Verse. 2271 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

قَالَ كَذٰلِكِ۝۰ۚ قَالَ رَبُّكِ ہُوَعَلَيَّ ہَيِّنٌ۝۰ۚ وَلِنَجْعَلَہٗۗ اٰيَۃً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَۃً مِّنَّا۝۰ۚ وَكَانَ اَمْرًا مَّقْضِيًّا۝۲۱
Qala kathaliki qala rabbuki huwa AAalayya hayyinun walinajAAalahu ayatan lilnnasi warahmatan minna wakana amran maqdiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» الأمر «كذلك» من خلق غلام منك من غير أب «قال ربك هو عليَّ هينٌ» أي: بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه «ولنجعله آيةً للناس» على قدرتنا «ورحمة منا» لمن آمن به «وكان» خلقه «أمرا مقضيا» به في علمي فنفخ جبريل في جيب درعها فأحست بالحمل في بطنها مصورا.

21

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ} أي ونفعل ذلك لنجعله آية أو لنبين به قدرتنا ولنجعله، وقيل عطف على ليهب على طريقة الالتفات. {ءَايَةً لِلنَّاسِ} علامة لهم وبرهاناً على كمال قدرتنا. {وَرَحْمَةً مِّنَّا} على العباد يهتدون بإرشاده. {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} أي تعلق به قضاء الله في الأزل، أو قدر وسطر في اللوح أو كان أمراً حقيقاً بأن يقضى ويفعل لكونه آية ورحمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } جبريل: الأمر {كَذٰلِكَ } من خلق غلام منك من غير أب {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ } أي: بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه {وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ } على قدرتنا {وَرَحْمَةً مِّنَّا } لمن آمن به {وَكَانَ } خلقه {أَمْراً مَّقْضِيّاً } به في علمي، فنفخ جبريل في جيب درعها فأحسَّت بالحمل في بطنها مصوّراً.

ابن عطية

تفسير : المعنى قال لها الملك {كذلك} هو كما وصفت ولكن {قال ربك} ويحتمل أن يريد على هذه الحال {قال ربك} والمعنى متقارب والآية العبرة المعرضة للنظر، والضمير في قوله {لنجعله} للغلام، {ورحمة منا} معناه طريق هدى لعالم كثير، فينالون الرحمة بذلك، ثم أعلمها بأن الأمر قد قضي وانتجز، و"الأمر" هنا واحد الأمور وليس بمصدر أمر يأمر وروي أن جبريل عيله السلام حين قاولها هذه المقاولة "نفخ في جيب درعها" فسرت النفخة بإذن الله حتى حملت منه قاله وهب بن منبه وغيره، وقال ابن جريح: نفخ في جيب درعها وكمها وقال أبي بن كعب "دخل الروح المنفوخ من فمها" فذلك قوله تعالى: {فحملته} أي حملت الغلام، ويذكر أنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلما أحست بذلك وخافت تعنيف الناس وأن يظن بها الشر {انتبذت به} أي تنحت {مكاناً} بعيداً حياء وفراراً على وجهها، وروي في هذا أنها فرت الى بلاد مصر أو نحوها قال وهب بن منبه، وروي أيضاً أنها خرجت الى موضع يعرف (ببيت لحم) بينه وبين أيلياء أربعة أميال و {أجاءها} معناه، فاضطرها وهو تعدية جاء بالهمزة وقرأ شبل بن عزرة ورويت عن عاصم "فاجأها" من المفاجأة وفي مصحف أبي بن كعب "فلما أجاءها المخاض". وقال زهير: [الوافر] شعر : وجار سار معتمداً إليكم أجاءته المخافة والرجاء تفسير : وقرأ الجمهور "المَخاض" بفتح الميم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو "الطلق وشدة الولادة وأوجاعها"، روي أنها بلغت الى موضع كان فيه "جذع نخلة" بالٍ يابس في أصله مذود بقرة على جرية ماء فاشتد بها الأمر هنالك واحتضنت الجذع لشدة الوجع وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما رأته من الآلام والتغرب وإنكار قومها وصعوبة الحال من غير ما وجه، {يا ليتني مت} ولم يجر علي هذا القدر، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وعاصم وأبو عمرو وجماعة "مُت" بضم الميم، وقرأ الأعرج وطلحة ويحيى والأعمش "مِت" بكسرها واختلف عن نافع، وتمنت مريم الموت من جهة الدين إذ خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك وهذا مباح، وعلى هذا الحد تمناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصالحين ونهي النبي عليه السلام عن تمني الموت إنما هو لضر نزل بالبدن وقد أباحه عليه السلام في قوله: "حديث : يأتي على الناس زمان يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: لأنه زمن فتن يذهب بالدين، {وكنت نسياً} أي شيئاً متروكاً محتقراً، و"النسي" في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى فلا يتألم لفقده، كالوتد والحبل للمسافر ونحوه، ويقال "نِسي" بكسر النون و"نَسي" بفتحها، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرأ حمزة وحده بالفتح، واختلف عن عاصم، وكقراءة حمزة، قرأ طلحة ويحيى والأعمش، وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز "نِسئاً" بكسر النون، وقرأ نوف البكالي "نَسأً" بفتح النون، وحكاها أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب، وقرأ بكر بن حبيب "نَسّاً" بشد السين وفتح النون دون همز، وقال الشنفرى: [الطويل] شعر : كأنَّ لها في الأرض نسّاً تقصه إذا ما غذت وإن تحدثك تبلت تفسير : وحكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى حملت أيضاً أختها بيحيى، فجاءتها أختها زائرة فقالت "يا مريم أشعرت أني حملت" قالت لها مريم "أشعرت أنت أني حملت" قالت لها "وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك" وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأسه الى ناحية بطن مريم، قال السدي فذلك قوله تعالى {أية : مصدقاً بكلمة من الله} تفسير : [آل عمران: 39] وفي هذا كله ضعف فتأمله. وكذلك ذكر الطبري من قصصها أنها خرجت فارّة مع رجل من بني اسرائيل يقال له يوسف النجار كان يخدم معها المسجد وطول في ذلك فاختصرته لضعفه، وهذه القصة تقتضي أنها حملت واستمرت حاملاً على عرف البشر واستحيت من ذلك ومرت بسببه وهي حامل وهو قول الجمهور المتأولين، وروي عن ابن عباس أنه قال ليس إلا أن حملت فوضعت في ساعة واحدة والله أعلم. وظاهر قوله {فأجاءها المخاض} يقتضي أنها كانت على عرف النساء، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر ولذلك قيل لا يعيش ابن ثمانية أشهر حفظاً لخاصية عيسى عليه السلام وقيل ولدته لسبعة وقيل لستة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا} [الآية: 21]. قال أبو بكر بن طاهر: فى هذه الآية علامة دالة على تصحيح الربوبية ورحمة لمن أمن به ولم يدع فيه ما يدعيه لنفسه. وقال أيضًا: برحمته نجا أممًا من الكفر، وبرحمته أهلك أممًا بالكفر، قال الله تعالى لعيسى: {وَرَحْمَةً مِّنَّا}، وبتلك الرحمة، أهلكت الخلق حتى قالوا ثالث ثلاثة، وحتى قال اليهود والنصارى فيه ما قالوا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا} جعل الله عيسى مراة نور مشاهدته ومشكاة نور صفاته لطلاب قربه ووصاله تجلى منه لابصار عرفائه واهل خصايص محبته وهذا ومنه على كل من ----ضعفه لا يبلغ -----الى القدم يفنيه فيبصره جمال القدم فى مرات الحدث واى اية احسن من هذه الأية ظهر الحق بعزته وقدمه عن التمثيل والتعطيل من وجه موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم لذلك اشار عليه السلام بقوله جاء الله من ويستعلن بساعير واشرق من جبال فأدان قال ابو بكر بن ظاهر في هذه الأية علامة ماله على تصحيح الربوبية ورحمة لمن امن به ولم يدع فيه ما لم يدعيه لنفسه.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة وحفص عن عاصم {نسياً} بفتح النون. الباقون بكسرها، وهما لغتان. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص {من تحتها} على أن (من) حرف جر. الباقون {من تحتها} يعني الذي تحتها قال ابو عليّ النحوي: ليس المراد بقوله {من تحتها} الجهة السفلى، وانما المراد من دونها، بدلالة قوله {قد جعل ربك تحتك سرياً} ولم يكن النهر محاذياً لهذه الجهة، وإنما المعنى جعل دونك. وقرأ "تساقط" - بالتاء وضمها، وكسر القاف مخففه السين - حفص عن عاصم. وقرأ حمزة "تساقط" بفتح التاء وتخفيف السين. الباقون، وهم ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر والكسائي وابو بكر عن عاصم، بفتح التاء وتشديد السين وفتح القاف. وقرأ يعقوب والعليمي ونصير - بياء مفتوحة، وتشديد السين وفتح القاف - وكلهم جزم الطاء. حكى الله تعالى ما قال لها جبرائيل حين سمع تعجبها من هذه البشارة {قال كذلك} يعني الله تعالى قال ذلك {قال ربك هوعلي هين} أي سهل متأت لا يشق علي ذلك {ولنجعله آية للناس} أي نجعل خلقه من غير ذكر آية باهرة، وعلامة ظاهرة للناس {ورحمة منا} أي ونجعله نعمة من عندنا {وكان أمراً مقضياً} أي وكان خلق عيسى من غير ذكر أمراً قضاه الله وقدره وحتم كونه أي هو المحكوم بأنه يكون، وما قضاه الله بأنه كائن، فلا بد من كونه. وقوله {فحملته} يعني حملت عيسى فى بطنها، والحمل رفع الشيء من كانه، وقد يكون رفع الانسان في مجلسه، فيخرج عن حد الحمل. ويقال له (حمل) بكسر الحاء لما يكون على الظهر، وبالفتح لما يكون في البطن {فانتبذت به مكاناً قصياً} أي انفردت به مكاناً بعيداً، ومعناه قاصياً، وهو خلاف الداني. قال الزاجز: شعر : لتقعدن مقعد القصي مني كذي القاذورة المقلي تفسير : يقال قصا المكان يقصوه قصواً إذا تباعد، واقصيت الشيء إذا أبعدته، واخرته اقصاء. وقوله {فأجاءها المخاض} أي جاء بها المخاض وهو مما يعدى تارة بالباء وأخرى بالالف. مثل ذهبت به وأذهبته وآتيتك بعمرو وآتيتك عمراً. وخرجت به وأخرجته قال زهير: شعر : وجار سار معتمداً اليكم أجاءته المخافة والرجاء تفسير : أي جاءت به. قال الكسائي تميم تقول: ما أجاءك الى هذا وما أشاء بك اليه. أي صيرك تشاء. ومن أمثالهم (شر أجاءك الى مخة عرقوب) وتميم تقول: شر أشاءك الى مخة عرقوب. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: معنى {فأجاءها} الجأها. وقال السدي: إنها قالت في حال الطلق {يا ليتني مت قبل هذا} استحياء من الناس {وكنت نسياً منسياً} فالنسي الشيء المتروك حتى ينسى - بالفتح والكسر - مثل الوتر والوتر. وقيل النسي - بالفتح - المصدر، يقال: نسيت الشيء نسياً ونسياناً - وبالكسر - الاسم إذا كان لقي لا يؤبه به، وقيل النسي خرقة الحيض التي تلقيها المرأة، قال الشاعر: شعر : كأن لها في الارض نسياً تقصه إذا ما غدت وإن تكالمك تبلت تفسير : أي نسياً تركته، ومعنى (تبلت) أي تقطع كلامها رويداً رويداً وتقف وتصدق. وقوله {فناداها من تحتها} قال ابن عباس والسدي والضحاك وقتادة: المنادي كان جبرائيل (ع). وقال مجاهد والحسن ووهب بن منية، وسعيد بن جبير وابن زيد والجبائي: كان المنادي لها عيسى (ع). وقوله {ألا تحزني} أي لا تغتمي {قد جعل ربك تحتك سرياً} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: السري هو النهر الصغير. وقال قوم: هو النهر بالسريانية. وقال آخرون: هو بالنبطية. وقال ابراهيم والضحاك وقتادة: هو النهر الصغير بالعربية، مثل قول ابن عباس، وقال البراء بن عازب: هو الجدول. وقال الحسن وابن زيد: السري عيسى (ع). وقيل للنهر (سري) لأنه يسري بجريانه كما قيل جدول لشدة جريه. قال لبيد: شعر : فتوسطا عرض السريّ فصدعا مسجورة متجاوز أقدامها تفسير : وقال آخر: شعر : سلم ترى الدالي منه ازورا إذا يعج في السريّ هرهرا تفسير : وقوله {وهزي إليك بجذغ النخلة} معناه هزى النخلة اليك، ودخلت الباء تأكيداً، كما قال تعالى {أية : تنبت بالدهن}. تفسير : قال الشاعر: شعر : نضرب بالبيض ونرجوا بالفرج تفسير : أى نرجو الفرج، وقال آخر: شعر : بواد يمان ينبت السدر صدره وأسفله بالمرخ والشبهان تفسير : وفى رواية ينبت الشث حوله. وقوله {تساقط عليك} من شدد، أراد تتساقط فادغم احد التاءين فى السين، ومن خفف حذف احد التاءين. ومن قرأ - بالياء - أسند الفعل الى الجذع. ومن قرأ - بالتاء - اسنده الى النخلة. ومن قرأ تساقط أراد من المساقطة. وقرأ ابو حيويه {تسقط عليك}. وروي عنه (يسقط) وهو شاذ والمعاني متقاربة. وقال ابو علي: من قرأ {تساقط} عدى (فاعل) كما عدى (يتفاعل) وهو مطاوع (فاعل) قال الشاعر: شعر : تطالعنا خيالات لسلمى كما يتطالع الدين الغريم تفسير : وانشد ابو عبيدة: شعر : تخاطأت النبل أحشاءه وأخر يومي فلم أعجل تفسير : قال فى موضع (اخطأت) كقوله {أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} تفسير : ومعنى الآية يتواقع عليك رطباً جنياً. والجني المجني (فعيل) بمنى (مفعول) وهو المأخوذ من الثمرة الطرية، اجتناه اجتنا. إذا اقتطعه، قال ابن اخت جذيمة: شعر : هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده الى فيه تفسير : وفي نصب {رطباً} قولان: احدهما - قال المبرد: هو مفعول به، وتقديره هزي بجذع النخلة رطباً تساقط عليك. وقال غيره: هو نصب على التمييز والعامل فيه تساقط. وقال ابو علي: يجوز أن يكون نصباً على الحال، وتقديره تساقط عليك ثمر النخلة رطبا، فحذف المضاف الذي هو الثمرة، ونصب رطباً على الحال. وقيل: لم يكن للنخلة رأس وكان في الشتاء، فجعله الله تعالى آية، وانما تمنت الموت قبل تلك الحال التي قد علمت انها من قضاء الله لكراهتها أن يعصى الله بسببها إذا كان الناس يتسرعون الى القول فيها بما يسخط الله. وقال قوم: انها قالت ذلك بطبع البشرية خوف الفضيحة. وقال قوم: المعنى فى ذلك اني لو خيرت قبل ذلك بين الفضيحة بالحمل والموت لاخترت الموت. واختلفوا فى مدة حمل عيسى، فقال قوم: كان حمله ساعة ووضعت فى الحال. وقال آخرون: حملت به ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية أشهر غيره (ع)، فكان ذلك آية له. وفي بعض الروايات أنه ولد لستة أشهر. وقوله {فأجاءها المخاض} يدل على طول مكث الحمل، فاما مقداره فلا دليل يقطع به.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} قد مضى نظيره {وَلِنَجْعَلَهُ} عطف على مقدّر او متعلّق بمعطوف مقدّر اى نفعل ذلك لنجعله {آيَةً} دالّةً على آلهتنا وعلى سعة علمنا وقدرتنا على ما لا يقدر عليه احد من الايلاد من غير والدٍ ومن احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص ونفخ الرّوح فى الطّين وجعله حيّاً {لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا} عليهم {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} محتوماً.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الروح: {كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ} هكذا قال ربك وجملة {هُوَ عَلَىَّ هَيَّنٌ} تفسير للإشارة أو المعنى: الأمر كذلك من خلق غلام منك من غير رجل. قال ربك: إن ذلك علىَّ هيِّن. {وَلِنَجْعَلَهُ} أى ونفعل ذلك لنجعله فهو تعليل لمحذوف أو لنظهر به قدرتنا، ولنجعله فهو معطوف على تعليل محذوف ومِثْلُه: {أية : وخَلَق الله السمٰوات والأرض بالحق ولتُجزى} تفسير : وقوله عز قائلا: {أية : وكذلك مكَّنَّا ليوسف فى الأرض ولنعلِّمه}. تفسير : وقيل: عطف على لأهب على مقتضى الظاهر او على ليهب على طريق الالتفات من الغيبة للتلكم. وقيل: معطوف على {هو علىَّ هيِّن} أى قال ربك: الأمر كذلك؛ لأنه يسهل عندى ولنجعله وهو من العطف على المعنى المسمى فى غير القرآن والعطف على التوهم. {آيَةً لِلنَّاسِ} على كمال قدرتنا. {وَرَحْمَةً مِنَّا} على العباد يهتدون بإرشاده إلى مبعث محمد. {وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً} مفروغاً منه فى الأزل لا تبديل ولا تغيير أو مسطرا فى اللوح أو كان أمرا حقيقا بأن يقضى. قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله: فدنا منها فنفخ فى جيب دِرعها أى قميصها. والجيب: مدخل العنق أو اليد فوصلت النفخة إلى بطنها. وقيل: نفخ فى الدرع قبل أن تلبسه. وقيل: مد الجيب بأصبعه ونفخ فيه. وقيل: نفخ فى الكم. وقيل: فى الذيل. وقل: من بعيد فوصل إليها النفخ. وقال أُبىّ: نفخ فى فيها.

اطفيش

تفسير : {قال كذلك قال ربُّك هُو علىَّ هينْ} هذا إبطال للاستبعاد وتقرير التحقيق. وتقدم كلام فى مثل هذا أو لا يبعد أو يجعل هنا كذلك مبهما وقال: ربك إلخ تفسير له، ويكون الأمر كذلك تصديقاً للاستبعاد أو الأمر كما وكدت تحقيقاً له، وقال ربك إبطال للبعد، وتقرير للتحقيق، ومقول القول الثانى هو: {علىَّ هيِّن} وإِن رد القول لما قبله قدر، قال هو علىَّ هيِّن، لأن جبريل لا يقول هو علىَّ هَيِّن. {ولنجْعَلهُ آيةً للنَّاسِ} أى وفعلنا ذلك، أو قضينا ذلك لنجعله آية للناس، أى لنجعل ذلك الفعل أو القضاء أو الغلام، أو وهب الغلام، أو لنجعله آية لها وبرهاناً، ولنجعله آية للناس كلهم آو المؤمنين، كما لابْن عباس يستدلون به على كمال قدرتنا، أو لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله آية أو يعطف لنجعله على لأَهَبَ بالهمزة بلا التفات، أو على لأهب بالياء على طريق الالتفات من الغيبة الى التكلم، وفى الوجهين بعد تبين المتعاطفين. {ورحمةً} عظيمة {منَّا} يهتدون بهداه {وكان} ذلك {أمراً مقْضياً} محكماً قضى به فى الأزل أو المعنى أنه كتب فى اللوح أو اقتضته الحكمة، ورحمتنا الواسعة، والجملة تذييل لهبة الولد، وما يتعلق بها، ولجعله آية ورحمة، فاطمأنت إلى قول البشر السوى، فدنا منها فنفخ فى جيبها، فدخلت النفخة فى جوفها، فكان ما ذكر الله عز وجل فى قوله: {فحملته} وقيل نفخ من بعيد، فوصل النفخ جوفها كما روى عن ابن عباس، وقال ابن جريج: فى كمها، وقيل فى ذيلها، وقيل فى فيها، وسنها ثلاث عشرة حينئذ، وعن وهب ومجاهد: خمس عشرة، وقيل: ست عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: اثنتا عشرة، وقيل عشر، وكان الحمل بعد حيضتين، وقال محمد بن الهيصم رئيس الكراهية الهيصمية: لم تحض كما قيل: إنها مطهرة البتة، ومدة حملها تسعة أشهر أو نحوها على المعتاد، كما روى عن ابن عباس، ومحمد الباقر، إذ لو خالفت ذلك لذكر فى غرائبها المذكورة فى السورة، وقيل ساعة واحدة، كما دل له التعقيب على ظاهره بلا تأويل فى قوله: {فانْتَبذتْ به} أى اعتزلت، وهو فى بطنها، والباء متعلق بانتبذت أو بحال محذوفة وجواباً كوناً عاماً أى ثابتة معه، أو جوازاً كوناً خاصاً، أى ملتبسة به، ويدل أيضاً لكونه ساعة أنها محل الرحمة مع ذكر الرحمة قبل، ولو طالت المدة لطال عتاب الناس لها، أن ظهر حملها، ويدل له أيضاً قوله تعالى: "أية : إنَّ مثل عيسى عند الله" تفسير : [آل عمران: 59] الخ إلى قوله: "أية : ثم قال له كن فيكون" تفسير : [آل عمران: 59] المقتضى للسرعة، ولو بقيت طينة آدم مدة طويلة. وعن عطاء، وأبى العالية، والضحاك: حملته سبعة أشهر، وقيل ستة، وشهر ثمانية أشهر، ولم يحى مولود فى ثمانية أشهر غيره، فذلك من خصوصياته، وقيل حملته ساعة، وصور فى ساعة، وضعته فى ساعة عند الزوال من يومها، وأقل ما يتحرك الولد بعد أربعة أشهر، أو فى آخرها، وقيل بعد ثلاثة أشهر، وقيل شهران، وهما ثلث الولادة، وهو ستة أشهر أقل ما يحيا به الجنين. وزعم بعض أن الخلقة تتم فى أقل من خمسين يوماً. {مكاناً قصياً} بعيداً من أهلها، لما أثقلت، وجعت وجع الحوامل، وهربت من بيت النبوة حياء إلى جهة المشرق، وكان قومها يسألون عنها، فلا يجدون مخبراً، وكان معها ابن عم لها يوسف النجار، ذهب معها إلى مسجد عند جبل صهيون، وكانا يخدمان هذا المسجد، ولا أشد عبادة واجتهاداً منهما فى زمانهما، وهو أول من علم بحملها، وهو عالم بصلاحها، لا تغيب عنه. وقال: وقع فى قلبى شىء ذكره أشفى لصدرى، فقالت: قل قولا جميلا، فقال: هل ينبت بذر بغير زرع؟ وشجرة من غير غيث؟ وولد من غير ذكر؟ فقالت: أنبت الله الزرع يوم خلقه بلا بذر، والشجرة بلا غيث، أيعجز الله عن ذلك؟ قال: لا، فإن الله يقول للشىء كن فيكون، قالت: والله خلق آدم وحواء بلا ذكر ولا أنثى، فزال همه، وناب عنها فى خدمة المسجد لضعفها بالحمل، والهم. قيل: أوحى الله عز وجل إليها لما دنت ولادتها، اخرجى من أرض قومك لئلا يقتلو ولدك، فحملها يوسف على حماره إلى مصر، وولدت فى أهناس من أعمال مصر، وقيل مكاناً قصياً فى دارها، وهو أنسب لقرب مدة الحمل.

الالوسي

تفسير : {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } أطلقوا الكلام في أنه نظير ما تقدم في قصة زكريا عليه السلام. وفي «الكشف» أنه لا يجري فيه تمام الأوجه التي ذكرها الزمخشري هناك لأن {قَالَ } أولاً فيه ضمير الرسول إليها فكذلك إن علق بالثاني يكون المعنى قال الرسول قال ربك كذلك ثم فسره بقوله: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } أو المعنى مثل ذلك القول العجيب الذي سمعته ووعدتك قال ربك على إقحام الكاف ثم استأنف / هو عليَّ هين ولا بد من إضمار القول لأن المخاطب لها جبريل عليه السلام وقوله: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } كلام الحق تعالى شأنه حكاه لها. وإن علق بالأول يكون المعنى الأمر كذلك تصديقاً لها أو كما وعدت تحقيقاً له ثم استأنف قال ربك هو علي هين لإزالة الاستبعاد أو لتقرير التحقيق ولا يبعد أن يجعل {قَالَ رَبُّكِ } على هذا تفسيراً وكذلك مبهماً انتهى. ولا أرى ما نقل عن ابن المنير هناك وجهاً هنا. {وَلِنَجْعَلَهُ } تعليل لمعلل محذوف أي لنجعل وهب الغلام {ءايَةً } وبرهاناً {لِلنَّاسِ } جميعهم أو المؤمنين على ما روي عن ابن عباس يستدلون به على كمال قدرتنا {وَرَحْمَةً } عظيمة كائنة {مِنَّا } عليهم يهتدون بهدايته ويسترشدون بإرشاده فعلنا ذلك. وجوز أن يكون معطوفاً على علة أخرى مضمرة أي لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله آية الخ. قال في «الكشف»: إن مثل هذا يطرد فيه الوجهان ويرجح كل واحد بحسب المقام وحذف المعلل هنا أرجح إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بد من معلل محذوف أيضاً فليس قبل ما يصلح فهو تطويل للمسافة. وهذه الجملة ـ أعني العلة مع معللها ـ معطوفة على قوله {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وفي إيثار الأولى اسمية دالة على لزوم الهون مزيلة للاستبعاد والثانية فعلية دالة على أنه تعالى أنشأه لكونه آية ورحمة خاصة لا لأمر آخر ينافيه مراداً بها التجدد لتجدد الوجود لينتقل من الاستبعاد إلى الاستحماد ما لا يخفى من الفخامة انتهى. ولا يرد أنه إذا قدر علة نحو لنبين جاز أن يكون ذلك متعلقاً بما يدل عليه {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } من غير حذف شيء فلا يصح قوله لم يكن بد من معلل محذوف لظهور ما فيه. وما ذكره من العطف خالف فيه بعضهم فجعل الواو على الأول اعتراضية. ومن الناس من قال: إن {لنجعله} على قراءة {ليهب} [مريم: 19] عطف عليه على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وجوز أيضاً العطف على {أية : لأهَبَ } تفسير : [مريم: 19] على قراءة أكثر السبعة. ولا يخفى بعد هذا العطف على القراءتين. {وَكَانَ } ذلك {أَمْراً مَّقْضِيّاً } محكماً قد تعلق به قضاؤنا الأزلي أو قدر وسطر في اللوح لا بد لك منه أو كان أمراً حقيقاً بمقتضى الحكمة والتفضل أن يفعل لتضمنه حكماً بالغة. وهذه الجملة تذييل إما لمجموع الكلام أو للأخير.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ}. قد قدمنا تفسير هذه الآية مستوفي في قصة زكريا، فأغنى عن إعادته هنا. وقول جبريل لمريم في هذه الآية: {كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي وستلدين ذلك الغلام المبشر به من غير أن يمسك بشر، وقد أشار تعالى إلى معنى هذه الآية في سورة "آل عمران" في قوله: {أية : قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران: 47]. قوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من حكم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية للناس. أي علامة دالة على كمال قدرته. وأنه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء: إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى. وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء. كما نص على ذلك في قوله: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [النساء: 1] أي خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء. وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معاً كما فعل بآدم. وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى كما فعل بسائر بني آدم. فسبحان الله العظيم القادر على كل شيء؟ وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كونه جعل عيسى آية حيث ولدته أمه من غير زوج أشار له أيضاً في "الأنبياء" بقوله: {أية : وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 91]، وفي "الفلاح" بقوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}تفسير : [المؤمنون: 50] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} فيه حذف دل المقام عليه. قال الزمخشري في الكشاف: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} تعليل معلله محذوف. أي ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي لنبيِّن به قدرتنا ولنجعله آية. ونحوه {أية : وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}تفسير : [الجاثية: 22]، وقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ}تفسير : [يوسف: 21] اهـ. وقوله في هذه الآية {ورحمة منا} أي لمن آمن به. ومن كفر به فلم يبتغ الرحمة لنفسه، كما قال تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107]، وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} أي وكان وجود ذلك الغلام منك أمراً مقضياً، أي مقدراً في الأزل، مسطوراً في اللوح المحفوظ لا بد من وقوعه، فهو واقع لا محالة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةً} (21) - فَقَالَ لَهَا المَلَكُ مُجِيباً: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: إِنَّهُ سَيُوجِدُ مِنْك وَلَداً، وَإِنْ لَمْ يَمْسَسِكِ بَشَرٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُونِي ذَاتَ بَعْلٍ، وَلَمْ تَفْحُشِي، فَإِنَّ ذلِكَ سَهْلٌ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌعَلَى فِعْلِ مَا يَشَاءُ، وَسَتَكُونُ وِلاَدَةُ هذا الوَلَدِ عَلَى هذِهِ الصُّورَةِ دَلاَلَةً لِلنَّاسِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ بَارِئِهِمْ وَخَالِقِهِمْ، وَسَيَكُونُ هذا الوَلَدُ رَحْمَةً لِلنَّاسِ مِنَ اللهِ، يَدْعُوهُمْ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَطَاعَتِهِ، وَإِنَّهُ أَمْرٌ مَقْضِيٌّ مِنَ اللهِ كَائِنٌ لاَ مَحَالَةَ، وَلاَ رَادَّ لِمَا قَضَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كما قال الحق سبحانه لزكريا حينما تعجَّبَ أنْ يكون له ولد: {أية : قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ ..}تفسير : [مريم: 9] أي: أنا أعرف ما أنت فيه من كِبَر السن، وأن امرأتك عاقر لا تلِد، لكن الأمر جاء من الله وصدر حكمه، وهو وحده الذي يملك التنفيذ، فَلِمَ التعجب إذن؟ وهنا نجد بعض المتورِّكين على القرآن يعترضون على قوله تعالى: (كَذَلِكَ) بالفتح في قصة زكريا وبالكسر في قصة مريم (كذلكِ)، والسياق والمعنى واحد، وأيُّهما أبلغ من الأخرى، وإنْ كانت أحدهما بليغة فالأخرى غير بليغة؟ وهذا الاعتراض منهم ناتج عن قصور فَهْمهم لكلام الله، فكلمة (كذلك) عبارة عن ذا اسم إشارة، وكاف الخطاب التي تُفتح في خطاب المذكر، وتُكسر في خطاب المؤنث. وهنا أيضاً قال: (ربك) أي: الذي يتولى تربيتك ورعايتك، والذي يُربيه ربُّه يربيه تربية كاملة تعينه على أداء مهمته المرادة للمربِّي. وقوله: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ..} [مريم: 21] كما قال في مسألة البعث بعد الموت: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..}تفسير : [الروم: 27] فكلمة هيّن وأَهْوَن بالنسبة للحق - تبارك وتعالى - لا تُؤخَذ على حقيقتها؛ لأن هَيِّن وأهوَنَ تقتضي صعب وأصعب، وهذه مسائل تناسب فِعْلَ الإنسان في معالجته للأشياء على قَدْر طاقته وإمكاناته، أما بالنسبة للخالق سبحانه فليس عنده هَيِّن وأهون منه؛ لأنه سبحانه لا يفعل الأفعال مُعَالجةً، ولا يزاولها، وإنما بقوله تعالى (كُنْ). فالحق سبحانه يخاطبنا على قَدْر عقولنا، فقوله: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ..} [مريم: 21] أي: بمنطقكم أنتم إنْ كنت قد خَلقْتكم من غير شيء، فإعادتكم من شيء موجود أمر هَيِّن. ثم يقول تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ..} [مريم: 21]. هل كان الغرض من خَلْق عيسى عليه السلام على هذه الصورة أن يُظهِر الحق سبحانه قدرته في الخلق وطلاقة قدرته فقط؟ لا، بل هناك هدف آخر {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ..} [مريم: 21] أي: أمراً عجيباً، يخرج عن مألوف العادة والأسباب، كما نقول: هذا آية في الحُسْن، آية في الذكاء، فالآية لا تُقال إلا للشيء الذي يخرج عن معتاد التناول. والآية هنا أن الخالق - تبارك وتعالى - كما خلق آدم - عليه السلام - من غير أب أو أم، وخلق حواء من غير أم، خلق عيسى - عليه السلام - من أم دون أب، ثم يخلقكم جميعاً من أب وأم، وقد يوجد الأب والأم ولا يريد الله لهما فيجعل مَنْ يشاء عقيماً. إذن: فهذا الأمر لا يحكمه إلا إرادة المكوِّن سبحانه. فالآية للناس في أنْ يعلموا طلاقة قدرته تعالى في الخَلْق، وأنها غير خاضعة للأسباب، وليستْ عملية ميكانيكية، بل إرادة للخالق سبحانه أن يريد أو لا يريد. لكن، أكانتْ الآية في خَلْق عيسى عليه السلام أَمْ في أمه؟ كان من الممكن أنْ يوجد عيسى من أب وأم، فالآية - إذن - في أمه، إنما هو السبب الأصيل في هذه الآية؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ..}تفسير : [المؤمنون: 50] فعيسى ومريم آية واحدة، وليسا آيتين؛ لأنهما لا ينفصلان. ثم يقول تعالى: {وَرَحْمَةً مِّنَّا ..} [مريم: 21] ووجْه الرحمة في خَلْق عيسى عليه السلام على هذه الصورة، أنه سبحانه يرحم الناس من أنْ يشكُّوا في أن قدرة الله منوطة بالأسباب ومتوقفة عليها، ولو كان هذا الشكُّ مجرد خاطر، فإنه لا يجوز ولا يصحّ بالنسبة للخالق سبحانه، وكأنه تبارك وتعالى يرحمنا من مجرد الخواطر بواقع يؤكد أن طلاقة القدرة تأتي في الخَلْق من شيء، ومن بعض شيء، ومن لا شيء. وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم: 21] أي: مسألة منتهية لا تقبل المناقشة، فإياك أن تناقش في كيفيتها؛ لأن الكلام عن شيء في المستقبل إنْ كان من متكلم لا يملك إنفاذ ما يقول فيمكن ألاَّ يتم مراده لأيِّ سبب من الأسباب كأن تقول: سأفعل غداً كذا وكذا، ويأتي غد ويحول بينك وبين ما تريد أشياء كثيرة ربما تكون خارجة عن إرادتك، إذن: فأنت لا تملك كُلَّ عناصر الفعل. أما إذا كان الكلام من الله تعالى الذي يملك كل عناصر الفعل فإن قوله حَقٌّ وواقع، فقال تعالى: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم: 21]. ولما تكلمنا عن تقسيمات الأفعال بين الماضي الذي حدث قبل الكلام، والمضارع الذي يحدث في الحال، أو في الاستقبال قلنا: إن هذه الأفعال بالنسبة للحق سبحانه تنحل عنها الماضوية والحالية والاستقبالية. فإذا قال تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [الفتح: 14] فهل كان الحق سبحانه غفوراً رحيماً في الماضي، وليس كذلك في الحاضر والمستقبل؟ لا، لأن الحق سبحانه كان ولا يزال غفوراً رحيماً، فرحمتُه ومغفرتُه أزلية حتى قبل أنْ يوجدَ مَنْ يغفر له ومَنْ يرحمه. لذلك جاء الفعل بصيغة الماضي، فالصفة موجودة فيه سبحانه أزلاً، فهو سبحانه خالق قبل أن يخلق الخَلْق وبصفة الخَلْق خَلَقَ، كما ضربنا مثلاً لذلك: نقول فلان شاعر، فهل هو شاعر لأنه قال قصيدة؟ أم قال القصيدة لأنه شاعر، وبالشعر صنع القصيدة؟ إذن: فهو شاعر قبل أن يقول القصيدة، ولولا وجود الصفة فيه ما قال. فالصفة - إذن - أزلية في الحق سبحانه، فإذا قلت: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [الفتح: 14] فقد ثبتتْ له هذه الصفة أزلاً، ولأنه سبحانه لا يتغير، ولا يعارضه أحد فقد بقيتْ له، هذا معنى: كان ولا يزال. وهذه المسألة واضحة في استهلال سورة النحل: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..}تفسير : [النحل: 1] لذلك وقف بعض المستشرقين أمام هذه الآية، كيف يقول سبحانه (أَتَى) بصيغة الماضي، ثم يقول: {أية : فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..}تفسير : [النحل: 1] أي: في المستقبل؟ نقول: لأن قوله تعالى: (أتَى) فهذه قضية منتهية لا شكّ فيها ولا جدالَ، فليس هناك قوة أخرى تعارضها أو تمنع حدوثها؛ لذلك جاءت بصيغة الماضي وهي في الواقع أمر مستقبل. ثم يقول الحق سبحانه: {فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ ...}.