْلِصاً مُطِيعاً، والتَّقيُّ: هو الذي يتقي ما نهى الله عنه [فيجتنبه]، ويتقي مخالفة أمر الله، فلا يهمله، وأولى النَّاس بهذا الوصف من لم يعْصِ الله، ولا همَّ بمعصيةٍ، وكان يحيى - عليه الصلاة والسلام - كذلك. فإن قيل: ما معنى قوله {وَكَانَ تَقِيًّا} وهذا حين ابتداء تكليفه. فالجوابُ: إنَّما خاطب الله تعالى الرسُول بذلك وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم الله تعالى عليه. قوله: "وبَرًّا": يجوز أن يكون نسقاً على خبر "كان" أي: كان تقيًّا برًّا. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدَّر، أي: وجعلناه برًّا، وقرأ الحسن "بِرًّا" بكسر الباء في الموضعين، وتأويله واضحٌ، كقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ} تفسير : [البقرة: 177] وتقدَّم تأويله، و "بِوالِدَيْهِ" متعلقٌ بـ "بَرًّا". و "عَصِيًّا" يجوز أن يكون وزنه "فَعُولاً" والأصل: "عَصُويٌ" ففعل فيه ما يفعلُ في نظائره، و "فَعُولٌ" للمبالغة كـ "صَبُور" ويجوز أن يكون وزنه فعيلاً، وهو للمبالغة أيضاً. فصل في معنى الآية قوله: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ} أي: بارًّا لطيفاً بهما محسناً إليهما، {ولمْ يكُن جبَّاراً عصيًّا}. الجبَّار المتكبِّر. وقال سفيان: الجبَّار الذي يضرب ويقتل على الغضب؛ لقوله تعالى: {أية : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 19]؛ ولقوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} تفسير : [الشعراء: 130] والجبَّارُ أيضاً: القهار، قال تعالى {أية : ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ} تفسير : [الحشر: 23]. والعَصِيُّ: العاصِي، والمراد: وصفة بالتواضع، ولين الجانب، وذلك من صفات المؤمنين؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الحجر: 88] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} تفسير : [آل عمران: 159]. وقيل: الجبَّار: هو الذي لا يرى لأحدٍ على نفسه حقًّا. وقيل غير [ذلك] وقوله: "عصيا" وهو أبلغُ من العاصي، كما أن العليمَ أبلغُ من العالم. قوله: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً}. قال محمد بن جرير الطبريُّ {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} أي: أمانٌ من الله يوم ولد من أن تتناوله الشياطين، كما تناولُ سائر بني آدم {وَيَوْمَ يَمُوتُ} أي: وأمانٌ عليه من عذاب القبر، {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} أي: ومن عذاب يوم القيامة. وقال سفيان بن عيينة: أوحشُ ما يكونُ الإنسان في هذه الأحوال [الثلاثة يوم يُولَدُ]، فيرى نفسه خارجاً [مما كان فيه، ويوم يموتُ، فيرى يوماً، لم يكن عاينهُ، ويوم يبعثُ، فيرى نفسهُ] في محشرٍ عظيمٍ، لم ير مثله، فأكرم الله يحيى - عليه السلام - فخصَّه بالسلامة في هذه المواطن الثلاثة. قال عبدُ الله بن نفطويه: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} أي: أوَّل ما رأى الدُّنيا، {وَيَوْمَ يَمُوتُ} أي: أول يوم يرى فيه أمْرَ الآخرة {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} أي: أوَّل يومٍ يرى فيه الجنَّة والنَّار. فصل في مزية السلام على يحيى السلام يمكن أن يكون من الله، وأن يكون من الملائكة، وعلى التقديرين، فيدلُّ على شرفه وفضله؛ لأنَّ الملائكة لا يُسَلَِّمون إلا عن أمر الله. ويدلُّ على أن ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء؛ كقوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ} تفسير : [الصافات: 79] {أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الصافات: 109]. وقال ليحيى: {يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}. وليس لسائر الأنبياء. ورُوِي أن عيسى - عليه السلام - قال ليحيى - عليه السلام -: أنت أفضلُ منِّي؛ لأنَّ الله تعالى قال: سلامٌ عليك وأنا سلَّمتُ على نفسي؛ لأن عيسى معصومٌ، لا يفعل إلا ما أمره الله به. واعلم: أنَّ السَّلام عليه يوم ولد يكون تفضُّلاً من الله تعالى؛ لأنه لم يتقدَّمه عملٌ يكونُ ذلك السلام جزاءً له، وأمَّا السَّلام عليه يوم يموتُ، ويوم يبعثُ حيًّا، عملٌ يكونُ ذلك السلام جزاءً له، وأمَّا السَّلام عليه يوم يموتُ، ويوم يبعثُ حيًّا، فيجوزُ أن يكُون ثواباً؛ كالمَدْح والتَّعْظِيم. فصل في فوائد هذه القصة في فوائد هذه القصَّة [أمورٌ] منها: تعليمُ آداب الدعاء، وهو قوله: "نِدَاءً خفيًّا" يدلُّ على أفضل الدعاء خفيةً ويؤكِّدهُ قوله تعالى: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} تفسير : [الأعراف: 55]؛ ولأنَّ رفع الصوت مشعرٌ بالقُوَّة والجلادةِ، وإخفاءُ الصوت مشعرٌ بالضعف والانكسار، وعمدة الدُّعاء الانكسار والتبرِّي عن حول النَّفس وقوَّتها، والاعتمادُ على فضل الله تعالى وإحسانه. ويستحبُّ أن يذكر في مقدِّمة الدعاء عجز النَّفس وضعفها؛ كقوله: {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} ثم يذكر نعم الله تعالى؛ كقوله: {وَلَمْ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا} ويكون الدعاء لما يتعلق بالدين لا لمحض الدنيا، كقوله: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ} وأن يكون الدُّعاء بلفظ: يا ربِّ. كما ذكر فيها بيان فضل زكريَّا، ويحيى - عليهما السلام - أما زكريَّا؛ فلتضرُّعه وانقطاعه إلى الله تعالى بالكليَّة، وإجابة الله تعالى دعاءه، وأن الله تعالى بشَّره، وبشَّرته الملاشكةُ، واعتقالُ لسانه عن الكلام دُون التَّسبيح. وأمَّا يحيى؛ فلأنَّه لم يجعل له من قبلُ سميًّا، وقوله {يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا}، وكونه رحيماً حناناً وطاهراً، وتقيًّا، وبرًّا بوالديه، ولم يكن جبَّاراً، ولم يعص قطُّ، ولا همَّ بمعصية، ثم سلَّم عليه يوم ولد، ويوم يموتُ، ويوم يبعثُ حيًّا. ومنها: كونُه تعالى قادراً على خلق الولد، وإن كان الأبوان في نهاية الشيخوخة ردًّا على أهل الطَّبائع. ومنها: أن المعدوم ليس بشيءٍ؛ لقوله: {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}. فإن قيل: المرادُ "ولم تَكُ شيئاً مذكُوراً" كما في قوله: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} تفسير : [الإنسان: 1]. فالجوابُ: أنَّ الإضمار خلافُ الأصل، وللخصمِ أن يقول: الآيةُ تدلُّ على أن الإنسان لم يكُن شيئاً مذكوراً، ونحنُ نقولُ به؛ لأنَّ الإنسان عبارة عن جواهر متألِّفة قامت بها أعراضٌ مخصوصةٌ، والجواهرُ المتألِّفة الموصوفة بالأغراض المخصوصة ليس ثابتة في العدمِ، وإنَّما الثابتُ هو [أعيانُ] تلك الجواهر مفردة غير مركَّبة، وهي ليست بالإنسان، فظهر أن الآية لا دلالة فيها على المطلوب. ومنها أن الله تعالى ذكر هذه القصة في "آل عمران"، وذكرها في هذه السورة، فلنعتبر حالها في الموضعين، فنقول: إن الله تعالى بيَّن في هذه السورة أنه دعا ربه، ولم يبين الوقت، وبينه في "آل عمران" بقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} تفسير : [آل عمران: 37] إلى أن قال: "هنالك دعا زكريا ربه قال: ربِّ هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء"، والمعنى أن زكريا - عليه السلام - لما رأى خرق العادة في حق مريم، طمع في حق نفسه، فدعا ربه، وصرح في "آل عمران" بأن المنادي هو الملائكة، بقوله: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ} تفسير : [آل عمران: 39]، والأظهر أن المنادي ههنا بقوله: "يا زكريا إنا نبشرك" هو الله تعالى، وقد تقدم أنه لا منافاة بينهما. وقال في آل عمران {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} تفسير : [آل عمران: 40] فذكر أولاً كبر نفسه، ثم عقر المرأة وهاهنا قال: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا} وجوابه: أنَّ الواو لا تقتضي الترتيب. وقال في "آل عمران": {أية : وَقَدْ بَلَغَنِيَ ٱلْكِبَرُ} تفسير : [آل عمران: 40] وقال هاهنا: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا} وجوابه: أن ما بلغك فقد بلغته. وقال في آل عمران: {أية : ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر} تفسير : [آل عمران: 41]. وقال هاهنا {ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا}. وجوابه: أنَّه دلَّت الآيتان على أنَّ المراد ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ. والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {يَا زَكَرِيَّا} على إرادة القولِ أي قال تعالى: {يَا زَكَرِيَّا} {إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} لكن لا بأن يخاطِبه عليه الصلاة والسلام بذلك بالذات، بل بواسطة الملَك على أن يحكيَ له عليه الصلاة والسلام هذه العبارةَ عنه عز وجل على نهج قوله تعالى: { أية : قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} تفسير : [الزمر: 53] الآية، وقد مر تحقيقُه في سورة آلى عمران، وهذا جوابٌ لندائه عليه الصلاة والسلام ووعدٌ بإجابة دعائِه، لكن لا كما هو المتبادرُ من قوله تعالى: { أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 90] الخ، بل بعضاً حسبما تقتضيه المشيئةُ الإلٰهيةُ المبنية على الحِكَم البالغة فإن الأنبـياءَ عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا مستجابـي الدعوةِ لكنهم ليسوا كذلك في جميع الدعواتِ، ألا يرى إلى دعوة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام في حق أبـيه وإلى دعوة النبـي عليه الصلاة والسلام حيث قال: « حديث : وسألته أن لا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعض فمنعنيها » تفسير : وقد كان من قضائه عز وعلا أن يهبَه يحيـى نبـياً مرضياً ولا يرثه، فاستجيب دعاؤُه في الأول دون الثاني حيث قتل قبلَ موت أبـيه عليهما الصلاة والسلام على ما هو المشهورُ، وقيل: بقي بعده برهةً فلا إشكال حينئذ، وفي تعيـين اسمِه عليه الصلاة والسلام تأكيدٌ للوعد وتشريفٌ له عليه الصلاة والسلام، وفي تخصيصه به عليه السلام حسبما يُعرب عنه قوله تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي شريكاً له في الاسم حيث لم يُسمَّ أحدٌ قبله بـيحيـى ـ مزيدُ تشريفٍ وتفخيم له عليه الصلاة والسلام ـ فإن التسميةَ بالأسامي البديعة الممتازة عن أسماء سائرِ الناس تنويهٌ بالمسمّى لا محالة، وقيل: سميًّا شبـيهاً في الفضل والكمالِ كما في قوله تعالى: { أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 65] فإن المتشاركين في الوصف بمنزلة المتشاركين في الاسم، قالوا: لم يكن له عليه الصلاة والسلام مِثْلٌ في أنه لم يعصِ الله تعالى ولم يهُمَّ بمعصية قط وأنه ولد من شيخ فانٍ وعجوزٍ عاقر وأنه كان حَصوراً، فيكون هذا إجمالاً لما نزل بعده من قوله تعالى: { أية : مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيّا مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [آل عمران: 39] والأظهرُ أنه اسمٌ أعجميٌّ وإن كان عربـياً فهو منقول عن الفعل كيعمَرَ ويَعيشَ، قيل: سمي به لأنه حيِـيَ به رحِمُ أمِّه أو حيِـيَ دينُ الله تعالى بدعوته.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} [الآية: 7]. قال الصبيح: سماه يحيى، وقال: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} افتتح اسمه بالياء وختمه بالياء وتوسط بين اليائين حاء الحنّانية، فاسمه فى الخط مرسوم موجه يقرأ من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله. فياء الأول توفيق وياء الآخر تحقيق، فلذلك لم يعص ولم يهم بمعصية. قال الجنيد رحمه الله: سمى يحيى ولم يكن له من قبل سميًا لأن يحيى من يحيى بالطاعة والموافقة ولا يموت بالذنب والمخالفة، وكل من كان هذا صفته ونعته لم يجز عليه وسم الخلاف ولا لسان الذم بحال بل كان محمود السيرة من مبدأ أمره إلى منتهاه لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحد من الخلق إلا أخطأ أو همَّ بخطيئة إلا يحيى بن زكريا فإنه ما أخطأ ولا هم ".

القشيري

تفسير : أي استجبنا لدعائِك، ونرزقك ولداً ذكَرَاً اسمُه يحيى؛ تحيا به عُقْرَةُ أُمِّه، ويحيا به نَسَبُكُ، يحيا به ذكْرُك، وما سألَته من أن يكون نائباً عنك؛ فيحيا به محلُّ العبادة والنبوة في بيتك. {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}: انفراده - عليه السلام - بالتسمية يدل على انفراده بالفضيلة؛ أي لم يكن له سَمِيٌّ قَبْله؛ فلا أحَدَ كُفْؤٌ له في استجماع أوصاف فَضْله. ويقال لم تجعل له من قبل نظيراً؛ لأنه لم يكن أحد لا ذنبَ له قَبْلَ النبوة ولا بعدها غيره.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا زكريا} على ارادة القول اى قال تعالى على لسان الملك يا زكريا كما قال فى سورة آل عمران {فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب ان الله يبشرك بيحيى} {انا نبشرك}[ما بشارت ميدهيم ترا] والبشارة بكسر الباء الاخبار بما يظهر سرورا فى المخبر {بلغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا}[همنام] اى شريكا له فى الاسم حيث لم يسم احد قبله بيحيى وهو شاهد بان التسمية بالاسامى الغريبة تنويه للمسمى واياها كانت العرب تعنى لكونها انبه وانوه وانزه عن النبز [در زاد المسير فرموده كه وجه فضيلت نه ازان رويست كه بيش ازو كسى مسمى بدين اسم نبوده جه بسيار آدمى بدين وجه يافت شودكه بيش ازو مسمىنبوده باشد بس فضيلت آنستكه حق سبحانه وتعالى بخود تولى تسميه او نموده به بدر ومادر حواله نكرد] كما ان زينب ام المؤمنين رضى الله عنهما زوجها الله بالذات حبيبه عليه السلام حيث قال {أية : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها}تفسير : ولذا كانت تفتخر بهذا على سائر الازواج المطهرة [وامام ثعلبى آورده كه ذكر قبل ازان فرمودكه بعد ازوا كسى ظهور خواهد كردكه اورا بجندبن اسم خاص اختصاص دهد واسم سامئ اورا ازنام همايون فرجام خود مشتق سازد] كما قال حسان رضى الله عنه شعر : وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد اى خواجه كه اقبت كارامتست محمود ازان شدست كه نامت محداست تفسير : والاظهر ان يحيى اسم اعجمى وان كان عربيا فهو منقول عن الفعل كيعمر ويعيش. قيل سمى به لانه حيى به رحم امه اوحيى دين الله بدعوته اوحيى بالعلم والحكمة التى اوتيها. وفيه اشارة الى ان من لم يحيه الله بنوره وعلمه فهو ميت اوحيى به ذكر زكرياكما ان آدم حيى ذكره بشيث ونوحا حيى ذكره بسام وكذا الانبياء الباقون ولكن ما جمع الله لاحد من الانبياء فى ولده قبل ولادة يحيى بين الاسم العلم الواقع منه تعالى وبين الصفة الحاصلة فى ذلك النبى الا لزكريا عناية منه اليه وهذه العناية انما تعلقت به اذ قال {أية : فهب لى من لدنك وليا}تفسير : فقدم الحق تعالى حيث كنى عنه فكاف الخطاب على ذكر ولده حين عبر عنه بالولى فاكرمه الله بان وهبه ولياطلبه وسماه بما يدل على صفة زكريا وهو حياة ذكره كذا قال الشيخ الاكبر قدس سره. قال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام كان اسمه فى الكتاب الاول حيا وكان اسم سارة زوجة ابراهيم يسارة وتفسيرها بالعربية لا تلد فلما بشرت باسحاق قيل لها سارة سماها بذلك جبريل فقالت يا ابراهيم لم نقص من اسمى حرف فقال ذلك ابراهيم لجبرائيل عليه السلام فقال ان ذلك الحرف قد زيد فى اسم ابن لها من افضل الانبياء واسمه حيا وسمى يحيى ذكره النقاش.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {عِتيًّا}: مصدر، من عتا يعتو، وأصله: عتوو، فاستثقل توالي الضمتين والواوين، فكسرت التاء، فقلبت الأولى ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قُلبت الثانية أيضّا؛ لاجتماع الواو والياء، وسبق إحداهما بالسكون. {قال كذلك}: خبر، أي: الأمر كذلك، فيوقف عليه، ثم يقول: {قال ربك}، أو مصدر لقال الثانية، أي: مثل ذاك القول قال ربك. و {سويًّا}: حال من فاعل {تكلم}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا زكريا}، كلمهُ بواسطة المَلك: {إِنا نبشركَ} ونجيب دعوتك {بغُلامٍ اسمه يَحيى}؛ لأنه حيى به عُقْمُ أمه. أجاب نداءه في الجملة، لا من كل وجه، بل على حسب المشيئة، فإنه طلب ولدًا يرثُه، فأجيب في الولد دون الإرث؛ فإن الجمهور على أن يحيى مات قبل موت أبيه - عليهما السلام - وقيل: بقي بعده برهة، فلا إشكال حينئذ. وفي تعيين اسمه تأكيد للوعد وتشريف له، وفي تخصيصه به - كما قال تعالى: {لم نجعل له من قبلُ سَميًّا} أي: شريكًا في الاسم، حيث لم يتسم به أحد قبله - مزيد تشريف وتفخيم له عليه السلام؛ فإن التسمية بالأسماء البديعة الممتازة عن أسماء الناس تنويه بالمسمى لا محالة. وقيل: {سَميًّا}: شبيهًا في الفضل والكمال، كما قال تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65] فإنه عليه السلام لم يكن قبله أحد مثله في بعض أوصافه، لأنه لم يهم بمعصية قط، وأنه ولد لشيخ فانٍ، وعجوز عاقر، وأنه كان حصورًا، ولم تكن هذه الخصال لغيره. {قال ربِّ أنّى يكونُ لي غلامٌ} أي: من أين وكيف يحدث لي غلام، {وكانت امرأتي عاقرًا}: عقيمة، {وقد بلغتُ من الكِبَر عتيًّا}: يبسًا في الأعضاء والمفاصل، ونحولاً في البدن، لِكِبَرِهِ، وكان سنُّه إذ ذاك مائة وعشرين، وامرأته ثمان وتسعين. وتقدم الخلاف فيه. وإنما قاله عليه السلام مع سبق دعائه وقوة يقينه، لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في آل عمران؛ استعظامًا لقدرة الله تعالى، وتعجيبًا منها، واعتدادًا بنعمته تعالى عليه في ذلك، بإظهار أنه من محض فضل الله وكرمه، مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة. وقيل: كان دهشًا من ثمرة الفرح، وقيل: كان ذلك منه استفهامًا عن كيفية حدوثه. وقيل: بل كان ذلك بطريق الاستبعاد، حيث كان بين الدعاء والبشارة سِتُّون سنة، وكان قد نسي دعاءه، وهو بعيد. {قال كذلك} أي: الأمر كما ذكر من كبر السن وعقم المرأة، لكن هو على قدرتنا هين، ولذلك قال: {قال ربك هو عليّ هيِّنٌ}، أو مثل ذلك القول البديع قال ربك، ثم فسَره بقوله: {هو عليّ هيِّن}، أو "مثل" مقحمة، أي: ذلك قال ربك. والإشارة إلى مصدره، الذي هو عبارة عن إيجاد الولد السابق، أو كذلك قضى ربك. ثم قال: {هو عليَّ هيِّن وقد خلقتُكَ من قبلُ ولم تكُ شيئًا} أي: وقد أوجدت أصلك "آدم" من العدم، ثم نشأتَ أنت من صلبه، ولم تك شيئًا، فإن نشأة آدم عليه السلام وتصويره منطوية على نشأة أولاده، ولذلك قال في آية أخرى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}تفسير : [الأعرَاف: 11] الآية. انظر تفسير أبي السعود. {قال ربِّ اجعلْ لي آية} أي: علامة تدلني على تحقق المسؤول، وبلوغ المأمول، وهو حمل المرأة بذلك الولد، لأتلقى تلك النعمة العظيمة بالشكر حين حدوثها، ولا أؤخر الشكر إلى وقت ظهورها، وينبغي أن يكون سؤاله الآية بعد البشارة ببرهة من الزمان؛ لما يُروى أن (يحيى كان أكبر من عيسى - عليهما السلام - بستة أشهر، أو بثلاث سنين)، ولا ريب في أن دعاء زكريا عليه لسلام كان في صغر مريم، لقوله تعالى: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} تفسير : [آل عمران: 38]، وهي إنما ولدت عيسى عليه السلام وهي بنت عشر سنين، أو ثلاث عشرة سنة، أو يكون تأخر ظهورُ الآية إلى قرب بلوغ مريم - عليها السلام -. {قال} له تعالى: {آيتك ألاّ تُكَلّم الناس} أي: أن لا تقدر على أن تُكلم الناسَ مع القدرة على الذكر، {ثلاث ليالٍ} بأيامهن، للتصريح بها في آل عمران، حال كونك {سويًّا} أي: سَوِيّ الخَلْقِ سليم الجوارح، ما بك شائبَةُ بَكَمٍ ولا خَرَس، وإنما مُنعت بطريق الاضطرار مع كمال الأعضاء. وحكمة منعه؛ لينحصر كلامه في الشكر والذكر في تلك الأيام. {فخرج على قومِهِ من المحراب}: من المصلّى، وكان مغلقًا عليه، فالمحراب مكان التعبد، أو من الغرفة، وكانوا من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب، ليدخلوا ويُصلوا، إذ خرج عليهم متغيرًا لونه، فأنكروه، وقالوا له: ما لك "فأوحى إليهم أي: أوْمَأ إليهم، وقيل كتب في الأرض {أن سبِّحُوا} أي صلوا {بُكرةً وعَشِيًا}: صلاة الفجر وصلاة العصر، ولعلها كانت صلاتهم. أو: نزهوا ربكم طرفي النهار، ولعله أُمِر أن يُسبح فيها شكرًا، ويأمر قومه بذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: إجابة الدعاء مشروطة بالاضطرار، قال تعالى: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النَّمل: 62] وفي الحِكَم: "ما طلَبَ لك شيءٌ مثلُ الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار. فإذا اضطررت إلى مولاك، فلا محالة يجيب دعاك، لكن فيما يريد لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد. فلا تيأس ولا تستعجل {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 216]. فإذا رأيت مولاك أجابك فيما سألته، فاجعل كلامك كله في شكره وذكره، واستفرغ أوقاتك، إلا من شهود إحسانه وبره. وبالله التوفيق. ثم ذكر وصيته ليحيى عليه السلام ونعوته

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة "نبشرك" وفي آخرها {لتبشر به} بالتخفيف فيهما الباقون بالتثقيل. وقرأ حمزة والكسائى {عتيا، وصليا، وبكيا، وجثيا} بكسر أوائلهن وافقهما حفص إلا فى بكيا الباقون بضم اوائلهن. من كسر اوائل هذه الحروف فلمجاورة الياء. والاصل الضم، لانه جمع فاعل مثل جالس وجلوس، وكذلك صال وصلي، والاصل صلوى ويكون على وزن فعول، فانقلبت الواو ياء وادغمت الياء فى الياء. والاصل في "عتيا" عتواً، لانه من عتا يعتو "وبكيا" من بكى يبكي، كما قال تعالى {أية : وعتوا عتواً كبيراً} تفسير : وانما قيل "عتيا" ها هنا بالياء، لأنه جمع عات، وأصله عاتو فانقلبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها فبنوا الجمع على الواحد في قلب الواو (ياء) لان الجمع أثقل من الواحد. وقوله {وعتوا عتواً} مصدر، والمصدر يجري مجرى الواحد حكماً: وإن كان فى اللفظ مشاركاً للجمع، لانك تقول: قعد يقعد قعوداً، وقوم قعود. وفى حرف أبي {وقد بلغت من الكبر عسيا} يقال للشيخ إذا كبر عسى يعسو، وعتا يعتو إذا يبس. وقرأ حمزة والكسائي {وقد خلقناك} على الجمع. الباقون - بالتاء - على التوحيد فمن قرأ بالنون فلقوله {وحناناً من لدنا} ومن قرأ بالتاء فلقوله {وهو عليّ هين} ولم يقل علينا، وهما سواء في المعنى. هذا حكاية ما قال الله تعالى لزكريا حين دعاه، فقال له {يا زكريا إنا نبشرك} والبشارة الاخبار بما يظهر سروره فى بشرة الوجه، يقال: بشره بشارة، وتبشيراً وأبشر بالامر ابشاراً إذا استبشر به. وقوله {بغلام اسمه يحيى} فالغلام اسم للذكر أول ما يبلغ، وقيل: إنه منه اشتق اغتلم الرجل إذا اشتدت شهوته للجماع. وقيل انما سمي يحيى، لان الله تعالى أحياه بالايمان - فى قول قتادة - وقوله {لم نجعل له من قبل سمياً} قال ابن عباس: معناه لم تلد مثله العواقر ولداً. وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلا. وقال ابن جريج وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم، والسدي: معناه لم يسم أحداً باسمه. وقيل انه لم يسم احداً من الانبياء باسمه قبله، فقال زكريا عند ذلك {أنى يكون لي غلام} أي كيف يكون لي غلام {وامرأتي عاقر} لا يلد مثلها {وقد بلغت} أنا ايضاً {من} السن و {الكبر عتياً} فالعتي والعسي واحد، يقال عتا عتوا وعتياً، وعسى يعسو عسياً وعسواً فهو عات وعاس بمعنى واحد، والعاسي هو الذي غيّره طول الزمان الى حال اليبس والجفاف. وقال قتادة: كان له بضع وسبعون سنة، فقال الله تعالى له {كذلك} هوان الامر على ما اخبرتك {قال ربك هو علي هين} أي ليس يشق علي خلق الولد من بين شيخ وعاقر لاني قادر على كل شيء وكيف يعسر علي ذلك {وقد خلقتك} يا زكريا {من قبل} ذلك {ولم تك شيئاً} اى لم تكن موجوداً ومن نفى ان يكون المعدوم شيئاً استدل بذلك، فقال لو كان المعدوم شيئاً لما نفى ان يكون شيئاً قبل ذلك وحمل قوله {أية : إن زلزلة الساعة شيء عظيم} تفسير : على المجاز، والمعنى انها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً، ومن قال: المعدوم شيء قال: اراد ولم يكن شيئاً موجوداً. ولم يكن قول زكريا {أنى يكون لي ولد} على وجه الانكار بل كان ذلك على وجه التعجب من عظم قدرة الله. وقيل: انه قال ذلك مستخبراً، وتقديره ابتلك الحال أو بقلبه الى حال الشباب، ذكره الحسن، فقال زكريا عند ذلك يا {رب اجعل لي آية} أى دلالة وعلامة استدل بها على وقت كونه، فقال الله تعالى له "آيتك" أى علامتك على ذلك {ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً} فقال ابن عباس اعتقل لسانه من غير مرض ثلاثة ايام. وقال قتادة والسدى وابن زيد اعتقل لسانه من غير خرس. وفي زكريا ثلاث لغات (زكرياء) ممدود (وزكريا) مقصور و (زكرى) مشدد. [وقرئ بالمقصور والمدور دون اللغة الثالثة]

الجنابذي

تفسير : {يٰزَكَرِيَّآ} جواب سؤال مقدّر بتقدير القول كأنّه قيل: ما قال فى جوابه؟- فقال: قال الله: يا زكريّا {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ} ولدٍ ذكرٍ {ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} الجملة صفة للغلام او جواب سؤالٍ مقدّرٍ {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} هذه صفة بعد صفة او حال او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ والمراد بالسّمىّ المشارك فى الاسم، او المماثل فى الوصف و الحال.

الأعقم

تفسير : {يا زكريا إنَّا نبشرك} يعني نخبرك بخبر يسرّك {بغلام اسمه يحيى}، قيل: بشَّره بالولد وأنه يحيى ولا يموت صغيراً، وقيل: سمّاه يحيى ليدل على أن الدين يحيى به {لم نجعل له من قبل سميَّاً} لم نسم أحداً قبله، وقيل: لم نجعل له من قبل سمياً أي نظيراً {قال رب أنّى يكون لي غلام} أي كيف يكون لي ولدٌ، قيل: هذا تعجب وليس بإنكار، وقيل: إستخبار، وقيل: قاله سروراً كمن يستر بشيء يسره فيقول، كيف يكون هذا؟ {وقد بلغت من الكِبَر عتيَّاً}، قيل: عمراً طويلاً، وقيل: كان له بضع وتسعون سنة {قال كذلك قال ربك هو عليَّ هيِّنٌ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً} {قال} زكريا: {رب اجعل لي آية} أي علامة للحمل، قيل: أراد أن يعلم وقت الحمل فأجاب دعاءه {قال آيتك} علامتك {ألاَّ تكلِّم الناس ثلاث ليالٍ سوياً} يعني لا يمكنك أن تتكلم وأنت سوي سليم، وروي أنه كان لا يمكنه أن يكلم الناس ويتكلم بالقراءة والتسبيح {فخرج على قومه من المحراب} موضع صلاته {فأوحى إليهم} فأشار اليهم بيده، وقيل: بالكلام {أن سبحوا بكرةً وعشيَّاً}، قيل: أراد الدوام، وقيل: أراد الصلاة {يا يحيى خذ الكتاب بقوَّة} أي قلنا ليحيى لما خلق وعقل، وقيل: لما بلغ أشدَّه، وقيل: أكمل عقله في صباه وصِغر سنِّهِ، والكتاب: التوراة، بقوة: بجدّ واجتهاد ومواظبة في العمل {وآتيناه الحكم صبيَّاً} وهو الفهم للتوراة والفقه في الدين عن ابن عباس، وقيل: دعاه الصبيان وهو صبي للّعب فقال: ما لِلّعب خلقنا، وقيل: العقل، وقيل: التوراة لأن الله أكمل عقله في صباه وأوحى اليه {وحناناً} رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفاً وشفقة، وقيل: حناناً من الله عليهما {من لدنا} من عندنا، والزكاة: الطهارة، وقيل: الصدقة {وكان تقياً} أي مخلصاً مطيعاً مجتنباً للمعاصي، {وبرّاً بوالديه} قيل: باراً وهو اللطف بهما والطاعة لهما وطلب رضاهما {ولم يكن جباراً}، قيل: يتطاول على الخلق، ولم يكن جباراً {عصياً} لربه، ثم بشّره بأنه مسلِّم على يحيى فقال: {وسلام عليه}، قيل: سلامة له في الدنيا من المعاصي وفي الآخرة من العذاب، وقيل: تسليم الملائكة، وقيل: سلام الله عليه في هذه المواطن والأحوال لأنها أوحش المواطن، وقيل: سلامة له من بلاوي الدنيا وعذاب القبر وأهوال الحشر وعذاب النار، وقيل: سلامة له {يوم ولد} من ضرب الشيطان، وروي أن بكاء الصبي من ذلك، ثم عطف قصة مريم وعيسى على قصة زكريا ويحيى فقال سبحانه: {واذكر} يا محمد {في الكتاب} يعني في كتابك {مريم إذ انتبذت من أهلها} والانتباذ والإِعتزال والإِنفراد واحد يعني تخلَّت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة من الناس، وقيل: كانت به ما دامت طاهرة، فإذا حاضت تحوّلت إلى بيت خالها وهي بيت زكريا، وإذا طهرت واغتسلت عادت إلى المسجد، فبينا هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق، وإنما مثل لها في صورة الإِنسان لتأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو أتاها في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على كلامه، ودلّ على ورعها وعفتها أنها تعوّذت بالله من تلك الصورة الجميلة، وكان تمثيله على تلك الصورة الجميلة ابتلاء لها، وقيل: كانت في منزل زوج خالتها زكريا ولها محراب على حدة سكنة، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل تعلي رأسها، فانحفر السقف لها فخرجت فجلست في الشرفة وراء الجبل فأتاها الملك، قيل: قام بين يديها، وقيل: أن النصارى اتخذت المشرق قبلة لانتباذ مريم {مكاناً شرقياً} فأرسلنا {إليها روحنا} وهو جبريل (عليه السلام) {فتمثَّل لها بشراً سوياً} {قالت إني أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقياً}، قيل: إن كنت مؤمناً مطيعاً، فاخرج فإني استعيذ بالله منك، وقيل: معناه ما كنت تقياً حيث استحللت بالنظر إلي وخلوت بي قال: {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً} يعني نبياً ولداً طاهراً، فلما علمت صدقه بمعجزة ظهرت لها {قالت رب} أي يا رب: إرادة الدعاء لله تعالى {أنَّى} كيف {يكون لي غلامٌ} والمعتاد أن الولد يحدث عند الوطي {ولم يمسسني بشر} قط بالزوجيَّة وما كنت {بغيَّاً} فاجرة، قال يعني جبريل لمريم: {كذلك قال ربك}، قيل: هكذا قال ربك، وقيل: قال يعني جبريل لمريم: {كذلك قال ربك هو عليَّ هيّن} أي سهلٌ يعني خلق الولد من غير أب، {ولنجعله آية للناس} أي حجَّة للناس يدلّهم على التوحيد، وقيل: معجزة {ورحمة منا} أي نعمة لأنه يدعوهم إلى ما قبلوا كان لهم رحمة كان رحمة، وقيل: رحمة لمن تبعه في دينه {وكان أمراً مقضياً} أي محكماً، وقيل: أمراً قضاه الله وصدره في اللوح المحفوظ.

اطفيش

تفسير : {يا زكرياء إنَّا نبشِّرك} أى قال الله، أو قيل لزكرياء: يا زكرياء إنا نبشرك، وذلك بواسطة ملك كما فى آية أخرى، أو بإلقاء كلام فى سمعه، يخلقه فيه، أو حيث شاء فيسمعه، وهذا جواب ندائه وإجابة دعائه، وما فى الوعد من التراخى لا ينافى التعقيب، فإن التعقيب بحسب ما تعورف، وناسب المقام، كما يقال: تزوج فلان فولد له، أو نقول الفاء فى مثل ذلك للسببية دون التعقيب، وذلك أن الله تعالى قال: "أية : فاستجبنا له" تفسير : [الأنبياء: 88] وللتأخير قال: بوعد واستجابة فى قوله: "نبشرك" ولم يقل أعطينا، بل الوعد استجابة متصلة، فهو تعقيب متصل، والمشهور أن هذا القول إثر الدعاء، ولم يكن البشارة والولادة إلا أشهر، وقيل: رزق الولد بعد دعائه بأربعين عاماً، وقيل بسنتين، وأكد الوعد بذكر اسم الولد، وبأنه لم يسم به أحد قبله كما قال: {لمْ نَجْعل له من قَبل سَمياً} مماثلا لاسمه، واسم امرأة إبراهيم يسارت، وسماها جبريل سارت، وهى تسمع، فسألت إبراهيم عليه السلام، فسأل جبريل فقال: نقلت الياء إلى ولد من ذريتها اسمه حيا، ولعله تكتب الملائكة اسمه حيا إذا عنى له ذكر قبل وجوده، أو كتب فى اللوح، أو عنى لهم ذكره، وكذا هى، وبعد ذلك كانت تذكر بسارة، وتكتب وحيا بيحيى كذلك، وقيل لم نجعل له مماثلا فى اجتناب المعصية، والروايتان عن ابن عباس قائلها: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن يحيى لم يفعل خطيئة ولا هم بها" تفسير : وكان ابن آدم هم بها أو فعلها. أو مماثلا فى أنه من امرأة عجوز عاقر، وشيخ فان، وهو لفظ عجمى وافق العربية، وقيل عربى فهو من جملة غرابة شأنه فإنه يسر من عادتهم التسمية بالألفاظ العربية، وعليه فهو تفاؤل بحياة طويلة أو حياة حتى يرث أباه، ويبنى على العربية ما قيل سمى لأنه يحيى بالحكمة والعفة. وما قيل إنه سمى لأنه حيى به رحم أمه، وما قيل لأنه حيى بين عجوز عاقر، وشيخ فان، وما قيل لأنه يحيى بإرشاد الخلق، وما قيل يموت شهيداً، أو الشهداء أحياء، ولا يخفى أنه من رغب فى شىء ولا سيما الشىء الغريب، ووعد به يتشوف إلى معرفة شأنه. وكيفية حصوله. ولا سيما حضور الموانع، ولذلك قال مع علمه بوعد الله له مع علمه بفنائه. وكبر زوجه. وعقرها ما ذكر الله عنه فى قوله: {قَال ربِّ أَنَّى يكون لى غلامٌ وكانَت امرأتى عاقراً. وقد بلغتُ مِنَ الكِبَرِ عتيّاً} ولا يتبادر ما قيل إنه جواب سؤال، كأنه قيل فماذا قال عليه السلام، ولا يخفى أنه قال بنفسه، والله عالم بقوله، ولا حاجة إلى توسط ملك يرسله إلى الله، اللهم إلا على سبيل تفخيم الأمر، لكن مثل هذا يحتاج إلى نقل أو حجة، ومعنى: {أنَّى يكون} كيف يكون، أو من أين يكون، أو متى يكون، وقوله: {كانت امرأتى عاقراً} حال من ياء لى على تقدير قد، لأن الماضى المثبت المتصرف، إذا كان من جملة الحال لا بد من قرنه بالواو، وجملة قد بلغت من الكبر عتياً طف على الجملة الحالية، والعتى يبس المفاصل، وأصله عتوى، اجتمتعت الواو والياء، وسكنت الأولى فقلبت الواو ياء، وأدغمت وقلبت الضمة كسرة، وعقر امرأته من شبابها وشبابه إلى الآن، فكيف تلد وحالها ذلك، مع بلوغها ثمانياً وتسعين، وأنا أكبر منها سنا، ومن للتعليل متعلق ببلغت أو للابتداء فيما قيل إنه ابتدأه، العتى من كبره، لأن هذا راجح إلى التعليل، وقيل للتبعيض متعلقة بمحذوف حال من عتياً. وفيه أن العتى ليس بعض الكبر، بل يكون به، وفى آل عمران بلغنى الكبر، وهنا بلغت من الكبر عتياً، وما بلغك من المعانى فقد بلغته إلا أن المسند إليه هنا المتكلم، وهناك الكبر. ولعله دعا أولا فقال: بلغنى الكبر أى أدركنى المانع من الولادة، وهو الكبر تشبيهاً بالإنسان الذى يتبع الآخر ليمنعه مما أراد فأدركه، ودعا بعد ما زاد كبراً بأنه كالإنسان الفار حتى حبسه من قدامه حابس لتابعه، أو دعاء واحد فى وقت واحد، ذكره الله وعز جل بالمعنيين فى الموضعين، وبدأ هنا بحال المرأة، وهنالك بحاله وأخر منا ذكره كبره المبالغ أقصى مراتب الكبر، عن ذكر عتمها، لأنه ذكر حلاله من وهن عظمته واشتياقه إلى الولد، فما ذكر الكبر هنا إلا تتمة لما سبق، وتوسط ذكر عقمها، وأما هنالك فلم يتقدم لحاله ذكر، فذكر حاله قبل حالها، لأن ذكر قصور شأنه عن الولادة أهم بذكر قصور شأنها أو تخالف ذلك التفنن مع تضمن كل ما لم يتضمنه الآخر، وعرف من نفسه أنه لم يكن عاقراً، أو عرفه الله ذلك، ولذلك لم يذكر العقم، بل الكبر.

الالوسي

تفسير : {يَا زَكَرِيَّا} على إرادة القول أي قيل له أو قال الله تعالى يا زكريا {إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} لكن لا بأن يخاطبه سبحانه وتعالى بذلك بالذات بل بواسطة الملك كما يدل عليه آية أخرى على أن يحكي [له] عليه السلام العبارة عنه عز وجل على نهج قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الزمر: 53] الآية وهذا جواب لندائه عليه السلام ووعد بإجابة دعائه كما يفهمه التعبير بالبشارة دون الإعطاء أو نحوه وما في الوعد من التراخي لا ينافي التعقيب في قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } تفسير : [الأنبياء: 90] الآية لأنه تعقيب عرفي كما في تزوج فولد له ولأن المراد بالاستجابة الوعد أيضاً لأن وعد الكريم نقد، والمشهور أن هذا القول كان إثر الدعاء ولم يكن بين البشارة والولادة إلا أشهر، وقيل: إنه رزق الولد بعد أربعين سنة من دعائه، وقيل: بعد ستين. والغلام الولد الذكر، وقد يقال للأنثى: غلامة كما قال:شعر : تهان لها الغلامة والغلام تفسير : وفي تعيين اسمه عليه السلام تأكيد للوعد وتشريف له عليه السلام، وفي تخصيصه به حسبما يعرب عنه قوله تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } أي شريكاً له في الاسم حيث لم يسم أحد قبله بيحيـى على ما روي عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم مزيد تشريف وتفخيم له عليه السلام، وهذا كما قال الزمخشري شاهد على أن الأسماء النادرة التي لا يكاد الناس يستعملونها جديرة بالأثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم:شعر : سنع الأسامي مسبلي أزر حمر تمس الأرض بالهدب تفسير : وقيل للصلت بن عطاء: كيف تقدمت عند البرامكة وعندهم من هو آدب منك؟ فقال: كنت غريب الدار غريب الاسم خفيف الجرم شحيحاً بالاشلاء فذكر مما قدمه كونه غريب الاسم؛ وأخرج أحمد في «الزهد» وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد أن {سَمِيّاً} بمعنى شبيهاً. وروي عن عطاء وابن جبير مثله أي لم نجعل له شبيهاً حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية، فقد أخرج أحمد والحكيم والترمذي في «نوادر الأصول» والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أوهم بخطيئة إلا يحيـى بن زكريا عليهما السلام لم يهم بخطيئة ولم يعملها» تفسير : والأخبار في ذلك متظافرة، وقيل: لم يكن له شبيه لذلك ولأنه ولد بين شيخ فإن وعجوز عاقر. وقيل لأنه كان كما وصف الله تعالى {أية : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } تفسير : [آل عمران: 39] فيكون هذا إجمالاً لذلك وإنما قيل للشبيه سمي لأن المتشابهين يتشاركان في الاسم. ومن هذا الإطلاق قوله تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } تفسير : [مريم: 65] لأنه الذي يقتضيه التفريع. والأظهر أنه اسم أعجمي لأنه لم تكن عادتهم التسمية بالألفاظ العربية فيكون منعه الصرف على القول المشهور في مثله للعلمية والعجمة، وقيل إنه عربـي ولتلك العادة مدخل في غرابته وعلى هذا فهو منقول من الفعل كيعمر ويعيش وقد سموا بيموت وهو يموت بن المزرع بن أخت الجاحظ ووجه تسميته بذلك على القول بعربيته قيل الإشارة بأنه يعمر، وهذا في معنى التفاؤل بطول حياته، وكان في ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام يرث حسبما سأل زكريا عليه السلام، وقيل: سمي بذلك لأنه حي به رحم أمه. وقيل لأنه حي بين شيخ فان وعجوز عاقر، وقيل لأنه يحيا بالحكمة والعفة، وقيل لأنه يحيا بإرشاد الخلق وهدايتهم، وقيل لأنه يستشهد والشهداء أحياء، وقيل غير ذلك، ثم لا يخفى أنه على العربية والعجمة يختلف الوزن والتصغير كما بين في محله.

ابن عاشور

تفسير : مقول قول محذوف دلّ عليه السياق عقب الدعاء إيجازاً، أي قلنا يا زكرياء إلخ... والتبشير: الوعد بالعطاء. وفي الحديث: «حديث : أنّه قال للأنصَار فأبشروا وأمّلوا»تفسير : ، وفي حديث : حديث وفد بني تميم: «اقبَلوا البشرى، فقالوا بشرتَنا فأعطنا»تفسير : . ومعنى {اسْمُهُ يَحْيَى} سَمّهِ يحيى، فالكلام خبر مستعمل في الأمر. والسميّ فسروه بالموافق في الاسم، أي لم نجعل له من يوافقه في هذا الاسم من قبل وجوده. فعليه يكون هذا الإخبار سراً من الله أودعه زكرياء فلا يظن أنه قد يُسمّي أحد ابنَه يحيى فيما بين هذه البشارة وبين ازدياد الولد. وهذه منّة من الله وإكرام لزكرياء إذ جعل اسم ابنه مبتكراً، وللأسماء المبتكرة مزيّة قوّة تعريف المسمى لقلّة الاشتراك، إذ لا يكون مثله كثيراً مدّة وجوده، وله مزية اقتداء الناس به من بعد حين يسمون أبناءهم ذلك الاسم تيمّناً واستجادة. وعندي: أن السّمِيّ هنا هو الموافق في الاسم الوصفي بإطلاق الاسم على الوصف، فإن الاسم أصله في الاشتقاق (وسَم)، والسمة: أصلها وسمة، كما في قوله تعالى: {أية : ليسمُّون الملائكَة تسمية الأنثى }تفسير : [النجم:27]، أي يصفونهم أنهم إناث، ومنه قوله الآتي: {أية : هل تعلم له سمياً }تفسير : [مريم: 65] أي لا مثيل لله تعالى في أسمائه. وهذا أظهر في الثناء على يحيى والامتنان على أبيه. والمعنى: أنه لم يجىء قبل يحيى من الأنبياء من اجتمع له ما اجتمع ليحيى فإنه أعطي النبوءة وهو صبيّ، قال تعالى: {أية : وآتيناه الحكم صبياً }تفسير : [مريم: 12]، وجعل حصوراً ليكون غير مشقوق عليه في عصمته عن الحرام، ولئلا تكون له مشقة في الجمع بين حقوق العبادة وحقوق الزوجة، وولد لأبيه بعد الشيخوخة ولأمّه بعد العَقر، وبُعث مبشراً برسالة عيسى عليه السلام، ولم يكن هو رسولاً، وجعل اسمه العلم مبتكراً غير سابق من قبله. وهذه مزايا وفضائل وهبت له ولأبيه، وهي لا تقتضي أنه أفضل الأنبياء لأنّ الأفضلية تكون بمجموع فضائل لا ببعضها وإن جلّت، ولذلك قيل «المزيّة لا تقتضي الأفضليّة» وهي كلمة صدق. وجملة {قَالَ رَبّ} جواب للبشارة. و {أَنَّىٰ} استفهام مستعمل في التعجب، والتعجب مكنى به عن الشكر، فهو اعتراف بأنها عطية عزيزة غير مألوفة لأنّه لا يجوز أن يسأل الله أن يهب له ولداً ثمّ يتعجب من استجابة الله له. ويجوز أن يكون قد ظن الله يهب له ولداً من امرأة أخرى بأن يأذنه بتزوج امرأة غير عاقر، وتقدّم القول في نظير هذه الآية في سورة آل عمران. وجملة {امرأتي عاقراً} حال من ياء التكلّم. وكرّر ذلك مع قوله في دعائه {وكَانَتِ امرأتي عاقِراً}. وهو يقتضي أنّ زكرياء كان يظن أن عدم الولادة بسبب عقر امرأته، وكان الناس يحسبون ذلك إذا لم يكن بالرجل عُنّةٌ ولا خصاء ولا اعتراض، لأنهم يحسبون الإنعَاظ والإنزال هما سبب الحمل إن لم تكن بالمرأة عاهة العُقر. وهذا خطأ فإن عدم الولادة يكون إمّا لعلّة بالمرأة في رحمها أو لعلة في ماء الرجل يكون غير صالح لنماء البويضات التي تبرزها رحم المرأة. و {من} في قوله {من الكبر عِتِيّاً} للابتداء، وهو مجاز في معنى التعليل. والكِبر: كثرة سني العمر، لأنه يقارنه ظهور قلّة النشاط واختلال نظام الجسم. و {عِتِيّاً} مفعول {بَلَغْتُ}. والبلوغ: مجاز في حلول الإبان، وجعل نفسه هنا بالغاً الكبر وفي آية آل عمران (40) قال: {أية : وقد بلغني الكبر}تفسير : لأن البلوغ لما كان مجازاً في حصول الوصف صح أن يسند إلى الوصف وإلى الموصوف. والعُتيّ بضم العين في قراءة الجمهور مصدر عتا العود إذا يبس، وهو بوزن فعول أصله عُتُووٌ، والقياس فيه أن تصحح الواو لأنها إثر ضمّة ولكنّهم لما استثقلوا توالي ضمتين بعدهما واوان وهما بمنزلة - ضمتين - تخلصوا من ذلك الثقل بإبدال ضمّة العين كسرة ثم قلبوا الواو الأولى ياء لوقوعها ساكنة إثْرَ كسرة فلما قلبت ياءً اجتمعت تلك الياء مع الواو التي هي لام، وكأنهم ما كسروا التاء في عتي بمعنى اليبس إلاّ لدفع الالتباس بينه وبين العُتوّ الذي هو الطغيان فلا موجب لطلب تخفيف أحدهما دون الآخر. شبه عظامه بالأعواد اليابسة على طريقة المكنية، وإثباتُ وصف العُتي لها استعارة تخييلية.

الشنقيطي

تفسير : في هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، وتقديره: فأجاب الله دعاءه فنودي {يا زكريا} الآية. وقد أوضح جل وعلا في موضع آخر هذا الذي أجمله هنا، فبين أن الذي ناداه بعض الملائكة. وأن النداء المذكور وقع وهو قائم يصلي في المحراب. وذلك قوله تعالى: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [آل عمران: 39]، وقوله تعالى: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَة} قال بعض العلماء: أطلق الملائكة وأراد جبريل. ومثل به بعض علماء الأصول العالم المراد به الخصوص قائلاً: إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل، وإسناد الفعل للمجموع مراداً بعضه قد بيناه فيما مضى مراراً. وقوله في هذه الآية الكريمة: {ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} يدل على أن الله هو الذي سماه، ولم يكل تسميته إلى أبيه. وفي هذا منقبة عظيمة ليحيى. وقوله في هذه الآية الكريمة: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} اعلم أولاً أن السمى يطلق في اللغة العربية إطلاقين: الأول قولهم: فلان سمى فلان أي مسمى باسمه. فمن كان اسمهما واحداً فكلاهما سمي الآخر أي مسمى باسمه. والثاني - إطلاق السمي يعني المسامي أي المماثل في السمو والرفعة والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل من السمو بمعنى العلو والرفعة، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى المفاعل. كالقعيد والجليس بمعنى المقاعد والمجالس. والأكيل والشريب بمعنى المؤاكل والمشارب، وكذلك السمي بمعنى المسامي أي المماثل في السمو. فإذا علمت ذلك - فاعلم أن قوله هنا {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي لم نجعل من قبله أحداً يتسمى باسمه. فهو أول من كان اسمه يحيى. وقول من قال: إن معناه لم نجعل له سمياً أي نظيراً في السمو والرفعة غير صواب لأنه ليس بأفضل من إبراهيم وموسى ونوح، فالقول الأول هو الصواب. وممن قال به ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم وغيرهم. ويروى القول الثاني عن مجاهد وابن عباس أيضاً. وإذا علمت أن الصواب أن معنى قوله {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي لم نسم أحداً باسمه قبله - فاعلم أن قوله: {أية : رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65] معناه: أنه تعالى ليس له نظير ولا مماثل يساميه في العلو والعظمة والكمال على التحقيق. وقال بعض العلماء: وهو مروي عن ابن عباس {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} هل تعلم أحداً يسمى باسمه الرحمن جل وعلا. والعلم عند الله تعالى.

القطان

تفسير : لم نجعل له من قبل سَمِيّا: لم يُسَمَّ أحد بهذا الاسم قبله. عَتَا الشيخ: كبر وانتهى. وقد بلغت من الكِبَرِ عتيّا: بلغت من الكبر حالةٌ يبستْ معها مفاصلي وعظامي. آية: علامة. سوياً: سليما صحيحا. المحراب: المصلّى. فأوحى زكريا اليهم: أشار اليهم. {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ.... }. لقد أخبر الله تعالى زكريا انه أجاب دعاءه وتولى تسمية الولد بنفسِه، ونادى: زكريا، إنا نبشّرك بهبتِنا لك غلاماً اسمُه يحيى، ولم نسمِّ به احداً من قبله. فَسُرَّ زكريا بهذه البشرى وقال متعجباً: يا ربّ، كيف يكون لي ولدٌ وزوجتي عاقر وأنا قد ضعفتُ من الكِبَرِ وبلغت سن الشيخوخة!. {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ.... }. فأوحى الله لعبده زكريا أن الأمر كما بُشِّرْتَ. ان مَنْحَكَ الولدَ وأنت على هذه الحالة من كبر السنّ وعقم الزوجة هيّن علي. ثم ذكر ما هو أعجبُ مما سأل عنه فقال: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} خلقتُك من العدَم. قال زكريا عندما سمع هذه البشرى وتحقَّق من تمامها: ربِّ اجعل لي علامةً تدلّ على حصول ما بُشرتُ به، قال: علامتك هي أن لا تستطيع الكلامَ مدةَ ثلاثِ ليالٍ وأنت صحيحٌ سليم الحواس. فخرج زكريا على قومه من مصلاَّه وهو منطلق اللسان بذِكر الله ولا يستطيع ان يكلِّم الناس، فأشار الى قومه ان سبِّحوا اللّهَ صباحاً ومساء. قراءات: قرأ حمزة: نُبْشِرك: بضم النون واسكان الباء من أبشر. والباقون: نبشرك بفتح الباء وتشديد الشين. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: عتيا، بكسر العين. والباقون: عتيا، بضم العين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰزَكَرِيَّآ} {بِغُلاَمٍ} (7) - فَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدُعَاءِ زَكَرِيّا، وَقَالَ لَهُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ: إِنَّنَا نُبَشِّرُكَ بِوَلَدٍ يُولَدُ لَكَ، وَيَكُونُ اسْمُهُ يَحْيَى، يَكُونُ نَبِيّاً وَصَالِحَاً وَمُصَدِّقاً بِالْمَسِيحِ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى)، وَلَمْ نَجْعَلْ لاسْمِهِ مُمَاثِلاً مِنْ قَبْلُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المتأمل لهذه القصة يجد هذه الآية قد اختصرت من القصة ما يفهم من سياقها ثقةً في نباهة السامع، وأنه قادر على إكمال المعنى، فكأن معنى الآية: سمع الله دعاء زكريا وحيثيات طلبه، فأجابه بقوله: {يٰزَكَرِيَّآ ..} [مريم: 7]. وتوجيه الكلام إلى زكريا عليه السلام هكذا مباشرة دليلٌ على سرعة الاستجابة لدعائه، فجاءت الإجابة مباشِرة دون مُقدِّمات. ومثال ذلك: ما حكاه القرآن من قصة سليمان - عليه السلام - وبلقيس، قال سليمان: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ..}تفسير : [النمل: 38-40] فبيْنَ قوله: {أية : قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..}تفسير : [النمل: 40] وقوله: {أية : رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ..}تفسير : [النمل: 40] كلام يقتضيه سياق القصة، كأن نقول: فأذِن له فذهب وأتى بالعرش، لكن جاء الأسلوب سريعاً ليتناسب مع سرعة الحدث في إحضار عرش بلقيس من مكانه. وقوله: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ ..} [مريم: 7] البشارة: هي الإخبار بما يسرُّك قبل أن يجيء ليستطيل أمدَ الفرح بالشيء السَّار، وقد يُبشرك مُساويك ويكذب في البُشْرى، وقد تأتي الظروف والأحداث مُخالفة لما يظنه، فكيف بك إذا بشّرك الله تعالى؟ ساعة أن تكون البشارة من الله فاعلم أنها حَقٌّ وواقعٌ لا شكَّ فيه. وقوله: {بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ ..} [مريم: 7] أي: وسماه أيضاً. ونحن نعلم أن للبشر اختيارات في وَضْع الأسماء للمسميات، ولهم الحرية في ذلك، فواحدة تُسمى ولدها (حرنكش) هي حرة، والأخرى تسمى ابنتها الزنجية (قمر) هي أيضاً حرة. إلا أن الناس حين يُسمُّون يتمنون في المسمّى مواصفات تَسرُّ النفس وتقرُّ العين، فحين نُسمِّي سعيداً تفاؤلاً بأن يكون سعيداً فعلاً، والاسم وُضِع للدلالة على المسمى، لكن، أيملك هذا المتفائل أن يأتي المسمى على وَفْق ما يحب ويتمنى؟ لا، لا يملك ذلك ولا يضمنه؛ لأن هناك قوة أعلى منه تتحكم في هذه المسألة، وقد يأتي المسمَّى على غير مُراده. أما إذا كان الذي سمّى هو الله تعالى فلا بد أن يتحقق الاسم في المسمَّى، وينطبق عليه، ولا بُدَّ أنْ يتحقَّق مراده تعالى في مَنْ سَمَّاه، وقد سَمَّى الحق تبارك وتعالى ابن زكريا يحيى فلا بُدَّ أن تنطبق عليه هذه الصفة، ويحيى فعل ضده يموت، إذن: فهو سبحانه القادر على أن يُحييه، لكن يحييه إلى متى؟ وكم عاماً؟ الحياة هنا والعيش يتحقق ولو بمتوسط الأعمار مثلاً، فقد أحياه وتحققت فيه صفة الحياة. ولذلك استدل أهل المعرفة من تسميته يحيى على أن ابن زكريا سيموت شهيداً ليظل حياً كما سماه الله وقد كان. وقوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [مريم: 7] السميُّ: اختلف العلماء في معناها فقالوا: تأتي بمعنى: نظير أو مثيل أو شبيه وإما سمياً يعني: اسمه كاسمه. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65] فقالوا: سمياً هنا تحمل المعنيين: هل تعلم له نظيراً أو شبيهاً؛ لأنه سبحانه {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11] {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 4]. ويمكن أن نقول بهذا المعنى أيضاً في قصة يحيى عليه السلام، إلا أنه يقع فيه شيء وهو: أن الله تعالى حينما قال في مسألة يحيى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [مريم: 7] واعتبرناها بمعنى المِثْل أو النظير والشبيه، فهذا يعني أنه لم يسبق يحيى واحد مثله في الصلاح والتقوى، فأين - إذن - أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام؟ وأين إسماعيل وإسحاق؟ فهذا المعنى وإن كان السياق يحتمله في غير هذا الموضع إلا أنه لا يستقيم هنا؛ لأن الله تعالى جعل من قَبْل يحيى مَنْ هو أفضل من يحيى، أو مثله على الأقل. أما المعنى الآخر فيكون: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65] أي: هل هناك مَنْ تسمى باسمه تعالى؟ وهذا هو المعنى الذي يستقيم في قصة يحيى عليه السلام؛ لأنه أول اسم وضعه الحق سبحانه على ابن زكريا، ولم يكن أحدٌ تسمى به من قبل، أما بعده فقد انتشر هذا الاسم، حتى قال الشاعر: شعر : وسَمَّيتُه يَحْيى ليحيى فلم يكُنْ لِردِّ قَضَاءِ اللهِ فِيهِ سَبِيلُ تفسير : ونقف هنا على آية من آيات الله في التسمية، حيث لم يجرؤ أحد حتى من الكفرة والملاحدة الذين يجاهرون بإلحادهم ويعلنون إنكارهم للخالق سبحانه، لم يجرؤ أحدهم أن يسمى ولده (الله)، وحرية اختيار الأسماء مكفولة، وهذا إنْ دَلَّ فإنما يدلُّ على أن كفرهم عناد ولَجَجٌ، وأنهم غير صادقين في كُفْرهم، ويعلمون أن الله موجود؛ لذلك يخافون على أنفسهم وعلى أولادهم أنْ يُسمّوا بهذا الاسم. إذن: كلمة (سَمِياً) في مسألة الألوهية تُؤخَذ على المعنيين، أما في مسألة يحيى فلا تحتمل إلا المعنى الثاني. وَهبْ أن الحق سبحانه وتعالى استعرض الأسماء السابقة فلم يجد في الماضي من سُمِّى (الله) فأعلنها تحدياً: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65]؟ فلم يحدث بعد هذا التحدي أنْ يُسمَّى أحد بهذا الاسم.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : / 42ظ / أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [الآية: 7]. يعني: مثلا. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} [الآية: 8]. قال: يعني نحول العظام. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} [الآية: 10]. قال: صحيحاً لا يمنعك من الكلام مرض. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} [الآية: 11]. قال: أَشار إِليهم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [الآية: 12]. يعني: بجد في طاعة الله، عز وجل. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} [الآية: 12]. قال: يعني تعطفاً من ربه عليه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَكَاناً قَصِيّاً} [الآية: 22]. قال: يعني قاصياً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ} [الآية: 23]. يقول: أَلجأَها. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} [الآية: 24]، يعني عيسى بن مريم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [الآية: 34]. قال: السري النهر الصغير بالسريانية. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا إِسرائيل عن أَبي اسحق الهمداني، عن البراءِ بن عازب قال: "السريّ" هو الجدول وهو النهر الصغير [الآية: 24]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} [الآية: 27]. يعنون: شيئاً عظيماً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} [الآية: 37] قال: الأَحزاب أَهل الكتاب. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} [الآية: 46]. قال: حينا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} [الآية: 51] قال: النبي هو الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل. والرسول هو الذي يرسل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} يعني مِثلاً وشِبهَاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة بـ " يحيى " وسماه الله له " يحيى " وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين. { لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد، ويحتمل أن المعنى: لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا، فيكون ذلك بشارة بكماله، واتصافه بالصفات الحميدة، وأنه فاق من قبله، ولكن على هذا الاحتمال، هذا العموم لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم وموسى ونوح عليهم السلام، ونحوهم، ممن هو أفضل من يحيى قطعا، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود الذي طلبه استغرب وتعجب وقال: { رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ } والحال أن المانع من وجود الولد، موجود بي وبزوجتي؟ وكأنه وقت دعائه، لم يستحضر هذا المانع لقوة الوارد في قلبه، وشدة الحرص العظيم على الولد، وفي هذه الحال، حين قبلت دعوته، تعجب من ذلك، فأجابه الله بقوله: { كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن شيئا. { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً } أي: يطمئن بها قلبي، وليس هذا شكا في خبر الله، وإنما هو، كما قال الخليل عليه السلام: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } تفسير : فطلب زيادة العلم، والوصول إلى عين اليقين بعد علم اليقين، فأجابه الله إلى طلبته رحمة به، فـ { قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } وفي الآية الأخرى {أية : ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا } تفسير : والمعنى واحد، لأنه تارة يعبر بالليالي، وتارة بالأيام ومؤداها واحد، وهذا من الآيات العجيبة، فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة أيام، وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة، بل كان سويا، لا نقص فيه، من الأدلة على قدرة الله الخارقة للعوائد، ومع هذا، ممنوع من الكلام الذي يتعلق بالآدميين وخطابهم،. وأما التسبيح والتهليل، والذكر ونحوه، فغير ممنوع منه، ولهذا قال في الآية الأخرى: {أية : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ } تفسير : فاطمأن قلبه، واستبشر بهذه البشارة العظيمة، وامتثل لأمر الله له بالشكر بعبادته وذكره، فعكف في محرابه، وخرج على قومه منه فأوحى إليهم، أي: بالإشارة والرمز { أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } لأن البشارة بـ " يحيى " في حق الجميع، مصلحة دينية.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 555 : 5 : 18 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} قال مثلا عدلا شبها. [الآية 7].

همام الصنعاني

تفسير : 1737- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}: [الآية: 7]، قال: لم يُسَمَّ أحَدٌ قبله يحيى.