Verse. 2259 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

قَالَ كَذٰلِكَ۝۰ۚ قَالَ رَبُّكَ ہُوَعَلَيَّ ہَيِّنٌ وَّقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَـيْـــــًٔـا۝۹
Qala kathalika qala rabbuka huwa AAalayya hayyinun waqad khalaqtuka min qablu walam taku shayan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» الأمر «كذلك» من خلق غلام منكما «قال ربك هو عليَّ هين» أي: بأن أرد عليك قوة الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق «وقد خلقتك من قبل ولم تكُ شيئا» قبل خلقك ولإظهار الله هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بما يدل عليها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {قَالَ رَبُّكَ هُوَ هَيّنٌ } وجوه. أحدها: أن الكاف رفع أي الأمر كذلك تصديقاً له ثم ابتدأ قال ربك. وثانيها: نصب يقال وذلك إشارة إلى مبهم تفسيره هو علي هين وهو كقوله تعالى: { أية : وَقَضَيْنَا إِلَيْكَ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } تفسير : [الحجر: 66] وثالثها؛ أن المراد لا تعجب فإنه كذلك قال ربك لا خلف في قوله ولا غلط ثم قال بعده هو علي هين بدليل خلقتك من قبل ولم تك شيئاً. ورابعها: أنا ذكرنا أن قوله أنى يكون لي غلام معناه تعطيني الغلام بأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة ومع ذلك تعطينا الولد، وقوله: {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ } أي نهب الولد مع بقائك وبقاء زوجتك على الحاصلة في الحال. المسألة الثانية؛ قرأ الحسن وهو علي هين وهذا لا يخرج إلا على الوجه الأول أي الأمر كما قلت ولكن قال ربك هو مع ذلك علي هين. المسألة الثالثة: إطلاق لفظ الهين في حق الله تعالى مجاز لأن ذلك إنما يجوز في حق من يجوز أن يصعب عليه شيء ولكن المراد أنه إذا أراد شيئاً كان. المسألة الرابعة: في وجه الاستدلال بقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } فنقول: إنه لما خلقه من العدم الصرف والنفي المحض كان قادراً على خلق الذوات والصفات والآثار وأما الآن فخلق الولد من الشيخ والشيخة لا يحتاج فيه إلا إلى تبديل الصفات والقادر على خلق الذوات والصفات والآثار معاً أولى أن يكون قادراً على تبديل الصفات وإذا أوجده عن عدم فكذا يرزقه الولد بأن يعيد إليه وإلى صاحبته القوة التي عنها يتولد الماءان اللذان من اجتماعهما يخلق الولد ولذلك قال: { أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } تفسير : [الأنبياء: 90] فهذا وجه الاستدلال. المسألة الخامسة: الجمهور على أن قوله قال كذلك قال ربك يقتضي أن القائل لذلك ملك مع الاعتراف بأن قوله: { أية : يٰزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشّرُكَ } تفسير : [مريم: 7] قول الله تعالى وقوله: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } قول الله تعالى وهذا بعيد لأنه إذا كان ما قبل هذا الكلام وما بعده قول الله تعالى فكيف يصح إدراج هذه الألفاظ فيما بين هذين القولين، والأولى أن يقال قائل هذا القول أيضاً هو الله تعالى كما أن الملك العظيم إذا وعد عبده شيئاً عظيماً فيقول العبد من أين يحصل لي هذا فيقول إن سلطانك ضمن لك ذلك كأنه ينبه بذلك على أن كونه سلطاناً مما يوجب عليه الوفاء بالوعد فكذا ههنا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } الأمر {كَذٰلِكَ } من خلق غلام منكما {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ } أي: بأن أرُدّ عليك قوّة الجماع، وأفتق رحم امرأتك للعلوق {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } قبل خلقك، ولإِظهار الله هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بما يدل عليها. ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشَّر به.

النسفي

تفسير : {قَالَ كَذٰلِكَ } الكاف رفع أي الأمر كذلك تصديق له ثم ابتدأ {قَالَ رَبُّكِ } أو نصب بـ {قال} وذلك إشارة إلى مبهم يفسره {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } أي خلق يحيى من كبيرين سهل {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ } أو جدتك من قبل يحيى. {خلقناك} حمزة وعلي {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } لأن المعدوم ليس بشيء {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } علامة أعرف بها حبل امرأتي {قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِياً } حال من ضمير تكلم أي حال كونك سوى الأعضاء واللسان يعني علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه وأنت سليم الجوارح ما بك خرس ولا بكم. ودل ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن، إذ ذكر الأيام يتناول ما بإزائها من الليالي وكذا ذكر الليالي يتناول ما بإزائها من الأيام عرفاً {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } من موضع صلاته وكانوا ينتظرونه ولم يقدر أن يتكلم {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } أشار بإصبعه {أَن سَبّحُواْ } صلوا و«أن» هي المفسرة {بُكْرَةً وَعَشِيّاً } صلاة الفجر والعصر {يَا يَحْيَىٰ } أي وهبنا له يحيى وقلنا له بعد ولادته وأوان الخطاب يا يحيى {خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة {بِقُوَّةٍ } حال أي بجد واستظهار بالتوفيق والتأييد {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ } الحكمة وهو فهم التوراة والفقه في الدين {صَبِيّاً } حال. قيل: دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي فقال: ما للعب خلقنا {وَحَنَانًا } شفقة ورحمة لأبويه وغيرهما عطفاً على الحكم {مّن لَّدُنَّـا } من عندنا {وَزَكَوٰةً } أي طهارة وصلاحاً فلم يعمد بذنب {وَكَانَ تَقِيّا } مسلماً مطيعا.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [الآية: 9]. قال الواسطى: قدرتك من قبل ولم تك موجودًا. وقال: المقادير صرحت معانيها وكشفت عن أوقاتها. وقال فى قوله: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}. قال: أنت فى حال وجودك كانت فى حال عدمك عندنا لا تحدث لنا فى عدمك ووجودك بحاله لم تكن لا للأشياء ثابتة فى حالة وجودها ولا هى بانية فى عدمها إذ وجودها وعدمها عند الخلق، والإثبات لشىء بإزائه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} هذا جواب قوله انى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقراً او قد بلغت من الكبر عتيّا ما شك في قدرة القادر لكن تفحص من شأن الحال حتى يقع نظر سره على تجلى القدرة وسرها لعل ينكشف له عين ذات الازلى فاجابه الحق اين انت مما ظهر في نفسك مما تطلب في خلق ابنك انظر الى وجودك بعين الحقيقة حتى ترانى في كونك وتستغنى عن النظر الى خيرات البسمت نور قدمى فعلى والبسمت نور فعلى العدم وصيرتك موجود الظهور وجودى بنعت قدم لعدمك قال الواسطى في قوله تعالى ولم تك شيئاً المقادير صرحت بمعانيها وكشفت عن اوقاتها وقال ايضا انت في حال وجودك كانت في حال عدمك عندنا لا تحدث لنا في عدمك ووجودك حالة لم تكن لا الاشياء ثابتة فى حال وجودها ولا هى ثابتة في حالة عدمها اذ وجودها وعدمها عند الحق سواء لاثبات شئ بازائه قال جعفر في قوله رب انى يكون لى غلام استقبل النعمة بالشكر قبل حلولها وقال الرود نادى غاية الرحاء في غاية الياس وهو في قصة زكريا حتى قال انى يكون غلام قوله له مثل يحيى.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الملك المبلغ للبشارة {كذلك} اى الامر كما قلت. وبالفارسية [همجنين است كه تو كفتى ازبيرى وضعف اما]{قال ربك هو} [اين كاركه آفريدن فرزنداست درين سن ازين دو شخص] مع بعده فى نفسه {علىّ}[برقدت من خاصة] {هين}{[آسانست] ارد عليك قوتك حتى تقوى على الجماع وافتق رحم امرأتك بالولد كما فى تفسير الجلالين والكاشفى. وقال فى الارشاد الكاف فى كذلك مقحمة كما فى مثلك لا يبخل فمحلها النصب على انه مصدر تشبيهى لقال الثانى وذلك اشارة الى مصدره الذى هو عبارة عن الوعد السابق لا الى قول آخر شبه هذا به وقوله {هو عليّ هين} جملة مقررة للوعد المذكور دالة على انجازه داخلة فى حيز قال الاول كأنه قيل قال الله مثل ذلك القول البديع قلت اى مثل ذلك الوعد الخارق للعادة وعدت هو علىّ خاصة هين وان كان فى العادة مستحيلا ويجوز ان يكون محل الكاف فى كذلك الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف وذلك اشارة الى ما تقدم من وعده تعالى اى قال عز وعلا امركما وعدت وهو واقع لا محالة وقوله {قال ربك} استئناف مقرر لمضمونه {وقد خلقتك من قبل} من قبل يحيى فى تضاعيف خلق آدم {ولم تك} اذ ذاك {شيئا} اصلا بل عدما صرفا فخلق يحيى من البشرين اهون من خلقك مفردا والمراد خلق آدم لانه انموذج مشتمل على جميع الذرية. قال الامام وجه الاستدلال بقوله تعالى{وقد خلقتك} الخ ان خلقه من العدم الصرف خلق للذات والصفات وخلق الولد من شيخين لا يحتاج الا الى تبديل الصفات والقادر على خلق الذات والصفات اولى ان يقدر على تبديل الصفات انتهى. قال فى بحر العلوم ولفظ الشئ عندنا يختص بالموجود وبالعكس ونفى كون الشئ تقرير لعدمه فالآية دليل على ان المعدوم ليس بشئ

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه استبعد من مقام الانبياء (ع) مثل هذا الاستغراب فقيل: أقال زكريّا ذلك؟ - فقال: قال {كَذٰلِكَ} او قال الله او الملك المبشّر الامر كذلك او كذلك مفعولٌ لقوله {قَالَ رَبُّكَ} وقوله {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} بيان لكذلك والمجموع مفعول قال الاوّل، وقرئ وهو علىّ هيّنٌ بواو العطف والمعنى انّى لا حاجة لى الى الاسباب حتّى تستغربه بالنّظر الى الاسباب {وَقَدْ خَلَقْتُكَ} قرئ خلقناك {مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} وايجاد المعدوم اصعب من جعل العاقر ولوداً، عن ابى جعفرٍ (ع): انّما ولد يحيى بعد البشارة من الله بخمس سنين.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الله أو الملك المبشر له تصديقا له: {كَذَلِكَ} خبر لمحذوف أى الأمر كذلك والجملة مفعول القول أو الكاف اسم مفعول للقول الثانى مضاف لاسم الإشارة وجملة القول الثانى وفاعله مقول الأول. ويقوِّى الوجه الأول قراءة لاحسن وهو علىَّ هين أى الأمر كذلك أى كما وعدت أنا أو هو مع ذلك يهون علىَّ أو كما وعدت وهو علىَّ هين لا أحتاج فيما أريد أن أفعل إلى الأسباب وإذا لم نجعل الكاف مفعولا للقول الثانى وهو الذى فى قول جل وعلا: {قَالَ رَبُّكَ} فمفعوله محذوف على قراءة الحسن دل عليه ما بعده. وأما على قراءة الجمهور فمفعلوه قوله: {هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ} وهذه الجملة تفسير للإشارة وقد علمت أن الإشارة إلى قول زكريا أو إلى وعد الله والهيّن: السهل اليسير رد عليه قوة الجماع وفتق رحم امرأته. {وَقَدْ خَلَقْتُكَ} وقرأ حمزة والكسائى والأعمش وابن وثاب وقد خلقناك. {مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} موجدا ولكن شئ سيوجد أو لم تك شيئا يعتد به ولا دليل فى الآية على أن المعدوم ليس شيئا والحق أن الشئ يطلق على الموجود والمعدوم بعد وجوده والذى سيوجد ولإظهار الله هذه القدرة العظيمة ألهم السؤال ليجاب بما يدل عليها. ولما تاقت نفسه إلى السرعة البشرية قال ما حكى الله عند فى قوله: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِى آيَةً} علامة على حمل امرأتى. وسكن غير نافع وأبى عمرو الياء. {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالِ سَوِيّاً} حال من ضمير تكلم أى أن تمنع الكلام ولا تستطيعه وأنت سالم الجوارح سوىّ الخلْق ما بك خرس ولا بكم وإذا أراد ذكر الله أطلق الله لسانه وذلك هو الصحيح وهو قول الجمهور. ويجوز أن يكون سويا نعتا لثلاث أى كاملات مستويات متتابعات وهو قول ابن عباس. وفى ذكر الليالى هنا والأيام فى آل عمران دلالة على أنه استمر عليه منع الكلام مع الناس والتجرد لذكر الله ثلاثة أيام وليالهن. وعن بعضهم: عاقبه الله بمنع الكلام لسؤاله العلامة بعد إعلام الله إياه.

اطفيش

تفسير : {قال} الله أو الملك المبشر {كذلك} الأمر كذلك على فدعا من فى السابق والإشارة إلى تحقق مضمون التبشير، أو إلى الاستبعاد إلا أنه سهل عند الله، ولوصف عندك كما قال. {قال ربِّك هُو علىَّ هيِّن} والخطاب كله لزكرياء، ويجوز كون كذلك معمولاً لقال بعده: {وقد خلقتُك من قبلُ} من قبل هذا الولد المبشر به أو من قبل أبيك فى الأصلاب، حتى كنت فى صلب ثم خرجت منه {ولَم تكُ شيئاً} موجوداً متشخصاً، بل فى الأصلاب، أو خلفتك فى آدم من تراب، وكل آدمى كذلك، أو لم تك شيئاً معتداً به كقول أبى الطيب: شعر : وضاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شىء ظنه رجلا تفسير : أى غير شيىء معتد به، أو غير شىء خيالا غير محقق، والآية ظاهرة فى أن المعدوم غير شىء، وتأويل بتقدير النعت كما رأيت.

الالوسي

تفسير : {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} قرأ الحسن {وَهُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ} بالواو، وعنه أنه كسر ياء المتكلم كما في قول النابغة:شعر : علي لعمرو نعمة بعد نعمة لوالده ليست بذات عقارب تفسير : ونحو ذلك قراءة حمزة {أية : وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } تفسير : [إبراهيم: 22] بكسر الياء، والكاف إما رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وضمير {قَالَ } للرب عز وجل لا للملك المبشر لئلا يفك النظم، و{ذٰلكَ} إشارة إلى قول زكريا عليه السلام، والخطاب في {قَالَ رَبُّكَ} له عليه السلام لا لنبينا صلى الله عليه وسلم بدليل السابق واللاحق، وجملة {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} مفعول {قَالَ} الثاني وجملة الأمر كذلك مع جملة {قَالَ رَبُّكَ} الخ مفعول {قَالَ} الأول وإن لم يتخلل بين الجملتين عاطف كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [هود: 41] وقوله سبحانه وتعالى: {أية : قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا} تفسير : [المؤمنون: 82-83] الآية وكم وكم، وجىء بالجملة الأولى تصديقاً منه تعالى لزكريا عليه السلام وبالثانية جواباً لما عسى يتوهم من أنه إذا كان ذلك في الاستبعاد بتلك المنزلة وقد صدقت فيه فأنى يتسنى فهي في نفسها استئنافية لذلك، ولا يحسن تخلل العاطف في مثل هاتين الجملتين إذا كان المحكي عنه قد تكلم بهما معاً من غير عاطف ليدل على الصورة الأولى للقول بعينها، وكذلك لا يحسن إضمار قول آخر لأنه يكون استئنافاً جواباً للمحكي له فلا يدل على أنه استئناف أيضاً في الأول إلا بمنفصل أما لو تكلم بهما في زمانين أو بدون ذلك الترتيب فالظاهر العطف أو الاستئناف بإضمار القول. ثم لو كان الاقتصار في جواب زكريا عليه السلام على {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} من دون إقحام {قَالَ رَبُّكَ} لكان مستقيماً لكن إنما عدل إليه للدلالة على تحقيق الوعد وإزالة الاستبعاد بالكلية على منوال ما إذا وعد ملك بعض خواصه ما لا يجد نفسه تستأهل ذلك فأخذ يتعجب مستبعداً أن يكون من الملك بتلك المنزلة فحاول أن يحقق مراده ويزيل استبعاده فإما أن يقول لا تستبعد أنه أهون شيء علي على الكلام الظاهر وإما أن يقول لا تستبعد قد قلت إنه أهون شيء عليَّ إشارة منه إلى أنه وعد سبق القول به وتحتم وأنه من جلالة القدر بحيث لا يرى في إنجازه لباغيه كائناً من كان وقعاً فكيف لمن استحق منه لصدق قدمه في عبوديته إجلالاً ورفعاً، وهذا قول بلسان الإشارة يصدق وإن لم يكن قد سيق منه نطق به لأن المقصود أن علو المكانة وسعة القدرة وكمال الجود يقضي بذلك قيل: أولاً أولاً ثم إذا أراد ترشيح هذا المعنى عدل عن الحكاية قائلاً: قد قال من أنت غرس نعمائه أنه أهون شيء عليَّ ثم إذا حكى الملك القصة مع بعض خلصائه كان له أن يقول: قلت لعبدي فلان كيت وكيت قال: إني وليت قلت قال من أنت الخ وأن يقول بدله قال سيد فلان له ويسرد الحديث فهذا وزان الآية فيما جرى لزكريا عليه السلام وحكى لنبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، وقد لاح من هذا التقرير أن فوات نكتة الإقحام مانع من أن يجعل المرفوع من صلة {قَالَ} الثاني والمجموع صله الأول، والظاهر في توجيه قراءة الحسن على هذا أن جملة {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} عطف على محذوف من نحو أفعل وأنا فاعل، ويجوز أن يقال وربما أشعر كلام الزمخشري بإيثاره أنه عطف على الجملة السابقة نظراً إلى الأصل لما مر من أن {قَالَ} مقحم لنكتة فكأنه قيل الأمر كذلك وهو على ذلك يهون علي، وأما نصب بقال الثاني وهي الكاف التي تستعمل مقحمة في الأمر العجيب الغريب لتثبيته وذلك إشارة إلى مبهم يفسر ما بعده أعني {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} وضمير {قَالَ} للرب كما تقدم والخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً أي قال رب زكريا له قال ربك مثل ذلك القول العجيب الغريب هو عليَّ هين على أن {قَالَ} الثاني مع ما في صلته مقول القول الأول وإقحام القول الثاني لما سلف ولا ينصب الكاف بقال الأول وإلا لكان {قَالَ} ثانياً تأكيداً لفظياً لئلا يقع الفصل بين المفسر والمفسر بأجنبـي وهو ممتنع إذ لا ينتظم أن يقال: قال رب زكريا قال ربك ويكون الخطاب لزكريا عليه السلام والمخاطب غيره كيف وهذا النوع من الكلام يقع فيه التشبيه مقدماً لا سيما في التنزيل الجليل من نحو {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً } تفسير : [البقرة: 143] {أية : كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 40] إلى غير ذلك، وهذا الوجه لا يتمشى في قراءة الحسن لأن المفسر لا يدخله الواو ولا يجوز حذفه حتى يجعل عطفاً عليه لأن الحذف والتفسير متنافيان، وجوز على احتمال النصب أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من وعد الله تعالى إياه عليه السلام بقوله:{أية : إِنَّا نُبَشّرُكَ } تفسير : [مريم: 7] الخ أي قال ربه سبحانه له قال ربك مثل ذلك أي مثل ذلك القول العجيب الذي وعدته وعرفته وهو إنا نبشرك الخ، وأداة التشبيه / مقحمة كما مر فيكون المعنى وعد ذلك وحققه وفرغ منه فكن فارغ البال من تحصيله على أوثق بال ثم قال: هو عليَّ هين أي قال ربك هو عليَّ هين فيضمر القول ليتطابقا في البلاغة، ولأن قوله مثل ذلك مفرد فلا يحسن أن تقرن الجملة به وينسحب عليه ذلك القول بعينه بل إنما يضمر مثله استئنافاً إيفاءاً بحق التناسب. وإن شئت لم تنوه ليكون محكياً منتظماً في سلك {قَالَ رَبُّكَ} منسحباً عليه القول الأول أي قال رب زكريا له هو عليَّ هين لأن الله تعالى هو المخاطب لزكريا عليه السلام فلا منع من جعله مقول القول الأول من غير إضمار لأن القولين ـ أعني قال ربك مثل ذلك هو عليَّ هين ـ صادران معاً محكيان على حالهما. ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى أعني الملك تعين إضمار القول لامتناع أن يكون هو عليَّ هين من مقوله فلا ينسحب عليه الأول. وأما على قراءة الحسن فإن جعل عطفاً على {قَالَ رَبُّكَ} لم يحتج إلى إضمار لصحة الانسحاب وإن أريد تأكيده أيضاً قدر القول لئلا تفوت البلاغة ويكون التناسب حاصلاً، وجعله عطفاً ما بعد {قَالَ} الثاني من دون التقدير يفوت به رعاية التناسب لفظاً فإن ما بعده مفرد والملاءمة معنى لما عرفت أن لا قول على الحقيقة. والمعنى قال ربه قد حقق الموعود وفرغ عنه فلا بد من تقديره على {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} ليفيد تحقيقه أيضاً. ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى تعين الإضمار لعدم الانسحاب دونه فافهم، وهذا ما حققه صاحب «الكشف» وقرر به عبارة «الكشاف» بأدنى اختصار، ثم ذكر أن خلاصة ما وجده من قول الأفاضل أن التقدير على احتمال أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الوعد قال رب زكريا له قال ربك قولاً مثل قوله سبحانه وتعالى السابق عدة في الغرابة والعجب فاتجه له عليه السلام أن يسأل ماذا قلت يا رب وهو مثله فيقول: هو عليَّ هين أي قلت أو قال ربك. والأصل على هذا التقدير قلت قولاً مثل الوعد في الغرابة فعدل إلى الالتفات أو التجريد أياً شئت تسميه لفائدته المعلومة. وليس في الإتيان بأصل القول خروج عن مقتضى الظاهر إذ لا بد منه لينتظم الكلام وذلك لأن المعنى على هذا التقدير ولا تعجب من ذلك القول وانظر إلى مثله واعجب فقد قلناه. وكذلك يتجه لنبينا صلى الله عليه وسلم السؤال فيجاب بأنه قال له ربه هو عليَّ هين وصحة وقوعه جواباً عن سؤال نبينا عليه الصلاة والسلام وهو الأظهر على هذا الوجه لأن الكلام معه، وإذ قد صح أن يجعل جواباً له جاز إضمار القول لأنه جواب له صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنه خوطب به زكريا عليه السلام أيضاً وجاز أن لا يضمر لأن المخاطب لهما واحد والخطاب مع نبينا صلى الله عليه وسلم وعلم من ضرورة المماثلة أنه قيل لزكريا أيضاً هذه المقالة ولو كان الحاكي والقائل الأول مختلفين في هذه الصورة لم يكن بد من إضماره لأنه إذا قال عمرو لبكر ماذا قال زيد لخالد مما يماثل مقالته السابقة له؟ فيقول: إنك محبب مرضي وجب أن يكون التقدير قال زيد لخالد هذه المقالة لا محالة، ولا بعد في تنزيل كلام الزمخشري عليه، وهذا ما لوح إليه صاحب «التقريب» وآثره الإمام الطيبـي وفيه فوات النكتة المذكورة في {قَالَ رَبُّكَ} ثم إنه إن لم يكن سبق القول كان كذباً من حيث الظاهر إذ ليس من القول بلسان الإشارة إلى أن يؤول بأنه مستقبل معنى، هذا والكلام مسوق لما يزيل الاستبعاد ويحقق الموعود المرتاد وفي ذلك التقدير خروج عنه إلى معنى آخر ربما يستلزم هذا المعنى تبعاً وما سيق له الكلام ينبغي أن يجعل الأصل انتهى. وهو كلام تحقيق وتدقيق لا يرشد إليه إلا توفيق، وفي الآية وجه آخر هو ما أشار إليه صاحب «الانتصاف»، و {هَيّنٌ} فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب، والمراد أني كامل القدرة على ذلك إذا أردته كان. / {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تقرير لما قبل، والشيء هنا بمعنى الموجود أي ولم تك موجوداً بل كنت معدوماً، والظاهر أن هذا إشارة إلى خلقه بطريق التوالد والانتقال في الأطوار كما يخلق سائر أفراد الإنسان، وقال بعض المحققين: المراد به ابتداء خلق البشر، إذ هو الواقع إثر العدم المحض لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالد المعتاد فكأنه قيل: وقد خلقتك من قبل في تضاعيف خلق آدم ولم تك إذ ذاك شيئاً أصلاً بل كنت عدماً بحتاً، وإنما لم يقل: وقد خلقت أباك أو آدم من قبل ولم يك شيئاً مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بشر به على حاله عليه السلام لتأكيد الاحتجاج وتوضيح منهاج القياس من حيث نبه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السلام من العدم لأنه عليه السلام أبدع أنموذجاً منطوياً على سائر آحاد الجنس فكان إبداعه على ذلك الوجه إبداعاً لكل أحد من فروعه كذلك، ولما كان خلقه عليه السلام على هذا النمط الساري إلى جميع ذريته أبدع من أن يكون مقصوراً على نفسه كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه وأدل على عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته وكان عدم زكريا حينئذٍ أظهر عنده وكان حاله أولى بأن يكون معياراً لحال ما بشر به نسب الخلق المذكور إليه كما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } تفسير : [الأعراف: 11] توفية لمقام الامتنان حقه انتهى، ولا يخلو عن تكلف، وجوز أن يكون الشيء بمعنى المعتد به وهو مجاز شائع، ومنه قول المتنبـي:شعر : وضاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً تفسير : وقولهم: عجبت من لا شيء وليس بشيء إذ يأباه المقام ويرده نظم الكلام. وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي {خلقناك}.

ابن عاشور

تفسير : فصلت جملة {قَالَ كَذٰلِكَ} لأنها جرت على طريقة المحاورة. وهي جواب عن تعجبه. والمقصود منه إبطال التعجب الذي في قوله: {أية : وكانَتِ امرأتي عاقِراً وقد بلغتُ مِن الكِبَر عِتِياً}تفسير : [مريم: 8]. فضمير {قَالَ} عائد إلى الرب من قوله {أية : قَالَ رَبّ أنَّى يكونُ لي غُلامٌ}تفسير : [مريم: 8]. والإشارة في قوله {كَذٰلِكَ} إلى قول زكرياء {وكانت امرأتي عاقِراً وقَد بلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيّاً}. والجار والمجرور مفعول لفعل {قَالَ رَبُّكَ}، أي كذلك الحال من كبرك وعقر امرأتك قدّر ربُّك، ففعلُ {قَالَ رَبُّكَ} مرادٌ به القول التكويني، أي التقديري، أي تعلّق الإرادة والقدرة. والمقصود من تقريره التمهيد لإبطال التعجب الدال عليه قوله {عَلَيَّ هَيِنٌ}، فجملة {هُوَ عليَّ هَيِنٌ} استئناف بياني جواباً لسؤال ناشىء عن قوله {كَذَلِكَ} لأنّ تقرير منشأ التعجب يثير ترقب السامع أن يعرف ما يُبطل ذلك التعجب المقرّر، وذلك كونه هيّناً في جانب قدرة الله تعالى العظيمة. ويجوز أن يكون المشار إليه بقوله {كَذلِكَ} هو القول المأخوذ من {قَالَ رَبُّكَ}، أي أن قولَ ربّك {هُوَ عليَّ هَيّنٌ} بلغ غاية الوضوح في بابه بحيث لا يبين بأكثر ما علمت، فيكون جارياً على طريقة التشبيه كقوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا} تفسير : وقد تقدم في سورة البقرة (143). وعلى هذا الاحتمال فجملة هُوَ عليَّ هَينٌ} تعليل لإبطال التعجب إبطالاً مستفاداً من قوله {كذلك قال ربّك}، ويكون الانتقال من الغيبة في قوله {قَالَ ربّك} إلى التكلم في قوله {هُوَ عليَّ هَيّنٌ} التفاتاً. ومقتضى الظاهر: هو عليه هيّن. والهيّن ــــ بتشديد الياء ــــ: السهل حصوله. وجملة {وقَدْ خَلقتُكَ من قَبْلُ} على الاحتمالين هي في موضع الحال من ضمير الغيبة الذي في قوله {هُوَ على هَيِنٌ}، أي إيجاد الغلام لك هيّن عليّ في حال كوني قد خلقتُك من قبل هذا الغلام ولم تكن موجوداً، أي في حال كونه مماثلاً لخلقي إياك، فكما لا عجب من خلق الولد في الأحوال المألوفة كذلك لا عجب من خلق الولد في الأحوال النادرة إذ هما إيجاد بعد عدم. ومعنى {ولَمْ تَكُ شَيْئاً}: لم تكن موجوداً. وقرأ الجمهور {وقَدْ خَلَقْتُكَ} بتاء المتكلّم. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: (وقد خلقناك) بنون العظمة.

الشنقيطي

تفسير : هذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة - ذكره أيضاً في "آل عمران" في قوله: {أية : قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}تفسير : [آل عمران: 40]. وقوله في هذه الآية الكريمة "كذلك" للعلماء في إعرابه أوجه: الأول - أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره، الأمر كذلك، ولا محالة أن تلد الغلام المذكور. وقيل، الأمر كذلك أنت كبير في السن، وامرأتك عاقر. وعلى هذا فقوله {قال ربك} ابتداء كلام: الوجه الثاني - أن "كذلك" في محل نصب بـ "قال" وعليه فالإشارة بقوله "ذلك" إلى مبهم يفسره قوله: {هو عليّ هينٌ} ونظيره على هذا القول قوله تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ}تفسير : [الحجر: 66]. وغير هذين من أوجه إعرابه تركناه لعدم وضوحه عندنا. وقوله {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي يسير سهل. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} أي ومن خلقك ولم تك شيئاً فهو قادر على أن يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى. وهذا الذي قاله هنا لزكريا: من أنه خلقه ولم يك شيئاً - أشار إليه بالنسبة إلى الإنسان في مواضع أخر. كقوله: {أية : أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 67] الآية، وقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}تفسير : [الإنسان: 1]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} دليل على أن المعدوم ليس بشيء. ونظيره قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}تفسير : [النور: 39]، وهذا هو الصواب. خلافاً للمعتزلة القائلين: إن المعدوم الممكن وجوده شيء، مستدلين لذلك بقوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82] قالوا: قد سماه الله شيئاً قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده. ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: لأن المعدوم ليس بشيء. أو ليس شيئاً يعتد به. كقولهم: عجبت من لا شيء. وقول الشاعر: شعر : وضاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا تفسير : لأن مراده بقوله: غير شيء، أي إذا رأى شيئاً تافهاً لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلاً، لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه. والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن: من أن المعدوم ليس بشيء؟ والجواب عن استدلالهم بالآية: أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، كقوله {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}تفسير : [النحل: 1]، وقوله: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}تفسير : [الكهف: 99]، وقوله: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ}تفسير : [الزمر: 69] الآية، وقوله {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ}تفسير : [الزمر: 71]، وقوله {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ}تفسير : [الزمر: 73] الآية، وأمثال ذلك. كل هذه الأفعال الماضية الدالة على الوقوع بالفعل فيما مضى - أطلقت مراداً بها المستقبل، لأن تحقق وقوع ما ذكر صيره كالواقع بالفعل. وكذلك تسميته شيئاً قبل وجوده لتحقق وجوده بإرادة الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ} قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة والكسائي "خلقتك" بتاء الفاعل المضمومة التي هي تاء المتكلم. وقرأه حمزة والكسائي "وقد خلقناك" بنون بعدها ألف، وصيغة الجمع فيها للتعظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : (9) - فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ قَائِلاً (أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ المَلَكُ الذِي أَبْلَغَهُ البُشْرَى بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى) إِنَّ جَعْلَكَ وَزَوْجَكَ تُنْجِبَانِ وَلَداً وَأَنْتَ هَرِمٌ، وَامْرَأَتُكَ عَاقِرٌ هُوَ أَمْرٌ هَيِّنٌ يَسِيرٌ عَلَيَّ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ أَنْتَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ تَكُنْ شَيْئاً، وَالْخَلْقُ أَصْعَبُ مِنْ تَبْدِيلِ الصِّفَاتِ، كَجَعْلِ العَاقِرِ وَلُوداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {قَالَ} أي: الحق تبارك وتعالى {كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ ..} [مريم: 9] أي: أنه تعالى قال ذلك وقضى به، فلا تناقش في هذه المسألة، فنحن أعلَم بك وما أنتَ فيه من كِبَر، وأن زوجتك عاقر، ومع ذلك سأهبك الولد. وقوله تعالى: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ..} [مريم: 9] وفي آية أخرى يقول في آية البعث: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..}تفسير : [الروم: 27] فلا تظن أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هَيِّن وشيء أَهْوَن، وشيء شاقّ، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا. والحق سبحانه يخاطبنا على كلامنا نحن وعلى منطقنا، فالخَلْق من موجود أهون في نظرنا من الخلق من غير موجود، كما قال الحق سبحانه تعالى: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [ق: 15]. إذن: فمسألة الإيجاد بالنسبة له تعالى ليس فيها سَهْل وأسْهَل أو صَعْب وأصعب، لأن هذه تُقال لمَنْ يعمل الأعمال علاجاً، ويُزاولها مُزَاولة، وهذا في إعمالنا نحن البشر، أما الحق تبارك وتعالى فإنه لا يعالج الأفعال، بل يقول للشيء كُنْ فيكون: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82]. ثم يُدلّل الحق سبحانه وتعالى بالأَقْوى، فيقول: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9] فلأن يوجد يحيى من شيء أقلّ غرابة من أن أوجد من لا شيء. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً ...}.