١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الله تعالى أمر النفخ في آيات فقال: { أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } تفسير : [التحريم: 12] أي في عيسى عليه السلام كما قال لآدم عليه السلام: { أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } تفسير : [الحجر: 29] وقال فنفخنا فيها لأن عيسى عليه السلام كان في بطنها واختلفوا في النافخ فقال بعضهم كان النفخ من الله تعالى لقوله: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } وظاهره يفيد أن النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى: { أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } فكذا ههنا وقال آخرون: النافخ هو جبريل عليه السلام لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام: { أية : لأَهَبَ لَكِ } تفسير : [مريم: 19] أنه أمر أن يكون من قبله حتى يحصل الحمل لمريم عليها السلام فلا بد من إحالة النفخ إليه، ثم اختلفوا في كيفية ذلك النفخ على قولين: الأول: قول وهب إنه نفخ جبريل في جيبها حتى وصلت إلى الرحم. الثاني: في ذيلها فوصلت إلى الفرج. الثالث: قول السدي أخذ بكمها فنفخ في جنب درعها فدخلت النفخة صدرها فحملت فجاءتها أختها امرأة زكريا تزورها فالتزمتها فلما التزمتها علمت أنها حبلى وذكرت مريم حالها، فقالت امرأة زكريا إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى: { أية : مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 39]. الرابع: أن النفخة كانت في فيها فوصلت إلى بطنها فحملت في الحال، إذ عرفت هذا ظهر أن في الكلام حذفاً وهو، وكان أمراً مقضياً، فنفخ فيها فحملته. المسألة الثانية: قيل حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأحوال. المسألة الثالثة: {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ } أي اعتزلت وهو في بطنها كقوله: { أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } تفسير : [المؤمنون: 20] أي تنبت والدهن فيها، واختلفوا في علة الإنتباذ على وجوه. أحدها: ما رواه الثعلبي في العرائس عن وهب قال: إن مريم لما حملت بعيسى عليه السلام كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد اجتهاداً ولا عبادة منهما، وأول من عرف حمل مريم يوسف فتحير في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري، فقالت: قل قولاً جميلاً قال: أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث، وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت نعم: ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة، أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها، فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول إن الله قادر على ما يشاء فيقول له كن فيكون، فقالت له مريم: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب، فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة، وذلك في زمان برد فاحتضنتها فوضعت عندها. وثانيها: أنها استحيت من زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا. وثالثها: أنها كانت مشهورة في بني إسرائيل بالزهد لنذر أمها وتشاح الأنبياء في تربيتها وتكفل زكريا بها، ولأن الرزق كان يأتيها من عند الله تعالى، فلما كانت في نهاية الشهرة استحيت من هذه الواقعة فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا. ورابعها: أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما بين أظهرهم، واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها. المسألة الرابعة: اختلفوا في مدة حملها على وجوه: الأول: قول ابن عباس رضي الله عنهما إنها كانت تسعة أشهر كما في سائر النساء بدليل أن الله تعالى ذكر مدائحها في هذا الموضع فلو كانت عادتها في مدة حملها بخلاف عادات النساء لكان ذلك أولى بالذكر. الثاني: أنها كانت ثمانية أشهر، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى ابن مريم عليه السلام. الثالث: وهو قول عطاء وأبي العالية والضحاك سبعة أشهر. الرابع: أنها كانت ستة أشهر. الخامس: ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة. السادس: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً كانت مدة الحمل ساعة واحدة ويمكن الاستدلال عليه من وجهين: الأول: قوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ } [مريم: 22] {فَأَجَاءهَا ٱلْمَخَاضُ } [مريم: 23]، { أية : فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا } تفسير : [مريم: 24] والفاء للتعقيب فدلت هذه الفاءات على أن كل واحد من هذه الأحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة لا يقال انتباذها مكاناً قصياً كيف يحصل في ساعة واحدة لأنا نقول: السدي فسره بأنها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها. الثاني: أن الله تعالى قال في وصفه: { أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 59] فثبت أن عيسى عليه السلام كما قال الله تعالى له: {كُنْ فَيَكُونُ } وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل، وإنما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة. المسألة الخامسة: {قَصِيّاً } أي بعيد من أهلها، يقال مكان قاص، وقصي بمعنى واحد مثل عاص وعصي، ثم اختلفوا فقيل: أقصى الدار، وقيل وراء الجبل، وقيل: سافرت مع ابن عمها يوسف وقد تقدمت هذه الحكاية. المسألة السادسة: قال صاحب «الكشاف»: «أجاء» منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء فإنك لا تقول جئت المكان، وأجاءنيه زيد كما تقول بلغنيه وأبلغته، والمعنى أن طلقها ألجأها إلى جذع النخلة ثم يحتمل أنها إنما ذهبت إلى النخلة طلباً لسهولة الولادة للتشبث بها. ويحتمل للتقوية والاستناد إليها، ويحتمل للتستر بها ممن يخشى منه القالة إذا رآها، ولذلك حكى الله عنها أنها تمنت الموت. المسألة السابعة: قال في «الكشاف» قرأ ابن كثير في رواية المخاض بالكسر يقال مخضت الحامل ومخاضاً وهو تمخض الولد في بطنها. المسألة الثامنة: قال في «الكشاف» كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة مشهور عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة فهم منه ذلك دون سائره وإما أن يكون تعريف الجنس أي إلى جذع هذه الشجرة خاصة كان الله أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطعت رأسها لم تثمر، فكأنه تعالى قال كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر. المسألة التاسعة: لم قالت: {يٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا } مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل إليها وخلق ولدها من نفخ جبريل عليه السلام ووعدها بأن يجعلها وابنها آية للعالمين، والجواب من وجهين: الأول: قال وهب: أنساها كربة الغربة وما سمعته من الناس (من) بشارة الملائكة بعيسى عليه السلام. الثاني: أن عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك. وروى عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة وتأكل من الثمر! وددت أني ثمرة ينقرها الطائر! وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض وقال: ليتني هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئاً! وقال علي يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وعن بلال: ليت بلال لم تلده أمه. فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. الثالث: لعلها قالت ذلك لكي لا تقع المعصية ممن يتكلم فيها، وإلا فهي راضية بما بشرت به. المسألة العاشرة: قال صاحب «الكشاف» النسي ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطمث ونحوها كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح كقوله: { أية : وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } تفسير : [الصافات: 107] تمنت لو كانت شيئاً تافهاً لا يؤبه به ومن حقه أن ينسى في العادة وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة نسياً بالفتح والباقون نسياً بالكسر قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر والجسر والجسر، وقرأ محمد بن كعب القرظي نسيئاً بالهمزة وهو الحليب المخلوط بالماء ينساه أهله لقلته وقرأ الأعمش منسياً بالكسر على الإتباع كالمغير والمنخر، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {فَحَمَلَتْهُ} بأن نفخ في درعها فدخلت النفخة في جوفها وكان مدة حملها سبعة أشهر، وقيل ستة، وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره، وقيل ساعة كما حملته نبذته وسنها ثلاث عشرة سنة، وقيل عشر سنين وقد حاضت حيضتين. {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ } فاعتزلت وهو في بطنها كقوله:شعر : تَدُوسُ بِنَا الجَمَاجِمَ وَالتَرِيبَا تفسير : والجار والمجرور في موضع الحال. {مَكَاناً قَصِيّاً} بعيداً من أهلها وراء الجبل وقيل أقصى الدار.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن مريم: أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف: أن الملك، وهو جبرائيل عليه السلام عند ذلك، نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت به، ضاقت ذرعاً، ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها، وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا عليه السلام كان قد سأل الله الولد، فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم، فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضاً أني حبلى، وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم، تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعاً، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلاً لتعظيم جلال الرب تعالى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قُرىء على الحارث ابن مسكين وأنا أسمع، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك رحمه الله: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام؛ لأن الله جعله يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة: ثمانية أشهر، قال: ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر. وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس، وسئل عن حمل مريم، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً} تفسير : [المؤمنون: 12 - 14] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في "الصحيحين" أن بين كل صفتين أربعين يوماً، وقال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} تفسير : [الحج: 63] فالمشهور الظاهر، والله على كل شيء قدير: أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن. ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها، وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول فقال: يا مريم إني سائلك عن أمر، فلا تعجلي علي، قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه. أما قولك: هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر، فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم، فصدقها، وسلم لها حالها، ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكاناً قصياً، أي: قاصياً منهم بعيداً عنهم؛ لئلا تراهم ولا يروها. قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به، وملأت قلتها ورجعت، استمسك عنها الدم، وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون، حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجاباً، فلا يراها أحد ولا تراه. وقوله: {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة في المكان الذي تنحت إليه، وقد اختلفوا فيه، فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس. وقال وهب بن منبه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر، ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها: بيت لحم، قلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي عن أنس رضي الله عنه، والبيهقي عن شداد بن أوس رضي الله عنه: أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا تشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث، إن صح. وقوله تعالى إخباراً عنها: {قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: {يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} أي: قبل هذا الحال، {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} أي: لم أخلق، ولم أك شيئاً، قاله ابن عباس. وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: ياليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل، {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} نسي، فترك طلبه؛ كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت، لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي. وقال قتادة: {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} أي: شيئاً لا يعرف ولا يذكر ولا يدري من أنا. وقال الربيع بن أنس: {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} هو السقط. وقال ابن زيد: لم أكن شيئاً قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: {أية : تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [يوسف: 101].
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ } تنحَّت {بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً } بعيداً من أهلها.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَأجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} فيه وجهان: أحدهما: معناه ألجأها، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : إذ شددنا شدة صادقة فأجأناكم إلى سفح الجبل تفسير : الثاني: معناه فجأها المخاض كقول زهير: شعر : وجارٍ سارَ معتمداً إلينا أجاءته المخافة والرجاء. تفسير : وفي قراءة ابن مسعود {فَأَوَاهَا} {قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها خافت من الناس أن يظنوا بها سوءاً قاله السدي. الثاني: لئلا يأثم الناس بالمعصية في قذفها. الثالث: لأنها لم تَرَ في قومها رشيداً ذا فراسة ينزهها من السوء، قاله جعفر بن محمد رحمهما الله. {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: لم أخلق ولم أكن شيئاً، قاله ابن عباس. الثاني: لا أعرف ولا يدرى من أنا، قاله قتادة. الثالث: النسي المنسي هو السقط، قاله الربيع، وأبو العالية. الرابع: هو الحيضة الملقاة، قاله عكرمة، بمعنى خرق الحيض. الخامس: معناه وكنت إذا ذكرت لم أطلب حكاه اليزيدي. والنسي عندهم في كلامهم ما أعقل من شيء حقير قال الراجز: شعر : كالنسي ملقى بالجهاد البسبس.
ابو السعود
تفسير : {فَحَمَلَتْهُ} بأن نفخ جبريلُ عليه الصلاة والسلام في دِرعها فدخلت النفخةُ في جوفها، قيل: إنه عليه الصلاة والسلام رفع دِرعَها فنفخ في جيبه فحمَلت، وقيل: نفخ عن بُعد فوصل الريحُ إليها فحملت في الحال، وقيل: إن النفخةَ كانت في فيها وكانت مدةُ حملها سبعةَ أشهر، وقيل: ثمانيةً، ولم يعِشْ مولود وُضع لثمانية أشهر غيرُه، وقيل: تسعةَ أشهرٍ، وقيل: ثلاثَ ساعات، وقيل: ساعة كما حملت وضعتْه وسنُّها حينئذ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، وقيل: عشرُ سنين وقد حاضت حيضتين {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ} أي فاعتزلت وهو في بطنها كما في قوله: [الوافر] شعر : تدوس بنا الجماجمَ والتّريبا تفسير : فالجارُّ والمجرور في حيز النصب على الحالية أي فانتبذت ملتبسةً به {مَكَاناً قَصِيّاً} بعيداً من أهلها وراء الجبل، وقيل: أقصى الدارِ وهو الأنسبُ لقِصرَ مدة الحمل. {فَأَجَاءهَا ٱلْمَخَاضُ} أي فألجأها وهو في الأصل منقول من جاء لكنه لم يستعمل في غيره كآتى في أعطي، وقرىء المِخاض بكسر الميم وكلاهما مصدرُ مخِضَت المرأةُ إذا تحرك الولدُ في بطنها للخروج {إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} لتستتر به وتعتمد عليه عند الوِلادة وهو ما بـين العِرْق والغصن، وكانت نخلةً يابسةً لا رأس لها ولا خُضرة وكان الوقت شتاءً، والتعريفُ إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثمةَ غيرُها وكانت كالمتعالم عند الناس، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليُريَها من آياتها ما يسكّن رَوْعتها ويطعمها الرُّطَبَ الذي هو خُرْسةُ النُّفَساءِ الموافقةُ لها {قَالَتْ يٰلَيْتَنِى مّتَّ} بكسر الميم من مات يمات كخِفت، وقرىء بضمها من مات يموت {قَبْلَ هَـٰذَا} أي هذا الوقتِ الذي لقِيتُ فيه ما لقِيت، وإنما قالته مع أنها كانت تعلم ما جرى بـينها وبـين جبريلَ عليه السلام من الوعد الكريم ـ استحياءً من الناس وخوفاً من لائمتهم، أو حِذاراً من وقوع الناس في المعصية بما تكلموا فيها، أو جرياً على سَنن الصالحين عند اشتدادِ الأمر عليهم ـ كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تِبْنةً من الأرض فقال: «يا ليتنى هذه التبنةُ ولم أكن شيئاً»، وعن بلال أنه قال: «ليت بلالاً لم تلده أمُّه» {وَكُنتُ نَسْياً} أي شيئاً تافهاً شأنُه أن يُنسى ولا يُعتدَّ به أصلاً، وقرىء بالكسر، قيل: هما لغتان في ذلك كالوتر، وقيل: هو بالكسر اسمٌ لما يُنسى كالنِّقْض اسمٌ لما يُنقض وبالفتح مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ مبالغةً، وقرىء بهما مهموزاً من نسأتُ اللبن إذا صببتُ عليه الماء فصار مستهلَكاً فيه، وقرىء نساً كعصاً {مَّنسِيّاً} لا يخطُر ببال أحد من الناس وهو نعتٌ للمبالغة، وقرىء بكسر الميم إتباعاً له بالسين.
القشيري
تفسير : لمَّا ظهر بها الحَمْلُ، وعَلِمَتْ أَنَّ الناسَ يستبعدون ذلك، ولم تَثِقْ بأحدٍ تُفْشِي إليه سِرَّها...مَضَتْ إلى مكانٍ بعيد عن الخَلْق.
اسماعيل حقي
تفسير : {فحملته} قال ابن عباس رضى الله عنهما فاطمأنت مريم الى قول جبريل فدنا منها فنفخ فى جيب درعها فوصلت النفخة الى بطنها فحملت عيسى عقيب النفخ. يقول الفقير وصول النفخ الى الجوف لا يحتاج الى منفذ من المنافد كالفهم ونحوه ألا ترى ان الروح حين دخل جسد آدم دخل من اليافوخ وهو سط الرأس اذا اشتد وقبل اشتداده كما فى رأس الطفل يقال له الفادية بالفاء ثم نزل الى العينين ثم الى الفم ثم الى سائر الاعضاء. واعلم ان لعيسى عليه السلام جهة جسمانية وجهة روحانية واحدية جمع للجهتين فاذا نظر الى جهة الجسمانية يظن انه تكون من ماء مريم واذا نظر الى جهة الروحانية وآثرها من احياء الموتى وخلق الطير من الطين يحكم انه من نفخ جبريل واذا نظر الى احدية جمعها يقال انه تكون منها فالتحقيق ان الملك لما تمثل لها بشرا سويا نزل الماء منها الى الرحم لشدة اللذة بالنظر اليه فتكون عيسى من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة منها فهو من ماء امه فقط خلافا للطبيعيين فانهم ينكرون وجود الولد من ماء احد الزوجين دون الآخر. فان قلت قد ثبت ان ماء الرجل يكون من العظم والعصب وماء المرأة يكون من اللحم والدم فكيف جاء عيسى مركبا من هذه الاجزاء. قلت خروجه على الصورة البشرية كامل الاجزاء انما هو من اجل امه لان ماءها محقق ومن اجل تمثل جبريل فى صورة البشر فانه انما مثل فى صورة البشر حتى لا يقع التكوين فى هذا النوع الانسانى الا على الحكم المعتاد الذى جرت به العادة غالبا وهو تولده من شخصين انسانين وقد توهمت فى النفخ الماء فحصل الماء المتوهم ايضا وجود بعض الاشياء قد يترتب على توهمه كترتب السقوط عن الجذع على توهمه ولاجل تكونه من نفخ جبريل طالبت اقامته فى صورة البشر لان للارواح صفة البقاء - روى - ان مولد عيسى عليه السلام كان قبل مولد نبينا عليه السلام بخمسمائة وخمس وخمسين سنة وقد بقى بعد وسينزل ويدعو الناس الى دين نبينا عليه السلام. قال بعض الكبار لو لم يتمثل جبريل عند النفخ بالصورة البشرية لظهر عيسى على صورة الروحانيين ولو نفخ فيها وقت الاستعاذة على الحالة التى كانت عليها من تحرجّ صدرها وضجرها لتخيلها انه بشر يريد مواقعتها على وجه لا يجوز فى الشرائع لخرج عيسى بحيث لا يطيقه احد لشكاسة خلقه اى ردائته لسراية حال امه فيه لان الولد انما يتكوّن بحسب ما غلب على الوالدين من المعانى النفسانية والصورة الجسمانية. نقل فى الاخبار ان امرأة ولدت ولدا صورته صورة البشر وجسمه جسم الحية فلما سئلت عنها اخبرت انها رأت حية عند المواقعة. وان امرأة ولدت ولدا له اعين اربع ورجلاء كرجل الدب وكانت قبطية جامعها زوجها وهى ناظرة الى دبين كانا عند زوجها فلما قال لها جبريل {أية : انما انا رسول ربك}تفسير : جئت من عنده {أية : لاهب لك غلاما زكيا}تفسير : ابنسطت عن ذلك القبض لما عرفت انه مرسل اليها من عند ربها وانشرح صدرها لما تذكرت بشارة ربها اياها بعيسى {أية : اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين}تفسير : فنفخ فيها فى حين الانبساط والانشراح فخرج عيسى منبسطا منشرح الصدر لسراية حال امه فيه. ولذا قالوا يتفكر عند الجماع الاقوياء ويمثل بين عينيه صورة رجل على احسن خلقة واقوم جثة وافضل خلق واكمل حال قالوا حملته وسنها وقتئذ ثلاث عشرة سنة وقد حاضت حيضتين قبل ان تحمل. واختلف فى مدة حملها كما اختلف فى مدة حمل آمنة والدة النبى عليه السلام. ففى رواية عن ابن عباس كانت مدة الحمل والولادة ساعة واحدة وجعله بعضهم اصح لان عيسى كان مبدعا ولم يكن من نطفة يدور فى ادوار الخلقة ويؤيده عطف قوله {فانتبذت به} بالفاء التعقيبية. يقول الفقير القول بان مثل هذه الفاء قد يدل على ترتيب الحكم وعدم تكونه من نطفة ظاهر الطبلان لانه من ماء محقق وماء متوهم كما سبق وكونه من المبدعات بلا سبب ظاهر لا يستلزم ان يكون جميع احواله بطريق خرق العادة. وفى رواية اخرى عنه كانت تسعة اشهر كحمل اكثر النساء اذ لو كان اقل لذكرههنا فى جملة مدائحا وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية الا عيسى وكان ذلك آية اخرى. قال الحكماء فى بيان سبب ذلك ان الولد عند استكماله سبعة اشهر يتحرك للخروج حركة عنيفة اقوى من حركته فى الشهر السادس فان خرج عاش وان لم يخرج استراح فى البطن عقيب تلك الحركة المضعفة فلا يتحرك فى الشهر الثامن ولذلك تقل حركته فى البطن فى ذلك الشهر فاذا تحرك للخروج وخرج فقد ضعف غاية الضعف فلا يعيش لاستيلاء حركتين مضعفتين له مع ضعفه. وفى كلام الشيخ محيى الدين بن العربى قدس سره لم ار للثمانية صورة فى نجوم المنازل ولهذا كان المولود اذا ولد فى الشهر الثامن يموت ولا يعيش وعلى فرض ان يعيش يكون معلولا لا ينتفع بنفسه وذلك لان الشهر الثامن يغلب فيه على الجنين البرد واليبس وهو طبع الموت{ فانتبذت به} الباء للملابسة والجار والمجرور فى حيز النصب على الحالية اى فاعتزلت ملتبسة به اى وهو فى بطنها كقوله تنبت بالدهن اى تنبت ودهنها فيها {مكان قصيا} مفعول انتبذت على تضمين معنى الاتيان كما سبق اى اتت مكانا بعيدا من اهلها. قال الكاشفى {مكانى دورزشهرايليا كويند بكوهى رفت درجانب شرقى ازشهر يابوادى بيت لحم كه شش ميل دور بود از ايليا] وعن انس رضى الله عنه انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث الاسراء"حديث : فقال لى جبريل انزل فصلى فصليت فقال أتدرى اين صليت صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم" تفسير : وهو حديث صحيح او حسن رواه النسأى والبيهقى فى دلائل النبوة او اقصى الدار وهو الانسب لقصر مدة الحمل كما فى الارشاد. وقال فى قصص الانبياء لما دنت ولادة مريم خرجت فى جوف الليل من منزل زكريا الى خارج بيت المقدس واحبت ان لا يعلم بها زكريا ولا غيره.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {رُطبًا}: تمييز، فيمن أثبت التاءين، أو حذف إحداهما، ومفعول به، فيمن قرأ بتاء واحدة مع كسر القاف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فحملَتْهُ} بأن نفخ جبريل في درعها، فدخلت النفخة في جوفها. قيل: إن جبريل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه، وقيل: نفخ عن بُعد، فوصل الريح إليها فحملت في الحال، وقيل: إن النفخة كانت في فيها، وكانت مدة حملها سبعة أشهر، وقيل: ثمانية. ولم يعش ولد من ثمانية. وفي ابن عطية: تظاهرت الروايات أنها ولدت لثمانية أشهر، ولذلك لا يعيش ابن ثمانية أشهر؛ حفظًا لخاصية عيسى، فتكون معجزة له. هـ. وقيل: تسعة أشهر. وقيل: ثلاث ساعات، حملته في ساعة، وصُور في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس. وقيل: ساعة، ما هو إلا أن حملت فوضعت، وسنها حينئذ ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشر سنين، وقد حاضت حيضتين. {فانتبذت به} أي: فاعتزلت ملتبسة به حين أحست بقرب وضعها، {مكانًا قَصيًّا}: بعيدًا من أهلها وراء الجبل، وقيل: أقصى الدار. {فأجاءها المخاضُ}؛ فألجأها المخاض. وقرئ بكسر الميم. وكلاهما مصدر، مَحَضتِ المرأة: إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، {إِلى جِذْعِ النخلةِ} لتستتر به، أو لتعتمد عليه عند الولادة، وهو ما بين العِرق والغصن. وكانت نخلة يابسة، لا رأس لها ولا قعدة، قد جيء بها لبناء بيت، وكان الوقت شتاء، والتعريف في النخلة إما للجنس أو للعهد، إذ لم يكن ثَمَّ غيرها، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليريها من آياتها ما يسكن روعتها، وليطعمها الرطب، الذي هو من طعام النفساء الموافق لها. {قالت} حين أخذها وجع الطلق: {يا ليتني متُّ} بكسر الميم، من مات يُمَاتُ، وبالضم، من مات يموت، {قبل هذا} الوقت الذي لقيتُ فيه ما لقيت، وإنما قالته، مع أنها كانت تعلم ما جرى لها مع جبريل عليه السلام من الوعد الكريم؛ استحياء من الناس، وخوفًا من لائمتهم، أو جريًا على سنن الصالحين عند اشتداد الأمر، كما رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تِبْنَةً من الأرض، فقال: ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئًا". وقال بلال: (ليت بلالاً لم تلده أمه). ثم قالت: {وكنتُ نسْيًا} أي: شيئًا تافهًا شأنه أن يُنسى ولا يُعتد به، {منسيًّا} لا يخطر ببال أحد من الناس. وقُرئ بفتح النون، وهما لغتان؛ نِسي ونَسْي، كالوَتْر والوِتْر. وقيل: بالكسر: اسم ما ينسى، وبالفتح: مصدر. {فناداها} أي: جبريل عليه السلام {مِنْ تحتِها}، قيل: إنه كان يقبل الولد من تحتها، أي: من مكان أسفل منها، وقيل: من تحت النخلة، وقيل: ناداها عيسى عليه السلام، ويرجحه قراءة من قرأ بفتح الميم، أي: فخاطبها الذي تحتها: {أن لا تحزني}،أو: بألا تحزني، على أنَّ "أنْ" مفسرة، أو مصدرية، حذف عنها الجار. {قد جعل ربك تحتكِ} أي: بمكان أسفل منك {سَرِيًا} أي: نهرًا صغيرًا، حسبما رُوي مرفوعًا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إن جبريل عليه السلام ضرب برجله الأرض، فظهرت عين ماء عذب، فجرى جدولاً). وقيل: فعله عيسى، أي: ضرب برجله فجرى، وقيل: كان هناك نهر يابس - أجرى الله تعالى فيه الماء -، كما فعل مثله بالنخلة، فإنها كانت يابسة لا رأس لها، فأخرج لها رأسًا وخُوصًا وتمرًا. وقيل: كان هناك نهرُ ماء. والأول أظهر؛ لأنه الموافق لبيان إظهار الخوارق، والمتبادر من النظم الكريم. وقيل: {سريًا} أي: سيدًا نبيلاً رفيعَ الشأن جليلاً، وهو عيسى عليه السلام، والتنوين حينئذ للتفخيم. والجملة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهي. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها؛ لتشريفها وتأكيد التعليل وتكميل التسلية. ثم قال: {وهُزّي إِليك} أي: حركي النخلة إليك، أي: جاذبة لها إلى جهتك. فهَزُّ الشيء: تحريكه إلى الجهات المتقابلة تحريكًا عنيفًا، والمراد هنا ما كان بطريق الجذب والدفع. والباء في قوله: {بجذع النخلة}: صلة للتأكيد، لقول العرب: هزَّ الشيء وهز به، أو للإلصاق. فإذا هززت النخلة {تَسَّاقَط} أي: تتساقط. وقُرئ: تساقِطَ، وتُسْقِط، أي: النخلة عليك إسقاطًا متواترًا بحسب تواتر الهز {رُطبًا جنيًا} أي: طريًّا، وهو ما قطع قبل يبسه. فعيل بمعنى مفعول، أي: مجنيًا صالحًا للاجتناء. {فكُلي} من ذلك الرطب {واشربي} من ذلك السري، {وقَرّي عينًا}؛ وطيبي نفسًا وارفضي عنك ما أحزنك وأهمك، فإنه تعالى قد نزه ساحتك عن التُهم، بما يفصح به لسان ولدك من التبرئة. أو: وقري عينًا بحفظ الله ورعايته في أمورك كلها. وقرة العين: برودتها، مأخوذ من القرّ، وهو البرد؛ لأن دمع الفرح بارد، ودمع الحزن سُخن، ولذلك يقال: قرة العين للمحبوب، وسُخنة العين للمكروه. {فإِما تَرَينَّ من البشر أحدًا} آدميًا كائنًا من كان {فقولي} له إن استنطقكِ أو لامك: {إِني نذرتُ للرحمن صومًا} أي: صمتًا، وقُرئ كذلك، وكان صيامهم السكوت، فكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام. وذكر ابن العربي في الأحوذي: أن نبينا - عليه الصلاة والسلام - اختص بإباحة الكلام لأمته في الصوم، وكان محرمًا على من قبلنا، عكس الصلاة. هـ. قالت: {فلن أُكلِّمَ اليوم إِنسيًّا} أي: بعد أن أخبرتكم بنذري، وإنما أكلم الملائكة أو أناجي ربي. وقيل: أُمرت بأن تُخبر عن نذرها بالإشارة. قال الفراء: العرب تُسمى كل ما وصل إلى الإنسان كلامًا، ما لم يُؤكّد بالمصدر، فإذا أُكد لم يكن إلا حقيقة الكلام. هـ. وإنما أُمرت بذلك ونذرته؛ لكراهة مجادلة السفهاء ومقاولتهم، وللاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام؛ فإنه نص قاطع في قطع الطعن. {فأتت به قومها} عندما طَهُرت من نفاسها، {تحملُه} أي: حاملة له. قال الكلبي: احتمل يوسف النجار - وكان ابن عمها - مريمَ وابنها عيسى، فأدخلهما غارًا أربعين يومًا، حتى تَعَلّتْ من نفاسها، ثم جاءت به تحمله بعد أربعين يومًا، وكلمها عيسى في الطريق، فقال: يا أمه، أبشري، فإني عبد الله ومسِيحُه. فلما رآها أهلُها، بَكَوا وحزنوا، وكانوا قومًا صالحين. {قالوا يا مريمُ لقد جئتِ} أي: فعلت {شيئًا فَرِيًّا}: عظيمًا بديعًا منكرًا، من فَرَى الجلد: قطعه. قال أبو عبيدة: (كل فائق من عَجَب أو عمل فهو فَرِيّ). قال النبي صلى الله عليه وسلم: في حق عمر رضي الله عنه: "حديث : فلم أرَ عَبْقَرِيًا من النَّاس يَفْرِي فَرِيَّة"تفسير : ، أي: يعمل عمله. {يا أخت هارون}، عنوا هارون أخا موسى؛ لأنها كانت من نسله، أي: كانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة، وكان بينها وبينه ألفُ سنة. أو يا أخت هارون في الصلاح والنسك، وكان رجلاً صالحًا في زمانهم اسمه هارون، فشبهوها به. ذُكِرَ لما مات تبع جنازته أربعون ألفًا، كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل. وقيل: إن هارون الذي شبهوها به كان أفسق بني إسرائيل، فشتموها بتشبيهها به. {ما كان أبوك} عمران {امْرأَ سَوْءٍ وما كانت أُمك بغيًا}، فمن أين لك هذا الولد من غير زوج؟. هذا تقرير لكون ما جاءت به فريًا منكرًا، أو تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش الفواحش. {فأشارتْ إِليه} أي: إلى عيسى أن كلموه، ولم تكلمهم وفاء بنذرها، وإشارتها إليه من باب الإدلال، رجوعًا لقوله لها: {وقرّي عينًا}، ولا تقر عينها إلا بالوفاء بما وعُدت به، من العناية بأمرها والكفاية لشأنها، وذلك يقتضي انفرادها بالله وغناها به، فتدل بالإشارة. وكان ذلك طوعَ يدها، وتذكّر قضية جريج. قاله في الحاشية. {قالوا} منكرين لجوابها: {كيف نُكلم من كان في المهد صبيًّا}، ولم يُعهد فيما سلف صبي يكلمه عاقل. و {كان} هنا: تامة. و {صبيًّا}: حال. وقيل: زائدة، أي: من هو في المهد. {قال} عيسى عليه السلام: {إِني عبد الله}، أنطقه الله تعالى بذلك تحقيقًا للحق، وردًا على من يزعم ربوبيته. قيل كان المستنطق لعيسى زكريا - عليهما السلام - وعن السدي: (لما أشارت إليه، غضبوا، وقالوا: لَسُخْرِيَتُها بنا أشدُّ علينا مما فعلت). رُوي أنه عليه السلام كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع واقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار بسبابته، فقال ما قال. وقيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغًا يتكلم فيه الصبيان. ثم قال في كلامه: {آتاني الكتابَ}: الإنجيل: {وجعلني} مع ذلك {نبيًّا وجعلني مباركًا}: نفَّاعًا للناس، معلمًا للخير {أينما كنتُ} أي: حيثما كنت، {وأوصاني بالصلاة}: أمرني بها أمرًا مؤكدًا، {والزكاة}؛ زكاة الأموال، أو بتطهير النفس من الرذائل {ما دمت حيًا} في الدنيا. {و} جعلني {برًّا بوالدتي} فهو عطف على {مباركًا}. وقرئ بالكسر، على أنه مصدرٌ وُصف به مبالغةً، وعبّر بالفعل الماضي في الأفعال الثلاثة؛ إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم، أو بجعل ما سَيَقَع واقعًا لتحققه. ثم قال: {ولم يجعلني جبارًا شقيًّا} عند الله تعالى، بل متواضعًا لينًا، سعيدًا مقربًا، فكان يقول: سلوني، فإن قلبي لين، وإني في نفسي صغير، لما أعطاه الله من التواضع. ثم قال: {والسلام عليَّ يوم ولدتُ ويوم أموتُ ويوم أُبعث حيًّا}، كما تقدم على يحيى. وفيه تعريض بمن خالفه، فإن إثبات جنس السلام لنفسه تعريض بإثبات ضده لأضداده، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [طه: 47]؛ فإنه تعريض بأن العذاب على من كذّب وتولى. فهذا آخر كلام عيسى عليه السلام، وهو أحد من تكلم في المهد، وقد تقدم ذكرهم في سورة يوسف نظمًا ونثرًا. وكلهم معروفون، غير أن ماشطة ابنة فرعون لم تشتهر حكايتها. وسأذكرها كما ذكرها الثعلبي. قال: قال ابن عباس: (لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم مرت به ريح طيبة فقال: يا جبريل ما هذه الرائحة؟ قال: رائحة ماشطةِ بنتِ فرعون، كانت تمشطها، فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته: أبى؟ فقالت: لا، بل ربي وربك ورب أبيك. فقالت: أُخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم، فأخبرته فدعاها، وقال: من ربك؟ قالت: ربي وربك في السماء، فأمر فرعون ببقرة - أي: آنية عظيمة من نحاس - فَأُحْمِيَتْ، ودعاها بولدها، فقالت: إن لي إليك لحاجةً، قال: وما حاجتك؟ قالت: تجمع عظامي وعظامَ ولدي فتدفنها جميعًا، قال: وذلك لك علينا من الحقّ، سأفعل ذلك لك، فأمر بأولادها واحدًا واحدًا، حتى إذا كان آخر ولدها، وكان صبيًا مرضَعًا، قال: اصبري يا أمه... فألقاها في البقرة مع ولدها. هـ. الإشارة: يؤخذ من الآية أمور صوفية، منها: أن الإنسان يُباح له أن يستتر في الأمور التي تهتك عرضه، ويهرب إلى مكان يُصان فيه عرضه، إلا أن يكون في مقام الرياضة والمجاهدة، فإنه يتعاطى ما تموت به نفسه، ومنها: أنه لا بأس أن يلجأ الإنسان إلى ما يخفف آلامه ويسهل شدته، ولا ينافي توكله. ومنها: أن لا بأس أن يتمنى الموت إذا خاف ذهاب دينه أو عرضه، أو فتنة تحول بينه وبين قلبه. ويُؤخذ أيضًا من الآية: أن فزع القلب عند الصدمة الأولى لا ينافي الصبر والرضا؛ لأنه من طبع البشر، وإنما ينافيه تماديه على الجزع. ومنها: أن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل، لقوله تعالى: {وهُزي إليك}. لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين، غير معتمد عليها بقلبه، فإن كان متجردًا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه، ويتمكن في معرفة الحق تعالى. وقد كانت في بدايتها تأتي إليها الأرزاق بغير سبب كما في سورة آل عمران، وفي نهايتها قال لها: {وهُزي إليك}. قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كانت في بدايتها متعرفًا إليها بخرق العادات وسقوط الأسباب، فلما تكمل يقينها رجعت إلى الأسباب، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى، وأما من قال: إن حبها أولاً كان لله وحده، فلما ولدت انقسم حبها، فهو تأويل لا يرضى ولا ينبغي أن يلتفت إليه، لأنها صدّيقة، والصدّيق والصدّيقة لا ينتقلان من حالة إلا إلى أكمل منها. ومنها: أن الإنسان لا بأس أن يوجب على نفسه عبادة، إذا كان يتحصن بها من الناس، أو من نفسه، كالصوم أو الصمت أو غيرهما، مما يحجزه عن العوام، أو عن الانتصار للنفس. وقوله تعالى: {والسلام عليّ يوم وُلدتُ...} الآية: قال الورتجبي: سلام يحيى سلام تخصيص الربوبية على العبودية. ثم قال: وسلام عيسى من عين الجمع، سلام فيه مزية ظهور الربوبية في معدن العبودية. وأرفع المقامين سلام الحق على سيد المرسلين كفاحًا في وصاله وكشف جماله، ولو سَلّم عليه بلسانه كان بلسان الحدث، ولا يبلغ رتبة سلامه بوصف قِدَمه. هـ. ثمَّ شرع في الردِّ على النصارى وعلى من أشرك من غيرهُ
الجنابذي
تفسير : {فَحَمَلَتْهُ} بان نفخت فى جيب مدرعتها، واختلف فى مدّة حملها فما فى الاخبار الصّحيحة انّ مدّة حملها كانت تسع ساعاتٍ بحذاء تسعة اشهرٍ، وفى بعضها: انّها كانت ساعةً، وقيل: انّها كانت ثمانية اشهر او سبعة او ستّة اشهر. وعن الباقر (ع) انّه تناول جيب مدرعتها فنفخ فيه نفخة فكمل الولد فى الرّحم من ساعته كما يكمل فى ارحام النّساء تسعة اشهر فخرجت من المسحّم وهى حامل مجّح مثقل فنظرت اليها خالتها فأنكرتها ومضت مريم (ع) على وجهها مستحيية من خالتها ومن زكريّا (ع) {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ} فانعزلت مع الحمل {مَكَاناً قَصِيّاً} بعيداً، عن السّجّاد (ع) خرجت من دمشق حتّى اتت كربلاء فوضعت فى موضع قبر الحسين (ع) ثمّ رجعت فى ليلتها، اقول: موضع مريم (ع) معروف فى سمت الرّأس من مشهده (ع).
الأعقم
تفسير : {فحملته} أي حملت بعيسى، قيل: أن جبريل نفخ في جيب ردعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته، وقيل: في فيها فوصلت النفخة إلى بطنها {فانتبذت} أي انفردت {به مكاناً قصياً} بعيداً من قومها، قيل: لما أحست بالولادة انفردت عن الناس من أهلها وكتمت أمرها خوفاً أن يذموها، وقيل: أخبرت أخاها هارون وكان زاهداً، واختلفوا في مدة حملها قيل: ستة أشهر، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: حملته في ساعة، وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة، حين زالت الشمس من يومها، وعن ابن عباس كان مدة هذا الحمل ساعة واحدة كما حملته مدّته، وقيل: حمتله وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل: بنت عشر، وقيل: أنها حاضت حيضتين {فأجاءها المخاض} أي ألجأها الطلق، وقيل: الحمل {إلى جذع النخلة}، قيل: كان جذع نخلة يابسة في الصحراء، وقيل: كانت نخلة معروفة، وقيل: أنبت الله جذعاً فتعلقت به عند وجع الولادة، فلما ولدت مريم (عليها السلام) {قالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً} متروكاً، إنما تمنّت ذلك خوف الفضيحة، وطعن الناس {فناداها من تحتها}، قيل: جبريل (عليه السلام)، قيل: كان يقبل الولد، وقيل: هو عيسى وهي قراءة عاصم وأبي عمرو، وقيل: تحتها أسفل من مكانها كقوله: {أية : تجري من تحتها الأنهار}تفسير : [البقرة: 25]، وقيل: كان أسفل منها تحت الأكمة وصاح بها {ألاَّ تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً}، قيل: نهراً تشربين منه وتطهرين من النفاس، وقيل: السري عيسى، قال الحسن: كان والله عبداً سريَّاً أي رفيقاً شريفاً {وهزِّي إليك بجذع النخلة} نفسها، وقيل: الجذع الغصن {تساقط}، قال: الزمخشري فيه تسع قراءات {رطباً جنياً} {فكلي واشربي وقرِّي عيناً} وطيّبي نفساً ولا تغتمّي وارفضي عنكِ ما أحزنك، وقيل: قرّي عيناً أبشري بهذا الولد الصالح {فإمَّا ترينَّ من البشر أحداً} يعني من سألك عن حالك {فقولي إني نذرت للرحمن صوماً} عن الطعام والشراب والكلام، لأنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، ومتى قيل: ما وجه أمرها بالصمت؟ قالوا: ليكفيها الكلام ولدها يما يبرّئها {فلن أكلِّم اليوم إنسياً}، قيل: كانت تكلِّم الملائكة ولا تكلِّم الإِنس {فأتت به قومها}، قيل: جاءت بالولد الى غار فمكث أربعين ليلة حتى طهرت من النفاس، ثم أتت قومها، وقيل: نهضت من جذع {فأتت به قومها} وهم أهل بيت صالحون فتباكوا و{قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريَّاً} أمراً عظيماً ونسبوها إلى الفجور، وقيل: همّوا برجمها حتى تكلم عيسى {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ} وما كان هارون، قيل: رجل صالح من بني إسرائيل، وقيل: كان لها أخ صالح يسمى هارون، وقيل: هارون أخو موسى نسب إليه، أو صالح في زمانها شبهوها به، ذكر أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً باسمه، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إنما عنوا هارون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت من أعقابه في طبقة الأخوة وبينها وبينه ألف سنة وأكثر" تفسير : وقيل: هارون كان رجلاً فاسقاً، قوله تعالى: {فأشارت إليه} أي هو الذي يجيبكم، وعن السدي ولما أشارت غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زناها، وروي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته {وقال إني عبد الله آتاني الكتاب} هو الإِنجيل، {وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت} وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : نفاعاً حيث ما كنت"تفسير : ، قيل: معلماً للخير، قيل: كلّمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان، وقيل: إنه استمر على الكلام والله أعلم {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيَّاً} يعني اقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقيل: الزكاة التطهير {وبَرّاً بوالدتي} أي باراً بها {ولم يجعلني جبَّاراً شقيَّاً} أي تواضعت حتى لم أكن من الجبابرة {والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أُبعث حيَّاً}، قيل: سلام الله عليه في هذه الأحوال، وقيل: السلامة في هذه الأحوال {ذلك} ما تقدم من الصف قصة {عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} يشكون يعني اليهود والنصارى، وتزعم اليهود أنه ساحر كذَّاب، وتزعم النصارى أنه ابن الله، وقيل: هو شك النصارى واختلافهم فبعضهم قال: هو الله، وبعضهم قال: هو ابن الله وروحه ثم أكذبهم الله تعالى فقال: {ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}، قيل: إنه مثل أنه يفعل الأشياء من غير امتناع.
اطفيش
تفسير : {فَحَمَلَتْهُ} فى وقت النفخ {فَانْتَبَذَتْ} اعتزلت خوفا من الناس وحياء من أن يعيَِّرها أهلها وغيرهم بولادتها ولم تتزوج. {بِهِ} وهو فى بطنها والباء للمصاحبة متعلقة بمحذوف حال من ضمير انتبذت {مَكاناً قَصِيّاً} بعيدا من الناس وأهلها وهو وراء الجبل. وعن ابن عباس: أقصى الوادى وهو وادى بيت لحم. وقيل: أقصى الدار. ومدة بقائه فى بطنها ستة أشهر. وقال الحسن والضحاك وعطاء وأبو العالية: سبعة أشهر. وقيل: ثمانية. ولم يعش لثمانية غيره. وقيل: تسعة كسائر الناس. وقيل: حملته فى ساعة، وصور فى ساعة. ووضع فى ساعة حين زالت الشمس من يومها. وقيل: ذلك كله فى ساعة. وهو قول ابن عباس. وما من مولود إلا يستهل غيره. وحاضت حيضتين قبل حمله وحملته وهى بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل: بنت عشر. وقيل: ست عشرة. قيل: كان ابن عم لها اسمه يوسف لما قيل: حملت بالزنا خاف عليها قتل الملك فهرب بها. فلما كان ببعض الطريق حدثته نفسه أن يقتلها فأتاه جبريل فقال: إنه من روح القدس فلا تقتلها فتركها. وعن وهب أن يوسف هذا أول من علم ببطنها وكان هو وهى يخدمان المسجد ولا يعلم فى زمانهما أشد عبادة منهما. وتحيَّر كلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها وعفتها وأنها لم تغب عنه. فقال لها: وقع فى نفسى من أمرك شئ وقد حرصت على كتمانه فغلبنى أن أتكلم به فقالت: قل قولا جميلا. فقال: أخبرينى يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر؟ وهل ينبت شجر من غير غيث؟ وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر؟ ألم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث. أو تقول: إن الله لم يقدر أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء. ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها. قال يوسف: لا أقول هذا ولكن أقول: إن الله يقدر على كل شئ يقول له: كن فيكون. قالت له مريم: ألم تعلم أن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته منه. فزال ما فى نفسه من التهمة وكان ينوب عنها فى خدمة المسجد لضعفها بالحمل. فلما دنت ولادتها أوحى الله إليها: انتبذى مكانا قصيًّا.
الالوسي
تفسير : {فَحَمَلَتْهُ } الفاء فصيحة أي فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيبها فدخلت النفخة في جوفها فحملته وروي هذا عن ابن عباس. وقيل: لم يدن عليه السلام بل نفخ عن بعد فوصل الريح إليها فحملت. وقيل: إن النفخة كانت في كمها وروي ذلك عن ابن جريج. وقيل كانت في ذيلها. وقيل كانت في فمها. واختلفوا في سنها إذ ذاك فقيل ثلاث عشرة سنة، وعن وهب ومجاهد خمس عشرة سنة، وقيل: أربع عشرة سنة، وقيل: اثنتا عشرة سنة، وقيل: عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل، وحكى محمد بن الهيصم رئيس الهيصمية من الكرامية أنها لم تكن حاضت بعد، وقيل: إنها عليها السلام لم تكن تحيض أصلاً بل كانت مطهرة من الحيض. وكذا اختلفوا في مدة حملها ففي رواية عن ابن عباس أنها تسعة أشهر كما في سائر النساء وهو المروي عن الباقر رضي الله تعالى عنه لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب ذكرها في أثناء هذه القصة الغريبة. وفي رواية أخرى عنه أنها كانت ساعة واحدة كما حملته نبذته. واستدل لذلك بالتعقيب الآتي وبأنه سبحانه قال في وصفه: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 59] فإنه ظاهر في أنه عز وجل قال له كن فيكون فلا يتصور فيه مدة الحمل. وعن عطاء وأبـي العالية والضحاك أنها / كانت سبعة أشهر، وقيل: كانت ستة أشهر، وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، والمشهور أنها كانت ثمانية أشهر، قيل: ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره عليه السلام. ونقل النيسابوري عن أهل التنجيم أن ذلك لأن الحمل يعود إلى تربية القمر فتستولى عليه البرودة والرطوبة وهو ظاهر في أن مربي الحمل في أول شهور الحمل القمر وفي الثامن يعود الأمر إليه عند المنجمين وهو مخالف لما في «كفاية التعليم» عنهم من أن أول الشهور منسوب إلى زحل والثاني إلى المشتري وهكذا إلى السابع وهو منسوب إلى القمر ثم ترجع النسبة إلى زحل ثم إلى المشتري. وفيها أيضاً أن جهال المنجمين يقولون إن النطفة في الشهر الأول تقبل البرودة من زحل فتجمد، وفي الثاني تقبل القوة النامية من المشتري فتأخذ في النمو، وفي الثالث تقبل القوة الغضبية من المريخ وفي الرابع قوة الحياة من الشمس وفي الخامس قوة الشهوة من الزهرة وفي السادس قوة النطق من عطارد وفي السابع قوة الحركة من القمر فتتم خلقة الجنين فإن ولد في ذلك الوقت عاش وإلا فإن ولد في الثامن لم يعش لقبوله قوة الموت من زحل وإن ولد في التاسع عاش لأنه قبل قوة المشتري. ومثل تلك الكلمات خرافات وكل امرأة تعرف أن النطفة إذا مضت عليها ثلاثة أشهر تتحرك. وقد ذكر حكماء الطبيعة أن أقل مدة الولادة ستة أشهر ومدة الحركة ثلث مدة الولادة فيكون أقلها شهرين ومن امتحن الإسقاط يعلم أن الخلقة تتم في أقل من خمسين يوماً انتهى. وكلام المتشرعين لا يخفى عليك في هذا الباب. وقد يعيش المولود لثمان إلا أنه قليل فليس ذلك من خواصه عليه السلام إن صح. ولم يصح عندي شيء من هذه الأقوال المضطربة المتناقضة بيد أني أميل إلى أولها والاستدلال للثاني مما سمعت لا يخلو عن نظر. {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ } أي فاعتزلت وهو في بطنها فالباء للملابسة والمصاحبة مثلها في قوله تعالى:{أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } تفسير : [المؤمنون: 20] وقول المتنبـي يصف الخيول:شعر : فمرت غير نافرة عليهم تدوس بنا الجماجم والرؤسا تفسير : والجار والمجرور ظرف مستقر وقع حالاً من ضميرها المستتر أي فانتبذت ملتبسة به {مَكَاناً قَصِيّاً } بعيداً من أهلها وراء الجبل، وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن نوف أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وخرج قومها في طلبها فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد فكان ما أخبر الله تعالى به. وروى الثعلبـي في «العرائس» عن وهب قال: إن مريم لما حملت كان معها ابن عم لها يسمى يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون وكانا معاً يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم أن أحداً من أهل زمانهما أشد اجتهاداً وعبادة منهما وأول من علم أمرها يوسف فتحير في ذلك لعلمه بكمال صلاحها وعفتها وأنه لم تغب عنه ساعة فقال لها: قد وقع في نفسي شيء من أمرك لم أستطع كتمانه وقد رأيت الكلام فيه أشفى لصدري فقالت قل قولاً جميلاً فقال: يا مريم أخبريني هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر: فقالت؟ نعم ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما على حدة أتقول: إن الله سبحانه لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى يستعين بالماء: قال؟ لا أقول هذا ولكني أقول إن الله تعالى يقدر على / ما يشاء بقول كن فيكون فقالت: ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ فعند ذلك زال ما يجده وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب فلما دنا نفاسها أوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فكان ما قص سبحانه، وقيل: انتبذت أقصى الدار وهو الأنسب بقصر مدة الحمل.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للتفريع والتعقيب، أي فحملت بالغلام في فور تلك المراجعة. والحمل: العلوق، يقال: حملت المرأة ولداً، وهو الأصل، قال تعالى: {أية : حملته أمه كرهاً}تفسير : [الأحقاف:15]. ويقال: حملت به. وكأن الباء لتأكيد اللصوق، مثلها في {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة:6]. قال أبو كبير الهذلي:شعر : حملت به في ليلة قرءودة كرهاً وعقد نطاقها لم يُحلَل تفسير : والانتباذ تقدم قريباً، وكذلك انتصاب {مكاناً} تقدم. و {قَصِيّاً} بعيداً، أي بعيداً عن مكان أهلها. قيل: خرجت إلى البلاد المصرية فارّة من قومها أن يعزّروها وأعانها خطيبها يوسف النجّار وأنها ولدت عيسى - عليه السلام - في الأرض المصرية. ولا يصح. وفي إنجيل لوقا: أنها ولدته في قرية بيت لحم من البلاد اليهودية حين صعدت إليها مع خطيبها يوسف النجار إذ كان مطلوباً للحضور بقرية أهله لأن ملك البِلاد يجري إحصاء سكان البلاد، وهو ظاهر قوله تعالى: {أية : فأتت به قومَها تحمله}تفسير : [مريم: 27]. والفاء في قوله: {فَأَجَاءَها المَخَاضُ} للتعقيب العُرفي، أي جاءها المخاض بعد تمام مدة الحمل، قيل بعد ثمانية أشهر من حملها. و {أجَاءها} معناه ألْجأها، وأصله جاء، عدي بالهمزة فقيل: أجاءه، أي جعله جائياً. ثم أطلق مجازاً على إلجاء شيء شيئاً إلى شيء، كأنه يجيء به إلى ذلك الشيء، ويضطره إلى المجيء إليه. قال الفراء: أصله من جئتُ وقد جعلته العرب إلْجاء. وفي المثل «شرّ ما يُجيئك إلى مُخّة عرْقُوب». وقال زهير:شعر : وجارٍ سارَ معتمداً إلينا أجَاءته المخافةُ والرجاء تفسير : والمَخاص - بفتح الميم -: طَلق الحامل، وهو تحرك الجنين للخروج. والجذع ــــ بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة ــــ: العود الأصلي للنخلة الذي يتفرع منه الجريد. وهو ما بين العروق والأغصان، أي إلى أصل نخلة استندت إليه. وجملة {قَالَتْ} استئناف بياني، لأن السامع يتشوف إلى معرفة حالها عند إبان وضع حملها بعدما كان أمرها مستتراً غير مكشوف بين الناس وقد آن أن ينكشف، فيجاب السامع بأنها تمنت الموت قبل ذلك؛ فهي في حالة من الحزن ترى أن الموت أهون عليها من الوقوع فيها. وهذا دليل على مقام صبرها وصدقها في تلقي البلوى التي ابتلاها الله تعالى فلذلك كانت في مقام الصديقية. والمشار إليه في قولها {قبل هذا} هو الحمل. أرادتْ أن لا يُتطرق عِرضها بطعن ولا تجرّ على أهلها معرة. ولم تتمن أن تكون ماتت بعد بدوّ الحمل لأن الموت حينئذ لا يدفع الطعن في عرضها بعد موتها ولا المعرة على أهلها إذ يشاهد أهلها بطنها بحملها وهي ميتة فتطرقها القالة. وقرأ الجمهور {مِتّ} - بكسر الميم - للوجه الذي تقدم في قوله تعالى: {أية : ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم} تفسير : في سورة آل عمران (157). وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر بضم الميم على الأصل. وهما لغتان في فعل مات إذا اتّصل به ضمير رفع متصل. والنِسْيُ - بكسر النون وسكون السين - في قراءة الجمهور: الشيء الحقير الذي شأنه أن يُنسى، ووزن فِعْل يأتي بمعنى اسم المفعول بقيْد تهيئته لتعلّق الفعل به دون تعلق حصل. وذلك مثل الذبح في قوله تعالى: {أية : وفديناه بذبح عظيم}تفسير : [الصافات:107]، أي كبش عظيم معدّ لأن يذبح، فلا يقال للكبش ذبح إلا إذا أعد للذبح، ولا يقال للمذبوح ذبح بل ذَبيح. والعرب تسمي الأشياء التي يغلب إهمالها أنْسَاءً، ويقولون عند الارتحال: انظروا أنساءكم، أي الأشياء التي شأنكم أن تَنْسَوها. ووصف النسي بمنسي مبالغة في نسيان ذكرها، أي ليتني كنت شيئاً غير متذكّر وقد نسيه أهله وتركوه فلا يلتفتون إلى ما يحل به، فهي تمنت الموت وانقطاع ذكرها بين أهلها من قبل ذلك. وقرأه حمزة، وحفص، وخلف {نَسْياً} بفتح النون وهو لغة في النِّسي، كالوتر والوتر، والجسر والجسر.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مريم حملت عيسى. فقوله {حملته} أي عيسى {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ}: أي تنحت به وبعدت معتزلة عن قومها {مَكَاناً قَصِيّاً} أي في مكان بعيد: والجمهور على أن المكان المذكور بيت لحم. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله: {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ} أي ألجأها الطلق إلى جذع النخلة، أي جذع نخلة في ذلك المكان. والعرب تقول: جاء فلان، وأجاءه غيره: إذا حمله على المجيء، ومنه قول زهير: شعر : وجار سار معتمداً إلينا أجاءته المخافة والرجاء تفسير : وقول حسان رضي الله عنه: شعر : إذ شددنا شدة صادقة فأجأناكم إلى سفح الجبل تفسير : والمخاض: الطلق، وهو وجع الولادة، وسمي مخاضاً من المخض، وهو الحركة الشديدة لشدة تحرك الجنين في بطنها إذا أراد الخروج. وقوله: {قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} تمنت أن تكون قد ماتت قبل ذلك ولم تكن شيئاً يذكر. فإذا عرفت معنى هاتين الآيتين - فاعلم أنه هنا لم يبين كيفية حملها به، ولم يبين هل هذا الذي تنحت عنهم من أجله، وتمنت من أجله أن تكون ماتت قبل ذلك، وكانت نسياً منسياً: وهو خوفها من أن يتهموها بالزنى، وأنها جاءت بذلك الغلام من زنى وقعت فيه أو سلمت منه. ولكنه تعالى بين كل ذلك في غير هذا الموضع، فأشار إلى أن كيفية حملها أنه نفخ فيها فوصل النفخ إلى فرجها فوقع الحمل بسبب ذلك، كما قال {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا}تفسير : [التحريم: 12] وقال {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا}تفسير : [الأنبياء: 91] الآية. والذي عليه الجمهور من العلماء: أن المراد بذلك النفخ نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً}تفسير : [مريم:19] كما تقدم. ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله {فنفخنا} لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ. فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ ومن أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى، ولا يمكن أن يقع النفخ المذكور ولا وجود الحمل إلا منه إلا بمشيئة جل وعلا - أسنده إلى نفسه - والله تعالى أعلم. وقول من قال: إن فرجها الذي نفخ فيه الملك هو جيب درعها ظاهر السقوط، بل النفخ الواقع في جيب الدرع وصل إلى الفرج المعروف فوقع الحمل. وقد بين تعالى في مواضع أخر، أن ذلك الذي خافت منه وهو قذفهم لها بالفاحشة - قد وقعت فيه، ولكن الله برأها، وذلك كقوله عنهم: {أية : قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً}تفسير : [مريم: 27] يعنون الفاحشة، وقوله عنهم، {أية : يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}تفسير : [مريم: 28] يعنون فكيف فجرت أنت وجئت بهذا الولد؟ وكقوله تعالى {أية : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 156]. وقوله: {مكاناً قصياً} القصي، البعيد، ومنه قول الراجز: شعر : لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي أو تحلفي بربك العلي أني أبو ذيالك الصبي تفسير : وهذا المكان القصي قد وصفه الله تعالى في غير هذا الموضع بقوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 50]. وقوله في هذه الآية الكريمة: {فانتبذت به} أي انتبذت وهو في بطنها. والإشارة في قوله هذا إلى الحمل والمخاض الذي أصابها للوضع. وقوله في هذه الآية الكريمة عنها: {وكنت نسياً منسياً} النسي والنِّسي - بالكسر وبالفتح -: هو ما من حقه أن يطرح وينسى لحقارته، كخرق الحيض، وكالوتد والعصا، ونحو ذلك. ومن كلام العرب إذا ارتحلوا عن الدار قولهم: انظروا أنساءكم جمع نسي؟ أي الأشياء الحقيرة التي من شأنها أن تترك وتنسى كالعصا والوتد. ونحو ذلك. فقولها "وكنت نسياً" أي شيئاً تافهاً حقيراً من حقه أن يترك وينسى عادة. وقولها "منسياً" تعني أن ذلك الشيء التافه الذي من عادته أن يترك وينسى قد نسي وطرح بالفعل فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وأقوال المفسرين في الآية راجعة إلى ما ذكرنا، ومن إطلاق النسي على ما ذكرنا قول الكميت: شعر : أتجعلنا جسراً لكلب قضاعة ولست بنسي في معد ولا دخل تفسير : فقوله "بنسي" أي شيء تافه منسي. وقول الشنفرى: شعر : كان لها في الأرض نسياً تقصه على أمها وإن تحدثك تبلت تفسير : فقوله "نسياً" أي شيء تركته ونسيته. وقوله "تبلت" بفتح التاء وسكون الباء الموحدة وفتح اللام بعدها تاء التأنيث - أي تقطع كلامها من الحياء. والبلت في اللغة: القطع. وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي "يا ليتني مت" بكسر الميم. وقرأ الباقون "مت" بضم الميم". وقرأ حفص عن عاصم وحمزة،:وكنت نسياً" بفتح النون. والباقون بكسرها، وهما لغتان فصيحتان، وقراءتان صحيحتان. تنبيه قراءة "مت" بكسر الميم كثيراً ما يخفى على طلبة العلم وجهها. لأن لغة مات يموت" لا يصح منه "مِت" بكسر الميم. ووجه القراءة بكسر الميم أنه من مات يمات، كخاف يخاف. لا من مات يموت. كقال يقول: فلفظ "مات" فيها لغتان عربيتان فصيحتان، الأولى منهما موت بفتح الواو فأبدلت الواو ألفاً على القاعدة التصريفية المشار لها بقوله في الخلاصة: شعر : من ياء أو واو بتحريك أصل ألفا إبدل بعد فتح متصل تفسير : إن حرك الثاني.. الخ ومضارع هذه المفتوحة "يموت" بالضم على القياس وفي هذه ونحوها إن أسند الفعل إلى تاء الفاعل أونونه سقطت العين بالاعتلال وحركت الفاء بحركة تناسب العين، والحركة المناسبة للواو هي الضمة، فتقول "مت" بضم الميم، ولا يجوز غير ذلك. الثانية أنها "موت" بكسر الواو، أبدلت الواو ألفاً للقاعدة المذكرة آنفاً. ومضارع هذه "يمات" بالفتح، لأن فعل بكسر العين ينقاس في مضارعها بفعل بفتح العين، كما قال ابن مالك في اللامية: شعر : وافتح موضع الكسر في المبنى من فعلا تفسير : ويستثنى من هذه القاعدة كلمات معروفة سماعية تحفظ ولا يقاس عليها. والمقرر في فن الصرف: أن كل فعل ثلاثي أجوف أعني معتل العين إذا كان على وزن فعل بكسر العين، أو فعل بضمها فإنه إذا أسند إلى تاء الفاعل أو نونه تسقط عينه بالاعتلال وتنقل حركة عينه الساقطة بالاعتلال إلى الفاء فتكسر فاؤه إن كان من فعل بكسر العين، وتضم إن كان من فعل بضمها. مثال الأول - "مت" من مات يمات، لأن أصلها "موت" بالكسر وكذلك خاف يخاف، ونام ينام، فإنك تقول فيها "مت" بكسر الميم، و"نمت" بكسر للنون، "وخفت" بكسر الخاء. لأن حركة العين نقلت إلى الفاء وهي الكسرة. ومثاله في الضم "طال" فأصلها "طول" بضم الواو فتقول فيها "طلت" بالضم لنقل حركة العين إلى الفاء. أما إذا كان الثلاثي من فعل بفتح العين كمات يموت، وقال يقول: فإن العين تسقط بالاعتدال وتحرك الفاء بحركة مناسبة للعين الساقطة فيضم الفاء إن كانت العين الساقطة واواً كمات يموت، وقال يقول: فتقول مت وقلت. - بالضم - وتكسر الفاء إن كانت العين الساقطة ياء، كباع وسار، فتقول: بعت وسرت بالكسر فيهما. وإلى هذا أشار ابن مالك في اللامية بقوله شعر : وانقل لفاء الثلاثي شكل عين إذا اعتلت وكان بنا الإضمار متصلاً أو نونه وإذا فتحا يكون منه اعتض مجانس تلك العين منتفلا تفسير : واعلم أن مات يمات، من فعل بالكسر يفعل بالفتح لغة فصيحة، ومنها قول الراجز: شعر : بنيتي سيدة البنات عيشي ولا نأمن أن تما تفسير : وأما مات يميت فهي لغة ضعيفة. وقد أشار إلى اللغات الثلاث الفصيحتين والردية بعض أدباء قطر شنقيط في بيت رجز هو قوله: شعر : من منعت زوجته منه المبيت مات يموت ويمات ويميت تفسير : وأقوال العلماء في قدر المدة التي حملت فيها مريم بعيسى قبل الوضع لم نذكرها، لعدم دليل على شيء منها. وأظهرها: أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان منشؤه خارقاً للعادة، والله تعالى أعلم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 22- وتحققت إرادة الله، وحملت مريم بعيسى على الوجه الذى أراده الله، وذهبت بحملها إلى المكان البعيد عن الناس. 23- فألجأها ألم الولادة إلى أن تركن إلى جذع نخلة لتستند إليه وتستتر به، وتخيَّلت ما سيكون من إنكار أهلها هذا الأمر، وتمنت لو أدركها الموت، وكانت شيئاً منسيا لا يذكر. 24- فناداها الملك من مكان منخفض عنها: لا تحزنى بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومقالة الناس، فقد جعل ربك بالقرب منك نهراً صغيراً. 25- وهزى النخلة نحوك يتساقط عليك الرطب الطيب. 26- فكلى منه واشربى، وطيبى نفساً. فإن رأيت أحداً من البشر ينكر عليك أمرك، فأشيرى إليه أنك صائمة عن الكلام، ولن تتحدثى اليوم إلى أحد. 27- فأقبلت مريم على أهلها تحمل عيسى، فقالوا لها فى دهشة واستنكار: لقد أتيت أمراً فظيعاً منكراً. 28- يا سلالة هارون النبى التقى الورع، كيف تأتين ما أتيت وما كان أبوك فاسد الأخلاق وما كانت أمك فاجرة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فانتبذت به: فاعتزلت به. مكاناً قصيا: أي بعيداً من أهلها. فأجاءها المخاض: أي ألجأها الطلق واضطرها وجع الولادة. إلى جذع النخلة: لتعتمد عليها وهي تعاني من آلام الولادة. نسياً منسياً: أي شيئاً متروكاً لا يعرف ولا يذكر. فناداها من تحتها: أي عيسى عليه السلام بعدما وضعته. تحتك سريا: أي نهراً يقال له سري. رطبا جنيا: الرطب الجني: ما طاب وصلح للإِجتناء. فكلي واشربي: أي كل من الرطب واشربي من السري. وقري عينا: أي وطيبي نفسا وافرحي بولادتك إياي ولا تحزني. نذرت للرحمن صوماً: أي إمساكاً عن الكلام وصمتاً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصة مريم إنه بعد أن بشرها جبريل بالولد وقال لها وكان أمراً مقضياً ونفخ في كم درْعها أو جيب قميصها فحملته فوراً {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} أي فاعتزلت به في مكان بعيد {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ} أي ألجأها وجع النفاس {إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} لتعتمد عليه وهي تعاني من آلام الطلق وأوجاعه، ولما وضعته قالت متأسفة متحسرة ما أخبر تعالى به: {قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} أي الوقت الذي أصبحت فيه أم ولد، {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} أي شيئاً متروكا لا يذكر ولا يعرف وهنا {فَنَادَاهَا} عيسى عليه السلام {مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي} يحملها على الصبر والعزاء وقوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} أي نهر ماء يقال له سري، {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَٱشْرَبِي} أي كلي من الرطب واشربي من ماء النهر، {وَقَرِّي عَيْناً} أي طيبي نفساً وافرحي بولدك، {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} أي فسألك عن حالك أو عن ولدك فلا تكلميه واكتفي بقولك {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي صمتاً {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} هذا كله من قول عيسى لها أنطقه الله كرامة لها ليذهب عنها حزنها وألمها النفسي من جراء الولادة وهي بكر لم تتزوج. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- من مظاهر قدرة الله تعالى حملها ووضعها في خلال ساعة من نهار. 2- إثبات كرامات الله لأوليائه إذ أكرم الله تعالى مريم بنطق عيسى ساعة وضعه فأرشدها وبشرها وأذهب عنها الألم والحزن، وأثمر لها نخلة فأرطبت وأجرى لها النهر بعد يبسه. 3- تقرير نظام الأسباب التي في مكنة الإِنسان القيام بها فإن الله تعالى قد أثمر لمريم النخلة إذ هذا لا يمكنها القيام به ثم أمرها أن تحرك النخلة من جذعها ليتساقط عليها الرطب الجني إذ هذا في استطاعتها. 4- مشروعية النذر إلا أنه بالامتناع عن الكلام منسوخ في الإِسلام.
القطان
تفسير : قصيا: بعيداً عن اهلها في غور الاردن. فأجاءها المخاضُ: فألجأها الطلق. نسيا منسيّا: نسياً بفتح النون وكسرِها، الشيء الذي لا قيمة له فيظلّ منسيا لا يذكر. سريّا: شريفا. رُطبا جنيا: الرطَب، هو ثمر النخل اذا ادرك ونضج قبل ان يصير تمرا. جنيا: صالحا للقطف. نذرتُ للرحمن صوما: يعني صوما عن الكلام. وتحققت ارادة الله تعالى، وحملت مريم بعيسى، وذهبت بحملها الى المكان البعيد عن الناس.. الى غور الاردن، لأنه هو المكان الذي يوجد فيه النخل وهو المكان الشرقي البعيد وكان مأهولا من بعض المتعبدين. وكون الوقت فيه رطب يعيِّن ان يكون وقت الولادة في الصيف، لا في الشتاء كما يقرر النصارى الذين يوقتون الميلاد في الشتاء. فالجأها ألم الولادة والطلق الى جذع النخلة لتستند اليه وتستتر به، وتمنت لو انها كانت ماتت قبل هذا الوقت الذي لقيت فيه ما لقيت، حياء من الناس وخوفا من لومهم، وكان شيئا منسيا. لان الناس لا يعرفون الحقائق ولا يعذرون. فناداها عيسى من تحتها، حيث انطقه الله. وتلك ايضا من المعجزات: لا تحزني بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومن الألم، ومما يقوله الناس، فقد جعل ربك تحتك انسانا شريفا رفيع القدر والشأن. يفسر بعض المفسرين: سريا بمعنى الجدول او النهر، وان المنادي جبريل، فكيف يكون جبريل تحتها؟.. {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}. وهزي النخلة يتساقط عليك الرطب الطيب، والرطب فيه الغذاء الكافي، ويعيش عليه خلق كثير. ويقول بعض المفسرين ان الوقت لم يكن صيفاً، واللهُ أحيا تلك النخلة وجعل فيها الرطب.. وهذا كلام ليس عليه دليل. فكلي من ذلك الرطب، واشربي من الماء عندك وطيبي نفسا، فان رأيتِ احدا من البشر ينكر عليك امرك، فأفهميه بانك نذرت لله الصوم عن الكلام وأنك لا تكلمين اليوم احدا. قراءات قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وابو بكر: يا ليتني مت بضم الميم، والباقون: مت بكسر الميم. فهما لغتان. قرأ حمزة وحفص: نسيا بفتح النون، والباقون: نسيا بكسر النون وهما لغتان. قرأ حفص وحمزة والكسائي ونافع: مِن تحتها من حرف جر وكسر تحتها، كما هو في المصحف، والباقون: من تحتها. بفتح ميم من، وتحتها بفتح التاء. قرأ حفص: تساقط بضم التاء وكسر القاف. وقرأ حمزة: تساقط بفتح التاء والسين بدون تشديد. وقرأ ابو عمرو وابن عامر والكسائي وابو بكر: تساقط بفتح التاء والسين المشددة. وقرأ يعقوب: يساقط بضم الياء والجميع باسكان الطاء جواب الامر.
د. أسعد حومد
تفسير : (22) - وَحِينَمَا نَفَخَ فِيهَا المَلَكُ مِنْ رُوحِ اللهِ، وَحَمَلَتْ بِابْنِهَا عِيسَى عَلَيهِمَا السَّلاَمُ، ضَاقَتْ بِهِ ذَرْعاً، وَلَمْ تَدْرِ مَا تَقُولُ لِلنَّاسِ، فَابْتَعَدَتْ عَنِ أَهْلِهَا، وَذَهَبَتْ إِلى مَكَانٍ قَاصٍ لاَ تَرَاهُمْ فِيهِ وَلاَ يَرَوْنَهَا. مَكَاناً قَصِيّاً - بَعِيداً عَنْ أَهْلِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (فَحَملتْهُ) أي: حملتْ به على الحذف والإيصال، والحمل يقتضي حاملاً ومحمولاً. {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} [مريم: 22] لا تظن أن هذه اللقطة من القصة لقطةٌ مُعَادة، فالانتباذ الأول كان للخلوة للعبادة، وهنا {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ ..} [مريم: 22] أي: ابتعدتْ عن القوم لما أحسَّتْ بالحمل، وخشيت أعيُنَ الناس وفضولهم فخرجتْ إلى مكان بعيد.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} [مريم: 22] أي: تنحت به؛ لحمله بلا أب وولادته من غير وقتها، وكلامه في المهد ومعجزاته من إحياء الموتى، وغير ذلك مرتبة علية {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} [مريم: 23] لإظهار المعجزة في الجذع {قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} [مريم: 23] أي: قبل هذا الحمل، فإن بسبب حملي وولدي يدخل الله النار خلقاً عظيماً؛ لأن بعضهم يتهمونني بالزنا، وبعضهم يتهمون ولدي بأنه ابن الله {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} [مريم: 23] في العدم لا يذكرني الله تعالى بالإيجاد. ثم أخبر: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي} [مريم: 24] إلى قوله: {أية : وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 33] الإشارة عن: عظم شأنها وتبديل أحزانها بقوله تعالى أن مريم القلب لمَّا اعتزلت عن اختلاء الكونين فاستحقت لإرساله روح الله إليها، وقد شرفت بنفخ الروح الإلهي، ووهبت بعيسى روح الله فحيت بحياة الله، ومحت نفس وجودها عن صحيفة الموجودات بقطع النظر عن تعلق الكونين بقولها: {يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} [مريم: 23] يعني: في العدم {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} [مريم: 24] أي: من لم يبلغ من مرتبتها في قطع النظر إلى الوجود من المكونات {أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ} [مريم: 24] أي: تحت أمرك {سَرِيّاً} [مريم: 24] أي: سرية يشير إلى أن ما دون الله يبشر القلب المنقطع إلى الله بأن الله جعل المكونات تحت أمره؛ لتكون له سرية منقادة في دفع الآفات عنه، وتبليغه إلى اعلى المقامات والقربات. وقوله: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} [مريم: 25] إشارة إلى: نخلة الشجرة الطيبة، وهي كلمة: لا إله إلا الله، فإن مريم القلب في هذا المقام إذا هزت نخلة الذكر {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 25] من المشاهدات الربانية والمكاشفات التي هي مشارب الرجال البالغين كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لما حملت بعيسى عليه السلام، خافت من الفضيحة، فتباعدت عن الناس { مَكَانًا قَصِيًّا } فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت نسيا منسيا فلا تذكر. وهذا التمني بناء على ذلك المزعج، وليس في هذه الأمنية خير لها ولا مصلحة، وإنما الخير والمصلحة بتقدير ما حصل. فحينئذ سكن الملك روعها وثبت جأشها وناداها من تحتها، لعله في مكان أنزل من مكانها، وقال لها: لا تحزني، أي: لا تجزعي ولا تهتمي، فـ { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } أي: نهرا تشربين منه. { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } أي: طريا لذيذا نافعا. { فَكُلِي } من التمر، { وَاشْرَبِي } من النهر { وَقَرِّي عَيْنًا } بعيسى، فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة، وحصول المأكل والمشرب والهني. وأما من جهة قالة الناس، فأمرها أنها إذا رأت أحدا من البشر، أن تقول على وجه الإشارة: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } أي: سكوتا { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } أي: لا تخاطبيهم بكلام، لتستريحي من قولهم وكلامهم. وكان معروفا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة، وإنما لم تؤمر بخطابهم في نفي ذلك عن نفسها لأن الناس لا يصدقونها، ولا فيه فائدة، وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد، أعظم شاهد على براءتها، .فإن إتيان المرأة بولد من دون زوج، ودعواها أنه من غير أحد، من أكبر الدعاوى، التي لو أقيم عدة من الشهود، لم تصدق بذلك، فجعلت بينة هذا الخارق للعادة، أمرا من جنسه، وهو كلام عيسى في حال صغره جدا، ولهذا قال تعالى: { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 557 : 7 : 22 - سفين عن بن جريج عن عبد الله بن عثمن عن بن عباس قال، ما كان حملها، يعني مريم، الا أن حملت ثم وضعت. [الآية 22].
همام الصنعاني
تفسير : 1755- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} [الآية: 22]: قال: متنحِّياً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):