Verse. 2261 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

فَخَرَجَ عَلٰي قَوْمِہٖ مِنَ الْمِحْرَابِ فَاَوْحٰۗى اِلَيْہِمْ اَنْ سَبِّحُوْا بُكْرَۃً وَّعَشِـيًّا۝۱۱
Fakharaja AAala qawmihi mina almihrabi faawha ilayhim an sabbihoo bukratan waAAashiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فخرج على قومه من المحراب» أي المسجد وكانوا ينتظرون فتحه ليصلوا فيه بأمره على العادة «فأوحى» أشار «إليهم أن سبحوا» صلوا «بُكرة وعشيا» أوائل النهار وأواخره على العادة فعلم بمنعه من كلامهم حملها بيحيى، وبعد ولادته بسنتين قال الله تعالى له:

11

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } قيل كان له موضع ينفرد فيه بالصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه فعند ذلك أوحى إليهم، وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه وأنهم اجتمعوا ينتظرون خروجه للإذن فخرج إليهم وهو لا يتكلم فأوحى إليهم. المسألة الثانية: لا يجوز أن يكون المراد من قوله أوحى إليهم الكلام لأن الكلام كان ممتنعاً عليه فكان المراد غير الكلام وهو أن يعرفهم ذلك إما بالإشارة أو برمز مخصوص أو بكتابة لأن كل ذلك يفهم منه المراد فعلموا أنه قد كان ما بشر به فكما حصل السرور له حصل لهم فظهر لهم إكرام الله تعالى له بالإجابة، واعلم أن الأشبه بالآية هو الإشارة لقوله تعالى في سورة آل عمران: { أية : ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } تفسير : [آل عمران: 41] والرمز لا يكون كناية للكلام. المسألة الثالثة: اتفق المفسرون على أنه أراد بالتسبيح الصلاة وهو جائز في اللغة يقال: سبحه الضحى أي صلاة الضحى وعن عائشة رضي الله عنها في صلاة الضحى: «إني لأسبحها» أي لأصليها إذا ثبت هذا فنقول روي عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشي صلاة العصر ويحتمل أن يكون إنما كانوا يصلون معه في محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته فأذن لهم بغير كلام، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} أي أشرف عليهم من المصلى. والمحراب أرفع المواضع، وأشرف المجالس، وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض، دليله محراب داود عليه السلام على ما يأتي. واختلف الناس في اشتقاقه؛ فقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات. وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحَرَب (بفتح الراء) كأن ملازمه يلقى منه حرباً وتعباً ونصباً. الثانية: هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعاً عندهم في صلاتهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيره متمسكاً بقصة المنبر. ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعَلَّل أصحابه المنع بخوف الكبْر على الإمام. قلت: وهذا فيه نظر؛ وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أَمَّ الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا ـ أو ـ يُنهَى عن ذلكٰ قال: بلى؛ قد ذكرت حين مددتني. وروي أيضاً عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدّثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاة فتقدّم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه، فتقدّم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا أَمَّ الرجلُ القوم فلا يقم في مكان أرفعَ من مقامهم» تفسير : أو نحو ذلك؛ فقال عمّار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. قلت: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ. ومما يدل على نسخه أن فيه عملاً زائداً في الصلاة، وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً من الكِبْر؛ لأن كثيراً من الأئمة يوجد لا كِبْر عندهم. ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيراً؛ والله أعلم. الثالثة قوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال الكلبي وقتادة وابن منبه: أوحى إليهم أشار. القتبي: أومأ. مجاهد: كتب على الأرض. عكرمة: كتب في كتاب. والوحي في كلام العرب الكتابة؛ ومنه قول ذي الرُّمة:شعر : سوى الأربع الدُّهْم اللواتي كأنَّها بَقِيَّةُ وَحْيٍ في بُطونِ الصَّحَائِف تفسير : وقال عَنْترة: شعر : كوحي صحائفٍ من عهد كسرى فأهداها لأعجم طِمْطِمِيِّ تفسير : و«بكرة وعشيا» ظرفان. وزعم الفراء أن العشي يؤنث ويجوز تذكيره إذا أبهمتَ؛ قال: وقد يكون العشيّ جمع عشية. الرابعة: قد تقدّم الحكم في الإشارة في «آل عمران». واختلف علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم إنساناً فكتب إليه كتاباً، أو أرسل إليه رسولاً؛ فقال مالك: إنه يحنث إلا أن ينوي مشافهته، ثم رجع فقال: لا ينوي في الكتاب ويحنث إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله. قال ابن القاسم: إذا قرأ كتابه حنث، وكذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه. وقال أشهب: لا يحنث إذا قرأه الحالف؛ وهذا بيّن؛ لأنه لم يكلمه ولا ابتدأه بكلام، إلا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه فإنه يحنث وعليه يخرج قول ابن القاسم. فإن حلف ليكلمنه لم يبرّ إلا بمشافهته؛ وقال ابن الماجشون: وإن حلف لئن علم كذا ليُعلِمنّه أو ليُخبِرنّه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولاً بَرَّ، ولو علماه جميعاً لم يبر، حتى يُعلِمه لأن علمهما مختلف. الخامسة: واتفق مالك والشافعي والكوفيون أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه؛ قال الكوفيون: إلا أن يكون رجل أصمِت أياماً فكتب لم يجز من ذلك شيء. قال الطحاوي: الخرس مخالف للصمت العارض، كما أن العجز عن الجماع العارض لمرض ونحوه يوماً أو نحوه مخالف للعجز المأيوس منه الجماع، نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة. قوله تعالى: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} في الكلام حذف؛ المعنى فولد له ولد وقال الله تعالى للمولود: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}. وهذا اختصار يدل الكلام عليه. و«الكتاب» التوراة بلا خلاف. «بقوّة» أي بجد واجتهاد؛ قاله مجاهد. وقيل: العلم به، والحفظ له والعمل به، وهو الالتزام لأوامره، والكفّ عن نواهيه؛ قاله زيد بن أسلم؛ وقد تقدّم في «البقرة». قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} قيل: الأحكام والمعرفة بها. وروى مَعْمَر أن الصبيان قالوا ليحيـى: اذهب بنا نلعب؛ فقال: ما للعب خلقت. فأنزل الله تعالى «وآتيناه الحكم صبِيا». وقال قتادة: كان ابن سنتين أو ثلاث سنين. وقال مقاتل: كان ابن ثلاث سنين. و«صبيا» نصب على الحال. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا. وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذَنْب إلا ما كان من يحيـى بن زكريا»تفسير : . وقال قتادة: إن يحيـى عليه السلام لم يعص الله تعالى قط بصغيرة ولا كبيرة ولا هَمَّ بامرأة. وقال مجاهد: وكان طعام يحيـى عليه السلام العشب، وكان للدمع في خدّيه مجار ثابتة. وقد مضى الكلام في معنى قوله: {أية : وَسَيِّداً وَحَصُوراً} تفسير : [آل عمران: 39] في «آل عمران». قوله تعالى: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} «حنانا» عطف على «الحكم». وروي عن ابن عباس أنه قال: والله ما أدري ما «الحنان»؟. وقال جمهور المفسرين: الحنان الشفقة والرحمة والمحبة؛ وهو فعل من أفعال النفس. النحاس: وفي معنى الحنان عن ابن عباس قولان: أحدهما: قال: تعطّف الله عز وجل عليه بالرحمة. والقول الآخر ما أعطيه من رحمة الناس حتى يخلصهم من الكفر والشرك. وأصله من حنين الناقة على ولدها. ويقال: حنانك وحنانيك؛ قيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: حنانيك تثنية الحنان. وقال أبو عبيدة: والعرب تقول: حنانك يا رب وحنانيك يا رب بمعنى واحد؛ تريد رحمتك. وقال امرؤ القيس: شعر : ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بن جَرْمٍ مَعِيزَهُمُ حَنَانكَ ذا الحَنانِ تفسير : وقال طرفة: شعر : أبا مُنْذِرٍ أفنيتَ فاستبقِ بَعضَنَا حَنَانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أهونُ مِنْ بَعْضِ تفسير : وقال الزمخشري: «حنانا» رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفاً وشفقة؛ وأنشد سيبويه:شعر : فقالتْ حَنَانٌ ما أَتَى بكَ هَاهُنَا أَذُو نَسَبٍ أَمْ أنت بالحيِّ عارفُ تفسير : قال ابن الأعرابي: الحنّان من صفة الله تعالى مشدداً الرحيم. والحنَان مخفف: العطف والرحمة. والحنان: الرزق والبركة. ابن عطية: والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى؛ ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيل في حديث بلال: والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حَنَانا؛ وذكر هذا الخبر الهرويّ؛ فقال: وفي حديث بلال ومر عليه ورقة بن نوفل وهو يعذَّب فقال: والله لئن قتلتموه لأتخذنه حَنَانا؛ أي لأتمسحنّ به. وقال الأزهري: معناه لأتعطفن عليه ولأترحمن عليه لأنه من أهل الجنة. قلت: فالحنان العطف، وكذا قال مجاهد. و«حنانا» أي تعطفاً منا عليه أو منه على الخلق؛ قال الحطيئة: شعر : تَحنَّنْ عليَّ هَدَاكَ الملِيكُ فإنّ لكلِّ مقامٍ مَقَالاَ تفسير : عكرمة: محبة. وحَنَّة الرجل امرأته لتوادهما؛ قال الشاعر: شعر : فقالتْ حنانٌ ما أَتَى بكَ هاهنا أذو نسبٍ أم أنتَ بالحيّ عارفُ تفسير : قوله تعالى: {وَزَكَاةً} «الزكاة» التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير والبر؛ أي جعلناه مباركاً للناس يهديهم. وقيل: المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه كما تزكي الشهود إنسانا. وقيل: «زكاة» صدقة به على أبويه؛ قاله ابن قتيبة. {وَكَانَ تَقِيّاً} أي مطيعاً لله تعالى، ولهذا لم يعمل خطيئة ولم يُلمَّ بها. قوله تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ} البر بمعنى البار وهو الكثير البرّ. و{جَبَّاراً} متكبراً. وهذا وصف ليحيـى عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح. قوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} قال الطبري وغيره: معناه أمان. ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله تعالى عليه، وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول. قلت: وهذا قول حسن، وقد ذكرنا معناه عن سفيان بن عيينة في سورة «سبحان» عند قتل يحيـى. وذكر الطبري عن الحسن أن عيسى ويحيـى التقيا ـ وهما ابنا الخالة ـ فقال يحيـى لعيسى: ادع الله لي فأنت خير مني؛ فقال له عيسى: بل أنت ادع الله لي فأنت خير مني؛ سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي؛ فانتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى؛ بأن قال: إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه. قال ابن عطية: ولكل وجه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } أي المسجد وكانوا ينتظرون فتحه ليصلوا فيه بأمره على العادة {فَأَوْحَىٰ } أشار {إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ } صلُّوا {بُكْرَةً وَعَشِيّاً } أوائل النهار وأواخره على العادة، فعلم بمنعه من كلامهم حملها بيحيى.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَخَرَجَ} أشرف على قومه. {مِنَ الْمِحْرَابِ} المصلى، أو ما ينصب ليصلى بإزائه لأن المصلي كالمحارب للشيطان، أو من مجلس الأشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله فكأن الملائكة تحارب عن المصلي ذباً عنه. {فَأَوْحَى} أومى، أو أشار، أو كتب على الأرض، والوحي الكتابة قال: شعر : كأن أخا اليهود يخط وحياً بكاف من منازلها ولام تفسير : {سَبِّحُواْ} صلوا سميت به لاشتمالها على التسبيح.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فخرج على قومه من المحراب} أي من الموضع الذي كان يصلي فيه وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه حتى يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ خرج إليهم زكريا متغيراً لونه فأنكروا ذلك عليه، وقالوا له ما لك {فأوحى} أي فأوما وأشار {إليهم} وقيل كتب لهم في الأرض {أن سبحوا} أي صلوا لله {بكرة وعشيا} المعنى أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشياً فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع من الكلام خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة. قوله عز وجل {يا يحيى} فيه إضمار ومعناه وهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى {خذ الكتاب} أي التوراة {بقوة} أي بجد واجتهاد {وآتيناه الحكم} قال ابن عباس: يعني النبوة {صبياً} وهو ابن ثلاث سنين وذلك أن الله تعالى حكم عقله وأوحى إليه، فإن قلت كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا. قلت لأن أصل النبوة مبني على خرق العادات، إذا ثبت هذا فلا تمنع صيرورة الصبي نبياً، وقيل أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير وعن بعض السلف قال من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو من أوتي الحكم صبياً {وحناناً من لدناً} أي رحمة من عندنا قال الحطيئة يخاطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: شعر : تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا تفسير : أي ترحم علي {وزكاة} قال ابن عباس: يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص، وقيل هي العمل الصالح، ومعنى الآية وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملاً صالحاً في إخلاصه {وكان تقياً} أي مسلماً مخلصاً مطيعاً، وكان من تقواه إنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها قط {وبراً بوالديه} أي باراً لطيفاً بهما محسناً إليهما لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين يدل عليه قوله تعالى {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً} الآية {ولم يكن جباراً} الجبار المتكبر وقيل الذي يقتل ويضرب على الغضب، وقيل الجبار الذي لا يرى لأحد على نفسه حقاً وهو التعظيم بنفسه يرى أن لا يلزمه قضاء لأحد {عصياً} قيل هو أبلغ من المعاصي والمراد وصف يحيى بالتواضع ولين الجانب وهو من صفات المؤمنين {وسلام عليه يوم ولد ويوم يوم يموت ويوم يبعث حياً} معناه وأمان له من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم وأمان له يوم يموت من عذاب القبر ويوم يبعث حياً من عذاب يوم القيامة، وقيل أوحش ما يكون الخلق في ثلاث مواطن يوم يولد لأنه يرى نفسه خارجاً من مكان قد كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوماً ما شاهدهم قط، ويوم يبعث لأنه يرى مشهداً عظيماً فأكرم الله تعالى يحيى في هذه المواطن كلها فخصه بالسلامة فيها. قوله عز وجل {واذكر في الكتاب} أي في القرآن {مريم إذ انتبذت} أي تنحت واعتزلت {من أهلها} أي من قومها {مكاناً شرقياً} أي مكاناً في الدار ما يلي المشرق، وكان ذلك اليوم شاتياً شديد البرد فجلست في مشرقه تفلي رأسها وقيل إن مريم كانت قد طهرت من الحيض فذهبت تغتسل، قيل ولهذا المعنى اتخذت النصارى المشرق قبلة {فاتخذت} أي فضربت {من دونهم حجاباً} قال ابن عباس أي ستراً وقيل جلست وراء جدار، وقيل إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي تغتسل من الحيض قد تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه سوي الخلق فذلك. قوله تعالى {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشراً سوياً} أي سوي الخلق لم ينقص من الصورة الآدمية شيئاً، وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، وقيل المراد من الروح روح عيسى جاءت في صورة بشر فحملت به والقول الأول أصح، فلما رأت مريم جبريل عليه السلام يقصد نحوها بادرته من بعيد {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً} أي مؤمناً مطيعاً لله تعالى، دل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على عفتها وروعها. فإن قلت إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت إن كنت تقياً. قلت هذا كقول القائل إن كنت مؤمناً فلا تظلمني أي ينبغي أن يكون إيمانك مانعاً من الظلم، كذلك ها هنا معناه ينبغي أن تكون تقواك مانعة لك من الفجور {قال} لها جبريل عليه السلام {إنما أنا رسول ربك لأهب} أسند الفعل إليه وإن كانت الهبة من الله تعالى لأنه أرسل به {لك غلاماً زكياً} قال ابن عباس ولداً صالحاً طاهراً من الذنوب {قالت} مريم {أنى يكون لي} أي من أين يكون لي {غلام ولم يمسسني بشر} أي ولم يقربني زوج {ولم أك بغياً} أي فاجرة تريد أن الولد إنما يكون من نكاح أو سفاح ولم يكن ها هنا واحد منهما {قال} جبريل {كذلك قال ربك} أي هكذا قال ربك {هو علي هين} أي خلق ولدك بلا أب {ولنجعله آية للناس} أي علامة لهم ودلالة على قدرتنا {ورحمة منا} أي ونعمة لمن تبعه على دينه إلى بعثه محمد صلى الله عليه وسلم {وكان أمراً مقضياً} أي محكوماً مفروغاً من لا يرد ولا يبدل. قوله عز وجل {فحملته} قيل إن جبريل رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبست الدرع، وقيل مد جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب، وقيل نفخ في كمها وقيل في ذيلها، وقيل في فيها، وقيل نفخ من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت بعيسى عليه السلام في الحال {فانتبذت به} أي فلما حملته تنحت بالحمل وانفردت {مكاناً قصياً} أي بعيداً من أهلها. قال ابن عباس: أقصى الوادي، وهو بيت لحم فراراً من أهلها وقومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج. قال ابن عباس: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة وقيل حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وقيل كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر الحوامل من النساء، وقيل كانت مدة حملها ثمانية أشهر، وذلك آية أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدة وعاش، وقيل ولد لستة أشهر وهي بنت عشر سنين وقيل ثلاث عشرة سنة وقيل ستة عشر سنة وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى، وقال وهب: إن مريم لما حملت بعيسى كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي يمنة جبل صهيون، وكانا يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم من أهل زمانها أحد أشد عبادة واجتهاداً منها وأول من علم بحمل مريم يوسف، فبقي متحيراً في أمرها كلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها وصلاحها وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى ما ظهر منها من الحمل فأول ما تكلم به أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن أتكلم به أشفي صدري، فقالت: قل قولاً جميلاً، قال أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل ينبت شجر بغير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ألم تر أن الله أنبت الشجر بالقدرة من غير غيث أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجر حتى استعان بالماء ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها قال يوسف: لا أقول هذا ولكن أقول إن الله تعالى يقدر على كل شيء يقول له كن فيكون، قالت له مريم: ألم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى. فعند ذلك زال ما عنده من التهمة وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل. فلما دنت ولادتها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك فذلك قوله تعالى {فانتبذت به مكاناً قصياً}.

القشيري

تفسير : أي فلمَّا خرج عليهم عرَّفهم - من طريق الإشارة - أنَّ اللسانَ الذي كان يخاطبهم به ليس الآن منطلقاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {فخرج} صبيحة حمل امرأته {على قومه من المحراب} من المصلى او من الغرفة وكانوا من وراء المحراب ينتظرون ان يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلوا اذ خرج عليهم متغيرا لونه فانكروه صامتا وقالوا مالك يا زكريا {فاوحى اليهم} اى اومأ اليهم لقوله تعالى {أية : الا رمزا}تفسير : {ان سبحوا} ان اما مفسرة لا وحى او مصدرية والمعنى اى صلوا او بان صلوا {بكرة} هى من طلوع الفجر الى وقت الضحى {وعشيا} هو من وقت زوال الشمس الى ان تغرب وهما ظرفا زمان للتسبيح. عن ابى العالية ان المراد بهما صلاة الفجر وصلاة العصر او نزهوا ربكم طرفى النهار وقولوا سبحان الله ولعله كان مأمورا بان يسبح شكرا ويأمر قومه بذلك كما فى الارشاد. يقول الفقير هو الظاهر لان معنى التسبيح فى هذه الموضع تنزيه الله تعالى عن العجز عن خلق ولد يستبعد وقوعه من الشيخين لان الله على كل شئ قدير وقد ورد فى الاذكار (لكل اعجوبة سبحان الله). وفى التأويلات النجمية فى قوله {يا زكريا} الى {بكرة وعشيا} اشارة الى بشارات. منها انه تعالى ناداه باسمه زكريا وهذه كرامة منه. ومنها انه سماه يحيى ولم يجعل له من قبل سميا بالصورة والمعنى اما بالصورة فظاهر واما بالمعنى فانه ما كان محتاج الى شهوة من غير علة ولم يهمّ الى معصية قط وما خطر بباله همها كما اخبر عن حاله النبى عليه السلام وفى قوله {أية : لم نجعل له من قبل سميا}تفسير : اشارة الى انه تعالى يتولى تسمية كل انسان قبل خلقه وما سمى احد الا بالهام الله كما ان الله تعالى الهم عيسى عليه السلام حين قال {أية : ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه احمد}تفسير : وفى قوله {أية : قال رب أنى يكون لى غلام}تفسير : الآية اشارة الى ان اسباب حصول الولد منفية من الوالدين بالعقر والكبر وهى من السنة الالهية فان من السنة ان يخلق الله الشئ من الشئ كقوله {أية : وما خلق الله من شئ}تفسير : ومن القدرة انه تعالى يخلق الشئ من لا شئ فقال {أية : أنى يكون لى غلام}تفسير : اى أمن السنة ام من القدرة فاجابه الله تعالى بقوله {أية : قال كذلك}تفسير : اى الامر لا يخلو من السنة او القدرة وفى قوله {أية : قال ربك هو على هين}تفسير : اشارة الى ان كلا الامرين على هين ان شئت ارد عليكما اسباب حصول الولد من القوة على الجماع وفتق الرحم بالولد كما جرت به السنة وان شئت اخلق لك ولدا من لا شئ بالقدرة كما خلقتك من قبل ولم تك شيئا اى خلقت روحك من قبل جسدك من لا شئ بامركن ولهذا قال تعالى {أية : قل الروح من امر ربى}تفسير : وهو اول مقدور تعلقت القدرة به: وفى المثنوى شعر : آب از جوشش همى كردد هوا وان هوا كردد ز سردى آبها بلكه بى اسباب بيرون زين حكم آب رويانيد تكوين از عدم تو زطفلى جون سببها ديده در سبب از جهل بر جفسيده تفسير : {يا يحيى} على ارادة القول اى ووهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى. قال الكاشفى [القصة سه روز بدين منوال كذشت بس بحال خود آمد ويحيى عليه السلام بعد از مضى مدت حمل متولد شد ودر كودكى بلاس بوشيده بااحبار در عبادت بطريق رياضت موافقت مى نمود تا وقتى كه وحى بدو فرود آمد وازحق سبحانه وتعالى خطاب رسيد كه يا يحيى] {خذ الكتاب} اى التوراة {بقوة} بجد واستظهار بالتوفيق والتأييد. قال فى الجلالين اى اعطيتكها وقويتك على حفظها والعمل بما فيها. قال المولى الجامى فى شرح الفصول لولا امداد الحق زكريا وزوجته بقوة غيبية ربانية خارجة عن الاسباب المعتادة ما صلحت زوجته ولا تيسر لها الحمل ثم انه كما سرت تلك القوة من الحق فى زكريا وزوجته تعدت منهما الى يحيى ولذلك قال له الحق {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}. قال فى الاسئلة المقحمة أى دليل فيها على المعتزلة الجواب انه دليل على ان الاسم والمسمى وواحد لانه تعالى قال {أية : اسمه يحيى}تفسير : ثم نادى الشخص فقال {يا يحى} {وآتيناه الحكم} حال كونه {صبيا}. قال ابن عباس الحكم النبوة استنبأه الله تعالى وهو ابن ثلاث سنين او سبع وانما سميت النبوة حكما لان الله تعالى احكم عقله فى صباه واوحى اليه. وقيل الحكم الحكمة وفهم التوراة والفقه فى الدين فهو بمعنى المنع ومنه الحاكم لانه يمنع الظالم من الظلم والحكمة ما يمنع الشخص من السفه - روى - انه دعاه الصبيان الى اللعب فقال ما للعب خلقنا. قال الكاشفى {درين سخن بندى عظيم است بيخبران بازيجه كاه غفلت را كه عمر عزيز ببازى ميكذرانند وبدام فريب {انما الحياة الدنيا لعب ولهو} مقيد شده اند] شعر : عمر ببازيجه بسر ميبرى باى باندازه بدر ميبرى به كه زبازئ جهان باكشى طفل نه جند ببازى خوشى تفسير : يقول الفقير مثل يحيى عليه السلام فى هذه الامة المرحومة الشيخ العارف المحقق سهل بن عبد الله التسترى قدس سره فانه تم له امر السلوك من ثلاث سنين الى سبع سنين كما سمعت من شيخى وسندى روح الله روحه يعنى وقع له الانكشاف والالهام وظهر له الحال التام وهو ابن ثلاث سنين فكان ما كان الى سبعة فسبحان القادر وهذا من لطافة الحجاب واما من كان كشيف الحجاب فيحتاج فى ازالته الى مجاهدات شاقة فى مدة طويلة. واعلم ان روح الكامل سريع التعلق ببدنه يعنى ان مادة النطفة تصل سريعا الى الابوين فيحصل العلوق والولادة على احسن وصف وفى اعدل زمان فيجيئ الولد غالبا عليه احكام الوجوب اللهم اعنا على ازالة الحجب الظلمانية والنورانية واجعلنا مكاشفين للانوار الربانية.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى ان زكريا {خرج على قومه من المحراب} وهو الموضع الذي يتوجه اليه للصلاة. وقال ابن زيد محرابه مصلاه. والاصل فيه مجلس الاشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله {فأوحى إليهم} قيل: معناه اشار الهيم وأومأ بيده يقال: أوحى يوحي ايحاء ووحى يحي ويحا مثل أومى يومي ايماء، وومى يمي ومياً. والايحاء إلقاء المعنى الى النفس في خفى بسرعة من الأمر. واصله السرعة من قولهم: الوحي الوحا أي الأسراع. وقيل: كتب لهم على الارض، والوحي الكتابة. وقوله {أن سبحوا بَكرة وعشياً} أي اوحى اليهم بأن سبحوا، ومعناه صلوا بكرة وعشيا - في قول الحسن وقتادة - وقيل للصلاة تسبيح، لما فيها من الدعاء والتسبيح، ويقال: فرغت من سبحتي أي صلاتي. وقوله {يا يحيى خذ الكتاب} يعني التوارة التي انزلتها على موسى {بقوة} أي بجدّ {وآتيناه الحكم صبيا} معناه أعطيناه الفهم لكتاب الله حتى حصل له عظيم الفائدة. وروي عن معمر: أن الصبيان، قالوا ليحيى أذهب بنا نلعب، فقال ما للعب خلقت. فانزل الله {وآتيناه الحكم صبياً}. وقوله {وحناناً من لدنا} معناه وآتيناه رحمة من عندنا - فى قول ابن عباس وقتادة والحسن - وقال الفراء: فعلنا ذلك رحمة لابويه "وزكوة" أي وصلاحاً. وقال الضحاك رحمة منا لا يملك إعطاء ها احد غيرنا. وقال مجاهد: معناه تعطفاً. وقال عكرمة: معناه محبة. واصل الحنان الرحمة، يقال: حنانك وحنانيك قال أمروء القيس: شعر : ويمنعها بنو شمجى بن جرم معيزهم حنانك ذا الحنان تفسير : وقال الآخر: شعر : فقالت حنان ما أتى بك ها هنا أذو نسب ام انت بالحي عارف تفسير : أي امرنا حنان، وتحنن علينا تحنناً أي تعطف قال الشاعر: شعر : تحنن عليّ هداك المليك فان لكل مقام مقالا تفسير : وحننت عليه أحن حنينا، وحناناً، وحنت على الرجل إمراته. وقال ابو عبيدة معمر ابن المثنى أكثر ما يستعمل بلفظة التثنية، قال طرفة: شعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض تفسير : وقوله "وزكاة" أى وعملا صالحاً زكياً - في قول قتادة والضحاك وابن جريج - وقال الحسن معناه: وزكاة لمن قبل عنه حتى يكونوا أزكياء. وقال الجبائي: معناه آتيناه تحننا على العباد ورقة قلب عليهم ليحرص على دعائهم الى طاعة ربهم "وزكاة" اى إنا زكيناه بحسن الثناء عليه، كما يزكي الشهود الانسان {وكان تقياً} أى يتقي معاصي الله وترك طاعته {وبراً بوالديه} اى كان باراً محسناً الى والديه، {ولم يكن جباراً} متكبراً {عصياً} فعيل بمعنى فاعل، ثم قال تعالى {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً} في يوم القيامة، ومعناه ان رحمة الله وسلامه اللذين هما تفضل من الله، هما على يحيى يوم ولد، وإن رحمة الله وسلامه اللذين هما حزاء لاعماله الصالحة، هما عليه يوم يموت ويوم يبعث حيا، في الآخرة. قال قوم معناه: أمان الله له وسلامه يوم ولد من عبث الشيطان له واغوائه اياه، ويوم يموت من عذاب القبر وهول المطلع، ويوم يبعث حيا من عذاب النار واهوال المحشر.

الجنابذي

تفسير : {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} من مصّلاه، سمّى المصلّى محراباً لكونه محلّ محاربة الشّيطان، قيل: وكان زكريّا (ع) قد اخبر قومه بما بشّر به فلمّا خرج عليهم وامتنع من كلامهم علموا اجابة دعائه فسّروا به {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} اومى اليهم، وقيل: كتب فى الارض {أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} صلّوا فى الصّباح والمساء، او سبّحوا لله فيهما، او فى جملة اوقاتكم فأنّه يستعمل هذان اللّفظان فى استغراق الاوقات.

الهواري

تفسير : قوله: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ} قال الحسن: من المسجد {فَأَوْحَى إِلَيْهِمُ} أي: أومأ إليهم. وقال مجاهد: أشار إليهم {أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال الحسن: أي: صلوا لله بالغداة والعشي. قوله: {يَايَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ} أي: بجدّ. {وَءَاتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً} أي: الفهم والعقل. وبلغنا أنه كان في صغره يقول له الصبيان: يا يحيى تعال نلعب؛ فيقول: ليس للعب خُلِقنا. قوله: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا}. قال مجاهد: تعطُّفاً عليه من ربه. وقال الحسن وقتادة: الحنان الرحمة، وهو واحد. قوله: {وَزَكاةً}. قال: الزكاة العمل الصالح. وهو قوله في سورة طَهَ: 76: (أية : خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى)تفسير : . وقال الحسن: زكاة لمن قُبِل عنه حتى يكونوا أزكياء. وقال الكلبي: الزكاة الصدقة. قوله: {وَكَانَ تَقِيّاً} ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من آدمي إلا قد عمل خطيئة أو همّ بها غير يحيى بن زكرياء ". تفسير : قوله: {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ} [يعني مطيعاً لوالديه] {وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً} أي مستكبراً عن عبادة الله وطاعته. {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً} ذكر الحسن أن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال له عيسى: أنت خير منّي: سلّمتُ على نفسي، وسلّم الله عليك. قال الحسن: عرف واللهِ فضلَه. وإنما يعني بقوله: سلّم الله عليك قوله تعالى في يحيى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً}. وقال عيسى: (أية : إِنِّي عَبْدُ اللهِ ءَاتَانِي الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ...) تفسير : إلى قوله: (أية : وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) تفسير : [مريم: 33].

اطفيش

تفسير : {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} من المسجد وكانوا ينتظرون فتحه ليصلوا فيه بأَمره على العادة. قاله الحسن. وقيل: من الغرفة. وقيل: المحراب: موضع الصلاة ولما خرج عليهم رأوه متغير اللون وقالوا: ما لك؟ {فَأَوْحَى} أشار. قاله قتادة ومجاهد ويؤيده "إلا رمزا" وقال ابن عباس: كتب لهم فى الأرض وهو رواية عن مجاهد. {إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا} أن تفسيرية ومن أجاز دخول المصدرية على الأمر أجاز كونها مصدرية فيقدر حرف الجر أى بأن صلوا لله والتسبيح الصلاة وفيها تنزيه لله سبحانه وتعالى. وقيل: المراد التسبيح والذكر من غير الصلاة وكان مأموراً أن يسبح وأن يأمر قومه به. {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أوائل النهار وأواخره فعلم بمنعه من كلامهم حملها يحيى وبعد ولادته بسنين قال الله تعالى له: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} التوراة فالقول مقدر أى قال الله: يا يحيى كما رأيت أو قلنا: يا يحيى. {بِقُوَّةٍ} بجد بأَن تحفظه وتعمل به. {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ} الحكمة وفهم التوراة وحفظها. قال بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أُوتى الحكمة صبياً. وقل: إن قائل هذا هو ابن عباس. وعن معمَّر أن الأطفال إذا دعَوْا يحيى إلى اللعب وهو طفل فقال: لم أخلق للعب فتلك الحكمة التى آتاه الله. وقيل: الحكم: النبوة أحكم الله عقله وأكمله ونبأه وهو طفل وهذا من خوارق العادات وأمر النبوة مبنى على خرقها. وقيل: الحكم العقل وهو قول الضحاك ورواية عن معمر {صَبِيّاً} قيل: هو ابن ثلاث سنين. وقيل: معناه شاب لم يبلغ حد الكهول فى لفظ صبى تجوز واستصحاب حال.

اطفيش

تفسير : {فخرج على قَوْمه من المحْرابِ} خرس لسانه عن أن يتكلم للناس أو من المغرب، وأصبح فخرج على قومه من المحراب، أى المصلى أو الغرفة، وأصله مجلس الأشراف الذى يحارب دونه ذباً عن أهله، فسمى محل العبادة محرابا، لأن العابد يحارب الشيطان فيه، ولم يكن المحراب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا ينتظرونه أن يفتح لهم الباب ليصلوا، فخرج متغير اللون وقالوا: مالك. {فأَوْحى إِليهم أنْ سَبِّحوا بُكرةً وعشياً} أشار إليهم كما يدل له قوله تعالى: {أية : إلاَّ رمزاً}تفسير : [آل عمران: 41] أو كتب لهم على تراب الأرض كما روى عن ابن عباس أو على ورقة، كما روى عن عكرمة كقول عنترة: شعر : كوحى صحائف من عهد كسرى فأوحاها لأعجم طه طمطمى تفسير : وقول ذى الرقة: شعر : سوى الأربع الدهم اللواتى كأنها بقية وحتى فى بطون الصحائف تفسير : وأن تفسيريه بلا تقدير، قيل: أو مخففة بتقدير الباء، وسبحوا صلوا، كما روى عن ابن عباس سمى الصلاة باسم بعضها، وهو التسبيح فيها، وبكرة وقت صلاة الفجر، وعشياً وقت صلاة العصر، فالتسبيح الصلاة فى الوقتين على الكيفية التى أمر بها، ولم يتعبدوا بالصلوات الخمس، أو التسبيح ذكر الله وتنزيهه، أمروا أن يسبحوا شكراً للنعمة كما أمر، أو المراد استغراق اليوم بالذكر، وذكر طرفى اليوم فقط، أو خص التسبيح لأنه من ير أمراً غريباً يقل سبحان الله تعالى سبحان الخالق جل جلاله، ومثل هذا، أو أخبر قومه قبل طلب العلامة بما بشر به، ولما تعذر عليه الكلام أشار إليهم بحصول ما بشر به، فسروا لذلك، ولما ولد وبلغ سناً مثله فيه قلنا يا يحيى كما قال: {يا يحيى خُذ الكتابَ} التوراة المعهودة، أو صحف إبراهيم، أو كتاباً خص به، وأل للعهد الحضورى، أو جنس الكتب المنزلة، ولما يأت الإنجيل {بِقوَّة} بخذ منك فى قراءته والعمل به، والأمر به، وعن أنس: القوة الدرس بجد ومواظبة، وفى الأمثال: عليك بالدرس فإن الدرس هو الغرس، قيل لعبد الله بن عباس: بم نلت العلم؟ فقال: بلسان سئول، وقلب عقول، وفؤاد غير ملول، وكف بذول، وبدن فى الضراء والسراء صبور، وقيل لبزرجمهر: بم نلت؟ فقال ببكور كبكور الغراب، وتملق كتملق الكلب، وتضرع كتضرع السنور، وحرص كحرص الخنزير، وصبر كصبر الحمار، وقال بعض: إن القائل: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} أبوه لما ترعرع قال له أبوه ذلك، ولا دليل فى الآية عليه، فلا تحمل عليه، ويزيده بعداً قوله تعالى: {وآتيناه الحُكْمَ صبياً وحناناً من لدنَّا وزكاة} فإن الأنسب أن يكون قائل هذا هو قائل: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} وذلك فى ذاته من الجائز، فيكون آتيناه الحكم عطفاً على ما قبل: يا يحيى، لكن أى دليل على إدخال الأب فى ذلك، فالقائل الله والعطف على قلنا المقدر، والحكم الفهم والعبادة. قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطى الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين" تفسير : رواه أبو نعيم وابن مردويه، والديلمى، وعن بعض السلف من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتى الحكم صبياً، وعن ابن عباس: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الغلمان ليحيى اذهب بنا نلعب فقال أللِّعب خلقنا اذهبوا نصل فهو قوله: {وآتيناه الحكم صبياً} " تفسير : والحكم على هذا الحكمة، وقيل: هى العقل، وقيل: معرفة آداب الخدمة، وقيل: الفراسة الصادقة، وقال كثير: إنها النبوة أوتيها وهو ابن سبع سنين، أو ابن ثلاث، أو ابن سنتين، وأكثر الأنبياء لم ينبأوا قبل الأربعين. والحنان الرحمة، ونكر هو وزكاة التفخيم، وزاد التفخيم للحنان بوصفه بقوله: {من لدنا} وهذه الرحمة من الله له إنعام عليه بأمر الدين كما أن الزكاة طهارة موهوبة له من الله، ونمو فى الدين منه عز وجل له، وهذا أبلغ من أن يقول ورحمناه، ويجوز أن يكون الحنان من يحيى للخلق أى جعله الله راحماً لعباد الله عاطفاً عليهم، ثم رأيت عن بعض أن المعنى فى آتيناه رحمة فى قلبه وشفقة على أبويه وغيرهما، وعليه فالوصف بقوله: {من لدنا} تحرز عن رحمة تؤدى إلى ترك واجب كالحدود، أو إشارة إلى أنها زائدة على ما فى الناس من التراحم، ولا بأس فى إفراط لا يؤدى إلى بأس. وهذه المعانى صالحة أيضا مع تعلق من لدنا بآتيناه، وعن ابن زيد وعكرمة الحنان المحبة أى جعلناه محبوبا عند الناس كموسى {أية : وألقيت عليك محبة منى}تفسير : [طه: 39] أو جعلناه محباً لله، والزكاة البركة كما روى عن ابن عباس، وذلك أنه نفاع للخلق، معلم للخير، أو الطهارة من الذنوب، وقيل: الزكاة الصدقة، والمراد ما يتصدق به. {وكانَ تقياً} عظيم الحذر عن المعاصى، ما عمل معصية ولا هم بها، وذكر مالك، وأحمد، وابن المبارك، وأبو نعيم، عن مجاهد: أن طعامه العشب، وأنه كثير البكاء من خشية الله، حتى اتخذت الدموع مجرى فى خده.

الالوسي

تفسير : {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } أي من المصلى كما روي عن ابن زيد أو من الغرفة كما قيل، وأصل المحراب كما قال الطبرسي: ((مجلس الأشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله، ويسمى محل العبادة محراباً لما أن العابد كالمحارب للشيطان فيه))، وإطلاق المحراب على المعروف اليوم في المساجد لذلك وهو محدث لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ألف الجلال السيوطي في ذلك رسالة صغيرة سماها «إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب». روي أن قومه كانوا من وراء المحراب ينتظرون أن يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلوا فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم متغيراً لونه فأنكروه وقالوا: مالك؟ {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } أي أومأ إليهم وأشار كما روي عن قتادة وابن منبه والكلبـي والقرطبـي وهو إحدى الروايتين عن مجاهد، ويشهد له قوله تعالى: {أية : إِلاَّ رَمْزًا } تفسير : [آل عمران: 41] وروي عن ابن عباس كتب لهم على الأرض. {أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } وهو الرواية الأخرى عن مجاهد لكن بلفظ على التراب بدل على الأرض وقال عكرمة: كتب على ورقة. وجاء إطلاق الوحي على الكتابة في كلام العرب ومنه قول عنترة:شعر : كوحي صحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطمى تفسير : وقول ذي الرمة:شعر : سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها بقية وحي في بطون الصحائف تفسير : و {أنٍ } إما مفسرة أو مصدرية فتقدر قبلها الباء الجارة. والمراد بالتسبيح الصلاة مجازاً بعلاقة الاشتمال وهو المروي عن ابن عباس وقتادة وجماعة و {بُكْرَةً وَعَشِيّاً } ظرفا زمان له. والمراد بذلك كما أخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي العالية صلاة الفجر وصلاة العصر، وقال بعض: التسبيح على ظاهره وهو التنزيه أي نزهوا ربكم طرفي النهار، ولعله عليه السلام كان مأموراً بأن يسبح شكراً ويأمر قومه. وقال صاحب «التحرير والتحبير»: عندي في هذا معنى لطيف وهو أنه إنما خص التسبيح بالذكر لأن العادة جارية أن كل من رأى أمراً عجب منه أو رأى فيه بديع صنعة أو غريب حكمة يقول: سبحان الله تعالى سبحان الخالق جل جلاله فلما رأى حصول الولد من شيخ وعاقر عجب من ذلك فسبح وأمر بالتسبيح اهـ. / فأمرهم بالتسبيح إشارة إلى حصول أمر عجيب، وقيل: إنه عليه السلام كان قد أخبر قومه بما بشر به قبل جعل العلامة فلما تعذر عليه الكلام أشار إليهم بحصول ما بشر به من الأمر العجيب فسروا بذلك. وقرأ طلحة {أن سبحوه} بهاء الضمير عائدة إلى الله تعالى، وروى ابن غزوان عن طلحة {أن سبحن} بنون مشددة.

ابن عاشور

تفسير : الظاهر أن المعنى أنه خرج على قومه ليصلي على عادته، فكان في محرابه في صلاة خاصة ودعاء خفي، ثم خرج لصلاة الجماعة إذ هو الحبر الأعظم لهم. وضمن (خرج) معنى (طلع) فعدي بـ (على) كقوله تعالى: {أية : فخرج على قومه في زينته}تفسير : [القصص:79]. والمحراب: بيت أو محتجر يُخصص للعبادة الخاصة. قال الحريري: فمحرَابيَ أحْرَى بي. والوحي: الإشارة بالعين أو بغيرها، والإيماء لإفادة معنى شأنُه أن يفاد بالكلام. و (أن) تفسيرية. وجملة {سبّحوا بكرة وعشِيّاً} تفسير لـ {أَوْحى}، لأن (أوحى) فيه معنى القول دون حروفه. وإنما أمرهم بالتسبيح لئلا يحسبوا أن زكرياء لما لم يكلمهم قد نذر صمتاً فيقتدوا به فيصمتوا، وكان الصمت من صنوف العبادة في الأمم السالفة، كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً}تفسير : [مريم: 26]. فأومأ إليهم أن يشرعوا فيما اعتادوه من التسبيح؛ أو أراد أن يسبحوا الله تسبيح شكر على أن وهب نبيئهم ابناً يرث علمه، ولعلهم كانوا علموا ترقبه استجابه دعوته، أو أنه أمرهم بذلك أمراً مبهماً يفسره عندما تزول حبْسة لسانه.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن زكريا خرج على قوله من المحراب فأشار إليهم، أو كتب لهم، أن سبحوا الله أول النهار وآخره. فالبكرة أول النهار، والعشي آخره. وقد بين تعالى في "آل عمران" أن هذا الذي أمر به زكريا قومه بالإشارة أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشياً - أن الله أمر زكرياء به أيضاً، وذلك في قوله: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ}تفسير : [آل عمران: 41]. والظاهر أن هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه المذكور في قوله تعالى: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ}تفسير : [آل عمران: 39]. قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: والمحراب: أرفع المواضع، وأشرف المجالس. وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض اهـ. وقال الجوهري في صحاحه: قال الفراء المحاريب: صدور المجالس، ومنه سمي محراب المسجد، والمحراب: الغرفة. قال وضاح اليمن: شعر : ربة محراب إذا جئتها لم ألقها أو أرتقي سلما تفسير : ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ}تفسير : [آل عمران: 37] الآية. تنبيه أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة: مشروعية ارتفاع الإمام على المأمومين في الصلاة. لأن المحراب موضع صلاة زكريا، كما دل عليه قوله {وهو قائم يصلي في المحراب}. والمحراب أرفع من غيره، فدل ذلك على ما ذكر. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعاً عندهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره، متمسكاً بقصة المنبر. ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير. وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام. قلت: وهذا فيه نظر، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان. فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه. فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا، أو ينهى عن ذلك؟ قال بلى، ذكرت ذلك حين مددتني. وروي أيضاً عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن. فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة. فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم"تفسير : أو نحو ذلك؟ فقال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. قلت: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر. فدل على أنه منسوخ، ومما يدل على نسخه: أن فيه عملاً زائداً في الصلاة وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النًّبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً من الكبر. لأن كثيراً من الأئمة يوجدون لا كبر عندهم. ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيراً، والله أعلم. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى. قال مقيدة عفا الله عنه: سنتكلم هنا إن شاء الله تعالى على الأحاديث المذكورة، ونبين أقوال العلماء في هذه المسألة، وأدلتهم وما يظهر رجحناه بالدليل. أما الحديثان اللذان ذكرهما القرطبي عن أبي داود ساقهما أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن سنان وأحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي المعنى قال: ثنا يعلى ثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، إلى آخر الحديث. ثم قال أبو داود رحمه الله: حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو خالد عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن. إلى آخر الحديث. ولا يخفى أن هذا الحديث الأخير ضعيف. لأن الراوي فيه عن عمار رجل لا يُدرى من هو كما ترى. وأما الأثر الأول فقد صححه غير واحد، وروى مرفوعاً صريحاً. قال ابن حجر في (التلخيص) في الكلام على الأثر والحديث المذكورين: ويعارضه ما رواه أبو داود من طريق همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال بلى. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وفي رواية للحاكم التصريح برفعه. ورواه أبو داود من وجه آخر، وفيه أن الإمام كان عمار بن ياسر، والذي جبذه حذيفة، وهو مرفوع لكن فيه مجهول. والأول أقوى، ويقويه ما رواه الدارقطني من وجه آخر عن همام عن أبي مسعود: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه أسفل منه. اهـ من التلخيص. وقال النووي في (شرح المهذب) في الكلام على حديث صلاة حذيفة على الدكان وجبذ أبي مسعود له المذكور: رواه الشافعي وأبو داود والبيهقي. ومن لا يحصى من كبار المحدثين ومصنفيهم، وإسناده صحيح. ويقال جذب وجبذ، لغتان مشهورتان اهـ منه. وأما قصة المنبر التي أشار لها القرطبي، وقال: إنها حجة من يجيز ارتفاع الإمام على المأموم - فهي حديث سهل بن سعد: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر في أول يوم وضع، فكبر وهو عليه ثم ركع ثم نزل القهقرى فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال: "حديث : أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي"تفسير : متفق عليه. أما أقوال الأئمة في هذه المسألة: فمذهب الشافعي فيها هو كراهة علو الإمام على المأموم. وكذلك عكسه إلا إذا كان ذلك لغرض صحيح محتاج إليه، كارتفاع الإمام ليعلم الجاهلين الصلاة كما فعل النًّبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على المنبر، وبين أنه فعل ذلك لقصد التعليم، وكارتفاع المأموم ليبلغ غير من المأمومين تكبيرات الإمام فإن كان ارتفاع أحدهما لنحو هذا الغرض استحب له الارتفاع لتحصيل الغرض المذكور. قال النووي في (شرح المهذب): هذا مذهبنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعنه رواية. أنه يكره الارتفاع مطلقاً، وبه قال مالك والأوزاعي. وحكى الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي: أنه قال تبطل به الصلاة. وأما مذهب مالك في المسألة ففيه تفصيل بين علو الإمام على المأموم وعكسه. فعلو المأموم جائز عنده. وقد رجع إلى كراهته. وبقي بعض أصحابه على قوله بجوازه. وعلو الإمام لا يعجبه. وفي المدونة قال مالك: لا بأس في غير الجمعة أن يصلي الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد والإمام في داخل المسجد. ثم كرهه. وأخذ ابن القاسم بقوله الأول. انتهى بواسطة نقل الموق في الكلام على قول خليل بن إسحاق في مختصره عاطفاً على ما يجوز. وعلو مأموم ولو بسطح. وفي المدونة أيضاً قال مالك: إذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل من ذلك فلا يعجبني. انتهى بواسطة نقل المواق أيضاً. وقوله "يعجبني" ظاهر في الكراهة. وحمله بعضهم على المنع. وفي وجوب إعادة الصلاة قولان. ومحل الخلاف ما لم يقصد المرتفع بارتفاعه التَّكَبُّر على الناس، فإن قصد ذلك بطلت صلاته عندهم إماماً كان أو مأموماً. وهذه المسألة ذكرها خليل بن إسحاق في مختصره في قوله: وعلو مأموم ولو بسطح لا عكسه، وبطلب بقصد إمام ومأموم به الكبر إلا بكشبر اهـ. وقوله "إلا بكشبر" يعني إلا أن يكون الارتفاع بكشبر"، ونحو المنبر عظم الذراع عندهم. ومحل جواز الارتفاع اليسير المذكور ما لم يقصد به الكبر. فقوله "إلا بكثير" مستثنى من قوله "لا عكسه" لا من مسألة قصده الكبر فالصلاة فيها باطلة عندهم مطلقاً: قال المواق في شرحه لكلام خليل المذكور من المدونة: كره مالك وغيره أن يصلي الإمام على شيء أرفع مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب ونحوه. قال ابن القاسم: فإن فعل أعادوا أبداً، لأنهم يعبثون إلا أن يكون ذلك دكاناً يسير الارتفاع مثل ما كان عندنا بمصر فتجزئهم الصلاة. قال أبو محمد: مثل الشبر وعظم الذراع - إلى أن قال: وانظر إذا صلى المقتدي كذلك أعني على موضع مرتفع قصداً إلى التكبر عن مساواة الإمام. قال ابن بشير: صلاته أيضاً باطلة. اهـ محل الغرض منه. وقول ابن القاسم "لأنهم يعبثون" يعني برفع ذلك البنيان الذي يصلي عليه الإمام، كما قال تعالى عن نبيه هود مخاطباً لقومه عاد: {أية : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ }تفسير : [الشعراء: 128-129] وإذا ارتفعت مع الإمام طائفة من المصلين سائر الناس، أعني ليست من أشراف الناس وأعيانهم، ففي نفي الكراهة بذلك خلاف عندهم وإليه أشار خليل في مختصره بقوله: وهل يجوز إن كان مع الإمام طائفة كغيرهم تردد. هذا هو حاصل مذهب مالك في هذه المسألة. وأما مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: فهو أن ارتفاع كل من الإمام والمأموم على الآخر مكروه. وقال الطحاوي: لا يكره علو المأموم على الإمام. ومحل الكراهة عند الحنفية في الارتفاع في اليسير، ولا كراهة عندهم في اليسير: وقدر الارتفاع الموجب للكراهة عندهم قدر قامة، ولا بأس بما دونها، ذكره الطحاوي، وهو مروي عن أبي يوسف: وقيل هو مقدر بقدر ما يقع عليه الامتياز. وقيل: مقدر بقدر ذراع اعتباراً بالسترة. قال صاحب (تبيين الحقائق). وعليه الاعتماد. وإن كان مع الإمام جماعة في مكانه المرتفع، وبقية المأمومين أسفل منهم فلا يكره ذلك على الصحيح عندهم - انتهى بمعناه (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق). وأما مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة - فهو التفصيل بين علو الإمام على المأموم، فيكره على المشهور من مذهب أحمد. وبين علو المأموم الإمام فيجوز. قال ابن قدامة في المغني: المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة، أو لم يرد. وهو قول مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره - اهـ. محل الغرض منه. وقال في المغني أيضاً: فإن صلى الإمام في مكان أعلى من المأمومين فقال ابن حامد: لا تصح صلاتهم. وهو قول الأوزاعي، لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال القاضي: لا تبطل، وهو قول أصحاب الرأي - اهـ محل الغرض منه. فإذا عرفت مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة - فاعلم أن حجة من كره علو الإمام على المأموم أو منعه - هي ما قدمنا في قصة جبذ أبي مسعود لحذيفة لما أم الناس، وقام يصلي على دكان. الحديث المتقدم. وقد بينا أقوال أهل العلم في الحديث المذكور. وحجة من أجاز ذلك للتعليم حديث سهل بن سعد المتفق عليه في قصة صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وجواب المخالفين عن صلاته على المنبر. بأنه ارتفاع يسير، وذلك لا بأس به، أو بأنه منسوخ كما تقدم في كلام القرطبي: وحجة من أجاز علو المأموم علىالإمام ما روي عن أبي هريرة: أنه صلى بصلاة الإمام وهو على سطح المسجد. قال ابن حجر "في التلخيص": رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد قال حدثني صالح مولى التوأمة أنه رأى أبا هريرة يصلي فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد. ورواه البيهقي من حديث القعنبي عن ابن أبي ذئب عن صالح، ورواه سعد بن منصور، وذكره البخاري تعليقاً - انتهى محل الغرض من كلامه. فقد رأيت مذاهب العلماء في المسألة وأدلتهم. قال مقيدة عفا الله عنه: والذي يظهر - والله تعالى أعلم - وجوب الجمع بين الأدلة المذكورة، وأن علو الإمام مكروه لما تقدم. ويجمع بينه وبين قصة الصلاة على المنبر بجوازه للتعليم دون غيره. ويدل لهذا إخباره صلى الله عليه وسلم أنه ارتفع على المنبر ليعلّمهم الصلاة لأنه إذا ارتفع رأوه وإذا نزل لم يره إلا من يليه، وجمع بعضهم بأن ارتفاعه على المنبر ارتفاع يسير وهو مغتفر. أما علو المأموم فقد تعارض فيه القياس مع فعل أبي هريرة. لأن القياس يقتضي كراهة ارتفاع المأموم قياساً على ارتفاع الإمام وهو قياس جلي، وإذا تعارض القياس مع قول الصحابي فمن الأصوليين من يقول بتقديم القياس، وهو مذهب مالك وجماعة، ومنهم من يقول بتقديم قول الصحابي. ولا شك أن الأحوط تجنب علو كل واحد من الإمام والمأموم على الآخر. والعلم عند الله تعالى. و"أن" في قوله {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ} هي المفسرة. والمعنى أن ما بعدها يفسر الإيحاء المذكور قبلها. فهذا الذي أشار لهم به هو الأمر بالتسبيح بكرة وعشياً، وهذا هو الصواب. ويحتمل أن تكون مصدرية بناء على أن "أن" المصدرية تأتي مع الأفعال الطلبية. وعليه فالمعنى: أوحى إليهم أي أشار إليهم بأن سبحوا، أي بالتسبيح أو كتب لهم ذلك بناء على القول بأن المراد به الكتابة، وكونها مفسرة هو الصواب. والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {فخرج على قومه} وذلك أنَّهم كانوا ينتظرونه، فخرج عليهم ولم يقدر أن يتكلَّم {فأوحى إليهم} أشار إليهم {أن سبحوا} صلُّوا لله تعالى {بكرة وعشياً} فوهبنا له يحيى، وقلنا: {يا يحيى خذ الكتاب} التَّوراة {بقوة} أعطيتكها وقوَّيتك على حفظها والعمل بما فيها {وآتيناه الحكم صبياً} النُّبوَّة في صباه. {وحناناً} وآتيناه حناناً: رحمةً {من لدنا وزكاةً} تطهيراً. وقوله: {جباراً} أيْ قتَّالاً مُتكبِّراً {عصياً} عاصياً لربِّه. {وسلامٌ عليه} سلامةٌ له منَّا في الأحوال التي ذكرها، يريد أنَّ الله سبحانه سلَّمه في هذه الأحوال. {واذكر} يا محمَّد {في الكتاب مريم إِذِ انتبذت} تنحَّت من أهلها {مكاناً شرقياً} من جانب الشَّرق، وذلك أنَّها أرادت الغسل من الحيض فاعتزلت في ناحيةٍ شرقيةٍ من الدَّار. {فاتخذت من دونهم حجاباً} تتستَّر به عنهم {فأرسلنا إليها روحنا} جبريل عليه السَّلام {فتمثَّل} فتصوَّر {لها بشراً} آدمياً {سويَّاً} تامَّ الخلق. {قالت إني أعوذ بالرحمن منك} أيُّها البشر {إن كنت تقيّاً} مُؤمناً مُطيعاً فستنتهي عني بتعوُّذي بالله سبحانه منك.

د. أسعد حومد

تفسير : (11) - وَبَعْدَ أَنْ أَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهذِهِ العَلاَمَةِ، خَرَجَ زَكَرِيَّا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ مُصَلاَّهُ، أَوْ مَحَلِّ عِبَادَتِهِ (المِحْرَابِ)، وَهُوَ لاَ يَسْتَطِيعُ الكَلاَمَ، وَقَدِ انْطَلَقَ لِسَانُهُ بِتَسْبِيحِ اللهِ، فَسَأَلُوهُ عَمَّا بِهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُسَبِّحُوا رَبَّهُمْ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، وَلِيُشَارِكُوهُ الشُّكْرَ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، إِذْ جَعَلَ فِيهِمْ نَبِيّاً يَخْلُفُهُ مِنْ بَعْدِهِ. المِحْرَابِ - المُصَلَّى أَوْ مَكَانِ العِبَادَةِ. بُكْرَةً وَعَشِيّاً - طَرَفَيِ النَّهَارِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: حدثتْ هذه المسألة لزكريا وهو في (المحرَابِ) أي: مكان العبادة والصلاة، وعادةً ما يكون مرتفعاً على شرف عما حوله، وكان مصلى الأنبياء والصالحين، وسُمي محراباً لأنه يحارب فيه الشيطان بكيْده ووسوسته. وقد ذُكر المحراب أيضاً في قصة داود عليه السلام: {أية : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ}تفسير : [ص: 21]. وقد وردتْ هذه اللقطة من قصة زكريا عليه السلام في آية أخرى دَلَّتْ أيضاً على أن البشارة بيحيى كانت وهو في محرابه، حيث قال تعالى: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً ..}تفسير : [آل عمران: 39]. وقوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ..} [مريم: 11] قلنا: إن الوَحْي له معنى لُغَويّ ومعنى شرعي، الوحي لُغةً: الإخبار بطريق خفيٍّ. وعلى هذا المعنى يأتي الوحي بطرق متعددة، فالله تعالى يُوحِي للرسل والأنبياء، ويُوحي لغير الرسل من المصطفين، كما في قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ..}تفسير : [القصص: 7] أي: أخبرها بطريق خفيٍّ، هو طريق الإلهام. ويُوحِي إلى الملائكة: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [الأنفال: 12]. ويُوحِي للصالحين من أتباع الرسل: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ..}تفسير : [المائدة: 111]. ويتعدَّى الإعلام بخفاء إلى الحشرات: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}تفسير : [النحل: 68]. بل يتعدَّى الوحي إلى الجماد في قوله تعالى: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}تفسير : [الزلزلة: 1-5]. وقد يُوحي الشياطين بعضهم إلى بعض: {أية : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ..}تفسير : [الأنعام: 112]. ويُوحون إلى أوليائهم: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 121] لأن الشيطان لا يأتي الإنسان إلا بطريق خفيٍّ، ووسوسة في خواطره. أما الوحي الشرعي فهو إعلام من الله وحده إلى نبي يدَّعي النبوة ومعه معجزة، إذن فالوحي: إعلام خفيّ من الله للرسول. فقوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ..} [مريم: 11] أي: قال لهم بطريق الإشارة؛ لأنه لا يتكلم {أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 11] بُكرة: أول النهار، وعَشياً: آخره، يعني: طوِّقوا النهار بالتسبيح بداية ونهاية. وكأن زكريا عليه السلام قد بدتْ عليه علامات الفرح والانبساط بالبُشْرى، ورأى أن شُكْره لله وتسبيحه لا ينهض بهذه النعمة، فأمر قومه أنْ يُسبِّحوا الله معه، ويشكروه معه على هذه النعمة؛ لأنها لا تخصُّه وحده، بل هي عامة لكل القوم. ثم يقول تعالى: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} معناهُ أَوْمَأَ إليهم، وأَرسلَ إليهم وقال: كتب.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 571 : 23 : 40 - سفين عن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة قال إبراهيم في قوله {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} قال، كلام الحكم. {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال، كتب لهم. [الآية 30-11].

همام الصنعاني

تفسير : 1741- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ}: [الآية: 11]، قال فَأوْمَأَ إليهم أن صلوا بكرةً وعَشيّاً. 1742- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة عن الحسن أن يحيى قال لعيسى حين الْتَقَيا: إنك خيرٌ منِّي. فقال عيسى: بل أنت خيرٌ مني سلم الله عليك وسلمت أنا على نَفْسي. 1749- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن ابن أبي لَيْلَى، عن الحكم في قوله: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} [الآية: 11] قال: كتب إليهم. 1750- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أذنب يحيى بن زكريا ذنباً، وَلاَ هَمَّ بامْرَأَةٍ ".