Verse. 2258 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

قَالَ رَبِّ اَنّٰى يَكُوْنُ لِيْ غُلٰمٌ وَّكَانَتِ امْرَاَتِيْ عَاقِرًا وَّقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا۝۸
Qala rabbi anna yakoonu lee ghulamun wakanati imraatee AAaqiran waqad balaghtu mina alkibari AAitiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال ربّ أنَّى» كيف «يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا» من عتا: يبس، أي نهاية السن مائة وعشرين سنة وبلغت امرأته ثمانية وتسعين سنة وأصل عتى: عتو وكسرت التاء تخفيفا وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة والثانية ياء لتدغم فيها الياء.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي عتياً وصلياً وجثياً وبكياً بكسر العين والصاد والجيم والباء، وقرأ حفص عن عاصم بكياً بالضم والباقي بالكسر والباقون جميعاً بالضم، وقرأ ابن مسعود بفتح العين والصاد من عتياً وصلياً. وقرأ أبي بن كعب وابن عباس عسياً بالسين غير المعجمة، والله أعلم. المسألة الثانية: في الألفاظ وهي ثلاثة: الأول: الغلام الإنسان الذكر في ابتداء شهوته للجماع ومنه اغتلم إذا اشتدت شهوته للجماع ثم يستعمل في التلميذ يقال: غلام ثعلب. الثاني: العتي والعبسي واحد تقول عتا يعتو عتواً وعتياً فهو عات وعسا يعسو عسواً وعسياً فهو عاص والعاسي هو الذي غيره طول الزمان إلى حال البؤس وليل عات طويل وقيل شديد الظلمة. الثالث: لم يقل عاقرة لأن ما كان على فاعل من صفة المؤنث مما لم يكن للمذكر فإنه لا تدخل فيه الهاء نحو امرأة عاقر وحائض قال الخليل: هذه الصفات مذكرة وصف بها المؤنث كما وصفوا المذكر بالمؤنث حين قالوا: رجل ملحة وربعة وغلام نفعة. المسألة الثالثة: في هذه الآية سؤالان: الأول: أن زكريا عليه السلام لم تعجب بقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } مع أنه هو الذي طلب الغلام؟ السؤال الثاني: أن قوله أنى يكون لي غلام لم يكن هذا مذكوراً بين أمته لأنه كان يخفي هذه الأمور عن أمته فدل على أنه ذكره في نفسه، وهذا التعجب يدل على كونه شاكاً في قدرة الله تعالى على ذلك وذلك كفر وهو غير جائز على الأنبياء عليهم السلام. والجواب عن السؤال الأول: أما على قول من قال إنه لم يطلب خصوص الولد فالسؤال زائل، وأما على قول من قال إنه طلب الولد فالجواب عنه أن المقصود من قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } هو التعجب من أنه تعالى يجعلهما شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقهما الولد مع الشيخوخة بطريق الاستعلام لا بطريق التعجب، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ * فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } تفسير : [الأنبياء: 89، 90] وما هذا الإصلاح إلا أنه أعاد قوة الولادة وقد تقدم تقرير هذا الكلام، وذكر السدي في الجواب وجهاً آخر فقال: إنه لما سمع النداء بالبشارة جاءه الشيطان فقال: إن هذا الصوت ليس من الله تعالى بل هو من الشيطان يسخر منك، فلما شك زكريا قال: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } واعلم أن غرض السدي من هذا أن زكريا عليه السلام لو علم أن المبشر بذلك هو الله تعالى لما جاز له أن يقول ذلك فارتكب هذا، وقال بعض المتكلمين هذا باطل قطعاً إذ لو جوز الأنبياء في بعض ما يرد عن الله تعالى أنه من الشيطان لجوزوا في سائره ولزالت الثقة عنهم في الوحي وعنا فيما يوردونه إلينا ويمكن أن يجاب عنه بأن هذا الاحتمال قائم في أول الأمر وإنما يزول بالمعجزة فلعل المعجزة لم تكن حاصلة في هذه الصورة فحصل الشك فيها دون ما عداها، والله أعلم، والجواب عن السؤال الثاني من وجوه: الأول: أن قوله: { أية : إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ } تفسير : [مريم: 7] ليس نصاً في كون ذلك الغلام ولداً له بل يحتمل أن زكريا عليه السلام راعى الأدب ولم يقل هذا الكلام هل يكون لي ولد أم لا، بل ذكر أسباب تعذر حصول الولد في العادة حتى أن تلك البشارة إن كانت بالولد فالله تعالى يزيل الإبهام ويجعل الكلام صريحاً فلما ذكر ذلك صرح الله تعالى بكون ذلك الولد منه فكان الغرض من كلام زكريا هذا لا أنه كان شاكاً في قدرة الله تعالى عليه. الثاني: أنه ما ذكر ذلك للشك لكن على وجه التعظيم لقدرته وهذا كالرجل الذي يرى صاحبه قد وهب الكثير الخطير فيقول أنى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا من ملككٰ تعظيماً وتعجباً. الثالث: أن من شأن من بشر بما يتمناه أن يتولد له فرط السرور به عند أول ما يرد علي استثبات ذلك الكلام إما لأن شدة فرحه به توجب ذهوله عن مقتضيات العقل والفكر وهذا كما أن امرأة إبراهيم عليه السلام بعد أن بشرت باسحق قالت: { أية : أألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عَجِيبٌ } تفسير : [هود: 72] فأزيل تعجبها بقوله: { أية : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود: 73] وإما طلباً للالتذاذ بسماع ذلك الكلام مرة أخرى، وإما مبالغة في تأكيد التفسير.

البيضاوي

تفسير : { قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} جساوة وقحولاً في المفاصل، وأصله عتو وكقعود فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء، ثم قلبت الثانية وأدغمت وقرأ حمزة والكسائي وحفص {عِتِيّاً } بالكسر، وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافاً بأن المؤثر فيه كمال قدرته وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة ولذلك: {قَالَ} أي الله تعالى أو الملك المبلغ للبشارة تصديقاً له. {كَذٰلِكَ} الأمر كذلك، ويجوز أن تكون الكاف منصوبة بـ {قَالَ} في: {قَالَ رَبُّكَ} وذلك إشارة إلى مبهم يفسره. {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } ويؤيد الأول قراءة من قرأ {وَهُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ} أي الأمر كما قلت، أو كما وعدت وهو على ذلك يهون علي، أو كما وعدت وهو عليّ هين لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب، ومفعول قال الثاني محذوف. {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } بل كنت معدوماً صرفاً، وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء، وقرأ حمزة والكسائي «وقد خلقناك». {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّى ءَايَةً} علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به. {قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} سَوِيُّ الخَلْقِ ما بك من خرس ولا بكم، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن. {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } من المصلى أو من الغرفة. {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} فأومأ إليهم لقوله {إِلاَّ رَمْزًا}. وقيل كتب لهم على الأرض. {أَن سَبِّحُواْ } صلوا أو نزهوا ربكم. {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} طرفي النهار، ولعله كان مأموراً بأن يسبح ويأمر قومه بأن يوافقوه، و {أَن} تحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة. {يَا يَحْيَىٰ} على تقدير القول. {خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ} التوراة. {بِقُوَّةٍ } بجد واستظهار بالتوفيق. {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} يعني الحكمة وفهم التوراة، وقيل النبوة أحكم الله عقله في صباه واستنبأه. {وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا } ورحمة منا عليه أو رحمة وتعطفاً في قلبه على أبوييه وغيرهما عطف على الحكم. {وَزَكَوٰةً } وطهارة من الذنوب أو صدقة أي تصدق الله به على أبويه، أو مكنه ووفقه للتصديق على الناس. {وَكَانَ تَقِيّا } مطيعاً متجنباً عن المعاصي. {وَبَرّاً بِوٰلِدَيْهِ } وباراً بهما. {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} عاقاً أو عاصي ربه. {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ } من الله. {يَوْمَ وُلِدَ } من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم. {وَيَوْمَ يَمُوتُ} من عذاب القبر. {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} من عذاب النار وهو القيامة.

ابن كثير

تفسير : هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل، وبشر بالولد، ففرح فرحاً شديداً، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقراً لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي: عسا عظمه ونحل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتياً وعتواً، وعسا يعسو عسواً وعسياً، وقال مجاهد: عتياً، يعني: نحول العظم، وقال ابن عباس وغيره: عتياً، يعني: الكبر، والظاهر أنه أخص من الكبر. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} أو عسياً، ورواه الإمام أحمد عن سُرَيْج بن النعمان، وأبو داود عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم به، {قَالَ} أي: الملك مجيباً لزكريا عما استعجب منه {كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ} أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، {هَيِّنٌ} أي يسير سهل على الله، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} كما قال تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}تفسير : [الإنسان: 1].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنَّىٰ } كيف {يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } من عتايَبِسَ: ألى نهاية السنّ مائة وعشرين سنة وبلغت امرأته ثمانياً وتسعين سنة، وأصل (عُتِيّ): (عُتُوو)، كسرت التاء تخفيفاً، وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة، والثانية ياء لتدغم فيها الياء.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {... أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي ولد. {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً} أي لا تلد وفي تسميتها عاقراً وجهان: أحدهما: لأنها تصير إذا لم تلد كأنها تعقر النسل أي تقطعه. الثاني: لأن في رحمها عقراً يفسد المني، ولم يقل ذلك عن شك بعد الوحي ولكن على وجه الاستخبار: أتعيدنا شابين؟ أو ترزقنا الولد شيخين؟ {وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتيّاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني سناً، قاله قتادة. الثاني: أنه نحول العظم، قاله ابن جريج. الثالث: أنه الذي غيره طول الزمان إلى اليبس والجفاف، قاله ابن عيسى قال الشاعر: شعر : إنما يعذر الوليد ولا يعذر من كان في الزمان عتياً تفسير : قال قتادة: كان له بضع وسبعون سنة وقال مقاتل خمس وتسعون سنة. وقرأ ابن عباس: {عِسِيّاً} وهي كذلك في مصحف أبي من قولهم للشيخ إذا كبر: قد عسا وعتا ومعناهما واحد.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَاقِراً} لا تلد؛ لأنها تعقر النسل أي تقطعه، أو لعقر رحمها للمني وإفساده وسأل عن أن الولد يأتيهما شابين أو شيخين. {عِتِيّاً} يبساً وجفافاً، أو نحول العظم، أو سناً. قال: شعر : إنما يُعذر الوليد ولا يُعــ ذر من كان في الزمان عتيا

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل: فماذا قال عليه الصلاة والسلام حينئذ: فقيل: قال: {رَبّ} ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابِه تعالى إليه بتوسط الملَك، للمبالغة في التضرع، والمناجاة والجِدِّ في التبتل إليه تعالى، والاحترازِ عما عسى يُوهم خطابُه للملك من توهُّم أن علمَه تعالى بما يصدُر عنه متوقِّفٌ على توسطه، كما أن علمَ البشرِ بما يصدر عنه سبحانه متوقِّفٌ على ذلك في عامة الأوقات {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ} كلمة أنىٰ بمعنى كيف أو من أين، وكان إما تامةٌ وأنىٰ واللام متعلقتان بها وتقديمُ الجار على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويقِ إلى ما أُخّر، أي كيف أو من أين يحدث لي غلامٌ؟ ويجوز أن تتعلق اللامُ بمحذوف وقع حال من غلامٌ إذ لو تأخر لكان صفةً له أي أنىٰ يحدث كائناً لي غلام، أو ناقصةٌ اسمُها ظاهرٌ وخبرُها إما أنىٰ ولي متعلقٌ بمحذوف كما مر، أو هو الخبر وأنىٰ نصبٌ على الظرفية، وقوله تعالى: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا} حال من ضمير المتكلم بتقدير قد وكذا قوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} حالٌ منه مؤكدةٌ للاستبعاد إثرَ تأكيد، أي كانت امرأتي عاقراً لم تلِدْ في شبابها وشبابـي فكيف وهي الآن عجوزٌ وقد بلغتُ أنا من أجل كِبَر السنِّ جساوة وقحولاً في المفاصل والعِظام، أو بلغتُ من مدارج الكِبَر ومراتبه ما يسمى عِتيًّا من عتا يعتو وأصله عُتُووٌ كقعود فاستُثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قلبت الثانية أيضاً لاجتماع الواو والياء وسبْقِ إحداهما بالسكون وكُسرت العينُ إتباعاً لها لما بعدها، وقرىء بضمها. ولعل البداءة هٰهنا بذكر حال امرأتِه على عكس ما في سورة آل عمرانَ لِما أنه قد ذُكر حالُه في تضاعيف دعائِه وإنما المذكورُ هٰهنا بلوغُه أقصى مراتبِ الكِبَر تتمةً لما ذكر قبل، وأما هنالك فلم يسبِقْ في الدعاء ذكرُ حاله فلذلك قدّمه على ذكر حال امرأتِه لِما أن المسارعةَ إلى بـيان قصورِ شأنه أنسبُ، وإنما قاله عليه الصلاة والسلام ـ مع سبق دعائِه بذلك وقوةِ يقينه بقدرة الله لا سيما بعد مشاهدتِه للشواهد المذكورة في سورة آلِ عمران ـ استعظاماً لقدرة الله تعالى وتعجيباً منها واعتداداً بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من محضِ لطفِ الله عز وعلا وفضله مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلةِ عادة لا استبعاداً له. وقيل: إنما قاله ليُجابَ بما أجيب به فيزدادَ المؤمنون إيقاناً ويرتدعَ المبطلون، وقيل: كان ذلك بطريق الاستبعادِ حيث كان بـين الدعاء والبِشارة ستون سنة وكان قد نسِيَ دعاءه، وهو بعيد. {قَالَ} استئناف كما مر مبنيٌّ على سؤال نشأ مما سلف، والكافُ في قوله تعالى: {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّك} مقحمةٌ كما في: مثلُك لا يبخل محلُّها إما النصبُ على أنه مصدرٌ تشبـيهيُّ لقال الثاني وذلك إشارةٌ إلى مصدره الذي هو عبارةٌ عن الوعد السابقِ لا إلى قول آخرَ شُبِّه هذا به، وقد مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} تفسير : [البقرة: 143] وقولُه تعالى: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} جملةٌ مقرِّرةٌ للوعد المذكورِ دالةٌ على إنجازه داخلةٌ في حيز قال الأول، كأنه قيل: قال الله عز وجل مثلَ ذلك القولِ البديع، قلت: أي مثلَ ذلك الوعدِ الخارقِ للعادة وعدتُ وهو علي خاصةً هيِّنٌ وإن كان في العادة مستحيلاً، وقرىء وهو علي هينٌ فالجملة حينئذ حالٌ من ربك والياء عبارةٌ عن ضميره كما ستعرفه أو اعتراضٌ، وعلى كل حالٍ فهي مؤكدةٌ ومقرِّرةٌ لما قبلها، ثم أُخرج القولُ الثاني مُخرجَ الالتفات جرياً على سنن الكبرياء لتربـية المهابةِ وإدخال الروعةِ، كقول الخلفاء: أميرُ المؤمنين يرسم لك مكان أنا أرسم، أُسند إلى اسم الربِّ المضاف إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريفاً له وإشعاراً بعلة الحُكم، فإن تذكيرَ جرَيانِ أحكامِ ربوبـيتِه تعالى عليه عليه الصلاة والسلام من إيجاده من العدم وتصريفِه في أطوار الخلقِ من حال إلى حال شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ كمالَه اللائقَ به، مما يقلَع أساسَ استبعاده عليه الصلاة والسلام لحصول الموعودِ ويورثه عليه الصلاة والسلام الاطمئنانَ بإنجازه لا محالة، ثم التُفت من ضمير الغائبِ العائدِ إلى الرب إلى ياء العظمةِ إيذاناً بأن مدارَ كونه هيّناً عليه سبحانه هو القدرةُ الذاتيةُ لا ربوبـيتُه تعالى له عليه الصلاة والسلام خاصة وتمهيداً لما يعقُبه، وقيل: ذلك إشارةٌ إلى مبهم يفسّره قولُه تعالى: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} على طريقة قوله تعالى: { أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الحجر، الآية 66] ولا يخرج هذا الوجهُ على القراءة بالواو لأنها لا تدخل بـين المفسِّر والمفسَّر. وإما الرفع على أنه مبتدأ محذوفٌ وذلك إشارةٌ إلى ما تقدم من وعده تعالى، أي قال عز وعلا: « حديث : الأمرُ كما وعدتُ » تفسير : وهو واقعٌ لا محالة، وقوله تعالى: {قَالَ رَبُّك} الخ، استئنافٌ مقرِّر لمضمونه والجملةُ المحكية على القراءة الثانية معطوفةٌ على المحكية الأولى، أو حالٌ من المستكن في الجار والمجرور أياً ما كان، فتوسيطُ قال بـينهما مُشعرٌ بمزيد الاعتناءِ بكل منهما والكلامُ في إسناد القولِ إلى الرب ثم الالتفاتِ إلى التكلم كالذي مر آنفاً، وقيل: ذلك إشارةٌ إلى ما قاله زكريا عليه الصلاة والسلام، أي قال تعالى: « حديث : الأمرُ كما قلت » تفسير : تصديقاً له فيما حكاه من الحالة المباينةِ للولادة في نفسه وفي امرأته، وقوله تعالى: {قَالَ رَبُّك} الخ، استئنافٌ مَسوقٌ لإزالة استبعادِه بعد تقريره، أي قال تعالى: « حديث : هو مع بعده في نفسه عليّ هيّنٌ » تفسير : والقراءة الثانية أَدخلُ في إفادة هذا المعنى على أن الواو للعطف، وأما جعلُها للحال فمُخِلٌّ بسِداد المعنى لأن مآلَه تقريرُ صعوبته حال سهولتِه عليه تعالى مع أن المقصودَ بـيانُ سهولتِه عليه سبحانه مع صعوبته في نفسه، وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} جملةٌ مستأنَفةٌ مقررة لما قبلها، والمرادُ به ابتداءُ خلق البشرِ إذ هو الواقعُ إثرَ العدم المحضِ لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالدِ المعتادِ، وإنما لم يُنسَبْ ذلك إلى آدمَ عليه الصلاة والسلام وهو المخلوقُ من العدم حقيقةً بأن يقال: وقد خلقتُ أباك أو آدمَ من قبل ولم يك شيئاً مع كفايته في إزالة الاستبعادِ بقياس حالِ ما بُشّر به على حاله عليه الصلاة والسلام لتأكيد الاحتجاجِ وتوضيح منهاجِ القياس حيث نبه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظٌّ من إنشائه عليه الصلاة والسلام من العدم، إذ لم تكن فطرتُه البديعةُ مقصورةً على نفسه به كانت أنموذجاً منطوياً على فطرية سائر آحادِ الجنس انطواءً إجمالياً مستتبعاً لجريان آثارِها على الكل، فكان إبداعُه عليه الصلاة والسلام على ذلك الوجه إبداعاً لكل أحد من فروعه كذلك، ولمّا كان خَلقُه عليه الصلاة والسلام على هذا النمطِ الساري إلى جميع أفراد ذريته أبدعَ من أن يكون ذلك مقصوراً على نفسه كما هو المفهومُ من نسبة الخلقِ المذكور إليه وأدلَّ على عظم قدرتِه تعالى وكمال علمِه وحكمتِه، وكان عدمُ زكريا حينئذ أظهرَ عنده وأجلى وكان حالُه أولى بأن يكون معياراً لحال ما بشر به نُسب الخلقُ المذكور إليه، كما نسب الخَلقُ والتصويرُ إلى المخاطَبـين في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } تفسير : [الأعراف: 11] توفيةً لمقام الامتنان حقَّه، فكأنه قيل: وقد خلقتُك من قبل في تضاعيف خلقِ آدمِ ولم تكن إذ ذاك شيئاً أصلاً بل عدماً بحتاً ونفياً صِرْفاً. هذا وأما حملُ الشيء على المعتدّ به أي ولم تكن شيئاً معتداً به فيأباه المقام ويردّه نظمُ الكلام، وقرىء خلقناك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [الآية: 8]. قال جعفر: استقبل النعمة بالشكر قبل حلولها، أنى يكون لى غلام، بأى يدٍ، وبأى عمل، وأى طاعة استوجبت منك هذه الإجابة وهذا الفضل والكرم بسابق تفضيلك ونعمك على عبادك فى جميع الأحوال فإن آيست من عملى فلا آيسُ من فضلك. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا على الروذبارى يقول: غاية الرجاء فى غاية الإياس وهو قصة زكريا حين قال: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} فولد له مثل يحيى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}. سأل الوَلدَ فلمَّا أُجِيب قال أَنَّى يكون لي غلام؟ ومعنى ذلك - على ما جاء في التفسير - أن بين سؤاله الولد وبين الإجابة مدةً طويلة؛ فكأنه سأل الولدَ في ابتداء حال سِنِّه، واستجيبت دعوتُه بعد ما تناهى في سِنَّه، فلذلك قال: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ}؟. ويقال أراد أن يعرف ممن يكون هذا الولد.. أمِنْ هذه المرأة وهي عاقر أم من امرأة أخرى أتزوج بها مملوكة أستفرشها؟ فالسؤال إنما كان لتعيين مَنْ منها يكون الولد. فقال تعالى: قوله جلّ ذكره: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ}. معناه إجابة الولد لك فيها معجزة ودلالة في هذا الوقت الذي فيه حسب مستقرِّ العادة ولادة مثلِ هذه المرأة دلالةٌ ومعجزةٌ لك على قومك، فتكون للإجابة بالولد مِنْ وَجْهٍ معجزةٌ؛ ومن وجهٍ راحةٌ وكرامةٌ. قوله جلّ ذكره: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}. دلَّت الآية على أن المعدومَ ليس بشيءٍ، لأنه نفي أن يكون قبل خَلْقِه له كان شيئاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} استئناف مبنى على السؤال كأنه فماذا قال زكريا حينئذ فقيل قال {رب} ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى اليه بتوسط الملك للمبالغة فى التضرع والمناجاة والجد فى التبتل اليه تعالى والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم ان علمه بما صدر عنه متوقف على توسطه كما ان علم البشر بما يصدر عنه سبحانه متوقف على ذلك فى عامة الاوقات {انى}[جكونه] {يكون لى غلام} اى كيف او من اين يحدث لى غلام {و} الحال انه قد {كانت امرأتى عاقرا} لم تلد فى شبابها وشبابى فكيف وهى عجوز الآن {وقد بلغت} انا {من الكبر} من اجل كبر السن {عتيا} يبوسة وجفافا كالعود اليابس من قولهم عتا العود اذا يبس وعتا الشيخ اذا كبر وهرم وولى ويقال لكل شئ انتهى قد عتا وانما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافا بان المؤثر فيه كمال قدرته وان الوسائط عند التحقيق ملغاة فانى استعجاب واستبعاد من حيث العبادة لا من حيث القدره. قال الامام فان قيل لم تعجب زكريا بقوله {انى يكون لى غلام} مع انه طلبه قلنا تعجب من ان يجعلهما شابين ثم يرزقها الولد او يتركهما شيخين ويلدان مع الشيخوخة يدل عليه قوله تعالى{أية : رب لا تذرنى فردا وانت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى واصلحنا له زوجه}تفسير : اى اعدنا له قوة الولادة انتهى. وفى الاسئلة المقحمة اراد من التى يكون منه هذا الولد أمن هذه المرأة وهى عاقر ام من امرأة اخرى اتزوج بها او مملوكة.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} قد تكرّر فيما سلف انّ امثال هذه جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما قال زكريّا (ع)؟- فقال: قال {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} استفهام للتّعجّب، واستغرابه كان من قبل الاسباب لا من عطاء مسبّب الاسباب ولذلك ذكر عدم المساعدة من جهة الاسباب {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} قرئ عتيّاً بضم العين وكسرها وهو مصدر بمعنى الكبر او بمعنى يبس الجلد وجفافه ونحول العظم والمفاصل، وقرئ عسيّاً بالسّين بمعناه.

الهواري

تفسير : قوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي: من أيْنَ يكون لي غلام {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً} لا تلد {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً}. قال الحسن: أراد زكرياء أن يعلم كيف ذلك. قوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيّاً} قال مجاهد: قحول العظم. وقال الكلبي: العتي: اليبس وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيّاً}. قال بعضهم: يبس جلدي على عظمي. وقال بعضهم: {عِتِيّاً}، أي غاية ومنتهى. {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} الله يقوله. وهو كلام موصول؛ أخبره المَلَك عن الله أني أعطيك هذا الولد. {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}. {قَالَ} زكرياء {رَبِّ اجْعَل لِّي ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} أي صحيحاً. أي لا يمنعك من الكلام مَرَض. قال بعضهم: إنما عوقب لأنه سأل الآية بعدما شافهته الملائكة مشافهة، فبشّرته بيحيى عليه السلام، فأُخِذَ عليه لسانه فجعل لا يفيض الكلام، أي لا يبين الكلام إلا ما أومأ إيماء، وهو قوله تعالى: (أية : ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا) تفسير : [آل عمران: 41].

اطفيش

تفسير : {قَالَ رَبِّ أنى} كيف. {يَكُونُ لِى غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبرِ عِتِيّاً} تيبس المفاصل وضعفها مصدر عتى بمعنى تيبس وأصله عتوى بواو وياء بوزن قعود قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء وقلبت الضمة كسرة. وقيل: أصله عتوو بواوين بوزن قعود ثقلت ضمتان وواوان متوالية قلبت ضمة التاء كسرة فالواو الأولى ياء ثم الثانية فأدغمت فيها الأولى. وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائى وحفص بكسر العين تخفيفاً وتبعا. وقرأ ابن مسعود بفتحها. وقرأ أبىّ ومجاهد عتيا بفتح العين بمعنى عتى. وعن بعض أن سنة مائة وعشرون سنة وسن امرأته ثمان وتسعون وإنما طلب الولد هو وزوجه على حالة العتىّ والعقر ولما أجيب استبعد ليجاب بما أجيب به فيزداد المؤمنون إيماناً ويرتدع المبطلون ويعترف من هداه الله أن المؤثر كمال قدرته وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة ومعتقد زكريا أولا وآخرا أن الله غنى عن الأسباب.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال عليه السلام حينئذٍ؟ فقيل قال: {رَبِّ} ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى إليه بواسطة الملك للمبالغة في التضرع والمناجاة والجد في التبتل إليه عز وجل، وقيل لذلك والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم أن علمه تعالى بما يصدر عنه متوقف على توسطه كما أن علم البشر بما يصدر عنه تعالى متوقف على ذلك في عامة الأوقات؛ ولا يخفى أن الاقتصار على الأول أولى {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ} كلمة {أَنّى} بمعنى كيف أو من أين، وكان إما تامة وأنى واللام متعلقان بها، وتقديم الجار على الفاعل لما مر غير مرة أي كيف أو من أين يحدث لي غلام، ويجوز أن يتعلق اللام بمحذوف وقع حالاً من {غُلاَمٌ} أي أنى يحدث كائناً لي غلام أو ناقصة واسمها ظاهر وخبرها إما أنىٰ و {لِي} متعلق بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنىٰ نصب على الظرفية. وقوله تعالى: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا} حال من ضمير المتكلم بتقدير قد وكذا قوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} حال منه مؤكدة للاستبعاد إثر تأكيد، ومن للابتداء العلي، والعتي من عتى يعتو اليبس والقحول في المفاصل والعظام. وقال الراغب: هو حالة لا سبيل إلى إصلاحها ومداواتها، وقيل إلى رياضتها وهي الحالة المشار إليها بقول الشاعر:شعر : ومن العناء رياضة الهرم تفسير : وأصله عتوو كقعود فاستثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها ثم انقلبت الثانية أيضاً لاجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون وكسرت العين اتباعاً [لها] لما بعدها أي كانت امرأتي عاقراً لم تلد في شبابها وشبابـي فكيف وهي الآن عجوز وقد بلغت أنا من أجل كبر السن يبساً وقحولاً أو حالة لا سبيل إلى إصلاحها وقد تقدم لك الأقوال في مقدار عمره عليه السلام إذ ذاك. وأما عمر امرأته فقد قيل إنه كان ثماني وتسعين. وجوز أن تكون {مِنْ} للتبعيض أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتياً، وجعلها بعضهم بيانية تجريدية وفيه بحث والجار والمجرور إما متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالاً من {عِتِيّاً} وهو نصب على المفعولية وأصل المعنى متحد مع قوله تعالى في آل عمران [40] حكاية عنه {أية : بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ}تفسير : والتفاوت في المسند إليه لا يضر فإن ما بلغك من المعاني فقد بلغته نعم بين الكلامين اختلاف من حيثية أخرى لا تخفى فيحتاج اختيار كل منهما في مقام إلى نكتة فتدبر ذاك، وكذا وجه البداءة هٰهنا بذكر حال امرأته عليه السلام على عكس ما في تلك السورة. / وفي «إرشاد العقل السليم» لعل ذلك لما أنه قد ذكر حاله في تضاعيف دعائه وإنما المذكور هٰهنا بلوغه أقصى مراتب الكبر تتمة لما ذكر قبل وأما هنالك فلم يسبق في الدعاء ذكر حاله فلذلك قدمه على ذكر حال امرأته لما أن المسارعة إلى بيان قصور شأنه أنسب اهـ. وقال بعضهم: يحتمل تكرر الدعاء والمحاورة واختلاف الأسلوب للتفنن مع تضمن كل ما لم يتضمنه الآخر فتأمل والله تعالى الموفق. والظاهر أنه عليه السلام كان يعرف من نفسه أنه لم يكن عاقراً، ولذلك ذكر الكبر ولم يذكر العقر وإنما قال عليه السلام ما ذكر مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في سورة آل عمران استعظاماً لقدرة الله تعالى واعتداداً بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من محض فضل الله تعالى ولطفه مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة ولم يكن ذلك استبعاداً كذا قيل. وقيل: هو استبعاد لكنه ليس راجعاً إلى المتكلم بل هو بالنسبة إلى المبطلين، وإنما طلب عليه السلام ما يزيل شوكة استبعادهم ويجلب ارتداعهم من سيىء عادتهم، وذلك مما لا بأس به من النبـي خلافاً لابن المنير، نعم أورد على ذلك أن الدعاء كان خفياً عن المبطلين. وأجيب بأنه يحتمل أنه جهر به بعد ذلك إظهاراً لنعمة الله تعالى عليه وطلباً لما ذكر فتذكر. وقيل: هو استبعاد راجع إلى المتكلم حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة، وكان قد نسي عليه السلام دعاءه وهو بعيد جداً. وقال في «الانتصاف»: الظاهر والله تعالى أعلم أن زكريا عليه السلام طلب ولداً على الجملة وليس في الآية ما يدل أنه يوجد منه وهو هرم ولا أنه من زوجته وهي عاقر ولا أنه يعاد عليهما قوتهما وشبابهما كما فعل بغيرهما أو يكون الولد من غير زوجته العاقر فاستبعد الولد منهما وهما بحالهما فاستخبر أيكون وهما كذلك فقيل له {أية : كذلك} تفسير : [مريم: 9] أي يكون الولد وأنتما كذلك. وتعقب بأن قوله: {أية : فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ}تفسير : [مريم: 5] ظاهر في أنه طلب الولد وهما على حالة يستحيل عادة منهما الولد. والظاهر عندي كونه استبعاداً من حيث العادة أو هو بالنسبة إلى المبطلين وهو كما في «الكشف» أولى. وقرأ أكثر السبعة {عِتِيّاً} بضم العين. وقرأ ابن مسعود بفتحها وكذا بفتح صاد {أية : صِلِيّاً }تفسير : [مريم: 70]، وأصل ذلك كما قال ابن جني رداً على قول ابن مجاهد لا أعرف لهما في العربية أصلا ما جاء من المصادر على فعيل نحو الحويل والزويل. وعن ابن مسعود أيضاً ومجاهد أنهما قرآ {عسيا} بضم العين وبالسين مكسورة. وحكى ذلك الداني عن ابن عباس والزمخشري عن أبـي ومجاهد وهو من عسا العود يعسو إذا يبس.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن زكريا لما بشر بيحيى قال {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} وهذا الذي ذكر أنه قاله هنا ذكره أيضاً في "آل عمران" في قوله {أية : قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ}تفسير : [آل عمران:40]. وقوله في هذه الآية الكريمة {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} قرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "عتياً" بضمها على الأصل. ومعنى قوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} بكسر العين إتباعاً للكسرة التي بعدها، ومجانسة للياء وقرأه الباقون "عتياً" بضمها على الأصل. ومعنى قوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاًً} أنه بلغ غاية الكبر في السن. حتى نحل عظمه ويبس. قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: يقول وقد عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها. يقال منه للعود اليابس: عود عات وعاس. وقد عتا عتواً وعتياً. وعسا يعسو عسياً وعسوا. وكل متناه إلى غاية في كبر أو فساد أو كفر فهو عات وعاس. تنبيه فإن قيل: ما وجه استفهام زكريا في قوله {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء. فالجواب من ثلاثة أوجه قد ذكرناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عند آيات الكتاب) في سورة "آل عمران" وواحد منها فيه بعد وإن روى عن عكرمة والسدي وغيرهما. الأول - أن استفهام زكريا استفهام استخبار واستعلام. لأنه لايعلم هل الله يأتيه بالولد من زوجه العجوز على كبر سنهما على سبيل خرق العادة. أو يأمره بأن يتزوج شابة، أو يردهما شابين؟ فاستفهم عن الحقيقة ليعلمها. ولا إشكال في هذا، وهو أظهرها. الثاني - أن استفهامه استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى. الثالث - وهو الذي ذكرنا أن فيه بعداً هو ما ذكره ابن جرير عن عكرمة والسدي: من أن زكريا لما نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى، قال له الشيطان: ليس هذا نداء الملائكة، وإنما هو نداء الشيطان، فداخل زكريا الشك في أن النداء من الشيطان، فقال عند الله الشك الناشىء عن وسوسة الشيطان قبل أن يتيقن أنه من الله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} ولذا طلب الآية من الله على ذلك بقوله: {أية : قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً}تفسير : [مريم: 10] الآية. وإنما قلنا: إن هذا القول فيه بعد لأنه لا يلتبس على زكريا نداء الملائكة بنداء الشيطان. وقوله في هذه الآية الكريمة "عتياً" أصله عتوا، فأبدلت الواو ياء. ومن إطلاق العتي الكبر المتناهي قول الشاعر شعر : إنما يعذر الوليد ولا يعـ ذر من كان في الزمان عتيا تفسير : وقراءة "عسياً" بالسين شاذة لا تجوز القراءة بها. وقال القرطبي: وبها قرأ ابن عباس، وهي كذلك مصحف أبي.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أنى يكون لي غلام؟: أي من أي وجهٍ وَجِهَةٍ يكون لي ولد. عتيا: أي يبست مفاصلي وعظامي. آية: أي علامة تدلني على حمل امرأتي. سويا: أي حال كونك سويَّ الخلقِ ما بك عليه خرس. من المحراب: المصلى الذي يصلي فيه وهو المسجد. فأوحى إليهم: أومأ إليهم وأشار عليهم. وآتيناه الحكم صبيا: الحكم والحكمة بمعنى واحد وهما الفقه في الدين ومعرفة أسرار الشرع. وحنانا من لدنا: أي عطفاً على الناس موهوباً له من عندنا. وزكاة: أي طهارة من الذنوب والآثام. جبارا عصياً: أي متعاليا لا يقبل الحق عصياً لا يطيع أمر الله عز وجل وأمر والديه. وسلام عليه: أي أمان له من الشيطان أن يمسه بسوء يوم يولد، وأمان له من فتاني القبر يوم يموت، وأمان له من الفزع الأكبر يوم يبعث حياً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر رحمة الله عبده زكريا إنه لما بشره ربه تعالى بيحيى قال: ما أخبر به تعالى عنه في قوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} أي من أي وجه وجهة يأتيني الولد أمن إمرأة غير أمرأتي، أم منها ولكن تهبني قوة على مباضعتها وتجعل رحمها قادرة على العلوق، لأني كما تعلم يا ربي قد بلغت من الكبر حداً يبس فيه عظمي ومفاصلي وهو العتى كما أن امرأتي عاقر لا يولد لها. فأجابه الرب تبارك وتعالى بما في قوله عزوجل: {قَالَ كَذٰلِكَ} أي الأمر كما قلت يا زكريا، ولكن {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي إعطاؤك الولد على ما أنت عليه من الضعف والكبر وامرأتك من العقر سهل يسير لا صعوبة فيه ويدلك على ذلك أني {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}، فكما قدر ربك على خلقك ولم تك شيئاً فهو قادر على هبتك الولد على ضعفك وعقر امرأتك وهنا طالب زكريا ربه بأن يجعل له علامة تدله على وقت حمل امرأته بالولد فقال ما أخبر به تعال في قوله: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} فأعطاه تعالى علامة على وقت حمل امراته بالولد وهي أنه يصبح يوم بداية الحمل لا يقدر على الكلام وهو سوي البدن ما به خرس ولا مرض يمنعه من الكلام، {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} أي المصلى الذي يصلي فيه {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} أي أومأ وأشار إليهم {أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي اذكروا الله في هذين الوقتين بالصلاة والتسبيح. وهنا علم بحمل امرأته إذ إمتناعه عن الكلام مع سلامة جسمه وحواسه آية على بداية الحمل، وقوله تعالى: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} هذا قول الله تعالى للغلام بعد بلوغه ثلاث سنين أمره الله تعالى أن يتعلم التوراة ويعمل بها بقوة جد وحزم وقوله {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} أي وهبناه الفقه في الكتاب ومعرفة أسرار الشرع وهو صبي لم يبلغ سن الاحتلام. وقوله تعالى {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً} أي ورحمة منا به ومحبة له آتيناه الحكم صبياً كما أنه عليه السلام كان ذا حنان على أبويه وغيرهما من المسلمين وقوله {وَزَكَاةً} أي طهارة من الذنوب باستعمال بدنه في طاعة ربه عزوجل {وَكَانَ تَقِيّاً} أي خائفاً من ربه فلا يعصه بترك فريضة ولا يفعل حرام. وقوله تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ} أي محسناً بهما مطيعاً لهما لا يؤذيهما أدنى أذى وقوله {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} أي لم يكن عليه السلام مستكبراً ولا ظالماً، ولا متمرداً عاصياً لربه ولا لأبويه وقوله: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} أي أمان له من الشيطان يوم ولد، وأمان له من فتاني القبر يوم يموت، وأمان له من الفزع الأكبر يوم يبعث حياً، فسبحان الله ما أعظم فضله وأجزل عطاءه على أوليائه، اللهم أمنا كما أمنته فإنك ذو فضل عظيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- طلب معرفة السبب الذي يتأتى به الفعل غير قادح في صاحبه فسؤال زكريا عن الوجه الذي يأتي به الولد، كسؤال إبراهيم عن كيفية إحياء الموتى. 2- جواز طلب العلامات الدالة على الشيء للمعرفة. 3- آية عجيبة أن يصبح زكريا لا يتكلم فيفهم غيره بالإِشارة فقط. 4- فضل التسبيح في الصباح والمساء. 5- وجوب أخذ القرآن بجد وحزم وحفظاً وعملاً بما فيه. 6- صدق قول أهل العلم من حفظ القرآن في سن ما قبل البلوغ فقد أوتي الحكم صبياً. 7- وجوب البر بالوالدين ورحمتهما والحنان عليهما والتواضع لهما.

د. أسعد حومد

تفسير : {غُلاَمٌ} (8) - فَتَعَجَّبَ زَكَرِيَّا حِيْنَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ يُوْلَدُ لِي وَلَدٌ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ، وَأَنَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِيَ السِّنُّ كَثِيراً وَكَبِرْتُ، وَقَحِلَ عَظْمِي، وَلَمْ تَبْقَ فِيَّ قُوَّةٌ؟ أَنَّى يَكُونُ - كَيْفَ يَكُونُ. العَاقِرُ - العَقِيمُ الَّذِي لاَ يُوْلَدُ لَهُ وَلَدٌ. عِتِيّاً - أَيْ كَبِرَ وَيَبِسَتْ مَفَاصِلُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لما سمع زكريا عليه السلام البشارة من ربه، واطمأن إلى حصولها أغراه ذلك في أنْ يُوغل في معرفة الوسيلة، وكيف سيتم ذلك، وتتحقق هذه البشارة حالَ كوْنه قد بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر؟ لكن ماذا يقصد زكريا من سؤاله، وهو يعلم تماماً أن الله تعالى عالم بحاله وحال زوجه؟ الواقع أن زكريا عليه السلام لا يستنكر حدوث هذه البشرى، ولا يستدرك على الله، وحاشاه أنْ يقصد ذلك، وإنما أطمعته البُشْرى في أنْ يعرف الكيفية، كما حدث في قصة موسى - عليه السلام - حينما كلَّمه ربه واختاره، وأفرده بهذه الميزة فأغراه الكلام في أنْ يطلب الرؤيا، فقال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ..}تفسير : [الأعراف: 143]. وكما حدث في قصة - إبراهيم عليه السلام - لما قال لربه: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ ..}تفسير : [البقرة: 260] وأبو الأنبياء لا يشكّ في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ولكنه يريد أنْ يعرف هذه الطريقة العجيبة، فالكلام ليس في الحقيقة وجوداً وعدماً، إنما في كيفية وجود الحقيقة، والكلام في الكيفية لا دخْلَ له بالوجود. فأخبره الحق سبحانه أن هذه المسألة لا تُقال إنما تُباشَر عملياً، فأمره بما نعلم من هذه القصة: وهو أن يحضر أربعة من الطير بنفسه، ثم يضمهنّ إليه ليتأكد بنفسه من حقيقتها، ثم أمره أنْ يُقطِّعهن أجزاء، ثم يُفرِّق هذه الأجزاء على قمم الجبال، ثم بعد ذلك ترك له الخالق سبحانه أنْ يدْعُوَهُن بنفسه، وأن يصدر الأمر منه فتتجمع هذه القطع المبعثرة وتدبّ فيها الحياة من جديد، وهذا من مظاهر عظمته سبحانه وتعالى أنه لم يفعل، بل جعل مَنْ لا يستطيع ذلك يفعله. ويقدر عليه. فإنْ كان البشر يُعَدُّون أثر قدرتهم إلى الضعفاء، فمَنْ لا يقدر على حَمْل شيء يأتي بمَنْ يحمله له، ومَنْ يعجز عن عمل شيء يأتي بمَنْ يقوم به، ويظل هو ضعيفاً لا يقدر على شيء، أما الحق سبحانه وتعالى فيُعدِّي قوته بنفسه إلى الضعيف فيصير قوياً قادراً على الفعل. فقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ..} [مريم: 8]؟ سؤال عن الكيفية، كما أن إبراهيم عليه السلام لما قال له ربه: {أية : أَوَلَمْ تُؤْمِن ..}تفسير : [البقرة: 260]؟ أي: بقدرتي على إحياء الموتى، قال (بَلَى) أي: نعم أومن {أية : وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ..}تفسير : [البقرة: 260] أي: الكيفية التي يتم بها الإحياء. أو: أن زكريا عليه السلام بقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ..} [مريم: 8] يريد أن يُوثِّق هذه البشرى ويُسجِّلها، كما تَعِد ولدك بأنْ تشتري له هدية فيُلِحّ عليك في هذه المسألة ليؤكد وَعْدك له، ويستلذ بأنه وَعْد مُحقَّق لا شكَّ فيه، ثم يذكر زكريا حيثيات تعجُّبه من هذا الأمر فيقول: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} [مريم: 8]. عتياً: من عَتَا يعني طغى وتجبر وأفسد كثيراً، والعُتُو: الكفر، والعَتيّ: هو القوي الذي لا يُغالب؛ لذلك وصف الكِبَر الذي هو رمز للضعف بأنه عَتّى؛ لأن ضعف الشيب والشيخوخة ضَعْف لا يقدر أحد على مقاومته، أو دفعه أبداً، مهما احتال عليه بالأدوية والعقاقير (والفيتامينات). ويبدو أن مسألة الولد هذه كانت تشغل زكريا عليه السلام؛ وتُلِح عليه؛ لأنه دعا الله كثيراً أنْ يرزقه الولد، ففي موضع آخر يقول: {أية : رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ}تفسير : [الأنبياء: 89]. فزكريا عليه السلام يريد الولد الذي يَرِثه وهو موروث؛ لأن الله تعالى خير الوارثين. لكن يأتي الرد: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ..}تفسير : [الأنبياء: 90] ونلاحظ أنه تعالى قبل أن يقول: {أية : وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ..}تفسير : [الأنبياء: 90] التي ستنجب هذا الولد، قال: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ ..}تفسير : [الأنبياء: 90] فصلاح الزوجَة ليس شرطاً في تحقُّق هذه البشرى وحدوث هذه الهبة. وهنا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة الإلهية التي لا يُعجِزها شيء، فهو سبحانه قادر على إصلاح هذه الزوجة العاقر، فالصنعة الإلهية لا تقف عند حَدٍّ، كما لو تعطَّل عندك أحد الأجهزة مثلاً فذهبتَ به إلى الكهربائي لإصلاحه فوجد التلفَ به كبيراً، فينصحك بترْكه وشراء آخر جديد، فلا حيلةَ في إصلاحه. لذلك أصلح الله تعالى لزكريا زوجه حتى لا نظنَّ أن يحيى جاء بطريقة أخرى، والزوجة ما تزال على حالها. ثم يقول الحق: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} يعني لا تَلدُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} معناهُ نُحولُ العَظمِ وقال: سبعون.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله قال: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} [مريم: 8] يشير إلى أن أسباب حصول الولد منفية من الوالدين بالعقر والكبر وهي من السنة الإلهية، فإن من السنة أن يجعله يخلق الله الشيء من الشيء كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 185] ومن القدرة أنه تعالى يخلق الشيء من لا شيء، فقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [مريم: 8] أمن السنة أو من القدرة. فأجابه الله تعالى بقوله: {قَالَ كَذٰلِكَ} [مريم: 9] أي: الأمر لا يخلو من السنة أو القدرة؟ وفي قوله: {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 9] إشارة إلى أن كلا الأمرين عليَّ هين إن شئت أخلق لك من لا شيء بالقدرة، كما {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9] أي: خلقت روحك من قبل جسدك من لا شيء بأمر كن، ولهذا قال تعالى: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء: 85] وهو أول مقدور تعلقت القدرة به. واعلم أن من قوله تعالى: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} تفسير : [مريم: 3] إلى تمام الآيات إشارة أخرى وهي: إن زكريا الروح نادى ربه {أية : نِدَآءً خَفِيّاً} تفسير : [مريم: 3] سر الس. {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} [مريم: 4] أعظم عظم الروحانية {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : [مريم: 4] أي: شيب صفات البشرية {أية : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ} تفسير : [مريم: 4] بموهبة الولد {أية : رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ} تفسير : [مريم: 4-5] أي: صفات النفس أن تغلب وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى {أية : وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي} تفسير : [مريم: 5] أي: الجثة الجسدانية التي هي زوجة الروح {أية : عَاقِراً} تفسير : [مريم: 5] أي: لا يلد إلا بموهبة من الله، {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} تفسير : [مريم: 5] وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني، فإنه ولي الروح والنفس التي هي أعدى عدوة. {أية : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} تفسير : [مريم: 6] أي: يتصف بصفة الروح وجميع الروحانيات. {أية : وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} تفسير : [مريم: 6] أن تعطيه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره، قوله: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} [الضحى: 5] فأجابه الله تعالى بقوله: {أية : يٰزَكَرِيَّآ} تفسير : [مريم: 7] الروح {أية : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ} تفسير : [مريم: 7] وهو القلب {أية : ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} تفسير : [مريم: 7] بإحياء الله إياه بنوره كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} تفسير : [الأنعام: 122] فيه إشارة إلى أن من لم يحييه الله ولم يجعل له نوراً فهو ميت، قوله: {أية : لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 7] أي: موصوفاً بصفة لا من الحيوانات ولا من الملائكة قبله وهي قبول فيض الألوهية بلا واسطة كما قال تعالى: "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" ألا وهي سر حمل الأمانة التي ضاق أهل السماوات والأرض عند حملها. {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [مريم: 8] أي: قلب بهذه الصفة. {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ} [مريم: 8] أي: بطول زمان التعلق بالقالب. {عِتِيّاً} [مريم: 8] أي: يبساً وجفافاً من غليان صفات النفس. {قَالَ كَذٰلِكَ} [مريم: 9] أي: هكذا الأمر {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 9] لأني قادر على أن أحي الموتى، وأن أجعل من ازدواج الروح والقالب قلباً حيّاً يحيى بحياتي {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ} [مريم: 9] من لا شيء {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9] لا روحانياً ولا جسمانياً {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً} [مريم: 10] أهتدي بها إلى كيفية عمل القالب العاقر بالقلب الحي الذي يحيى في ذلك {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} [مريم: 10] أي: لا تخاطب غير الله ولا تلتفت إلى ما سواه {ثَلاَثَ لَيَالٍ} [مريم: 10] وبها يشير إلى: مراتب ما سوى الله وهي ثلاث مراتب: الجمادات والحيوانات والروحانيات، فإذا تقرب إلى الله بعدم الالتفات إلى ما سواه يتقرب إليه بموهبة الغلام الذي هو القلب الحي بنوره، فافهم جدّاً. قوله: {سَوِيّاً} [مريم: 10] أي: متمكناً في هذا الحال من غير تلون {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} [مريم: 11] فخرج زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته. {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 11] أي: كونوا متوجهين إلى الله معرضين عمَّا سواه {أية : آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} تفسير : [طه: 130] {أية : وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} تفسير : [طه: 130]؛ بل بكرة الأزل وعشي الأبد. ثم أخبر عن الخطاب ليحيى يأخذ الكتاب بقوله: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] يشير إلى يحيى القلب؛ أي: خذ كتاب الفيض الإلهي بقوة ربانية لا بقوة إنسانية؛ لأنه خلق الإنسان ضعيفاً وهو عن القوة بمعزل و {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} تفسير : [الذاريات: 58]. {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} [مريم: 12] أي: آتيناه العلم والحكمة وهو في صبايته، وخلقه إذ خلق الله الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فالقلب موضع قبول الرشاش من الروح، والعلم والحكمة من نتائج ذلك الرشاش إلا أن الله تعالى خلق للقلب صورة وهي الصفة الصنوبرية، وقد خلقها من الذرة التي أخذها من ظهر آدم يوم الميثاق، وأنه تعالى جعل له روحاً من انصباب رشاش النور من الروح الإنساني وهذا يختص بقلوب الذين أنعم عليهم بإضفائه رشاش النور {أية : مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69] ولهذا الاختصاص صار يحيي القلب مخصوصاً بالحكمة. وبقوله: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} [مريم: 13] أي: آتيناه رحمة من عندنا نظيره قوله في خضر {أية : آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} تفسير : [الكهف: 65]، وبقوله: {وَزَكَاةً} [مريم: 13] أي: تزكيةً وتطهيراً منا عن الالتفات بغيرنا {وَكَانَ تَقِيّاً} [مريم: 13] أي: يتقي بنا عمَّا سوانا {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ} [مريم: 14] أي: بوالد الروح وبوالدة القالب: * فأمَّا بره بوالد الروح: تنويره بنور الفيض الإلهي إذ هو محل قبول الفيض كما قررنا؛ لأن الفيض الإلهي وإن كان نصيب الروح أولاً ولكن لا يمسكه للطافة الروح، بل يعبر عنه بالفيض ويقبله القلب ويمسكه؛ لأن فيه صفاء وكثافة؛ فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، كما أن الشمس فيضها يقلبه الهوى لصفائها، ولكن لا يمسكه للطافة الهواء، فأمَّا المرآة فتقبل الشيء بصفائها ويمكّن لكثافتها، وهذا من أسرار حمل الأمانة التي حملها الإنسان، ولم يحملها الملائكة المقربون، فافهم جيداً. * وأمَّا بره بوالدة القالب: فباستعمالها على وفق أوامر الشرع ونواهيه؛ لينجيها من عذاب النار ويدخلها الجنة {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} [مريم: 14] كالنفس الأمارة بالسوء {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} [مريم: 15] يشير إلى أن القلب السليم المقبل المقبول في حراسة سلام الله وحفظه في كل حال من حالاته حالة ولادته؛ أي: ابتداء خلقه {وَيَوْمَ يَمُوتُ} [مريم: 15] أي: حين يموت باستعمال المعاصي {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} [مريم: 15] أي: حين يتوب إلى الله فيحييه الله حياة طيبة. فأمَّا فائدة سلام الله حين يموت بالمعاصي في حق القلب، فبأن يكون في موته وإحيائه نوع ابتلاء يكون سبب تربية وترقية عن مقامه، وتنقية عن بعض الآفات والعيوب مثل: العجب والكبر والرياء والسمعة وغيرها.

همام الصنعاني

تفسير : 1739- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}: [الآية: 8]، قال: سِناً. قال: وكان ابن بضع وسبعين سنة.