١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً } ستراً. {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } قيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها ـ وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت ـ فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل عليه السلام متمثلاً بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهييج شهوتها به فتنحدر نطفتها إلى رحمها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً } أرسلت ستراً تستتر به لِتُفَلِّي رأسها أو ثيابها أو تغتسل من حيضها {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا } جبريل {فَتَمَثَّلَ لَهَا } بعد لبسها ثيابها {بَشَراً سَوِيّاً } تامّ الخلق.
ابن عبد السلام
تفسير : {حِجَاباً} من الجدران، أو من الشمس جعله الله ـ تعالى ـ لها ساتراً قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو حجاباً من الناس، انفردت في ذلك المكان للعبادة، أو كانت تعتزل فيه أيام حيضها. {رُوحَنَا} الروح الذي خُلق منها المسيح حتى تمثل بشراً، أو جبريل ـ عليه السلام ـ لأنه روحاني لا يشوبه غير الروح، أو لحياة الأرواح به، فنفخ جبريل ـ عليه السلام ـ في جيب درعها وكمها فحملت، أو ما كان إلا أن حملته فولدته، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ وكان حملها تسعة أشهر، أو ستة أشهر، أو يوماً واحداً، أو ثمانية أشهر، ولم يعش لثمانية سواه آية له.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً}، أيْ: لتستتر به عن الناس؛ لعبادتها. «والروح»: جبريلُ عليه السلام. وقوله تعالى: {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً}، المعنى: قالت مريمُ للملك الذي تمثل لها بشراً، لما رأَتْهُ قد خرق الحِجَاب الَّذي اتخذته؛ فأساءت به الظن: أَعود بالرحمٰن منك إن كنت ذا تُقًى، فقال لها جبريلُ عليه السلام: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً}. وقرأ أَبو عمرو، ونافعٌ بخلاف عنه «لِيَهَبَ».
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} [الآية: 17]. قال ابن عطاء: نورًا منا ألقيناه عليها وخصصناها به فأثرا النور فيه أثره فأخرج من ضياء نتائج ذلك النور عيسى روح الله عليه السلام.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاتخذت من دونهم} اى ارخت من ادنى مكان اهلها. قال الكاشفى [از بيش ايشان يعنى ازسوى ايشان]{حجابا} سترا تتستر به. قال الكاشفى [برده كه مانع باشد ازديدن] فبينما هى فى مغتسلها وقد تطهرت ولبست ثوبها اتاها الملك فى صورة آدمى شاب امرد وضيئ الوجه جعد الشعر وذلك قوله تعالى {فارسلنا اليها روحنا} اى جبريل فانه كان روحانيا فاطلق عليه الروح للطافته مثله ولان الدين يحيى به. وقال بعض الكبار جبرائيل هو الروح حقيقة باعتبار حقيقته المجردة مجازا باعتبار صورته المثالية من خصائص الارواح المجردة التى من صفاتها الذاتية الحياة ومن شأنها التمثل بالصور المثالية لانها لا تمس شيئا فى حال تمثلها الا حى ذلك الشئ وسرت منه الحياة فيه ولذا قبض السامرى قبضة تراب من اثر براق جبرائيل فنبذها فى صورة العجل المتخذة من حلى القوم فخار العجل بسراية الحياة فيه وقيل سماه روحا مجازا محبة له وتقريبا كقولك انت روحى لمن تحب {فتمثل لها} [بس متمثل شد جبريل براى مريم] يعنى فتشبه لاجلها فانتصاب قوله {بشرا} على انه مفعول به {سويا} تام الخلق كامل البنية لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئا وذلك لتستأنس بكلامه وتتلقى منه ما يلقى اليها من كلماته تعالى اذ لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه ولم تستطع استماع كلامه ولانه جاء للنفخ المنتج للبشر فتمثل بشرا ولو جاء على صورة الملك لجاء عيسى على صورة الروحانيين كما لا يخفى. وفيه اشارة الى ان القربان بعد الطهر التام اطهر والولد اذن انجب فافهم. وفى التأويلات الروح هو نور كلمة الله التى يعبر عنها بقوله كن وانما سمى نور كلمته روحا لانه به يحيى القلوب الميتة كما قال {أية : أومن كان ميتا فاحييناه} تفسير : الآية فتارة يعبر عن الروح بالنور وتارة يعبر عن النور بالروح كقوله {أية : وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا}تفسير : الآية فارسل الله الى مريم نور كلمة كن فتمثل لها بشرا سويا كما تمثل نور التوحيد بحروف لا اله الا الله والذى يدل على ان عيسى من نور الكلمة قوله تعالى {أية : وكلمته القاها الى مريم وروح منه}تفسير : اى نور من لقائه فلما تمثلت الكلمة بالبشر انكرتها مريم ولم تعرفها فاستعاذت بالله منه.
اطفيش
تفسير : {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونهِمْ حِجَاباً} ستراً لتفلى رأسها أو ثيابها أو تغتسل من حيضها وكانت قد طهرت منه وكان اليوم شاتيا شديد البرد. وقيل الستر: الجدار. وقيل: تكون فى المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها فإذا طهرت عادت إلى المسجد. {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} جبريل عليه السلام {فَتَمَثْلَ لَهَا} بعد لبس ثيابها {بَشَراً سَوِياً} أى جاءها فى صورة مثل صورة شاب أمرد سوىّ الخلق تستأنس بكلامه لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها ولو جاء فى صورة الملك لنفرت عنه ولا تقدر على استماع كلامه. وقيل: الروح روح عيسى جاء فى صورة بشر فحملت به والصحيح ما تقدم وسمى جبريل روحا لأن الدين يحيى به وبوحيه أو سماه الله روحه على المجاز محبة له وتقريبا كما تقول لحبيك: أنت روحى. وقرأ أبو حيوة بفتح الراء لأنه سبب لما فيه روح المسلمين كما قال {فرَوْحٌ وريحان} ولأنه من المقربين والمقربون موعودون بالرَّوح وتمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها ولعفتها وقد تعففت. وقيل: كانت فى منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنت أن تجد خلوة فى الجبل لتلقى رأسها فانفرج السقف فخرجت وقعدت وراء الجبل فأَتاها الملك. قيل: قام بين يديها فى صورة تِرْبٍ لها اسمه يوسف من خدام بيت المقدس وبشرا حال ولو كان جامدا لنعته بمشتق. وقال اللقانى: إن كان معنى تمثل تشخَّص وظهر فالحالية ظاهرة أو تصور فينبغى جعل النصب بنزع الخافض وهو الباء إذ التصور ليس فى حال البشرية بل فى حال الملكية.
الالوسي
تفسير : {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً } / وكونه شرقياً كان أمراً اتفاقياً. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه وما صرفهم عنه إلا قيل ربك {أية : ٱنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } تفسير : [مريم: 16] فلذلك صلوا قبل مطلع الشمس، وفي رواية إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة لأن مريم انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، وقد قدمنا عن بعض أنهم كانوا في زمن عيسى عليه السلام يستقبلون بيت المقدس وأنهم ما استقبلوا الشرق إلا بعد رفعه عليه السلام زاعمين أنه ظهر لبعض كبارهم فأمره بذلك، وجوز أن يكون اختاره الله تعالى لها لأنه مطلع الأنوار. وقد علم سبحانه أنه حان ظهور النور العيسوي منها فناسب أن يكون ظهور النور المعنوي في جهة ظهور النور الحسي وهو كما ترى، وروي أنه كان موضعها في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها وإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك عليه السلام في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر، وذلك قوله عز وجل: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } أي جبرائيل عليه السلام كما قاله الأكثر، وعبر عنه بذلك لأن الدين يحيا به وبوحيه فهو مجاز. والإضافة للتشريف كبيت الله تعالى. وجوز أن يكون ذلك كما تقول لحبيبك أنت روحي محبة له وتقريباً فهو مجاز أيضاً إلا أنه مخالف للأول في الوجه والتشريف عليه في جعله روحاً. وقال أبو مسلم: المراد من الروح عيسى عليه السلام لقوله تعالى: {أية : وَرُوحٌ مّنْهُ } تفسير : [النساء: 171] وضمير تمثل الآتي للملك وليس بشيء. وقرأ أبو حيوة وسهل {رُوحَنَا } بفتح الراء، والمراد به جبريل عليه السلام أيضاً لأنه سبب لما فيه روح العباد وإصابة الروح عند الله تعالى الذي هو عدة المقربين في قوله تعالى {أية : فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ } تفسير : [الواقعة: 88-89] أو لأنه عليه السلام من المقربين وهم الموعودون بالروح أي مقربا أو ذا روحنا. وذكر النقاش أنه قرىء {روحنا } بتشديد النون اسم ملك من الملائكة عليهم السلام. {فَتَمَثَّلَ لَهَا } مشتق من المثال وأصله أن يتكلف أن يكون مثال الشيء، والمراد فتصور لها {بَشَراً سَوِيّاً } سوي الخلق كامل البنية لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئاً، وقيل تمثل في صورة قريب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس وذلك لتستأنس بكلامه وتتلقى منه ما يلقي إليها من كلماته إذ لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه ولم تستطع مفاوضته، وما قيل من أن ذلك لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها فمع ما فيه من الهجنة التي ينبغي أن تنزه مريم عنها يكذبه قوله تعالى: {قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ ...}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا}. أظهر الأقوال أن المراد بقوله "روحنا" جبريل. ويدل لذلك قوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193] الآية، وقوله: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [النحل: 102] الآية، وإضافته إلى الله إضافة تشريف وتكريم. قوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً}. تمثله لها بشراً سوياً المذكور في الآية يدل على أنه ملك وليس بآدمي. وهذا المدلول صرح به تعالى في قوله: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ}تفسير : [آل عمران: 45] الآية. وهذا الذي بشرها به هو الذي قال لها هنا {أية : قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً}تفسير : [مريم: 19]. وقوله {بَشَراً سَوِيّاً} حالان من ضمير الفاعل في قوله "تمثل لها".
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِ أَهْلِهَا سِتْراً يَسْتُرهَا عَنْ أَعْيُنِهِمْ وَعَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَجَاءَهَا مُتَمَثِّلاً فِي صُورَةِ رَجُلٍ تَامِّ الخَلْقِ. حِجَاباً - سِتْراً. رُوحَنَا - جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. بَشَرَاً سَوِيّاً - إِنْسَاناً تَامَّ الخَلْقِ مُسْتَوِيَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحجاب: هو الساتر الذي يحجب الإنسان عن غيره ويحجب غيره عنه، فما فائدة أنْ تتخذ بينها وبين أهلها سِتْراً بعد أن ابتعدتْ عنهم؟ نقول: انتبذتْ من أهلها مكاناً بعيداً، هذا في المكان، إنما لا يمنع أنْ يكونَ هناك مكينٌ آخر يسترها حتى لا يطّلع عليها أحد، فهناك إذن مكان ومكين. والحجاب قد يكون حجاباً مُفْرداً فهو ساتر فقط، وقد يكون حجاباً مستوراً بحجاب غيره، فهو حجاب مُركّب، كما يصنع أهل الترف الآن الستائر من طبقتين، إحداهما تستر الأخرى، فيكون الحجاب نفسه مَسْتوراً، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً}تفسير : [الإسراء: 45]. وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ..} [مريم: 17]. كلمة الروح في القرآن الكريم لها إطلاقات مُتعدّدة، أولها الروح التي بها قِوام حياتنا المادية، فإذا نفخَ الله الروح في المادة دبَّتْ فيها الحياة والحِسّ والحركة، ودارت كل أجهزة الجسم، وهذا المعنى في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 29]. لكن، هل هذه الحياة التي تسري في المادة بروح من الله هي الحياة المقصودة من خَلْق الله للخَلْق؟ قالوا: إنْ كانت هذه الحياة هي المقصودة فما أهونها؛ لأن الإنسان قد يمرُّ بها ويموت بعد ساعة، أو بعد يوم، أو بعد سنة، أو عدة سنوات. إذن: هي حياة قصيرة حقيرة هيِّنة، هي أقرب إلى حياة الديدان والهوام، أما الإنسان الذي كرّمه الله وخلق الكون من أجله فلا بُدَّ أن تكون له حياة أخرى تناسب تكريمَ الله له، هذه الحياة الأخرى الدائمة الباقية يقول عنها القرآن: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64]. {لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} أي: الحياة الحقيقية، أما حياتك الدنيا فهي مُهدّدة بالموت حتى لو بلغتَ من الكبر عتياً، فنهايتك إلى الموت، فإنْ أردتَ الحياة الحقيقية التي لا يُهدِّدها موت فهي في الآخرة. فإذا كان الخالق - تبارك وتعالى - جعل لك روحاً في الدنيا تتحرك بها وتناسب مُدّة بقائك فيها، ألاَ يجعل لك في الآخرة رُوحاً تناسبها، تناسب بقاءها وسَرْمديتها، والقرآن حينما يتحدث عن هذه الروح يقول للناس: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 24]. فكيف يدعوهم لما يُحييهم ويُخاطبهم وهم أحياء؟ نعم، هم أحياء الحياة الدنيا، لكنه يدعوهم إلى حياة أخرى دائمة باقية، أما مَنْ لم يستجب لهذا النداء ويسعى لهذه الحياة فلن يأخذ إلا هذه الحياة القصيرة الفانية التي لا بقاءَ لها. وكما سمَّى الله السِّرَّ الذي ينفخه في المادة فتدبّ فيها الحركة والحياة "روحاً"، كذلك سمَّى القيم التي تحيا بها النفوس حياة سعيدة "روحاً"، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ..}تفسير : [الشورى: 52] أي: القرآن الكريم. كما سَمَّى الملَك الذي ينزل بالروح رُوحاً: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193] وهو جبريل عليه السلام. إذن: فقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ..} [مريم: 17] أي: جبريل عليه السلام. {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} [مريم: 17] معنى تمثَّل: أي: ليستْ هذه حقيقته، إنه تمثَّل بها، أما حقيقته فنورانية ذات صفات أخرى، وذات أجنحة مَثْنى وثُلاَث ورُبَاع، فلماذا - إذن - جاء الملَكُ مريمَ في صورة بشرية؟ لأنهما سيلتقيان، ولا يمكن أنْ يتمّ هذا اللقاء خُفْية، وكذلك يستحيل أنْ يلتقيَ الملَكُ بملكتيه مع البشر ببشريته، فلكل منهما قانونه الخاص الذي لا يناسب الآخر، ولا بُدَّ في لقائهما أنْ يتصوَّر الملَك في صورة بشر، أو يُرقَّى البشر إلى صفات الملائكة، كما رُقي محمد صلى الله عليه وسلم إلى صفات الملائكة في حادثة الإسراء والمعراج، ولا يتم الالتقاء بين الجنسين إلا بهذا التقارب. لذلك، لما طلب الكفار أن يكون الرسول ملَكاً رَدَّ عليهم الحق تبارك وتعالى: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 95]. وقال: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}تفسير : [الأنعام: 9] إذن: لا يمكن أن يلتقي الملَكُ بالبشر إلا بهذا التقارب. جاء جبريل - عليه السلام - إلى مريم في صورة بشرية لتأنس به، ولا تفزع إنْ رأتْه على صورته الملائكية {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً ..} [مريم: 17] أي: من جنسها {سَوِيّاً} [مريم: 17]. أي: سويّ الخِلْقة والتكوين، وسيماً، قد انسجمتْ أعضاؤه وتناسقتْ على أجمل ما يكون البشر، فلا يعيبه كِبَر جبهته أو أنفه أو فمه، كما نرى في بعض الناس. وهذا كله لإيناس مريم وطمأنينتها، وأيضاً ليثبت أنها العذراء العفيفة؛ لأنها لما رأت هذا الفتى الوسيم القَسِيم ما أبدتْ له إعجاباً ولا تلطفتْ إليه في الحديث، ولا نطقتْ بكلمة واحدة يُفهَم منها مَيْل إليه، بل قالت كما حكى القرآن: {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):