Verse. 2262 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

يٰــيَحْـيٰى خُذِ الْكِتٰبَ بِقُوَّۃٍ۝۰ۭ وَاٰتَيْنٰہُ الْحُكْمَ صَبِيًّا۝۱۲ۙ
Ya yahya khuthi alkitaba biquwwatin waataynahu alhukma sabiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا يحيى خذ الكتاب» أي: التوراة «بقوة» بجد «وآتيناه الحكم» النبوة «صبيا» ابن ثلاث سنين.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى وصف {يَحْيَىٰ } في هذه الآية بصفات تسع: الصفة الأولى: كونه مخاطباً من الله تعالى بقوله: { يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن قوله: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ } يدل على أن الله تعالى بلغ بيحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطبه بذلك فحذف ذكره لدلالة الكلام عليه. المسألة الثانية: الكتاب المذكور يحتمل أن يكون هو التوراة التي هي نعمة الله على بني إسرائيل لقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ } تفسير : [الجاثية: 16] ويحتمل أن يكون كتاباً خص الله به يحيى كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك والأول أولى لأن حمل الكلام ههنا على المعهود السابق أولى ولا معهود ههنا إلا التوراة. المسألة الثالثة: قوله: {بِقُوَّةٍ } ليس المراد منه القدرة على الأخذ لأن ذلك معلوم لكل أحد فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على القيام بأمر النبوة وحاصلها يرجع إلى حصول ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهي عنه. الصفة الثانية: قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } اعلم أن في الحكم أقوالاً. الأول: أنه الحكمة ومنه قول الشاعر: شعر : وٱحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد تفسير : وهو الفهم في التوراة والفقه في الدين. والثاني: وهو قول معمر أنه العقل روي أنه قال ما للعب خلقنا. والثالث: أنه النبوة فإن الله تعالى أحكم عقله في صباه وأوحى إليه وذلك لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام وهما صبيان لا كما بعث موسى ومحمداً عليهما السلام، وقد بلغا الأشد والأقرب حمله على النبوة لوجهين: الأول: أن الله تعالى ذكر في هذه الآية صفات شرفه ومنقبته ومعلوم أن النبوة أشرف صفات الإنسان فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها فوجب أن تكون نبوته مذكورة في هذه الآية ولا لفظ يصلح للدلالة على النبوة إلا هذه اللفظة فوجب حملها عليها. الثاني: أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولغيره على الإطلاق وذلك لا يكون إلا بالنبوة فإن قيل كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا؟ قلنا: هذا السائل، إما أن يمنع من خرق العادة أو لا يمنع منه، فإن منع منه فقد سد باب النبوات لأن بناء الأمر فيها على المعجزات ولا معنى لها إلا خرق العادات، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد فإنه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلاً أشد من استبعاد انشقاق القمر وانفلاق البحر. الصفة الثالثة؛ قوله تعالى: {وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا } اعلم أن الحنان أصله من الحنين وهو الارتياح والجزع للفراق كما يقال: حنين الناقة وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها ذكر الخليل ذلك في الحديث: «حديث : أنه عليه السلام كان يصلي إلى جذع من المسجد فلما اتخذ له المنبر وتحول إليه حنت تلك الخشبة حتى سمع حنينها»تفسير : . فهذا هو الأصل ثم قيل: تحنن فلان على فلان إذا تعطف عليه ورحمه، وقد اختلف الناس في وصف الله بالحنان فأجازه بعضهم، وجعله بمعنى الرؤوف الرحيم، ومنهم من أباه لما يرجع إليه أصل الكلمة قالوا: لم يصح الخبر بهذه اللفظة في أسماء الله تعالى، إذا عرفت هذا فنقول: الحنان هنا فيه وجهان. أحدهما: أن يجعل صفة لله. وثانيهما: أن يجعل صفة ليحيى أما إذا جعلناه صفة لله تعالى فنقول: التقدير وآتيناه الحكم حناناً أي رحمة منا، ثم ههنا احتمالات: الأول: أن يكون الحنان من الله ليحيى، المعنى: آتيناه الحكم صبياً، ثم قال: {وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا } أي إنما آتيناه الحكم صبياً حناناً من لدنا عليه أي رحمة عليه وزكاة أي وتزكية له وتشريفاً له. الثاني: أن يكون الحنان من الله تعالى لزكريا عليه السلام فكأنه تعالى قال: إنما استجبنا لزكريا دعوته بأن أعطيناه ولداً ثم آتيناه الحكم صبياً وحناناً من لدنا عليه أي على زكريا فعلنا ذلك. {وَزَكَوٰةً } أي وتزكية له عن أن يصير مردود الدعاء. والثالث: أن يكون الحنان من الله تعالى لأمة يحيى عليه السلام كأنه تعالى قال: {وَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَانًا } منا على أمته لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده، أما إذا جعلناه صفة ليحيى عليه السلام ففيه وجوه. الأول: آتيناه الحكم والحنان على عبادنا أي التعطف عليهم وحسن النظر على كافتهم فيما أوليه من الحكم عليهم كما وصف نبيه فقال: { أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } تفسير : [آل عمران: 159] وقال: { أية : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128] ثم أخبر تعالى أنه آتاه زكاة، ومعناه أن لا تكون شفقته داعية له إلى الإخلال بالواجب لأن الرأفة واللين ربما أورثا ترك الواجب ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 2] وقال: { أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } تفسير : [التوبة: 123] وقال: { أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } تفسير : [المائدة: 54] فالمعنى إنما جعلنا له التعطف على عباد الله مع الطهارة عن الإخلال بالواجبات، ويحتمل آتيناه التعطف على الخلق والطهارة عن المعاصي فلم يعص ولم يهم بمعصية، وفي الآية وجه آخر وهو المنقول عن عطاء بن رباح: {وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا } والمعنى آتيناه الحكم صبياً تعظيماً إذ جعلناه نبياً وهو صبي ولا تعظيم أكثر من هذا والدليل عليه ما روى أنه مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذب قد ألصق ظهره برمضاء البطحاء، ويقول: أحد أحد فقال: والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حناناً أي معظماً. الصفة الرابعة: قوله: {وَزَكَوٰةً } وفيه وجوه: أحدها: أن المراد وآتيناه زكاة أي عملاً صالحاً زكياً، عن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج. وثانيها: زكاة لمن قبل منه حتى يكونوا أزكياء عن الحسن. وثالثها: زكيناه بحسن الثناء كما تزكى الشهود الإنسان. ورابعها: صدقة تصدق الله بها على أبويه عن الكلبي. وخامسها: بركة ونماء وهو الذي قال عيسى عليه الصلاة والسلام: { أية : وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ } تفسير : [مريم: 31] واعلم أن هذا يدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى لأنه جعل طهارته وزكاته من الله تعالى وحمله على الألطاف بعيد لأنه عدول عن الظاهر. الصفة الخامسة: قوله: {وَكَانَ تَقِيّا } وقد عرفت معناه وبالجملة فإنه يتضمن غاية المدائح لأنه هو الذي يتقي نهي الله فيجتنبه ويتقي أمره فلا يهمله، وأولى الناس بهذا الوصف من لم يعص الله ولا يهم بمعصية وكان يحيى عليه الصلاة والسلام كذلك، فإن قيل ما معنى: {وَكَانَ تَقِيّا } وهذا حين ابتداء تكليفه قلنا: إنما خاطب الله تعالى بذلك الرسول وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم الله عليه. الصفة السادسة: قوله: {وَبَرّا بِوٰلِدَيْهِ } وذلك لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين، ولهذا السبب قال: { أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 23]. الصفة السابعة: قوله: {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً } والمراد وصفه بالتواضع ولين الجانب وذلك من صفات المؤمنين كقوله تعالى: { أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الحجر: 88] وقال تعالى: { أية : وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } تفسير : [آل عمران: 159] ولأن رأس العبادات معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه بالعظمة والكمال ومن عرف نفسه بالذل وعرف ربه بالكمال كيف يليق به الترفع والتجبر، ولذلك فإن إبليس لما تجبر وتمرد صار مبعداً عن رحمة الله تعالى وعن الدين وقيل الجبار هو الذي لا يرى لأحد على نفسه حقاً وهو من العظم والذهاب بنفسه عن أن يلزمه قضاء حق أحد، وقال سفيان في قوله: {جَبَّاراً عَصِيّاً } إنه الذي يقبل على الغضب والدليل عليه قوله تعالى: { أية : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [القصص: 19] وقيل: كل من عاقب على غضب نفسه من غير حق فهو جبار لقوله تعالى: { أية : وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } تفسير : [الشعراء: 130]. الصفة الثامنة: قوله: {عَصِيّاً } وهو أبلغ من العاصي كما أن العليم أبلغ من العالم. الصفة التاسعة: قوله: {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } وفيه أقوال: أحدها: قال محمد بن جرير الطبري: {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ } أي أمان من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم: {وَيَوْمَ يَمُوتُ } أي وأمان عليه من عذاب القبر: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } أي ومن عذاب القيامة. وثانيها: قال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً ما شاهدهم قط، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم فأكرم الله يحيى عليه الصلاة والسلام فخصه بالسلام عليه في هذه المواطن الثلاثة. وثالثها: قال عبد الله بن نفطوية: {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ } أي أول ما يرى الدنيا {وَيَوْمَ يَمُوتُ } أي أول يوم يرى فيه أول أمر الآخرة {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } أي أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة. وإنما قال: {حَياً } تنبيهاً على كونه من الشهداء لقوله تعالى: { أية : بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران: 169] فروع. الأول: هذا السلام يمكن أن يكون من الله تعالى وأن يكون من الملائكة وعلى التقديرين فدلالة شرفه وفضله لا تختلف لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله تعالى. الثاني: ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء عليهم السلام كقوله: { أية : سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الصافات: 79]. { أية : سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الصافات: 109] لأنه قال و {يَوْمَ وُلِدَ } وليس ذلك لسائر الأنبياء عليهم السلام. الثالث: روي أن عيسى عليه السلام قال ليحيى عليه السلام: أنت أفضل مني لأن الله تعالى سلم عليك وأنا سلمت على نفسي، وهذا ليس يقوى لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله على يحيى لأن عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمره الله به. الرابع: السلام عليه يوم ولد لا بد وأن يكون تفضلاً من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه ما يكون ذلك جزاء له، وأما السلام عليه يوم يموت ويوم يبعث في المحشر، فقد يجوز أن يكون ثواباً كالمدح والتعظيم، والله تعالى أعلم. القول في فوائد هذه القصة. الفائدة الأولى: تعليم آداب الدعاء وهي من جهات. أحدها: قوله: { أية : نِدَاء خَفِيّاً } تفسير : [مريم: 3] وهو يدل على أن أفضل الدعاء ما هذا حاله ويؤكد قوله تعالى: { أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } تفسير : [الأعراف: 55] ولأن رفع الصوت مشعر بالقوة والجلادة وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار وعمدة الدعاء الانكسار والتبري عن حول النفس وقوتها والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه. وثانيها: أن المحتسب أن يذكر في مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها كما في قوله تعالى عنه: { أية : وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } تفسير : [مريم: 4] ثم يذكر كثرة نعم الله على ما في قوله: { أية : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً } تفسير : [مريم: 4]. وثالثها: أن يكون الدعاء لأجل شيء متعلق بالدين لا لمحض الدنيا كما قال: { أية : وَإِنّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى } تفسير : [مريم: 5]. ورابعها: أن يكون الدعاء بلفظ يا رب على ما في هذا الموضع. الفائدة الثانية: ظهور درجات زكريا ويحيى عليهما السلام أما زكريا فأمور: أحدها: نهاية تضرعه في نفسه وانقطاعه إلى الله تعالى بالكلية. وثانيها: إجابة الله تعالى دعاءه. وثالثها: أن الله تعالى ناداه وبشره أو الملائكة أو حصل الأمران معاً. ورابعها: اعتقال لسانه عن الكلام دون التسبيح. وخامسها: أنه يجوز للأنبياء عليهم السلام طلب الآيات لقوله رب اجعل لي آية. الفائدة الثالثة: كونه تعالى قادراً على خلق الولد وإن كان الأبوان في نهاية الشيخوخة رداً على أهل الطبائع. الفائدة الرابعة: صحة الاستدلال في الدين لقوله تعالى: { أية : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } تفسير : [مريم:9]. الفائدة الخامسة: أن المعدوم ليس بشيء والآية نص في ذلك فإن قيل المراد ولم تك شيئاً مذكوراً كما في قوله تعالى: { أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } تفسير : [الإنسان: 1] قلنا: الإضمار خلاف الأصل وللخصم أن يقول الآية تدل على أن الإنسان لم يكن شيئاً ونحن نقول به لأن الإنسان عبارة عن جواهر متألفة قامت بها أعراض مخصوصة والجواهر المتألفة الموصوفة بالأعراض المخصوصة غير ثابتة في العدم إنما الثابت هو أعيان تلك الجواهر مفردة غير مركبة وهي ليست بإنسان فظهر أن الآية لا دلالة فيها على المطلوب. الفائدة السادسة: أن الله تعالى ذكر هذه القصة في سورة آل عمران وذكرها في هذا الموضع فلنعتبر حالها في الموضعين فنقول: الأول: أنه تعالى بين في هذه السورة أنه دعا ربه ولم يبين الوقت وبينه في آل عمران بقوله: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } تفسير : [آل عمران: 37، 38] والمعنى أن زكريا عليه السلام لما رأى خرق العادة في حق مريم عليها السلام طمع فيه في حق نفسه فدعا. الثاني: وهو أن الله تعالى صرح في آل عمران بأن المنادي هو الملائكة لقوله: { أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ } تفسير : [آل عمران: 39] وفي هذه السورة الأظهر أن المنادي بقوله: { أية : يٰزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشّرُكَ } تفسير : [مريم: 7] هو الله تعالى وقد بينا أنه لا منافاة بين الأمرين. الثالث: أنه قال في آل عمران: { أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ } تفسير : [آل عمران: 40] فذكر أولاً كبر نفسه ثم عقر المرأة وهو في هذه السورة قال: { أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } تفسير : [مريم: 8] وجوابه أن الواو لا تقتضي الترتيب. الرابع: قال في آل عمران: {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ } وقال ههنا وقد بلغت من الكبر وجوابه أن ما بلغك فقد بلغته. الخامس: قال في آل عمران: { أية : آيتك أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } تفسير : [آل عمران: 41] وقال ههنا: { أية : ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } تفسير : [مريم: 10] وجوابه: دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن، والله أعلم. القصة الثانية: قصة مريم وكيفية ولادة عيسى عليه السلام اعلم أنه تعالى إنما قدم قصة يحيى على قصة عيسى عليهما السلام لأن خلق الولد من شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد لا من الأب ألبتة وأحسن الطرق في التعليم والتفهيم الأخذ من الأقرب فالأقرب مترقياً إلى الأصعب فالأصعب.

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً تضمن محذوفاً، تقديره: أنه وجد هذا الغلام المبشر به، وهو يحيى عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيراً، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ} أي: تعلم الكتاب بقوة، أي: بجد وحرص واجتهاد {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} أي: الفهم والعلم، والجد والعزم، والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث، قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقت، فلهذا أنزل الله: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً}. وقوله: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك، وزاد: لا يقدر عليها غيرنا، وزاد قتادة: رحم الله بها زكريا. وقال مجاهد: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا}: وتعطفاً من ربه عليه. وقال عكرمة: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} قال: محبة عليه. وقال ابن زيد: أما الحنان، فالمحبة، وقال عطاء بن أبي رباح: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} قال: تعظيماً من لدنا، وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: لا والله ما أدري ما حناناً. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن منصور، سألت سعيد بن جبير عن قوله: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} فقال: سألت عنها ابن عباس، فلم يجد فيها شيئاً، والظاهر من السياق أن قوله: وحناناً، معطوف على قوله {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} أي: وآتيناه الحكم وحناناً وزكاة، أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل، كما تقول العرب: حنت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها، ومنه سميت المرأة "حَنّة" من الحَنَّة، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر:شعر : تَحَنَّنْ عَلَيَّ هَدَاك المَليكُ فَإِنَّ لِكُلِّ مَقامِ مَقالا تفسير : وفي "المسند" للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان» تفسير : وقد يثنى، ومنهم من يجعل ما ورد في ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة:شعر : أنا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ منْ بَعْضِ تفسير : وقوله: {وَزَكَوٰةً} معطوف على: وحناناً، فالزكاة: الطهارة من الدنس والآثام والذنوب، وقال قتادة: الزكاة: العمل الصالح، وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَزَكَوٰةً} قال: بركة، {وَكَانَ تَقِيًّا} طهر، فلم يعمل بذنب. وقوله: {وَبَرًّا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولاً وفعلاً، أمراً ونهياً، ولهذا قال: {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال. وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصّه بالسلام عليه، فقال: {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {جَبَّاراً عَصِيّاً} قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا» تفسير : قال قتادة: ما أذنب، ولا هم بامرأة، مرسل، وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا» تفسير : . ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من أحد من ولد آدمَ إلا وقد أخطأ، أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» تفسير : وهذا أيضاً ضعيف، لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلمت على نفسي، وسلم الله عليك، فَعُرِفَ والله فضلهما.

المحلي و السيوطي

تفسير : وبعد ولادته بسنتين. قال تعالى له: { يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ } أي التوراة {بِقُوَّةٍ } بِجِدّ {وءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحُكْمَ } النبوة {صَبِيّاً } ابن ثلاث سنين.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يا يَحْيَىٰ} ها هنا حذف، وتقديره: وقال الله للمولود: يا يحيـى، أو فولد له مولود فبلغ المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فيه، فقلنا له: يا يحيـى. وقال الزجاج: المعنى فوهبنا له وقلنا له: يا يحيـى. والمراد بالكتاب: التوراة لأنه المعهود حينئذٍ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن، والمراد بالأخذ: إما الأخذ الحسي أو الأخذ من حيث المعنى، وهو القيام بما فيه كما ينبغي، وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به، والإحجام عن المنهيّ عنه، ثم أكده بقوله: {بقُوَّةَ} أي بجدّ وعزيمة واجتهاد {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } المراد بالحكم: الحكمة، وهي الفهم للكتاب الذي أمر بأخذه وفهم الأحكام الدينية. وقيل: هي العلم وحفظه والعمل به وقيل: النبوّة وقيل: العقل، ولا مانع من أن يكون الحكم صالحاً لحمله على جميع ما ذكر. قيل: كان يحيـى عند هذا الخطاب له ابن سنتين، وقيل: ابن ثلاث. {وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا } معطوف على الحكم. قال جمهور المفسرين: الحنان الرحمة والشفقة والعطف والمحبة، وأصله توقان النفس، مأخوذ من حنين الناقة على ولدها. قال أبو عبيدة: تقول حنانك يا ربّ، وحنانيك يا ربّ، بمعنى واحد، يريد: رحمتك، قال طرفة:شعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : ويمنحها بنو سلخ بن بكر معيزهم حنانك ذا الحنان تفسير : قال ابن الأعرابي: الحنان مشدّداً من صفات الله عزّ وجلّ، والحنان مخففاً: العطف والرحمة. والحنان: الرزق والبركة. قال ابن عطية: والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حناناً، يعني: بلالاً، لما مرَّ به وهو يعذب. وقيل: إن القائل لذلك هو ورقة بن نوفل. قال الأزهري: معنى ذلك لأترحمنّ عليه، ولأتعطفنّ عليه لأنه من أهل الجنة، ومثله قول الحطيئة:شعر : تحنن عليّ هداك المليك فإن لكل مقام مقالا تفسير : ومعنى {مّن لَّدُنَّـا } من جنابنا. قيل: ويجوز أن يكون المعنى: أعطيناه رحمة من لدنا كائنة في قلبه يتحنن بها على الناس، ومنهم أبواه وقرابته حتى يخلصهم من الكفر {وَزَكَوٰةً } معطوف على ما قبله، والزكاة التطهير والبركة والتنمية والبرّ، أي جعلناه مباركاً للناس يهديهم إلى الخير؛ وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كتزكية الشهود وقيل: صدقة تصدقنا به على أبويه قاله ابن قتيبة {وَكَانَ تَقِيّا } أي متجنباً لمعاصي الله مطيعاً له. وقد روي أنه لم يعمل معصية قط. {وَبَرّا بِوٰلِدَيْهِ } معطوف على {تقياً}، البرّ هنا بمعنى البارّ، فعل بمعنى فاعل، والمعنى: لطيفاً بهما محسناً إليهما {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } أي لم يكن متكبراً ولا عاصياً لوالديه أو لربه، وهذا وصف له عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ } قال ابن جرير وغيره: معناه: أمان عليه من الله. قال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه، وهو أقلّ درجاته، وإنما الشرف في أن يسلم الله عليه، ومعنى {يَوْمَ وُلِدَ } أنه أمن من الشيطان وغيره في ذلك اليوم، أو أن الله حياه في ذلك اليوم، وهكذا معنى {يَوْمَ يَمُوتُ} وهكذا معنى {يَوْمَ يُبعثُ حَياً } قيل: أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن: يوم ولد لأنه خرج مما كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوماً لم يكن قد عرفهم وأحكاماً ليس له بها عهد، ويوم يبعث لأنه يرى هول يوم القيامة. فخصّ الله سبحانه يحيـى بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ} قال: بجدّ {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } قال: الفهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: يقول: اعمل بما فيه من فرائض. وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار قال: اللب. وأخرج أبو نعيم والديلمي وابن مردويه عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } قال: "حديث : أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين"تفسير : . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عن قتادة: بدله وهو ابن ثلاث سنين. وأخرج الحاكم في تاريخه من طريق نهشل بن سعد عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الغلمان ليحيـى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال يحيـى: ما للعب خلقنا، اذهبوا نصلي فهو قول الله: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً }»تفسير : . وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحكم صبياً»تفسير : وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفاً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَحَنَانًا } قال: لا أدري ما هو إلا أني أظنه يعطف الله على عبده بالرحمة، وقد فسرها جماعة من السلف بالرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَزَكَوٰةً } قال: بركة، وفي قوله: {وَكَانَ تَقِيّا } قال: طهر فلم يعمل بذنب.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} وفي قائله قولان: أحدهما: أنه قول زكريا ليحيى حين نشأ. الثاني: قول الله ليحيى حين بلغ. وفي هذا {الْكِتَابَ} قولان: أحدهما: صحف إبراهيم. الثاني: التوراة. {بِقُوَّةٍ} فيه وجهان: أحدهما: بجد واجتهاد، قاله مجاهد. الثاني: العمل بما فيه من أمر والكف عما فيه من نهي، قاله زيد بن أسلم. {وَءَاتَينَاهُ الْحُكُمَ صَبِيّاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: اللب، قاله الحسن. الثاني: الفهم، قاله مقاتل. الثالث: الأحكام والمعرفة بها. الرابع: الحكمة. قال معمر: إن الصبيان قالوا ليحيى إذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقت، فأنزل الله {وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً}. قاله مقاتل وكان ابن ثلاث سنين. قوله تعالى: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} فيه ستة تأويلات: أحدها: رحمة من عندنا، قاله ابن عباس وقتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيكَ بعض الشر أهون من بعض تفسير : أي رحمتك وإحسانك. الثاني: تعطفاً، قاله مجاهد. الثالث: محبة، قاله عكرمة. الرابع: بركة، قاله ابن جبير. الخامس: تعظيماً. السادس: يعني آتينا تحنناً على العباد. ويحتمل سابعاً: أن يكون معناه رفقاً ليستعطف به القلوب وتسرع إليه الإِجابة {وَزَكَاةً} فيها هنا ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها العمل الصالح الزاكي، قاله ابن جريج. الثاني: زكيناه بحسن الثناء كما يزكي الشهود إنساناً. الثالث: يعني صدقة به على والديه، قاله ابن قتيبة. {وَكَانَ تَقِيّاً} فيه وجهان: أحدهما مطيعاً لله، قاله الكلبي. الثاني: باراً بوالديه، قاله مقاتل.

ابن عطية

تفسير : المعنى فولد له وقال الله تعالى للمولود {يا يحيى}، وهذا اختصار ما يدل الكلام عليه. و {الكتاب} التوراة بلا اختلاف لأنه ولد قبل عيسى ولم يكن الإنجيل موجوداً عند الناس. وقوله {بقوة} أي العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام للوازمه ثم أخبر الله تعالى فقال {وآتيناه الحكم صبياً}، واختلف في {الحكم} فقالت فرقة الأحكام والمعرفة بها، و {صبياً} يريد شاباً لم يبلغ حد الكهول. وقال الحسن {الحكم} النبوة، وفي لفظ صبي على هذا تجوز واستصحاب حال، وقال فرقة {الحكم} الحكمة، وروى معمر في ذلك أن الصبيان دعوه وهو طفل الى اللعب فقال إني لم أخلق للعب فتلك الحكمة التي آتاه الله عز وجل وهو صبي أهم لذاته اللعب. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن "أوتي الحكم صبياً"، وقوله {وحناناً} عطف على قوله {الحكم} {وزكاة} عطف عليه، أعمل في جميع ذلك {آتيناه}، ويجوز أن يكون قوله {وحناناً} عطفاً على قوله {صبياً}، أي وبحال حنان منا وتزكية له والحنان الرحمة والشفقة والمحبة قاله جمهور المفسرين، وهو تفسير اللغة. وهو فعل من أفعال النفس ويقال حنانك وحنانيك، فقيل هما لغتان بمعنى واحد، وقيل حنانيك تثنية الحنان، وقال عطاء بن أبي رباح {حناناً من لدنا} بمعنى تعظيماً من لدنا. والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى، ومن قول زيد بن عمرو بن نفيل في خبر بلال بن رباح "والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حناناً". وقد روي عن ابن عباس أنه قال "والله ما أدري ما الحنان". و"الزكاة" التطهير والتنمية في وجود الخير والبر. و"التقي" من تقوى الله عز وجل، وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبدالله بن عمرو عن النبي عليه السلام أنه قال "حديث : كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكرياء" تفسير : .وقال قتادة: إن يحيى عليه السلام لم يعص الله قط بصغيرة ولا بكبيرة ولا همَّ بأمراة، وقال مجاهد: كان طعام يحيى العشب وكان للدمع في خده مجار ثابتة ومن الشواهد في الحنان قوله امرئ القيس: [الوافر] شعر : وتمنحها بنو شمجى بن جرم معيزهمُ حنانك ذا الحنان تفسير : وقال النابغة: [الطويل] شعر : أبا منذر أفنيت فاستبقِ بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض تفسير : وقال الآخر: [منذر بن إبراهيم الكلبي] [الطويل] شعر : فقالت حنان ما أتى بك هاهنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف تفسير : وقوله تعالى: {وبراً بوالديه} الآية، "البر" الكثير البر. و"الجبار" المتكبر كأنه يجبر الناس على أخلاقه والنخلة الجبارة العظيمة العالية. و"العصي" أصله عصوي فعول بمعنى فاعل. وروي أن يحيى بن زكرياء عليه السلام لم يواقع معصية صغيرة ولا كبيرة كما تقدم. وقوله {وسلام} قال الطبري وغيره، معناه وأمان، والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان وهي أقل درجاته وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الأنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر الى الله وعظيم الهول، وذكر الطبري عن الحسن أن عيسى ويحيى التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى: ادع لي فأنت خير مني. فقال عيسى: بل أنت ادع لي فأنت خير مني سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي. قال القاضي أبو محمد: قال أبي، رضي الله عنه: انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى بأن قال إذلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه عليه السلام لكل وجه.

ابن عبد السلام

تفسير : {خُذِ الْكِتَابَ} قاله زكريا ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليحيى حين نشأ، أو قاله الله ـ تعالى ـ حين بلغ، والكتاب: التوراة، أو صحف إبراهيم. {بِقُوَّةٍ} بجد واجتهاد، أو بامتثال الأمر واجتناب المناهي. {الْحُكْمَ} اللب، أو الفهم، أو العلم أو الحكمة، قال له الصبيان: اذهب بنا نلعب فقال: ما للعب خُلقت قيل كان ابن ثلاث سنين.

الثعالبي

تفسير : قوله: عز وجل: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ} المعنى: قال اللّهُ له: يا يَحْيَىٰ خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: {بِقُوَّةٍ} أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه. وقوله: {صَبِيّاً} يريد: شاباً لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال. وروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يَحْيَىٰ إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه اللّهُ عز وجل وهو صَبِيٌّ، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيّاً. «والحنان»: الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة؛ قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة؛ ومن الشواهد في «الحَنَان» قولُ النابغة: [الطويل] شعر : أَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فَٱستَبِقِ بَعْضَنَا حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ تفسير : وقال عطاء بن أبي رباح: «حَنَاناً مِنْ لَدُنَّا» بمعنى تعظيماً مِنْ لدنا. قال * ع *: وهو أَيضاً ما عظم من الأَمر لأَجل اللّه عز وجل ومنه قولُ زيدِ بن عَمْر بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللّهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَاناً. قال * ص *: قال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى. انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير. قال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة. {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة، ولا كبيرة والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أَخلاقه. وقوله: {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ} قال الطَّبرِيُّ، وغيرُه: معناه وأَمانٌ عليه. قال * ع *: والأَظهرُ عندي: أَنها التّحيةُ المتعارفة، فهي أَشرف، وأَنبه من الأَمان؛ لأَن الأَمان متحصَّلٌ له بنفي العِصْيان عنه، وهو أَقلّ درجاته، وإنما الشرف في أن سلم اللّهُ عليه، وحيَّاه في المواطن الَّتي الإنسان فيها في غاية الضعْفِ، والحاجةِ، وقلَّةِ الحيلة. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ}، الكتاب: هو القُرْآنُ والاِنْتباذ: التنحِّي. قال السُّدِّيُّ: انتبذت؛ لتطهر من حيض، وقال غيره: لتعبد اللّه عز وجل. قال * ع *: وهذا أحْسن. وقوله: {شَرْقِيّاً} يريد: في جهة الشرق من مساكن أهلها، وكانوا يعظمون جهة المَشْرق؛ قاله الطبري. وقال بعضُ المفسرين: اتخذت المكانَ بشرقي المحرابَ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏يا يحيى خذ الكتاب بقوة‏}‏ قال‏:‏ بجد ‏ {‏وآتيناه الحكم صبياً‏}‏ قال‏:‏ الفهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏{‏خذ الكتاب بقوة‏}‏ يقول‏:‏ اعمل بما فيه من فرائضه‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عن مالك بن دينار قال‏:‏ سألنا عكرمة عن قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه الحكم صبياً‏}‏ قال‏:‏ اللب‏. وأخرج أبو نعيم وابن مردويه والديلمي، عن ابن عباس، ‏ حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه الحكم صبيا‏ً}‏ قال‏: أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين ‏. تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه الحكم صبياً‏}‏ قال‏:‏ وهو ابن ثلاث سنين‏. وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي وابن عساكر، عن معمر بن راشد في قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه الحكم صبيا‏ً}‏ قال‏:‏ بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى بن زكريا‏:‏ اذهب بنا نلعب، قال‏:‏ ما للعب خلقت‏.‏ فهو قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه الحكم صبياً‏}. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق معمر، عن قتادة قال‏:‏ جاء الغلمان إلى يحيى بن زكريا فقال‏:‏ ما للعب خلقت‏.‏ قال‏:‏ فأنزل الله ‏ {‏وآتيناه الحكم صبياً‏}‏‏. وأخرجه ابن عساكر، عن معاذ بن جبل مرفوعا‏ً. وأخرج الحاكم في تاريخه من طريق سهل بن سعيد عن الضحاك، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال الغلمان ليحيى بن زكريا‏:‏ اذهب بنا نلعب، فقال يحيى‏:‏ ما للعب خلقنا‏!‏ اذهبوا نصلي‏.‏ فهو قول الله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه الحكم صبيا‏ً}‏‏. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فقد أوتي الحكم صبياً ‏"‏‏. تفسير : وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفا‏ً. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجي في أماليه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وحنانا‏ً} ‏ قال‏:‏ لا أدري ما هو، إلا أني أظنه تعطف الله على خلقه بالرحمة‏. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ سألت ابن عباس عن قوله‏:‏ ‏ {‏وحنانا‏ً} ‏ فلم يجر فيها شيئا‏ً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وحناناً من لدنا‏} ‏ قال‏:‏ رحمة من عندنا‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله‏:‏ ‏{‏وحناناً من لدنا‏}‏ قال‏:‏ رحمة من عندنا‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت طرفة بن العبد البكري وهو يقول‏:‏ شعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض لشر أهون من بعض تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ‏ {‏وحناناً من لدنا‏}‏ قال‏:‏ تعطفاً من ربه عليه‏. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن ‏{‏وحناناً من لدنا‏}‏ قال‏:‏ الرحمة‏. وأخرج عبد بن حميد، عن الربيع ‏ {‏وحناناً من لدنا‏} ‏ قال‏:‏ ‏ {‏رحمة من عندنا‏}‏ لا يملك عطاءها أحد غيرنا‏. وأخرج الحكيم الترمذي، عن سعيد الجهني في قوله‏:‏ ‏ {‏وحناناً من لدنا‏} ‏ قال‏:‏ الحنان المحبب‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ‏ {‏وحناناً من لدنا‏} ‏ قال‏:‏ رحمة من عندنا ‏{‏وزكاة‏} ‏ قال صدقة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وزكاة‏} ‏ قال‏:‏ بركة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وكان تقيا‏ً} ‏ قال‏:‏ طهر فلم يعمل بذنب‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏ {‏وكان تقيا‏ً}‏ قال‏:‏ لم يعصه ولم يهم بها‏. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ولم يكن جباراً عصيا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان سعيد بن المسيب يقول‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا‏"‏ تفسير : قال قتادة‏:‏ وقال الحسن‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما أذنب يحيى بن زكريا قط ولا هم بامرأة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ذكر رحمة ربك عبده زكريا‏}‏ قال‏:‏ ذكره الله برحمته منه حيث دعاه ‏{‏إذ نادى ربه نداء خفيا‏ً} ‏ يعني دعا ربه ‏ {‏دعاء خفيا‏ً}‏ في الليل، لا يسمع أحداً، أو يسمع أذنيه‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏رب إني وهن العظم مني‏}‏ يعني ضعف العظم مني ‏ {‏واشتعل الرأس شيبا‏ً} ‏ يعني غلب البياض السواد ‏ {‏ولم أكن بدعائك رب شقيا‏ً}‏ أي لم أدعك قط فخيبتني فيما مضى، فتخيبني فيما بقي، فكما لم أشق بدعائي فيما مضى، فكذلك لا أشقى فيما بقي، عوّدتني الإجابة من نفسك‏.‏ ‏ {‏وإني خفت الموالي من ورائي‏} ‏ فلم يبق لي وارث، وخفت العصبة أن ترثني ‏{‏فهب لي من لدنك وليا‏ً} ‏ يعني من عندك ولداً ‏ {‏يرثني‏}‏ يعني يرث محرابي، وعصاي وبرنس العربان، وقلمي الذي أكتب به الوحي ‏{‏ويرث من آل يعقوب‏}‏ النبوّة ‏ {‏واجعله رب رضيا‏ً} ‏ يعني مرضياً عندك زاكياً بالعمل، فاستجاب الله له، فكان قد دخل في السن هو وامرأته‏. فبينا هو قائم يصلي في المحراب، حيث يذبح القربان، إذا هو برجل عليه البياض حياله، وهو جبريل فقال‏:‏ ‏ {‏يا زكريا إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى‏}‏ هو اسم من أسماء الله، اشتق من حي سماه الله فوق عرشه ‏ {‏لم نجعل له من قبل سميا‏}‏ لم يجعل لزكريا من قبل يحيى ولد له ‏ {‏هل تعلم له سميا‏} ‏ يعني هل تعلم له ولداً، ولم يكن لزكريا قبله ولد، ولم يكن قبل يحيى أحد يسمى يحيى قال‏:‏ وكان اسمه حياً، فلما وهب الله لسارة إسحق، فكان اسمها يسارة، ويسارة من النساء التي لا تلد، وسارة من النساء‏:‏ الطالقة الرحم التي تلد فسماها الله سارة وحول الياء من سارة إلى حي فسماه يحيى، فقال‏:‏ ‏{‏رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا‏ً} ‏ خاف أنها لا تلد‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏كذلك قال ربك‏}‏ ‏{‏يا زكريا هو عليّ هين وقد خلقتك من قبل‏} ‏ أن أهب لك يحيى ‏ {‏ولم تك شيئاً‏} ‏ وكذلك أقدر على أن أخلق من الكبير والعاقر‏.‏ وذلك أن إبليس أتاه فقال‏:‏ يا زكريا، دعاؤك كان خفياً فأجبت بصوت رفيع، وبشرت بصوت عال، ذلك صوت من الشيطان، ليس من جبريل، ولا من ربك‏.‏ ‏{‏قال رب اجعل لي آية‏} ‏ حتى أعرف أن هذه البشرى منك‏.‏ ‏ {‏قال آيتك أَلا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً‏} ‏ يعني صحيحاً من غير خرس‏.‏ فحاضت زوجته، فلما طهرت طاف عليها فاستحملت، فأصبح لا يتكلم وكان إذا أراد التسبيح والصلاة أطلق الله لسانه فإذا أراد أن يكلم الناس؛ اعتقل لسانه فلا يستطيع أن يتكلم، وكانت عقوبة له لأنه بشر بالولد فقال‏:‏ ‏{‏أَنى يكون لي غلام‏} ‏ فخاف أن يكون الصوت من غير الله ‏ {‏فخرج على قومه من المحراب‏} ‏ يعني من مصلاه الذي كان يصلي فيه‏.‏ فأوحى إليهم بكتاب كتبه بيده ‏ {‏أن سبحوا بكرة وعشيا‏ً} ‏ يعني صلوا صلاة الغداة والعصر، فولد له يحيى على ما بشره الله نبياً تقياً صالحاً ‏ {‏يا يحيى خذ الكتاب بقوة‏}‏ يعني بجد وطاعة واجتهاد وشكر وبالعمل بما فيه ‏ {‏وآتيناه الحكم‏}‏ يعني الفهم ‏{‏صبيا‏ً}‏ صغيراً وذلك أنه مر على صبية أتراب له، يلعبون على شاطئ نهر بطين وبماء، فقالوا‏:‏ يا يحيى تعالَ حتى نلعب، فقال‏:‏ سبحان الله‏!‏ أو للعب خلقنا‏؟‏‏!‏ ‏{‏وحناناً‏} ‏ يعني ورحمة ‏{‏منا‏} ‏ وعطفاً ‏ {‏وزكاة‏} ‏ يعني وصدقة على زكريا ‏{‏وكان تقيا‏ً} ‏ يعني مطهراً مطيعاً لله ‏ {‏وبراً بوالديه‏}‏ كان لا يعصيهما ‏ {‏ولم يكن جبارا‏ً} ‏ يعني قتال النفس التي حرم الله قتلها ‏{‏عصيا‏ً}‏ يعني عاصياً لربه‏.‏ ‏ {‏وسلام عليه‏} ‏ يعني حين سلم الله عليه ‏ {‏يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا‏ً}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن القاسم قال‏:‏ قال مالك‏:‏ بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى، قالت لمريم‏:‏ إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك‏.‏ قال مالك‏:‏ أرى ذلك لتفضيل الله عيسى، لأن الله جعله يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ولم يكن ليحيى عيشة إلا عشب الأرض، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان على خده القار لأذابه، ولقد كان الدمع اتخذ في وجهه مجرى‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن خزيمة والدارقطني في الأفراد وأبو نصر السجزي في الإبانة والطبراني، ‏‏حديث : عن ابن عباس قال‏:‏ كنا في حلقة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم نتذاكر فضائل الأنبياء، فذكرنا نوحاً وطول عبادته، وذكرنا إبراهيم وموسى وعيسى فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: ‏"ما تذاكرون بينكم"‏ فذكرنا له، فقال‏:‏ أما إنه لا ينبغي أن يكون أحد خيراً من يحيى بن زكريا أما سمعتم الله كيف وصفه في القرآن ‏{‏يا يحيى خذ الكتاب بقوّة‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وكان تقيا‏ً} ‏ لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها‏ . ‏تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب‏:‏ ‏ ‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوماً وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل‏:‏ موسى كلمه الله تكليماً، وقال قائل‏:‏ عيسى روح الله وكلمته، وقال قائل‏:‏ إبراهيم خليل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏"أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب يحيى بن زكريا‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو هم بخطيئة، إلا يحيى بن زكريا، لم يهم بخطيئة ولم يعملها ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم والحاكم عن عمرو بن العاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر، عن يحيى بن جعدة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا ينبغي لأحد أن يقول‏:‏ أنا خير من يحيى بن زكريا، ما هم بخطيئة ولا حاكت في صدره امرأة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن حبيب قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما بعلت النساء عن ولد ينبغي له أن يقول‏:‏ أنا أفضل من يحيى بن زكريا لم يحك في صدره خطيئة ولم يهم بها ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طلحة رفعه قال‏:‏ ما ارتكض في النساء من جنين ينبغي له أن يقول‏:‏ أنا أفضل من يحيى بن زكريا، لأنه لم يحك في صدره خطيئة ولم يهم بها‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن قال‏:‏ إن عيسى ويحيى التقيا فقال يحيى لعيسى‏:‏ استغفر لي أنت خير مني فقال له عيسى‏:‏ بل أنت خير مني، سلم الله عليك، وسلمت أنا على نفسي، فعرف والله فضلها‏. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم والضياء، عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : الحسن والحسين سيداً شباب أهل الجنة - إلا ابني الخالة - عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم من طريق سمرة، عن كعب قال‏:‏ كان يحيى لا يقرب النساء ولا يشتهيهن، وكان شاباً حسن الوجه، لين الجناح، قليل الشعر، قصير الأصابع، طويل الأنف، أقرن الحاجبين، رقيق الصوت، كثير العبادة، قوياً في الطاعة‏. وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه وابن عساكر، عن أبي بن كعب‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن من هوان الدنيا على الله، أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ من أنكر البلاء، فإني لا أنكره، لقد ذكر لي أنما قتل يحيى بن زكريا في زانية‏. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريقه‏:‏ أنا أبو يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن ابن عباس‏:‏ "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه فقال له‏:‏ ‏"‏يا أبا يحيى، خبرني عن قتلك كيف كان‏؟‏ ولم قتلك بنو إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ يا محمد، إن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً، وكان كما قال الله‏:‏ ‏ {‏سيداً وحصورا‏ً} ‏ وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فأرسلت إليه، وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها، وأجمعت على قتل يحيى، وَلَهُم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب، فخرج الملك للعيد فقامت امرأته فشيعته، وكان بها معجباً، ولم تكن تسأله فيما مضى، فلما أن شيعته قال الملك‏:‏ سليني فما تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، قالت‏:‏ أريد دم يحيى بن زكريا‏.‏ قال لها‏:‏ سليني غيره‏.‏ قالت‏:‏ هو ذاك‏.‏ قال‏:‏ هو لك، فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي، وأنا إلى جانبه أصلي، فذبح في طست، وحمل رأسه ودمه إليها‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فما بلغ من صبرك‏؟‏ قال‏:‏ ما انفتلت من صلاتي، فلما حمل رأسه إليها ووضع بين يديها، - فلما أمسوا - خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل‏:‏ لقد غضب إله زكريا لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا، فنقتل زكريا، فخرجوا في طلبي ليقتلوني، فجاءني النذير، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم علي‏:‏ فلما أن تخوفت أن لا أعجزهم، عرضت لي شجرة فنادتني فقالت‏:‏ إلي إلي، وانصدعت لي، فدخلت فيها، وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة، وجاء بنو إسرائيل، فقال إبليس‏:‏ أما رأيتموه دخل هذه الشجرة‏!‏ هذا طرف ردائه دخل به الشجرة، فقالوا‏:‏ نحرق هذه الشجرة، فقال إبليس‏:‏ شقوه بالمنشار شقاً‏.‏ قال‏:‏ فشققت مع الشجرة بالمنشار‏.‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا زكريا، هل وجدت له مساً أو وَجعاً‏؟‏ قال‏:‏ لا، إنما وجدت تلك الشجرة جعل الله روحي فيها‏ "‏‏تفسير : . وأخرج ابن عساكر، عن وهب بن منبه أن زكريا هرب ودخل جوف شجرة، فوضع على الشجرة المنشار وقطع بنصفين، فلما وقع المنشار على ظهره أنَّ، فأوحى الله ‏"‏يا زكريا إما أن تكف عن أنينك، أو أقلب الأرض ومن عليها‏"‏ فسكت حتى قطع نصفين‏. وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر عن يزيد بن ميسرة قال‏:‏ كان طعام يحيى بن زكريا الجراد وقلوب الشجر، وكان يقول‏:‏ من أنعم منك يا يحيى‏؟‏ طعامك الجراد وقلوب الشجر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن عساكر، عن أبي إدريس الخولاني وابن المبارك وأحمد في الزهد وأبو نعيم، عن مجاهد قالا‏:‏ كان طعم يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان القار على عينه لأحرقه‏!‏ ولقد كانت الدموع اتخذت مجرى في وجهه‏. وأخرج ابن عساكر، عن يونس بن ميسرة قال‏:‏ مر يحيى بن زكريا على دينار فقال‏:‏ قبح هذا الوجه يا دينار، يا عبد العبيد، ومعبد الأحرار‏. وأخرج البيهقي في سننه، عن مجاهد قال‏:‏ سأل يحيى بن زكريا ربه‏؟‏ قال‏:‏ رب، اجعلني أسلم على ألسنة الناس، ولا يقولون فيّ إلا خيرا‏ً.‏ فأوحى الله إليه‏:‏ ‏"‏يا يحيى لم أجعل هذا لي، فكيف أجعله لك‏؟‏‏"‏‏. وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب وابن عساكر، عن ثابت البناني قال‏:‏ بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى‏:‏ ما هذه‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ هذه الشهوات التي أصيب بها بنو آدم‏.‏ قال له يحيى‏:‏ هل لي فيها شيء‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل تصيب مني شيئاً‏؟‏ قال‏:‏ ربما شبعت، فثقلناك عن الصلاة والذكر‏.‏ قال‏:‏ هل غيره‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ لا جرم، لا أشبع أبدا‏ً. وأخرج ابن عساكر من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي قال‏:‏ كان ملك مات وترك امرأته وابنته، فورث ملكه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعلمون بأمر الأنبياء، فقال له‏:‏ لا تتزوّجها فإنها بغي، فبلغ المرأة ذلك، فقالت‏:‏ ليقتلن يحيى أو ليخرجن من ملكه‏.‏ فعمدت إلى ابنتها فصيغتها، ثم قالت اذهبي إلى عمك عند الملأ، فإنه إذا رآك سيدعوك، ويجلسك في حجره ويقول‏:‏ سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فإذا قال لك قولي‏:‏ فقولي لا أسألك شيئاً إلا رأس يحيى، وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ، ثم لم يمض له، نزع من ملكه‏.‏ ففعلت ذلك، فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى، وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه، فقتله، فساخت بأمها الأرض‏.‏ قال ابن جدعان‏:‏ فحدثت بهذا الحديث ابن المسيب، فقال‏:‏ أما أخبرك كيف كان قتل زكريا‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ إن زكريا حيث قتل ابنه، انطلق هارباً منهم، واتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق، فدعته إليها فانطوت عليه، وبقيت من ثوبه هدبة تلعبها الريح، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره عندها، فنظروا تلك الهدبة، فدعوا المنشار، فقطعوا الشجرة فقطعوه فيها‏. وأخرج ابن عساكر عن ابن عمرو قال‏:‏ التي قتلت يحيى بن زكريا امرأة ورثت الملك عن آبائها، فأتيت برأس يحيى وهي على سريرها، فقال للأرض خذيها فأخذتها وسريرها فذهب بها‏. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر، عن عبد الله بن الزبير‏:‏ أن ملكاً أراد أن يتزوج ابنة أخيه، فاستفتى يحيى بن زكريا‏؟‏ فقال‏:‏ لا تحل لك‏.‏ فسألت قتله‏؟‏ فبعث إليه - وهو في محرابه يصلي - فذبحوه، ثم حزوا رأسه وأتوا به الملك، فجعل الرأس يقول‏:‏ لا يحل لك ما تريد‏. وأخرج ابن عساكر عن ابن شوذب قال‏:‏ قال يحيى بن زكريا للذي جاء يحز رأسه‏:‏ أما تعلم أني نبي‏؟‏ قال‏:‏ بلى، ولكني مأمور‏. وأخرج الحاكم وابن عساكر، عن ابن عباس قال‏:‏ أوحى الله إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً وإني قاتل بابن ابنتك سبيعن ألفا وسبعين ألفا‏ً. وأخرج ابن عساكر، عن شمر بن عطية قال‏:‏ قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبياً منهم يحيى بن زكريا. وأخرج ابن عساكر عن قرة قال‏:‏ ما بكت السماء على أحد، إلا على يحيى بن زكريا، والحسين بن علي، وحمرتها بكاؤها‏. وأخرج أحمد في الزهد، عن خالد بن ثابت الربعي قال‏:‏ لما قتل فجرة بني إسرائيل - يحيى بن زكريا، أوحى الله إلى نبي من أنبيائهم‏:‏ أن قل لبني إسرائيل ‏"‏إلى متى تجترئون على أن تعصوا أمري، وتقتلوا رسلي‏؟‏ وحتى متى أضمكم في كنفي‏؟‏ كما تضم الدجاجة أولادها في كنفها، فتجترئون علي‏!‏ اتقوا، لا أؤاخذاكم بكل دم كان بين ابني آدم ويحيى بن زكريا، واتقوا، أن أصرف عنكم وجهي، فإني إن صرفت عنكم وجهي لا أقبل عليكم إلى يوم القيامة‏"‏‏. وأخرج أحمد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما قتل يحيى عليه السلام قال‏:‏ بعض أصحابه لصاحب له‏:‏ ابعث إلي بقميص نبي الله يحيى أشمه، فبعث به إليه، فإذا سداه ولحمته ليف‏!‏‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن يونس بن عبيد قال‏:‏ بلغنا أنه كان رجل يجور على مملكته ويعدي عليهم، فائتمروا بقتله، فقالوا‏:‏ نبي الله زكريا بين أظهرنا، فلو أتيناه فأتوا منزله، فإذا فتاة جميلة رائعة قد أشرق لها البيت حسناً، فقالوا‏:‏ من أنت‏ِ؟‏ قالت‏:‏ امرأة زكريا‏.‏ فقالوا فيما بينهم‏:‏ كنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فإذا هو عنده امرأة من أجمل النساء، ثم إنهم رأوه في عمل عند قوم ويعمل لهم، حتى إذا حضر غداؤه قرب رغيفين، فأكل ولم يدعهم، ثم قام فعمل بقية عمله، ثم علق خفيه على عنقه والمسحاة والكساء، قال‏:‏ ما حاجتكم‏؟‏ قالوا‏:‏ قد جئنا لأمر، ولقد كاد يغلبنا ما رأينا، على ما جئنا له‏.‏ قال‏:‏ فهاتوا‏؟‏ قالوا‏:‏ أتينا منزلك، فإذا امرأة جميلة رائعة‏!‏ وكنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فقال‏:‏ إني إنما تزوجت امرأة جميلة رائعة، لأكف بها بصري، وأحفظ بها فرجي، فخرج نبي الله مما قالوا‏.‏ قالوا‏:‏ ورأيناك قدمت رغيفين، فأكلت ولم تدعنا‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ إن القوم استأجروني على عمل، فخشيت أن أضعف عن عملهم، ولو أكلتم معي لم يكفني ولم يكفكم، فخرج نبي الله مما قالوا‏.‏ قالوا‏:‏ ورأيناك وضعت خفيك على عنقك، والمسحاة والكساء‏.‏ فقال‏:‏ إن هذه الأرض جديدة، وكرهت أن أنقل تراب هذه في هذه، فخرج نبي الله مما قالوا‏.‏ قالوا‏:‏ إن هذا الملك يجور علينا ويظلمنا، وقد ائتمرنا لقتاله‏.‏ قال‏:‏ أي قوم، لا تفعلوا، فإن إزالة جبل من أصله أهون من إزالة ملك مؤجل‏.‏ والله أعلم‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [الآية: 12]. قال الواسطى رحمه الله: خذه بقوة قلبك وثقة بربك لا بسجود وبكاء وتضرع، وهذا دليل أنه أكرم من شاء بغير علةٍ وأهان من شاء بغير علةٍ. قوله: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} [الآية: 12]. قال ابن عطاء: الحكم المعرفة. قال جعفر: التوفيق لاستعمال آداب الخدمة. قال الحسين: كان روح يحيى معجونًا بأنوار المشاهدة ونفسه معجونة بآداب العبودية والمجاهدة لذلك قال له ربه تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً}. وقال ابن عطاء: الحكم المعرفة. قال بعضهم: الحكم إصابة الحق فى الأقوال والأفعال والأحوال. قال يوسف بن الحسين: فى قوله: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} أوتى يحيى عليه السلام حكمًا على الغيب وفراسة صادقة لا يخالطها ريب ولا شك.

القشيري

تفسير : أي قلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة مِنَّا، خَصَصْنَاكَ بها.. لا قوةَ يدٍ ولكن قوة قلبٍ، وذلك خيرٌ خَصَّه اللَّهُ تعالى به وهو النبوة. ودلَّت الآية على أنه كان من الله له كتاب. {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} أي النبوة، بَعَثَه اللَّهُ بها إلى قومه، وأوحى إليه وهو صبيّ. ويقال الحُكْمُ بالصوابِ والحقِّ بين الناس. ويقال الحكم هو إحكام الفعل على وجه الأمر. قوله {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا...} أي آتيناه رحمةً من عندنا، وطهارةً وتوفيقاً لمجلوبات التقوى وتحقيقاً لموهوباتها؛ فإن التقوى على قسمين: مجموع ومجلوب يتوصَّلُ إليه العبدُ بِتَكَلُّفِه وتَعَلُّمِه، وموضوعٍ من الله تعالى وموهوبٍ منه يصلُ إليه العبدُ بِبَذْله سبحانه وبفضله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} الكتاب كلام الحق------سبحانه يحيى عليه السَّلام حمل كتابه الاولى وامر ان يأخذ بقوة قال خذ الكتاب بقوة------ اى خذ الكتاب الاولى بالقوة الازلية التي البستها روحك وصورتك حيز خلقتك بمباشرة قوتى الجبارية الازلية ولولا تلك القوة في نفسه كيف كان ياخذ الكلام القديم والقديم -------من القدم اى خذ كتابنا بالايك خذ بقوتنا لا بقوة الحديثة وايضا خذ كتابنا بمعرفة كتابنا وبمعرفتنا تعرف في حقائق كتابنا وايضا خذ باستعانتك باخذ كتابنا ثم وصف امتنانه عليه حيث ما بالى انه لم يكن بالغا بقوله {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} عرفناه مكان الحقيقة في معرفة صفاتنا وذاتنا في زمان صباه لان روحه خرجت من عالم الملكوت كاملة بانوار الجبروت وايضا أتيناه الحكمة البالغة والمعرفة الشاملة والفراسة الصادقة والمحبة الشافية قال ابن عطا الحكم المعرفة وقال جعفر التوفيق لاستعمال اداب الخدمة قال الحسين كان روح يحيى معجونا بانوار المشاهدة ونفسه معجونة باداب العبودية والمجاهدة لذلك قال له وأتيناه الحكم صبيا وقال يوسف بن الحسين اوتى يحيى حكما على الغيب وفراسة صادقة لا يخالطها ريب ولا شك ثم وصف الله سبحانه صفية يحيى بالطهارة والرحمة والتقوى بقوله {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً} اى أتيناه ---- من عندنا تلك الرحمة العندية انه تعالى البسه كسوة من صفات رحمته حتى جعله رحمة للمنقطعين وشفاء لمرضى المحبين وجعله مطهرا بان قدسه في بحر جلاله بزلال وصاله عن غبا الامتحان --- العصيان جعله تقيا معرضا عن غيره مقبلا عليه بنعت الشوق والمحبة قال الواسطى في ذلك الذى اوجب له الانبساط والدلال وقال سهل رحمة من عندنا وطهرة وطهرناه بها من ظنون الخلق فيه وكان تقيا معرضا عما سوانا مقبلا علينا ثم ان الله سبحانه من شرق يحيى زكى روحه وقلبه وصورته بروح روح سلامه خطابه بقوله {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} سلام الازلى على روحه حين خرجت من نور كافه ونونه اللذان هما روحان من تجلى صفات الحق وذلك السّلام سلامه تجلى جماله لروح يحيى في بدو امرها فلما وصل بركة سلام الله مع نور -----بنعت العصمة الى يوم خروجها من صورة فلما كلمت العجمة فيه جازاه الله بزيادة كشف جماله وخطابه معه وسلامه عليه حين انتقل من دار الفتاء الى دار البقاء لئلا يكون له وحشة من خوف العاقبة فيبقى بين سلامين وبين مشهادتين حتى يكون وقت العرض الاكبر فلما حان وقت وقوفه بين يديه يومنه بسلامة من العتاب ويفرحه بكشف ---- الى خير المآب فالسلام الاول تربية والسلام والثانى عصمة والسلام الثالث وصلة ومشاهدة قال ابو بكر بن طاهر سلام عليه يوم ولد تحية ربه له----له من كل مخدور واتصال العصمة الى المماتِ وقوله وسلام على يوم ولدت من ثنائه على نفسه انطقه بلسانه وهو اغرب في العلم وادق في العطف وقال الواسطى سلام في طرفى حيوته مماته من جريان مخالفة عليه بقوله سلام عليه الآية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {صبيًا}: حال من مفعول {آتيناه}، و {حنانًا} و {زكاة}: عطف على {الحُكْم}. و {من لدنا}: متعلق بمحذوف، صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية، أي: وآتيناه الحكم وتحنُّنًا عظيمًا واقعًا من جنابنا، أو شفقة في قلبه ورحمة على أبويه وغيرهما. قال ابن عباس: (ما أدري ما حنانًا إلا أن يكون تعطف رحمة الله على عباده). ومنه قولهم: "حَنَانَيْكَ"، مثل سعديْك، وأصله: من حنين الناقة على ولدها، و {برًّا}: عطف على {تقيًّا}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا يحيى} أي: قلنا يا يحيى، وهذا استئناف طُوي قبله جمل كثيرة، مما يدل على ولادته ونشأته، حتى أوحي إليه، ثم قال له: {يا يحيى خُذِ الكتابَ} أي: التوراة، وقيل: كتاب خُص به، فدلت الآية على رسالته. وفي تفسير ابن عرفة: أن يحيى رسول كعيسى. هـ. وقوله: {بقوةٍ} أي: بجد واجتهاد، وقيل: بالعمل به، {وآتيناه الحُكم صبيًا}، قال ابن عباس: (الحكم هنا النبوة، استنبأهُ وهو ابن ثلاث سنين)، قلت: كون الصبي نبيًا جائز عقلاً، واقع عند الجمهور، وأما بعثه رسولاً فجائز عقلاً، وظاهر كلام الفخر هنا أنه واقع، وأن يحيى وعيسى بُعثا صغيرين. وقال ابن مرزوق في شرح البخاري ما نصه: (الأعم: بعث الأنبياء بعد الأربعين)؛ لأنه بلوغ الأشد، وقيل: أرسل يحيى وعيسى - عليهما السلام - صبيين. وقال ابن العربي: يجوز، ولم يقع. وقول عيسى عليه السلام: (إني عبد الله) إخبار عما وجب في المستقبل، لا عما حصل. واستُشْكِلَ جواز بعث الصبي بأنه تكليف، وشرطُه: البلوغُ، إن كانت الشرائع فيه سواء. انظر المحشي الفاسي. قلت: والذي يظهر أن يحيى وعيسى - عليهما السلام - تنبئا صغيرين، وأرسلا بعد البلوغ. والله تعالى أعلم. وقيل: الحكم: الحكمة وفهم التوراة والفقه في الدين. رُوي أنه دعاه الصبيان إلى اللعب، فقال: ما لِلَعِبٍ خُلقت. {و} آتيناه {حنانًا} أي: تحنُّنًا عظيمًا {من لَدُنَّا}: من جناب قدسنا، أو تحننًا من الناس عليه. قال عوف: الحنان المحبّب، {وزكاة}: طهارة من العيوب والذنوب، أو صدقة تصدقنا به على أبويه، أو: وفّقناه للتصدق على الناس. {وكان تقيًّا}؛ مطيعًا لله، متجنبًا للمعاصي، {وبرًا بوالديه}: لطيفًا بهما محسنًا إليهما، {ولم يكن جبارًا عصيًّا}؛ متكبرًا عاقًا، فالجبّار: هو المتكبر، لأنه يجبر الناس على أخلاقه. وقيل: من لا يقبل النصيحة، أو عاصيًا الله تعالى. {وسلامٌ عليه} أي: سلامة من الله تعالى عليه، {يوم وُلِدَ} من أن يناله الشيطان بما ينال بني آدم، {ويومَ يموتُ} من عذاب القبر، {ويوم يُبعث حيَّا} من هول القيامة وعذاب النار. رُوِيَ أن يحيى وعيسى - عليهما السلام - التقيا، فقال له يحيى: استغفر لي، فأنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، أنا سلمت على نفسي وأنت سلم الله عليك. الإشارة: أخذ الكتاب بالقوة - وهو الجد والاجتهاد في قراءته - هو أن يكون متجردًا لتلاوته، منصرف الهمة إليه عن غيره، فلا يصدق على العبد أن يأخذ كتاب ربه بقوة، حتى يكون هكذا عند تلاوته. قال الورتجبي: {خُذ الكتابَ بقوة} أي: خذ كتابنا بنا لا بك، والكتاب كلام الحق الأزلي، أي: خذ الكتاب الأزلي بالقوة الأزلية. هـ. ومعناه أن يكون التالي فانيًا عن نفسه، متكلمًا بربه، ويسمعه من ربه، فهذا حال المقربين. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر قصة مريم عليها السلام

الجنابذي

تفسير : {يٰيَحْيَىٰ} هو بتقدير فأعطيناه الغلام وقوّيناه وآتينا الكتاب وقلنا يا يحيى {خُذِ ٱلْكِتَابَ} اى النّبوّة او الرّسالة او كتاب التّوراة {بِقُوَّةٍ} وعزيمةٍ من قلبك وهو اشارة الى التّمكين فى مقام النّبوّة فانّ التّلوين لا يليق بصاحب النّبوّة {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ} اى الرّسالة والقدرة على المحاكمة بين الخصوم، او النّبوّة والحكم بين المخاصمين فى وجوده من قواه وجنوده، او الولاية وآثارها التّى هى الدّقّة فى العلم والعمل {صَبِيّاً وَحَنَاناً} الحنان كالسّحاب الرّحمة والرّزق والبركة والهيبة والوقار ورقّة القلب وهو عطف على الحكم بمعنى اعطيناه رحمة من لدنّا او بركة (الى آخر معانيه) فصار مرحوماً او ذا بركة (الى آخرها) او بمعنى اعطيناه رحمةً فصار راحماً وبركة على الغير، او هو بمعنى اسم الفاعل او المفعول وعطف على صبيّاً والمعنى آتيناه الحكم حال كونه راحماً او مرحوماً {مِّن لَّدُنَّا} وحينئذٍ يجوز ان يكون من لدنَّا متعلّقاً بآتينا اى آتيناه الحكم من لدنّا حال كونه صبيّاً وراحماً او مرحوماً {وَزَكَاةً} هى فى الاعراب مثل حناناً والزّكوة صفوة الشّىء او صدقة تخرجها من مالك لتطهّر الباقى او نماء المال {وَكَانَ تَقِيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً} متكبّراً متطاولاً بالنّسبة الى الخلق {عَصِيّاً} بالنّسبة الى الحقّ.

الالوسي

تفسير : {يٰيَحْيَىٰ} على تقدير القول وكلام آخر حذف مسارعة إلى الإنباء بإنجاز الوعد الكريم أي فلما ولد وبلغ سناً يؤمر مثله فيه قلنا يا يحيـى {خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ } أي التوراة، وادعى ابن عطية الإجماع على ذلك بناءً على أن ال للعهد ولا معهود إذ ذاك سواها فإن الإنجيل لم يكن موجوداً حينئذٍ وليس كما قال بل قيل له عليه السلام كتاب خص به كما خص كثير من الأنبياء عليهم السلام بمثل ذلك، وقيل: المراد بالكتاب صحف إبراهيم عليه السلام، وقيل: المراد الجنس أي كتب الله تعالى. {بِقُوَّةٍ } بجد واستظهار وعمل بما فيه، وقائل ذلك هو الله تعالى على لسان الملك كما هو الغالب في القول للأنبياء عليه السلام، وأبعد التبريزي فقدر قال له أبوه حين ترعرع ونشأ: يا يحيـى الخ، ويزيده بعداً قوله تعالى: {وَءاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً }. أخرج أبو نعيم وابن مردويه والديلمي عن ابن عباس عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك: أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين، وجاء في رواية أخرى عنه مرفوعاً أيضاً قال الغلمان ليحيـى بن زكريا عليهما السلام: اذهب بنا نلعب فقال: أللعب خلقنا، اذهبوا نصلي فهو قوله تعالى: {وَءاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } والظاهر أن الحكم على هذا بمعنى الحكمة، وقيل: هي بمعنى العقل، وقيل معرفة آداب الخدمة، وقيل الفراسة الصادقة وقيل النبوة وعليه كثير قالوا: أوتيها وهو ابن سبع سنين أو ابن ثلاث أو ابن سنتين ولم ينبأ أكثر الأنبياء عليهم السلام قبل الأربعين، والجملة عطف على قلنا المقدر.

ابن عاشور

تفسير : مقول قول محذوف، بقرينة أن هذا الكلام خطاب ليحيى، فلا محالة أنه صادر من قائل، ولا يناسب إلاّ أن يكون قولاً من الله تعالى، وهو انتقال من البشارة به إلى نبوءته. والأظهر أنّ هذا من إخبار القرآن للأمة لا من حكاية ما قيل لزكرياء. فهذا ابتداء ذكر فضائل يحيى. وطوي ما بين ذلك لعدم تعلق الغرض به. والسياق يدلّ عليه. والتقدير: قلنا يا يحيى خذ الكتاب. والكتاب: التوراة لا محالة، إذ لم يكن ليحيى كتاب منزّل عليه. والأخذ: مستعار للتفهم والتدبر، كما يقال: أخذت العلم عن فلان، لأنّ المعتني بالشيء يشبه الآخذ. والقوة: المراد بها قوّة معنوية، وهي العزيمة والثّبات. والباء للملابسة، أي أخذا ملابساً للثبات على الكتاب، أي على العمل به وحَمْل الأمّة على اتباعه، فقد أخذ الوهن يتطرق إلى الأمة اليهودية في العمل بدينها. و {ءَاتيناه} عطف على جملة القول المحذوفة، أي قلنا: يا يحيى خذ الكتاب وآتيناه الحكم. والحُكم: اسم للحكمة. وقد تقدم معناها في قوله تعالى: {أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} تفسير : في سورة البقرة (269). والمراد بها النّبوءة، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً}تفسير : في سورة يوسف (22)، فيكون هذا خصوصية ليحيى أن أوتي النبوءة في حال صباه. وقيل: الحكم هو الحكمة والفهم. و {صَبِيّاً} حال من الضمير المنصوب في {وءَاتينٰه}. وهذا يقتضي أن الله أعطاه استقامة الفكر وإدراك الحقائق في حال الصبا على غير المعتاد، كما أعطى نبيئه محمداً صلى الله عليه وسلم الاستقامة وإصابة الرأي في صباه. ويبعد أن يكون يحيى أُعطي النبوءة وهو صبي، لأن النبوءة رتبة عظيمة فإنما تعطى عند بلوغ الأشُدّ. واتفق العلماء على أن يحيى أعطِي النبوءة قبل بلوغ الأربعين سنة بكثير. ولعل الله لما أراد أن يكون شهيداً في مقتبل عمره باكره بالنبوءة. والحَنان: الشفقة. ومن صفات الله تعالى الحنان. ومن كلام العرب: حنانيك، أي حناناً منك بعد حنان. وجُعل حنان يحيى من لَدن الله إشارة إلى أنه متجاوز المعتاد بين الناس. والزكاة: زكاة النفس ونقاؤها من الخبائث، كما في قوله تعالى: {أية : فقل هل لك إلى أن تزكى}تفسير : [النازعات:18] أو أُريد بها البركة. وتقي: فعيل بمعنى مُفعل، من اتّقى إذا اتّصف بالتقوى، وهي تجنب ما يخالف الدّين. وجيء في وصفه بالتقوى بفعل {كَانَ تَقِيّاً} للدلالة على تمكنه من الوصف. وكذلك عطف بروره بوالديه على كونه تقياً للدّلالة على تمكنه من هذا الوصف. والبرور: الإكرام والسعي في الطاعة. والبَرّ ــــ بفتح الباء ــــ وصف على وزن المصدر، فالوصف به مبالغة. وأما البِر ــــ بكسر الباء ــــ فهو اسم مصدر لعدم جريه على القياس. والجبّار: المستخف بحقوق الناس، كأنه مشتق من الجبر، وهو القسر والغصب. لأنّه يغصب حقوق النّاس. والعصيّ: فعيل من أمثلة المبالغة، أي شديد العصيان، والمبالغة منصرفة إلى النفي لا إلى المنفيّ. أي لم يكن عاصياً بالمرة.

الشنقيطي

تفسير : اعلم أولاً - أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكرشيء مع بعض صفاته وله صفات أخر مذكورة في موضع آخر، فإنا نبينها. وقد مر فيه أمثلة كثيرة من ذلك، وأكثرها في الموصوفات من أسماء الأجناس لا الأعلام، وربما ذكرنا ذلك في صفات الأعلام كما هنا - فإذا علمت ذلك - فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة بعض صفات يحيى، وقد ذكر شيئاً من صفاته أيضاً في غير هذا الموضع. وسنبين إن شاء الله المراد بالمذكور منها هنا، والمذكور في غير هذا الموضع. اعلم أنه هنا وصفه بأنه قال له {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} ووصفه بقوله {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ} إلى قوله {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً}. فقوله {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ} مقول قول محذوف. أي وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة. والكتاب: التوراة. أي خذ التوراة بقوة. أي بجد واجتهاد، وذلك بتفهم المعنى أولاً حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم يعمل به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه، ويتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات العمل به. وعامة المفسرين على أن المراد بالكتاب هنا: التوراة. وحكى غير واحد عليه الإجماع. وقيل: هو كتاب أنزل على يحيى، وقيل: هو اسم جنس يشمل الكتب المتقدمه. وقيل: هو صحف إبراهيم. والأظهر قول الجمهور: إنه التوراة كما قدمنا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ} أي أعطيناه الحكم، وللعلماء في المراد بالحكم أقوال متقاربة، مرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الله أعطاه الفهم في الكتاب. أي إدراك ما فيه والعمل به في حال كونه صبياً. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} أي الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير والإكباب عليه، والاجتهاد فيه - وهو صغير حدث. قال عبد الله بن المبارك قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا! فلهذا أنزل الله {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً}. وقال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم بكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال. وقد حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا عبدالله بن المبارك قال: أخبرني معمر ولم يذكره عن أحد في هذه الآية "وآتيناه الحكم صبياً" قال بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب. فقال: ما للعب خلقنا، فأنزل الله {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} وقال الزمخشري في الكشاف {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ} أي الحكمة، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد تفسير : وقال أبو حيان في البحر في تفسير هذه الآية: والحكم النبوة، أو حكم الكتاب، أو الحكمة، أو العلم بالأحكام. أو اللب وهو العقل، أو آداب الخدمة، أو الفراسة الصادقة. أقوال: قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي - هو أن الحكم يعلم النافع والعمل به، وذلك بفهم الكتاب السماوي فهماً صحيحاً، والعمل به حقاً، فإن هذا يشمل جميع أقوال العلماء في الآية الكريمة. وأصل معنى "الحكم" المنع، والعلم النافع. والعمل به يمنع الأقوال والأفعال من الخلل والفساد والنقصان. وقوله تعالى: {صبياً} أي لم يبلغ، وهو الظاهر. وقيل: صبياً أي شاباً لم يبلغ سن الكهولة - ذكره أبو حيان وغيره، والظاهر الأول. قيل ابن ثلاث سنين، وقيل ابن سبع، وقيل ابن سنتين. والله أعلم. وقوله في هذه الآية الكريمة {وحناناً} معطوف على {الحكم} أي وآتيناه حناناً من لدنا. والحنان: هوما جبل عليه من الرحمة، والعطف والشفقة. وإطلاق الحنان على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب، ومنه قولهم: حنانك وحنانيك يا رب، بمعنى رحمتك. ومن هذا المعنى قول امرىء القيس: شعر : أبنت الحارث الملك بن عمرو له ملك العراق إلى عمان ويمنحها بنو شمجي بن جرم معيزهم حنانك ذا الحنان تفسير : يعني رحمتك يا رحمن. وقول طرفة بن العبد: شعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض تفسير : وقول منذر بن درهم الكلبي: شعر : وأحدث عهد من أمينة نظرة على جانب العلياء إذ أنا واقف فقالت حنان ما أتى بك ها هنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف تفسير : فقوله "حنان" أي أمري حنان. أي رحمة لك، وعطف وشفقة عليك وقول الحطيئة أو غيره: شعر : تحن على هداك المليك فإن لكل مقام مقالا تفسير : وقوله تعالى: {من لدنا} أي من عندنا، وأصح التفسيرات في قوله "وزكاةً" أنه معطوف على ما قبله أي أو أعطيناه زكاة، أي طهارة من أدران الذنوب والمعاصي بالطاعة، والتقرب إلى الله بما يرضيه: وقد قدمنا في سورة "الكهف" الآيات الدالة على إطلاق الزكاة في القرآن بمعنى الطهارة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية "وزكاةً" الزكاة: التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير. أي جعلناه مباركاً للناس يهديهم. وقيل المعنى: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكي الشهود إنساناً. وقيل "زكاةً" صدقة على أبويه. قاله ابن قتيبة - انتهى كلام القرطبي. وهو خلاف التحقيق في معنى الآية. والتحقيق فيه إن شاء الله هو ما ذكرنا، من أن المعنى: وأعطيناه زكاة أي طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي الله تعالى. وقول من قال من العلماء: بأن المراد بالزكاة في الآية العمل الصالح، راجع إلى ما ذكرنا لأن العمل الصالح هو الذي به الطهارة من الذنوب والمعاصي. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وكان تقياً} أي ممتثلاً لأوامر ربه مجتنباً كل ما نهى عنه. ولذا لم يعمل خطيئة قط، ولم يلم بها، قاله القرطبي وغيره عن قتادة وغيره. وفي نحو ذلك أحاديث مرفوعة، والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعاً، إما بانقطاع، وإما بعنعنة مدلس: وإما بضعف راو، كما أشار له ابن كثير وغيره. وقد قدمنا معنى "التقوى" مراراً وأصل مادتها في اللغة العربية. وقوله تعالى: {وبراً بوالديه} البر بالفتح هو فاعل البر - بالكسر - كثيراً أي وجعلناه كثير البر بوالديه، أي محسناً إليهما، لطيفاً بهما، لين الجانب لهما. وقوله "وبراً" معطوف على قوله "تقياً"، وقوله "ولم يكن جباراً عصياً" أي لم يكن مستكبراً عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان مطيعاً لله، متواضعاً لوالديه، قاله ابن جرير. والجبار: هو كثير الجبر، أي القهر للناس، والظلم لهم. وكل متكبر على الناس يظلمهم: فهو جبار. وقد أطلق في القرآن على شديد البطش في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}تفسير : [الشعراء: 130] وعلى من يتكرر منه القتل في قوله: {أية : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص:19] الآية. والظاهر أن قوله: "عصياً" فعول قلبت فيه الواو ياء وأدغمت في الياء على القاعدة التصريفية المشهورة: التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله: شعر : إن يسكن السابق من واو ويا واتصلا ومن عروض عريا فياء الواو اقلبن مدغماً وشذ معطى غير ما قد رسما تفسير : فأصل "عصياً" على هذا "عصوياً" كصبور، أي كثير العصيان. ويحتمل أن يكون أصله فعيلاً وهي من صيغ المبالغة أيضاً، قاله أبو حيان في البحر. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} قال ابن جرير: وسلام عليه أي أمان له. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف من الأمان، لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة، وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول - انتهى كلام ابن عطية بواسطة نقل القرطبي في تفسير هذه الآية، ومرجع القولين إلى شيء واحد، لأن معنى سلام، التحية، الأمان، والسلامة مما يكره. وقول من قال: هو الأمان. يعني أن ذلك الأمان من الله. والتحية من الله معناها الأمان والسلامة مما يكره. والظاهر المتبادر أن قوله {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} تحية من الله ليحيى ومعناها الأمان والسلامة وقوله: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ} مبتدأ، وسوغ الابتداء به وهو نكرة أنه في معنى الدعاء، وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته، ووقت موته، ووقت بعثه، في قوله {يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ} الآية، لأنها أوحش من غيرها. قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم. ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه فيها. رواه عنه ابن جرير وغيره. وذكر ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية بإسناده عن الحسن رحمه الله قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال الآخر: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني، سلمت على نفسي وسلم الله عليك. وقد نقل القرطبي هذا الكلام الذي رواه ابن جرير عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. ثم قال: انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم - فضل عيسى بأن قال إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكي في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه، قال ابن عطية: ولكل وجه. انتهى كلام القرطبي. والظاهر أن سلام الله على يحيى في قوله {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} الآية أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}تفسير : [مريم: 33] كما هو ظاهر. تنبيه الفتحة في قوله: {يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} يحتمل أن تكون في الظروف الثلاثة فتحة إعراب نصباً على الظرفية. ويحتمل أن تكون فتحة بناء لجواز البناء في نحو ذلك، والأجود أن تكون فتحة "يوم ولد" فتحة بناء، وفتحة {وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ} فتحة نصب، لأن بناء ما قبل الفعل الماضي أجود من إعرابه وإعراب ما قبل المضارع، والجملة الاسمية أجود عن بنائه، كما عقده في الخلاصة بقوله: شعر : وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدأ أعرب ومن بنى فلن يفندا تفسير : والأحوال في مثل هذا أربعة: الأول أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني بناء أصلياً وهو الماضي، كقول نابغة ذبيان: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت ألما أصح والشيب وازع تفسير : فبناء الظرف في مثل ذلك أجود، وإعرابه جائز. الثاني - أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني بناء عاوضاً، كالمضارع المبني لاتصاله بنون النسوة. كقول الآخر: شعر : لأجتذبن منهن قلبي تحلما على حين يستصبين كل حليم تفسير : وحكم هذا كما قبله. الثالث - أن يضاف إلى جملة فعلية فعلها معرب. كقول أبي صخر الهذلي: شعر : إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر تفسير : فإعراب مثل هذا أجود، وبناؤه جائز. الرابع - أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة اسمية. كقول الشاعر: شعر : ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرام قليل تفسير : وقول الآخر: شعر : تذكر ما تذكر من سليمى على حين التواصل غير دان تفسير : وحكم هذا كما قبله. واعلم أن هذه الأوجه إنما هي في الظرف المبهم الماضي. وأما إن كان الظرف المبهم مستقبل المعنى، كقوله: {وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ} فإنه لا يضاف إلا إلى الجمل الفعلية دون الاسمية. فتكون فيه الأوجه الثلاثة المذكورة دون الرابع. وأجاز ابن مالك إضافته إلى الجملة الاسمية بقلة، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ}تفسير : [الذاريات: 13] وقول سواد بن قارب: شعر : وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب تفسير : لأن الظرف في الآية والبيت المذكورين مستقبل لا ماض. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} قال أبو حيان: فيه تنبيه على كونه من الشهداء، لقوله تعالى فيهم: {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169]. قال مقيده عفا الله عنه: وجه هذا الاستنباط أن الحال قيد لعاملها، وصف لصاحبها. وعليه فبعثه مقيد بكونه حياً، وتلك حياة الشهداء، وليس بظاهر كل الظهور. والله تعالى أعلم. هذا هو حاصل ما ذكره الله تعالى في هذه السورة الكريمة من صفات يحيى، وذكر بعض صفاته في غير هذا الموضع، كقوله في "آل عمران": {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [آل عمران: 39] ومعنى كونه {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّه} أنه مصدق بعيسى، وإنما قيل لعيسى كلمة لأن الله أوجده بكلمة هي قوله "كن" فكان، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ}تفسير : [النساء: 171] الآية. وقال: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ}تفسير : [آل عمران: 45] الآية. وهذا هو قول جمهور المفسرين في معنى قوله تعالى: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّه} وقيل: المراد بكلمة الكتاب، أي مصدقاً بكتاب الله. والكلمة في القرآن تطلق على الكلام المفيد، كقوله: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الأعراف: 137]، وقوله: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}تفسير : [الأنعام: 115]، وقوله: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا}تفسير : [المؤمنون:100] إلى غير ذلك من الآيات، وباقي الأقوال: تركناه لظهور ضعفه. والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا. وقوله "وسيداً" وزن السيد بالميزان الصرفي فيعل وأصل مادته (س و د) سكنت ياء الفعيل الزائدة قبل الواو التي هي في موضع العين، فأبدلت الواو ياء عن القاعدة التصريفية المشار لها بقوله في الخلاصة: شعر : إن يسكن السابق من واو ويا تفسير : البيتين المتقدمين آنفاً. وأصله من السواد وهو الخلق الكثير. فالسيد من يطيعه، ويتبعه سواد كثير من الناس. والدليل على أن عين المادة واو أنك تقول فيه: ساد يسود بالواو، وتقول سودوه إذا جعلوه سيداً. والتضعيف يرد العين إلى أصلها، ومنه قول عامر بن الطفيل العامري: شعر : وإني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب تفسير : وقال الآخر: شعر : وإن بقوم سودوك لحاجة إلى سيد لو يظفرون بسيد تفسير : وشهرة مثل ذلك تكفي عن بيانه. والآية فيها دليل على إطلاق السيد على من ساد من الناس، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن بن علي رضي الله عنهما "إن ابني هذا سيد"تفسير : الحديث. "حديث : وأنه صلى الله عليه وسلم لما جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه للحكم في بني قريظة قال صلى الله عليه وسلم: "قوموا لسيدكم" تفسير : والتحقيق في معنى قوله "حصوراً" أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلاً منه، وانقطاعاً لعبادة الله. وكان ذلك جائزاً في شرعه. وأما سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم فهي التزوج وعدم التبتل. أما قول من قال: إن الحصور فعول بمعنى مفعول وأنه محصور عن النساء لأنه عنين لا يقدر على إتيانهن - فليس بصحيح، لأن العنة عيب ونقص في الرجال، وليست من فعله حتى يثنى عليه بها. فالصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا، واختاره غير واحد من العلماء. وقول من قال: إن الحصور هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر كما قال الأخطل: شعر : وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار تفسير : قول ليس بالصواب في معنى الآية. بل معناها هو ما ذكرنا وإن كان إطلاق الحصور على ذلك صحيحاً لغة. وقوله "ونبيئاً" على قراءة نافع بالهمزة معناه واضح، وهو فعيل بمعنى مفعول، من النبأ وهو الخبر الذي له شأن، لأن الوحي خبر له شأن يخبره الله به. وعلى قراءة الجمهور بالياء المشددة فقال بعض العلماء: معناه كمعنى قراءة نافع، إلا أن الهمزة أبدلت ياء وأدغمت فيها للياء التي قبلها. وعلى هذا فهو كالقراءتين السبعيتين في قوله {أية : إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 37] بالهمزة وتشديد الياء. وقال بعض العلماء: هو على قراءة الجمهور من النبوة بمعنى الارتفاع لرفعة النَّبي وشرفه. والصالحون: هم الذين صلحت عقائدهم، وأعمالهم.وأقوالهم، ونياتهم، والصلاح ضد الفساد. وقد وصف الله تعالى يحيى بالصلاح مع من وصف بذلك من الأنبياء في سورة "الأنعام" في قوله: {أية : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الأنعام: 85].

القطان

تفسير : الكتاب: التوراة. بقوة: بجد واجتهاد. الحُكم: الحكمة والمعرفة. حنانا: عطفا على الناس. وزكاة: طهارة من الذنوب. وبرا بوالديه: كثير الاحسان اليهما. ولم يكن جبارا عصيّا: لم يكن متكبرا متعاليا مخالفا لما أُمر به. ثم ناداه الله: يا يحيى، خذ التوراةَ واعمل بجدٍّ واجتهاد وعزم، وآتاه الحكمةَ والعلم منذ صباه، ونشأ على التقوى. وقد جَعَلَه الله ذا حنانٍ وشفقة على الناس، وطهارة نفس، وكان تقيا. كما جعلَه كثير البِرّ بوالديه والإحسان اليهما والى الناس، ولم يجعله متجبّرا عليهم، ولا عاصياً لله. ثم ذكر سبحانه جزاء يحيى على ما قدّم من عمل صالح وأسلف من طاعةِ ربه فقال: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ.... } وتحيةٌ من الله عليه، وأمانٌ له يوم موته، ويوم يُبعث يوم القيامة حيا. في هذه المواطن الثلاثة يكون العبدُ أحوجَ ما يكون للرحمة والأمان. ذلك هو يحيى الذي اعطاه الله الحكم صبيا، واستجاب دعاء ابيه زكريّا ووهبه ذلك الغلام الطاهر.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰيَحْيَىٰ} {ٱلْكِتَابَ} {وَآتَيْنَاهُ} (12) - وَوُلِدَ لِزَكَرِيّا ابْنُهُ يَحْيَى، وَأَصْبَحَ صَبِيّاً، فَنَادَاهُ الرَّبُّ قَائِلاً: يَا يَحْيَى تَعْلَّمِ التَّوْرَاةَ (خُذِ الكِتَابَ) وَاعْمَلْ بِمَا فِيهَا بِجِدِّ وَاجْتِهَادٍ. وَآتَاهُ اللهُ الفَهْمَ وَالعِلْمَ وَالْجِدّ وَالعَزْمَ، وَالإِقْبَالَ عَلَى الخَيْرِ، وَالاجْتِهَادَ فِيهِ وَهُوَ حَدَثٌ صَغِيرُ السِّنِّ. الحُكْمَ - فَهْم التَّوْرَاةِ وَالعِلْمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ أن الآية الكريمة انتقلتْ بنا نَقْلة واسعة، وطوَتْ فترة طويلة من حياة يحيى - عليه السلام - فقد كان السياق يتحدث عنه وهو بُشْرى لوالده، وهو ما يزال في بطن أمه جنيناً، وفجأة يخاطبه وكأنه أصبح أمراً واقعاً: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ..} [مريم: 12] فقد بلغ مبلغ النُّضْج، وأصبح أهْلاً لحمْل مهمة الدعوة، إذن: المسألة مأخوذة مأخَذ الجدِّ، وهي حقيقة واقعة. وقوله: {خُذِ ٱلْكِتَابَ ..} [مريم: 12] أي: التوراة، وفيها منهج الله الذي يُنظِّم لهم حركة حياتهم {بِقُوَّةٍ ..} [مريم: 12] أي: بإخلاص في حِفْظه وحِرْص على العمل به؛ لأن العلم السماوي والمنهج الإلهي الذي جاءكم في التوراة ليس المراد أن تعلمه فقط بل وتعمل به. وإلا فقد قال تعالى في بني إسرائيل: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ..}تفسير : [الجمعة: 5] فقد حَمَّلهم الله التوراة، فلم يحملوها ولم يعملوا بها. والقوة: هي الطاقة الفاعلة التي تدير دولاب الحياة حركةً وسكوناً، وخُذْ مثلاً سفينة الفضاء التي تنطلق إلى الفضاء الخارجي، وتظل تدور فيه عدة سنوات وتتساءل: من أين لها بالوقود الذي يُحرّكها طوال هذه المدة؟ والحقيقة أنها لا تحتاج :إلى وقود إلا بمقدار ما يُخرِجها من مدار الجاذبية الأرضية، فإذا ما خرجت من نطاق الجاذبية وهي متحركة تظل متحركة ولا تتوقف إلا بقوة توقفها، وكذلك الساكن يظل ساكناً إلى أنْ تأتيَ قوة تحركه. إذن: القوة إمّا أنْ تُحرِّك الساكن أو تُسْكِن المتحرك وتصده، ومن ذلك ما نراه في السكك الحديدية من مصدَّات تُوقِف القطارات؛ لأنك إنْ أردتَ أن توقف القطار تمنع عنه الوقود، لكن يظل به قوة دفع تحركه تحتاج إلى قوة معاكسة توقفه، وهذا ما يسمونه قانون العطالة. يعني: إن كان الشيء متحركاً فيحتاج إلى قوة توقفه، وإن كان ساكناً يحتاج إلى قوة تحركه. ومن ذلك قانون القصور الذاتي الذي تعلمناه في المدارس، وتلاحظه إذا تحركتْ بك السيارة تجد أن جسمك يندفع للخلف؛ لأنها تحركتْ للأمام وأنت ساكن، فإنْ توقفتْ السيارة تحرَّك جسمك للأمام لأنها توقفت وأنت متحرك. إذن: هذه الأشياء التي تتحرك في الكون أو الساكنة نتيجة قوة. فقوله تعالى: {خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ..} [مريم: 12] لأن الكتاب فيه أوامر وفيه نَوَاهٍ، يأمر بالخير وينهاك عن الشر، فإنْ أمركَ بالخير وأنت لا تفعله تحتاج إلى قوة دَفْع تدفعك إلى الخير، وكأنك كنتَ ساكناً تحتاج إلى قوة تحركك، وإنْ نهاك عن الشر وأنت تفعله فأنت في حاجة إلى قوة تمنعك وتوقف حركتك في الشر. والمنهج هو هذه القوة التي تُحرِّكك إلى الخير وأنت ساكن، وتُسكنك عن الشر وأنت متحرك. ثم يقول تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} [مريم: 12] الحكم: العلم والفهم للتوراة، أو الطاعة والعبادة، {صَبِيّاً} [مريم: 12] في سِنٍّ مبكرة؛ لأن المسألة عطاء من الله لا يخضع للأسباب، فجاء يحيى عليه السلام مُبكِّر النضج والذكاء، يفوق أقرانه، ويسبق زمانه، وقد أُثِر عنه وهو صغير أنْ دعاه أقرانه للعب فقال لهم: "حديث : ما للعب خُلِقْنا ". تفسير : ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} معناه اللُّبُّ. وقال: الفُرقانُ.

الجيلاني

تفسير : ثم لما أومأ سوينا خلقة يحيى، وأخرجناه من بطن أمه صحيحاً سوياً، قلنا له تربية وتكريما: {يٰيَحْيَىٰ} الموهوب من لدنا المؤيد من عندنا {خُذِ ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة واشرع في ضبطها وحفظها {بِقُوَّةٍ} أي: بِنِيّةٍ خالصةٍ وعزيمةٍ صحيحةٍ {وَ} إنما أمرناه بحفظها وضبطها؛ إذ {آتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ} يعني: الحكمة المندرجة فيها، وأعطينا فهمها واستنباط الأحكام منها حال كونه {صَبِيّاً} [مريم: 12] لم يبلغ الحلم. {وَ} إنما آتيناه وأعطيناه في حال صغره فهم التوراة {حَنَاناً} ترحماً وتعطفاً ناشئاً {مِّن لَّدُنَّا} تكريماً له ولأبيه {وَ} لهذا أيضاً أعطيناه {زَكَاةً} طهارةً عن الخبائث والآثام كلها {وَ} لذلك {كَانَ} مدة حياته من أوان صباه إلى موته {تَقِيّاً} [مريم: 13] حَذِراً عن المناهي والمنكرات، خائفاً عن المعاصي والمحظورات. {وَ} لنجابة طينته ألقينا في قلبه {بَرّاً} وإحساناً {بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن} في جميع أوقاته وحالاته {جَبَّاراً} عاقاً لهما مستكبراً عن أمرهما {عَصِيّاً} [مريم: 14] تاركاً حكمهما وأمرهما. {وَ} لسلامته عن جميع الآثام وطهارته عن جميع الخبائث والمعاصي {سَلاَمٌ عَلَيْهِ} أي: تحيةُ وتكريمُ وحفظُ وتسليمُ نازلُ عليه على الدوام {يَوْمَ وُلِدَ} نحفظه من الشيطان {وَيَوْمَ يَمُوتُ} نحفظه من زوال الإيمان {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} [مريم: 15] نصونه عن الخيبة والخسران ولحوق الحسرة والخذلان. {وَٱذْكُرْ} يا أكمل الرسل {فِي ٱلْكِتَابِ} أي: القرآن المنزل إليك سيد النساء {مَرْيَمَ} أي: قصتها، وحالتها العجيبة الشأن التي هي أغرب وأعجب من قصة زكريا، واذكر وقت {إِذِ ٱنتَبَذَتْ} أي: اعتزلت وتباعدت {مِنْ أَهْلِهَا} حين حاضت وطهرت وأرادت الاغتسال على مقتضى طهارتها الفطرية ونجابتها الجبلية، فاختارت للخلوة والتستر {مَكَاناً شَرْقِياً} [مريم: 16] أي: في مشرق بيت المقدس، ومع كونه مكاناً بعيداً خالياً عن الناس. {فَٱتَّخَذَتْ} وسدلت لكمال الاحتياط والانحفاظ {مِن دُونِهِم حِجَاباً} يسترها، ويحفظها عن أعين الناس إن وصلوا بغتة، لم لم تجردت عن لباسها واشتغلت؛ لأن تغتسل {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} أي: حامل روحنا وهو جبرائيل عليه السلام إظهاراً لقدرتنا وحكمتنا، وإنفاذاً لحُكمنا الذي حكمنا به في سابق علمنا {فَتَمَثَّلَ لَهَا} جبرائيل عليه السلام {بَشَراً سَوِيّاً} [مريم: 17] صحيحاً صبيحاً أمردَ قططاً مجعدَ الشعر لئلا تستوحض، ومع ذلك استوحشت وارتهبت رهبةً شديدةً، ومن غاية خوفها منه واضطرابها {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ} وألوذ {بِٱلرَّحْمَـٰنِ} الذي كفى لحفظ عباده عن مطلق الشذوذ سيما {مِنكَ} أي: من شرِّك ومن شرِّ أمثالك فامتنع أنت بنفسك عني {إِن كُنتَ تَقِيّاً} [مريم: 18] خائفاً عن الله، حذراً عن بطشه وانتقامه. ثم لما رأى جبريل عليه لسلام من كمال عفتها وعصمتها ما رأى: {قَالَ} مستحيياً معتذارً: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ} أرسلني إليك {لأَهَبَ لَكِ} بإذن الله إياي وأمره {غُلاَماً زَكِيّاً} [مريم: 19] طاهراً عن جميع الرذائل والآثام، مترقياً في فنوف الفضائل والكمالات إلى أقصى النهايات، مظهِراً لأنواع المعجزات والكمالات والكرامات، وأصناف الإرهاصات الخارقة للعادات. ثم لما سمعت عليها لسلام مقالته، وتفطنت بنور الولاية أنه من قبل الله {قَالَتْ} مستعجبةً مشتكيةً مستحيةً: {أَنَّىٰ} أي: من أين {لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} لم يجرِ عليّ أسبابه؛ إذ {يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَ} بالنكاح مساسَ مواقعةٍ موجبةً للجمل والحبل {وَلَمْ أَكُ} في مدة حياتي عاصيةً لله فاسقةً خارجةً عن مقتضى حدوده لأكون {بَغِيّاً} [مريم: 20] فاحشةً زانيةً يلد مني ولد الزنا. {قَالَ} جبرائيل عليه السلام: {كَذٰلِكَ} جرى حكم ربك، وأمضى عليه في سابق قضائه لا تستبعدي ولا تستعسري؛ إذ {قَالَ رَبُّكِ} الذي ربَّاك على العصمة والعفاف {هُوَ} أي: هبة الولد لك بلا مساس البشر، وسبق الأسباب العادية {عَلَيَّ هَيِّنٌ} سهلُ يسيرُ؛ إذ لا يعسر علينا شيء، ولا يعجز عن قدرتنا مقدورُ، بل إذا أردناه نقول له: كن فيكون بلا سبق سببٍ وعلةٍ، {وَ} إنما نظهره ونوجده {لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} دالةً على كمال قدرتنا وبدائع صنعنا وحكمتنا {وَرَحْمَةً} نازلةً {مِّنَّا} على عبادتنا سيما عليك يا مريم {وَكَانَ} خلق عيسى ظهورهُ بلا أب في العالم، وعروجه إلى السماء {أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم: 21] كائناً مثبتاً في لوح قضائنا وحضرة علمنا. ثم لما سمعت ما سمعت نفخ جبرائيل عليه السلام في درعها، فوصل أثرها إلى جوفها فحبلت: {فَحَمَلَتْهُ} أي: صارت حاملةً بعيسى فجأةً وكبر في بطنها في الساعة، وبعدما ظهر عليها من أمارات الطَّلق ما ظهر {فَٱنْتَبَذَتْ} واعتزلت وتباعدت منفردةً {بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} [مريم: 22] بعيداً عن العمران استحياءً من أهلها، ومن لوم الناس إياها وتعييرهم عليها بولادتها بلا زوج. {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ} وظهر أمارة الولادة، فألجأها التشبث {إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} اليابسة؛ لتعتمد عليها عند الولادة، وتُستر بها عن الناس {قَالَتْ} حينئذ من شدة حزنها وكآبتها، ووفور ضجرتها من ألم الملامة والفضاحة متيمنةً موتها: {يٰلَيْتَنِي مِتُّ} وعُدمت {قَبْلَ هَـٰذَا} اللوم والفضيحة {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} [مريم: 23] متروكاً معدوماً لا التفات لأحدٍ إليّ أصلاً. ثم لما وضعت حملها واشتد الألم عليها {فَنَادَاهَا} أي: نادى الوليدُ أمه {مِن تَحْتِهَآ} بإلهام الله إياه وتنشيطاً: {أَلاَّ تَحْزَنِي} يا أمي، ولا يشتد عليك الأ/ر بواسطة ولادتي وظهوري بلا أبٍ، واعلمي {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ} ولداً {سَرِيّاً} [مريم: 24] سيداً مطيعاً نقياً سجياً سخياً ذا إرهاصاتٍ وكراماتٍ، من جملتها: إنه ظهر لك من تحت رجلك نهراً جارياً لدفع عطشك وتطهير الفضلات عن بدنك وثيابك. {وَ} لدفع جوعك {هُزِّىۤ إِلَيْكِ} أي: حرِّكي إلى نفسك حين أخذت {بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} التي في جنبك {تُسَاقِطْ} أي: تتساقط منها ثمارها {عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 25] بالغاً في النضج غايته، وحان وقت اجتنابه. قيل: كانت النخلة يابسة لا رأس لها، والوقت وقت الشتاء، فتغصنت في تلك الحالة، وأثمرت ونضجت ثمارها كرامةً لعيسى وإرهاصاً لأمه صلوات الرحمن عليهما.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : دل الكلام السابق على ولادة يحيى، وشبابه، وتربيته، فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة، فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب، فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة، ما لا يوجد في غيره ولهذا قال: { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } أي: معرفة أحكام الله والحكم بها، وهو في حال صغره وصباه. { و } آتيناه أيضا { حَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } أي: رحمة ورأفة، تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله، واستقامت بها أفعاله. { وَزَكَاةً } أي: طهارة من الآفات والذنوب، فطهر قلبه وتزكى عقله، وذلك يتضمن زوال الأوصاف المذمومة، والأخلاق الرديئة، وزيادة الأخلاق الحسنة، والأوصاف المحمودة، ولهذا قال: { وَكَانَ تَقِيًّا } أي: فاعلا للمأمور، تاركا للمحظور، ومن كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، وكان من أهل الجنة التي أعدت للمتقين، وحصل له من الثواب الدنيوي والأخروي، ما رتبه الله على التقوى. { و } كان أيضا { بَرًّا بِوَالِدَيْهِ } أي: لم يكن عاقا، ولا مسيئا إلى أبويه، بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل. { وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا } أي: لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله، ولا مترفعا على عباد الله، ولا على والديه، بل كان متواضعا، متذللا مطيعا، أوابا لله على الدوام، فجمع بين القيام بحق الله، وحق خلقه، ولهذا حصلت له السلامة من الله، في جميع أحواله، مبادئها وعواقبها، فلذا قال: { وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا } وذلك يقتضي سلامته من الشيطان، والشر، والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال، ومن أهل دار السلام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر المرسلين، وجعلنا من أتباعهم، إنه جواد كريم.

همام الصنعاني

تفسير : 1743- قالَ عبد الرزاق: وسمعت معمراً يقول: قال الصبيان ليحيى: اذهب بنا نلعب فقال: ما للعب خلقت. قال فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} [الآية: 12].