Verse. 2266 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

وَاذْكُرْ فِى الْكِتٰبِ مَرْيَمَ۝۰ۘ اِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ اَہْلِہَا مَكَانًا شَرْقِيًّا۝۱۶ۙ
Waothkur fee alkitabi maryama ithi intabathat min ahliha makanan sharqiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واذكر في الكتاب» القرآن «مريم» أي: خبرها «إذ» حين «انتبذت من أهلها مكانا شرقيا» أي: اعتزلت في مكان نحو الشرق من الدار.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذ بدل من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقت هذا الوقوع لهذه القصة العجيبة فيه. المسألة الثانية: النبذ أصله الطرح والإلقاء والانتباذ افتعال منه ومنه: { أية : فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 187] وانتبذت تنحت يقال جلس نبذة من الناس ونبذة بضم النون وفتحها أي ناحية وهذا إذا جلس قريباً منك حتى لو نبذت إليه شيئاً وصل إليه ونبذت الشيء رميته ومنه النبيذ لأنه يطرح في الإناء وأصله منبوذ فصرف إلى فعيل ومنه قيل للقيط منبوذ لأنه يرمى به ومنه النهي عن المنابذة في البيع وهو أن يقول: إذا نبذت إليك هذا الثوب أو الحصاة فقد وجب البيع إذ عرفت هذا فنقول قوله تعالى: {إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية الشرق ثم بين تعالى أنها مع ذلك اتخذت من دون أهلها حجاباً مستوراً وظاهر ذلك أنها لم تقتصر على أن انفردت إلى موضع بل جعلت بينها وبينهم حائلاً من حائط أو غيره ويحتمل أنها جعلت بين نفسها وبينهم ستراً وهذا الوجه الثاني أظهر من الأول ثم لا بد من احتجابها من أن يكون لغرض صحيح وليس مذكوراً واختلف المفسرون فيه على وجوه. الأول: أنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد للعبادة لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود فلما طهرت جاءها جبريل عليه السلام. والثاني: أنها طلبت الخلوة لئلا تشتغل عن العبادة. والثالث: قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها. والرابع: أنها كان لها في منزل زوج أختها زكرياء محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنت (على) الله (أن) تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفرج السقف لها فخرجت إلى المفازة فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك. وخامسها: عطشت فخرجت إلى المفازة لتستقي واعلم أن كل هذه الوجوه محتمل وليس في اللفظ ما يدل على ترجيح واحد منها. المسألة الثالثة: المكان الشرقي هو الذي يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقوله تعالى: {مَكَاناً شَرْقِياً } فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة. المسألة الرابعة: أنها لما جلست في ذلك المكان أرسل الله إليها الروح واختلف المفسرون في هذا الروح فقال الأكثرون: إنه جبريل عليه السلام وقال أبو مسلم إنه الروح الذي تصور في بطنها بشراً والأول أقرب لأن جبريل عليه السلام يسمى روحاً قال الله تعالى: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193 ـ 194] وسمي روحاً لأنه روحاني وقيل خلق من الروح وقيل لأن الدين يحيا به أو سماه الله تعالى بروحه على المجاز محبة له وتقريباً كما تقول لحبيبك روحي وقرأ أبو حيوة روحنا بالفتح لأنه سبب لما فيه روح العباد وإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المتقين في قوله: { أية : فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةٍ نَعِيمٍ } تفسير : [الواقعة: 88، 89] أو لأنه من المقربين وهم الموعودون بالروح أي مقربنا وذا روحنا وإذا ثبت أنه يسمى روحاً فهو هنا يجب أن يكون المراد به هو لأنه قال: { أية : إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً } تفسير : [مريم: 19] ولا يليق ذلك إلا بجبريل عليه السلام واختلفوا في أنه كيف ظهر لها. فالأول: أنه ظهر لها على صورة شاب أمرد حسن الوجه سوي الخلق. والثاني: أنه ظهر لها على صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس وكل ذلك محتمل ولا دلالة في اللفظ على التعيين ثم قال: وإنما تمثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فلو ظهر لها في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه ثم ههنا إشكالات. أحدهما: وهو أنه لو جاز أن يظهر الملك في صورة إنسان معين فحينئذ لا يمكننا القطع بأن هذا الشخص الذي أراه في الحال هو زيد الذي رأيته بالأمس لاحتمال أن الملك أو الجني تمثل في صورته وفتح هذا الباب يؤدي إلى السفسطة، لا يقال هذا إنما يجوز في زمان جواز البعثة فأما في زماننا هذا فلا يجوز لأنا نقول هذا الفرق إنما يعلم بالدليل، فالجاهل بذلك الدليل يجب أن لا يقطع بأن هذا الشخص الذي أراه الآن هو الشخص الذي رأيته بالأمس. وثانيها: أنه جاء في الأخبار أن جبريل عليه السلام شخص عظيم جداً فذلك الشخص العظيم كيف صار بدنه في مقدار جثة الإنسان أبأن تساقطت أجزاؤه وتفرقت بنيته فحينئذ لا يبقى جبريل أو بأن تداخلت أجزاؤه وذلك يوجب تداخل الأجزاء وهو محال. وثالثها: وهو أنا لو جوزنا أن يتمثل جبريل عليه السلام في صورة الآدمي فلم لا يجوز تمثله في صورة جسم أصغر من الآدمي حتى الذباب والبق والبعوض ومعلوم أن كل مذهب جر إلى ذلك فهو باطل. ورابعها: أن تجويزه يفضي إلى القدح في خبر التواتر فلعل الشخص الذي حارب يوم بدر لم يكن محمداً بل كان شخصاً آخر تشبه به وكذا القول في الكل. والجواب عن الأول أن ذلك التجويز لازم على الكل لأن من اعترف بافتقار العالم إلى الصانع المختار فقد قطع بكونه تعالى قادراً على أن يخلق شخصاً آخر مثل زيد في خلقته وتخطيطه وإذا جوزنا ذلك فقد لزم الشك في أن زيداً المشاهد الآن هو الذي شاهدناه بالأمس أم لا، ومن أنكر الصانع المختار وأسند الحوادث إلى اتصالات الكواكب وتشكلات الفلك لزمه تجويز أن يحدث اتصال غريب في الأفلاك يقتضي حدوث شخص مثل زيد في كل الأمور وحينئذ يعود التجويز المذكور. وعن الثاني: أنه لا يمتنع أن يكون جبريل عليه السلام له أجزاء أصلية وأجزاء فاضلة والأجزاء الأصلية قليلة جداً فحينئذ يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، هذا إذا جعلناه جسمانياً أما إذا جعلناه روحانياً فأي استبعاد في أن يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغير. وعن الثالث: أن أصل التجويز قائم في العقل وإنما عرف فساده بدلائل السمع وهو الجواب عن السؤال الرابع، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ} القصة إلى آخرها. هذا ابتداء قصة ليست من الأولى. والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ أي عرَّفهم قصتها ليعرفوا كمال قدرتنا. {إِذِ ٱنتَبَذَتْ} أي تنحت وتباعدت. والنبذ الطرح والرمي؛ قال الله تعالى: {أية : فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 187]. {مِنْ أَهْلِهَا} أي ممن كان معها. و«إذ» بدل من «مريم» بدل اشتمال؛ لأن الأحيان مشتملة على ما فيها. والانتباذ الاعتزال والانفراد. واختلف الناس لم انتبذت؛ فقال السدي: انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس. وقال غيره: لتعبد الله؛ وهذا حسن. وذلك أن مريم عليها السلام كانت وقفاً على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه، فتنحت من الناس لذلك، ودخلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة، فدخل عليها جبريل عليه السلام. فقوله: {مَكَاناً شَرْقِياً} أي مكاناً من جانب الشرق. والشَّرْق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس. والشَّرَق بفتح الراء الشمس. وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها؛ حكاه الطبري. وحكي عن ابن عباس أنه قال: إني لأعلم الناسِ لم اتخذ النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله عز وجل: {إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة؛ وقالوا: لو كان شيء من الأرض خيراً من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه. واختلف الناس في نبوّة مريم؛ فقيل؛ كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملَك. وقيل: لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر، ورؤيتها للملك كما رؤي جبريل في صفة دِحْية الكلبي حين سؤاله عن الإيمان والإسلام. والأول أظهر. وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفى في «آل عمران» والحمد لله. قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} قيل: هو روح عيسى عليه السلام؛ لأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فركب الروح في جسد عيسى عليه السلام الذي خلقه في بطنها. وقيل: هو جبريل وأضيف الروح إلى الله تعالى تخصيصاً وكرامة. والظاهر أنه جبريل عليه السلام؛ لقوله: {فَتَمَثَّلَ لَهَا} أي تمثل الملك لها. {بَشَراً} تفسير أو حال. {سَوِيّاً } أي مستوي الخلقة؛ لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته. ولما رأت رجلاً حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء فـ{ـقَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} أي ممن يتقي الله. البِكَاليّ: فنكص جبريل عليه السلام فزعاً من ذكر الرحمن تبارك وتعالى. الثعلبيّ: كان رجلاً صالحاً فتعوذت به تعجباً. وقيل: تقي فعيل بمعنى مفعول أي كنت ممن يُتَّقى منه. وفي البخاري قال أبو وائل: علمت مريم أن التقيّ ذو نُهْيةٍ حين قالت: «إن كنت تقيا». وقيل: تقي اسم فاجر معروف في ذلك الوقت؛ قاله وهب بن منبه؛ حكاه مكي وغيره. ابن عطية: وهو ضعيف ذاهب مع التخرص. فقال لها جبريل عليه السلام: {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ ورش عن نافع «لِيهَبَ لَكِ» على معنى أرسلني الله ليهب لك. وقيل: معنى «لأهب» بالهمز محمول على المعنى؛ أي قال: أرسلته لأهب لك. ويحتمل «ليهب» بلا همز أن يكون بمعنى المهموز ثم خففت الهمزة. فلما سمعت مريم ذلك من قوله استفهمت عن طريقه فـ{قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} أي بنكاح. {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} أي زانية. وذكرت هذا تأكيداً؛ لأن قولها لم يمسسني بشر يشمل الحلال والحرام. وقيل: ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئاً ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد؟ من قبل الزوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء؟ وروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه المقالة نفخ في جيب درعها وكمها؛ قاله ابن جريج. ابن عباس: أخذ جبريل عليه السلام رُدن قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى. قال الطبري: وزعمت النصارى أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياماً، وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين، فكان جميع عمرها نيفاً وخمسين سنة. وقوله: {وَلِنَجْعَلَهُ} متعلق بمحذوف؛ أي ونخلقه لنجعله: {آيَةً} دلالة على قدرتنا عجيبة {وَرَحْمَةً} أي لمن آمن به {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} مقدراً في اللوح مسطوراً. قوله تعالى: {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد؛ قال ابن عباس: إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال؛ وإنما بعدت فراراً من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج. قال ابن عباس: ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحال وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل. وقيل: غير ذلك على ما يأتي. قوله تعالى: {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} «أجاءَهَا» بمعنى اضطرها؛ وهو تعدية جاء بالهمز. يقال: جاء به وأجاءه إلى موضع كذا، كما يقال: ذهب به وأذهبه. وقرأ شبيل ورويت عن عاصم «فاجأها» من المفاجأة. وفي مصحف أبيّ «فلما أجاءها المخاض». وقال زهير: شعر : وَجَارٍ سَار معتمداً إلينَا أَجاءَتْهُ المخافَةُ والرَّجاءُ تفسير : وقرأ الجمهور «المخَاضُ» بفتح الميم. وابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو الطلق وشدّة الولادة وأوجاعها. مَخِضت المرأة تَمخَض مَخَاضاً ومِخَاضاً. وناقة ماخض أي دنا ولادها. «إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ» كأنها طلبت شيئاً تستند إليه وتتعلق به، كما تتعلق الحامل لشدّة وجع الطلق. والجذع ساق النخلة اليابسة في الصحراء الذي لا سعف عليه ولا غصن؛ ولهذا لم يقل إلى النخلة. {قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} تمنت مريم عليها السلام الموت من جهة الدين لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك. الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى وذلك مهلك. وعلى هذا الحدّ يكون تمني الموت جائزاً، وقد مضى هذا المعنى مبيناً في سورة «يوسف» عليه السلام. والحمد لله. قلت: وقد سمعتُ أن مريم عليها السلام سمعت نداء من يقول: اخرج يا من يُعبَد من دون الله فحزنت لذلك، و{قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً}. النِّسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل للمسافر ونحوه. وحكي عن العرب أنهم إذا أرادوا الرحيل عن منزل قالوا: احفظوا أنساءكم؛ الأنساء جمع نِسي وهو الشيء الحقير يغفل فينسى. ومنه قول الكميت رضي الله تعالى عنه:شعر : أتجعلنا جِسْراً لكلبٍ قُضَاعةٌ ولستُ بِنسْيٍ في مَعَدٍّ ولا دَخل تفسير : وقال الفراء: النّسي ما تلقيه المرأة من خِرَق اعتلالها؛ فقول مريم: «نسيا منسيا» أي حيضة ملقاة. وقرىء «نَسْياً» بفتح النون وهما لغتان مثل الحِجْر والحَجْر والوِتْر والوَتْر. وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز «نِسْئاً» بكسر النون. وقرأ نوف البِكَاليّ «نَسْئاً» بفتح النون من نسأ الله تعالى في أجله أي أخره. وحكاها أبو الفتح والدَّاني عن محمد بن كعب. وقرأ بكر بن حبيب «نَسًّا» بتشديد السين وفتح النون دون همز. وقد حكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى عليه السلام حملت أيضاً أختها بيحيـى، فجاءتها أختها زائرة فقالت: يا مريم أشعرت أنت أني حملت؟ فقالت لها: وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك؛ فذلك أنه روي أنها أحست بجنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم؛ قال السدي فذلك قوله: {أية : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [آل عمران: 39]. وذكر أيضاً من قصصها أنها خرجت فارّة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار، كان يخدم معها في المسجد وطوّل في ذلك. قال الكلبي: قيل ليوسف ـ وكانت سميت له أنها حملت من الزنى ـ فالآن يقتلها الملك، فهرب بها، فهمَّ في الطريق بقتلها، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: إنه من روح القدس؛ قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف. وهذه القصة تقتضي أنها حملت، واستمرّت حاملاً على عرف النساء، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر. قاله عكرمة؛ ولذلك قيل: لا يعيش ابن ثمانية أشهر حفظاً لخاصة عيسى. وقيل: ولدته لتسعة. وقيل: لستة. وما ذكرناه عن ابن عباس أصح وأظهر. والله أعلم. قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} قرىء بفتح الميم وكسرها. قال ابن عباس: المراد بـ«ـمن» جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها؛ وقاله علقمة والضحاك وقتادة؛ ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله تعالى فيها مراد عظيم. وقوله: {أَلاَّ تَحْزَنِي} تفسير النداء، «وأَنْ» مفسرّة بمعنى أي؛ المعنى: فلا تحزني بولادتك. {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} يعني عيسى. والسريّ من الرجال العظيم الخصال السيّد. قال الحسن: كان والله سريّا من الرجال. ويقال: سَرِي فلان على فلان أي تكرم. وفلان سريٌّ من قوم سَرَاة. وقال الجمهور: أشار لها إلى الجدول الذي كان قريب جذع النخلة. قال ابن عباس: كان ذلك نهراً قد انقطع ماؤه فأجراه الله تعالى لمريم. والنهر يسمى سَرِيًّا كأنَّ الماء يسري فيه؛ قال الشاعر: شعر : سَلْمٌ تَرَى الدَّالِيَّ منه أَزْوَرَا إذا يَعُبُّ في السَّرِيِّ هَرْهَرَا تفسير : وقال لبيد: شعر : فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا مَسْجُورَةً مُتَجَاوِراً قُلاَّمُهَا تفسير : وقيل: ناداها عيسى، وكان ذلك معجزة وآية وتسكيناً لقلبها؛ والأول أظهر. وقرأ ابن عباس «فَنَاداها ملك مِن تحتِها» قالوا: وكان جبريل عليه السلام في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها. قوله تعالى: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً. فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَهُزِّىۤ} أمرها بهزّ الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع. والباء في قوله: «بجذع» زائدة مؤكدة كما يقال: خذ بالزمام، وأعط بيدك؛ قال الله تعالى: {أية : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الحج: 15] أي فليمدد سبباً. وقيل: المعنى؛ وهزي إليك رطباً على جذع النخلة. و{تَسَّاقَطْ} أي تتساقط فأدغم التاء في السين. وقرأ حمزة «تَسَاقَطْ» مخففاً فحذف التي أدغمها غيره. وقرأ عاصم في رواية حفص «تُسَاقِطْ» بضم التاء مخففاً وكسر القاف. وقرىء «تَتَسَاقَطْ» بإظهار التاءين و«يَسَّاقَطْ» بالياء وإدغام التاء «وتُسْقِط» و«يُسْقِط» و«تَسْقُطْ» و«يَسْقط» بالتاء للنخلة وبالياء للجذع؛ فهذه تسع قراءات ذكرها الزمخشري رحمة الله تعالى عليه. «رطباً» نصب بالهز؛ أي إذا هززت الجذع هززتِ بهزه «رطباً جنيا». وعلى الجملة فـ«ـرطباً» يختلف نصبه بحسب معاني القراءات؛ فمرة يستند الفعل إلى الجذع، ومرة إلى الهزّ، ومرة إلى النخلة. «وجنيا» معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهي من جنيت الثمرة. ويروى عن ابن مسعود ـ ولا يصح ـ أنه قرأ «تساقط عليك رطباً جنياً بَرْنيًّا». وقال مجاهد: «رطباً جنِياً» قال: كانت عجوة. وقال عباس بن الفضل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله: «رطباً جنياً» فقال: لم يذو. قال وتفسيره: لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه؛ وهذا هو الصحيح. قال الفراء: الجنيّ والمجنيّ واحد؛ يذهب إلى أنهما بمنزلة القتيل والمقتول والجريح والمجروح. وقال غير الفراء: الجنيّ المقطوع من نخلة واحدة، والمأخوذ من مكان نشأته؛ وأنشدوا: شعر : وطيب ثمار في رياضٍ أرِيضةٍ وأغصان أشجارٍ جَنَاها على قُرْبِ تفسير : يريد بالجَنَى ما يجنى منها أي يقطع ويؤخذ. قال ابن عباس: كان جذعاً نخزاً فلما هزت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف، ثم اخضر فصار بلحاً ثم احمر فصار زَهْواً، ثم رطباً؛ كل ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شيء. الثانية: استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوماً؛ فإن الله تعالى قد وكَلَ ابن آدم إلى سعي مّا فيه؛ لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية، وكانت الآية تكون بألا تهز. الثالثة: الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، خلافاً لما تقوله جهال المتزهدة؛ وقد تقدم هذا المعنى والخلاف فيه. وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} تفسير : [آل عمران: 37] الآية. فلما ولدت أمرت بهزّ الجذع. قال علماؤنا: لما كان قلبها فارغاً فرغ الله جارحتها عن النصب، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه، واشتغل سرها بحديثه وأمره، وكلها إلى كسبها، وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده. وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى عليه السلام قال لها: لاتحزني؛ فقالت له: كيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذات زوج ولا مملوكة! أي شيء عذري عند الناس؟! {يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. الرابعة: قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية، ولو علم الله شيئاً هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم؛ ولذلك قالوا: التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت، وكذلك التّحنيك. وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل؛ ذكره الزمخشري. قال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى: «رطباً جنِيا» الجنيّ من التمر ما طاب من غير نَقْش ولا إفساد. والنَّقْش أن يُنقَش من أسفل البسرة حتى ترطب؛ فهذا مكروه؛ يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل وقته، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوّزاً لبيعه؛ ولا حُكْماً بطيبه. وقد مضى هذا القول في الأنعام. والحمد لله. وعن طلحة بن سليمان «جِنِيًّا» بكسر الجيم للإتباع؛ أي جعلنا لك في السريّ والرطب فائدتين: إحداهما الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر؛ لكونهما معجزتين؛ وهو (معنى) قوله تعالى: {فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} أي فكلي من الجنيّ، واشربي من السريّ، وقرّي عيناً برؤية الولد النبيّ. وقرىء بفتح القاف وهي قراءة الجمهور. وحكى الطبريّ قراءة «وَقِرِّي» بكسر القاف وهي لغة نجد. يقال: قَرَّ عيناً يَقُر ويَقِر بضم القاف وكسرها؛ وأقر الله عينه فقرّت. وهو مأخوذ من القُرّ والقِرّة وهما البَرْد. ودمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وضعّفت فرقة هذا وقالت: الدمع كله حار، فمعنى أقر الله عينه أي سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقرّ وتسكن؛ وفلان قُرة عيني؛ أي نفسي تسكن بقربه. وقال الشيباني: «وقرّي عيناً» معناه نامي؛ حضها على الأكل والشرب والنوم. قال أبو عمرو: أقرّ الله عينه أي أنام عينه، وأذهب سهره. و«عيناً» نصب على التمييز؛ كقولك: طب نفساً. والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فنقل ذلك إلى ذي العين؛ وينصب الذي كان فاعلاً في الحقيقة على التفسير. ومثله طبت نفساً، وتفقأت شحماً، وتصببت عرقاً، ومثله كثير. قوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} الأصل في تريِن تَرْأَيِينَ فحذفت الهمزة كما حذفت من ترى ونقلت فتحتها إلى الراء فصار «تريين»، ثم قلبت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الألف المنقلبة عن الياء وياء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار تَرَيْنَ، ثم حذفت النون علامة للجزم لأن إن حرف شرط وما صلة فبقي تَرَىْ، ثم دخله نون التوكيد وهي مثقلة، فكسر ياء التأنيث لالتقاء الساكنين؛ لأن النون المثقلة بمنزلة نونين الأولى ساكنة فصار تَرَيِنَ وعلى هذا النحو قول ابن دريد: شعر : إمـا تَـرَىْ رأسِـيَ حَـاكَـى لـونُـهُ تفسير : وقول الأفوه: شعر : إمــا تَــرَىْ رأسِــيَ أَزْرَى بـــه تفسير : وإنما دخلت النون هنا بتوطئة «ما» كما يوطِّىء لدخولها أيضاً لام القسم. وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة «تَرَيْنَ» بسكون الياء وفتح النون خفيفة؛ قال أبو الفتح: وهي شاذة. الثانية: قوله تعالى: {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ} هذا جواب الشرط وفيه إضمار؛ أي فسألكِ عن ولدِك {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي صَمْتاً؛ قاله ابن عباس وأنس بن مالك. وفي قراءة أبيّ بن كعب «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً صَمْتاً». وروي عن أنس. وعنه أيضاً «وصمتاً» بواو، واختلاف اللفظين يدل على أن الحرف ذكر تفسيراً لا قرآناً؛ فإذا أتت معه واو فممكن أن يكون غير الصوم. والذي تتابعت به الأخبار عن أهل الحديث ورواة اللغة أن الصوم هو الصمت؛ لأن الصوم إمساك والصمت إمساك عن الكلام. وقيل: هو الصوم المعروف، وكان يلزمهم الصمت يوم الصوم إلا بالإشارة. وعلى هذا تخرج قراءة أنس «وصمتاً» بواو، وأن الصمت كان عندهم في الصوم ملتزماً بالنذر، كما أن من نذر منا المشي إلى البيت اقتضى ذلك الإحرام بالحج أو العمرة. ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل عليه السلام ـ أو ابنها على الخلاف المتقدم ـ بأن تمسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتتبين الآيةُ فيقوم عذرها. وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية، وهو قول الجمهور. وقالت فرقة: معنى «قولي» بالإشارة لا بالكلام. الزمخشري: وفيه أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافهاً. الثالثة: من التزم بالنذر ألا يكلم أحداً من الآدميين فيحتمل أن يقال إنه قُربة فيلزم بالنذر، ويحتمل أن يقال: ذلك لا يجوز في شرعنا لما فيه من التضييق وتعذيب النفس، كنذر القيام في الشمس ونحوه. وعلى هذا كان نذر الصمت في تلك الشريعة لا في شريعتنا؛ وقد تقدّم. وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق بالكلام. وهذا هو الصحيح لحديث: أبي إسرائيل، خرجه البخاري عن ابن عباس. وقال ابن زيد والسدي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام. قلت: ومن سنتنا نحن في الصيام الإمساك عن الكلام القبيح؛ قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا كان أحدكم صائماً فلا يَرفُث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم»تفسير : . وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»

البيضاوي

تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } في القرآن. {مَرْيَمَ } يعني قصتها. {إِذِ ٱنتَبَذَتْ } اعتزلت، بدل من {مَرْيَمَ } بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، أو بدل الكل لأن المراد بـ {مَرْيَمَ } قصتها وبالظرف الأمر الواقع فيه وهما واحد، أو ظرف لمضاف مقدر وقيل {إِذْ } بمعنى أن المصدرية كقولك: أكرمتك إذ لم تكرمني فتكون بدلاً لا محالة.{مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } شرقي بيت المقدس، أو شرقي دارها، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ومكاناً ظرف أو مفعول لأن {ٱنتَبَذَتْ } متضمن معنى أتت.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولداً زكياً طاهراً مباركاً، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى عليهما السلام منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وههنا، وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين؛ لتقارب ما بينهما في المعنى؛ ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر، فقال: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ} وهي مريم بنت عمران من سلالة داود عليه السلام. وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران، وأنها نذرتها محررة، أي: تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} تفسير : [آل عمران: 37] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدؤوب، وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك، وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في سورة آل عمران، فلما أراد الله تعالى، وله الحكمة والحجة البالغة، أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام {ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. وقال السدي: لحيض أصابها، وقيل لغير ذلك. قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك فـ {ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} قال: خرجت مريم مكاناً شرقياً، فصلوا قبل مطلع الشمس، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله عن داود عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى: {ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} واتخذوا ميلاد عيسى قبلة. وقال قتادة: {مَكَاناً شَرْقِياً} شاسعاً منتحياً، وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها لتستقي الماء. وقال نوف البكالي: اتخذت لها منزلاً تتعبد فيه، فالله أعلم. وقوله: {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً} أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام، {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} أي: على صورة إنسان تام كامل. قال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} يعني: جبرائيل عليه السلام، وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن، فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 193 - 194] وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي ابن كعب قال: إن روح عيسى عليه السلام من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم عليه السلام، وهو الذي تمثل لها بشراً سوياً، أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها، وحل في فيها، وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي، {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر، وهي في مكان منفرد، وبينها وبين قومها حجاب، خافته، وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: {إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} أي: إن كنت تخاف الله؛ تذكيراً له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولاً بالله عز وجل. قال ابن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: قال أبو وائل، وذكر قصة مريم، فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: { إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ} أي: فقال لها الملك مجيباً لها، ومزيلاً لما حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني الله إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن، انتفض جبريل فرقاً، وعاد إلى هيئته، وقال: "إنما أنَا رسولُ ربك ليهب لك غلاماً زكياً" هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء، وقرأ الآخرون: {لأَِهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً} وكلا القراءتين له وجه حسن، ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى، {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ} أي: فتعجبت مريم من هذا، وقالت: كيف يكون لي غلام؟ أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني؟ ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولهذا قالت: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} والبغي هي الزانية، ولهذا جاء في الحديث: نهي عن مهر البغي، {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي: فقال لها الملك مجيباً لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلاماً، وإن لم يكن لك بعل، ولا توجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، ولهذا قال: {وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ} أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى، فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، فلا إله غيره، ولا رب سواه. وقوله: {وَرَحْمَةً مِّنَّا} أي: ونجعل هذا الغلام رحمة من الله، نبياً من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [آل عمران: 45 - 46] أي: يدعو إلى عبادة ربه في مهده وكهولته، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم، حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي عن مجاهد: قال: قالت مريم عليها السلام: كنت إذا خلوت، حدثني عيسى، وكلمني، وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس، سبح في بطني وكبر. وقوله: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} تفسير : [التحريم:12] وقال: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} تفسير : [الأنبياء: 91] قال محمد بن إسحاق: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} أي: إن الله قد عزم على هذا، فليس منه بد، واختار هذا أيضاً ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ } القرآن {مَرْيَمَ } أي: خبرها {إِذْ } حين {ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً } أي: اعتزلت في مكان نحو الشرق من الدار.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ } هذا شروع في ابتداء خلق عيسى، والمراد بالكتاب: هذه السورة، أي اذكر يا محمد للناس في هذه السورة قصة مريم، ويجوز أن يراد بالكتاب: جنس القرآن وهذه السورة منه، ولما كان الذكر لا يتعلق بالأعيان احتيج إلى تقدير مضاف يتعلق به الذكر، وهو قصة مريم، أو خبر مريم {إِذِ ٱنتَبَذَتْ } العامل في الظرف هو ذلك المضاف المقدّر، ويجوز أن يجعل بدل اشتمال من مريم، لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، ويكون المراد بمريم: خبرها، وفي هذا الإبدال دلالة على تفخيم شأن الوقت لوقوع قصتها العجيبة فيه، والنبذ: الطرح والرمي. قال الله سبحانه {أية : فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 187]. والمعنى: أنها تنحت وتباعدت. وقال ابن قتيبة: اعتزلت. وقيل: انفردت، والمعاني متقاربة. واختلفوا في سبب انتباذها، فقيل: لأجل أن تعبد الله سبحانه وقيل لتطهر من حيضها، و {مّنْ أَهْلِهَا } متعلق بـ {انتبذت}، وانتصاب {مَكَاناً شَرْقِياً } على المفعولية للفعل المذكور، أي مكاناً من جانب الشرق، والشرق بسكون الراء: المكان الذي تشرق فيه الشمس، وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة الشرق لأنها مطلع الأنوار، حكى معناه ابن جرير. وقد اختلف الناس في نبوّة مريم، فقيل: إنها نبية بمجرّد هذا الإرسال إليها ومخاطبتها للملك وقيل: لم تكن نبية، لأنه إنما كلمها الملك وهو على مثال البشر، وقد تقدّم الكلام في هذا في آل عمران. {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً } أي اتخذت من دون أهلها حجاباً يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة، أو حال التطهر من الحيض، والحجاب الستر والحاجز {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } هو جبريل عليه السلام. وقيل: هو روح عيسى، لأن الله سبحانه خلق الأرواح قبل الأجساد، والأوّل أولى لقوله: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } أي تمثل جبريل لها بشراً مستوي الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئاً. قيل: ووجه تمثل الملك لها بشراً أنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته، فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء، فاستعاذت بالله منه و {قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } أي ممن يتقي الله ويخافه. وقيل: إن تقياً اسم رجل صالح، فتعوّذت منه تعجباً. وقيل: إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، والأوّل أولى. وجواب الشرط محذوف، أي فلا تتعرض لي. {قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ } أي قال لها جبريل: إنما أنا رسول ربك الذي استعذت به، ولست ممن يتوقع منه ما خطر ببالك من إرادة السوء {لأَهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً } جعل الهبة من قبله لكونه سبباً فيها من جهة كون الإعلام لها من جهته، أو من جهة كون النفخ قام به في الظاهر. وقرأ أبو عمرو ويعقوب وورش عن نافع "ليهب" على معنى أرسلني ليهب لك، وقرأ الباقون بالهمز. والزكيّ: الطاهر من الذنوب الذي ينمو على النزاهة والعفة. وقيل: المراد بالزكيّ النبيّ {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } أي لم يقربني زوج ولا غيره {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } البغيّ هي الزانية التي تبغي الرجال. قال المبرد: أصله بغوى على فعول، قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة. وقال ابن جني: إنه فعيل. وزيادة ذكر كونها لم تك بغياً مع كون قولها: لم يمسسني بشر يتناول الحلال والحرام لقصد التأكيد تنزيهاً لجانبها من الفحشاء وقيل: ما استبعدت من قدرة الله شيئاً، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد هل من قبل زوج تتزوّجه في المستقبل أم يخلقه الله سبحانه ابتداء؟ وقيل: إن المس عبارة عن النكاح الحلال، وعلى هذا لا يحتاج إلى بيان وجه قولها: {ولم أك بغياً} وما ذكرناه من شموله أولى باستعمالات أهل اللغة، وما يوجد في محاوراتهم مما يطول تعداده اهـ. {وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ } أي ولنجعل هذا الغلام أو خلقه من غير أب آية للناس يستدلون بها على كمال القدرة، وهو علة لمعلل محذوف، والتقدير خلقناه لنجعله، أو معطوف على علة أخرى مضمرة تتعلق بما يدل عليه قوله سبحانه: {هُوَ علي هَيّنٌ } وجملة {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ } مستأنفة، والقائل هو الملك، والكلام فيها كالكلام فيما تقدّم من قول زكريا. وقوله: {وَرَحْمَةً مّنَّا } معطوف على آية أي: ولنجعله رحمة عظيمة كائنة منا للناس لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير، لأن كل نبيّ رحمة لأمته {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً } أي وكان ذلك المذكور أمراً مقدّراً قد قدّره الله سبحانه وجف به القلم. {فَحَمَلَتْهُ } ها هنا كلام مطويّ، والتقدير: فاطمأنت إلى قوله، فدنا منها، فنفخ في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته. وقيل: كانت النفخة في ذيلها، وقيل: في فمها. قيل: إن وضعها كان متصلاً بهذا الحمل من غير مضيّ مدة الحمل، ويدلّ على ذلك قوله: {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً } أي تنحت واعتزلت إلى مكان بعيد، والقصيّ هو البعيد. قيل: كان هذا المكان وراء الجبل، وقيل: أبعد مكان في تلك الدار. وقيل: أقصى الوادي. وقيل: إنها حملت به ستة أشهر. وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: سبعة {فَأَجَاءهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } أي ألجأها واضطرها، ومنه قول زهير:شعر : أجاءته المخافة والرجاء تفسير : وقرأ شبل: "فاجأها" من المفاجأة، ورويت هذه القراءة عن عاصم، وقرأ الحسن بغير همز، وفي مصحف أبيّ: "فلما أجاءها" قال في الكشاف: إن "أجاءها" منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تعين بعد النقل إلى معنى الإلجاء، وفيه بعد، والظاهر أن كل واحد من الفعلين موضوع بوضع مستقلّ، والمخاض مصدر مخضت المرأة تمخض مخضاً ومخاضاً إذا دنا ولادها. وقرأ الجمهور بفتح الميم. وقرأ ابن كثير بكسرها، والجذع: ساق النخلة اليابسة، كأنها طلبت شيئاً تستند إليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدّة وجع الطلق بشيء مما تجده عندها، والتعريف إما للجنس أو للعهد {قَالَتْ يا مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} أي قبل هذا الوقت، تمنت الموت لأنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها، أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان {وَكُنتُ نَسْياً } النسي في كلاب العرب: الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى ولا يذكر ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل، ومنه قول الكميت:شعر : أتجعلنا خسراً لكلب قضاعة ولسنا بنسي في معدّ ولا دخل تفسير : وقال الفراء: النسي: ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، فتقول مريم: {نَسْياً مَّنسِيّاً } أي حيضة ملقاة، وقد قرىء بفتح النون وكسرها، وهما لغتان مثل الحجر والحجر، والوتر والوتر. وقرأ محمد بن كعب القرظي: "نساء" بالهمز مع كسر النون. وقرأ نوف البكالي بالهمز مع فتح النون. وقرأ بكر بن حبيب {نسياً} بفتح النون وتشديد الياء بدون همز، والمنسي المتروك الذي لا يذكر ولا يخطر ببال أحد من الناس {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا } أي جبريل لما سمع قولها، وكان أسفل منها تحت الأكمة. وقيل: تحت النخلة، وقيل المنادي هو عيسى، وقد قرىء بفتح الميم من {من} وكسرها. وقوله: {أَلاَّ تَحْزَنِي} تفسير للنداء، أي لا تحزني أو المعنى بأن لا تحزني على أنها المصدرية {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } قال جمهور المفسرين: السريّ: النهر الصغير، والمعنى: قد جعل ربك تحت قدمك نهراً. قيل: كان نهراً قد انقطع عنه الماء، فأرسل الله فيه الماء لمريم، وأحيا به ذلك الجذع اليابس الذي اعتمدت عليه حتى أورق وأثمر. وقيل: المراد بالسريّ هنا: عيسى، والسريّ: العظيم من الرجال؛ ومنه قولهم فلان سريّ، أي عظيم، ومن قوم سراة أي عظام. {وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } الهزّ: التحريك، يقال: هزه فاهتزّ، والباء في بجذع النخلة مزيدة للتوكيد. وقال الفراء: العرب تقول هزّه وهزّ به، والجذع: هو أسفل الشجرة. قال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة فهي جذع، ومعنى إليك: إلى جهتك، وأصل تساقط: تتساقط، فأدغم التاء في السين. وقرأ حمزة والأعمش {تساقط} مخففاً. وقرأ عاصم في رواية حفص والحسن بضم التاء مع التخفيف وكسر القاف. وقرىء: "تتساقط" بإظهار التاءين. وقرىء بالتحتية مع تشديد السين. وقرىء "تسقط، ويسقط". وقرأ الباقون بإدغام التاء في السين، فمن قرأ بالفوقية جعل الضمير للنخلة، ومن قرأ بالتحتية جعل الضمير للجذع؛ وانتصاب {رُطَباً } على بعض هذه القراءات للتمييز، وعلى البعض الآخر على المفعولية لتساقط. قال المبرد والأخفش: يجوز انتصاب رطباً بهزّي أي: هزّي إليك رطباً {جَنِيّاً } بجذع النخلة، أي على جذعها وضعفه الزمخشري، والجنيّ: المأخوذ طرياً. وقيل: هو ما طلب وصلح للاجتناء، وهو فعيل بمعنى مفعول. قال الفراء: الجنيّ والمجني واحد. وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل، أي رطباً طرياً طيباً. {فَكُلِي وَٱشْرَبِي} أي من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره، وقدّم الأكل مع أن ذكر النهر مقدّم على الرطب، لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشدّ من احتياجها إلى شرب الماء، ثم قال: {وَقَرّي عَيْناً } قرأ الجمهور بفتح القاف. وحكى ابن جرير أنه قرىء بكسرها، قال: وهي لغة نجد. والمعنى: طيبي نفساً وارفضي عنك الحزن، وهو مأخوذ من القرّ والقرّة وهما البرد، والمسرور بارد القلب ساكن الجوارح. وقيل: المعنى: وقرّي عيناً برؤية الولد الموهوب لك. وقال الشيباني: معناه: نامي. قال أبو عمرو: أقرّ الله عينه، أي: أنام عينه وأذهب سهره {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } أصله: ترأيين: مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت النون للجزم وياء الضمير للساكنين بعد لحوق نون التوكيد، ومثل هذا مع عدم لحوق نون التوكيد قول ابن دريد:شعر : أما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى تفسير : وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة "ترين" بسكون الياء وفتح النون مخففة. قال أبو الفتح: وهي شاذة، وجواب الشرط {فَقُولِي إِنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } أي قولي إن طلب منك الكلام أحد من الناس إني نذرت للرحمٰن صوماً أي صمتاً وقيل: المراد به: الصوم الشرعي، وهو الإمساك عن المفطرات، والأوّل أولى. وفي قراءة أبيّ: "إني نذرت للرحمن صوماً صمتاً" بالجمع بين اللفظين، وكذا روي عن أنس. وروي عنه أنه قرأ: «صوماً وصمتاً» بالواو، والذي عليه جمهور المفسرين أن الصوم هنا: الصمت، ويدل عليه {فَلَنْ أُكَلّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } ومعنى الصوم في اللغة: أوسع من المعنيين. قال أبوعبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقراءة أبيّ تدل على أن المراد بالصوم هنا الصمت، لأنه تفسير للصوم. وقراءة أنس تدل على أن الصوم هنا غير الصمت كما تفيده الواو. ومعنى {فَلَنْ أُكَلّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } أنها لا تكلم أحداً من الإنس بعد إخبارهم بهذا الخبر، بل إنما تكلم الملائكة وتناجي ربها وقيل: إنها لم تخبرهم هنا باللفظ، بل بالإشارة المفيدة للنذر. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } قال: مكاناً أظلها الشمس أن يراها أحد منهم. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة، لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على حرف حين نتق فوقهم الجبل، فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه، يتخوّفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله، فاتخذوها سنة. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر من طريق السدّي عن أبي مالك عن ابن عباس. وعن مرّة عن ابن مسعود قالا: خرجت مريم بنت عمران إلى جانب المحراب لحيض أصابها، فلما طهرت إذا هي برجل معها {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً } ففزعت و {قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } فخرجت وعليها جلبابها، فأخذ بكمها فنفخ في جنب درعها، وكان مشقوقاً من قدّامها، فدخلت النفخة صدرها فحملت، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم: أشعرت أني حبلى، فقالت امرأة زكرياء: فإني وجدت ما في بطني سجد للذي في بطنك، فذلك قوله تعالى: {أية : مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 39]. فولدت امرأة زكرياء يحيـى، ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب {فَأَجَاءهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} الآية {فَنَادَاهَا } جبريل {مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي} فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم ولدت، فلما أرادوها على الكلام أشارت إلى عيسى فتكلم فقَال {إِنّي عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَانِىَ ٱلْكِتَـٰبَ} الآيات، ولما ولد لم يبق في الأرض صنم إلا خرّ لوجهه. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في مريم قال: حين حملت وضعت. وأخرج ابن عساكر عنه قال: وضعت لثمانية أشهر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } قال: جبريل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر عن أبيّ بن كعب في الآية قال: تمثل لها روح عيسى في صورة بشر فحملته، قال: حملت الذي خاطبها. دخل في فيها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {مَكَاناً قَصِيّاً } قال: نائياً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله: {إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } قال: كان جذعاً يابساً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } قال: لم أخلق ولم أك شيئاً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } قال: حيضة ملقاة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن نوف البكالي والضحاك مثله. وأخرج عبد ابن حميد عن عكرمة في قوله: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا } قال: الذي ناداها جبريل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: الذي ناداها من تحتها جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقد اختلفت الروايات عن السلف، هل هذا المنادي هو جبريل أو عيسى. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي بكر بن عياش قال: قرأ عاصم بن أبي النجود {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا } بالنصب، قال: وقال عاصم: من قرأ بالنصب فهو عيسى، ومن قرأ بالخفض فهو جبريل. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن النجار عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن السريّ الذي قال الله لمريم {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } نهر أخرجه الله لها لتشرب منه»تفسير : وفي إسناده أيوب بن نهيك الجبلي قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو فتح الأزدي: متروك الحديث، وقال الطبراني بعد إخراج هذا الحديث: إنه غريب جدّاً. وأخرج الطبراني في الصغير، وابن مردويه عن البراء بن عازب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} قال: "حديث : النهر"تفسير : . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وصححه والحاكم، وابن مردويه عن البراء قال في الآية: هو الجدول، وهو النهر الصغير، فظهر بهذا أن الموقوف أصح. وقد روي عن جماعة من التابعين أن السريّ هو عيسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {رُطَباً جَنِيّاً } قال: طرياً. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه في قوله: {إِنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } قال: صمتاً. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري عنه أنه قرأ: "صوماً صمتاً".

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} يعني في القرآن {إِذ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} فيه وجهان: أحدهما: انفردت، قاله قتادة. الثاني: اتخذت. {مَكَاناً شَرْقِيّاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ناحية المشرق، قاله الأخفش ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة. الثاني: مشرقة داره التي تظلها الشمس، قاله عطية. الثالث: مكاناً شاسعاً بعيداً، قاله قتادة. قوله تعالى: {فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: حجاباً من الجدران، قاله السدي. الثاني: حجاباً من الشمس جعله الله ساتراً، قاله ابن عباس الثالث: حجاباً من الناس، وهو محتمل، وفيه وجهان: أحدهما: أنها اتخذت مكاناً تنفرد فيه للعبادة. الثاني: أنها اتخذت مكاناً تعتزل فيه أيام حيضها. {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} الآية: فيه قولان: أحدهما: يعني الروح التي خلق منها المسيح حتى تمثل لها بشراً سوياً. الثاني: أنه جبريل، قاله الحسن وقتادة، والسدي، وابن جريج، وابن منبه. وفي تسميته له روحاً وجهان: أحدهما: لأنه روحاني لا يشوبه شيء غير الروح، وأضافه إليه بهذه الصفة تشريفاً له. الثاني: لأنه تحيا به الأرواح. واختلفوا في سبب حملها على قولين: أحدهما: أن جبريل نفخ في جيب درعها وكُمِّهَا فَحَمَلَتْ، قاله ابن جريج، منه قول أميه بن أبي الصلت: شعر : فأهوى لها بالنفخ في جيب درعها فألقت سويّ الخلق ليس بتوأم تفسير : الثاني: أنه ما كان إلا أن حملت فولدته، قاله ابن عباس. واختلفوا في مدة حملها على أربعة أقاويل: أحدها: تسعة أشهر، قاله الكلبي. الثاني: تسعة أشهر. حكى لي ذلك أبو القاسم الصيمري. الثالث: يوماً واحداً. الرابع: ثمانية أشهر، وكان هذا آية عيسى فإنه لم يعش مولوداً لثمانية أشهر سواه. قوله تعالى: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} لأن مريم خافت جبريل على نفسها حين دنا فقالت {إِنِّي أَعُوذُ} أي أمتنع {بِالرَّحْمَنِ مِنكَ} فاستغاثت بالله في امتناعها منه. فإن قيل: فلم قالت {إن كُنتَ تَقِيّاً} والتقي مأمون وإنما يستعاذ من غير التقي؟ ففيه وجهان: أحدهما: أن معنى كلامها إن كنت تقياً لله فستمتنع من استعاذتي وتنزجر عني من خوفه، قاله أبو وائل. الثاني: أنه كان اسماً لرجل فاجر من بني إسرائيل مشهور بالعهر يُسَمَّى تقياً فخافت أن يكون الذي جاءها هو ذلك الرجل المسمى تقياً الذي لا يأتي إلا للفاحشة فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، قاله بن عباس.

ابن عطية

تفسير : هذه ابتداء قصة ليست من الأولى، والخطاب لمحمد عليه السلام. و {الكتاب} القرآن، و {مريم} هي بنت عمران أم عيسى اخت أم يحيى واختلف الناس لم {انتبذت} والانتباذ التنحي. فقال السدي {انتبذت} لتطهر من حيض، وقال غيره لتعبد الله وهذا أحسن، وذلك أن مريم كانت وقفاً على سدانة المتعبد وخدمته والعبادة فيه فتنحت من الناس لذلك. وقوله {شرقياً} يريد في جهة الشرق من مساكن أهلها، وسبب كونه في الشرق أنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلق الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها، حكاه الطبري، وحكي عن ابن عباس أنه قال إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة؟ لقول الله عز وجل {إذا انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً} فاتخذوا ميلاد عيسى قبله، وقال بعض الناس "الحجاب" هي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادتها. فقال السدي كان من جدرات، وقيل من ثياب، وقال بعض المفسرين اتخذت المكان بشرقي المحراب، و"الروح" جبريل، وقيل عيسى، حكى الزجاج القولين. فمن قال إنه جبريل قدر الكلام فتمثل هو لها. ومن قال إنه عيسى قدر الكلام فتمثل الملك لها، قال النقاش ومن قرأ "روحنّا" مشددة النون جعله اسم ملك من الملائكة ولم أر هذه القراءة لغيره. واختلف الناس في نبوة مريم فقيل كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك، وقيل لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها لملك، كما رئي جبريل في صفة دحية وفي سؤاله عن الإسلام والأول أظهر. وقوله تعالى {أعوذ بالرحمن} الآية، المعنى قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشراً لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته، فأساءت به الظن {أعوذ بالرحمن منك إن كنت} ذا تقى، قال أبو وائل علمت أن "التقي" ذو نهية، وقال وهب بن منبه "تقي" رجل فاجر كان ذلك في الزمن في قومها فلما رأته متسوراً عليها ظنته إياه فاستعاذت بالرحمن منه، حكى هذا مكي وغيره، وهو ضعيف ذاهب مع التخرص، فقال لها جبريل عليه السلام {إنما أنا رسول ربك لأهب لك}، جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ الجمهور "لأهب" كما تقدم، وقرأ عمرو ونافع "ليهب" بالياء أي ليهب الله لك، واختلف عن نافع. وفي مصحف ابن مسعود "ليهب الله لك" فلما سمعت مريم ذلك واستشعرت ما طرأ عليها استفهمت عن طريقه وهي لم يمسها بشر بنكاح ولم تكن زانية. و"البغي" المجاهرة المنبهرة في الزنا فهي طالبة له بغوى على وزن فعول كبتول وقتول ولو كانت فعيلاً لقوي أن يلحقها هاء التأنيث فيقال بغية.

ابن عبد السلام

تفسير : {انتّبَذَتْ} انفردت، أو اتخذت، {شَرْقِيّاً} جهة المشرق فاتخذتها النصارى قبلة أو مشرقة الدار التي تظلها الشمس، أو مكاناً بعيداً.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {إني أعوذ} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {ليهب لك} على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف. الآخرون {لأهب} على التكلم {نسياً} بفتح النون: حمزة وحفص. الباقون بكسرها. {من تحتها} بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها {تساقط} بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة. {تساقط} من المفاعلة: حفص غير الخزاز {يساقط} بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد. الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة {آتاني الكتاب} ممالة مفتوحة الياء: عليّ. وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف. {وأوصاني} بالإمالة: علي {قول الحق} بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب. {وإن الله} بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد. الوقوف: {مريم} لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر {شرقياً} لا للعطف {زكياً} ه {بغياً} ه {كذلك} ط لما مر {هين} ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء {منا} ج لاختلاف الجملتين {مقضياً} ه {قصياً} ه {النخلة} ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً {منسياً} ه {سرياً} ه {جنياً} ه ز {عيناً} ه ج للشرط مع الفاء {أحداً} لا لأن ما بعده جواب الشرط {نسياً} ه ج للعطف مع الآية {تحمله} ط {فرياً} ه {بغياً} ه ج {إليه} ج {صبياً} ه {عبد الله} ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة. ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف {أينما كنت} ص لطول الكلام {حياً} ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله {وبراً} معطوف على قوله {مباركاً}. {بوالدتي} ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي {شقياً}، {حياً} ه، {عيسى ابن مريم} ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق {يمترون} ه، {من ولد} ه استعجالاً للتنزيه {سبحانه} ط {فيكون} ه ط لمن قرأ {وأن} بالكسر {فاعبدوه} ط {مستقيم}، ه {من بينهم} ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء {عظيم} ه {وأبصر} لا لأن ما بعده ظرف للتعجب {مبين} ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله {قضى الأمر} لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك {لا يؤمنون}، ه {يرجعون} ه. التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى. وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه. والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها. قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة {فاتخذت من دونهم حجاباً}لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل عليه السلام، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة. وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها. وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي {فتمثل لها} حال كونه {بشراً سوياً} تام الخلق أو حسن الصورة. وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس. فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس. قوله: {إن كنت تقياً} أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله. وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي. وحين علم جبريل خوفها {قال إنما أنا رسول ربك} أرسلني {لأهب لك} أو ليهب لك {غلاماً زكياً} طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة. وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟ احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله سبحانه. وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل {لأهب لك}؟ قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها. ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع. {قالت} استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله {أنى يكون لي غلام} ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران {ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} هي الفاجرة التي تبغي الرجال. عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة. وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء. ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران. فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: {أية : وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك} تفسير : [آل عمران: 45] فلم تحتج إلى هذه الزيادة. وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: {أية : من قبل أن تمسوهن} تفسير : [البقرة: 237] {أية : أو لامستم النساء} تفسير : [النساء: 43] وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب. قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: {ولم أك بغياً} في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم. {قال كذا قال ربك هو عليّ هين} تفسيره كما مر في قصة زكريا {ولنجعله} أي ولنجعل الغلام أو خلقه {آية للناس} يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه {هين} أي تخلقه لنبين به قدرتنا {ولنجعله آية} وقد مر مثل هذا في قوله: {أية : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه} تفسير : [يوسف: 21] {ورحمة منا} على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين {وكان أمراً مقضياً} مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله. وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت. وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج. وقيل: في فمها. وقيل: إن النافخ هو الله كقوله {أية : ونفخت فيه من روحي} تفسير : [ص: 72] وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ {لأهب لك} قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وكم مدة حملها؟ عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله تعالى في أثناء مدائحها. وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى. قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه. وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر. وقيل: ستة أشهر. وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله} إلى قوله: {أية : كن فيكون} تفسير : [آل عمران: 59] ولفاآت التعقيب في قوله: {فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض} وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها. ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها. وقصى مبالغة قاص. وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما. فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك. فقالت: قل قولاً جميلاً. فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر! أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى! فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل. فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة. قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان". قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و {المخاض} بفتح الميم وجع الولادة. قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً. قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة. يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح. وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها. تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة. ومعنى {منسياً} أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. ومن قرأ {نسياً} بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر. ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل. وقرىء {نسأ} بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته {فناداها من تحتها} الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني. وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم. وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة. قوله: {سرياً} جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم سمي بذلك لأن الماء يسري فيه. وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم. وجمع السري سراة وجمع سراة سروات. عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: {أية : وهذه الأنهار تجري من تحتي} تفسير : [الزخرف: 51] لأنه خلاف الظاهر. وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق. وكل من كان أبعد منه كان تحت. وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها. وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: {أية : وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} تفسير : [المؤمنون: 50] وقوله: {فكلي واشربي} يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب. وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله {قد جعل ربك} مشعر بالأحداث في ذلك الوقت. قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة. وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: {بجذع النخلة} كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به. و{رطباً} تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية. وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ{هزي} أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها. والجني المأخوذ طرياً. والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً. وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره. قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك. والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: {وقري عيناً} لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان. وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟ وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً {فإما ترين} أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: {أية : إمَّا يبلغن عندك الكبر} تفسير : [الإسراء: 23] إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة. عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقيل: أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله تعالى وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام. وفي الكشاف: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت. وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً. وكيف أخبرتهم بالنذر؟ قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية. وقوله: {إنسياً} أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: {فإما ترين من البشر}. {فأتت به} أي بعيسى {قومها تحمله} الجملة حال. عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها. وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه. فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: {لقد جئت شيئاً فرياً} بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: {يأخت هرون} الآية. واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره. وقيل: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر. وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم. وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح. ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه. وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته. ويروى أنهم هموا برجمها {فأشارت إليه} أي أن عيسى هو الذي يحكم. وبم عرفت ذلك؟ إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا. وعن السدي. لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم {قالوا كيف نكلم من كان في المهد} قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس {صبياً} في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة {صبياً} حال مؤكدة. ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: {إني عبد الله} فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: {آتاني الكتاب} هو الإنجيل والتوراة أي فهمها. وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه. وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة. فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل. والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} كما يجيء. وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: {وجعلني نبياً} ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك. ومعنى قوله: {مباركاً أينما كنت} نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل: شعر : عليّ نحت القوافي من معادنها وما عليّ إذا لم تفهم البقر تفسير : وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم {أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً} تفسير : [الفرقان: 31] يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم. أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب. فقال له: أي شيء أكتب؟ فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري. ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك. الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله. وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه. وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به. فقال عيسى عليه السلام مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً. {وأوصاني بالصلاة والزكاة} أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله {ما دمت حياً} وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر. وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام. وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما. وفي قوله: {وبراً بوالدتي} دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها. قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: {وبراً بوالدتي} {ولم يجعلني جباراً شقياً} ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً. وقرأ {أية : وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} تفسير : [النساء: 36] وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "حديث : ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا"تفسير : ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر. قوله: {والسلام عليّ} قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره. وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير. شعر : قليل منك يكفيني قليلك لا يقال له قليل وإني لأرضى منك يا هند بالذي لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله تفسير : والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله. عن بعضهم أن عيسى عليه السلام قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي. وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه. وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى {أية : والسلام على من اتبع الهدى} تفسير : [طه: 47] يعني أن العذاب على من كذب وتولى. يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان. وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه. وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته. وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم. {ذلك} الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: {إني عبد الله} إلى آخره هو {عيسى ابن مريم} وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: {قول الحق} فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و {قول الحق} من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل {أية : حق اليقين} تفسير : [الواقعة: 95] قد مر آنفاً. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى {تمترون} تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة. ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: {ما كان الله} ما صح له وما استقام {أن يتخذ من ولد} كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة. والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته تعالى. وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته. وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه. فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟! احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: {كن} إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل. واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: {إذا قضى} للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث. وأيضاً الفاء في {فيكون} للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس. وأيضاً قوله: {كن} عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل. ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: {كن} هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً. ومن قرأ {وأن الله} بالفتح فمعناه ولأن الله {ربي وربكم فاعبدون} وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو. وههنا نكتة هي أن الله تعالى لا يصح أن يقول: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله {إن الله ربي وربكم} قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض. وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله تعالى {فاختلف الأحزاب من بينهم} أي من بين أهل الكتاب. قال الكلبي: هم اليهود والنصارى. وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية. وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم. وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد. واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله سبحانه أعلى من جميع ذلك وأجل {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف. ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته. ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا {فويل للذين كفروا} وفي حم الزخرف {أية : فويل للذين ظلموا} تفسير : [الآية: 65] لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم. قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق {أسمع بهم وأبصر} صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر. والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب. قال سفيان: قرأت عند شريح {أية : بل عجبت ويسخرون} تفسير : [الصافات: 12] فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه. والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم. وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم. وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم. وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: {لكن الظالمون} أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر. {اليوم} وهو يوم التكليف {في ضلال مبين} حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو {يوم الحسرة} لتحسر أهل النار فيه. وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور. و{إذ} بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة. ومعنى {قضي الأمر} فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنه فقال: "حديث : يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم"تفسير : قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك. عن الحسن {وهم في غفلة} متعلق بقوله: {في ضلال مبين} وقوله: {وأنذرهم} اعتراض. ويحتمل أن يتعلق بـ {أنذرهم} أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ{أنذر} أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب. ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة {وهم لا يؤمنون} ثم قرر بقوله: {إنا نحن نرث} أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه. التأويل: {واذكر في الكتاب} الأزلي {مريم} القلب {إذا انتبذت من أهلها} تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي {فاتخذت من دونهم} حجاب الخلوة والعزلة {فأرسلنا إليها روحنا} وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى: 52] {فتمثل لها بشراً سوياً} كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به. و{قالت إني أعوذ بالرحمن منك} ظناً منها أنه يشغلها عن الله. {قال إنما أنا رسول} الوارد الرباني {لأهب لك غلاماً زكياً} طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية. {ولم يمسسني بشر} خاطر من عالم البشرية {ولم أك بغياً} أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد {فحملته} بالقوة القريبة من الفعل {فانتبذت به مكاناً قصياً} لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة {فأجاءها} مخاض الطلب والتعب {إلى جذع النخلة} وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها {قالت يا ليتني مت قبل هذا} قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. قال عليّ عليه السلام يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه. وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله تعالى يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة {فناداها} بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى {أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك} أي تحت تصرفك {سرياً} هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية {وهزي إليك بجذع النخلة} بالمداومة على الذكر {تساقط عليك رطباً جنياً} من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً {فكلي واشربي} من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" {وقري عينا} بأنوار الجمال في حجرة الوصال {فأما ترين} من السوانح البشرية {أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً} كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله. {فأتت به قومها} من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال. {يا أخت هرون} النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً {وكان أبوك} وهو الروح المفارق {إمرأ سوء وما كانت أمك} وهي القالب {بغياً} تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها {فأشارت إليه} فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات {في المهد} مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه. {فاختلف الأحزاب} فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: {فويل للذين كفروا} {أسمع بهم} أي بأهل الله {وأبصر يوم يأتوننا} فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ} القصة. اعلم أن الله تعالى إنَّما قدَّم قصَّة يحيى - عليه الصلاة والسلام - على قصَّة عيسى - عليه الصلاة والسلام - لأنَّ الولد أعني: لأن خلق الولد من شيخين فانيين أقربُ إلى مناهج العاداتِ من خلق الولد من الأب ألبتَّة، وأحسنُ طُرُق التعليم والتفهيم الترقِّي من الأقرب فالأقرب، وإلى الأصعب فالأصعب. قوله: {إِذِ ٱنتَبَذَتْ}: في "إذ" أوجهٌ: أحدها: أنَّها منصوبةٌ بـ "اذْكُرْ" على أنَّها خرجت على الظرفيَّة؛ إذ يستحيلُ أن تكون باقيةً على [مُضِيِّها]، والعاملُ فيها ما هو نصٌّ في الاستقبال. الثاني: أنَّه منصوبٌ بمحذوفٍ مضافٍ لمريم، تقديره: واذكر خبر مريم، أو نبأها؛ إذا انتبذت، فـ "إذْ" منصوبٌ بذلك الخبر، أو النبأ. والثالث: أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: وبيَّن، أي: الله تعالى، فهو كلامٌ آخرُ، وهذا كما قال سيبويه في قوله: {أية : ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} تفسير : [النساء: 171] وهو في الظرف أقوى، وإن كان مفعولاً به. والرابع: أن يكون منصوباً على الحال من ذلك المضاف المقدَّر، أي: خبر مريم، أو نبأ مريم، وفيه بعدٌ، قاله أبو البقاء. والخامس: أنه بدلٌ من "مريمَ" بدلُ اشتمال، قال الزمخشريُّ: "لأنَّ الأحيان مشتملةٌ على ما فيها، وفيه: أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا؛ لوقوع هذه القصَّةِ العجيبةِ فيه". قال أبو البقاء - بعد أن حكى عن الزمخشريِّ هذا الوجه -: "وهو بعيدٌ؛ لأنَّ الزمان إذا لم يكن حالاً من الجثَّة، ولا خبراً عنها، ولا صفة لها لم يكن بدلاً منها" انتهى. وفيه نظرٌ؛ لأنه لا يلزمُ من عدم صحَّةِ ما ذكر عدمُ صحَّة البدلية؛ ألا ترى نحو" "سُلِبَ زيدٌ ثوبُهُ" فـ "ثَوْبُهُ" لا يصحُّ جعله خبراً عن "زَيْد" ولا حالاً منه، ولا وصفاً له، ومع ذلك، فهو بدلُ اشتمالٍ. السادس: أنَّ "إذ" بمعنى "أن" المصدرية؛ كقولك: "لا أكْرِمُكَ إذ لم تُكرمْنِي" أي: لأنَّك لا تُكْرِمُني، فعلى هذا يحسنُ بدلُ الاشتمال، أي: واذكُرْ مريم انتباذهَا، ذكره أبو البقاء. وهو في الضعف غايةٌ. و "مكاناً": يجوزُ أن يكون ظرفاً، وهو الظاهرُ وأن يكون مفعولاً به على معنى: إذ أتتْ مكاناً. قوله: {ٱنتَبَذَتْ} الانتباذُ: افتعالٌ من النَّبْذ، وهو الطَّرْح، والإلقاء، ونُبْذَة: بضمِّ النون، وفتحها أي: ناحيةٌ، وهذا إذا جلس قريباً منك؛ حتى لو نبذتَ إليه شيئاً، وصل إليه، ونبذتُ الشيء: رَمَيْتُهُ، ومنه النَّبِيذُ؛ لأنَّه يطرح في الإناءِ. ومنه المَنْبُوذ، وهو أصله، فصرف إلى "فعيل"، ومنه قيل للَّقيطِ: منبوذٌ؛ لأنه رُمِيَ به. ومنه النهيُ عن المُنابذةِ في البيع، وهو أن يقول: إذا نبذتُ إليك الثَّوب، أو الحَصَاة، فقد وجب البَيْعُ فقوله: {ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً}: تباعدتْ واعتزلتْ عن أهلها مكاناً في الدار، ممَّا يلي المشرق، ثم إنَّها مع ذلك اتَّخذت من دُون أهلها حِجاباً. قال ابنُ عباسٍ: سِتْراً، وقيل: جلست وراء جدارِ، وقال مقاتلٌ: وراء جبل. فصل اختلف المفسِّرون في سبب احتجابها، فقيل" إنها لمَّا رأت الحيضَ، تباعدت عن مكان عبادتها تنتظرُ الطُّهْرَ لتغتسلَ، وتعودَ، فلما طهرتْ، جاءها جبريل - عليه السلام -. وقيل: طلبت الخلوة للعبادة. وقيل: تبادعتْ لتغتسِل من الحيضِ، مُحْتجِبة بشيءٍ يستُرها. وقيل: كانت في منزلِ زَوْجِ أختها زكريَّا، وفيه محراب تسكنه على حدةٍ، وكان زكريَّا إذا خرج يغلقُ عليها، فتمنَّت أن تجد خلوةً في الجبل؛ لتُفلِّي رأسها، فانفرج السَّقفُ لها، فخرجت في المشرقة وراء الجبل، فأتاها الملكُ. وقيل: عطِشَتْ؛ فخرجت إلى المفازةِ لتستقي، وكل هذه الوجوه محتملة. واعلم أن المكان الشرقيَّ هو الذي يلي شرقيَّ بيت المقدس، أو شرقيَّ دارها. قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: إنِّي لأعلمُ خلق الله، لأيِّ شيءٍ اتَّخذت النصارى المشرق قبلةً؛ لقوله: {مَكَاناً شَرْقِياً} فاتَّخذُوا ميلاد عيسى قبلةً، وهو قول الحسنِ - رحمه الله تعالى -. قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا}. الجمهورُ على ضمِّ الراءِ من "رُوحِنَا" وهو ما يَحْيون به، وقرأ أبو حيوة، وسهلٌ بفتحها، أي: ما فيه راحةٌ للعبادِ، كقوله تعالى: {أية : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} تفسير : [الواقعة: 89] وحكى النقاش: أنه قُرِىء "رُوحنَّا" بتشديد النُّون، وقال: هو اسمُ ملكٍ من الملائكة. قوله: "بَشَراً سويًّا" حالٌ من فاعل "تمَثَّل" وسوَّغ وُقُوعَ الحالِ جامدة وصفها، فلمَّا وصفت النكرةُ وقعت حالاً. فصل في المراد بالروح اختلفوا في هذا الرُّوح، فالأكثرون على أنَّه جبريل - صلوات الله عليه - لقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193] وسُمِّي روحاً؛ لأنَّ الدِّين يحيى به. وقيل: سُمِّي رُوحاً على المجازِ؛ لمحبته، وتقريبه، كما تقول لحبيبك: رُوحِي. وقيل: المرادُ من الرُّوح: عيسى - صلوات الله عليه - جاء في صورة بشرٍ، فحملت به، والأول أصحُّ، وهو أنَّ جبريل عرض لها في صُورةِ شابٍّ أمرد، حسن الوجه، جعد الشَّعْر، سويِّ الخلق وقيل: في صُورة تربٍ لها، اسمه يوسفُ، من خدم بيت المقدس. قيل: إنما تمثَّل لها في صورة بشر؛ لكي لا تنفر منه، ولو ظهر في صورةِ الملائكة، لنفرت عنه، ولم تقدر على استماع كلامه، وهاهنا إشكالات: الأول: أنَّه لو جاز أن يظهر الملكُ في صورة الإنسان المعيَّن، فحينئذ؛ لا يمكُننا القطع بأنَّ هذا الشخص الذي نراه في الحال هو زيدٌ الذي رأينا بالأمْسِ؛ لاحتمالِ أن الملك، أو الجنِّي تمثَّل بصورته، وفتحُ هذا الباب يؤدِّي إلى السَّفْسَطةِ، ولا يقال: هذا إنَّما يجوز في زمانِ [جواز] البعثة، فأما في زماننا فلا يجوز. لنا أن نقول: هذا الفرقُ إنَّما يعلمُ بالدليل، فالجاهلُ بذلك الدَّليل يجبُ ألا يقطع بأنَّ هذا الشخص الذي رآهُ الآن هو الذي رآه بالأمْسِ. الثاني: أنه جاء في الأخبار أنَّ جبريل - صلوات الله عليه - شخصٌ عظيمٌ جدًّا، فذلك الشخصُ - كيف صار بدنهُ في مقدارِ جثَّة الإنسان، وذلك يوجبُ تداخل الأجزاء، وهو محالٌ. الثالث: أنَّا لو جوَّزنا أن يتمثَّل جبريل - صلوات الله عليه - في صورة الآدمي، فلم لا يجوز تمثُّله في صورة أصغر من الآدميِّ؛ كالذُّباب، والبقِّ، والبعُوضِ، ومعلومٌ أن كلَّ مذهب جرَّ إلى هذا، وهو باطلٌ. الرابع: أن تجويزهُ يفضي إلى القدحِ في خبر التَّواتُر، فلعلَّ الشخص الذي حارب يوم بدرٍ، لم يكُن محمَّداً - صلوات الله عليه وسلامه - بل كان شخصاً يشبهه، وكذا القولُ في الكُلِّ. والجوابُ عن الأوَّل: أن ذلك التجويز لازمٌ على الكُلِّ؛ لأنَّ من اعترف بافتقار العالم إلى الصَّانع المُختار، فقد قطع بكونه قادراً على أن يخلُق شخصاً آخر؛ مثل زيدٍ في خلقه وتخطيطه، وإذا جوَّزنا ذلك، فقد لزم الشكُّ في أنَّ زيداً المشاهد الآن هو الذي شاهدناه بالأمْسِ، أم لا، ومن أنكر الصَّانع المختار، وأسند الحوادث إلى اتصالات الكواكب، وتشكُّلات الفلك، لزمه [تجويزُ] أن يحدث اتصالٌ غريبٌ في الأفلاك يقتضي حدوث شخصٍ، مثل زيدٍ في كُلِّ الأمور، وحينئذٍ يعود التجويزُ المذكُور. وعن الثاني: أنَّه لا يمتنعُ أن يكون جبريلُ - عليه السلام - له أجزاءٌ أصليَّةٌ، وأجزاءٌ فاضلةٌ، فالأجزاءُ الأصليَّة قليلةٌ جدًّا؛ فحينئذ: يكون متمكِّناً من التشبُّه بصُورة الإنسان، هذا إذا جعلناه جسمانيًّا، فإذا جعلناهُ روحانيًّا، فأيُّ استبعادٍ في أن يتنوَّع بالهَيْكَل العظيم، وأخرى بالهيكل الصَّغير. وعن الثالث: أنَّ أصل التجويز قائمٌ في العقل، وإنما عرف فسادهُ بدلائل السَّمع، وهو الجوابُ عن السؤال الرابع. قوله: {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}. أي: إن كان يرجى منك أن تتقي الله، فإنِّي عائذةٌ به منك؛ لأنَّها علمتْ أن الاستعاذة لا تؤثِّرُ في التُّقى، فهو كقول القائل: إن كنت مُسْلماً، فلا تظلمني، أي: ينبغي أن تكُون تقواك مانعاً لك من الفُجُور. كقوله تعالى: {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [البقرة: 278]. أي: أنَّ شرط الإيمان يُوجب هذا؛ لا أنَّ الله تعالى يُخْشَى في حالٍ دون حالٍ. وقيل: كان في ذلك الزَّمانِ إنسانٌ فاجرٌ يتبعُ النِّساء، اسمه تقيٌّ، فظنَّت مريمُ أنَّ ذلك الشخص المشاهد هُو ذاك، والأول أصحُّ. قوله: {إِن كُنتَ تَقِيًّا} جوابه محذوفٌ، أو متقدِّم. قوله تعالى: {لأَِهَبَ}: قرأ نافعٌ، وأبو عمرو "ليهَبَ" بالياء والباقون "لأهَبَ" بالهمزة، فالأولى: الظاهرُ فيها أنَّ الضمير للرَّبِّ، أي: ليهبَ الرَّبُّ، وقيل: الأصلُ: لأهَبَ، بالهمز، وإنما قلبتِ الهمزةُ ياءً تخفيفاً؛ لأنها مفتوحةٌ بعد كسرةٍ، فتتفِقُ القراءتان، وفيه بعدٌ، وأمَّا الثانية، فالضميرُ للمتكلِّم، والمراد به الملكُ، وأسنده لنفسه؛ لأنه سببٌ فيه ويؤيده: أن في بعض المصاحف: "أمرني أن أهب لك"؛ ويجوز أن يكون الضمير لله تعالى، ويكون على الحكاية بقولٍ محذوف. قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَِهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيًّا}. فصل لما علم جبريلُ - صلوات الله عليه - خوفها، قال: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ} ليزول عنها ذلك الخوف، ولكن الخوف لا يزولُ بمجرَّدِ هذا القول، بل لا بدَّ من دلالةٍ تدلُّ على أنه كان جبريل - صلوات الله عليه -، فيحتمل أن يكون قد ظهر معجزٌ، عرفت به أنَِّه جبريلُ - صلوات الله عليه -، ويحتمل أنَّها عرفت صفة الملائكة من جهة زكريَّا - صلوات الله عليه - فلمَّا قال لها: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ} أظهر لها من جسده ما عرفت به أنَّه ملكٌ؛ فيكونُ ذلك هو العلمَ، والذي يظهر أنَّها كانت تعرفُ صفة الملك بالأمارات، حين كان يأتيها بالرِّزْق في المحراب، وقال لها زكريَّا: {أية : يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 37]. قوله: {غُلاَماً زَكِيًّا} ولداً صالحاً طاهراً من الذُّنُوب. {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} إنما تعجبت مما بشَّرها جبريلُ؛ لأنَّها قد عرفت بالعادة أنَّ الولادة لا تكونُ إلاَّ من رجُلٍ، والعاداتُ عند أهل المعرفةِ معتبرةٌ في الأمُور، وإن جوَّزنا خلاف ذلك في القدرة، فليس في قولها هذا دلالةٌ على أنَّها لم تعلمْ أنَّه تعالى قادرٌ على خلق الولد ابتداءً، وكيف، وقد عرفت أنَّه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحدِّ؛ ولأنَّها كانت منفردةً بالعبادة، ومن يكونُ كذلك، لا بُدَّ أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك. فإن قيل: قولها {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} كافٍ في المعنى، فلم قالت: {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} فالجوابُ من وجهين: أحدهما: أنها جعلت المسَّ عبارة عن النِّكاح الحلال؛ لأنَّه كنايةٌ عنه قال تعالى: {أية : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} تفسير : [البقرة: 237] والزِّنا، إنما يقال فيه: فجر بها، أو ما أشبهه. والثاني: أن إعادتها؛ لتعظيم حالها؛ كقوله تعالى: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238] وقوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة: 98]. فكذا هاهنا: إن من لم تعرف من النِّساء بزوجٍ، فأغلظ أحوالها، إذا أتت بولدٍ: أن تكُون زانيةً، فأفردت ذلك البغْي بعد دخوله في الكلام؛ لأنَّه أعظُم ما في بابه. قوله تعالى: "بَغِيًّا": في وزنه قولان: أحدهما - وهو قولُ المبرِّد - أنَّ وزنه "فَعُولٌ" والأصل "بَغُويٌ" فاجتمعت الياء، والواو، [ففعل فيه ما هو معروفٌ]، قال أبو البقاء: "ولذلك لم تلحقْ تاءُ التأنيث؛ كما لم تلحقْ في صبُور وشكور" ونقل الزمخشريُّ عن أبي الفتح في كتابه "التمام" أنها فعيلٌ، قال: "ولو كانت فعُولاً، لقيل: بغُوٌّ، كما يقال: فلان نهُوٌّ عن المنكر" ولم يعقبه بنكير، ومن قال: إنها "فَعِيْلٌ" فهل هي بمعنى "فَاعِل" أو بمعنى "مَفْعُول"؟ فإن كانت بمعنى "فاعل" فينبغي أن تكون بتاء التأنيث؛ نحو: امرأةٌ قديرةٌ وبصيرةٌ، وقد أجيب عن ذلك: بأنها معنى النَّسب؛ كحائضٍ وطالقٍ، أي ذات بغي، وقال أبو البقاء، حين جعلها بمعنى "فَاعِل": "ولم تلحقِ التاءُ أيضاً؛ لأنها للمبالغةِ" فجعل العلة في عدم اللحاقِ كونه للمبالغة؛ وليس بشيءٍ، وإن قيل بأنَّها بمعنى "مَفْعُول" فعدمُ الياءِ واضحٌ. وتقدم الكلامُ على قوله: {قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} وهو كقوله في آل عمران {أية : كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 47] لا يمتنعُ عليه ما يريدُ خلقه، ولا يحتاجُ في إنشائه إلى الآلاتِ والموادِّ. قوله: "ولنَجْعَلهُ" يجوز أن يكُون علَّةً، ومُعَلَّلُهُ محذوفٌ، تقديره: لنجعلهُ آيةً للنَّاسِ فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون نسقاً على علةٍ محذوفةٍ، تقديره: لنُبَيِّنَ به قدرتنا، ولنجعله آيةً، والضميرُ عائدٌ على الغلام، واسم "كان" مضمرٌ فيها، أي: وكان الغلام، أي: خلقه وإيجاده أمراً مقضياً: أي لا بُدَّ منه. والمرادُ بـ "الآية" العلامةُ، أي: علامة للنَّاسِ، ودلالةً على قُدرتنا على أنواع الخلق؛ فإنه تعالى خلق آدم - صلوات الله عليه وسلامه - من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حوَّاء من ذكرٍ بلا أنثى، وخلق عيسى - صلوات الله عليه - من أنثى بلا ذكرٍ، وخلق بقيَّة النَّاسِ من ذكرٍ وأنْثَى. {وَرَحْمَةً مِّنَّا} أي: ونعمةً لمنْ تبعه على دينه، {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيًّا} محكوماً مفروغاً منه، لا يُرَدُّ، ولا يُبَدَّلُ. قوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِ}. قيل: إنَّ جبريل - صلوات الله عليه وسلامه - رفع درعها، فنفخ في جيبه، فحملتْ حين لبستْ. وقيل: نفخ جبريلُ من بعيدٍ، فوصل الرِّيح إليها، فحملت بعيسى في الحالِ. وقيل: إنَّ النَّفْخة كانت في فيها، فوصلت إلى بطنها. وقيل: كان النَّافخُ هو الله تعالى؛ لقوله عزَّ وجلَّ: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} تفسير : [التحريم: 12]. وظاهرهُ؛ يفيدُ أنَّ النافخَ هو الله تعالى؛ ولأنه تعالى قال: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} تفسير : [آل عمران: 59]. ومقتضى التشبيه حُصُول المُشابهة إلاَّ فيما أخرجه الدَّليل، وفي حقِّ آدم النَّافخُ هو الله تعالى؛ لقوله عزَّ وجلَّ: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29] فكذا هاهنا، وإذا عرفت هذا، ظهر أن في الكلام حذفاً، تقديره: "فَنَفخَ فيها، فحملتهُ". قيل: حملتْ، وهي بنتُ [ثلاثَ عشرة سنةً]. وقيل: بنتُ عشرين، وقد كانت حاضتْ حيضتين قبل أن تحمل، وليس في القرآن ما يدلُّ على شيء من هذه الأحوال. قوله تعالى: {فَٱنتَبَذَتْ بِهِ}: الجارُّ والمجرورُ في محلِّ نصب على الحال، أي: انتبذتْ، وهو مصاحبٌ لها؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3585-............................. تَدُوسُ بِنَا الجَماجِمَ والتَّرِيبا تفسير : والمعنى: اعتزلت، وهو في بطنها؛ كقوله: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20] أي: تنبتُ، والدُّهْنُ فيها. {مَكَاناً قَصِيًّا}: بعيداً من أهلها. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم؛ فراراً من قومها أن يُعَيِّروها بولادتها من غير زوج. واختلفوا في علَّة الانتباذِ؛ فروى الثعلبيُّ في "العَرائسِ" عن وهب قال: إنَّ مريم لمَّا حملتْ بعيسى - صلوات الله عليه - كان معها ابن عمٍّ لها يُسمَّى "يُوسُفَ النَّجَّار"، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند "جَبَلِ صُهْيُون"، وكانت مريمُ ويوسفُ يخدمان ذلك المسجدَ، ولا يعلمُ من أهل زمانهما أحدٌ أشدُّ اجتهاداً منهما، وأوَّلُ من عرف حمل مريم يوسفُ، فتحير في أمرها، فكلَّما أراد أن يتَّهمها، ذكر صلاحها، وعبادتها، وأنَّها لم تغبْ عنه ساعةً قطُّ؛ فقال: إنَّه قد وقع في نفسي من أمرِك شيءٌ، وقد حرصتُ على كتمانِهِ، فغلبني ذلك، فرأيتُ أنَّ الكلام فيه أشفى لصدْرِي فقالت: قُلْ قَوْلاً جَمِيلاً. قال: أخبريني يا مريمُ، هَلْ يَنْبتُ زَرْعٌ بِغَيْرِ بذْرٍ؟ وهلْ تَنْبُتُ شَجَرةٌ من غَيْرِ غَيْثٍ؟ وهَلْ يَكُونُ ولد من غَيْرِ ذكرٍ؟ قالتْ: نَعَمْ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الله تعالى أنْبَتَ الزَّرْعَ يوْمَ خلقهُ مِنْ غَيْرِ بَذْرٍ، وهذا البَذْرُ إنَّما حصل مِنَ الزَّرْعِ الذي أنْبَتَهُ من غَيْرِ بَذْرٍ. ألم تعلم أنَّ الله أنْبتَ الشَّجرَةَ بغير غَيْثٍ، وبالقُدْرةِ جعل الغَيْثَ حياةَ الشَّجرةِ، بعدمَا خلقَ اللهُ كُلَّ واحدٍ مِنْها على حدةٍ؟ أو تقُول: إنَّ الله لا يقدرُ على أنْ يُنْبِتَ الشَّجرة حتَّى استعان بالماءِ، ولوْلاَ ذلكَ، لَمْ يَقْدِرْ على إنباتها؟!. قال يُوسفُ: لا أقُولُ هذا، ولكنِّي أقُولُ: إنَّ الله تعالى قادرٌ على مَا يَشَاءُ، فيقُول: كُنْ فَيكُونُ، فقالت لهُ مريمُ: أو لَمْ تعلمْ أنَّ الله خلق آدَمَ وامْرأتهُ حوَّاء من غير ذكرٍ، ولا أنثى، فعندهُ زالتِ التُّهْمَةُ عن قلبهِ، وكان ينُوبُ عنها في خدمةِ المسجدِ؛ لاستيلاءِ الضَّعْف عليها؛ بسبب الحَمْلِ، وضيق القَلْبِ، فلمَّا قرُبَ نفاسُها، أوحى الله تعالى إليها أن اخْرُجي من أرض قومكِ؛ لئلاَّ يقتُلُوا ولدكِ، فاحتملها يوسفُ إلى أرْضِ مِصْر على حمار لهُ، فلمَّا بلغتْ تلك البلادَ، وأدْركهَا النِّفاسُ، فألجأها إلى أصلِ نخلةٍ، وذلك في زمانِ بردٍ، فاحتضنتها، [فوضعت] عندها. وقيل: إنَّها استحيت من زكريَّا، فذهبت إلى مكانٍ بعيدٍ، لئلاَّ يعلم بها زكريَّا - صلوات الله عليه -. وقيل: لأنَّها كانَتْ مشهورةً في بني إسرائيل بالزُّهدِ؛ لنذْرِ أمِّهَا، وتشاحَّ الأنبياءِ في تربيتها، وتكفُّل زكريَّا بِهَا، وكان الرِّزْقُ يأتيها من عند الله تعالى، فلمَّا كانت في نهايةِ الشُّهرةِ اسْتَحْيتْ من هذه الواقعةِ، فذهَبتْ إلى مكانٍ بعيدٍ. وقيل: خافت على ولدها من القَتْل، لو ولدته بين أظهرهم. وكلُّ هذه الوجُوهِ محتملةٌ، وليس في القرآن ما يدلُّ على شيءٍ منها. فصل في بيان حمل مريم اختلفُوا في مدَّة حملها، فرُوي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّها تسعة أشهر؛ كسائر النسِّاء في الغالب. وقيل: ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى؛ لأنَّه لم يعش ولدٌ يولدُ لثمانية أشهر إلاَّ عيسى - صلوات الله عليه -. وقال عطاءٌ، وأبو العالية، والضحاك: سبعةُ أشهر وقيل: ستَّةُ أشهر. وقال مقاتلُ بنُ سليمان: ثلاثُ ساعاتٍ، حملت به في ساعةٍ، وصُوِّر في ساعةٍ، ووضعته حين زالتِ الشَّمْسِ من يومها. وقال ابنُ عبَّاس: كان الحَمْل والولادةُ في ساعةٍ واحدة، ويدلُّ عليه وجهان: الأول: قوله: {فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِ} {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ} {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ}، والفاء: للتعقيب؛ فدلَّت هذه الفاءاتُ على أنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأحوال حصل عقيبَ الآخَرِ من غير فصْلٍ؛ وذلك يوجبُ كون مدَّة الحَمْل ساعةً واحدة لا يقال: انتباذها مكاناً قصيًّا كيف يحصُل في ساعةٍ واحدةٍ؛ لأنَّا نقول: السُّدي فسَّر بأنَّها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها. الثاني: أنَّ الله تعالى قال في وصفه {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59]، فثبت أن عيسى - صلواتُ الله عليه - كما قال الله تعالى: "كُنْ" فكان، وهذا مما لا يتصوَّر فيه مدَّةُ الحمل، إنَّما يتصوَّر مُدَّة الحمل في المتولِّد عن النُّطفة. والقَصيُّ: البعيدُ. يقال: مكانٌ قاصٍ، وقَصِيٌّ بمعنى واحدٍ؛ مثل: عاصٍ وعَصِيٍّ. قوله تعالى: {فَأَجَآءَهَا}: الأصلُ في "جَاءَ": أنْ يتعدَّى لواحدٍ بنفسه، فإذا دلت عليه الهمزة، كان القياسُ يقتضي تعدِّيه لاثنين، قال الزمخشريُّ: "إلاَّ أنَّ استعماله قد تغيَّر بعد النَّقْل إلى معنى الإلجاء، ألا تراك لا تقولُ: جئتُ المكانَ، وأجاءنيه زيدٌ؛ كما تقولُ: بلغتهُ وأبلغنيه، ونظيرهُ "آتى" حيثُ لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل: أتيتُ المكان وآتانيه فلانٌ". وقال أبو البقاء: الأصلُ "جَاءَهَا" ثم عُدِّي بالهمزة إلى مفعولٍ ثانٍ، واستعمل بمعنى "ألْجَأها". قال أبو حيَّان: قوله: إنَّ "أجَاءَهَا" [استعمل] بمعنى "ألْجَأهَا" يحتاجُ إلى نقل أئمةِ اللغة المستقرئين لذلك من لسانِ العرب، والإجاءةُ تدلُّ على المُطلقِ، فتصلحُ لما هو بمعنى "الإلْجَاءِ" ولما هو بمعنى "الاختيار" كما تقول: "أقَمْتُ زَيْداً" فإنه يصلحُ أن تكون إقامتك لهُ قَسْراً أو اختياراً، وأمَّا قوله: "ألا تراكَ لا تقُولُ" إلى آخره، فمن رأى أنَّ التعدية بالهمزة قاسٌ، أجاز ذلك، وإن لم يسمعْ، ومن منع، فقد سمع ذلك في "جَاءَ" فيجيزُ ذلك، وأمَّا تنظيرهُ ذلك بـ "أتى" فليس تنظيراً صحيحاً؛ لأنَّه بناهُ على أنَّ همزته للتعدية، وأنَّ أصله "آتى" بل "آتى" ممَّا بُنِي على "أفْعَلَ" ولو كان منقولاً من "أتى" المتعدِّي لواحد، لكان ذلك الواحدُ هو المفعول الثاني، والفاعل هو الأوَّل، إذا عدَّيته بالهمزة، تقولُ: "أتى المالُ زيداً" و "آتى عمروٌ زيداً المالَ" فيختلفُ التركيبُ بالتعدية؛ لأنَّ "زَيْداً" عند النحويِّين هو المفعول الأول، و "المال" هو المفعولُ الثاني، وعلى ما ذكره الزمخشريُّ، كان يكون العكس، فدلَّ على أنَّه ليس ما قاله، وأيضاً، فـ "أتى" مرادفٌ لـ "أعْطَى"، فهو مخالفٌ من حيثُ الدلالة في المعنى، وقوله: "ولمْ تَقُل: أتَيْتُ المكانَ، وآتانيه" هذا غيرُ مسلمٍ، بل تقول::أتَيْتُ المَكَانَ" كما تقول: "جِئْتُ المكانَ" وقال الشاعر: [الوافر] شعر : 3586- أتَوْا نَارِي فَقُلْتُ منُونَ أنتُمْ فقالُوا الجِنُّ قُلتُ عِمُوا ظَلامَا تفسير : ومن رأى التعدية بالهمزةِ قياساً، قال: "آتانيه" قال شهاب الدين: وهذه الأبحاثُ التي ذكرها الشيخُ - رحمه الله - معه ظاهرةُ الأجوبة، فلا نُطَوِّلُ بذكرها. وقرأ الجمهورُ "فأجَاءَهَا" أي: ألْجَأهَا وساقها، ومنه قوله: [الوافر] شعر : 3587- وجَارٍ سَارَ مُعْتَمِداً إليْكُمْ أجَاءَتْهُ المخَافَةُ والرَّجَاءُ تفسير : وقرأ حمَّادُ بن سلمة "فاجَأهَا" بألفٍ بعد الفاء، وهمزة بعد الجيم، من المفاجأة، بزنة "قابلها" ويقرأ بألفين صريحتين؛ كأنهم خَفَّفُوا الهمزة بعد الجيمِ، وبذلك رُويتْ بيْنَ بيْنَ. والجمهورُ على فتح الميم من "المَخَاض" وهو وجعُ الولادةِ، ورُوِيَ عن ابن كثير بكسر الميم، فقيل: هما بمعنى، وقيل: المفتوحُ: اسمُ مصدر؛ كالعطاءِ والسلامِ، والمكسورُ مصدرٌ؛ كالقتال واللِّقاء، والفعالُ: قد جاء من واحد؛ كالعقابِ والطِّراقِ، قاله أبو البقاء، والميم أصليةٌ؛ لأنه من "تَمخَّضتِ الحامِلُ تَتَمخَّضُ". و "إلى جذْعِ" يتعلق في قراءة العامَّة بـ "أجَاءَهَا" أي: ساقها إليه. وفي قراءة حمَّاد بمحذوفٍ، لأنه حالٌ من المفعول، أي: فاجأها مستندةً إلى جذْع النَّخْلةِ. فصل في معنى الآية المعنى: ألْجَأهَا المخاض، وهو وجعُ الولادةِ إلى جذْعِ النَّخْلة؛ لتستند إليها، وتتمسَّك بها عند وجع الولادة، وكانت نخلة يابسةً في الصحراء في شدَّة الشِّتاء، ولم يكُن لها سعفٌ، ولا خُضْرة، والتعريف فيها: إمَّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة؛ كتعريف النَّجم [والصَّعق] أو كانت تلك الصَّحراء كان فيها جذْع نخلة مشهورٌ عند النَّاس. فإن قيل: جذعُ النَّخْلة فهم منه ذلك دون سائره، وإمَّا يكون تعريف الجنْسِ، أي: إلى جذْعِ هذه الشَّجرة خاصَّةً؛ كأنَّ الله تعالى أرشدها إلى النَّخْلة؛ ليُطعمَها منها الرُّطب الذي هو أشبه الأشياء موافقة للنُّفساء، ولأنَّ النخلة أشدُّ الأشياء صَبْراً على البَرْد، ولا تُثْمِرُ إلاَّ عند اللِّقاح، وإذا قُطِعَ رأسُها، لم تُثْمِرْ، فكأنَّ الله تعالى قال: كما أنَّ الأنثى لا تلدُ إلاَّ مع الذَّكر، فكذا النَّخلة لا تُثْمِر إلا باللِّقاح، ثم إنَّه أظهر الرُّطب من غيْر اللِّقَاح؛ ليدلَّ ذلك على جواز ظُهُور الولد من غير ذكر. {قَالَتْ يَٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} تمنَّت الموت. فإن قيل: كيف تمنَّت الموت مع أنها كنت تعلم أنَّ الله تعالى بعث جبريل - صلوات الله عليه - ووعدها بأنْ يجعلها وولدها آيةً للعالمين. فالجوابُ من وجوه: الأول: تمنَّت الموت استحياءً من النَّاس، فأنْسَاها الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى - صلوات الله عليه -. الثاني: أنَّ عادة الصَّالحين - رضي الله تعالى عنهم - إذا وقعُوا في بلاءٍ: أن يقُولُوا ذلك، كما رُوِيَ عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه [نظر إلى طائرٍ] على شجرة، فقال: طُوبى لَكَ، يا طَائِر؛ تقعُ على الشَّجرِ، وتأكُلُ من الثَّمَر، وددت أنِّي ثمرةٌ يَنْقُرهَا الطَّائِرُ. وعن عُمر - رضي الله عنه - أنَّه أخذ تبنة من الأرض، فقال: يا لَيْتَنِي هذه التِّبْنَةُ، يا ليتَنِي لم أكُنْ شيئاً. وعن عليٍّ كُرِّم وجهه يوم الجمل: لَيْتَنِي مِتُّ قبل هذا اليومِ بعشرين سنة. وعن بلالٍ - رضي الله عنه -: ليت بلالاً لم تلدهُ أمهُ. فثبت أنَّ هذا الكلام يذكُرُه الصَّالحون عند اشتداد الأمْرِ عليهم. الثالث: - لعلَّها قالت ذلك؛ لئلاَّ تقع المعصيةُ ممن يتكلَّم فيها، وإلاَّ فهي راضيةٌ بما بُشِّرَتْ به. قوله تعالى: "نَسْياً" الجمهور على النون وسكون السين، وبصريح الياء بعدها، وقرأ حمزة وحفص وجماعة بفتح النون، فالمكسور "فِعْل" بمعنى "مَفْعُولٍ" كالذِّبح والطِّحن، ومعناه الشيء الحقيرُ الذي من شأنه أن ينسى؛ كالوتد، والحبلِ، وخرقةِ الطَّمْثِ، ونحوها. تمنت لو كانت شيئاً تافهاً لا يؤبه له من حقّه أن ينسى عادة. قال ابن الأنباري - رحمه الله -: "من كسر فهو اسمٌ لما يُنسى، كالنِّقص؛ اسمٌ لما ينقصُ، والمفتوحُ: مصدرٌ يسدُّ مسدَّ الوصف" وقال في الفرَّاء: هما لغتان؛ كالوَتْر والوِتْر، والكسرُ أحَبُّ إليَّ". وقرأ محمدُ بنُ كعب القرظيُّ "نِسْئاً" بكسر النون، والهمزةُ بدل الياء، وروي عنه أيضاً، وعن بكر بن حبيب السهميِّ فتحُ النون مع الهمزة، قالوا: وهو من نسأتُ اللَّبن، إذا صببت فيه ماءً، فاستهلك فيه، فالمكسورُ أيضاً كذلك الشيء المستهلك، والمفتوحُ مصدرٌ؛ كما كان ذلك من النِّسيانِ. ونقل ابن عطيَّة عن بكر بن حبيبٍ "نَساً" بفتح النون، والسين، والقصر؛ كـ "عَصاً"، كأنه جعل فعلاً بمعنى مفعولٍ؛ كالقبضِ بمعنى المقبوض. و "منْسِيًّا" نعتٌ على المبالغة، وأصله "مَنْسُويٌ" فأدغم، وقرأ أبو جعفرٍ، والأعمشُ "مِنْسيًّا" بكسر الميم؛ للإتباع لكسرة السين، ولم يعتدُّوا بالساكن؛ لأنه حاجزٌ غير حصينٍ؛ كقولهم: "مِنْتِنٌ" و "مِنْخِرٌ"، والمقبرة والمحبرة. قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ}: قرأ الأخوان، ونافع، وحفص بكسر ميم "مِنْ" وجرِّ "تحتها" على الجار والمجرور، والباقون بفتحها، ونصب "تحتها" فالقراءةُ الأولى تقتضي أن يكون الفاعلُ في "نَادَى" مَكراً، وفيه تأويلان: أحدهما: هو جبريلُ، ومعنى كونه "مِنْ تحتها، أنه في مكانٍ أسفل منها؛ ويدلُّ على ذلك قراءةُ ابن عبَّاس "فناداها ملكٌ من تحتها" فصرَّح به. ومعنى كونه أسفل منها: إما أن يكونا معاً في مكانٍ مستوٍ، وهناك مبدأ معيَّنٌ، وهو عند النَّخْلة، وجبريلُ بعيدٌ عنها، فكل من كان أقرب، كان فوق، وكُلُّ من كان أبعد، كان تحت، وبهذا فَسَّر الكلبيُّ قوله تعالى: {أية : إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 10]. ولهذا قال بعضهم: ناداها من أقصى الوادي. وقيل: كانت مريم على أكمةٍ عاليةٍ، وجبريل أسفل؛ قاله عكرمة. ورُوِيَ عن عكرمة: أنَّ جبريل ناداها من تحتِ النخْلَة. و "مِنْ تَحْتهَا" على هذا فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بالنداء، أي: جاء النداء من هذه الجهة. والثاني: أنه حالٌ من الفاعل، أي: فناداها، وهو تحتها. وثاني التأويلين: أنَّ الضمير لعيسى، أي: فناداها المولودُ من تحتِ ذيلها، والجارُّ فيه الوجهان: من كونه متعلِّقاً بالنداء، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ، والثاني أوضحُ. والقراءة الثانية: تكونُ فيها "مَنْ" موصولةً، والظرفُ صلتها، والمرادُ بالموصول: إمَّا جبريلُ، وإمَّا عيسى. وقرأ زِرٌّ، وعلقمةُ: "فَخَاطبَهَا" مكان "فَنَادَاها". فصل في اختلافهم في المنادي قال الحسنُ وسعيدُ بن جبيرٍ: إنَّ المنادي هو عيسى - صلوات الله عليه - وقال ابنُ عبَّاسٍ والسديُّ، وقتادةُ، والضحاكُ، وجماعةٌ: إنَّه جبريل - صلوات الله عليه - وكانت مريمُ على أكمة [وجبريل] وراء الأكمةِ تحتها. وقال ابن عيينة، وعاصمٌ: المنادي على القراءة بالفتح وهو عيسى، وعلى القراءة بالكسر هو الملكُ، والأوَّل أقربُ لوجوهٍ: الأول: أن قوله: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتَها} بفتح الميم إنَِّما يستعملُ إذا كان قد عُلِم قبل ذلك أنَّ تحتها أحداً، والذي عُلِمَ كونه تحتها هو عيسى - صلوات الله عليه - فوجب حملُ اللفظ عليه، وأما قراءة كسر الميم، فلا تقتضي كون المنادي "جبريل" صلواتُ الله عليه. الثاني: أنَّ ذلك الموضع موضعُ اللَّوْث والنَّظر إلى العورة، وذلك لا يليقُ بالملائكةِ. الثالث: أن قوله "فَنَادَاهَا" فعلٌ، ولا بُدَّ أن يكون فاعله قد تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو جبرائيل، وعيسى - صلوات الله عليهما -، إلا أنَّ ذكر عيسى أقربُ؛ لقوله عزَّ وجلَّ: {فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ} والضمير عائدٌ إلى المسيح، فكان حمله عليه أولى. الرابع: أنَّ عيسى - صلوات الله عليه - لو لم يكُن كلَّمها، لما علمتْ أنه ينطقُ، ولما كانت تُشيرُ إلى عيسى بالكلام. فصل في معنى الآية على القولين من قال: المُنادِي: هو عيسى، فالمعنى: أنَّ الله تعالى أنطقه لها حين وضعتهُ تطييباً لقلبها، وإزالةً للوحشة عنها؛ حتى تشاهد في أوَّل الأمْر ما بشَّرها به جبريلُ - صلوات الله عليه - من عُلُوِّ شأن ذلك الولد. ومن قال: المنادي هو جبريلُ - صلوات الله عليه - قال: إنه أرسل إليها؛ ليناديها بهذه الكلمات؛ كما أرسل إليها في أوَّل الأمْر؛ تذكيراً للبشارات المتقدمة. قوله: "ألاَّ تَحْزَنِي" يجوز في "أنْ" أن تكون مفسرةً؛ لتقدُّمها ما هو بمعنى القول، و "لا" على هذا: ناهيةٌ، وحذف النون للجزم؛ وأن تكون الناصبة، و "لا" حينئذٍ نافيةٌ، وحذفُ النُّون للنَّصْب، ومحلُّ "أنْ" إمَّا نصب، أو جرٌّ؛ لأنها على حذفِ حرفِ الجرِّ، أي: فَنَادَاهَا بكذا، والضميرُ في "تحتها": إمَّا لمريم - صلوات الله عليها - وإمَّا للنَّخلة، والأول أولى؛ لتوافق الضميرين. قوله تعالى: ["سَرِيًّا"] يجوز أن يكون مفعولاً أوَّل، و "تَحْتك" مفعولٌ ثان؛ لأنها بمعنى صيَّر" ويجوز أن تكون بمعنى "خلق" فتكون "تَحْتَكِ" لغواً. والسَّرِيُّ: فيه قولان: أحدهما: إنه الرَّجُلُ المرتفع القدر، من "سَرُوَ يَسْرُو" كـ "شَرُفَ، يَشْرُفُ" فهو سريٌّ، وأصله سَرِيوٌ؛ فأعلَّ سيِّدٍ، فلامهُ واوٌ، والمراد به في الآية عيسى ابنُ مريم - صلوات الله عيله -، ويجمعُ "سريٌّ" على "سراة" بفتح السين، وسُرَواء؛ كظرفاء، وهما جمعان شاذَّان، بل قياسُ جمعه "أسْرِيَاء" كغَنِيِّ، وأغنياء، وقيل: السَّرِيُّ: من "سَرَوْتُ الثَّوبَ" أي: نزعتهُ، وسروتُ الجُلَّ عن الفرس، أي: نزعتهُ؛ كأنَّ السريَّ سرى ثوبه؛ بخلاف المُدَّثِّر، والمُتزمِّل، قاله الراغب. والثاني: أنه النَّهْر الصغير، ويناسبه "فكُلِي واشْرَبِي" واشتقاقه من "سَرَى، يَسْرِي" لأن الماءَ يَسْري فيه، فلامه على هذا ياء؛ وأنشدوا للبيدٍ: [الرجز] شعر : 3588- فَتَوسَّطَا عُرْضَ السَّريِّ فصَدَّعا مَسْجُورةً مُتجَاوِزاً قُلاَّمُهَا تفسير : فصل قال الحسن، وابن زيدٍ: السَّريُّ هو عيسى، والسَّريُّ: هو النَّبيلُ الجليلُ. يقال: فلانٌ من سرواتِ قومه، أي: من أشرافهم، وروي أن الحسن رجع عنه. وروي عن قتادة وغيره: أن الحسن تلا هذه الآية وإلى جنبه حُمَيد بن عبد الرَّحمن الحميريُّ - رضي الله عنه -: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا}. فقال: إن كان لسربًّا، وإن كان لكريماً، فقال له حميدٌ: يا أبا سعيد، إنما هو الجدول، فقال له الحسنُ "مِنْ ثمَّ [تُعْجِبُنِي مُجَالستُكَ"]. واحتجَّ من قال: هو النَّهر حديث : بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِل عن السَّريِّ، فقال - صلوات الله عليه وسلامه - هو الجدولُ، تفسير : وبقوله سبحانه وتعالى: {فَكُلِي وَٱشْرَبِي} فدلَّ على أنَّه النَّهر؛ حتى ينضاف الماءُ إلى الرُّطب، فتأكل وتشرب. واحتجَّ من قال: إنَّه عيسى بأنَّ النهر لا يكون تحتها، بل إلى جنبها، ولا يجوزُ أن يكون يُجابُ عنه بأن المراد أنَّه جعل النَّهر تحت أمرها يجري بأمرها، ويقف بأمرها؛ لقوله: {أية : وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَٰرُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} تفسير : [الزخرف: 51] لأنَّ هذا حمل اللفظ على مجازه، ولو حملناه على عيسى، لم يحتج إلى هذا المجاز. وأيضاً: فإنَّه موافقٌ لقوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} تفسير : [المؤمنون: 50]. وأجيب: بما تقدَّم أن المكان المستوي، إذا كان فيه مبدأٌ معيَّن، فكلُّ من كان أقرب منه، كان فوق، وكل من كان أبعد منه، كان تحت. فصل في التفريع على القول بأن السريّ النهر إذا قيل: إنَّ السَّرِيَّ: هو النَّهْر، ففيه وجهان: الأول: قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: إنَّ جبرائيل - صلواتُ الله عليه وسلامه - ضرب برجله الأرض. وقيل: عيسى؛ فظهرت عينُ ماءٍ عذبٍ، وجرى. وقيل: كان هناك ماءٌ جارٍ؛ والأول أقربُ؛ لأن قوله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} يدلُّ على الحدوث في ذلك الوقت؛ ولأنَّ الله تعالى ذكرهُ تعظيماً لشأنها، وذلك لا يدلُّ إلا على الوجه الذي قلناه. وقيل: كان هناك نهرٌ يابسٌ أجرى الله فيه الماء، وحيث النخلة اليابسة، فأورقتْ، وأثمرتْ، وأرطبتْ. قال أبو عبيدة والفَّراء: السَّريُّ: هو النَّهْرُ مطلقاً. وقال الأخفشُ: هو النَّهْرُ الصَّغير. قوله تعالى: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}: يجوز أن تكون الباءُ في "بِجِذْعٍ" زائدة، كهي في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 195] [وقوله]: شعر : 3589-.............................. ..........لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ تفسير : وأنشد الطبريُّ - رحمة الله تعالى -: [الطويل] شعر : 3590- بِوَادٍ يمانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صدْرُهُ وأسْفَلُهُ بالمَرْخِ والشَّبَهَانِ تفسير : أي: ينبت المرخ أي: هُزِّي جذْعَ النَّخلةِ. أو حركي جذْعَ النَّخلة. قال الفرَّاء: العربُ تقول: هزَّهُ، وهزَّ به، وأخذ الخطام وأخذ بالخطام، وزوَّجتُك فلانة، وبفُلانةٍ ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً، والجارُّ حالٌ من ذلك المحذوف، تقديره: وهُزِّي إليك رُطباً كائناً بجذع النخلة، ويجوز أن يكون هذا محمولاً على المعنى؛ إذ التقدير: هُزِّي الثمرةَ بسبب هزِّ الجِذْعِ، أي: انفُضِي الجِذْع، وإليه نحا الزمخشريُّ؛ فإنه قال: "أو افْعَلِي الهَزَّ"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3591-................................ يَجْرَحْ فِي عَراقِيبِهَا نَصْلِي تفسير : قال أبو حيَّان: وفي هذه الآيةِ، وفي قوله تعالى: {أية : وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} تفسير : [القصص: 32] ما يردُّ على القاعدة المقرَّرةِ في علم النَّحو: من أنَّه لا يتعدَّى فعلُ المضمرِ المُتَّصل إلى ضميره المتَّصلِ، إلاَّ في باب "ظنَّ" وفي لَفْظَتَيْ "فَقَدَ، وعدِمَ" لا يقالُ: ضربْتَكَ، ولا ضَرَبْتُني، أي: ضَربْتَ أنْتَ نَفْسَكَ، وضَربْتُ أنَا نفسي، وإنما يؤتى في هذا بالنَّفْسِ، وحكمُ المجرور بالحرف المنصوب؛ فلا يقال: هَزَزْتَ إليك، ولا زيدٌ هزَّ إليه؛ ولذلك جعل النحويُّون "عَنْ" و "عَلَى" اسمين في قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 3592- دَعْ عَنْكَ نَهْباً صيحَ في حُجُراتهِ ولكِنْ حديثاً ما حَدِيثُ الرَّواحِلِ تفسير : وقول الآخر: [المتقارب] شعر : 3593- هَوِّنْ عليكَ فإنَّ الأمُورَ بكَفِّ الإلهِ مقاديرُهَا تفسير : وقد ثبت بذلك كونهما اسمين؛ لدُخُولِ حرفِ الجرِّ عليهما في قوله: [الطويل] شعر : 3594- غَدَتْ من عليْهِ بعدما تمَّ ظمؤهَا تَصِلُ وعن قَيْضٍ بِبَيْدَاءَ مَجْهَلِ تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 3595- فَقُلْتُ للرَّكْبِ لمَّا أن عَلا بِهِمُ مِنْ عَنْ يمينِ الحُبَيَّا نظرةٌ قَبْلُ تفسير : وأمَّا "إلى" فحرفٌ بلا خلافٍ، فلا يمكنُ فيها أن تكون اسماً؛ كـ "عَنْ" و "عَلَى" ثم أجاب: بأنَّ "إليكِ" في الآيتين لا تتعلقُ بالفعل قبله، إنما تتعلَّقُ بمحذوفٍ على جهةِ البيان، تقديره: "أعني إليك" قال: "كما تأولوا ذلك في قوله: {أية : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21] في أحد الأوجه". قال شهاب الدين - رضي الله تعالى عنه -: وفي ذلك جوابان آخران: أحدهما: أن الفعل الممنوع إلى الضمير المتصل، إنما هو من حيث يكون الفعلُ واقعاً بذلك الضمير، والضمير محلٌّ له؛ نحو: "دَعْ عنْكَ" و "هوِّنْ عليْكَ" وأمَّا الهزُّ والضمُّ، فليسا واقعين بالكاف، فلا محذور. والثاني: أنَّ الكلام على حذف مضافٍ، تقديره: هُزِّي إلى جهتك ونحوك واضمم إلى جهتك ونحوك. فصل في المراد بجذع النخلة قال [القفال]: الجِذْعُ من النَّخلة: هو الأسفل، وما دُون الرَّأس الذي عليه الثَّمرة. وقال قطربٌ: كُلُّ خشبة في أصل شجرة، فهي جذعٌ. قوله: "تُسَاقِطْ" قرأ حمزةُ "تَسَاقَطْ" بفتح التاء، وتخفيف السين، وفتح القاف، والباقون - غير حفص - كذلك إلا أنَّهم شدَّدُوا السِّين، وحفصٌ، بضم التاء، وتخفيف السين، وكسر القاف. فأصلُ قراءةِ غير حفص "تتساقطْ" بتاءين، مضارع "تَساقَطَ" فحذف حمزة إحدى التاءين تخفيفاً؛ نحو: {تَنَزَّلُ} [القدر: 4] و {تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152]، والباقون أدغمُوا في السِّين، وقراءة حفص مضارعُ "سَاقَطَ". وقرأ الأعمش، والبراء [بنُ عازبٍ] "يَسَّاقَطْ" كالجماعة، إلا أنه بالياء من تحتُ، أدغم التاء في السِّين؛ إذ الأصلُ: "يتساقَط" فهو مضارعُ "اسَّاقَطَ" وأصله "يَتَساقَطُ" فأدغمَ، واجتلبتْ همزةُ الوصل؛ كـ "ادَّارَأ" في "تَدَارَأ". ونْقل عن أبي حيوة ثلاثُ قراءاتٍ: وافقهُ مسروقٌ في الأولى، وهي "تُسْقِطْ" بضم التاء، وسكون السين، وكسر القاف من "أسْقَطَ". والثانية: كذلك إلا أنه بالياء من تحتُ. الثالثةُ كذلك إلاَّ أنه رفع "رُطَباً جَنِيًّا" بالفاعلية. وقُرِىء "تَتَسَاقَط" بتاءين من فوقُ، وهو أصل قراءة الجماعة، وتَسْقُط ويَسْقُط، بفتح التاء والياء، وسكون السين، وضمِّ القاف، فرفعُ الرطب بالفاعلية، وتعطي من الأفعال ما يوافقه في القراءات المتقدمة، ومن قرأ بالتاء من فوق، فالفعل مسندٌ: إمَّا للنَّخلة، وإمَّا للثمرةِ المفهومة من السياق، وإمَّا للجذْعِ، وجاز تأنيثُ فعله؛ لإضافته إلى مؤنَّث؛ فهو كقوله: [الطويل] شعر : 3596-........................ كَمَا شَرقَتْ صَدْرُ القناةِ مِن الدَّمِ تفسير : وكقراءة {تلتقطه بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} [يوسف: 10] ومن قرأ بالياء من تحت، فالضميرُ للجذْعِ، وقيل: للثَّمر المدلول عليه بالسيِّاق. وأمَّا نصب "رُطَباً" فلا يخرجُ عن كونه تمييزاً، أو حالاً موطِّئة، إن كان الفعل قبله لازماً، أو مفعولاً به، إن كان الفعل متعدِّياً، [والذَّكِيُّ] يردُّ كلَّ شيءٍ إلى ما يليقُ به من القراءات، وجوَّز المبرِّد في نصبه وجهاً غريباً: وهو أن يكون مفعولاً به بـ "هُزِّي" وعلى هذا، فتكون المسألةُ من باب التنازع في بعض القراءات: وهي أن يكون الفعل فيها متعدِّياً، وتكون المسألةُ من إعمال الثاني، للحذف من الأوَّل. وقرأ طلحة بن سليمان "جنيًّا" بكسرِ الجيم إتباعاً لكسرةِ النون. والرُّطبُ: اسم جنسٍ لرطبة؛ بخلاف "تُخَم" فإنَّه جمعٌ لتخمة، والفرقُ: أنهم لزمُوا تذكيرهُ، فقالوا: هو الرطبُ، وتأنيث ذاك، فقالوا: هي التُّخَمُ، فذكَّرُوا "الرُّطَب" باعتبار الجنس، وأنَّثُوا "التُّخَمَ" باعتبار الجمعيَّة، وهو فرقٌ لطيفٌ، ويجمعُ على "أرطابٍِ" شذوذاً كربعٍ وأرباعٍ، والرُّطب: ما قطع قبل يبسه وجفافه، وخصَّ الرُّطب بالرُّطبِ من التَّمر، وأرطبَ النَّخلُ؛ نحو: أتْمَرَ وأجْنَى. والجَنِيُّ: ما طاب، وصلح للاجتناء، وهو "فَعِيلٌ" بمعنى مفعول أي رُطَباً مَجنيًّا، وقيل: بمعنى فاعلٍ، أي: طريًّا، والجنى والجنيُّ أيضاً: المُجْتَنَى من العسلِ، وأجْنَى الشَّجَرُ: أدْرَكَ ثمرهُ، وأجنتِ الأرضُ: كَثُرَ جناها، واستعير من ذلك "جنى فلانٌ جنايةً" كما استعير "اجْتَرَمَ جَريمَةً". فصل في معنى الآية المعنى جمعنا لك بين الشُّرب والأكل. قال عمروُ بنُ ميمُون: ليس شيءٌ خيرٌ من الثَّمر والرُّطب، ثم تلا هذه الآية. وقال بعضُ العلماءِ: أكْلُ الرُّطبِ والثَّمرةِ للمرأةِ الَّتي ضربها الطَّلق يُسَهِّل عليها الولادة. قال الرَّبيعُ بنُ خيثمٍ" ما للنُّفساءِ عندي خيرٌ من الرُّطب، ولا للمرضِ خيرٌ من العسل. قالت المعتزلةُ: هذه الأفعال الخارقةُ للعادةِ كانت معجزة لزكريَّا وغيره من الأنبياء؛ وهذا باطلٌ؛ لأنَّ زكريَّا - صلوات الله عليه وسلامه - ما كان له علمٌ بحالها ومكانها، فكيف بتلك المعجزات؟ بل الحقُّ أنها كانت كراماتٍ لمريم، أو إرهاصاً لعيسى - صلوات الله عليهما -، لأنَّ النَّخلة لم تكُن مثمرةً، إذ ذاك؛ لأن ميلادهُ كان في زمان الشتاء، وليس ذاك وقت ثَمرٍ. قوله تعالى: {وَقَرِّي عَيْناً}: نصب "عَيْناً" على التمييز منقولٌ من الفاعل؛ إذ الأصلُ: لتقرَّ عينُك، والعامَّة على فتح القاف من "قَرِّي" أمراً من قرَّت عينهُ تَقَرُّ، بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع. وقُرىء بكسر القاف، وهي لغةُ نجدٍ؛ يقولون: قرَّت عينهُ تقرُّ، بفتح العين في الماضي، وكسرها في المضارع، والمشهورُ: أن مكسور العين في الماضي لـ "العيْنِ"، والمفتوحها في "المَكَان" يقال: قررتُ بالمكانِ أقرُّ به، وقد يقال: قررتُ بالمكانِ بالكسر، وسيأتي ذلك في قوله تعالى {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 33]. وفي وصف العين بذلك تأويلان: أحدهما: أنَّه مأخوذٌ من "القُرّ" وهو البردُ: وذلك أنَّ العين، إذا فرح صاحبها، كان دمُعها قارًّا، بارداً، وإذا حزن، كان حارًّا؛ ولذلك قالوا في الدعاء عليه: "أسْخَنَ اللهُ عيْنَهُ" وفي الدعاء له: "أقر اللهُ عيْنهُ" وما أحلى قول أبي تمَّام - رحمه الله تعالى -: [الطويل] شعر : 3597- فأمَّا عُيُونُ العاشِقينَ فأسْخِنَتْ وأمَّا عُيونُ الشَّامتينَ فقرَّتِ تفسير : والثاني: أنه مأخوذٌ من الاستقرار، والمعنى: أعطاه الله ما يسكِّنُ عينه فلا تطمحُ إلى غيره. المعنى: فكلي من الرطب واشربي من النهر "وقرّي عيناً" وطيبي نفساً، وقدَّم الأكل على الشرب؛ لأن حاجة النُّفساء، إلى الرُّطب أشدُّ من احتياجها إلى شرب الماء؛ لكثرة ما سال منها من الدَّم، قيل: "قَرِّي عيْناً" بولدك عيسى، وتقدَّم معناه. فإن قيل: إن مضرَّة الخوف أشدُّ من مضرَّة الجُوع والعطشِ؛ لأنَّ الخَوْف ألمُ الرُّوح، والجُوع ألمُ البدنِ، وألم الرُّوح أقوى من ألم البدنِ، يروى أنَّه أجيعتْ شاةٌ، فقُدِّم إليها علفٌ، وعندها ذئبٌ، فبقيت الشَّاة مدَّة مديدة لا تتناول العلف، مع جوعها؛ خوفاً من الذئب، ثم كسر رجلها، وقدم العلفُ إليها، فتناولت العلف، مع ألم البدن؛ فدلَّ ذلك على أنَّ ألم الخوف أشدُّ من ألم البدنِ، وإذا كان كذلك، فلم قدَّم دفع ضرر الجُوع والعطش على دفع ضرر الخوف؟. فالجوابُ: لأنَّ هذا الخوف كان قليلاً؛ لأنَّ بشارة جبريل - صلوات الله عليه - كانت قد تقدَّمت، فما كانت تحتاجُ إلى التَّذكرة مرَّة أخرى. قوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} دخلت "إن" الشرطيةُ على "ما" الزائدةِ للتوكيد، فأدغمتْ فيها، وكتبتْ متَّصلة، و "تَرَينَّ" تقدَّم تصريفه. أي: "أنْ تري"، فدخلت عليه نونُ التَّوكيد، فكسرتِ الياءُ، لالتقاء الساكنين. معناه: فإمَّا ترينَّ من البشر أحداً، فسألك عن ولدكِ والعامَّةُ على صريح الياء المكسورة، وقرأ أبو عمروٍ في رواية "ترَئِنَّ" بهمزة مكسورة بدل الياء، وكذلك رُوي عنه "لتَرؤنَّ" بإبدالِ الواو همزةً، قال الزمخشري: "هذا من لُغةِ من يقولُ: لبَأتُ بالحَجِّ، وحلأتُ السَّويقَ" - يعني بالهمز - وذلك لتآخٍ بين الهمز وحروف اللِّين" وتجَرَّأ ابنُ خالويه على أبي عمروٍ؛ فقال: "هو لَحْنٌ عند أكْثَرِ النَّحويِّين". وقرأ أبو جعفر قارىءُ المدينةِ، وشيبةُ، وطلحةُ "تَرَيْنَ" بياءٍ ساكنة، ونون خفيفة، قال أبن جني: "وهي شاذَّةٌ". قال شهاب الدين: لأنَّه كان ينبغي أن يُؤثِّر الجازمُ، فيحذف نون الرفع؛ كقُول الأفوهِ: [السريع] شعر : 3598- إمَّا تَرَيْ رَأسِيَ أزْرَى بِهِ ماسُ زمانٍ ذِي انتِكاثٍ مَئُوسْ تفسير : ولم يؤُثِّر هنا شذوذاً، وهذا نظيرُ قول الآخر: [البسيط] شعر : 3599- لولا فَوارِسُ مِنْ نُعْمٍ وأسْرتِهِمْ يَوْمَ الصُّليْفاءِ لمْ يُوفونَ بالجَارِ تفسير : فلم يعمل "لَمْ" وأبقى نون الرَّفع. و "من البشر" حالٌ من "أحَداً" لأنه لو تأخَّر، لكان وصفاً، وقال أبو البقاء: "أو مفعول" يعني متعلِّق بنفس الفعل قبله. قوله تعالى: "فَقُولِي" بين هذا الجواب، وشرطه جملةٌ محذوفةٌ، تقديره: فإمَّا ترينَّ من البشرِ أحداً، فسألك الكلام، فقُولي، وبهذا المقدَّر نخلصُ من إشكالٍ: وهو أنَّ قولها {فَلنْ أكَلِّمَ اليومَ إنْسيًّا} كلامٌ؛ فيكون ذلك تناقضاً؛ لأنها قد كلَّمت إنسيًّا بهذا الكلامِ، وجوابه ما تقدَّم. ولذلك قال بعضهم: إنَّها ما نذرتْ في الحال، بل صبرتْ؛ حتَّى أتاها القَوْم، فذكرت لهم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا}. وقيل: المرادُ بقوله "فقُولي" إلى آخره، أنه بالإشارة، وليس بشيء؛ بل المعنى: فلن أكلِّم اليوم إنسيًّا بعد هذا الكلامِ. وقرأ زيدُ بن عليٍّ "صِيَاماً" بدل "صوماً" وهما مصدران. فصل في معنى صوماً معنى قوله تعالى: "صَوْماً": أي صمتاً، وكذلك كان يقرأ ابن مسعُود - رضي الله عنه -، والصَّوم في اللُّغة، الإمْسَاك عن الطَّعام والكلام. قال السديُّ: كان في بني إسرائيل من إذا أراد أن يجتهد، صام عن الكلام، كما يصوم عن الطَّعام، فلا يتكلَّم حتَّى يُمْسِيَ. قيل: كانت تُكَلِّمُ الملائكة، ولا تكلِّم الإنْسَ. قيل: أمرها الله تعالى بنذر الصَّمْت؛ لئلاَّ تشرع مع من اتَّهَمَهَا في الكلام؛ لمعنيين: أحدهما: أن كلام عيسى - صلوات الله عليه - أقوى في إزالةِ التُّهمَة من كلامهما، وفيه دلالةٌ على أنَّ تفويض [الأمر] إلى الأفضلِ أولى. الثانية: كراهةُ مجادلة السُّفهاء، وفيه أنَّ السُّكُوت عن السَّفيه واجبٌ، ومن أذلِّ الناس سفيهٌ لم يجد مسافهاً. قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ}: "به" في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل "أتَتْ"، [أي: أتَتْ] مصاحبة له؛ نحو: جاء بثيابه، أي: ملتبساً بها، ويجوز أن تكون الباءُ متعلقة بالإتيان، وأمَّا "تَحْملُه" فيجوز أن يكون حالاً ثانية من فاعل "أتَتْ" ويجوز أن يكون حالاً من الهاء في "به" وظاهر كلام أبي البقاء: أنَّها حالٌ من ضمير مريم وعيسى معاً؛ وفيه نظرٌ. قوله تعالى: "شَيْئاً" مفعولٌ به، أي: فعلتِ شيئاً، أو مصدرٌ، أي: نوعاً من المجيءِ غريباً، والفَرِيُّ: العظيمُ من الأمر؛ يقال في الخَيْر والشرِّ، وقيل: الفَرِيُّ: العجيبُ، وقيل: المُفْتَعَلُ، ومن الأول، الحديثُ في وصف عمر - رضي الله عنه -: "فَلَمْ أرَ عَبْقرِيًّا يَفْرِي فريَّهُ" والفَرْيُ: قطعُ الجلد للخَرْزِ والإصلاح، والإفْرَاء: إفساده، وفي المثل: جاء يَفْرِي الفَرِيَّ، أي: يعمل العمل العظيم؛ وقال: [الكامل] شعر : 3600- فلأنْتَ تَفْرِي ما خَلقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلقُ ثُمَّ لا يَفْري تفسير : وقرأ أبو حيوة فيما نقل عنه ابنُ خالويه "فَرِيئاً" بالهمز، وفيما نقل ابن عطية "فَرْياً" بسكون الراء. وقرأ عمر بن لجأ {ما كَانَ أباَك امْرُؤ سَوْءٍ} جعل النكرة الاسم، والمعرفة الخبر؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3601-........................ يَكُونُ مِزاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ تفسير : وقوله: [الوافر] شعر : 3062-........................ ولا يَكُ مَوْقفٌ مِنْكِ الوَداعَا تفسير : وهنا أحسنُ لوجودِ الإضافةِ في الاسم. فصل في كيفية ولادة مريم وكلام عيسى لها ولقومه قيل: إنَّها ولدته ثم حملته في الحال إلى قومها. وقال ابنُ عباس، والكلبيُّ: احتمل يوسفُ النَّجَّار مريم، [وابنها] عيسى إلى غارٍ، ومكثَ أربعين يوماً؛ حتَّى طهرتْ من نفاسها، ثم حملتهُ مريمُ إلى قومها، فكلَّمها عيسى في الطَّريق؛ فقال: يا أمَّاهُ، أبشري؛ فإنِّي عبد الله، ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصَّبِيُّ، بكَوْا، وحَزِنُوا، وكانُوا أهل بيت صالحين؛ فقالوا {يَٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا} عظيماً مُنكراً. قال أبو عبيدة: كُلُّ أمرٍ فائق من عجب، أو عملٍ، فهو فَرِيٌّ؛ وهذا منهم على وجه الذَّمِّ، والتوبيخ؛ لقولهم بعده: {يَٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}. قوله تعالى: {يَٰأُخْتَ هَارُونَ} يريدون: يا شبيهة هارون، قال قتادةُ، وكعبٌ، وابنُ زيدٍ، والمغيرة بنُ شعبة - رضي الله عنهم -: كان هارُون رجلاً صالحاً عابداً مقدِّماً في بني إسرائيل، رُوِيَ أنَّهُ تبعَ جنازتهُ يوم مات أربعُون ألفاً، كلُّهم يسمَّى هارون من بني إسرائيل سوى سائر النّاس، شبَّهُوها به على معنى أنَّنا ظننَّا أنَّك مثلهُ في الصَّلاح، وليس المرادُ منه الأخُوَّة في النَّسب؛ كقوله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَٰطِينِ} تفسير : [الإسراء: 27]. روى المغيرةُ بنُ شعبة - رضي الله عنه - قال: لما قدمتُ [خراسان] سألُوني، فقالوا: إنَّكم تقرءون: {يَٰأُخْتَ هَارُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلمَّا قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتهُ عن ذلك، فقال: إنَّهُمْ كانُوا يُسمَّون بأنبيائهم والصَّالحين قبلهم. قال ابن كثيرٍ: وأخطأ محمَّد بن كعبٍ القرظيُّ في زعمه أنَّها أختُ موسى وهارون نسباً؛ فإنَّ بينهما من الدُّهُور الطَّويلة ما لا يخفى على من عندهُ أدنى علمٍ، وكأنَّه غرَّه أنَّ في التَّوراة أن مريم - أخت موسى، وهارون - ضربتْ بالدُّفِّ يوم نجَّى الله موسى وقومه، وغرقَ فرعونُ وجنودهُ، فاعتقد أنَّ هذه هي تلك، وهذا في غاية البُطلان ومخالفةٌ للحديث الصحيح المتقدِّم. وقال الكلبيُّ: كان هارونُ أخا مريم من أبيها، وكان أمثل رجُل في بني إسرائيل. وقال السُّديُّ: إنَّما عنوا به هارُون أخا موسى، لأنَّها كانت من نسله، كما يقال للتميميِّ: يا أخا تميمٍ، ويا أخا همدان، أي: يا واحداً منهم. وقيل: كان هاروُن فاسقاً في بني إسرائيل مُعْلِناً بالفِسْق، فشبَّهوها به. وقول الكلبيّ أقربُ؛ لوجهين: الأول: أن الأصل في الكلام الحقيقةُ؛ فيحملُ الكلامُ على أخيها المسمَّى بـ "هارُونَ". الثاني: أنها أضيفت إليه، ووُصف أبواها بالصَّلاح؛ وحينئذ يصيرُ التوبيخُ أشدَّ، لأنَّ من كان حال أبويه وأخيه هذا الحال، يكونُ صدور الذَّنْب منه أفحش. ثم قالوا: {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ}. قال ابن عبَّاس: أي: زانياً، "وما كانَتْ أمُّك" حنَّة "بغيًّا" أي: زانية، فمن أين لك هذا الولدُ. قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ}: الإشارةُ معروفةٌ تكون باليد والعين وغير ذلك، وألفها عن ياءٍ، وأنشدوا لكثيرٍ: [الطويل] شعر : 3603- فقُلْتُ وفي الأحشاءِ داءٌ مُخامِرٌ ألا حبَّذا يا عزُّ ذَاكَ التَّشايرُ تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا} في "كَانَ" هذه أقوالٌ: أحدها: أنها زائدةٌ، وهو قولُ أبي عبيدٍ، أي: كيف نُكَلِّمُ من في المهد، و "صَبِيَّا" على هذا: نصبٌ على الحالِ من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورِ الواقع صلة، وقد ردَّ أبو بكرٍ هذا القول - أعني كونها زائدة - بأنها لو كانت زائدة، لما نصبت الخبر، وهذه قد نصبتْ "صَبيًّا" وهذا الردُّ مرودٌ بما ذكرتُه من نصبه على الحال، لا الخبر. الثاني: أنها تامَّةٌ بمعنى حدث ووجد، والتقدير: كيف نكلِّمُ من وجد صبيًّا، و "صبيًّا" حال من الضمير في "كان". الثالث: أنها بمعنى صار، أي: كيف نُكلِّم من صار في المهد صبيًّا، و "صَبِيًّا" على هذا: خبرها؛ فهو كقوله: [الطويل] شعر : 3604-....................... قَطَا الحَزْنِ قد كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا تفسير : الرابع: أنها الناقضةُ على بابها من دلالتها على اقتران مضمونِ الجملة بالزمان الماضي، من غير تعرُّضٍ للانقطاع؛ كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96] ولذلك يعبَّر عنها بأنَّها ترادفُ "لَمْ تَزلْ" قال الزمخشريُّ: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمانٍ ماض مبهمٍ صالح للقريبِ والبعيد، وهو هنا لقريبه خاصَّة، والدَّالُّ عليه معنى الكلام، وأنه مسوقٌ للتعجُّب، ووجه آخر: وهو أن يكون "نُكَلِّمُ" حكاية حالٍ ماضيةٍ، أي: كيف عُهِدَ قبل عيسى أن يكلم النَّاس في المهد حتى نُكلمه نحنُ؟ وأمَّا "مَنْ" فالظاهرُ أنَّها موصولةٌ بعنى الذي، وضعفُ جعلها نكرة موصوفة، أي: كيف نكلِّم شخصاً، أو مولوداً، وجوَّز الفرَّاء والزجاج فيها أن تكون شرطيَّة، و "كان" بمعنى "يَكُنْ" وجوابُ الشرطِ: إمَّا متقدِّمٌ، وهو "كَيْف نُكلِّمُ" أو محذوفٌ، لدلالةِ هذا عليه، أي: من يكن في المهدِ صبياً، فكيف نُكلِّمُهُ؟ فهي على هذا: مرفوعة المحلِّ بالابتداءِ، وعلى ما قبله: منصوبته بـ "نُكَلِّمُ" وإذا قيل بأنَّ "كان" زائدةٌ؛ هل تتحمَّلُ ضميراً، أم لا؟ فيه خلافٌ، ومن جوَّز، استدلَّ بقوله: [الوافر] شعر : 3605- فكَيْفَ إذا مررْت بدارِ قومٍ وجيرانٍ لنَا كَانُوا كِرَامِ تفسير : فرفع بها الواو، ومن منع، تأوَّل البيت، بأنَّها غيرُ زائدةٍ، وأنَّ خبرها هو "لنا" قُدِّم عليها، وفصل بالجملة بين الصفة، والموصوف. وأبو عمرو يدغمُ الدال في الصاد، والأكثرون على أنه إخفاء. فصل في مناظرة مريم لقومها لمَّا بالغوا في توبيخ مريم سكتت، وأشارت إلى عيسى، أن كلِّمُوه. قال ابنُ مسعود: لمَّا لم يكُن لها حجَّةٌ، أشارتْ إليه؛ ليكون كلامهُ حُجَّةً لها، أي: هو الذي يُجيبُكُمْ، إذا ناطَقْتُمُوه. قال السديُّ: لما أشارتْ إليه؛ ليكون كلامُه حجَّة، غضبُوا، وقالوا: لسُخْريتُهَا بنا أشدُّ من زناها، و {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا}، والمهدُ: هو حجرها. وقيل: هو المهدُ بعينه. والمعنى: كيف نكلِّم صبيًّا سبيلهُ أن ينام في المهد؟! قال السديُّ: فلما سمعَ عيسى - صلوات الله عليه - كلامهم، وكان يرضعُ، ترك الرَّضاع، وأقبل عليهم بوجهه، واتَّكأ على يساره، وأشار بسبَّابة يمينه، فقال: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}. وقيل: كلَّمهم بذلك، ثم لم يتكلَّم؛ حتى بلغ مبلغاً يتكلَّم فيه الصبيانُ، وقال وهبٌ: أتاها زكريَّا - عليه الصلاة والسلام - عند مناظرتها اليهُود، فقال لعيسى: انْطِقْ بحُجَّتِكَ، إن كنت أمرتَ بها، فقال عيسى عند ذلك وهو ابنُ أربعين يوماً - وقال مقاتلٌ: بل هو يوم ولد -: إنِّي عبد الله، أقرَّ على نفسه بالعُبوديَّة لله - عزَّ وجلَّ - أول ما تكلَّم لئلا يتَّخذ إلهاً، وفيه فوائدُ: الأولى: أن ذلك الكلام في ذلك الوقت: كان سبباً لإزالةِ الوَهْم الذي ذهب إليه النَّصارى؛ فلا جرم: أوَّل ما تكلَّم، قال: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}. الثانية: أن الحاجة في ذلك الوقت، إنَّما هو نفي تُهْمة الزِّنا عن مريم، ثم إنَّ عيسى - صلوات الله عليه - لم ينصَّ على ذلك، وإنَّما نصَّ على إثبات عبوديَّة نفسه، كأنَّه جعل إزالة التُّهْمَة عن الله تعالى أولى من إزالة التُّهمة عن الأمِّ؛ فلهذا: أوَّلُ ما تكلَّم إنما تكلَّم بقوله: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}. الثالثة: أنَّ التكلُّم بإزالة التُّهْمَة عن [الله تعالى] يفيد إزالةَ التُّهمة عن الأمِّ؛ لأنَّ الله تعالى لا يخص الفاجرة بولدٍ في هذه الدرجة العالية، والمرتبة العظيمة، أمَّا التكلُّم بإزالةِ التُّهْمَة عن الأمِّ، فلا يفيدُ إزالة التُّهْمَة عن [الله تعالى]، فكان الاشتغالُ بذلك هاهنا أولى. فصل في إبطال قول النصارى في إبطال قول النصارى وجوه: الأول: أنَّهُم وافقونا على أنَّ ذاته - سبحانه وتعالى - لم تحلَّ في ناسُوت عيسى، بل قالوا: الكلمةُ حلَّت فيه، والمرادُ من الكلمة العلمُ، فنقول: العلمُ، لما حصل لعيسى، ففي تلك الحالةِ: إمَّا أن يقال: إنَّه بقيَ في ذاتِ الله تعالى، أو ما بقي. فإن كان الأوَّل، لزِمَ حُصُول الصِّفَة الواحدة في مَحَلَّيْنِ، وذلك غير معقول، ولأنَّه لو جاز أن يقال: العلمُ الحاصلُ في ذات عيسى هو العلمُ الحاصلُ في ذاتِ الله بعينه، فلم لا يجوزُ في حقِّ كلِّ واحدٍ ذلك حتى يكون العلمُ الحاصلُ لكُلِّ واحدٍ هو العلمُ الحاصلُ لذاتِ الله تعالى؟ وإن كان الثاني، لزم أن يقال: إنَّ الله تعالى لا يبقى عالماً بعد حلول علمه في عيسى، وذلك ممَّا لا يقوله عاقلٌ. قال ابنُ الخطيب: وثانيها: مناظرة جرت بيني وبين بعض النَّصارى، فقلتُ له: هل تُسلِّم أنَّ عدم الدَّليل لا يدُلُّ على عدم المدلول، أمْ لا؟ فإن أنكرت، لزمكَ لا يكون الله قديماً؛ لأنَّ دليل وجُودِهِ هو العالمُ، فإذا لَزِمَ من عدمِ الدَّليل عدمُ المدلول، لزِمَ من عدم العالم في الأزل عدم الصانع في الأزل، وإن سلَّمت أنَّه لا يلزمُ من عدم الدَّليل عدمُ المدلول، فنقولُ: إذا جوَّزْتَ اتحادَ كلمة الله بعيسى أو حُلولها فيه، فكيف عرفت أنََّ كلمة الله تعالى ما حلَّتْ في زيْدٍ وعمرٍ؟ بل كيف عرفتَ أنَّها ما حلّت في هذه الهرَّة، وفي هذا الكلب؟ فقال: إنَّ هذا السُّؤال لا يليقُ بك؛ لأنَّا إنَّما أثبتنا ذلك الاتحاد، أو الحلول، بناءً على ما ظهر على يد عيسى من إحياء الموتى، وإبراءِ الأكمه، والأبرصِ، فإذا لم نجدْ شيئاً من ذلك ظهر على يد غيره، فكيف نثبت الاتحادَ، أو الحُلُول؟ فقلتُ له: إنِّي عرفتُ بهذا الكلامِ أنَّكَ ما عرفتَ أوَّل الكلامِ؛ لأنَّك سلَّمْتَ لي أنَّ عدم الدليل لا يدلُّ على عدم المدلُول، وإذا كان هذا الحُلولُ غير ممتنعٍ في الجملة، فأكثر ما في هذا الباب أنَّه وُجِدَ ما يدلُّ على حصُوله في حقِّ عيسى، ولم يوجد ذلك الدَّليلُ في حقِّ زيدٍ وعمرو، ولكن عدم الدليل لا يدلُّ على عدم المدلُول؛ فلا يلزمُ من عدم ظهورِ هذه الخوارق على يد زيدٍ وعمرٍو، وعلى السِّنَّوْرِ والكلبِ عدمُ ذلك الحُلُول، فثبت أنَّك مهما جوَّزْت القول بالاتِّحاد، والحلول، لزمك تجويزُ حُصُول ذلك الاتحادِ، والحُلُول في حقِّ كلِّ أحد، بل في حق كل حيوان ونباتٍ، ولكنَّ المذهب الذي يسُوقُ [قائلهُ] إلى مثل هذا [القول] الركيك، يكُون باطلاً قطعاً، ثم قلتُ [له] وكيف دلَّ إحياءُ الموتى، وإبراءُ الأكمهِ، والأبرصِ على ما قلت؟ أليس انقلابُ العصا ثعباناً أبعد من انقلاب الميِّت حيًّا، فإذا ظهر على يد مُوسى، ولم يدلَّ على إلهيته، فبأن لا يدلَّ هذا على إلهيَّة عيسى أولى. وثالثها: أن دلالة أحوال عيسى على العبوديَّة أقوى من دلالتها على الربوبيَّة؛ لأنَّه كان مجتهداً في العبادة، والعبادةُ لا تليقُ إلا بالعبد، وأنَّه كان في نهاية البُعْد عن الدُّنْيَا، والاحترازِ عن أهلها حتى قالت النصارى: إنَّ اليهُود قتلُوه، ومن كان في الضعف هكذا، فكيف يليقُ به الرُّبُوبيَّة؟. ورابعها: أن المسيح: إمَّا أن يكون قديماً، أو محدثاً، والقولُ بقدمه باطلٌ؛ لأنَّا نعلمُ بالضَّرورةِ أنَّه وُلدَ، وكان طفلاً، ثم صار شابًّا، وكان يأكُل ويشْرَب، ويعرضُ له ما يعْرِضُ لسائر البشر، وإنْ كان مُحْدَثاً، كان مخلوقاً، ولا معنى للعبُوديَّة إلاَّ ذلك. فإن قيل: المعنيُّ بالإلهيَّة أنَّه حلَّت فيه صفةُ [الإلهيَّة، قلنا:] هب أنَّه كان كذلك، لكنَّ الحالَّ هو صفة الإلهِ، والمسيح هو المحل، والمحلُّ محدثٌ مخلوقٌ، فالمسيحُ عبدٌ محدثٌ، فكيف يمكنُ وصفه بالإلهيَّة؟. وخامسها: أنَّ الولد لا بُدَّ وأن يكون من جنس الوالد، فإن كان لله تعالى ولدٌ، فلا بُدَّ أن يكُون من جنسه، فإذاً قد اشتركا في بعض الوجوه، فإن لم يتميَّز أحدهما عن الآخر بأمر مَّا، فكلُّ واحدٍ منهما هو الآخر، وإن حصل الامتيازُ، فما به الامتيازُ غيرُ ما به الاشتراكُ؛ فيلزمُ وقوعُ التَّركيب في ذاتِ الله تعالى، وكلُّ مركَّب مُمْكِنٌ، [فالواجب] ممكنٌ؛ هذا خلفٌ، هذا على الاتِّحاد، والحلول. فإن قيل: قالوا: معنى كونه إلهاً أنَّه سبحانهُ خصَّ نفسه أو بدنهُ بالقُدرة على خلق الأجسام، والتصرُّف في هذا العالمِ، فهذا أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ النصارى نقلُوا عنه الضَّعف والعَجْز، وأنَّ اليهود قتلُوه، فلو كان قادراً على خَلْق الأجسام، لما قَدَرُوا على قَتْله، بل كان هو يقْتُلُهم ويَخْلُق لنفسه عَسْكَراً يذُبُّون عنه. فإن قيل: قالُوا: معنى كونه إلهاً أنَّه اتَّخذه ابناً لنفسه؛ على سبيل التشريف، وهو قد قال به قومٌ من النصارى، يقال لهم الآريوسية، وليس فيه كثير خطأ إلاَّ في اللفظ. قوله تعالى: {ءَاتَٰنِيَ ٱلْكِتَٰبَ} قيل: معناه: سيُؤتيني الكتاب، ويجعلني نبيًّا. روى عكرمةُ عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - حديث : أنَّ هذا إخبارٌ عمَّا كتبَ له في اللَّوْح المحفُوظ؛ كما قيل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: متى كُنْتَ نبيًّا؟ قال: "كُنْتُ نبيًّا، وآدمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجسَدِ" تفسير : وعن الحسن - رضي الله عنه - أنَّه ألهمَ التوراة، وهو في بطن أمِّه. وقال الأكثرون: إنه أوتيَ الإنجيل، وهو صغيرٌ طفلٌ، وكان يعقلُ عقل الرِّجال. فمن قال: الكتابُ: هو التَّوراة، قال: لأنَّ الألف واللاَّم للعهد، ولا معهود حينئذٍ إلاَّ التوراة، ومن قال: الإنجيلُ، قال" الألفُ واللاَّم للاستغراق، وظاهرُ كلامِ عيسى - صلوات الله عليه - أنَّ الله تعالى آتاه الكتاب، وجعله نبيًّا، وأمره بالصَّلاة والزَّكاة، وأن يدعو إلى الله تعالى، وإلى دينه، وشريعته من قبل أن يكلِّمهم، وأنه تكلَّم مع أمِّه وأخبرها بحاله، وأخبرها بأنَّه يكلِّمهم بما يدلُّ على براءتها، فلهذا أشارتْ إليه بالكلامِ. قال بعضهم: أخبر أنَّه نبيٌّ، ولكَّنه ما كان رسُولاً؛ لأنَّه في ذلك الوقت ما جاء بالشَّريعة، ومعنى كونه نبيًّا: رفيعُ القدر عالي الدرجة؛ وهذا ضعيف لأنَّ النبيَّ في عرف الشَّرع هو الذي خصَّه الله بالنبوَّة وبالرِّسالة، خصوصاً إذا قرن إليه ذكر الشَّرع، وهو قوله: {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلَٰوةِ وَٱلزَّكَٰوةِ} ثم قال: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ}. وقال مجاهدٌ - رضي الله عنه - معلِّماً للخَيْر. وقال عطاءٌ: أدعُو إلى الله، وإلى توحيده وعبادته. وقيل: مُباركاً على من اتَّبعني. روى قتادةُ أنَّ امرأةً رأتهُ، وهو يحيى الموتى، ويُبْرِىءُ الأكمه والأبرص، فقالت: طُوبَى لبطن حملك، وثدي أرضعت به، فقال عيسى مجيباً لها: طُوبَى لمن تلا كتابَ اللهِ واتبعَ ما فِيهِ، وعملَ بِهِ، ولمْ يَكُنْ جبَّاراً شَقِيًّا. قوله تعالى: {أَيْنَ مَا كُنتُ} يدلُّ على أن حاله لم يتغيَّر كما قيل: إنَّه عاد إلى حالِ الصِّغَر، وزوالِ التَّكْلِيف. قوله: {أَيْنَ مَا كُنتُ}: هذه شرطيةٌ، وجوابها: إما محذوفٌ مدلولٌ عليه بما تقدَّم، أي: أينما كُنْتُ، جعلني مباركاً، وإمَّا متقدِّمٌ عند من يرى ذلك، ولا جائزٌ أن تكون استفهاميةً؛ لأنَّه يلزمُ أن يعمل فيها ما قبلها، وأسماءُ الاستفهامِ لها صدرُ الكلامِ، فيتعيَّنُ أن تكون شرطيةً؛ لأنها منحصرةٌ في هذين المعنيين. ثم قال: {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلَٰوةِ وَٱلزَّكَٰوةِ} أي: أمرني بهما. فإن قيل: لم يكُن لعيسى مالٌ، فكيف يؤمرُ بالزَّكاة؟ قيل: معناه: بالزَّكاة، لو كان له مالٌ. فإن قيل: كيف يُؤمَرُ بالصَّلاة والزَّكاة، مع أنَّه كان طفلاً صغيراً، والقلمُ مرفوعٌ عن الصَّغير؛ لقوله - صلوات الله عليه وسلامه -: "حديث : رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلاثٍ" تفسير : الحديث. فالجوابُ من وجهين: الأول: أنَّ قوله: {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلَٰوةِ وَٱلزَّكَٰوةِ} لا يدلُّ على أنَّه تعالى أوصاهُ بأدائهما في الحالِ، بل بعد البُلُوغ، فيكونُ المعنى على أنَّه تعالى أوصانِي بأدائهما في وَقْت وجوبهما عليَّ، وهو وقتُ البُلُوغ. الثاني: لعلَّ الله تعالى، لمَّا انفصل عيسى عن أمِّه - صلوات الله عليه - صيَّرهُ بالغاً، عاقلاً، تامَّ الخلقة؛ ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} تفسير : [آل عمران: 59] فكما أنَّه تعالى خلق آدم - صلواتُ الله عليه وسلامه - تامًّا كاملاً دفعةً، فكذا القولُ في عيسى صلوات الله عليه وهذا أقربُ إلى ظاهر اللَّفْظ، لقوله: {مَا دُمْتُ حَيًّا} فإنَّه يفيدُ أنَّ هذا التَّكليف متوجِّه عليه في جميع زمانِ حياته، ولكن لقائل أن يقول: لو كان الأمرُ كذلك، لكان القومُ حين رأوهُ، فقد رأوه شخصاً كامل الأعضاء، تامَّ الخِلْقَة، وصدورُ الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكونُ عجباً؛ فكان ينبغي ألاَّ يَعْجَبُوا. والجوابُ أن يقال: إنَّه تعالى جعله مع صِغَرِ جثَّته قويَّ التركيب، كامِلَ العَقْل، بحيثُ كان يمكنه أداءُ الصَّلاة والزَّكاة، والآيةُ دالَّة على أنَّ تكليفه لم يتغيَّر حين كان في الأرض، وحين رُفع إلى السَّماء، وحين ينزل مرَّة أخرى؛ لقوله {مَا دُمْتُ حَيًّا}. قوله تعالى: {مَا دُمْتُ حَيًّا} "ما" مصدريةٌ ظرفيةٌ، وتقدمُ "ما" على "دام" شرطٌ في إعمالها، والتقدير: مُدَّة دوامِي حيًّا، ونقل ابن عطيَّة عن عاصم، وجماعةٍ: أنهم قرءُوا "دُمْتُ" بضم الدَّالِ، وعن ابن كثيرٍ، وأبي عمرو، وأهْلِ المدينة: "دِمْتُ" بكسرها، وهذا لم نره لغيره، وليس هو موجوداً في كتب القراءات المتواترة والشاذَّة الموجودة الآن، فيجوزُ أن يكون اطَّلَعَ عليه في مصنف غريبٍ، ولا شكَّ أنَّ في "دَامَ" لغتين، يقالُ: دمتَ تدُومُ، وهي اللغةُ الغاليةُ، ودمتَ تدامُ؛ كخِفْتَ تخَافُ، وتقدم نظيرُ هذا في مَاتَ يَمُوتُ ومَاتَ يَمَاتُ. قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}: العامَّةُ على فتح الباء، وفيه تأويلان: أحدهما: أنه منصوبٌ نسقاً على "مباركاً" أي: وجعلني برًّا. والثاني: أنَّه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ، واختير هذا على الأوَّلِ؛ لأنَّ فيه فصلاً كثيراً بجملةِ الوصيَّةِ ومتعلَّقها. قال الزمخشريُّ: جعل ذاتهُ برًّا؛ لفَرْط برِّه، ونصبه بفعل في معنى "أوْصَانِي" وهو "كَلَّفَنِي" لأنَّ أوْصَانِي بالصَّلاة، وكلَّفَنِي بها واحدٌ. وقُرىء "برًّا" بكسر الباء: إمَّا على حذفِ مضافٍ، وإمَّا على المبالغة في جعله نفس المصدر، وقد تقدَّم في البقرة: أنه يجوز أن يكون وصفاً على فعلٍ، وحكى الزَّهْراوِيُّ، وأبو البقاء أنه قُرِىء بكسر الباء، والراء، وتوجيهه: أنه نسقٌ على "الصَّلاة" أي: وأوصاني بالصَّلاة وبالزَّكَاةِ، وبالبرِّ، و "بِوالِدَتِي" متعلقٌ بالبرّ، أو البرّ. فصل فيما يشير إليه قوله "وبرًّا بوالدتي" قوله: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} إشارةٌ إلى تنزيه أمِّه عن الزِّنا؛ إذ لو كانت زانيةً، لما كان الرسُول المعصومُ مأمُوراً بتعظيمها وبرِّها؛ لأنه تأكَّد حقُّها عليه؛ لتمحض إذ حقها لا والد له سواها. قوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} يدلُّ على أنَّ فعل العبد مخلوقٌ لله تعالى؛ لأنَّه لما أخبر أنه تعالى، جعله برًّا، وما جعله جبَّاراً، إنما يحسنُ لو أنَّ الله تعالى جعل غيره جبَّاراً، وجعله [غير] برًّ بأمِّه؛ فإن الله تعالى، لو فعل ذلك بكلِّ أحدٍ، لم يكُن لعيسى مزيَّةً تخصيصٍ بذلك، ومعلومٌ أنه - صلواتُ الله عليه وسلامهُ - إنما ذكر ذلك في معرضِ التخصيصِ، ومعنى قوله: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} أي ما جعلني جبَّاراً متكبرِّاً، بل أنا خاضعٌ لأمِّي، متواضعٌ لها، ولو كنتُ جبَّاراً، كنتُ عاصياً شقيًّا. قال بعضُ العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً، وتلا: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} ولا تجد سيّىء الملكة إلا مختالاً فخُوراً، وقرأ: {أية : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} تفسير : [النساء:36]. قوله تعالى: {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ}: الألف واللام في "السَّلام" للعهدِ؛ لأنه قد تقدم لفظه في قوله - عزَّ وجلَّ -: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ} تفسير : [الآية: 15] فهو كقوله: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [المزمل: 15، 16] أي: ذلك السلامُ الموجَّه إلى يحيى مُوجَّهٌ إليَّ، وقال الزمخشريُّ - رحمه الله -: "والصحيحُ أن يكون هذا التعريفُ تعريضاً باللعنةِ على متَّهِمِي مريم - عليها السلام - وأعدائها من اليهُود، وتحقيقه: أنَّ اللاَّم لاستغراق الجنس، فإذا قال: وجنسُ السَّلام عليَّ خاصَّة، فقد عرَّض بأنَّ ضدَّه عليكم، ونظيره قول موسى - صلوات الله عليه وسلامه -: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [طه: 47]. يعني: أنَّ العذاب على من كذَّب، وتولَّى، وكان المقام مقام اللَّجاج والعِنَاد، فيليق به هذا التعريضُ". فصل في الفرق بين السلام على يحيى، والسلام على عيسى رُوِيَ أن عيسى - صلواتُ الله عليه وسلامه - قال ليحيى: أنت خيرٌ منِّي؛ سلَّم الله عليك، وسلَّمتُ على نفسي. وأجاب الحسنُ، فقال: إن تسليمهُ على نفسه تسليمُ الله؛ لأنَّه إنَّما فعله بإذن الله. قال القاضي: السَّلام عبارةٌ عمَّا يحصُل به الأمانُ، ومنه السَّلامةُ في النِّعم، وزوال الآفاتِ، فكأنَّه سأل ربَّه ما أخبر الله تعالى أنه فعل بيحيى، وأعظمُ احتياجِ الإنسانِ إلى السَّلامة في هذه الأحْوالِ الثلاثة، وهي يومُ الولادةِ، أي: السَّلامة عند الولادة من طعْن الشَّيطان، ويومُ الموت، أي: عند الموت من الشَِّرك، ويومُ البعث من الأهوال. قال المفسِّرون: لمَّا كلَّمهم عيسى بهذا، علمُوا براءةَ مريم، ثم سكت عيسى - صلوات الله عليه وسلامه -، فلَم يتكلَّم بعد ذلك حتّى بلغ المدَّة التي يتكلَّم فيها الصِّبْيَان. قوله: "يومَ ولدتُ" منصوبٌ بما تضمنَّه "عَليَّ" من الاستقرار، ولا يجوزُ نصبه بـ "السَّلام" للفَصْلِ بين المصدرِ ومعمولهِ، وقرأ زيدُ بنُ عليٍّ "وَلَدَتْ" جعله فعلاً ماضياً مسنداً لضمير مريم، والتاءُ للتأنيث، و "حَيًّا" حالٌ مؤكِّدةٌ. فصل في الرد على اليهود والنصارى اعلم أنَّ اليهُود والنَّصارى يُنْكِرُونَ أنَّ عيسى - صلوات الله عليه - تكلَّم في زمانِ الطفوليَّة؛ واحتجُّوا بأنَّ هذا من الوقائعِ العجيبة، التي تتوافرُ الدَّواعِي على نقلها، فلو وجدت، لنُقلتْ بالتَّواتر، ولو كان كذلك، لعرفهُ النَّصارى، لا سيَّما وهم أشدُّ النَّاسِ بحثاً عن أحواله، وأشدُّ النَّاسِ غُلُوًّا فيه؛ حتَّى ادعوا كونهُ إلهاً، ولا شكَّ أنَّ الكلام في الطفوليَّة من المناقب العظيمة، فلمَّا لم يعرفه النصارى مع شدَّة الحبِّ، وكمالِ البَحْثِ عنه، علمنا أنَّه لم يُوجَدْ؛ ولأنَّ اليهود أظهرُوا عداوتهُ حين ادَّعى النُّبُوَّة والرسالة، فلو أنَّه - صلوات الله عليه - تكلَّم في المَهْدِ، لكانت عداوتهم معه أشدَّ، ولكان قصدهم قتله أعظم، فحيثُ لم يحصُل شيءٌ من ذلك، علمنا أنَّه ما تكلَّم. وأمَّا المسلمُون، فاحتجُّوا بالعَقْل على أنه تكلَّم، فقالوا: لولا كلامه الذي دلَّهم على براءة أمِّه عن الزِّنا، لما تركُوا إقامة الحدِّ عليها، ففي تَرْكِهِمْ لذلك دلالةٌ على أنَّه - صلوات الله عليه - تكلَّم في المَهْدِ. وأجابُوا عن الشُّبْهة الأولى بأنَّه ربَّما كان الحاضرُونَ عند كلامه قليلين؛ فلذلك لم يشتهر. وعن الثاني: لعلَّ اليهُود ما حَضَرُوا هناك، وما سَمِعُوا كلامهُ، وإنَّما سَمِعَ كلامهُ أقاربهُ؛ لإظهارِ براءةِ أمِّه؛ فلذلك لم يَشْتغلوا بقَتْله.

البقاعي

تفسير : ولما كان حاصل القصة أنه ولد أخرجه الله تعالى عن سبب هو في ضعفه قريب من العدم، أما من جهته فبلوغه إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل حركة الجماع عادة، أما من جهة زوجته فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ذلك السن بكونها عاقراً لم تقبل حبلاً قط، أتبعه بقصة هي أغرب من قصته بكونها ليس فيها إلا سبب واحد وهو المرأة، وعدم فيها سبب الذكورية أصلاً، إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء تارة بسبب قوي، وتارة بسبب ضعيف، وتارة بلا سبب، ومن كان كذلك كان مستغنياً عن الولد؛ ولما كان على اليهود الآمرين بالسؤال تعنتاً عن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين أن ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينهم باطل لشركهم، فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت، وكانت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى عليهما السلام، قدمها في الذكر، وتوطئة لأمر عيسى عليه السلام كما مضى بيانه في آل عمران إلزاماً لهم بالاعتراف به، وللنصارى بالاعتراف بأنه عبد، كما اعترف كل منهما بأمر يحيى عليه السلام، وذلك بما جمع بينهما من خرق العادة، وكانت قصة يحيى أولى من قصة إسحاق عليهما السلام لما تقدم، ولمشاهدة الذين اختلفوا في عيسى عليه السلام من الفريقين لأمره وأمر يحيى عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في الزمن مع ما لهما من قرب النسب، ولما كانت قصة عيسى عليه السلام أغرب، أشار إلى ذلك بتغيير السياق فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذا لهم: {واذكر} - بلفظ الأمر {في الكتاب مريم} ابنة عمران خالة يحيى - كما في الصحيح من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة الأنصاري رضي الله عنهما في حديث الإسراء: " حديث : فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة"تفسير : . ثم أبدل من {مريم} بدل اشتمال قوله: {إذ} أي اذكر ما اتفق لها حين {انتبذت} أي كلفت نفسها أن اعتزلت وانفردت {من أهلها} حالة {مكاناً شرقياً *} عن مكانهم، فكان انفرادها في جهة مطالع الأنوار إشارة إلى ما يأتيها من الروح الإلهي {فاتخذت} أي أخذت بقصد وتكلف، ودل على قرب المكان بالإتيان بالجار فقال: {من دونهم} أي أدنى مكان في مكانهم لانفرادها للاغتسال أو غيره {حجاباً} يسترها {فأرسلنا} لأمر يدل على عظمتنا {إليها روحنا} جبرائيل عليه السلام ليعلمها بما يريد الله بها من الكرامة بولادة عيسى عليه السلام من غير أب، لئلا يشتبه عليها الأمر، ويتشعب بها الفكر، فتقتل نفسها غماً {فتمثل لها} أي تشبح وهو روحاني بصورة الجسماني {بشراً سوياً *} في خلقه حسن الشكل لئلا تشتد نفرتها وروعها منه؛ ثم أخرج القصة مخرج الاستئناف فقال دالاً على حزمها وخلوص تعبدها لله والتجائها إليه وشهودها له بحيث لا تركن إلى سواه: {قالت}. ولما كان على أنهى ما يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال، فكان بحيث يستبعد غاية الاستبعاد أن يتعوذ منه أكدت فقالت: {إني أعوذ بالرحمن} ربي الذي رحمته عامة لجميع عباده في الدنيا والآخرة، وله بنا خصوصية في إسباغ الرحمة وإتمام النعمة {منك} ولما تفرست فيه - بما أنار الله من بصيرتها وأصفى من سريرتها - التقوى، ألهبته وهيجته للعمل بمضمون هذه الاستعاذة بقولها: {إن كنت تقياً * قال} جبرئيل عليه السلام مجيباً لها بما معناه: إني لست ممن تخشين أن يكون متهماً، مؤكداً لأجل استعاذتها، {إنما أنا رسول ربك} أي الذي عذت به أي فأنا لست متهماً، متصف بما ذكرت وزيادة الرسلية، وعبر باسم الرب المقتضي للإحسان لطفاً بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة، ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده {لأهب} بأمره أو ليهب هو على القراءة الأخرى {لك} وقدم المتعلق تشويقاً إلى المفعول ليكون أوقع في النفس؛ ثم بينه معبراً بما هو أكثر خيراً وأقعد في باب البشرى وأنسب لمقصود السورة مع أنه لا ينافي ما ذكر في آل عمران بقوله: {غلاماً} أي ولداً ذكراً في غاية القوة والرجولية {زكياً *} طاهراً من كل ما يدنس البشر: نامياً على الخير والبركة {قالت} مريم: {أنّى} أي من أين وكيف {يكون لي غلام} ألده {ولم يمسسني بشر} بنكاح أصلاً حلال ولا غيره بشبهة ولا غيرها. ولما هالها هذا الأمر، أداها الحال إلى غاية الإسراع في إلقاء ما تريد من المعاني لها لعلها تستريح مما تصورته، فضاق عليها المقام، فأوجزت حتى بحذف النون من "كان" ولتفهم أن هذا المعنى منفي كونه على أبلغ وجوهه فقالت {ولم أك}. ولما كان المولود سر من يلده، وكان التعبير عنه بما هو من مادة الغلمة دالاً على غاية الكمال في الرجولية المقتضي لغاية القوة في أمر النكاح نفت أن يكون فيها شيء من ذلك فقالت: {بغياً *} أي ليكون دأبي الفجور، ولم يأت "بغية" لغلبة إيقاعه على النساء، فكان مثل حائض وعاقر في عدم الإلباس ولأن بغية، لا يقال إلا للمتلبسة به {قال} أي جبريل عليه السلام {كذلك} القول الذي قلت لك يكون. ولما كان لسان الحال قائلاً: كيف يكون بغير سبب؟ أجاب بقوله: {قال} ولما بنيت هذه السورة على الرحمة واللطف والإحسان بعباد الرحمن، عبر باسم الرب الذي صدرت به بخلاف سورة التوحيد آل عمران المصدرة بالاسم الأعظم فقال: {ربك هو} أي المذكور وهو أيجاد الولد على هذه الهيئة {عليّ} أي وحدي لا يقدر عليه أحد غيري {هين} أي خصصناك به ليكون شرفاً به لك. ولما كان ذلك أعظم الخوارق، نبه عليه بالنون في قوله، عطفاً على ما قدرته مما أفهمه السياق: {ولنجعله} بما لنا من العظمة {ءاية للناس} أي علامة على كمال قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى عليه السلام، وبه تمام القسمة الرباعية في خلق البشر، فإنهه أوجده من أنثى بلا ذكر، وحواء من ذكر بلا أنثى وآدم عليه السلام لا من ذكر ولا أنثى، وبقية أولاده من ذكر وأنثى معاً {ورحمة منا} لمن آمن به في أول زمانه، ولأكثر الخلق بالإيمان والإنجاء من المحن في آخر زمانه، لا كآية صالح عليه السلام لأنها كانت آية استئصال لأهل الضلال {وكان} ذلك كله {أمراً مقضياً *} أي محكوماً به مبتوتاً هو في غاية السهولة لا مانع منه أصلاً، ونبه على سرعة تسبيب الحمل عن هذا القول وإن كان التقدير بما أرشد إليه في غير هذه السورة: فنفخ في درعها فوصل النفخ إلى جوفها {فحملته} وعقب بالحمل قوله: {فانتبذت به} أي فاعتزلت - وهو في بطنها - حالة {مكاناً قصياً *} أي بعيداً من أهلها أو من المكان الشرقي، وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله: {فأجاءها} أي فأتى بها وألجأها {المخاض} وهو تحرك الولد في بطنها للولادة {إلى جذع النخلة} وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان، وكان تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها، فكانت كالعلم لما فيها من العجب، لأن النخل من أقل الأشجار صبراً على البرد، ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها، لأنها لا تحمل إلا بإلقاح من ذكور النخل، فحملها بمجرد هزها أنسب شيء لإتيانها بولد من غير والد، فكيف إذا كان ذلك في غير وقته! فكيف إذا كانت يابسة! مع ما لها فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها، وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك. ولما كان ذلك أمراً صعباً عليها جداً، كان كأنه قيل: يا ليت شعري! ما كان حالها؟ فقيل: {قالت} لما حصل عندها من خوف العار: {ياليتني مت} ولما كانت كذلك أشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار: {قبل هذا} أي الأمر العظيم {وكنت نسياً} أي شيئاً من شأنه أن ينسى {منسياً *} أي متروكاً بالفعل لا يخطر على بال، فولدته {فناداها من تحتها} وهو عيسى عليه السلام {ألا تحزني} قال الرازي في اللوامع: والأصح أن مدة حملها له وولادته ساعة لأنه كان مبدعاً، ولم يكن من نطفة تدور في أدوار الخلقة - انتهى. ونقله ابن كثير وقال: غريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويؤيده أنه لم ينقل في كتابنا ولا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنهم أنكروا عليها زمن الحمل، ولو علموا به لأنكروه ولو أنكروه لنقل كما نقل إنكار الولادة. ولما أنكروا الولادة فكأنها قالت: لم لا أحزن؟ وتوقعت ما يعلل به؟ قال: {قد جعل ربك} أي المحسن إليك {تحتك} في هذه الأرض التي لا ماء جارياً بها {سرياً *} جدولاً من الماء جليلاً آية لك تطيب نفسك {وهزي إليك} أي أوقعي الهز وهو جذب بتحريك. ولما كان المقصود التهويل لصرف فكرها عما دهمها من الهم جعله قاصراً فكأنها قالت: ما أهز؟ إذ لم يكن في الجذع ما يتوقع نفعه بهزه، فقال مصرحاً بالمهزوز: {بجذع النخلة} التي أنت تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها فكأنها قالت: ولم ذاك؛ فقال: {تساقط عليك} من أعلاها {رطباً جنياً *} طرياً آية أخرى عظيمة تطيب النفس وتذهب بالحزن، وتدل على البراءة، والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن التمر يسقط منها، ومن حقه أن يكون منتفياً لأنها غير متأهلة لذلك، فهو ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي كونه منها ليبسها وعدم إقنائها، وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته، وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل، تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏إذ انتبذت‏} ‏ أي انفردت ‏{‏من أهلها مكاناً شرقياً‏}‏ قال‏:‏ قبل المشرق شاسعاً متنحيا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا‏ً}‏ قال‏:‏ مكاناً أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال‏:‏ إنما اتخذت النصارى المشرق قبلةً، لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على حرف، حين نتق فوقهم الجبل، فجعلوا يتخوفون وهم ينظرون إليه، يتخوفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله فاتخذوها سنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال‏:‏ إن أهل الكتاب، كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قول ربك‏:‏ ‏{‏فانتبذت من أهلها مكاناً شرقياً‏}‏ قال‏:‏ خرجت منهم مكاناً شرقياً، فصلوا قبل مطلع الشمس‏. وأخرج ابن عساكر من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ لما بلغت مريم، فإذا هي في بيتها منفصلة، إذ دخل عليها رجل بغير إذن، فخشيت أن يكون دخل عليها ليغتالها فقالت‏:‏ ‏ {‏إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا‏ً}‏ قال‏:‏ ‏ {‏إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكياً‏}‏ قالت‏:‏ ‏ {‏أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً‏} ‏ قال‏:‏ ‏ {‏كذلك قال ربك‏}‏ فجعل جبريل يردد ذلك عليها وتقول‏:‏ ‏ {‏أنى يكون لي غلام‏} ‏ وتغفلها جبريل، فنفخ في جيب درعها، ونهض عنها، واستمر بها حملها، فقالت‏:‏ إن خرجت نحو المغرب، فالقوم يصلون نحو المغرب، ولكن أخرج نحو المشرق، حيث لا يراني أحد، فخرجت نحو المشرق، فبينما هي تمشي، إذ جاءها المخاض، فنظرت هل تجد شيئاً تستتر به‏؟‏ فلم تر إلا جذع النخلة، فقال‏:‏ أستتر بهذا الجذع من الناس‏.‏ وكان تحت الجذع نهر يجري، فانضمت إلى النخلة، فلما وضعته، خر كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجداً لوجهه‏.‏ وفزع إبليس، فخرج فصعد فلم ير شيئاً ينكره، وأتى المشرق فلم ير شيئاً ينكره، وجعل لا يصبر فأتى المغرب لينظر، فلم ير شيئاً ينكره‏.‏ فبينا هو يطوف إذ مر بالنخلة، فإذا هو بامرأة معها غلام قد ولدته، وإذا بالملائكة قد أحدقوا بهَا، وبابنها وبالنخلة فقال‏:‏ ههنا حدث الأمر، فمال إليهم فقال‏:‏ أي شيء هذا الذي حدث‏؟‏ فكلمته الملائكة فقالوا‏:‏ نبي ولد بغير ذكر‏.‏ قال‏:‏ أما والله لأضِلَّنَ به أكثر العالمين‏.‏ أضل اليهود فكفروا به، وأضل النصارى فقالوا‏:‏ هو ابن الله‏.‏ قال‏:‏ وناداها ملك من تحتها ‏ {‏قد جعل ربك تحتك سريا‏ً}‏ قال إبليس‏:‏ ما حملت أنثى إلا بعلمي، ولا وضعته إلا على كفي، ليس هذا الغلام‏!‏ لم أعلم به حين حملته أمه، ولم أعلم به حين وضعته‏. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وعن مرة بن مسعود - رضي الله عنهما - قالا‏:‏ خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، فلما طهرت إذ هي برجل معها ‏ {‏فتمثل لها بشراً‏}‏ ففزعت، وقال‏:‏ ‏ {‏إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا‏ً}‏ فخرجت وعليها جلبابها فأخذ بكمها، فنفخ في جيب درعها، - وكان مشقوقاً من قدامها - فدخلت النفخة صدرها، فحملت فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا‏:‏ يا مريم، أشعرت أني حبلى‏.‏ قالت مريم‏:‏ أشعرت أيضاً أني حبلى، فقالت امرأة زكريا‏:‏ فإني وجدت ما في بطني يسجد للذي في بطنك‏.‏ فذاك قوله‏:‏ ‏ {‏مصدقاً بكلمة من الله‏}‏ فولدت امرأة زكريا يحيى‏.‏ ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب ‏{‏فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة، قالت يا ليتني مت قبل هذا‏} ‏ الآية ‏ {‏فناداها‏} ‏ جبريل ‏ {‏من تحتها ألاَّ تحزني‏}‏ فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل‏:‏ إن مريم ولدت، فلما أرادوها على الكلام، أشارت إلى عيسى فتكلم فقال‏:‏ ‏{‏إني عبد الله آتاني الكتاب‏}‏ الآيات‏.‏ فلما ولد لم يبق في الأرض صنم إلا خرَّ لوجهه‏. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر، عن الضحاك رضي الله عنه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب مريم‏} ‏ يقول‏:‏ قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب ‏{‏إذ انتبذت‏} ‏ يعني خرجت ‏{‏من أهلها مكاناً شرقياً} ‏ قال‏:‏ كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق ‏{‏فاتخذت من دونهم حجابا‏ً} ‏ وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة، ويبشرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت، وجعلت بينها وبين قومها ‏{‏حجاباً‏}‏ يعني جبلاً فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس ‏ {‏فأرسلنا إليها روحنا‏} ‏ يعني جبريل ‏{‏فتمثل لها بشراً} ‏ في صورة الآدميين ‏ {‏سوياً} ‏ يعني معتدلاً شاباً أبيض الوجه جعداً قططاً حين اخضر شاربه، فلما نظرت إليه قائماً بين يديها‏ ‏{‏قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا‏ً}‏ وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل، وكان من خدم بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان قد استزله، فمن ثم قالت‏:‏ ‏ {‏إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا‏ً} ‏ يعني إن كنت تخاف الله‏.‏ قال جبريل‏:‏ وتبسم ‏{‏إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا‏ً} ‏ يعني لله مطيعاً من غير بشر‏.‏ ‏ {‏قالت‏‏ أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر‏}‏ يعني زوجاً‏ {‏ولم أك بغياً} ‏ أي مومسة‏.‏ قال جبريل‏:‏ ‏ {‏كذلك‏}‏ يعني هكذا ‏ {‏قال ربك هو عَلَيَّ هين‏}‏ يعني خلقه من غير بشر‏.‏ ‏{‏ولنجعله آية للناس‏}‏ يعني عبرة، والناس هنا للمؤمنين خاصة، ورحمة لمن صدق بأنه رسول الله‏.‏ ‏ {‏وكان أمراً مقضيا‏ً} ‏ يعني كائناً أن يكون من غير بشر‏. فدنا جبريل فنفخ في جيبها، فدخلت النفخة جوفها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة، ووضعته كما تضع النساء، فأصابها العطش، فأجرى الله لها جدولاً من الأردن، فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏قد جعل ربك من تحتك سرياً} ‏ والسري، الجدول‏.‏ وحمل الجذع من ساعته ‏{‏رطباً جنياً‏} ‏ فناداها من تحتها جبريل ‏ {‏هزي إليك بجذع النخلة‏}‏ لم يكن على رأسها سقف، وكانت قد يبست منذ دهر طويل، فأحياها الله لها وحملت، فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏تساقط عليك رطباً جنياً‏} ‏ يعني طرياً بغباره ‏{‏فكلي‏}‏ من الرطب ‏{‏واشربي‏}‏ من الجدول ‏ {‏وقري عيناً‏}‏ بولدك‏.‏ فقال‏:‏ فكيف بي إذا سألوني من أين هذا‏؟‏‏.‏‏.‏ قال لها جبريل‏:‏ ‏ {‏فإما ترين‏} ‏ يعني فإذا رأيت ‏ {‏من البشر أحداً} ‏ فأعنتك في أمرك ‏{‏فقولي إني نذرت للرحمن صوما‏ً} ‏ يعني صمتاً في أمر عيسى ‏ {‏فلن أكلم اليوم إنسيا‏ً}‏ في أمره‏.‏ حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه‏. قال‏:‏ ففقدوا مريم من محرابها، فسألوا يوسف، فقال‏:‏ لا علم لي بها، وأن مفتاح محرابها مع زكريا‏.‏ فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه، فاتهموه فأخذوه ووبخوه، فقال رجل‏:‏ إني رأيتها في موضع كذا، فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته، فانطلقوا إليه فذلك قول الله‏:‏ ‏ {‏فأتت به قومها تحمله‏} قال ابن عباس‏:‏ لما رأت بأن قومها قد أقبلوا إليها، احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فأتت به قومها تحمله‏} ‏ أي لا تخاف ريبة ولا تهمة، فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته، وجعل التراب على رأسه، وإخوتها وآل زكريا ‏ {‏فقالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً} ‏ يعني عظيماً ‏ {‏يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا‏ً}‏ يعني زانية‏.‏ فأنَّى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالحة؟‏!‏ ‏ {‏فأشارت إليه‏} ‏ تقول لهم‏:‏ أن كلموه، فإنه سيخبركم ‏ {‏فإني نذرت للرحمن صوما‏ً} ‏ أن لا أكلمكم في أمره، فإنه سيعبر عني، فيكون لكم آية وعبرة ‏ {‏قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً} ‏ يعني من هو في الخرق طفلاً لا ينطق، فأنطقه الله فعبر عن أمه، وكان عبرة لهم فقال‏:‏ ‏ {‏إني عبد الله} ‏ فلما أن قالها، ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين، فكان أول من صدق به فقال‏:‏ إني أشهد أنك عبد الله ورسوله‏.‏ لتصديق قول الله‏:‏ ‏ {‏ومصدقاً بكلمة من الله‏} ‏ فقال عيسى‏:‏ ‏{‏آتاني الكتاب وجعلني نبيا‏ً} ‏ إليكم ‏{‏وجعلني مباركاً أينما كنت‏} ‏ قال ابن عباس - رضي الله عنهما‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏البركة التي جعلها الله لعيسى، أنه كان معلماً مؤدباً حيثما توجه‏"‏ تفسير : ‏ {‏وأوصاني بالصلاة والزكاة‏} ‏ يعني وأمرني ‏ {‏وبراً بوالدتي‏} ‏ فلا أعقها‏.‏ قال ابن عباس حين قال‏:‏ ‏ {‏وبراً بوالدتي‏}‏ قال‏:‏ زكريا‏:‏ الله أكبر‏!‏ فأخذه فضمه إلى صدره، فعلموا أنه خلق من غير بشر ‏ {‏ولم يجعلني جباراً شقيا‏ً} ‏ يعني متعظماً سفاكاً للدم‏.‏ ‏ {‏والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا‏ً}‏ يقول الله‏:‏ ‏ {‏ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون‏}‏ يعني يشكون بقوله لليهود، ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس. وأخرج ابن أبي شيبة. عن أبي حاتم، وأبو نعيم، عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ قالت مريم‏:‏ كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر وأنا أسمع‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ حين حملت وضعت‏. وأخرج ابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن مريم حملت لسبع أو تسع ساعات، ووضعته من يومها‏. وأخرج ابن عساكر من طريق عكرمة رضي الله عنه، عن ابن عباس قال‏:‏ وضعت مريم لثمانية أشهر، ولذلك لا يولد مولود لثمانية أشهر إلا مات لئلا تسب مريم بعيسى‏. وأخرج الحاكم، عن زيد العمى قال‏:‏ ولد عيسى يوما عاشوراء‏. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن نوف قال‏:‏ كانت مريم عليها السلام فتاة بتولاً، وكان زكريا زوج أختها كفلها فكانت معه، فكان يدخل عليه يسلم عليها، فتقرب إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرة، فقربت إليه بعض ما كانت تقرب ‏{أية : قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه‏}‏ ‏تفسير : [‏آل عمران: 38 - 39‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{أية : ‏آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا‏ً}‏ ‏تفسير : [‏آل عمران: 42‏]‏ ‏{‏سويا‏ً} ‏ صحيحاً‏.‏ ‏ {‏فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم‏} ‏ كتب لهم ‏ {‏أن سبحوا بكرة وعشيا‏ً} ‏ قال‏:‏ فبينما هي جالسة في منزلها، إذا رجل قائم بين يديها قد هتك الحجب، فلما أن رأته قالت‏:‏ ‏ {‏إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا‏ً} ‏ قال فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام قال‏:‏ ‏ {‏إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وكان أمراً مقضيا‏ً} ‏ فنفخ في جيبها جبريل، فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت وهربت حياء من قومها، فأخذت نحو المشرق، وأخذ قومها في طلبها، فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا‏؟‏ فلا يخبرهم أحد‏.‏ وأخذها ‏{‏المخاض إلى جذع النخلة‏} ‏ فتساندت إلى النخلة قالت‏:‏ ‏{‏يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً‏} ‏ قال‏:‏ حيضة من حيضة ‏ {‏فناداها من تحتها‏} ‏ قال‏:‏ جبريل من أقصى الوادي ‏{‏ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا‏ً} ‏ قال‏:‏ جدولاً ‏{‏وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا‏ً} ‏ فلما قال لها جبريل‏:‏ اشتد ظهرها وطابت نفسها، فقطعت سرته ولفته في خرقة وحملته، فلقي قومها راعي بقر، وهم في طلبها‏.‏ قالوا‏:‏ يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا‏؟‏ قال‏:‏ لا ولكن رأيت الليلة من بقري شيئاً لم أره منها قط فيما خلا‏!‏ قال‏:‏ رأيتها باتت سجداً نحو هذا الوادي، فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست وجعلت ترضع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها ‏{‏فقالوا‏ يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً‏} ‏ قال‏:‏ أمراً عظيما‏ً‏ ‏{‏فأشارت إليه‏} ‏ أن كلموه، فعجبوا منها‏:‏ قالوا‏:‏ ‏{‏كيف نكلم من كان في المهد صبيا‏ً}‏ ‏{‏قال إني عبد الله آتاني الكتاب‏} ‏ والمهد حجرها، فلما قالوا ذلك‏:‏ ترك عيسى ثديها واتكأ على يساره ثم تكلم ‏ {‏قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا‏ً}‏ ‏{‏وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا‏ً}‏ قال‏:‏ واختلف الناس فيه‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعمر بن الخطاب لم أستحب النصارى الحجب على مذابحهم‏؟‏ قال‏:‏ إنما يستحب النصارى الحجب على مذابحهم ومناسكهم، لقول الله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏ {‏فاتخذت من دونهم حجابا‏ً}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فأرسلنا إليها روحنا‏} ‏ قال‏:‏ بعث الله إليها ملكاً فنفخ في جيبها، فدخل في الفرج‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فأرسلنا إليها روحنا‏} ‏ قال‏:‏ جبريل. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏فأرسلنا إليها روحنا‏} ‏ الآية قال‏:‏ نفخ جبريل في درعها، فبلغت حيث شاء الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء بن يسار‏:‏ إن جبريل أتاها في صورة رجل فكشف الحجاب، فلما رأته تعوذت منه، فنفخ في جيب درعها فبلغت، فذكر ذلك في المدينة، فهجر زكريا وترك، وكان قبل ذلك يستفتى ويأتيه الناس، حتى إن كان ليسلم على الرجل فما يكلمه‏. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي بن كعب في قوله‏:‏ ‏ {‏فتمثل لها بشراً سويا‏ً}‏ قال‏:‏ تمثل لها روح عيسى في صورة بشر فحملته‏.‏ قال‏:‏ حملت الذي خاطبها، دخل في فيها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي وائل في قوله‏:‏ ‏ {‏قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا‏ً} ‏ قال‏:‏ لقد علمت مريم أن التقي ذو نهية‏. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا‏ً} ‏ قال‏:‏ إنما خشيت أن يكون إنما يريدها عن نفسها‏.‏ ‏ {‏قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً}‏ زعموا أنه نفخ في جيب درعها وكمها‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ‏{‏لأهب لك‏} ‏ مهموزة بالألف، وفي قراءة عبد الله ‏"‏ليهب لك‏"‏ بالياء‏. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏غلاماً زكياً‏}‏ قال‏:‏ صالحا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏ولم أك بغيا‏ً}‏ قال زانية‏. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏مكاناً قصيا‏ً}‏ قال نائيا‏ً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏مكاناً قصيا‏ً} ‏ قال‏:‏ قاصياً وفي قوله‏:‏ ‏ {‏فأجاءها المخاض‏}‏ قال‏:‏ ألجأها‏. وأخرج الطستي، عن ابن عباس‏:‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل‏:‏ ‏ {‏فأجاءها المخاض‏} ‏ قال‏:‏ ألجأها قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول‏: شعر : إذا شددنا شدة صادقة فأجأناكم إلى سفح الجبل تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏فأجاءها المخاض‏}‏ قال‏:‏ اضطرها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏فأجاءها المخاض‏} ‏ قال فأداها‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة‏} ‏ قال‏:‏ كان جذعاً يابسا‏ً. وأخرج عبد بن حميد من طريق هلال بن خباب، عن أبي عبيد الله ‏ {‏فأجاءها المخاض إلى جذع‏} ‏ نخلة يابسة قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم، فحركته فإذا هو نخلة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي قدامة قال‏:‏ أنبت لمريم نخلة، تعلق بها كما تعلق المرأة بالمرأة عند الولادة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنت نسياً منسيا‏ً} ‏ قال‏:‏ لم أخلق ولم أك شيئا‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنت نسياً منسياً‏}‏ قال‏:‏ حيضة ملقاة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنت نسياً منسيا‏ً} ‏ قال‏:‏ حيضة‏. وأخرج عبد بن حميد، عن نوف البكالي، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنت نسياً منسيا‏ً} ‏ قال حيضة ملقاة‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنت نسياً منسيا‏ً}‏ قال‏:‏ تقول لا أعرف ولا أدري من أنا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنت نسياً منسيا‏ً}‏ قال‏:‏ هو السقط والله تعالى أعلم بالصواب‏. وأخرج أبو عبيد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علقمة أنه قرأ ‏"‏فخاطبها من تحتها‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فناداها من تحتها‏} ‏ قال‏:‏ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة، قال الذي ناداها هو جبريل‏. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك وعمرو بن ميمون مثله‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن البراء ‏ {‏فناداها من تحتها‏} ‏ قال‏:‏ ملك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏فناداها من تحتها‏} ‏ قال‏:‏ جبريل من أسفل الوادي‏. ‏وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏فناداها من تحتها‏}‏ قال‏:‏ عيسى‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن ‏ {‏فناداها من تحتها‏} ‏ قال‏:‏ هو عيسى‏. واخرج ابن المنذر، عن أبي بن كعب قال الذي خاطبها‏:‏ هو الذي حملته في جوفها، دخل من فيها‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن زر بن حبيش أنه قرأ ‏ {‏فناداها من تحتها‏}‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏فناداها من تحتها‏} ‏ أي الملك من تحت النخلة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال‏:‏ من قرأ من تحتها فهو جبريل، ومن قرأ من تحتها، فهو عيسى‏. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي بكر بن عياش قال‏:‏ قرأ عاصم بن أبي النجود ‏ {‏فناداها من تحتها‏} ‏ بالنصب قال‏:‏ وقال عاصم‏:‏ من قرأ بالنصب فهو عيسى، ومن قرأها بالخفض، فهو جبريل‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏جعل ربك تحتك سرياً‏} ‏ قال‏:‏ نبياً وهو عيسى‏. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن جرير بن حازم قال‏:‏ سألني محمد بن عباد بن جعفر ما يقول أصحابكم في قوله‏؟‏ ‏{‏قد جعل ربك تحتك سريا‏ً} ‏ قال‏:‏ فقلت له‏:‏ سمعت قتادة يقول‏:‏ الجدول‏.‏ قال‏:‏ فأخبر قتادة عني فإنما نزل القرآن بلغتنا إنه الرجل السري‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏قد جعل ربك تحتك سريا‏ً}‏ يريد نفسه أي سرى أسرى منه، قيل فالذين يقولون السري البحر قال‏:‏ ليس كذلك لو كان كذلك لكان يكون إلى جنبها ولا يكون النهر تحتها‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن النجار، عن ابن عمر‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ حديث : إن السري الذي قال الله لمريم‏:‏ ‏{‏قد جعل ربك تحتك سرياً‏}‏ نهر، أخرجه الله لها لتشرب منه ‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه، عن البراء بن عازب،‏ حديث : ‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏: {‏قد جعل ربك تحتك سريا‏ً}‏ قال‏: النهر‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه وابن مردويه، عن البراء في قوله‏:‏ ‏ {‏قد جعل ربك تحتك سريا‏ً}‏ قال‏:‏ هو الجدول، وهو النهر الصغير‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏قد جعل ربك تحتك سريا‏ً} ‏ قال‏:‏ نهر عيسى‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عثمان بن محصن قال‏:‏ سئل ابن عباس عن قوله‏:‏ ‏ {‏سريا‏ً} ‏ قال‏:‏ الجدول‏.‏ أما سمعت قول الشاعر وهو يقول‏: شعر : سلم تر الدالي منه أزورا إذا يعج في السري هرهرا تفسير : وأخرج ابن الأنباري في الوقف والطستي، عن ابن عباس‏:‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل‏:‏ ‏ {‏تحتك سريا‏ً}‏ قال‏:‏ السري النهر الصغير، وهو الجدول‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول الشاعر‏: شعر : سهل الخليقة ماجد ذو نائل مثل السريّ تمده الأنهار تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏{‏سريا‏}‏ قال‏:‏ الجدول‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي مثله‏. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة أن الحسن تلا هذه الآية، وإلى جنبه حميد بن عبد الرحمن الحميري ‏ {‏قد جعل ربك تحتك سرياً‏} ‏ قال‏:‏ إن كان لسريا، وإن كان لكريماً فقال حميد‏:‏ يا أبا سعيد، إنه الجدول فقال له‏:‏ لم تزل تعجبنا مجالستك، ولكن غلبتنا عليك الأمراء‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال‏:‏ السري الماء‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏سريا‏ً} ‏ قال‏:‏ نهراً بالسريانية‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏سريا‏ً}‏ قال نهراً بالقبطية‏. وأخرج ابن عساكر، عن سفيان بن حسين في قوله‏:‏ ‏ {‏قد جعل ربك تحتك سريا‏ً}‏ قال‏:‏ تلاها الحسن فقال‏:‏ كان والله ‏ {‏سرياً‏}‏ يعني عيسى - عليه السلام - فقال له خالد بن صفوان‏:‏ يا أبا سعيد، إن العرب تسمي الجدول السري، فقال‏:‏ صدقت‏.

القشيري

تفسير : اعتزلت عنهم لتحصيلٍ يطهرها، فاستترت عن أبصارهم. فلمَّا أبصرت جبريلَ في صورةِ إنسانٍ لم تتوقعه أَحَسَّتْ في نفسها رُعْباً، ولم تكن لها حيلةٌ إلا تخويفه بالله، ورجوعها إلى الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} الاشارة الحقيقية ههنا ان جوهر من لم جوهر فطرة القدس قرباه الحق بنور الانس تقى جميع انفاسها مجذوبة بنعت القرب والانس الى معدن الانوار الالوهية فصارت كل وقت مراقبة بظهور شمس الجبروت من مشرق الملكوت فاعتزلت عز الاكوان بالهمة العالية المنعوتة بنور الغيب فاقبلت الى مشارق شموس الذات والصفات ولاستنشقت نفحات الوصال من عالم الازل فوصل اليها نفحة و--- الازلية واشرقت عليها شمس مشاهدة القدسية فلما شهدت مشاهدة مشرق تجلى الازل برقت انواره ووصلت اسراره الى روحها فحملت ووجها بروح الغيب فصارت حاملة الكلمة الكبرى ونور الروح الاعلى فلما عظم شانها بعكس جمال تجلى الازل عليها استترت من الخليفة واستانست بعروس الحقيقة وذلك قوله {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً} فلما خلت بذلك النور والبرهان فبان لها نور مبدر من تجلى الجلال والجمال ووصلى بنور روحها بعد ان تمثل لها بصورة ميسى وذلك قوله سبحانه {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} اذا فرغنا من وصف القدس اللاهوت عن الناسوت وعجز الناسوت عن ادراك اللاهوت وتنزيه جلال الحق عن سماذجة الخلق وافراد القدم عن الحدوث وعزة جماله وكبرياء ازليته عن المماثلة والشابهة يقول ان ارسال الحق روحه اليها ان ذلك الروح ظهور تجلى قدس الذات في نور الصفات ونور الصفات في لباس الافعال على صورة حسنة مرغوبة اليها ميل كل روحٍ بنعت الشوق اليها وذلك روح الفعل وروح الصفة وروح الذات في لباس نوره على قدر عقابها لذلك قال فتمثل لها بشرا سويا وهذا عادة ظهور الحق في بداية عشق العاشقين ليجذب بها ارواحهم وقلوبهم الى معدن تعريف الصفات والذات --- بعد انفراد الحقيقة عن الخليقة ومن ذلك قال عليه السّلام رايت ربى في احسن صورة قال ابن عطا في قوله فارسلنا اليها روحنا منا القيناه عليها وخصصنا به فاين الكون فيه اثره فاخرج من ضياء نتائج ذلك النور عيسى روح الله صلوات الله عليه وروى عن ابى بن كعب رضى الله عنه ان ذلك البشر الممثل هو روح عيسى.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذكر} يا محمد للناس {فى الكتاب} اى القرآن او السورة الكريمة فانها بعض من الكتاب فصح اطلاقه عليها {مريم} على حذف المضاف اى خبر بنت عمران وقصتها فان الذكر لا يتعلق بالاعيان ومريم بمعنى العابدة قال بعض العلماء فى حكمة ذكر مريم باسمها دون غيرها من النساء ان الملوك والاشراف لا يذكرون حرارهم فى ملأ ولا يبتذلون اسماءهن بل يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والاهل ونحو ذلك فاذا ذكروا الاماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا اسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى فى حق مريم ما قالت وفى انبها صرح الله تعالى باسمها ولم يكنّ عنها تأكيدا للاموّة والعبودية التى هى صفة لها واجراء للكلام على عادة العرب فى ذكر امائها ومع هذا فان عيسى عليه السلام لا اب له واعتقاد هذا واجب فاذا تكرر ذكره منسوبا الى الام استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفى الاب عنه وتنزيه الام الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله تعالى كذا فى التعريف والاعلام للامام السهيلى. وقال فى اسئلة الحكم سميت مريم فى القرآن باسمها لانها اقامت نفسها فى الطاعة كالرجل الكامل فذكرت باسمها كما يذكر الرجال من موسى وعيسى ونحوهما عليهم السلام وخوطبت كما خوطب الانبياء كما قال تعالى {أية : يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين}تفسير : ولذا قيل بنبوتها {اذا انتبذت} ظرف لذلك المضاف من النبذ وهو الطرح والانتباذ افتعال منه {من اهلها} من قومها متعلق بانتبذت {مكانا شرقيا} مفعول له باعتبار ما فى ضمنه من معنى الاتيان. قال الحسن ومن ثمة اتخذ النصارى المشرق قبلة كما اتخذ اليهود المغرب قبلة لان الميقات وايتاء التوراة واقعا فى جانب الجبل الغربى كما قال تعالى {أية : وما كنت بجانب الغربى اذ قضينا الى موسى الامر}تفسير : والمعنى حين اعتزلت وانفردت وتباعدت من قومها وأتت مكانا شرقيا من دار خالتها ايشاع زوجة زكريا فان موضعها كان المسجد فاذا حاضت تحولت الى بيت خالتها واذا طهرت عادت الى المسجد فاحتاجت يوما الى الاغتسال وكان الوقت وقت الشتاء فجاءت الى ناحية شرقية من الدار وموضع مقابل للشمس.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذ انتبذت}: بدل اشتمال من مريم، على أن المراد بها نبؤها، فإن الظرف مشتمل على ما فيها، وقيل: بدل الكل، على أن المراد بالظرف ما وقع فيه. وقيل: "إذ" ظرف لنبأ المقدر، أي: اذكر نبأ مريم حين انتبذت؛ لأن الذكر لا يتعلق بالأعيان، لكن لا على أن يكون المأمور به ذكر نبأها عند انتباذها فقط، بل كل ما عطف عليه وحكي بعده بطريق الاستثناء داخل في حيز الظرف متمم للنبأ. و {مكانًا}: مفعول بانتبذت، باعتبار ما فيه من معنى الإتيان، أي: اعتزلت وأتَتْ مكانًا شرقيًا، أو ظرف له، أي: اعتزلت في مكان شرقي. و {بَشرًا}: حال. وجواب {إن كنت}: محذوف، أي: إن كنت تقيًا فإني عائذة بالرحمن منك. و {بَغِيًّا} أصله: بغوي، على وزن فعول، فأدغمت الواو - بعد قلبها ياء - في الياء، وكسرت الغين للياء، و {لنجعله}: متعلق بمحذوف، أي: ولنجعله آية فعلنا ذلك، أو معطوف على محذوف، أي: لنُبين لهم كمال قدرتنا ولنجعله... الخ. أو على جملة: {هو عليّ هين}؛ لأنها في معنى العلة، أي: كذلك قال ربك؛ لقدرتنا على ذلك؛ ولنجعله... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واذكرْ} يا محمد {في الكتابِ}: القرآن، والمراد هذه السورة الكريمة؛ لأنها هي التي صُدرت بذكر زكريا، واستتبعت بذكر قصة مريم؛ لما بينهما من الاشتباك. أي: اذكر في الكتاب نبأ {مريم إِذ انتبذتْ}؛ حين اعتزلت {من أهلها} وأتت {مكانًا شرقيًا} من بيت المقدس، أو من دارها لتتخلى فيه للعبادة، ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة. وقيل: قعدت في مشربة لتغتسل من الحيْض، محتجبة بشيء يسترها، وذلك قوله تعالى: {فاتخذتْ من دونهم حجابًا}، وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، وإذا طهرت عادت إلى المسجد. فبينما هي تغتسل من الحيض، متحجبةً دونهم، أتاها جبريل عليه السلام في صورة آدمي، شاب أمرد، وضيء الوجه. قال تعالى: {فأرسلنا إِليها رُوحنا}: جبريل عليه السلام، عبَّر عنه بذلك؛ توفية للمقام حقه. وقرئ بفتح الراء؛ لكونه سببًا لِمَا فيه روح العباد، يعني اتباعه والاهتداء به، الذي هو عدة المقربين في قوله: {أية : فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}تفسير : [الواقِعَة: 88، 89]. {فتمثَّل لها بشرًا سويًّا}: سَويّ الخَلق، كامل البنية، لم يفقد من حِسان نعوت الآدمية شيئًا، وقيل: تمثل لها في صورة شاب تِرْبٍ لها، اسمه يوسف، مِنْ خدَم بيت المقدس، وإنما تمثل لها في تلك الصورة الجميلة لتستأنس به، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلامه تعالى؛ إذ لو ظهر لها على صورة الملَكية، لنفرت منه ولم تستطع مقاومته. وأما ما قيل من أن ذلك لتَهيج شهوتُها، فتنحدر نطفتها إلى رحمها، فغلط فاحش، ينحو إلى مذهب الفلاسفة، ولعلها نزعة مسروقة من مطالعة كتبهم، يُكذبه قوله تعالى: {قالت إِني أعوذ بالرحمن منك إِن كنت تقيًا}، فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها ميل إليه، فضلاً عن ما ذكر من الحالة المترتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة. نعم يمكن أن يكون ظهر على ذلك الحُسن الفائق والجمال اللائق؛ لابتلائها واختبار عِفّتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه. وذِكْرُ عنوان الرحمانية؛ للمبالغة في العِيَاذ به تعالى، واستجلاب آثر الرحمة الخاصة، التي هي العصمة مما دهمها. قاله أبو السعود. وقولها: {إِن كنتَ تَقيًّا} أي: تتقي الله فتُبَالى بالاستعاذة به. {قال إِنما أنا رسولُ ربك} أي: لستُ ممن يتوقع منه ما توهمت من الشر، وإنما أنا رسول من استعذت برحمانيته؛ {لأهَبَ لك غُلامًا} أي: لأكون سببًا في هبة الغلام، أو: ليهب لك ربُك غُلامًا - في قراءة الياء -. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها؛ لتشريفها وتسليتها، والإشعار بعلية الحكم؛ فإن هبة الغلام لها من أحكام تربيتها. وقوله: {زكيًّا} أي: طاهرًا من العيوب صالحًا، أو تزكو أحواله وتنمو في الخير، من سن الطفولية إلى الكبر. {قالت أنَّى يكونُ لي غلامٌ} كما وصفتَ، {و} الحال أنه {لم يَمْسَسني بشرٌ} بالنكاح، {ولم أكُ بغيًا}؛ زانية فاجرة تبتغي الرجال؟ {قال} لها الملك: {كذلك} أي: الأمر كما قلتُ لك {قال ربكِ هو عليَّ هيِّنٌ} أي: هبة الغلام من غير أن يمسسك بشرٌ هين سهل على قدرتنا، وإن كان مستحيلاً عادة؛ لأني لا أحتاج إلى الأسباب والوسائط، بل أمرنا بين الكاف والنون، {و} إنما فعلنا ذلك {لنجعله آيةً للناس} يستدلون به على كمال قدرتنا. والالتفات إلى نون العظمة؛ لإظهار كمال الجلالة، {و} لنجعله {رحمةً} عظيمة كائنة {منا} عليهم، ليهتدوا بهدايته، ويُرشدوا بإرشاده. {وكان} ذلك {أمرًا مقضيًا} في الأزل، قد تعلق به قضاء الله وقدره، وسُطِّر في اللوح المحفوظ، فلا بُدّ من جريانه عليك، أو: كان أمرًا حقيقيًا بأن يقضى ويفعل؛ لتضمنه حِكَمًا بالغة وأسرارًا عجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا تظهر النتائج والأسرار إلا بعد الانتباذ عن الفجار، وعن كل ما يشغل القلب عن التذكار، أو عن الشهود والاستبصار، فإذا اعتزل مكانًا شرقيًا، أي: قريبًا من شروق الأنوار والأسرار، بحيث يكون قريبًا من أهل الأنوار، أو بإذنهم، أرسل الله إليه روحًا قدسيًا، وهو وارد رباني تحيا به روحُه وسرُه وقلبُه وقالبُه، فيهب له عِلمًا لدنيا، وسرًا ربانيًا، يكون آية لمن بعده، ورحمة لمن اقتدى به وتبعه. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر حملها وولادتها وما كان من شأنها مع قومها

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو ونافع فى رواية ورش وقالون عنه {ليهب لك} بالياء {ربك غلاماً} الباقون {لأهب} بالهمزة على الحكاية، وتقديره قال ربك لاهب لك. وقال الحسن: معناه لاهب لك باذن الله {غلاماً زكياً} اى صار بالبشارة كأنه وهب لها. وضعف ابو عبيدة قراءة أبي عمرو، لانها خلاف المصحف. قال ابن خالويه: حجة ابي عمرو أن حروف المد واللين وذوات الهمز يحول بعضها الى بعض، كما قرئ (ليلا) بالياء - والاصل الهمزة: (لئلا) قال ابو عليّ النحوي: من قرأ - بالياء - يجوز أن يكون أراد الهمزة، وانما قلبها ياء على مذهب ابي الحسن أو جعلها بين بين قول الخليل. وفى قراءة أبي وابن مسعود (ليهب) بالياء، وهو الاجود، ومعنى "زكيا" نامياً على الخير والبركة يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {واذكر في الكتاب مريم} والذكر إدراك النفس للمعنى بحضوره فى القلب، والاذكار احضار النفس للمعنى، وقد يكون الذكر قولا يحضر المعنى للنفس، والمراد بالكتاب - ها هنا - القرآن وإنما سمي كتاباً، لانه مما يكتب. وقوله {إذ انتبذت من أهلها} فالانتباذ اتخاذ الشيء بالقاء غيره عنه، والاصل الالقاء من قولهم: نبذه وراء ظهره أي القاه، وفي هذا الطعام نبذ من شعير اي مقدار كف منه، والنبذ الطرح. وقال قتادة: معنى انتبذت انفردت. وقيل: معناه اتخذت مكاناً تنفرد فيه بالعبادة. وقيل معناه تباعدت. وقوله {مكاناً شرقياً} يعني الموضع الذي فى جهة الشرق، قال جرير: شعر : هبت جنوباً فذكرى ما ذكرت لكم عند الصفاة التي شرقيّ حورانا تفسير : وقال السدي: معنى {فاتخذت من دونهم حجاباً} أي حجاباً من الجدران. قال ابن عباس: انما جعلت النصارى قبلتهم الى المشرق، لان مريم اتخذت من جهة المشرق موضع صلاتها. وقال ابن عباس: معنى {من دونهم حجاباً} أي من الشمس جعله الله لها ساتراً. وقوله {فأرسلنا إليها روحنا} قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي، وابن جريج، ووهب بن منية: يعني جبرائيل (ع) وسماه الله (روحاً) لانه روحاني لا يشبه شيئاً من غير الروح. وخص بهذه الصفة تشريفاً له. وقيل لأنه تحيا به الأرواح بما يؤديه اليهم من أمر الاديان والشرائع. وقوله {فتمثل لها بشراً سوياً} أي تمثل لها جبرائيل في صورة البشر "سوياً" أى معتدلا، فلما رأته مريم، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً} تخاف عقوبة الله. فان قيل كيف تعوذت منه إن كان تقياً؟ والتقي لا يحتاج أن تتعوذ منه، وانما يتعوذ من غير التقي!! قيل المعنى فى ذلك إن التقي للرحمن إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط الله، ففي ذلك تخويف وترهيب، كما يقول القائل: إن كنت مؤمناً، فلا تظلمنى، وتكون هي غير عالمة بأنه تقي أم لا، فلما سمع جبرائيل منها هذا القول، قال لها: {إنما أنا رسول ربك} ارسلني الله لابشرك بأنه يهب {لك غلاماً} ذكراً {زكياً} طاهراً من الذنوب. وقيل: نامياً فى أفعال الخير. فقالت مريم عند ذلك متعجبة من هذا القول: {أنى يكون لي غلام} أي كيف يكون ذلك {ولم يمسسني بشر} بالجماع على وجه الزوجية {ولم أك بغياً} أي لم أكن زانية - فى قول السدى وغيره -. و (البغي) التي تطلب الزنا، لأن معنى تبغيه تطلبه، و {لم أك} اصلها لم اكن لانه من (كان، يكون) وإنما حذفت النون، لاستخفافها على ألسنتهم، ولكثرة استعمالهم لها، كما حذفوا الالف فى {لم أبل} واصله (لم أبالي) لأنه من المبالاة وكقولهم: (لا أدر) وقولهم: (أيش) واصله أى شيء، ومثله: لا أب لشانئك واصله لا أبا لشانئك، ومثله كثير.

الجنابذي

تفسير : {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ} تنحّت {مِنْ أَهْلِهَا} واستعمال الانتباذ للاشارة الى انّها ذهبت الى تلك النّاحية بحيث كأنّها نبذها نابذ فانتبذت من اهلها {مَكَاناً شَرْقِياً} قيل ذهبت وانغزلت من اهلها فى دار زكريّا الى مشرق الدّار للخلوة للعبادة او للاغتسال، او الى مشرق البلد خارج البلد للاغتسال، او الى مكانٍ يشرق عليه الشّمس لانّها خرجت فى يوم شديد البرد فجلست للاستدفاء بالشّمس، او الى الفرات الى النّخلة اليابسة للغسل قبل الحمل، او للطّلق بعد الحمل ويكون قوله {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً} من قبيل عطف التّفصيل على الاجمال ولا يكون الفاء للتّرتيب المعنوىّ، واتّخاذ الحجاب كان فى المحراب او فى المغسل او فى محلّ شروق الشّمس {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} يعنى جبرئيل (ع) او الرّوح الّذى هو فوق جبرئيل، والتّشريف بالاضافة يقتضى ان يكون هذا هو المراد، على انّ التّوجّه الى البشر وتربية آدم انّما هو من الرّوح الّذى هو ربّ النّوع الانسانىّ وهو اعظم من الملائكة كلّهم {فَتَمَثَّلَ} اى تصوّر بصورة {لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} قيل تمثّل فى صورة شابٍّ سوىّ الخلقة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ} يقول للنبي عليه السلام: اقرأ عليهم أمر مريم {إِذِ انْتَبَذَتْ} يعني إذ انفردت {مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا} يعني جبريل {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} أي سوي الخلق. أرسل إليها جبريل في صورة آدمي. وقال الكلبي: كان زكرياء كفل مريم، وكانت أختها تحته. وكانت تكون في المحراب. فلما أدركت كانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله، إلى أختها. فإذا طهرت رجعت إلى المحراب. فطهرت مرة، فلما فرغت من غسلها قعدت في مشرقة في ناحية الدار وعلّقت عليها ثوباً سترة. فجاء جبريل إليها في ذلك الموضع. فلما رأته {قَالَتْ} له: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً} أي: إن كنت لله تقياً فاجتنبني. {قَالَ} يعني جبريل قال: {إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} أي: صالحاً.

اطفيش

تفسير : {وَاذْكُرْ فِى الْكِتابِ} القرآن {مَرْيمَ} أى قصة مريم {إذِ} بدل من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها فإذ خارجة عن الظرفية إلى المفعولية أو بدل كل على أن المراد بمريم وقتها من تسمية الزمان بمن حل فيه أو بتقدير مضاف أى وقت مريم أو أراد بوقت الانقياد نفس القصة الواقعة فيه للحال باسم الزمان وعلى كل فإذ خارجة عن الظرفية. ويجوز أن يكون ظرفاً متعلقاً بمحذوف أى فعل مريم وقدر بعض خبر مريم وعلقه بخبر ويجوز تعليقه بمحذوف نعت لمحذوف أى أمر مريم الواقع إذ الخ. {انتَبَذَتْ} اعتزلت. قال ابن هشام: إذ بدل من المفعول وهو مريم بدل اشتمال. وزعم الجمهور أنه لا تكون إذ إلا ظرفا أو مضافا إليها فإذ ظرف لمضاف محذوف أى واذكر قصة مريم إذ انتبذت. وقيل: إذ بمعنى أن المصدرية أى اذكر مريم انتباذها على البدلية الاشتمالية. {مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شََرْقِيّاً} أى اعتزلت فى مكان نحو الشرق من الدار أو شرقى بيت المقدس للعبادة. وقيل: ذهبت إلى جهة الشرق فى أهلها لتغتسل من الحيض وقيل بشرق محرابها وكانوا يعظمون جهة الشرق. ولانتباذها مكاناً شرقياً اتخذ النصارى المشرق قبلة وقد علمت مما مر أن مكانا ظرف ويجوز أن يكون مفعولا به لانتبذت على أنه تضمن معنى أتت أو قصدت.

اطفيش

تفسير : {واذْكُر} يا محمد للنَّاس {فى الكتابِ} فى هذه السورة، إذ صدرت بقصة زكرياء المستتبعة لقصة مريم، وقصص الأنبياء، كما تناسبت هذه السورة، وسورة الكهف فى الاشتمال على عجائب من أصحاب الكهف والجنتين، وقصة موسى والخضر وذى القرنين، وولادة يحيى وعيسى، ولا سيما ما قيل: إن أصحاب الكهف من قوم عيسى، وإنهم يبعثون ويحجون معه، والجمهور على أن الكتاب القرآن وهو المتبادر. {مَرْيَم} أخبار مريم {إِذْ انْتَبَذَتْ} اعتزلت، قيل متعلق بأخبار الذى قدرته مضافاً لمريم، وقدر أبو حيان واذكر مريم، وما جرى إذ انتبذت، وهو أولى، لأن جرى أدل على الحديث من الأخبار جمع خبر، أو نبأ إن قدر بل لا يجوز تقدير نبأ أو أخبار، لأنه لا أخبار وقت الانتباذ، فلو قدر حوادث مريم لكان أولى لاختصاره، وظهور الحدث، وقيل: حال من نبأ المضاف لمريم أى اذكر نبأ مريم ثابتاً إذ انتبذت، وفيه أنه لم يثبت حين انتبذت كما مر، ويجوز أن يكون بدل اشتمال، ولو كان الزمان لا يخبر به عن الجثة، ولا توصف به ولا يجىء حالا منها، وقيل: بدل مطابق، وفيه أن وقت الانتباذ غير مريم وغير نبئها، والقول بأن إذ حرف مصدر على معنى التعليل أى لأن انتبذت تخليط. {من أهْلها مكاناً شرقياً} متعلقان بانتبذت، وقيل مكاناً مفعول به لتضمن انتبذت معنى أتت، والمراد مكاناً شرقياً من بيت المقدس، أو من دارها تختلى به للعبادة، معتزلة عن الناس، وقيل قعدت فى مشرفة لتغتسل من الحيض متحجبة بحائط أو جبل عند ابن عباس، وبثوب عند بعض، وذلك كما قال الله عز وجل: {فاتَّخذَت مِنْ دُونِهِمْ حجاباً} وكون المكان شرقياً اتفاقى لا قصد لها ولا تفضيل لعنة الله على النصارى، كتب الله عليهم الصلاة إلى الكعبة، والحج فما صرفهم عن ذلك إلا انتباذها من أهلها مكاناً شرقياً كما، أخرجه أن ابن أبى حاتم، عن ابن عباس، فجعلوا المشرق قبلة. وروى أنهم كانوا فى زمان عيسى يستقبلون بيت المقدس، وما استقبلوا الشرق إلا بعد رفعه، وروى أنهم زعموا أنه ظهر لبعض كبرائِهم، فأمره بذلك، ويجوز أن الله اختار لها الشرق بقصدها أو بدونه، لأنه مطلع الشمس والقمر وغيرهما من الأنوار الحسية المطابقة للنور العقلى، وروى أن الشرق موضعها فى المسجد إذا طهرت، وإذا حاضت تحولت إلى خالتها، أتاها ملك فى صورة شاب أمرد، وضىء الوجه، حسن شعر الرأس، وذلك قوله عز وجل: {فأرسلنا إليها رُوحَنا} جبريل عند الجمهور، سمى روحاً لأن الدين يحيا، والإِضافة للتشريف أو لحب الله إياه كما تقول لمن تحبه: هو روحى، وفى هذا أيضاً تشريف، أو لأنه من المقربين الذين لهم روح وريحان، وقيل: هو عيسى كقوله تعالى فى عيسى: "أية : ورورح منه" تفسير : [النساء: 171] وفى الإضافة ما مرّ. {فتمثَّل لَها} أى تمثل لها روحنا أى تصور لها {بشراً سوياً} كامل البنية والأدب، لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئاً، وقيل: تمثل فى صورة قريب لها يوسف من خدم بيت المقدس لتأنس بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته، ولو بدا لها على صورة ملك لنذرت فنقول لم يجىء إليها لتنحدر نطفة منها من صدرها إلى رحمها لتكون عيسى، فإن هذا خطأ كما يدل له قوله تعالى: {قالَت إِنِّى أُعُوذ بالرَّحْمن منْكَ إِنْ كُنْت تَقيّاً} لله عز وجل حاذراً للزنى والمعاصى، وإِن لم تكن تقياً لم أطمع أن تؤثر فيك استعاذتى بالله، بأن ترهبها إلا أن يشاء الله، بمعنى أن تقواك مانعة من الفجور، وهذا تذكير، وهذا شاهد عدل على ورعها. قلت: لا مانع من أن يرسله إليها لتنحدر من صدرها عند رؤيتها إياه ضرورة بلا اختيار منها، ولا ميل وذلك غير مناف للورع، إلا أنه بقى أن يقال: كون عيسى من نطفة جاءتها من نظر إلى غير زوجها نقص له حاشاه، ويقوى عدم النطفة ما ذكره الله من النفخ فى الدرع، ومن عادة المَلَك بفتح اللام إذا تمثل فى خير أن يتمثل بصورة حسنة كما كان جبريل يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى مصالحه صلى الله عليه وسلم بصورة دحية الكلبى، وما قيل إن معن عن جوابها وذلك أولى من أن تقدر إن كنت تقياً اتعظت، أو فاذهب عنى، أو فلا تتعرض لى، أو إن كنت تقياً تعوذت منك، فكيف إن لالم تكن تقياً. ومن أن تجعل إن نافية مستأنفة أى ما كنت تقياً بحضورك عندى منفرداً، ومن أن تقياً رجل طالح حقيق بأن يستعاذ منه، أو صالح حقيق بأن تؤثر فيه الاستعاذة، وابتلاها الله عز وجل بصورة الجميل اختباراً لعفتها وإظهاراً لها، واستعاذتها بالله خوف أن يكون البشر السوى مريداً للزنى، وحذراً من اشتهائها الطبيعى، وهو لا ينافى ورعها، بل يحققه إذ غلبته، ولم تعمل به، وقد قال الله عز ولج عن يوسف عليه السلام: "أية : وإلاَّ تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين" تفسير : [يوسف: 33] وقال: "أية : وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه" تفسير : [يوسف: 24] وقفنا على همَّ أو وصلناه على أنه مما بعده، وذلك مع أنه من الطبع استعاذ منه فقال: "أية : معاذ الله إنه ربِّى أحسن مثواى" تفسير : [يوسف: 23] وكفر من قال: خلق شىء لا من شىء محال، وهو قول يوجب التسلسل، والتسلسل باطل مناف للقدرة، بل يخلق الله الشىء لا من شىء ويخلق منه ما يريد. والملك جسم عظيم، لكن أقدر الله الملائكة على الانطواء، أو له أجزاء أصلية قليلة، تمثل بها، وأجزاء فاضلة أسقطها، وأما على أنه روحانى فلا إشكال فى أنه تارة بهيكل عظيم، وتارة بصغير، ولا يقال إجازة التمثيل يرفع الوثوق بكل ما نراه، فلعله غيره، لأنا نرى الشىء مستمراً، وأيضاً يعاد فى ذلك إلى نفس التخييل لعله غير تخييل، وإسناد الأشياء إلى الاتصالات الفلكية كفر قام الدليل القاطع على بطلانها، والعقل ولو أجاز التخييل لكن بطل بالمشاهدة، ودلائل الشرع، وذكرت الرحمن مبالغة فى الحذر، بأن يرحم ضعفها، وعجزها عن الدفع واستجال برحمة الله الدافعة، وعن ابن عباس لما قالت: أنى أعوذ بالرحمن الخ تبسم جبريل، فقال ما ذكر الله عز وجل فى قوله: {قال إنَّما أنا رسُول ربِّك} ما أنا إلا رسول الذى ملك أمرك، ونظر مصلحتك الذى استعذت به لست من أهل الالشر {لأهَبَ} أنا بالهمزة {لك غلاماً زكياً} لأكون سبباً وواسطة فى هبته لك بالنفخ فى الدرع، أو لأهب بالياء فوق الإيمان أى ليهب الله لك، ودعوى أن الأصل الهمزة قلبت ياء لكسر ما قبلها تكلف بلا داع مع ما فيه من الإلباس، واللام على كل حال متعلق برسول، لأنه بمعنى مرسل، كأنه قيل: أرسلنى لأهب، أو ليهب، وإذا صير إلى التقدير فقدر جئت، أو أرسلت، وزكياً ينمو من خير إلى خير فوقه، وتقدم تفسيره، فإن هذا هو ذاك، ولا دلالة فى الآية على نبوة مريم، لأن تكلم جبريل لها ليس على طريق النبوة، وأيضاً لم يوح إليهما بشرع.

الالوسي

تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } الخ فهو كلام مستأنف خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم وأمر عليه الصلاة والسلام بذكر قصة مريم إثر قصة زكريا عليه السلام لما بينهما من كمال الاشتباك والمناسبة. والمراد بالكتاب عند بعض المحققين السورة الكريمة لا القرآن كما عليه الكثير إذ هي التي صدرت بقصة زكريا عليه السلام المستتبعة لقصتها وقصص الأنبياء عليهم السلام المذكورين فيها أي واذكر للناس فيها {مَرْيَمَ } أي نبأها فإن الذكر لا يتعلق بالأعيان. وقوله تعالى: {إِذِ ٱنتَبَذَتْ } ظرف لذلك المضاف لكن لا على أن يكون المأمور به ذكر نبئها عند انتباذها فقط بل كل ماعطف عليه وحكي بعده بطريق الاستئناف داخل في حيز الظرف متمم للنبأ وجعله أبو حيان ظرفاً لفعل محذوف أي واذكر مريم وما جرى لها إذ انتبذت وما ذكرناه أولى. وقيل: هو ظرف لمحذوف وقع حالاً من ذلك المضاف، وقيل: بدل اشتمال من مريم لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه تفخيم لقصتها العجيبة. وتعقبه أبو البقاء بأن الزمان إذا لم يقع حالاً من الجثة ولا خبراً عنها ولا صفة لها لم يكن بدلاً منها. ورد بأنه لا يلزم من عدم صحة ما ذكر عدم صحة البدلية ألا ترى سلب زيد ثوبه كيف صح فيه البدلية مع عدم صحة ما ذكر في البدل وكون ذلك حال الزمان فقط غير بين ولا مبين. وقيل: بدل كل من كل على أن المراد بمريم قصتها وبالظرف الواقع فيه وفيه بعد. وقيل: {إِذَا } بمعنى أن المصدرية كما في قوله لا أكرمتك إذ لم تكرمني أي لأن لم تكرمني أي لعدم إكرامك لي. وهذا قول ضعيف للنحاة. والظاهر أنها ظرفية أو تعليلية إن قلنا به ويتعين على ذلك بدل الاشتمال. والانتباذ الاعتزال والانفراد. وقال الراغب يقال: ((انتبذ فلان اعتزل اعتزال من تقل مبالاته بنفسه فيما بين الناس. والنبذ: إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به)). وقوله تعالى: {مّنْ أَهْلِهَا } متعلق بانتبذت، وقوله سبحانه: {مَكَاناً شَرْقِياً } قيل نصب على الظرف، وقيل مفعول به لانتبذت باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان المترتب وجوداً واعتباراً على أصل معناه العامل في الجار والمجرور وهو السر في تأخيره عنه. واختاره بعض المحققين أي اعتزلت وانفردت من أهلها وأتت مكاناً شرقياً من بيت المقدس أو من دارها لتتخلى هناك للعبادة، وقيل قعدت في مشرفة لتغتسل من الحيض محتجبة بحائط أو بجبل على ما روي عن ابن عباس أبو بثوب على ما قيل وذلك قوله تعالى: {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً...}.

ابن عاشور

تفسير : جملة {واذكر في الكتاب مريم} عطف على جملة {أية : ذِكْرُ رحمتِ ربِّكَ}تفسير : [مريم: 2] عطف القصة على القصة فلا يراعى حُسن اتّحاد الجملتين في الخبرية والإنشائية، على أن ذلك الاتحاد ليس بملتزم. على أنك علمت أن الأحسن أن يكون قوله {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} مصدراً وقع بدلاً من فعله. والمراد بالذكر: التّلاوة، أي اتل خبر مريم الذي نقصّه عليك. وفي افتتاح القصة بهذا زيادة اهتمام بها وتشويق للسامع أن يتعرفها ويتدبرها. والكتاب: القرآن، لأنّ هذه القصة من جملة القرآن. وقد اختصت هذه السورة بزيادة كلمة {في الكتاب} بعد كلمة {واذكر}. وفائدة ذلك التنبيه إلى أن ذكر من أمر بذكرهم كائن بآيات القرآن وليس مجرد ذكر فضله في كلام آخر من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كقوله: «حديث : لو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي»تفسير : . ولم يأت مثل هذه الجملة في سورة أخرى لأنه قد حصل علم المراد في هذه السورة فعلم أنه المراد في بقية الآيات التي جاء فيها لفظ {اذكر}. ولعل سورة مريم هي أول سورة أتى فيها لفظ {واذكرْ} في قصص الأنبياء فإنها السورة الرابعة والأربعون في عدد نزول السور. و (إذ) ظرف متعلق بـ{اذكر} باعتبار تضمنه معنى القصة والخبر، وليس متعلقاً به في ظاهر معناه لعدم صحة المعنى. ويجوز أن يكون (إذ) مجرد اسم زمان غير ظرف ويجعل بدلاً من (مريم)، أي اذكر زمن انتباذها مكاناً شرقياً. وقد تقدم مثله في قوله {أية : ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه}تفسير : [مريم: 2، 3]. والانتباذ: الانفراد والاعتزال، لأن النبذ: الإبعاد والطرح، فالانتباذ في الأصل افتعال مطاوع نبذه، ثم أطلق على الفعل الحاصل بدون سبق فاعل له. وانتصب {مكاناً} على أنه مفعول {انتبذت} لتضمنه معنى (حلت). ويجوز نصبه على الظرفية لما فيه من الإبهام. والمعنى: ابتعدت عن أهلها في مكان شرقي. ونُكر المكان إبهاماً له لعدم تعلُّق الغرض بتعيين نوعه إذ لا يفيد كمالاً في المقصود من القصة. وأما التصدّي لوصفه بأنه شرقي فللتنبيه على أصل اتخاذ النصارى الشرقَ قبلة لصلواتهم إذ كان حمل مريم بعيسى في مكان من جهة مشرق الشمس. كما قال ابن عباس: «إني لأعلم خلقِ الله لأي شيء اتّخذت النصارى الشرقَ قبلة لقوله تعالى: {مكاناً شرقِيّاً}، أي أن ذلك الاستقبال ليس بأمر من الله تعالى. فذكر كون المكان شرقياً نكتة بديعة من تاريخ الشرائع مع ما فيه من مؤاخاة الفواصل. واتخاذ الحجاب: جعل شيء يَحجب عن الناس. قيل: إنها احتجبت لتغتسل وقيل لتمتشط. والروح: الملك، لأن تعليق الإرسال به وإضافته إلى ضمير الجلالة دلاَّ على أنه من الملائكة وقد تمثّل لها بشراً. والتمثل: تكلف المماثلة، أي أن ذلك الشكل ليس شكل الملك بالأصالة. و{بَشَرَاً} حال من ضمير (تمثل)، وهو حال على معنى التشبيه البليغ. والبشر: الإنسان. قال تعالى: {أية : إني خالق بشراً من طين}تفسير : [ص:71]، أي خالق آدم عليه السلام. والسويُّ: المُسَوّى، أي التام الخلق. وإنما تمثل لها كذلك للتناسب بين كمال الحقيقة وكمال الصورة، وللإشارة إلى كمال عصمتها إذ قالت: {إنِّي أعوذُ بالرَّحمٰن مِنكَ إن كُنتَ تقِيَّاً}، إذ لم يكن في صورته ما يكره لأمثالها، لأنها حسبت أنه بشر اختبأ لها ليراودها عن نفسها، فبادرته بالتعوذ منه قبل أن يكلمها مبادرة بالإنكار على ما توهمته من قصده الذي هو المتبادر من أمثاله في مثل تلك الحالة. وجملة {إنِّي أعوذُ بالرحمٰن مِنكَ} خبرية، ولذلك أكدت بحرف التأكيد. والمعنى: أنها أخبرته بأنها جعلت الله معاذاً لها منه، أي جعلت جانب الله ملجأ لها مما هَمّ به. وهذه موعظة له. وذكرها صفة (الرحمان) دون غيرها من صفات الله لأنها أرادت أن يرحمها الله بدفع من حسبته داعراً عليها. وقولها { إن كُنتَ تَقيّاً} تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتّقي ربّه. ومجيء هذا التذكير بصيغة الشرط المؤذن بالشك في تقواه قصد لتهييج خشيته، وكذلك اجتلاب فعل الكون الدال على كون التّقوى مستقرة فيه. وهذا أبلغ وعظٍ وتذكيرٍ وحثّ على العمل بتقواه. والقصر في قوله: {إنَّما أنا رسولُ ربّكِ} قصر إضافي، أي لستُ بشراً، رداً على قولها: {إن كنت تقياً} المقتضي اعتقادها أنه بشر. وقرأ الجمهور {لأَهَبَ} بهمزة المتكلم بعد لام العلّة. ومعنى إسناد الهبة إلى نفسه مجاز عقلي لأنه سبب هذه الهبة. وقرأه أبو عمرو، وورش عن نافع {ليَهبَ} بياء الغائب، أي ليهب ربّك لك، مع أنها مكتوبة في المصحف بألف. وعندي أن قراءة هؤلاء بالياء بعد اللام إنما هي نطق الهمزة المخففة بعد كسر اللام بصورة نطق الياء. ومحاورتها الملك محاولة قصدت بها صرفه عما جاء لأجله، لأنها علمت أنّه مرسل من الله فأرادت مراجعة ربّها في أمر لم تطقه، كما راجعه إبراهيم - عليه السلام - في قوم لوط، وكما راجعه محمد - عليه الصلاة والسّلام - في فرض خمسين صلاة. ومعنى المحاورة أن ذلك يجر لها ضرّاً عظيماً إذ هي مخطوبة لرجل ولم يَبْنِ بها فكيف يتلقى الناس منها الإتيان بولد من غير أب معروف. وقولها {ولم أكُ بغيّاً} تبرئة لنفسها من البغاء بما يقتضيه فعل الكون من تمكن الوصف الذي هو خبر الكون، والمقصود منه تأكيد النفي فمفاد قولها {ولم أكُ بغيّاً} غير مفاد قولها {ولم يَمْسَسني بَشَر}، وهو مما زادت به هذه القصة على ما في قصتها في سورة آل عمران، لأن قصتها في سورة آل عمران نزلت بعد هذه فصح الاجتزاء في القصة بقولها {ولم يَمْسَسني بَشَر}. وقولها {ولم يَمْسَسني بَشَر} أي لم يَبْنِ بي زوج، لأنها كانت مخطوبة ومراكنة ليوسف النجّار ولكنّه لم يبن بها فإذا حملت بولد اتهمها خطيبها وأهلها بالزّنى. وأما قولها {ولَمْ أكُ بَغِياً} فهو نفي لأن تكون بغياً من قبل تلك الساعة، فلا ترضى بأن ترمى بالبغاء بعد ذلك. فالكلام كناية عن التنزه عن الوصم بالبغاء بقاعدة الاستصحاب، والمعنى: ما كنت بغيّاً فيما مضى أفأعدّ بغياً فيما يستقبل. وللمفسرين في هذا المقام حيرة ذكرها الفخر والطيبي، وفيما ذكرنا مخرج من مأزِقها، وليس كلام مريم مسوقاً مساق الاستبعاد مثل قول زكرياء {أية : أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً}تفسير : [مريم: 8] لاختلاف الحالين لأن حال زكرياء حال راغب في حصول الولد، وحال مريم حال متشائم منه متبرىء من حصوله. والبغِيّ: اسم للمرأة الزانية، ولذلك لم تتصل به هاء التأنيث، ووزنه فعيل أو فعول بمعنى فاعل فيكون أصله بَغوي. لأنه من البغي فلما اجتمع الواو والياء وسكن السابق منهما قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء الأصليّة وعوض عن ضمة الغين كسرة لمناسبة الياء فصار بغي. وجواب المَلَك معناه: أن الأمر كما قلت، نظير قوله في قصة زكرياء: {كذلك قال ربك هو عليّ هيّن} وهو عدول عن إبطال مرادها من المراجعة إلى بيان هون هذا الخلق في جانب القدرة على طريقة الأسلوب الحكيم. وفي قوله {هو علي هين}توجيه بأن ما اشتكته من توقع ضدّ قولها وطعنهم في عرضها ليس بأمر عظيم في جانب ما أراد الله من هدي الناس لرسالة عيسى عليه السلام بأن الله تعالى لا يصرفه عن إنفاذ مراده ما عسى أن يعرض من ضر في ذلك لبعض عبيده، لأنّ مراعاة المصالح العامة تقدم على مراعاة المصالح الخاصة. فضمير {هو علي هين} عائد إلى ما تضمنه حوارها من لحاق الضر بها كما فسرنا به قولها {ولم يَمْسَسني بَشَر ولم أكُ بَغِياً}. فبين جواب الملك إياها وبين جواب الله زكرياء اختلاف في المعنى. والكلام في الموضعين على لسان المَلك من عند الله، ولكنه أسند في قصة زكرياء إلى الله لأن كلام المَلك كان تبليغَ وحي عن الله جواباً من الله عن مناجاة زكرياء، وأسند في هذه القصة إلى الملَك لأنه جواب عن خطابها إياه. وقوله {ولنجعله} عطف على {فأرسلنا إليها روحنا} باعتبار ما في ذلك من قول الرُّوح لها {لأهب لك غلاماً زكياً،} أي لأن هبة الغلام الزكي كرامة من الله لها، وجعله آية للناس ورحمة كرامة للغلام، فوقع التفات من طريقة الغيبة إلى طريقة التكلّم. وجملة {وكان أمراً مقضياً} يجوز أن تكون من قول الملك، ويجوز أن تكون مستأنفة. وضمير (كان) عائد إلى الوهْب المأخوذ من قوله {لأهب لك غلاماً}. وهذا قطع للمراجعة وإنباء بأن التخليق قد حصل في رحمها.

الشنقيطي

تفسير : أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يذكر في الكتاب وهو القرآن "مريم" حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً. وقوله "انتبذت" أي تنحَّت عنهم واعتزلتهم منفردة عنهم. وقوله {مَكَاناً شَرْقِياً} أي مما يلي شرقي بيت المقدس. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة "إذ" "مريم" بدل اشتمال، لأن الأحيان مشتملة على ما فيها اشتمال الظرف على مظروفه. قاله الزمخشري في الكشاف واعترضه عليه أبو البقاء وأبو حيان: والظاهر سقوط اعتراضهما، وأن الصواب معه، والله تعالى أعلم. ولم يذكرهنا شيئاً عن نسب "مريم" ولا عن قصة ولادتها. وبين في غير هذا الموضع أنها ابنة عمران، وأن أمها نذرت ما في بطنها محرراً، تعني لخدمة بيت المقدس، تظن أنها ستلد ذكراً "فولدت مريم". قال في بيان كونها ابنة عمران: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}تفسير : [التحريم: 12] الآية. وذكر قصة ولادتها في "آل عمران" في قوله: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 35-37]. وقوله "مكاناً" منصوب لأنه ظرف.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: واذكر في الكتاب: أي القرآن مريم أي خبرها وقصتها. مريم: هي بنت عمران والدة عيسى عليه السلام. إذا انتبذت: أي حين اعتزلت أهلها باتخاذها مكاناً خاصاً تخلو فيه بنفسها. شرقيا: أي شرق الدار التي بها أهلها. حجابا: أي ساتراً يسترها عن أهلها وذويها. روحنا: جبريل عليه السلام. بشراً سوياً: أي تام الخلق حتى لا تفزع ولا تروع منه. إن كنت تقياً: أي عاملاً بإيمانك وتقواك لله فابتعد عني ولا تؤذني. غلاما زكيا: ولداً طاهراً لم يتلوث بذنب قط. ولم يمسسني بشر: أي لم أتزوج. ولم أك بغيّاً: أي زانية. قال كذلك: أي الأمر كذلك وهو خلق غلام منك من غير أب. هو علي هين: ما هو إلا أن ينفخ رسولنا في كم درعك حتى يكون الولد. ولنجعله آية للناس: أي عل عظيم قدرتنا. ورحمة منا: أي وليكون الولد رحمة بمن آمن به واتبع ما جاء به. أمراً مقضياً: أي حكم الله به وفرغ منه فهو كائن حتماً لا محالة. معنى الآيات: هذه بداية قصة مريم عليها السلام إذ قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ} أي القرآن الكريم {مَرْيَمَ} أي نبأها وخبرها ليكون ذلك دليلاً على نبوتك وصدقك في رسالتك وقوله {إِذِ ٱنتَبَذَتْ} أي اعتزلت {مِنْ أَهْلِهَا} هذا بداية القصة وقوله {مَكَاناً شَرْقِياً} أي موضعاً شرقي دار قومها وشرق المسجد، ولذا اتخذ النصارى المشرق قبلة لهم في صلاتهم ولا حجة لهم في ذلك إلا الابتداع وإلا فقبلة كل مصلي لله الكعبة بيت الله الحرام قوله تعالى: {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم} أي من دون أهلها {حِجَاباً} ساتراً لها عن أعينهم، ولما فعلت ذلك أرسل الله تعالى إليها جبريل في صورة بشر سوي الخلقة معتدلها، فدخل عليها فقالت ما قص الله تعالى في كتابه {إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} أي أحتمي بالرحمن الذي يرحم الضعيفات مثلي إن كنت مؤمناً تقياً فاذهب عني ولا تروعني أو تمسني بسوء. فقال لها جبريل عليه السلام ما أخبر تعالى به وهو {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} أي طاهراً لا يتلوث بذنب قط. فأجابت بما أخبر تعالى عنها في قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي من أي وجه يأتيني الولد، {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} أي وأنا لم أتزوج، {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} أي ولم أك زانية، فأجابها جبريل بما أخبر تعالى به في قوله: {قَالَ كَذٰلِكَ} أي الأمر كما قلت ولكن ربك قال: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي خلقه بدون أب من نكاح أو سفاح، لأنه هين علينا من جهة، {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} دالة على قدرتنا على خلق آدم بدون أب ولا أم، والبعث الآخر من جهة أخرى، وقوله تعالى {وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} أي ولنجعل الغلام المبشر به رحمة منا لكل من آمن به واتبع طريقته في الإِيمان والاستقامة وكان هذا الخلق للغلام وهبته لك أمراً مقضياً أي حكم الله فيه وقضى به فهو كائن لا محالة ونفخ جبريل في جيب قميصها فسرت النفخة في جسمها فحملت به كما سيأتي بيانه في الآيات التالية. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان شرف مريم وكرامتها على ربها. 2- فضيلة العفة والحياء. 3- كون الملائكة يتشكلون كما أذن الله تعالى لهم. 4- مشروعية التعوذ بالله من كل ما يخاف من إنسان أو جان. 5- التقوى مانعة من فعل الأذى بالناس أو إدخال الضرر عليهم. 6- خلق عيسى آية مبصرة تتجلى فيها قدرة الله تعالى على الخلق بدأ وإعادة.

القطان

تفسير : انتبذتْ: اعتزلت. مكاناً شرقيا: شرقي بيتَ لحم، وذلك في الغور لأنه المكان الوحيد في بلادنا الذي يثمر فيه النخل. روحنا: جبريل. بشَرا سويا: رجلا كامل الخلقة. أعوذُ: أَعتصم والتجىء. تقيا: مطيعا. لأهَبَ: لأكون سببا في هبته لك. زكيا: طاهرا. أنَّى يكون لي غلام: كيف يكون لي غلام. آية: علامة على قدرة الخالق. مقضيّا: محتوما. بعد ان ذكر الله قصة زكريا واستجابة دعائه، ويحيى الذي اوجده الله من شيخين فانيين - ثنى بقصة عيسى لأنها اغرب من ذلك. وقد فتنت قصة عيسى عليه السلام كثيرا من البشر حتى تصوروه إلهاً، ونسجوا حوله كثيرا من الخرافات والاساطير، فجاء القرآن الكريم يقص كيف وقعت هذه القصة العجيبة، ويبرز دلالتها الحقيقية، وينفي تلك الخرافات والاساطير. واذكر ايها الرسول ما في القرآن من قصة مريم حين اعتزلت عن اهلها في مكان شرقيّ بيت لحم والقدس حيث كانوا يقيمون. وضربت بينها وبينهم حجابا. فارسلنا اليها جبريل في صورة انسان معتدل الخلق، فلما رأته مريم فزعت منه وقالت: اني استجير بالرحمن منك ان كنت تتقي الله وتخشاه. فقال جبريل مجيباً لها ومزيلا لما حصل عندها من الخوف على نفسها: لا تخافي اني رسول من ربك لاكون سببا في ان يهب الله لك غلاما طاهرا مبرأ من العيوب. فعجبت مريم مما سمعت وقالت لجبريل: كيف يكون لي غلام، ولست بذات زوج، ولم يقربني انسان ولست من اهل الفجور؟. فقال لها الروح الامين: ان الله قد قال: ان هذا الأمر عليه هين، وان اسباب الولادة لا تنحصر عند الله بما هو المعتاد من زوجين، فانه كما اوجد آدم من غير اب وأم، واوجد هذا الكون من العدم - فانه يهب لك الغلام من غير اب {أية : إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران:47]. وقد نفخ جبريل في قميصها فكانت تلك النفخة سببا للحمل، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا}تفسير : [الأنبياء:91]. وفي سورة التحريم الآية 12 {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا}تفسير : وقد قدرنا ذلك لنجعلَ خلقه برهانا على قدرتنا كما يكون رحمة لمن يهتدي به، وكان خلق عيسى محتوما. قراءات: قرأ ابو عمرو ونافع: ليهب لك، بالياء. والباقون: لأهب لك كما هو في المصحف.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} (16) - وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى قِصَّةَ زَكَرِيَّا فِي إِيْجَادِ وَلَدٍ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَبِرَ وَشَاخَ، وَامْرَأَتُهُ عَاقِرٌ لاَ تَلِدُ، أَتَى عَلَى ذِكْرِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، وَوِلاَدَةِ وَلَدٍ لَهَا مِنْ غَيْرِ أَبٍ. وَفِي كِلاَ الأَمْرَيْنِ دَلاَلَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى عَظَمَةِ الخَالِقِ وَقُدْرَتِهِ. وَمَرْيَمُ هِيَ بِنْتُ عِمْرَانَ مِنْ سُلاَلَةِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَكَانَتْ مَرْيَمُ مِنْ بَيْتٍ طَيبٍ طَاهِرٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَذَكَرَ اللهُ تَعَالَى نَشْأَتَها فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَكَانَتْ إِحْدَى العَابِدَاتِ النَّاسِكَاتِ، وَكَانَتْ فِي كَفَالَةِ زَوْجِ خَالَتِهَا زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى - وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ - أَنْ يُوجِدَ مِنْهَا وَلَداً مِنْ غَيْرِ أب، انْتَحَتْ (انْتَبَذَتْ) عَنْ أَمَاكِنِ أَهْلِهَا، وَاتَّخَذَتْ لَهَا مَكَاناً يَقَعُ شَرْقِيَّ أَمَاكِنِهِمْ (مَكَاناً شَرْقِيّاً). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّصَارَى اتَّخَذُوا المَشْرِقَ قِبْلَةً لَهُمْ لأَنَّ المَشْرِقَ كَانَ مَكَانَ مِيلاَدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ). انْتَبَذَتْ - اعْتَزَلَتْ وَانْفَرَدَتْ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ} القرآن {مَرْيَمَ} وهي ابنة عمران بن ماثان {إِذِ ٱنتَبَذَتْ}. قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية {مَكَاناً شَرْقِياً} يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء. قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مكاناً شرقياً {فَٱتَّخَذَتْ} فضربت {مِن دُونِهِم حِجَاباً} قال ابن عباس: ستراً، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهراً، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلْق. فذلك قوله {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل {فَتَمَثَّلَ} فتصور لها بشراً آدمياً سويّاً لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} مؤمنا مطيعاً. قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إنْ كنت في الصلاح مثل التقي فإني أعوذ بالرحمن منك، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ} أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولداً {غُلاَماً زَكِيّاً} صالحاً تقياً {قَالَتْ} مريم {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} ولم يقربني روح {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} فاجرة وإنما حُذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه. قال جبرئيل {كَذٰلِكَ} كما قلتِ يا مريم ولكن قال ربّك وقيل هكذا {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} خلْق ولد من غير أب {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً} علامة هذه {لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا} لمن تبعه على دينه. {وَكَانَ} ذلك {أَمْراً مَّقْضِيّاً} معدوداً مسطوراً في اللوح المحفوظ. {فَحَمَلَتْهُ} وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخاً فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت {فَٱنْتَبَذَتْ} خرجت وانفردت {مَكَاناً قَصِيّاً} بعيداً من أهلها من وراء الجبل، ويقال اقصى الدار. قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أُخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة. قال ابن عباس: ما هو إلاّ أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إّلا ساعة: لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلاً. وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى. {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ} ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق. {إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدةّ الشتاء ولم يكن لها سعف. وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعاً يابساً قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم. {قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} قرأ يحيى بن وتاب والأعمش وحمزة: نسياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوَتر والوِتَر والحَجر والحِجر والجَسر والجِسر، وهو الشيء المنسي. قال ابن عباس: يعني شيئاً متروكاً، وقال قتادة: شيئاً لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة. قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشىّ الهالك. قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أُخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نُسي واغفل من شئ حقير. قال الكميت: شعر : اتجعلنا جسراً لكلب قضاعة ولست بنسي في معد ولا دخل تفسير : أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن حمّاد قال: حدَّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا متُ كنت نسياً منسياً. {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: من تحتها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون من تحتها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: {أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبداً سرياً أي رفيعاً، وقال سائر المفسّرين: هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه {تَحْتَكِ} إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون {أية : وَهَـٰذِه ِٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} تفسير : [الزخرف: 51] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ} أي حرّكي {بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيداً، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها. {تُسَاقِطْ} قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِط بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنَّث ردَّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف. {رُطَباً جَنِيّاً} غصناً رطباً ساعة جُني. وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل. وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسُر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}. وقالت عائشة رضي الله عنه: إنَّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة. {فَكُلِي} يا مريم من الرطب {وَٱشْرَبِي} من النهر {وَقَرِّي عَيْناً} وطيبي نفساً {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} فسألك عن ولدكِ أو لامكِ عليه {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقاً ثم تمسك عن الكلام بعد هذا. {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس. {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} قال الكلبي: احتمل يوسف النجّار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوماً حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها {فَأَتَتْ} مريم {بِهِ} بعيسى تحمله بعد أربعين يوماً، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين. {قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} فظيعاً منكراً عظيماً، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري، "حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه : فلم أر عبقرياً يفري فريه" تفسير : أي يعمل عمله، قال الراجز: شعر : قد أطعمتني دقلاً حوليا مسوسا مدوداً حجرياً تفسير : قد كنت تفرين به الفريا. أي كنت تكثيرن فيه القول وتعظمينه. {يٰأُخْتَ هَارُونَ} قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : انّما عنوا هارون النبي اخا موسى لأنها كانت من نسله ". تفسير : وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلاً صالحاً من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذُكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل، وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: {يٰأُخْتَ هَارُونَ} وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى اللّه عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالانبياء والصالحين من قبلهم. وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أُمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فساداً فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأُخت ها هنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أُخته وأخاه، قال الله سبحانه {أية : وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} تفسير : [الزخرف: 48] أي شبهها. {مَا كَانَ أَبُوكِ} عمران { ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ} حنّة {بَغِيًّا} زانية فمن أين لك هذا الولد؟ {فَأَشَارَتْ} مريم إلى عيسى أن كلّموه فقالوا {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشواً للكلام ولا معنى له كقوله {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110] أي أنتم خير أُمة وكقوله {أية : هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 93]أي هل أنا، وكقول الناس إن كنتَ صديقي فصلني، قال زهير: شعر : أجرت عليه حرّة أرحبيّة وقد كان لون الليل مثل الأرندج تفسير : وقال الفرزدق: شعر : فكيف إذا رأيت ديار قومي وجيران لنا كانوا كرام تفسير : أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أُمِرْتَ بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوماً. وقال مقاتل: هو يوم ولد. {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيباً للنصارى وإلزاماً للحجة عليهم. قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى اخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إباّن الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأُخدود. فأمّا شاهد يوسف فقد مرَّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة، فأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدَّثنا داود بن سليمان قال: حدَّثنا عبد بن حميد قال: حدَّثنا الحسن بن موسى قال: حدَّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا أُسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟ قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته: أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك. فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي ورّبك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأُحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعاً فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحداً واحداً حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعاً فقال: اصبري يا أُماه فإنّا على الحق، قال: ثم أُلقيت مع ولدها . تفسير : وأمّا صاحب جريح فأخبرنا عبد الله بن حامد الاصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدَّثنا أحمد بن الخليل قال: حدَّثنا يونس بن محمد المؤدب، قال: حدَّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرنا عبد الله [بن حامد] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدَّثنا راشد بن سليمان قال: حدَّثنا عبد بن حميد قال: حدَّثنا هاشم بن القاسم قال: حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنّ رجلاً يقال له جريح كان راهباً يتعبّد في صومعته فأتته أُمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أُمّي وصلاتي لرّبي، أُوثر صلاتي لربّي على أُمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن ". تفسير : قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاماً فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرَّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أُمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرَّ على الزواني؟ فلمّا أُدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: مَنْ أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحاً وأعظمه الناس، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه. وأمّا ولد صاحبة الأُخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله. {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم متى كُتبتَ نبياً؟ قال: "حديث : كُتبتُ نبياً وآدم بين الروح والجسد ". تفسير : وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أُمّي. {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} معلماً للخير {أَيْنَ مَا كُنتُ} وقيل: مباركاً على من اتّبع ديني وأمري {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً} أي وجعلني براً {بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً}. أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال: حدَّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدَّثنا روح بن عبادة قال: حدَّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يُحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن اللّه له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أُرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جباراً شقيّاً، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليَّن وإنيّ صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ} يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد {سُبْحَانَهُ} نزّه نفسه {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} كان في علمه {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ ٱللَّهَ} يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إنّ الله بالكسر على الاستيناف {رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا} الذي ذكرت {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزاباً لأنهّم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية. {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني يوم القيامة {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر. قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : الآية [المائدة: 116]. {يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي فرغ من الحساب وأُدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} من الدنيا. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدَّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: "حديث : يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال: يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزناً إلى زنهم"تفسير : ، ثمَّ قرأ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} وأشار بيده في الدنيا. قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك. {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم. {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} فنجزيهم بأعمالهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقصة مريم في واقع الأمر كانت قبل قصة زكريا ويحيى؛ لأن طلب زكريا للولد جاء نتيجة لما سمعه من مريم حين سألها عن طعام عندها لم يأْتِ به، وهو كافلها ومُتولّي أمرها، فتعجب أنْ يرى عندها رِزْقاً لم يحمله إليها، وهي مقيمة على عبادتها في محرابها، فقال لها: {أية : يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. وكأن هذا أول بداية قانون: من أين لك هذا؟ لكن عطاءه تعالى لا يخضع للأسباب، بل هو سبحانه يرزق مَنْ يشاء متى شاء وبغير حساب. وشاءتْ إرادة الله أن تنطِقَ مريم بهذه المقولة: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37] لأنها ستُنبِّه زكريا إلى شيء، وستحتاجها أيضاً مريم فيما بعد حينما تشعر بالحَمْل من غير زَوْج، فلن تعترض على هذا الوضع، وستعلم أنه عطاءٌ من الله. وكذلك نبَّهتْ هذه الآية زكريا - عليه السلام - إلى فَضْل الله وسِعَة رحمته، وهذا أمر لا يغيب عن نبي الله، ولكن هناك قضايا في النفس البشرية إلا أنها بعيدة عن بُؤْرة الشعور وبعيدة عن الاهتمام، فإذا ما ذُكِّر بها انتبه إليها؛ لذلك يقول الحق - سبحانه وتعالى: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ..}تفسير : [آل عمران: 38]. فما دام أن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب، فلماذا لا أدعو الله بولد صالح يحمل أمر الدعوة من بعدي، وطالما أن الرزق بغير حساب فلن يمنعه كِبَر السِّنِّ أو العُقْم أو خلافه. إذن: فمريم هي التي أوحَتْ لزكريا بهذا الدعاء، واستجاب الله لزكريا ورزقه يحيى؛ ليكون ذلك مقدمة وتمهيداً لمريم، فلا تنزعج من حَمْلها، وتردّ هذه المسألة إلى أن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب، وليكون ذلك إيناساً لنفسها واطمئناناً، وإلاَّ فمن الممكن أن تلعبَ بها الظنون وتنتابها الشكوك، وتتصور أن هذا الحمْل نتيجة شيء حدث لم تشعر به، أو كانت نائمة مثلاً. لكن الحق - تبارك وتعالى - يقطع عنها كل هذه الشكوك، ويعطيها مقدمة تراها وتعايشها بنفسها في طعام لم يَأْتِ به أحد إليها، وفي حَمْل زوجة زكريا وهي عاقر لا تلِد. قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ ..} [مريم: 16]. الكتاب هو القرآن الكريم، أي: اذكُر يا محمد في كتاب الله الذي أوحاه إليك مما تذكر قصة مريم، وقد سبق الحديث عن هذه القصة في سورة (آل عمران) لما تكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن نَذْر أمها لما في بطنها لخدمة بيت المقدس، ولم يكن يصلح لخدمة بيت المقدس إلا الذكْران الذين يتحمَّلون مشقة هذا العمل، فلما وضعْتها أنثى لم يوافق ظنّها إرادة الله، ولم تستطع مريم خدمة البيت مكاناً أفرغتْ نفسها لخدمته قِيماً، وديناً حملتْ نفسها عليه حَمْلاً، حتى إنها هجرتْ أهلها وذهبت إلى هذا المكان الذي اتخذته خُلْوة لها لعبادة الله بعيداً عن أعيُنِ الناس. ومريم هي ابنة عمران، وقد قال القرآن في خطابها: {أية : يٰأُخْتَ هَارُونَ ..}تفسير : [مريم: 28] ولذلك حدث لَبْسٌ عند كثير من الناس، فظنوها أخت نبي الله موسى بن عمران وأخت هارون أخي موسى عليهما السلام. والحقيقة أن هذه المسألة جاءتْ مصادفة اتفقتْ فيها الأسماء؛ لذلك لما ذهب بعض الصحابة إلى اليمن قال لهم أهلها: إنكم تقولون: إن مريم هي أخت موسى وهارون، مع أن بين مريم وعمران أبي موسى أحد عشر جيلاً!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما ذكرتُمْ لهم أن الناس كانوا يتفاءلون بذكِر الأسماء خاصة الأنبياء فيُسمّون على أسمائهم عمران ويسمون على أسمائهم هارون ". تفسير : حتى ذكروا أنهم في جنازة بعض العلماء سار فيها أربعة آلاف رجل اسمهم هارون. إذن: فالأسماء هنا مصادفة، فهي ابنة عمران، لكن ليس أبا موسى، وأخت هارون، لكن ليس هو أخو موسى. وقد أفرد القرآن سورة كاملة باسم مريم وخصَّها وشخَّصها باسمها واسم أبيها، وسبق أنْ أوضحنا أن التشخيص في قصة مريم جاء لأنها فذَّة ومُفردة بين نساء العالم بشيء لا يحدث ولن يحدث إلا لها، فهذا أمر شخصي لن يتكرر في واحدة أخرى من بنات حواء. أما إنْ كان الأمر عاماً يصح أنْ يتكرّر فتأتي القصة دون تشخيص، كما في حديث القرآن عن زوجة نوح وزوجة لوط كمثال للكفر، وهما زوجتان لنبيين كريمين، وعن زوجة فرعون كمثال للإيمان الذي قام في بيت الكفر وفي عُقْر داره، فالمراد هنا ليس الأشخاص، بل المراد بيان حرية العقيدة، وأن المرأة لها في الإسلام حريةٌ عقدية مستقلة ذاتية، وأنها غيرُ تابعة في عقيدتها لأحد، سواء أكانت زوجة نبي أم زوجة إمام من أئمة الكفر. وقوله تعالى: {إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} [مريم: 16]. {ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ..} [مريم: 16] أي: ابتعدتْ عنهم، من نبذ الشيء عنه أي أبعده، فكأن أُنْسها لا بالأهل، ولكن أُنْسها كان برب الأهل، والقرآن يقول: {مِنْ أَهْلِهَا ..} [مريم: 16] ولم يقُلْ: من الناس، فقد تركتْ مريم أقرب الناس إليها وأحبّهم عندها وذهبت، إلى هذا المكان. {مَكَاناً شَرْقِياً} [مريم: 16] لكن شرقيّ أيّ شيء؟ فكل مكان يصح أن يكون شرقياً، ويصح أن يكون غربياً، فهي - إذن - كلمة دائرة في كل مكان. لكن هناك عَلَم بارز في هذا المكان، هو بيت المقدس، فالمراد إذن: شرقي بيت المقدس، وقد جاء ابتعادها عن أهلها إلى هذا المكان المقدس لتتفرغ للعبادة ولخدمة هذا المكان. لكن، لماذا اختارتْ الجهة الشرقية من بيت المقدس بالذات دون غيرها من الجهات؟ قالوا: لأنهم كانوا يتفاءلون بشروق الشمس، لأنها سِمَة النور المادىّ الذي يسير الناس على هُدَاه فلا يتعثرون، وللإنسان في سَيْره نوران: نور مادىّ من الشمس أو القمر أو النجوم والمصابيح، وهو النور الذي يظهر له الأشياء من حوله، فلا تصطدم بما هو أقوى منه فيحطمك ولا بأضعف منه فتحطمه. وكذلك له نور من منهج الله يهديه في مسائل القيم، حتى لا يتخبّط تائهاً بين دُروبها، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [النور: 35] ثم يقول بعدها: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ..}تفسير : [النور: 35]. أي: نور السماء الذي ينزل بالوحي لهداية الناس.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} يعني اعتزلَتْ إِلى مَكانٍ ممّا يَلي الشَّرقَ، وهو عِندَ العَربِ خَيرٌ مِن الغَربي. والقَصى: المَكانُ البَعيدُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن مريم وحالتها مع من في الأرض دل حاله بقوله: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ} [مريم: 16] الخطاب مع قلم القدس؛ أي: الكتب في أم الكتاب الذي عنده مكتوب في الأول حالة {مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} [مريم: 16] أي: انفردت من أهل الدنيا وتنحت {مَكَاناً شَرْقِياً} [مريم: 16] وهو القلب المشرق بنور ربه {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً} [مريم: 17] من ذلك النور {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} [مريم: 17] وهو نور كلمة الله التي يعبر عنها بقوله: كن، وإنما سمي نور كلمته روحاً؛ لأنه به يحيي القلوب الميتة كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام: 122] فتارة: يعبر الروح بالنور، وتارة: يعبر عن النور بالروح كقوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى: 52] فأرسل الله إلى مريم نور كلمة كن {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} [مريم: 17] كما تمثل نور التوحيد بحروف: لا إله إلا الله؛ لانتفاع الخلق به. والذي يدل على أن عيسى عليه السلام من نور الكلمة قوله تعالى: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 171] أي: نور من نور إلقائه، فلمَّا تمثلت الكلمة بالبشر أنكرتها مريم ولم تعرفها فاستعاذت بالله منه {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} [مريم: 18] يعني: إنك إن كنت تقياً من أهل الدين فتعرف الرحمن ولا تقربني بإعاذتي إليه، وإن كنت شقياً فلا تعرف الرحمن فما تعوذتُ منك بالخلق، فأجابها وقال: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} [مريم: 19] طاهراً من لوث ظلمة النفسانية الإنسانية {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [مريم: 20] أي: إذا لم يمسسني بشر قبل هذا {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} [مريم: 20] ليمسسني بشر بعد هذا بالزواج وبالنكاح؛ لأني محررة محرَّم عليَّ الزوج {قَالَ كَذٰلِكَ} [مريم: 21] الذي تقولين، ولكن {قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 21] أن أخلق ولداً من غير ماء منيِّ والد فإني أخلقه من نور كلمة كن كما قال تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59] {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} [مريم: 21] دلالة على قدرتي بأني قادر على أن أخلق ولداً من غير أب، كما أني خلقت آدم من غير أب وأم، وخلقت حواء من غير أم {وَرَحْمَةً مِّنَّا} [مريم: 21] أي: نرحم به من نشاء من عبادنا. واعلم أن بين قوله: {وَرَحْمَةً مِّنَّا} [مريم: 21] وبين قوله: {أية : يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} تفسير : [الشورى: 8] فرق عظيم وهو: أنه تعالى إذا أدخل عبداً في رحمته يرحمه ويدخله الجنة، ومن جعله رحمة منه يجعله متصفاً بصفته. ثم اعلم أن بين قوله: {وَرَحْمَةً مِّنَّا} [مريم: 21] وبين قوله في حق نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] فرق عظيم وهو: أن في حق عيسى عليه السلام ذكر الرحمة مقيدة بحرف من، ومن: للتبعيض، فلهذا كان رحمة لمن آمن به، واتبع ما جاء به إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم ثم انقطعت الرحمة من أمته بنسخ دينه، وفي حق نبينا صلى الله عليه وسلم ذكر الرحمة للعالمين مطلقاً؛ فلهذا لا تنقطع رحمته عن العالمين أبداً. أمَّا في الدنيا فبأن لا ينسخ دينه، وأمَّا في الآخرة فبأن يكون الخلق يحتاجون إلى شفاعته حتى إبراهيم عليه السلام، فافهم جيداً. وفي قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم: 21] إشارة إلى أن خلق عيسى عليه السلام على هذه الصفة كان في الأزل بمقتضى الحكمة القديمة مقدراً لإظهار القدرة على مثل هذا الخلق، فإنه يخلق ما يشاء بقدرته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر قصة زكريا ويحيى، وكانت من الآيات العجيبة، انتقل منها إلى ما هو أعجب منها، تدريجا من الأدنى إلى الأعلى فقال: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ } الكريم { مَرْيَمَ } عليها السلام، وهذا من أعظم فضائلها، أن تذكر في الكتاب العظيم، الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، تذكر فيه بأحسن الذكر، وأفضل الثناء، جزاء لعملها الفاضل، وسعيها الكامل، أي: واذكر في الكتاب مريم، في حالها الحسنة، حين { انْتَبَذَتْ } أي: تباعدت عن أهلها { مَكَانًا شَرْقِيًّا } أي: مما يلي الشرق عنهم، { فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا } أي: سترا ومانعا، وهذا التباعد منها، واتخاذ الحجاب، لتعتزل، وتنفرد بعبادة ربها، وتقنت له في حالة الإخلاص والخضوع والذل لله تعالى، وذلك امتثال منها لقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } تفسير : وقوله { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } وهو جبريل عليه السلام { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } أي كاملا من الرجال في صورة جميلة وهيئة حسنة لا عيب فيه ولا نقص لكونها لا تحتمل رؤيته على ما هو عليه فلما رأته في هذه الحال وهي معتزلة عن أهلها منفردة عن الناس قد اتخذت الحجاب عن أعز الناس عليها وهم أهلها خافت أن يكون رجلا قد تعرض لها بسوء وطمع فيها فاعتصمت بربها واستعاذت منه فقالت له { إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ } أي ألتجئ به وأعتصم برحمته أن تنالني بسوء { إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } أي إن كنت تخاف الله وتعمل بتقواه فاترك التعرض لي فجمعت بين الاعتصام بربها وبين تخويفه وترهيبه وأمره بلزوم التقوى وهي في تلك الحالة الخالية والشباب والبعد عن الناس وهو في ذلك الجمال الباهر والبشرية الكاملة السوية ولم ينطق لها بسوء أو يتعرض لها وإنما ذلك خوف منها وهذا أبلغ ما يكون من العفة والبعد عن الشر وأسبابه وهذه العفة - خصوصا مع اجتماع الدواعي وعدم المانع - من أفضل الأعمال. ولذلك أثنى الله عليها فقال {أية : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا } {أية : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ } تفسير : فأعاضها الله بعفتها ولدا من آيات الله ورسولا من رسله فلما رأى جبريل منها الروع والخيفة قال { إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ } أي إنما وظيفتي وشغلي تنفيذ رسالة ربي فيك { لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا } وهذه بشارة عظيمة بالولد وزكائه فإن الزكاء يستلزم تطهيره من الخصال الذميمة واتصافه بالخصال الحميدة فتعجبت من وجود الولد من غير أب فقالت { أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } والولد لا يوجد إلا بذلك؟!! { قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ } تدل على كمال قدرة الله تعالى وعلى أن الأسباب جميعها لا تستقل بالتأثير وإنما تأثيرها بتقدير الله فيري عباده خرق العوائد في بعض الأسباب العادية لئلا يقفوا مع الأسباب ويقطعوا النظر عن مقدرها ومسببها { وَرَحْمَةً مِنَّا } أي ولنجعله رحمة منا به وبوالدته وبالناس. أما رحمة الله به فلما خصه الله بوحيه ومن عليه بما من به على أولي العزم وأما رحمته بوالدته فلما حصل لها من الفخر والثناء الحسن والمنافع العظيمة وأما رحمته بالناس فإن أكبر نعمه عليهم أن بعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فيؤمنون به ويطيعونه وتحصل لهم سعادة الدنيا والآخرة { وَكَانَ } أي وجود عيسى عليه السلام على هذه الحالة { أَمْرًا مَقْضِيًّا } قضاء سابقا فلا بد من نفوذ هذا التقدير والقضاء فنفخ جبريل عليه السلام في جيبها.

همام الصنعاني

تفسير : 1753- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {مَكَاناً شَرْقِياً} [الآية: 16]، قال: قبل المشرق منتحياً.