Verse. 2270 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

قَالَتْ اَنّٰى يَكُوْنُ لِيْ غُلٰمٌ وَّلَمْ يَمْسَسْنِيْ بَشَرٌ وَّلَمْ اَكُ بَغِيًّا۝۲۰
Qalat anna yakoonu lee ghulamun walam yamsasnee basharun walam aku baghiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالت أنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر» يتزوج «ولم أك بغيّا» زانية.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنها إنما تعجبت بما بشرها جبريل عليه السلام لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل والعادات عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور وإن جوزوا خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء وكيف وقد عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد ولأنها كانت منفردة بالعبادة ومن يكون كذلك لا بد من أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك. المسألة الثانية: لقائل أن يقول قولها: {وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } يدخل تحته قولها: {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } فلماذا أعادتها ومما يؤكد هذا السؤال أن في سورة آل عمران قالت: { أية : رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } تفسير : [آل عمران: 47] فلم تذكر البغاء والجواب من وجوه: أحدها: أنها جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه لقوله: { أية : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } تفسير : [الأحزاب: 49] والزنا ليس كذلك إنما يقال فجر بها أو ما أشبه ذلك ولا يليق به رعاية الكنايات. وثانيها: أن إعادتها لتعظيم حالها كقوله: { أية : حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ } تفسير : [البقرة: 238] وقوله: { أية : وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة:98] فكذا ههنا إن من لم تعرف من النساء بزوج فأغلظ أحوالها إذا أتت بولد أن تكون زانية فأفرد ذكر البغاء بعد دخوله في الكلام الأول لأنه أعظم ما في بابه. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» البغي الفاجرة التي تبغي الرجال وهو فعول عند المبرد بغوي فأدغمت الواو في الياء، وقال ابن جني في كتاب «التمام» هو فعيل ولو كان فعولاً لقيل بغوا كما قيل نهوا عن المنكر. المسألة الرابعة: أن جبريل عليه السلام أجابها بقوله: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وهو كقوله في آل عمران: { أية : كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 47] لا يمتنع عليه فعل ما يريد خلقه ولا يحتاج في إنشائه إلى الآلات والمواد. المسألة الخامسة: الكناية في: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وفي قوله: {وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ } تحتمل وجهين: الأول: أن تكون راجعة إلى الخلق أي أن خلقه علي هين ولنجعل خلقه آية للناس إذ ولد من غير ذكر ورحمة منا يرحم عبادنا بإظهار هذه الآيات حتى تكون دلائل صدقه أبهر فيكون قبول قوله أقرب. الثاني: أن ترجع الكنايات إلى الغلام وذلك لأنها لما تعجبت من كيفية وقوع هذا الأمر على خلاف العادة أعلمت أن الله تعالى جاعل ولدها آية على وقوع ذلك الأمر الغريب، فأما قوله تعالى: {وَرَحْمَةً مّنَّا } فيحتمل أن يكون معطوفاً على {وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ } أي فعلنا ذلك: {وَرَحْمَةً مّنَّا } فعلنا ذلك ويحتمل أن يكون معطوفاً على الآية أي: ولنجعله آية ورحمة فعلنا ذلك. المسألة السادسة: قوله: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً } المراد منه أنه معلوم لعلم الله تعالى فيمتنع وقوع خلافه لأنه لو لم يقع لانقلب علم الله جهلاً وهو محال والمفضي إلى المحال محال فخلافه محال فوقوعه واجب وأيضاً فلأن جميع الممكنات منتهية في سلسلة القضاء والقدر إلى واجب الوجود والمنتهي إلى الواجب انتهاء واجباً يكون واجب الوجود وإذا كان واجب الوجود فلا فائدة في الحزن والأسف وهذا هو سر قوله عليه السلام: « حديث : من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب ».

البيضاوي

تفسير : {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } ولم يباشر فيَّ رجل بالحلال، فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه، أما الزنا فإنما يقال فيه خبث بها وفجر ونحو ذلك ويعضده عطف قوله: {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } عليه وهو فعول من البغي قلبت واوه ياء وأدغمت ثم كسرت الغين اتباعاً ولذلك لم تلحقه التاء، أو فعيل بمعنى فاعل ولم تلحقه التاء لأنه للمبالغة، أو للنسب كطالق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } بتزوّج {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } زانية.

الثعالبي

تفسير : {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}، والبغي: الزانية، وروي: أن جبريلَ ـــ عليه السلام ـــ حين قاولها هذه المقاولة، نفخ في جيب دِرْعها؛ فسرت النفخة بإذن اللّه تعالى حتَّى حملت منها؛ قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وغيرُهُ. وقال أُبيُّ بنُ كَعْبٍ: دخل الروح المنفوخُ من فمها؛ فذلك قوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ} أي: فحملت الغلام، ويذكر أَنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلمَّا أحسَّت بذلك، وخافت تعنيفَ الناس، وأَن يُظنَّ بها الشَّرُ {انتَبَذَتْ} أيْ: تنحت مكاناً بعيداً؛ حياء وفراراً على وجهها، و{أَجَآءَهَا} معناه: اضْطرّها، وهو تعدية [جاء] بالهمزة. و{ٱلْمَخَاضُ}: الطّلْقُ، وشدةُ الولادة، وأَوْجَاعُها، وروي: أَنّها بلغت إلىٰ موضعٍ كان فيه جِذْع نخلة بالٍ يابس، في أَصْله مِذْود بقرة، على جرية ماء، فاشتدَّ بها الأَمْرُ هنالك، واحتضنت الجِذْع؛ لشدة الوجع، وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها؛ لما رأته من صعُوبة الحال مِنْ غير ما وجهَ: {يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} فتمنت الموتَ من جهة الدّين؛ أَن يُظَنّ بها الشر، وخوفَ أَن تُفْتَتَن بتعْيِير قومها، وهذا مُباحٌ؛ وعلى هذا الحدِّ تمناه عمرُ - رضي اللّه عنه -. {وَكُنتُ نَسْياً} أيْ: شَيْئاً مَتْرُوكاً محتقراً، والنَّسِيُّ في كلام العرب؛ الشيءُ الحقير الذي شأنه أَن يُنْسَى، فلا يُتَأَلَّمُ لفقده؛ كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه. وهذه القصةُ تقتضي أَنها حملت واستمرَّت حامِلاً على عُرْف البشر، واستحْيَتْ من ذلك؛ ومرّت بسببه، وهي حاملٌ، وهو قولُ جمهور المتأوِّلين. وروى عن ابن عباسٍ أَنه قال: ليس إلا أَن حملت، فوضعت في ساعةٍ واحدة؛ والله أعلم. وظاهر قوله: {فَأَجَاءَهَا ٱلْمَخَاضُ} أَنها كانت على عُرْف النساء.

القشيري

تفسير : قالت أنى يكونُ لي وَلَدٌ ولم أُلِمّ بِزَلَّةٍ ولا فاحشةٍ؟ فقال جبريلُ - عليه السلام -: الأمرُ كما قلتُ لَكِ؛ فلا يتعّصى ذلك على الله تعالى؛ إذ هو أَقْدَرُ أَنْ يجعل هذا الوَلَدَ دلالةً على كمال قدرته، ويكون هذا الولدُ رحمةً منه - سبحانه - لِمَنْ آمَنَ، وسَبَبَ جهلٍِ للآخرين.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالت} استبعادا ظاهرا اى متعجبة من حيث العادة لا مستبعدة من حيث القدرة {أنى يكون لى}[جكونه بودمرا] {غلام} كما وصف {ولم يمسسنى بشر} اى والحال انه لم يباشرنى بالنكاح رجل فان المس كناية عن الوطئ الحلال اما الزنى فانما يقال خبث بها او فجر او زنى وانما قيل بشر مبالغة فى بيان تنزهها عن مبادى الولادة {و} الحال انه {لم أك بغيا} فعول بمعنى الفاعل اصله بغويا. قال الشيخ فى تفسيره ولم يقل بغية لانه وصف غالب على المؤنث كحائض اى فاجرة تبغى الرجال. وبالفارسية [زنا كار وجوينده فجور] يريد نفى الوطئ مطلقا وان الولد اما من النكاح الحلال او الحرام اما الحلال فلانها لم يمسها بشر واما الحرام فلانها لم تك بغيا فاذا انتفى السببان جميعا انتفى الولد. وفى التأويلات النجمية {ولم يمسسنى بشر} قبل هذا {ولم اك بغيا} ليمسسنى بشر بعد هذا بالزنى او بانكاح لانى محررة محرم على الزوج {قال كذلك} اى الامر كما قلت. وبالفارسية [يعنى جين است كه توميكوبى هيج كس بنكاح وسفاح ترامس نكرده است] فاما {قال ربك} الذى ارسلنى اليك {هو} اى ما ذكرت من هبة الغلام من غير ان يمسك بشر اصلا {على} خاصة {هين} يسير وان كان مستحيلا عادة لما انى لا احتاج الى الاسباب والوسائط. وفى التأويلات النجمية {قال كذلك} الذى تقولين ولكن {قال ربك هو على هين} ان اخلق ولدا من غير ماء منىّ والد فانى اخلقه من نور كلمة كن كما قال تعالى{أية : ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}تفسير : {ولنجعله} اى ونفعل ذلك لنجعل وهب الغلام {آية للناس} وبرهانا يستدلون بها على كمال قدرتنا فالواو اعتراضية او لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله الخ. وفى التأويلات النجمية {آية} اى دلالة على قدرتى بانى قادر على ان اخلق ولدا من غير اب كما انى خلقت آدم من غير اب وام وخلقت حواء من غير ام {ورحمة} عظيمة كائنة {منا} عليهم يهتدون بهدايته ويسترشدون بارشاده وبين قوله {ورحمة منا} وقوله {أية : يدخل من يشاء فى رحمته}تفسير : فرق عظيم وهو انه تعالى اذا ادخل عبدا فى رحمته يرحمه ويدخله الجنة ومن جعله رحمة منه يجعله متصف بصفة وكذا بيّن قوله {رحمة منا} وقوله فى حق نبينا عليه السلام {أية : وما ارسلناك الا رحمة للعالمين}تفسير : ابدا اما فى الدنيا فبان لا ينسخ دينه واما فى الآخرة فبان يكون الخلق محتاجين الى شفاعته حتى ابراهيم عليه السلام فافهم جدا كذا فى التأويلات النجمية {وكان} خلقه بلا فحل {امرا مقضيا} قضيت به فى سابق علمى وحكمت بوقوعه لا محالة فيمتنع خلافه فلا فائدة فى الحزن وهو معنى قوله "من عرف سر الله فى القدر هانت عليه المصائب". يقول الفقير وذلك ان العلم تابع للمعلوم فكل ما يقتضيه من الاحوال فالله تعالى يظهره بحكمته وخلق عيسى عليه السلم على الصفة المذكورة كان فى الازل بمقضتى الحكمة القديمة مقدرا فجميع الاعيان وما يتبعها من الاحوال المختلقة داخلة تحت الحكمة فمن كوشف عن سر هذا المقام هانت عليه المصائب والآلام اذ كل ما نبت فى مزرعة الوجود الخارجى فهو من بذر الحكم الازلى على حسب تفاوت الاستعدادات كتفاوت المزارع فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه: قال الحافظ شعر : نمى كنم كله ليكن ابر رحمت دوست بكشت زار جكر تشنكان ندادنمى تفسير : اى لا اشتكى من هذا المعنى فانه من مقتضى ذاتى: وقال شعر : درين جمين مكنم سرزنش بخود رويى جنانكه برورشم ميدهند وميرويم تفسير : اى لا تثريب علىّ فى هذا المعنى فانه من قضاء الله تعالى. قال الامام ابو القاسم القشيرى قدس سره سمعت استاذ ابا على الدقاق يقول فى آخر عمره وقد اشتدت به العلة من امارات التأييد حفظ التوحيد فى اوقات الحكم ثم قال كالمفسر لفعله مفسرا لما كان فيه من حاله هو ان يقرضك بمقاريض القدرة فى امضاء الاحكام قطعة قطعة وانت شاكر حامد انتهى. فقصة مريم من جملة احكام الله تعالى ولذا عرفت الحال لانها كانت صديقة وصبرت على اذى القوم وشماتتهم وفى الحديث "حديث : اذا احب الله عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه"تفسير : فالواجب على العبد الحمد على البلية لما تضمنته من النعمة فان فقد فالصبر وكلاهما من طريق العبودية واذا وقف مع الجزعة المستفاد من وجود الشفقة على نفسه فهو من غلبة الهوى. قال احمد بن حضرويه قدس سره الطريق واضح والدليل لائح والداعى قد اسمع فما التحير بعد هذا الا من العمى وفى الحديث خطابا لابن عباس رضى الله عنهما (ان استطعت ان تعمل لله بالرضى فى اليقين فافعل والا ففى الصبر على ما تكره خير كثير). قال فى شرح الحكم العطائية ثم اذا تأملت ظهر لك ان التحقق بالمعرفة منطو فى وجود البلايا اذ ليست المعرفة الا بتحقيق اوصافه تعالى حتى يفنى فى اوصافه كل شئ من وجودك فلا يبقى لك عز مع عزه ولا غنى مع غناه ولا قدرة مع قدرته ولا قوة مع قوته وهذا يتحقق لك بوجود البلية اذ هى مشعرة بقهر الربوبية فافهم هذا وفقنا الله واياكم للتحقق بحقيقة الحال والتمكن فى مقام الصبر والحمد على جميع الاحوال: وفى المثنوى شعر : صدهزاران كيما حق آفريد كميايى همجو صبر آدم نديد تفسير : وذلك لان بالبلاء تحترق الاوصاف الرديئة الخلقية وبالصبر يحصل الاخلاق الالهية والصفات الحقية

الجنابذي

تفسير : {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} استفهام للتّعجّب والتّحيّر من غلام من غير اسباب التّوالد مورث للّوم والاتّهام {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} يعنى بطريق النّكاح المشروع فانّه يكنّى به عنه كثيراً وبقرينة قولها {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} البغىّ والبغو ّالامة الفاجرة وكلّ فاجر.

الهواري

تفسير : {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي من أين يكون لي غلام. وقال بعضهم: كيف يكون لي غلام {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} أي: ولم أك زانية. {قَالَ: كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أن أخلقه {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا} أي: لمن قبل دينه. قال: {وَكَانَ أَمْرَاً مَقْضِيّاً} أي: كائناً. [قال بعضهم: يعني كان عيسى أمراً من الله مكتوباً في اللوح المحفوظ أنه يكون. فأخذ جبريل جيبها بأصبعه فنفخ فيه فسار إلى بطنها فحملت. قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ} قال الحسن: تسعة أشهر في بطنها. وقال بعضهم في قوله: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً} أي: سترة من الأرض بينها وبينهم. {فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} أي منتحياً. أي: انفردت به مكاناً شاسعاً منتحياً. {فَأَجَآءَهَا المَخَاضُ} قال مجاهد: فألجأها المخاض {إِلى جِذْعِ النَّخلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} قال الحسن: مما خشيت من الفضيحة. {وَكُنْتُ نَسْياً} لا أذكر {مَّنْسِيّاً} أي: لم أذكر. وقال بعضهم: شيئاً لا يعرف ولا يذكر. وذكر بعضهم فقال: حيضة نسيتها. وقال بعضهم: المرأة النسوء. وقال الكلبي: {نِسْياً مَّنْسِيّاً} قال القوم ينزلون المنزل ثم يرحلون فينسون الشيء، فيسمّى ذلك الشيء النسيَ.

اطفيش

تفسير : {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لى غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى} لم يجامعنى {بَشَرٌ} رجل بحلال فإن هذه الكناية إنما تطلق على الحلال ولو أرادت غير ذلك لقالت مثلا: ولم يفجرنى أو لم يخبث بى وقد قال جل وعلا: {أية : من قبل أن تمسوهن} تفسير : وقال سبحانه وتعالى: {أية : أو لامستم النساء}. تفسير : ولا يقال: إن المراد يحتمل الزنا وكنى عنه بالمس؛ لأنا نقول: ليس ها هنا يقين أن يكنى عنه. ويدل لما قلنا أيضا قوله عز قائلا: {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} لم أكن كثيرة المحبة للرجال وعظيمة المحبة لهم فأَزنى. والبغىّ فعول من البغى الذى هو الزنا أصله يغوى اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء وقلبت الضمة كسرة. هذا قول المبرد فهو كصبور وغضوب صفة مبالغة لا تلحقها التاء فى المؤنث. وقال ابن جنى: وزنه فعيل وإنه صفة مبالغة ولذا لم تلحقه التاء قال: ولو كان فعولا لقال: بغوّ كما قيل: فلان نهوّ عن المنكر. ويصح أن يكون بوزن فعيل على أنه ليس صفة مبالغة ولم تلحقه التاء لجواز أن لا تلحق فعيلا بمعنى فاعل عند بعض إذا وجدت قرينة التأنيث. وأجيز أن يكون فعيلا على أنه للنسب ولم تلحقه الياء لكونه للنسب وهذا بناء على أن فعيلا للنسب لا تلحقه التاء وهو مبحوث فيه والصحيح الأول وعليه ابن هشام. قال الشيخ خالد: سأل المازنى جماعة من نحاة الكوفة عن هذه الآية بحضرة الواثق بالله فلم يأتوا بوجه الصواب فسأَله الواثق عنها فأجاب بما قال الموضح. انتهى.

اطفيش

تفسير : {قالَت أنَّى يكُون لى غلام ولمْ يمْسَسنى بشَرٌ} فى حلال، والجملة حال {ولم أكُ بغياً} زانية يمسنى بشر فى حرام، فأحمل منه واقتصر فى سورة آل عمران على لم يمسسنى بشر، فحمل فيها على الحلال والحرام إجمالا، والتفصيل هنا للإجمال هنالك، وأجمعت هنالك لعلمها أنهم ملائكة. وهنا تخوفت من البشر السوى، ويجوز أن يكون المس هنا أيضا شاملاً للحلال والحرام، فيكون: "لم أكُ بغياً" تأكيداً بعطف خاص على عام، وذلك من غاية استبعادها للولادة، حتى قالت ذلك بعد قوله: {لأهب} إلخ ولم يقل بغية، لأن وزنه فعول بمعنى فاعل، وما كذلك لا يؤنث تقول: امرأة ضروب، كما تقول رجل ضروب، وأصله بغوى يفتح الموحدة، وضم الغين وإسكان الواو، اجتمعت الواو والياء، وسكن السابق منهما، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء فى الياء، وكسرت الغين لتسلم الياء، ولم يقل بغو بقلب الياء واو كنهو فى نهوى، لأن نهو شاذ. وقيل: وزنه فعيل بمعنى فاعل، ولم تلحقه التاء حملا على فعول، لأن كلاً للمبالغة، والمعنى أنها تبقى الرجال للزنى، نفت رضى الله عنها ذلك عن نفسها، وقيل: للمبالغة كطالق وحائض وما كذلك لا يجب تأنيثه، أو لم تلحقه لاختصاصه بالمؤنث كالمثالين، والرجل باغ، وقيل: فعيل بمعنى مفعول أو ما كذلك لا تلحقه التاء إذ ذكر فى اللفظ ما دل على المؤنث كامرأة كحيل، ومعنى مفعول أنه يبقيها الرجل للزنى، نفت رضى الله عنها ذلك عن نفسها.

الالوسي

تفسير : {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } أي والحال أنه لم يباشرني بالحلال رجل وإنما قيل بشر مبالغة في تنزهها من مبادىء الولادة {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } أي ولم أكن زانية، والجملة عطف على {لَمْ يَمْسَسْنِى} داخل معه في حكم الحالية مفصح عن كون المساس عبارة عن المباشرة بالحلال وهو كناية عن ذلك كما في قوله تعالى: {أية : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } تفسير : [البقرة: 237] {أية : أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 43] ونحوه كما قيل / دخلتم بهن وبنى عليها. وأما الزنا فليس بقمن أن يكنى عنه لأن مقامه أما تطهير اللسان فلا كناية ولا تصريح وإما التقريع فحينئذ يستحق الزيادة على التصريح والألفاظ التي يظن أنها كناية فيه قد شاعت حتى صارت حقيقة صريحة فيه ومنها ما في النظم الكريم، ولا يرد على ذلك ما في سورة آل عمران [47] من قولها {أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ }تفسير : مقتصرة عليه فإن غاية ما قيل فيه إنه كناية عن النكاح والزنا على سبيل التغليب، ولم يجعل كناية عن الزنا وحده، ولقائل أن يقول: أنه ثم كناية عن النكاح فقط كما هنا واستوعبت الأقسام هٰهنا لأنه مقام البسط واقتصرت على نفي النكاح ثم لعدم التهمة ولعلمها أنهم ملائكة ينادون لا يتخيلون فيها التهمة بخلاف هذه الحالة فإن جبريل عليه السلام كان قد أتاها في صورة شاب أمرد، ولهذا تعوذت منه ولم يكن قد سكن روعها بالكلية إلى أن قال: {أية : إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ } تفسير : [مريم: 19] على أنه قيل: إن ما في آل عمران من الاكتفاء وترك الاكتفاء في هذه لأنه تقدم نزولها فهي محل التفصيل بخلاف تلك لسبق العلم، وقيل: المساس هنا كناية عن الأمرين على سبيل التغليب كما في تلك السورة {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } تخصيص بعد التعميم لزيادة الاعتناء بتنزيه ساحتها عن الفحشاء، ولذا آثرت كان في النفي الثاني فإن في ذلك إيذاناً بأن انتفاء الفجور لازم لها. وكأنها عليها السلام من فرط تعجبها وغاية استبعادها لم تلتفت إلى الوصف في قول الملك عليه السلام {أية : لأهب لك غلاماً زكياً} تفسير : [مريم: 19] النافي كل ريبة وتهمة ونبذته وراء ظهرها وأتت بالموصوف وحده وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه أي ما أبعد وجود هذا الموصوف مع هذه الموانع بله الوصف، وهذا قريب من الأسلوب الحكيم. وبغي فعول عند المبرد وأصله بغوي فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسرت الغين اتباعاً ولذا لم تلحقه هاء التأنيث لأن فعولاً يستوي فيه المذكر والمؤنث وإن كان بمعنى فاعل كصبور، واعترضه ابن جني في كتاب «التمام» بأنه لو كان فعولاً قيل بغو كما قيل نهو عن المنكر ورد بأنه لا يقاس على الشاذ وقد نصوا على شذوذ نهو لمخالفته قاعدة اجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون واختار أنه فعيل وهو على ما قال أبو البقاء بمعنى فاعل، وكان القياس أن تلحقه هاء التأنيث لأنه حينئذ ليس مما يستوي فيه المذكر والمؤنث كفعول، ووجه عدم اللحوق بأن للمبالغة التي فيه حمل على فعول فلم تلحقه الهاء، وقال بعضهم: هو من باب النسب كطالق ومثله يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقيل ترك تأنيثه لاختصاصه في الاستعمال بالمؤنث ويقال للرجل باغ وقيل فعيل بمعنى مفعول كعين كحيل وعلى هذا معنى بغي يبغيها الرجال للفجور بها، وعلى القول بأنه بمعنى فاعل فاجرة تبغي الرجال، وأياً ما كان فهو للشيوع في الزانية صار حقيقة صريحة فيه فلا يرد أن اعتبار المبالغة فيه لا يناسب المقام لأن نفي الأبلغ لا يستلزم نفي أصل الفعل، ولا يحتاج إلى الجواب بالتزام أن ذلك من باب النسب أو بأن المراد نفي القيد والمقيد معاً أو المبالغة في النفي لا نفي المبالغة.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مريم لما بشرها جبريل بالغلام الزكي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قالت: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي كيف ألد غلاماً والحال أني لم يمسسني بشر. تعني لم يجامعنى زوج بنكاح، {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}، أي لم أك زانية، وإذا انتفى عنها مسيس الرجال حلالاً وحراماً فكيف تحمل. والظاهر أن استفهامها استخبار واستعلام عن الكيفية التي يكون بها حمل الغلام المذكور، لأنها مع عدم مسيس الرجال لم تتضح لها الكيفية. ويحتمل أن يكون استفهامها استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى، وهذا الذي ذكر الله جل وعلا عنها: أنها قالته هنا ذكره عنها أيضاً في سورة "آل عمران" في قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ}تفسير : [آل عمران: 45-47]. واقتصارها في آية "آل عمران" على قولها {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} يدل على أن مسيس البشر المنفي عنها شامل للمسيس بنكاح والمسيس بزنى. كما هو الظاهر. وعليه فقولها في سورة "مريم": {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} يظهر فيه أن قولها "ولم أك بغياً": تخصيص بعد تعميم. لأن مسيس البشر يشمل الحلال والحرام. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى هنا {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}: جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه. كقوله تعالى: {أية : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ}تفسير : [البقرة: 237]. {أية : أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}تفسير : [النساء: 43] والزنى ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر بها، وخبث بها وما أشبه ذلك. وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب اهـ. والأظهر الأول. وآية آل عمران تدل عليه. ويؤيده أن لفظة "بشر" نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر: فينتفي مسيس كل بشر كائناً من كان، والبغي: المجاهرة المشتهر بالزنى. ووزنه فعول عند المبرد، اجتمعت فيه واو وياء سبقت إحداهما بالسكون: فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبلها لأجل الياء كما كسرت في عصيّ ودليّ جمع عصا ودلو. كما قدمنا هذا مراراً. والقائل بأن أصل البغي فعول، يقول: لو كان أصله فعيلاً للحقته هاء التأنيث، لأنها لازمة في فعيل بمعنى فاعل. وقال ابن جني في كتاب التمام: أصل البغي على وزن فعيل، ولو كان فعولاً لقيل بغو. كما قيل: فلان نهو عن المنكر. وعلى هذا القول فقد يجاب عن عدم لحوق تاء التأنيث: بأن البغي وصف مختص بالإناث. والرجل يقال فيه باغ لا بغي. كما قاله أبو حيان في البحر. والأوصاف المختصة بالإناث لا تحتاج إلى تاء الفرق بين الذكر والأنثى كحائض. كما عقده ابن مالك في الكافية بقوله: شعر : وما من الصفات بالأنثى يخص عن تاء استغنى لأن اللفظ نص

د. أسعد حومد

تفسير : {غُلاَمٌ} (20) - فَتَعَجَّبَتْ مَرْيَمُ مِنْ قَوْلِ المَلَكِ، وَقَالَتْ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ دُونَ أَنْ يَمَسَّنِي رَجُلٌ، وَأَنَا لَسْتُ بِذَاتِ زَوْجٍ، وَلَسْتُ بَغِيّاً: فَاجِرَةً؟ بَغِيّاً - فَاجِرَةً تَبْغِي الرِّجَالَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {أَنَّىٰ} استفهام عن الكيفيات التي يمكن أن تتم بها هذه المسألة، وتعجُّب كيف يحدث ذلك. وقوله: {يَمْسَسْنِي ..} [مريم: 20] المسّ هنا كناية وتعبير مُهذَّب عن النكاح، وقد نفتْ السيدة مريم كل صور اللقاء بين الذكر والأنثى حين قالت: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} [مريم: 20] فالتقاء الذكر بالأنثى له وسائل: الوسيلة الأولى: هي الزواج الشرعي الذي شرعه الله لعباده للتكاثر وحِفْظ النسل، وهو إيجاب وقبول، وعقد وشهادة، وهذا هو المسّ الحلال. الوسيلة الثانية: أنْ يتم هذه اللقاء بصورة محرمة بموافقة الأنثى أو غَصْباً عنها. وقد نفتْ مريم عن نفسها كل هذه الوسائل فقالت: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ..} [مريم: 20] لا في الحلال، ولا في الحرام، وأنا بذاتي {لَمْ أَكُ بَغِيّاً} [مريم: 20] إذن: فمن أين لي بالغلام؟ وكلمة: مسَّ جاءتْ في القرآن للدلالة على الجماع، كما في قوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ..}تفسير : [البقرة: 236] فالمراد بالمسّ هنا الجماع، لذلك فقد فسر الإمام أبو حنيفة قوله تعالى: {أية : لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ ..}تفسير : [النساء: 43] بأنه الجماع؛ لأن القرآن أطلق المسَّ، وأراد به النكاح، والمسُّ فعل من طرف واحد، أما الملامسة فهي مُفَاعلة بين اثنين، فهي من باب أَوْلَى تعني: جامعتم. وقولها: {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} [مريم: 20] البغِيُّ: هي المرأة التي تبغي الرجال. والبِغَاء: هو الزنا، والبَغِيّ: التي تعرض نفسها على الرجال وتدعوهم، وربما تُكرههم على هذه الجريمة. وقولها: {بَغِيّاً} [مريم: 20] مبالغة في البَغْي وهو الظلم، واختارتْ صيغة المبالغة بَغِيّ ولم تقُلْ باغية؛ لأن باغية تتعلق بحقوق ما حول العِرْض، أما الاعتداء على العِرْض ذاته فيناسبه المبالغة في هذا الفعل. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ ...}.