Verse. 2274 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

فَنَادٰىہَا مِنْ تَحْتِہَاۗ اَلَّا تَحْزَنِيْ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا۝۲۴
Fanadaha min tahtiha alla tahzanee qad jaAAala rabbuki tahtaki sariyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فناداها من تحتها» أي: جبريل وكان أسفل منها «ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا» نهر ماء كان قد انقطع.

24

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: فناداها من تحتها القراءة المشهورة فناداها وقرأ زر وعلقمة فخاطبها وفي الميم فيها قراءتان فتح الميم وهو المشهور وكسره وهو قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص وفي المنادي ثلاثة أوجه: الأول: أنه عيسى عليه السلام وهو قول الحسن وسعيد بن جبير. والثاني: أنه جبريل عليه السلام وأنه كان كالقابلة للولد. والثالث: أن المنادي على القراءة بالكسر هو الملك وعلى القراءة بالفتح هو عيسى عليه السلام وهو مروي عن ابن عيينة وعاصم والأول أقرب لوجوه: الأول: أن قوله: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا } بفتح الميم إنما يستعمل إذا كان قد علم قبل ذلك أن تحتها أحداً والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو عيسى عليه السلام فوجب حمل اللفظ عليه، وأما القراءة بكسر الميم فهي لا تقتضي كون المنادي جبريل عليه السلام، فقد صح قولنا. الثاني: أن ذلك الموضع موضع اللوث والنظر إلى العورة وذلك لا يليق بالملائكة. الثالث: أن قوله فناداها فعل ولا بد وأن يكون فاعله قد تقدم ذكره ولقد تقدم قبل هذه الآية ذكر جبريل وذكر عيسى عليهما السلام إلا أن ذكر عيسى أقرب لقوله تعالى: { أية : فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ } تفسير : [مريم: 22] والضمير ههنا عائد إلى المسيح فكان حمله عليه أولى. والرابع: وهو دليل الحسن بن علي عليه السلام أن عيسى عليه السلام لو لم يكن كلمها لما علمت أنه ينطق فما كانت تشير إلى عيسى عليه السلام بالكلام فأما من قال المنادي هو عيسى عليه السلام فالمعنى أنه تعالى أنطقه لها حين وضعته تطييباً لقلبها وإزالة للوحشة عنها حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل عليه السلام من علو شأن ذلك الولد ومن قال المنادي جبريل عليه السلام قال إنه أرسل إليها ليناديها بهذه الكلمات كما أرسل إليها في أول الأمر ليكون ذلك تذكيراً لها بما تقدم من أصناف البشارات، وأما قوله: {مِن تَحْتِهَا } فإن حملناه على الولد فلا سؤال وإن حملناه على الملك ففيه وجهان: الأول: أن يكونا معاً في مكان مستو ويكون هناك مبدأ معين كتلك النخلة ههنا فكل من كان أقرب منها كان فوق وكل من كان أبعد منها كان تحت وفسر الكلبي قوله تعالى: { أية : إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 10] بذلك وعلى هذا الوجه قال بعضهم: إنه ناداها من أقصى الوادي. والثاني: أن يكون موضع أحدهما أعلى من موضع الآخر فيكون صاحب العلو فوق صاحب السفل وعلى هذا الوجه روي عن عكرمة أنها كانت حين ولدت على مثل رابية وفيه وجه ثالث: يحكى عن عكرمة وهو أن جبريل عليه السلام ناداها من تحت النخلة ثم على التقديرات الثلاثة يحتمل أن تكون مريم قد رأته وأنها ما رأته وليس في اللفظ ما يدل على شيء من ذلك. المسألة الثانية: اتفق المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السري هو النهر والجدول سمي بذلك لأن الماء يسري فيه وأما الحسن وابن زيد فجعلا السري عيسى والسري هو النبيل الجليل يقال فلان من سروات قومه أي من أشرافهم وروي أن الحسن رجع عنه وروي عن قتادة وغيره أن الحسن تلا هذه الآية وبجنبه حميد بن عبد الرحمن الحميري: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } فقال: إن كان لسرياً وإن كان لكريماً، فقال له حميد: يا أبا سعيد إنما هو الجدول فقال له الحسن من ثم تعجبنا مجالستك، واحتج من حمله على النهر بوجهين: أحدهما: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السري فقال: هو الجدول. والثاني: أن قوله: {فَكُلِي وَٱشْرَبِي } يدل على أنه نهر حتى ينضاف الماء إلى الرطب فتأكل وتشرب واحتج من حمله (على) عيسى بوجهين: الأول: أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جانبها ولا يجوز أن يجاب عنه بأن المراد منه أنه جعل النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: { أية : وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِي } تفسير : [الزخرف: 51] لأن هذا حمل للفظ على مجازه ولو حملناه على عيسى عليه السلام لم يحتج إلى هذا المجاز. الثاني: أنه موافق لقوله تعالى: { أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً وَءاوَيْنَـٰهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 50] والجواب عنه ما تقدم أن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق وكل من كان أبعد منه كان من تحت فرعان: الأول: إن حملنا السري على النهر ففيه وجهان: أحدهما: أن جبريل عليه السلام ضرب برجله فظهر ماء عذب. والثاني: أنه كان هناك ماء جار. والأول: أقرب لأن قوله: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } مشعر بالحدوث في ذلك الوقت ولأن الله تعالى ذكره تعظيماً لشأنها وذلك لا يثبت إلا على الوجه الذي قلناه. الثاني: اختلفوا في أن السري هو النهر مطلقاً وهو قول أبي عبيدة والفراء أو النهر الصغير على ما هو قول الأخفش. المسألة الثالثة: قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة فهي جذع وأما الباء في قوله بجذع النخلة فزائدة والمعنى هزي إليك أي حركي جذع النخلة، قال الفراء: العرب تقول هزه وهز به وخذ الخطام وخذ بالخطام وزوجتك فلانة وبفلانة، وقال الأخفش: يجوز أن يكون على معنى هزي إليك رطباً بجذع النخلة أي على جذعها، إذا عرفت هذا فنقول: قد تقدم أن الوقت كان شتاء وأن النخلة كانت يابسة، واختلفوا في أنه هل أثمر الرطب وهو على حاله أو تغير، وهل أثمر مع الرطب غيره؟ والظاهر يقتضي أنه صار نخلة لقوله بجذع النخلة وأنه ما أثمر إلا الرطب. المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف»: تساقط فيه تسع قراءات تساقط بإدغام التاء وتتساقط بإظهار التاءين وتساقط بطرح الثانية ويساقط بالياء وإدغام التاء وتساقط وتسقط ويسقط وتسقط ويسقط التاء للنخلة والياء للجذع. المسألة الخامسة: رطباً تمييز أو مفعول على حسب القراءة الجني المأخوذ طرياً وعن طلحة بن سليمان جنياً بكسر الجيم للأتباع والمعنى جمعنا لك في السري والرطب فائدتين: إحداهما: الأكل والشرب. والثانية: سلوة الصدر بكونهما معجزتين فإن قال قائل: فتلك الأفعال الخارقة للعادات لمن؟ قلنا: قالت المعتزلة: إنها كانت معجزة لزكريا وغيره من الأنبياء وهذا باطل لأن زكرياء عليه السلام ما كان له علم بحالها ومكانها فكيف بتلك المعجزات، بل الحق أنها كانت كرامات لمريم أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام. المسألة السادسة: فكلي واشربي وقري عيناً قرىء بكسر القاف لغة نجد ونقول قدم الأكل على الشرب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدماء، ثم قال: وقري عيناً، وههنا سؤال، وهو أن مضرة الخوف أشد من مضرة الجوع والعطش والدليل عليه أمران: أحدهما: أن الخوف ألم الروح والجوع ألم البدن وألم الروح أقوى من ألم البدن. والثاني: ما روي أنه أجيعت شاة ثم قدم العلف إليها وربط عندها ذئب فبقيت الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها الشديد خوفاً من الذئب ثم كسرت رجلها وقدم العلف إليها فتناولت العلف مع ألم البدن دلت هذه الحكاية على أن ألم الخوف أشد من ألم البدن. إذا ثبت هذا فنقول: فلم قدم الله تعالى في الحكاية دفع ضرر الجوع والعطش على دفع ضرر الخوف، والجواب أن هذا الخوف كان قليلاً لأن بشارة جبريل عليه السلام كانت قد تقدمت فما كانت تحتاج إلى التذكير مرة أخرى. المسألة السابعة: قال صاحب «الكشاف» قرأ ترئن بالهمزة ابن الرومي عن أبي عمرو وهذا من لغة من يقول لبأت بالحج وحلأت السويق وذلك لتآخ بين الهمز وحرف اللين في الإبدال {صَوْماً } صمتاً وفي مصحف عبد الله صمتاً وعن أنس بن مالك مثله وقيل صياماً إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم فعلى هذا كان ذكر الصوم دالاً على الصمت وهذا النوع من النذر كان جائزاً في شرعهم، وهل يجوز مثل هذا النذر في شرعنا قال القفال لعله يجوز لأن الاحتراز عن كلام الآدميين وتجريد الفكر لذكر الله تعالى قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس، وروي أنه دخل أبو بكر على امرأة قد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي، والله أعلم. المسألة الثامنة: أمرها الله تعالى بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع من اتهمها في الكلام لمعنيين: أحدهما: أن كلام عيسى عليه السلام أقوى في إزالة التهمة من كلامها وفيه دلالة على أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى. والثاني: كراهة مجادلة السفهاء وفيه أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافهاً. المسألة التاسعة: اختلفوا في أنها هل قالت معهم: {إِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } فقال قوم: إنها ما تكلمت معهم بذلك لأنها كانت مأمورة بأن تأتي بهذا النذر عند رؤيتها فإذا أتت بهذا النذر فلو تكلمت معهم بعد ذلك لوقعت في المناقضة ولكنها أمسكت وأومأت برأسها، وقال آخرون: إنها ما نذرت في الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم: {إِنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } وهذه الصيغة وإن كانت عامة إلا أنها صارت بالقرينة مخصوصة في حق هذا الكلام.

البيضاوي

تفسير : {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا} عيسى، وقيل جبريل كان يقبل الولد، وقيل تحتها أسفل من مكانها. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وروح «من تحتها» بالكسر والجر على أن في نادى ضمير أحدهما، وقيل الضمير في تحتها النخلة. {أَلاَّ تَحْزَنِى} أي لا تحزني أو بأن لا تحزني. {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} جدولاً. هكذا روي مرفوعاً، وقيل سرياً من السرو وهو عيسى عليه الصلاة والسلام.

ابن كثير

تفسير : قرأ بعضهم: {مَنْ تحتَها} بمعنى الذي تحتها، وقرأ الآخرون: {مِن تَحْتِهَا} على أنه حرف جر، واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة: إنه الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام، أي: ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} قال: عيسى بن مريم، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها، وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير أنه ابنها، قال: أولم تسمع الله يقول: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره. وقوله: {أَلاَّ تَحْزَنِي} أي: ناداها قائلاً: لا تحزني {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} قال: الجدول، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السري: النهر، وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير: السري: النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية. وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير. وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز، وقال وهب بن منبه: السري هو ربيع الماء. وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البَابلُتِّي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن السري الذي قال الله لمريم {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} نهر أخرجه الله لتشرب منه» تفسير : وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحلبي، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون: المراد بالسري عيسى عليه السلام، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر. ولهذا قال بعده: {وَهُزِّيۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة، قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى: كانت صرفانة، والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه، ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاماً وشراباً فقال: {تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} أي: طيبي نفساً، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها» تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران» تفسير : هذا حديث منكر جداً، ورواه أبو يعلى عن شيبان به. وقرأ بعضهم: {تُسَّـقِطْ} بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها. وقرأ أبو نهيك: {تُسْقط عليك رطباً جنياً} وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها: {يَسَّاقَطْ} أي: الجذع، والكل متقارب. وقوله: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} أي: مهما رأيت من أحد {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} قال أنس بن مالك في قوله: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} قال: صمتاً، وكذا قال ابن عباس والضحاك، وفي رواية عن أنس: صوماً وصمتاً، وكذا قال قتادة وغيرهما، والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم، يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو إسحاق عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان، فسلم أحدهما، ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحداً لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك: مريم عليها السلام؛ ليكون عذراً لها إذا سئلت. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمها الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: {أَلاَّ تَحْزَنِي} قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة؟ أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه، وكذا قال وهب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَنَادَٰهَا مِن تَحْتِهَآ } أي: جبريل وكان أسفل منها {أَلاَّ تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } نهر ماء كان قد انقطع.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهآ أَلاَّ تَحْزَنِي} فيه قولان: أحدهما: أن المنادي لها من تحتها جبريل، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي. الثاني: أنه عيسى ابنها، قاله الحسن، ومجاهد. وفي قوله من تحتها وجهان: أحدهما: من أسفل منها في الأرض وهي فوقه على رأسه، قاله الكلبي. الثاني: من بطنها: قاله بعض المتكلمين، بالقبطية. {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} فيه قولان: أحدهما: أن السريّ هو ابنها عيسى، لأن السري هو الرفيع الشريف مأخوذ من قولهم فلان من سروات قومه أي من أشرافهم، قاله الحسن، فعلى هذا يكون عيسى هو المنادي من تحتها {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} الثاني: أن السريّ هو النهر، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والضحاك، لتكون النخلة لها طعاماً، والنهر لها شراباً، وعلى هذا يكون جبريل هو المنادي لها {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}. الثاني: أنه عربي مشتق من السراية فَسُمِّيَ السريّ لأنه يجري فيه ومنه قول الشاعر: شعر : سهل الخليقة ماجد ذو نائلٍ مثل السريّ تمده الأنهار تفسير : وقيل: إن اسم السري يطلق على ما يعبره الناس من الأنهار وثباً. وروى أبان بن تغلب في تفسيره القرآن خبراً عن عدد لم يسمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شداد بن ثمامة مصدقاً لبني كعب بن مذحج وكتب له كتاباً: "حديث : عَلَى مَا سَقَتْهُ المَرَاسِمُ وَالجَدَاوِلُ وَالنَّوَاهِرُ وَالدَّوَافِعُ العُشْرُ وَنِصْفُ العشر بقيمة عَدْلٍ إِلاَّ الضَّوَامَرَ وَاللَّوَاقِحَ وَمَا َأطل الصور من الجفن. وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلاَّ العَقِيلَ وَالأَكِيلَ وَالربِيَّ. ومن كل ثلاثين بقرةً جِذْعٌ أَوْ جِذْعَةٌ إِلاَّ العَاقِرَ وَالنَّاشِطَ وَالرَّاشِحَ. وَمِن كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ المُوَّبلَةِ مُسِنَّةٌ مِنَ الغَنَمِ. وَلاَ صَدَقَةَ فِي الخَيلِ وَلاَ فِي الإِبِلِ العَامِلةِ. شَهِدَ جِرِيرٌ بِن عَبدِ اللَّهِ بن جَابرٍ البَجْلِي وَشَدَّادُ بن ثُمَامَةَ وَكَتَبَ المُغِيرَةُ بن شُعْبةِ" تفسير : فالمراسل العيون، والجداول الأنهار الصغار، والنواهر الدوالي، والدوافع الأودية، والضوامر ما لم تحمل من النخل، واللواقح الفحول، والجفن الكرم، وما أطلاه من الزرع عفو، والعقيل فحل الغنم والأَيل الذي يُرَبَّى للأكل. والربي التي تربي ولدها والعاقر من البقر التي لا تحمل، والناشط الفحل الذي ينشط من أرض إلى أرض والراشح الذي يحرث الأرض. قوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ....} الآية. اختلف في النخلة. على أربعة أقاويل: أحدها: كانت برنية. الثاني: صرفاتة، قاله أبو داود. الثالث: قريناً. الرابع: عجوة، قاله مجاهد. وفي {الجَنِي} ثلاثة أقاويل: أحدها: المترطب البسر، قاله مقاتل. الثاني: البلح لم يتغير، قاله أبو عمرو بن العلاء. الثالث: أنه الطري بغباره. وقيل لم يكن للنخلة رأس وكان في الشتاء فجعله الله آية. قال مقاتل فاخضرت وهي تنظر ثم حملت وهي تنظر ثم نضجت وهي تنظر. قوله تعالى: {فَكُلِي} يعني من الرطب الجني. {وَاشْرَبِي} يعني من السريّ. {وَقَرِّي عَيْناً} يعني بالولد، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: جاء يقر عينك سروراً، قاله الأصمعي، لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة. الثاني: طيبي نفساً، قاله الكلبي. الثالث: تسكن عينك ولذلك قيل ما شيء خير للنفساء من الرطب والتمر. {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً} يعني إما للإِنكار عليك وإما للسؤال لك. {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً} فيه تأويلان: أحدهما: يعني صمتاً، وقد قرىء في بعض الحروف: {لِلرَّحَمْنِ صَمْتاً} وهذا تأويل ابن عباس وأنس بن مالك والضحاك. الثاني: صوماً عن الطعام والشراب والكلام، قاله قتادة. {فَلَنْ أُكَلَّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} فيه وجهان: أحدهما: أنها امتنعت من الكلام ليتكلم عنها ولدها فيكون فيه براءة ساحتها، قاله ابن مسعود ووهب بن منبه وابن زيد. الثاني: أنه كان من صام في ذلك الزمان لم يكلم الناس، فأذن لها في المقدار من الكلام قاله السدي.

ابن عطية

تفسير : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وابن عباس والحسن وزيد بن حبيش ومجاهد والجحدري وجماعة "فناداها مَن تحتها" على أن "مَن" فاعل ينادي والمراد بـ "مَن" عيسى، قال أي ناداها المولود قاله مجاهد والحسن وابن جبير وأبي بن كعب، وقال ابن عباس المراد "مَن" جبريل ولم يتكلم حتى أتت به قومها وقال علقمة والضحاك وقتادة، ففي هذه آية لها وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم لا سيما والمنادي عيسى فأنه يبين به عذر مريم ولا تبقى بها استرابة، فلذلك كان النداء أن لا يقع حزن، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والبراء بن عازب والضحاك وعمرو بن ميمون وأهل الكوفة وأهل المدينة وابن عباس أيضاً والحسن "مِن تحتها" بكسر الميم على أنها لابتداء الغاية واختلفوا، فقال بعضهم: المراد عيسى، وقالت فرقة: المراد جبريل المحاور لها قبل، قالوا: وكان في سعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها وأبين وأظهر، وعليه كان الحسن بن أبي الحسن يقسم وقرأ علقمة وزر بن حبيش "فخاطبها" من تحتها"، وقرأ ابن عباس "فناداها ملك من تحتها". وقوله {ألا تحزني} تفسير النداء فـ "أن" مفسرة بمعنى أي، و"السري" من الرجال العظيم الخصال السيد، و"السري" أيضاً الجدول من الماء، وبحسب هذا اختلف الناس في هذه الآية فقال قتادة وابن زيد: أراد جعل تحتك عظيماً من الرجال له شأن، وقال الجمهور أشار لها إلى الجدول الذي كان قرب جذع نخلة، وروي أن الحسن فسر الآية فقال أجل لقد جعله الله {سرياً} كريماً، فقال عبيد بن عبدالرحمن الحميري يا أبا سعيد إنما يعني بـ "السري" الجدول. وقال الحسن لهذه وأشباهها أحب قربك ولكن غلبنا عليك الأمراء ومن الشاهد في "السري" قول لبيد. [الكامل] شعر : فتوسطا عرض السري فصدعا مسجورة متجاوراً قلاّمها تفسير : ثم أمر بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع، وقالت فرقة بل كانت النخلة مطعمة {رطباً}، وقال السدي كان الجذع مقطوعاً وأجرى النهر تحتها لحينه، والظاهر من الآية أن عيسى هو المكلم لها وأن الجذع كان يابساً وعلى هذا تكون آيات تسليها وتسكن إليها. والباء في قوله {بجذع} زائدة مؤكدة قال أبو علي: كما يقال ألقى بيده أي ألقى يده. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المثال عندي نظر، وأنشد الطبري: [الطويل] شعر : بواد يمان ينبت السدر صدره وأسفله بالمزج والشبهان تفسير : وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر والكسائي وابو بكر عن عاصم والجمهور من الناس "تَسّاقط" بفتح التاء وشد السين يريد {النخلة} ، وقرأ البراء بن عازب والأعمش "يساقط " بالياء يريد "الجذع"، وقرأ حمزة وحده "تَسَاقط" بفتح التاء وتخفيف السين، وهي قراءة مسروق وابن وثاب وطلحة وأبي عمرو بخلاف، وقرأت فرقة "يساقط" بالياء على ما تقدم من إدارة {النخلة} أو "الجذع". وقرأ عاصم في رواية حفص "تُسَاقط" بضم التاء وتخفيف السين، وقرأت فرقة "يساقط" بالياء، وقرأ أبو حيوة "يسقط" بالياء، وروي عنه "يُسقط" بضم الياء وقرأ أيضاً "تسقط" وحكى أبو علي في الحجة أنه قرئ "يتساقط" بباء وتاء، وروي عن مسروق "تُسقِط" بضم التاء وكسر القاف، وكذلك عن أبي حيوة، وقرأ أبو حيوة أيضاً "يسقُط" بفتح الياء وضم القاف، "رطب جني" بالرفع، ونصب {رطباً} يختلف بحسب معاني القراءات المذكورة، فمرة يسند الفعل الى الجذع ومرة الى الهز، ومرة الى {النخلة} و {جنياً} معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهو من جنيت الثمرة. وقرأ طلحة بن سليمان "جِنياً" بكسر الجيم، وقال عمرو بن ميمون: ليس شيء للنفساء خيراً من التمر والرطب، وقال محمد بن كعب: كان رطب عجوة، وقد استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوماً فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم الى سعي ما فيه لأنه أمرت مريم بهز الجذع لترى آية، وكانت الآية تكون بأن لا تهز هي. وحكى الطبري عن ابن زيد أنه قال "قال لها عيسى: لا تحزني، فقالت وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة أي شيء عذري عند الناس {أية : يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً} تفسير : [مريم: 23]، فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام". وقوله {فكلي واشربي وقري} الآية، قرأ الجمهور "وقَري" بفتح الكاف، وحكى الطبري قراءة "وقِري" بكسر القاف، وقرة العين مأخوذة من القر وذلك أنه يحكى أن دمع الفرح بارد المس ودمع الحزن سخن المس، وضعفت فرقة هذا وقالت: الدمع كله سخن وإنما معنى قرة العين أن البكاء الذي يسخن العين ارتفع إذ لا حزن بهذا الأمر الذي قرت به العين. وقال الشيباني {قري عيناً} معناه نامي، حضها على الأكل والشرب والنوم. وقوله {عيناً} نصب على التمييز، والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فينقل ذلك الى ذي العين وينصب الذي كان فاعلاً في الحقيقة على التفسير، ومثله طبت نفساً وتفقأت شحماً وتصببت عرقاً، وهذا كثير. وقرأ الجمهور "ترين" وأصله ترءيين حذفت النون للجزم، ثم نقلت حركة الهمزة الى الراء، ثم قلبت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الألف والياء، فحذفت الألف فجاء ترى وعلى هذا النحو هو قول الأفوه: [السريع] شعر : أما ترى رأسي أزرى به تفسير : ثم دخلت النون الثقيلة، فكسرت الياء لاجتماع ساكنين منها ومن النون، وإنما دخلت النون هنا بتوطئة "ما" كما توطئ لدخولها أيضاً لام القسم. وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه "ترءين" بالهمزة، وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة "ترينَ" بسكون الياء وفتح النون خفيفة، قال أبو الفتح: وهي شاذة، ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل أو ابنها على الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة البشر وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية فيقوم عذرها، وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية وهو قول الجمهور. وقالت فرقة معنى {فقولي} بالإشارة لا بالكلام والا فكأن التناقض بين في أمرها. وقرأ ابن عباس وأنس بن مالك "إني نذرت للرحمن وصمت". وقال قوم معناه {صوماً} عن الكلام إذ أصل الصوم الإمساك ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : "خيل صيام" وأخرى غير صائمة تفسير : وقال ابن زيد والسدي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام، وقرأت فرقة "إني نذرت للرحمن صمتاً" ولا يجوز في شرعنا أن ينذر أحد صمتاً، وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق والكلام. قال المفسرون: أمرت مريم بهذا ليكفيها عيسى الاحتجاج.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَنَادَاهَا}، جبريل، أو عيسى {مِن تَحْتِهَآ} من مكان أسفل من مكانها، أو من بطنها بالقبطية {سَرِيّاً} عيسى، السروات: الأشراف، أو السري النهر بالنبطية أو العربية من السراية لأن الماء يسري فيه، قيل يطلق السري على ما يعبره الناس من الأنهار وثباً.

الثعالبي

تفسير : وقولُهُ سبحانه: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} قرأ ابنُ كَثِير، وأبو عَمْرو، وٱبنُ عامرٍ، وعَاصِمٌ: «فناداها مَنْ تحتها» على أَن «مَنْ» فاعل بنادى، والمراد بِـ «مَنْ» عيسى؛ قاله مجاهدٌ، والحسنُ، وابنُ جُبَيْرٍ، وأَبي بنَ كَعْب. وقال ابن عباس: المراد بـ «مَنْ» جِبْرِيلُ, ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. والقول الأولُ أَظهر وأبْيَنُ، وبه يتبيّن عُذْر مريم، ولا تبقى بها استرابة. وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحَفْصٌ، عن عَاصِمٍ: «مِنْ تَحْتِهَا» بكسر الميم، واختلفوا أَيضاً فقالت فرقةٌ: المرادُ عِيسَىٰ، وقالت فِرْقَةٌ: المراد جِبْرِيلُ المحاور لها قَبْلُ. قالوا: وكان في بُقْعة أَخفضَ من البُقْعة الَّتي كانت هي عليها؛ والأَول أَظهَرُ. وقرأ ابنُ عباس: «فَنَادَاهَا مَلَكٌ مِن تَحْتِهَا». والسَّرِيُّ: من الرجال العظيمُ السيّد، والسري: أَيضاً الجدولُ مِنَ الماء؛ وبحسَبِ هذا اختلف النّاسُ في هذه الآية. فقال قتادةُ، وابنُ زيدٍ: أَراد جعل تحتك عَظِيماً من الرجال، له شأنٌ. وقال الجمهورُ: أَشار لها إلى الجَدْول، ثم أَمرها بهز الجِذْع اليابِس؛ لترى آيَةً أُخْرى. وقالت فرقةٌ: بل كانت النخْلة مطعمة رطباً، وقال السُّدِّيُّ: كان الجِذْع مقطوعاً، وأجري تحتها النهر لحينه. قال * ع *: والظاهر من الآية: أَن عِيسَىٰ هو المكلِّم لها، وأَن الجِذْع كان يَابِساً؛ فهي آيات تسليها، وتسكن إليها. قال * ص *: قوله: {وهُزِّي إلَيْكِ} تقرر في عِلْم النحو أَن الفِعْل لا يتعدَّى إلى ضمير مُتّصلٍ، وقد رفع المتصل، وهما لمدلول واحد، وإذا تقرر هذا؛ فـ «إِليك» لا يتعلق بـ «هُزِّي»، ولكن يمكن أَن يكون «إلَيْك» حالاً من جِذْع النخلة؛ فيتعلَّق بمحذْوفٍ؛ أَيْ: هزي بجذْع النخلة مُنْتهياً إليك. انتهى. والباءُ في قوله: {بِجِذْعِ}: زائدةٌ موكّدة، و {جَنِيّاً}: معناه: قد طابت وصلحَتْ لِلاجْتناء، وهو من جَنَيْتُ الثمرةَ. وقال عَمْرُو بْنُ مَيْمُون: ليس شيءٌ للنُّفَسَاءِ خيراً من التَّمر، والرُّطَب. وقرةُ العَيْن مأْخُوذةَ من القُرِّ؛ وذلك، أَنَّهُ يحكى: أَن دمعَ الفرح باردُ المسِّ، ودمعَ الحُزْن سخن المس، وقِيلَ: غير هذا. قال * ص *: {وَقَرِّي عَيْناً} أَيْ: طِيبي نفساً. أَبو البَقَاءِ: «عيناً»: تمييز. اهـــ. وقوله سبحانه: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَداً...} الآية، المعنى: أَن اللّه عز وجل أمرها على لسان جِبْرِيلَ عليه السلام أو ٱبنها؛ على الخلاف المتقدم: بأن تُمْسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ٱبنها في ذلك؛ ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية؛ فيقوم عذرها. وظاهر الآية: أَنها أُبِيح لها أن تقولَ مضمن هذه الألفاظ الّتي في الآية؛ وهو قولُ الجمهور. وقالت فرقةٌ: معنى {قُولِي} بالإشارة، لا بالكلام. قال * ص *: وقولُه: {فَقُولِي} جوابُ الشرط، وبينهما جملةٌ محذوفةٌ يدل عليها المعنى؛ أيْ فَإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحداً، وسألك أو حاورك الكلام، فقولي. انتهى. و {صَوْماً} معناه عن الكلام؛ إذ أَصلُ الصوم الإمساكُ. وقرأَتْ فرقةٌ: «إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمـٰنِ صَمْتاً» ولا يجوز في شَرْعِنا نذرُ الصمتِ؛ فروي: أَن مريم عليها السلام لمَّا اطمأنَّت بما رأت مِنَ الآياتِ، وعلمت أَن اللّه تعالى سيبيِّنُ عذرَها، أَتَتْ به تحمله مدلة من المكان القَصِيّ الذي كانت مُنْتبذةً به، والفَرِيُّ: العظيمُ الشَّنِيعُ؛ قاله مجاهد، والسُّدِّيُّ، وأكثرُ استعماله في السُّوء. واختُلِف في معنى قوله تعالى: {يَـٰأَخْتَ هَـٰرُونَ}، فقيل: كان لها أَخٌ اسمه هارون؛ لأَن هذا الاِسْم كان كَثِيراً في بني إسْرَائِيل. ورَوَى المغيرةُ بن شُعْبة: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَرسله إلى أَهْلِ نَجْرَانَ في أمْرٍ من الأُمُور، فقالتْ له النصارى: إن صَاحِبَك يزعم أَنَّ مريمَ هي أُخْت هارون، وبينهما في المدّةِ ستُّ مائةِ سنة. قال المغيرةُ: فلم أَدر ما أقول، فلما قَدِمْتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكرتُ ذلك له، فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياءِ والصّالحين. قال * ع *: فالمعنى أَنه اسم وافق ٱسماً. وقيل: نسبُوها إلى هَارُون أَخِي مُوسَى؛ لأَنها مِنْ نَسْله؛ ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ، فَهُوَ يُقِيمٌ».تفسير : وقال قتادةُ: نسبوها إلىٰ هَارُونَ اسم رَجُلٍ صَالِحٍ في ذلك الزمان. وقالتْ فرقةٌ: بل كان في ذلك الزمان رجلٌ فاجِرٌ اسمه هَارُون نسبُوها إليه؛ علىٰ جهة التَّعْيِير. * ت *: واللّهُ أعلمُ بصحّة هذا، وما رواه المُغِيرة إنْ ثبت هو المعوَّلُ عليه، وقولهم: {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ} المعنى: ما كان أَبُوك، ولا أمّك أهلاً لهذه الفِعْلة، فكيف جِئْت أنت بها؟ والبَغِيّ: الّتي تبغِي الزَّنَا، أي: تطلبه.

ابو السعود

تفسير : {فَنَادَاهَا} أي جبريلُ عليه السلام {مِن تَحْتِهَا} قيل: إنه كان يقبل الولد، وقيل: من تحتها أي من مكان أسفلَ منها تحت الأكمة، وقيل: من تحت النخلة، وقيل: ناداها عيسى عليه السلام، وقرىء فخاطبها مَنْ تحتَها بفتح الميم {أَن لا تَحْزَنِى} أي لا تحزني، على أن «أنْ» مفسرةٌ، أو بأن لا تحزني على أنها مصدرية قد حذف عنها الجار {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ} أي بمكان أسفل منك، وقيل: تحت أمرِك إنْ أمرْتِ بالجري أُجريَ وأن أمرت بالإمساك أُمسِك {سَرِيّاً} أي نهراً صغيراً حسبما روي مرفوعاً، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن جبريلَ عليه السلام ضرب برجله الأرضَ فظهرت عينُ ماء عذبٍ فجرى جدْولاً. وقيل: فعله عيسى عليه السلام. وقيل: كان هناك نهر يابسٌ أجرى الله عز وجل فيه الماءَ حينئذ كما فعل مثلَه بالنخلة، فإنها كانت نخلةً يابسة لا رأسَ لها ولا ورق فضلاً عن الثمر وكان الوقت شتاءً، فجعل الله لها إذ ذاك رأساً وخُوصاً وثمراً، وقيل: كان هناك ماءٌ جارٍ. والأول هو الموافقُ لمقام بـيان ظهورِ الخوارق والمتبادرُ من النظم الكريم، وقيل: سرياً أي سيداً نبـياً رفيعَ الشأن جليلاً وهو عيسى عليه السلام، فالتنوينُ للتفخيم والجملةُ للتعليل لانتفاء الحزْنِ المفهوم من النهي عنه، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتأكيدِ التعليل وتكميلِ التسلية. {وهزي} هزُّ الشيء تحريكُه إلى الجهات المتقابلة تحريكاً عنيفاً متدارِكاً، والمرادُ هٰهنا ما كان منه بطريق الجذبِ والدفعِ لقوله تعالى: {إِلَيْكَ} أي إلى جهتك والباء في قوله عز وعلا: {بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} صلةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 195] الخ، قال الفراء: تقول العرب: هَزّه وهزّ بِه وأخذ الخطامَ وأخذ بالخطام، أو لإلصاق الفعل بمدخولها أي افعلي الهزَّ بجذعها {تُسَـٰقِطْ} أي تُسقِطِ النخلة {عَلَيْك} إسقاطاً متواتراً حسب تواترِ الهزِّ، وقرىء تُسقِطْ ويُسقِط من الإسقاط بالتاء والياء، وتتساقطْ بإظهار التاءين، وتَساقطْ بطرح الثانية، وتسّاقَطْ بإدغامها في السين، ويَسّاقط بالياء كذلك، وتسقُطْ ويسقُطْ من السقوط على أن التاء في الكل للنخلة والياء للجذع، وقوله تعالى: {رُطَباً} على القراءات الأُوَل مفعولٌ وعلى الست البواقي تميـيزٌ، وقوله تعالى: {جَنِيّاً} صفةٌ له وهو ما قُطع قبل يَبْسه فعل بمعنى مفعول، أي رطباً مجنياً أي صالحاً للاجتناء، وقيل: بمعنى فاعل أي طرياً طيباً، وقرىء جِنياً بكسر الجيم للاتباع. {فَكُلِى وَٱشْرَبِى} أي ذلك الرطبَ وماءَ السَّريِّ أو من الرطب وعصيرِه {وَقَرّى عَيْناً} وطِيبـي نفساً وارفضي عنها ما أحزنك وأهمك، فإنه تعالى قد نزّه ساحتَك عما اختلج في صدور المتعبدين بالأحكام العادية بأن أظهر لهم من البسائط العنصريةِ والمركباتِ النباتية ما يخرِق العاداتِ التكوينيةَ ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرِك، وقرىء وقِرّي بكسر القاف وهي لغة نجد واشتقاقُه من القرار، فإن العينَ إذا رأت ما يسرّ النفسَ سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القَرّ فإن دمعةَ السرور باردةٌ ودمعةَ الحُزن حارة، ولذلك يقال: قُرّة العين وسُخْنةُ العين للمحبوب والمكروه {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} أي آدمياً كائناً مَنْ كان، وقرىء تَرئِنّ على لغة من يقول: لبّأْتُ بالحج لما بـين الهمزة والياءِ من التآخي {فَقُولِى} له إن استنطقك {إِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي صمتاً وقد قرىء كذلك، أو صياماً وكان صيامُهم بالسكوت {فَلَنْ أُكَلّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} أي بعد أن أخبرتُكم بنذري وإنما أكلم الملائكةَ وأناجي ربـي، وقيل: أُمِرت بأن تخبرَ بنذرها بالإشارة وهو الأظهرُ، قال الفراء: العربُ تسمِّي كلَّ ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصَل ما لم يؤكَّد بالمصدر، فإذا أُكّد لم يكن إلا حقيقةَ الكلام، وإنما أمرت بذلك لكراهة مجادلةِ السفهاء ومناقلتهم والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام، فإنه نصٌّ قاطعٌ في قطع الطعن.

القشيري

تفسير : في التفسير أن المَعْنِيَّ بقوله {مِن تَحْتِهَآ}: جبريلُ عليه السلام، وقيل عيسى عليه السلام. والمقصودُ منه تسكينُ ما كان بها من الوحشة، والبشارة بعيسى عليه السلام، أي يرزقك الله ولداً سرياً.

اسماعيل حقي

تفسير : {فناداها} اى جبرائيل حين سمع جزعها لان عيسى لم يتكلم حتى اتت به قومها {من تحتها} من مكان اسفل منها تحت الا كمة. وقال فى القصص من تحت النخلة. وفى الاسئلة المقحمة قرئ بفتح الميم يعنى به عيسى لما خرج من البطن نادها {ان لا تحزنى} ان مفسرة بمعنى اى لا تحزنى بولادة عيسى وبمكان القحط [وتمناى مرك مكن] او مصدرية على حذف الباء تقديره بان لا تحزنى. والحزن غم يلحق لوقوعه من فوات نافع او حصول ضار {قد جعل ربك تحتك} اى فى مكان اسفل منك {سريا} نهرا صغيرا على ما فسره النبى عليه السلام. قال ابن عباس رضى الله عنهما ان جبريل ضرب برجله الارض فظهرت عين ماء عذب فجرى جدولا. وقال بعض ارباب الحقيقة انبأ عيسى عن نبوته فى المهد بقوله {أية : آتانى الكتاب وجعلنى نبيا}تفسير : وفى بطن امه بقوله {الا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا} اى سيدا على القوم بالنبوة انتهى. فيكون من السرو وهو السؤدد.

الجنابذي

تفسير : {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} قرئ بكسر الميم وفتحها والمنادى كان عيسى (ع) او جبرئيل (ع) {أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} شريفاً.

الهواري

تفسير : قوله: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَآ} أي: الملَك، يعني جبريل. وقوله: تحتها، أي تحتها من الأرض. وقال بعضهم: {فَنَادَاهَا مَن تَحْتَهَآ} يعني عيسى. {أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}. ذكروا عن البراء بن عازب قال: هو الجدول. وقال بعضهم: السري هو الجدول، وهو النهر [الصغير]، وهو بالسريانية: سري. قوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} وهي تقرأ: تَساقط ويُساقط. فمن قرأها يساقط يقول: يساقط عليك الجذع. وكان جذع النخلة يابساً وكان آية. ومن قرأها تساقط بالتاء فهو يقول: تساقط عليك النخلة رطباً جنياً. [أي حين اجتني]. قوله: {فَكُلِي} أي من الرطب {وَاشْرَبِي} أي من الجدول {وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} قال بعضهم: كانت تقرأ في الحرف الأول: صمتاً. وذكروا عن أنس بن مالك أنه كان يقرأها صوماً صمتاً. {فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً} قال بعضهم: بلغني أنه أذن لها في هذا الكلام. وقال بعضهم: إنما كانت آية جعلها الله لها يومئذ. وإن شئت رأيت امرأة سفيهة تقول: أصوم صوم مريم ولا تتكلم في صومها.

اطفيش

تفسير : {فَنَادَاهَا} عيسى أو جبريل {مِنْ تَحْتِهَا} رضى الله عنهما. وقيل: ضمير الإضافة للنخلة وهو قول قتادة. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر بفتح الميم والتاء أى ناداها الذى تحتها وهو عيسى أو جبريل وكان جبريل يقبل الولد كالقابلة. وقيل: تحتها: أسفل من مكانها أى بقعة أسفل من البقعة التى هى فيها والأول أظهر ومذهب الحسن وأبىّ ومجاهد وابن جبير أن المنادى عيسى قبل وهو أظهر وأبين وبه يتبين عذر مريم رضى الله عنها ولا تبقى بها استرابة وفيه أنه لا حاضر من الناس لندائه ومذهب ابن عباس أن المنادى جبريل وأن عيسى لم يتكلم حتى جاءت به قومها وكان يقرأ فناداها ملك من تحتها. وقرأ زر وعلقمة: فخاطبها من تحتها: {أَلاّ تَحْزَنِى} أن تفسيرية ولا ناهية وأن مصدرية تقدر الباء قبلها ولا نافية أو ناهية بناء على جواز دخولها فى الطلب. {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ} وقرأ ورش تحتش بإبدال كاف المخاطبة شينا وهى لغة ذكرها المرادى. {سَرِيّاً} إنسانا عظيما شريفاً من السرور وهو الشرف والسيادة وهو عيسى نفسه فإن كان هو المنادى فإنما أخبر عن نفسه بذلك لأمر الله إياه ولإزالة الحزن عنها لا تفاخراً وذلك قول قتادة وابن زيد والحسن. وقال الجمهور: نهر ماء صغير لم يكن ثَم وهو باللغة السريانية. وقيل: قد كان قبل ذلك وانقطع. وهو قول البراء بن عازب. وروى حديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن السرىّ فقال: نهر ماء . تفسير : وإن قلت: لم تحزن لفقد الماء أو الولد ولفقد الرطب فكيف يصبّرها ويسليها بهما؟ قلت: لم يقع تصبرها بهما من حيث إنهما ماء ورطب أو ولد ورطب ولكن من حيث إنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد عن الريبة وأنها بمعزل عما تبهت به وأن لها أموراً خارقة للعادة فليس ولادتها من غير رجل ببدع.

اطفيش

تفسير : {فناداها} أى عيسى أى فولدته فناداها بإِذن الله عز وجل {مِن تَحْتها} قبل تمام خروجه، لتحقق التحتية، أو بعده، فالتحتية اعتبار لما قبل التمام، أو لعلو جسدها عليه، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: ناداها جبريل عليه السلام، وقرأ: فناداها ملك، فمعنى من تحتها من تحت الكدية التى ولدت عليها، ولم يحضر احتراماً لها وخوف أن تكشف عورتها، فما قيل من أن جبريل تحتها عند الولادة يقبل الولد مما لا ينبغى وقيل هاء تحتها للنخلة، وأقسم الحسن البصرى: أنه ما كان هذا، وأنه ناداها من أرض تحت أرض هى فيها. {أَلا تَحْزنى} أن تفسيرية لتقدم معنى القول دون حروفه لا مصدرية، بتقدير الباء إذا لا خارج النهى، يكون حدثا، وعلل النهى بقوله: {قَدْ جَعَل ربّك تحتك سَرياً} عين ماء، كما رواه البخارى ومسلم، عن البراء مرفوعاً، وفى رواية للبخارى وقفه على أبى سعيد، وصحح السيوطى أنه موقوف، قيل: وهو عين من الأردن أجراه الله عز وجل إليها إذ عطشت، وروى أن جبريل ضرب الأرض فظهرت عين ماء عذب، فجرى جدولا فيحتمل أن الله جل جلاله أنبعها من الأردن لضربه. وقال أبو جعفر: نبعت بضرب عيسى عليه السلام، وقيل العين موجودة من قبل نبهها الله عليها، وقيل: عين يابسة أجراها الله تعالى لها، وسياق الآية ومقام الخوارق للعادة، يقضيان أحداثها، وسميت العين سرياً لأن ماءها يسرى، وعين الماء يذكر ويؤنث، ولامه عن ياء، وقيل السرى عيسى من السرو وهو الرفعة شأناً وقدراً، والسخاء والمروءة فلامه عن واو قلبت ياء، لتقدم ياء ساكنة عليها ولفظ الربوبية لتأكيد التلعيل، وتكميل التسلية، وفى الإضافة تشرف.

الالوسي

تفسير : {فَنَادَاهَا } أي جبريل عليه السلام كما روي عن ابن عباس ونوف. وقرأ علقمة (فخاطبها). قال أبو حيان: وينبغى أن تكون تفسيراً لمخالفتها سواد المصحف، وقرأ الحبر {فناداها ملك} {مِن تَحْتِهَا } وينبغي أن يكون المراد به جبريل عليه السلام ليوافق ما روي عنه أولاً. ومعنى {مِن تَحْتِهَا} من مكان أسفل منها وكان واقفاً تحت الأكمة التي صعدتها مسرعة كما سمعت آنفاً، ونقل في «البحر» عن الحسن أنه قال: ناداها جبريل عليه السلام وكان في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت عليها وأقسم على ذلك. ولعله إنما كان موقفه عليه السلام هناك إجلالاً لها وتحاشياً من حضوره بين يديها في تلك الحال. والقول بأنه عليه السلام كان تحتها يقبل الولد مما لا ينبغي أن يقال لما فيه من نسبة ما لا يليق بشأن أمين وحي الملك المتعال، وقيل: ضمير {تَحْتِهَا } للنخلة، واستظهر أبو حيان كون المنادي عيسى عليه السلام والضمير لمريم والفاء فصيحة أي فولدت غلاماً فانطقه الله تعالى حين الولادة فناداها المولود من تحتها. وروي ذلك عن مجاهد ووهب وابن جبير وابن جرير وابن زيد والجبائي ونقله الطبرسي عن الحسن أيضاً، وقرأ الابنان والأبوان وعاصم والجحدري وابن عباس والحسن في رواية عنهما {من } بفتح الميم بمعنى الذي فاعل نادى و {تَحْتِهَا } ظرف منصوب صلة لمن والمراد به إما عيسى أو جبريل عليهما الصلاة / والسلام. {أَلاَّ تَحْزَنِى } أي أي لا تحزني على أن أن مفسرة أو بأن لا تحزني على أنها مصدرية قد حذف عنها الجار {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ } بمكان أسفل منك، وقيل: تحت أمرك إن أمرت بالجري جرى وإن أمرت بالإمساك أمسك وهو خلاف الظاهر {سَرِيّاً } أي جدولاً كما أخرجه الحاكم في «مستدركه» عن البراء وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وذكره البخاري تعليقاً موقوفاً عليه وأسنده عبد الرزاق وابن جرير وابن مردويه في «تفاسيرهم» عنه موقوفاً عليه أيضاً ولم يصح الرفع كما أوضحه الجلال السيوطي. وعلى ذلك جاء قول لبيد يصف عيراً وأتاناً:شعر : فتوسطا عرض السري فصدَّعا مسجورة متجاورا قلامها تفسير : وأنشد ابن عباس قول الشاعر:شعر : سهل الخليقة ماجد ذو نائل مثل السري تمده الأنهار تفسير : وكان ذلك على ما روي عن ابن عباس جدولاً من الأردن أجراه الله تعالى منه لما أصابها العطش. وروي أن جبريل عليه السلام ضرب برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب فجرى جدولاً، وقيل: فعل ذلك عيسى عليه السلام وهو المروي عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه، وقيل: كان ذلك موجوداً من قبل إلا أن الله تعالى نبهها عليه. وما تقدم هو الموافق لمقام بيان ظهور الخوارق والمتبادر من النظم الكريم. وسمي الجدول سرياً لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا المعنى ياء، وعن الحسن وابن زيد والجبائي أن المراد بالسري عيسى عليه السلام وهو من السرو بمعنى الرفعة كما قال الراغب أي جعل ربك تحتك غلاماً رفيع الشأن سامي القدر، وفي «الصحاح» هو سخاء في مروءة وإرادة الرفعة أرفع قدراً ولامه على هذا المعنى واو. والجملة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهي عنه. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتأكيد التعليل وتكميل التسلية.

ابن عاشور

تفسير : ضمير الرفع المستتر في (ناداها) عائد إلى ما عاد عليه الضمير الغائب في {أية : فحملته}تفسير : [مريم: 22]، أي: ناداها المولود. قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص، وأبو جعفر، وخلف، وروح عن يعقوب {مِنْ تَحتها} ــــ بكسر ميم (من) ــــ على أنها حرف ابتداء متعلّق بــــ(ناداها) وبجر {تَحتها}. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ورويس عن يعقوب {مَنْ} بفتح الميم على أنها اسم موصول، وفتح {تَحْتَهَا} على أنه ظرف جعل صلة، والمعني بالموصول هو الغلام الذي تحتها. وهذا إرهاص لعيسى وكرامة لأمّه - عليهما السلام -. وقَيْدُ {من تحتها} لتحقيق ذلك، ولإفادة أنه ناداها عند وضعه قبل أن ترفعه مبادرة للتسلية والبشارة وتصويراً لتلك الحالة التي هي حالة تمام اتّصال الصبي بأمه. و (أنَّ) من قوله {ألاَّ تَحْزَني} تفسيرية لفعل {ناداها}. وجملة {قَدْ جَعلَ رَبُّكِ تحتك سَرِيّاً} خبر مراد به التعليل لجملة {ألاَّ تحزني}، أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية. السرّي: الجدول من الماء كالساقية، كثير الماء الجاري. وهبَها الله طعاماً طيّباً وشراباً طيّباً كرامة لها يشهدها كل من يراها، وكان معها خطيبها يوسف النجار، ومن عسى أن يشهدها فيكون شاهداً بعصمتها وبراءتها مما يظن بها. فأما الماء فلأنه لم يكن الشأن أن تأوي إلى مجرى ماء لتضع عنده. وأما الرُطب فقيل كان الوقت شتاء، ولم يكن إبان رطب وكان جذع النخلة جذع نخلة ميتة فسقوط الرطب منها خارق للعادة. وإنما أعطيت رُطباً دون التمر لأنّ الرطب أشهى للنفس إذ هو كالفاكهة وأما التمر فغذاء.

الشنقيطي

تفسير : اعلم أولاً: أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين: قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} بكسر الميم على أن "من" حرف جر، وخفض تاء تحتها، لأن الظرف مجرور بـ "من". وقرأه ابن كثير وأبو عمر، وابن عامر وشعبة عن عاصم، "فنادها من تحتها" بفتح ميم "من" على أنه اسم موصول هو فاعل نادى، أن ناداها الذي تحتها. وفتح أي "تحتها" فعلى القراءة الأولى ففاعل النداء ضمير محذوف. وعلى الثانية فالفاعل الاسم الموصول الذي هو "من". وإذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء مختلفون في هذا المنادى الذي ناداها المعبر عنه في إحدى القراءتين بالضمير، وفي الثانية بالاسم الموصول من هو؟ فقال بعض العلماء: هو عيسى. وقال بعض العلماء: هو جبريل. وممن قال: إن الذي نادى مريم هو جبريل - ابن عباس، وعمرو بن ميمون الأودي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه. وأهل هذا القول قالوا: لم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وممن قال إن الذي نادها هو عيسى عندما وضعته - أبي، ومجاهد، والحسن، ووهب بن منبه، وسعيد بن جبير في الرواية الأخرى عنه وابن زيد. فإذا علمت ذلك فاعلم أن من قال إنه الملك يقول: فناداها جبريل من مكان تحتها، لأنها على ربوة مرتفعة، وقد ناداها من مكان منخفض عنها، وبعض أهل هذا القول يقول: كان جبريل تحتها يقبل الولد كما تقبله القابلة. والظاهر الأول على هذا القول. وعلى قراءة "فناداها من تحتها" بفتح الميم وتاء "تحتها" عند أهل هذا القول. فالمعنى فنادها الذي هو تحتها أي في مكان أسفل من مكانها، أو تحتها يقبل الولد كما تقبل القابلة مع ضعف الاحتمال الأخير كما قدمنا، أي وهو جبريل فعلى القراءة الأولى على القول "فناداها" هو أي جبريل من تحتها. وعلى القراءة الثانية "فنادها من تحتها" أي الذي تحتها وهو جبريل. وأما على القول بأن المنادى هو عيسى، فالمعنى على القراءة الأولى: فناداها هو أي المولود الذي وضعته من تحتها. لأنه كان تحتها عند الوضع. على القراءة الثانية: "فناداها من تحتها" أي الذي تحتها وهو المولود المذكور الكائن تحتها عند الوضع. وممن اختار أن الذي ناداها هو عيسى: ابن جرير الطبري في تفسيره، واستظهره أبو حيان في البحر، واستظهر القرطبي أنه جبريل. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى، وتدل على ذلك قرينتان: الأولى - أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه، وأقرب مذكور في الآية هو عيسى لا جبريل. لأن الله قال {أية : فَحَمَلَتْهُ}تفسير : [مريم: 22] يعني عيسى {أية : فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ}تفسير : [مريم: 22] أي بعيسى. ثم قال بعده "فناداها" فالذي يظهر ويتبارد من السياق أنه عيسى. والقرينة الثانية - أنها لما جاءت به قومها تحمله، وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه. كما قال تعالى عنها: {أية : فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً}تفسير : [مريم: 29] وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته. وبهذه القرينة الأخيرة استدل سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه على أنه عيسى. كما نقله عنه غير واحد. و "أن" في قوله "ألاتحزني" هي المفسرة، فهي بمعنى أي. وضابط "أن" المفسرة أن يتقدمها معنى القول دون حروفه كما هنا. فالنداء فيه بمعنى القول دون حروفه ومعنى كونها مفسرة: أن الكلام الذي بعدها هومعنى ما قبلها. فالنداء المذكور قبلها هو: لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا. واختلف العلماء في المراد بالسري هنا. فقال بعض العلماء: هو الجدول وهو النهر الصغير. لأن الله أجرى لها تحتها نهراً. وعليه فقوله تعالى: {فكلي} أي من الرطب المذكور في قوله {أية : تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}تفسير : [مريم: 25] أي من النهر المذكور في قوله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} وإطلاق السري على الجدول مشهور في كلام العرب. ومنه قول لبيد في معلقته: شعر : فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاوراً قلامها تفسير : وقول لبيد أيضاً يصف نخلاً نابتاً على ماء النهر: شعر : سحق يمتعها الصفا وسريه عم نواعم بينهن كروم تفسير : وقول الآخر: شعر : سهل الخليقة ماجد ذو نائل مثل السري تمده الأنهار تفسير : فقوله "سريه". وقولهما "السري" بمعنى الجدول. وكذلك قول الراجز: شعر : سلم ترى الدالي منه أزورا إذا يعب في السري هرهرا تفسير : وقال بعض أهل العلم: السري هو عيسى. والسري هو الرجل الذي له شرف مروءة. يقال في فعله سرو بالضم. وسرا - بالفتح - يسرو سروا فيهما. وسري - بالكسر - يسري سري وسراء وسروا إذا شرف. ويجمع السري هذا على أسرياء على القياس، وسرواء وسراة بالفتح. وعن سيبويه أن السراة - بالفتح - اسم جمع لا جمع. ومنه قول الأفوه الأودي: شعر : لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا تفسير : ويجمع السراة على سروات. ومنه قول قيس بن الحطين: شعر : وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها تفسير : ومن إطلاق السري بمعنى الشريف قول الشاعر: شعر : تلقى السري من الرجال بنفسه وابن السري إذا سرى أسراهما تفسير : وقوله "أسراهما" أي أشرفهما. قاله في اللسان. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر الصغير، والدليل على ذلك أمران: أحدهما - القرينة من القرآن، فقوله تعالى: {أية : فَكُلِي وَٱشْرَبِي}تفسير : [مريم: 26] قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}، وقوله: {أية : تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}تفسير : [مريم: 25]، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 50] لأن المعين: الماء الجاري. والظاهر أن الجدول المعبر عنه بالسري في هذه الآية. والله تعالى أعلم. الأمر الثاني - حديث جاء بذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: وقد جاء بذلك حديث مرفوع، قال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس، سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إن السري الذي قال الله لمريم: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}، نهر أخرجه الله لها لتشرب منه"تفسير : وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث - انتهى كلام ابن كثير. وقال ابن حجر رحمه الله في "الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف" في الحديث المذكور: أخرجه الطبراني في الصغير، وابن عدي من رواية أبي سنان سعيد بن سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} قال: "حديث : السري النهر"تفسير : . قال الطبراني: لم يرفعه عن أبي إسحاق إلا أبو سنان، رواه عنه يحيى بن معاوية وهو ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق عن البراء موقوفاً. وكذا ذكره البخاري تعليقاً عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق. ورواه ابن مروديه من طريق آدم، عن إسرائيل كذلك وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن أبي إسحاق موقوفاً. وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن السري الذي قاله لمريم نهر أخرجه الله لتشرب منه". أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية في ترجمة عكرمة عن ابن عمر، وراويه عن عكرمة أيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة - انتهى. فهذا الحديث المرفوع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب من دعوى أن السري عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه. وممن اختار أن السري المذكور في الآية النهر-: ابن جرير في تفسيره، وبه قال البراء بن عازب، وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وعمر بن ميمون، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والسدي، ووهب بن منبه وغيرهم. وممن قال إنه عيسى: الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر. وهو إحدى الروايتين عن قتادة. وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قاله ابن كثير وغيره.

الواحدي

تفسير : {فناداها من تحتها ألاَّ تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً} نهر ماءٍ جارٍ، وكان تحت الأكمة نهرٌ قد انقطع الماء منه، فأرسل الله سبحانه الماء فيه لمريم. {وهزي} وحرِّكي {إليك} إلى نفسك {بجذع النخلة تُسَاقط} النَّخلة {عليك رطباً جنياً} غضَّاً ساعةَ جُني، وذلك أنَّ الله تعالى أحيا لها تلك النَّخلة بعد يبسها، فأورقت وأثمرت وأرطبت. {فكلي} من الرُّطب {واشربي} من الماء السَّري {وقري عيناً} بولدك {فإمَّا ترينَّ من البشر أحداً} فسألك عن ولدك، ولامَك عليه {فقولي إني نذرت للرحمن صوماً} صمتاً، أَيْ: قولي له: إني أوجبت على نفسي لله سبحانه أن لا أتكلَّم، وذلك أنَّ الله تعالى أراد أن يظهر براءتها من جهة عيسى عليه السَّلام يتكلَّم ببراءة أمِّه وهو في المهد، فذلك قوله: {فلن أكلم اليوم إنسياً}. {فأتت به} بعيسى بعد ما طهرت من نفاسها {قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً} عظيماً منكراً، ولداً من غير أبٍ! {يا أخت هارون} كان لها أخٌ صالحٌ من جهة أبيها يسمَّى هارون. وقيل: هارون رجلٌ صالحٌ كان من أمثل بني إسرائيل، فقيل لمريم: يا شبيهته في العفاف {ما كان أبوك} عمران {امْرَأَ سوء} زانٍ {وما كانت أمك} حنَّة {بغياً} زانيةً، فمن أين لك هذا الولد من غير زوجٍ؟ {فأشارت} إلى عيسى بأن يجعلوا الكلام معه، فتعجَّبوا من ذلك وقالوا: {كيف نكلم من كان في المهد صبياً} يعني: رضيعاً في الحِجْر. {قال} عيسى عند ذلك: {إني عبد الله} أقرَّ على نفسه بالعبوديَّة لله سبحانه {آتاني الكتاب} علَّمني التَّوراة. وقيل: الخطَّ. {وجعلني نبياً وجعلني مباركاً} معلِّماً للخير أدعو إلى الله تعالى {أينما كنت وأوصاني بالصلاة} أمرني بالصلاة {والزَّكاة} الطَّهارة {ما دمت حيَّاً}. {وبرَّاً} لطيفاً {بوالدتي}. {والسلام عليَّ يوم ولدت...} الآية. أَيْ: السَّلامة عليَّ من الله تعالى في هذه الأحوال. {ذلك عيسى ابنُ مريم} أَيْ: الذي قال: {إني عبد الله آتاني الكتاب...} الآية، هو عيسى ابن مريم لا ما يقول النَّصارى مِنْ أنَّه إله، وإنَّه ابن الله، {قول الحق} أيْ: هذا الكلام قول الحقِّ، والحقُّ: هو الله سبحانه. وقيل: معنى قول الحقِّ: أنَّه كلمةُ الله {الذي فيه يمترون} يشكُّون. يعني: اليهود، يقولون: إنَّه لِزَنيةٍ، وإنَّه كذَّاب ساحر، ويقول النَّصارى: إنَّه ابن الله. {ما كان لله} ما ينبغي له سبحانه {أن يتخذ من ولد} أَيْ: ولداً {سبحانه} تنزيهاً له عن ذلك {إذا قضى أمراً} أراد كونه {فإنَّما يقول له كن فيكون} كما قال لعيسى: كن فكان من غير أبٍ.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَنَادَاهَا} (24) - فَنُودِيَتْ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلاَمُ مِنْ تَحْتِهَا (وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ مَنْ نَادَاهَا: أَهُوَ جِبْرِيلُ أَمْ هُوَ الوَلِيدُ)، وَقَالَ لَهَا مَنْ نَادَاها: لاَ تَحْزَنِي لِمَا أَنْتِ فِيهِ مِنْ الشِّدَّةِ، وَقَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمَيْكِ جَدْوَلَ مَاءٍ تَشْرَبِينَ مِنْهُ. سَرِيّاً - جَدْوَلَ مَاءٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {مِن تَحْتِهَآ ..} [مريم: 24] فيها قراءتان (مِنْ، مَنْ) صحيح أن جبريل عليه السلام ما زال موجوداً معها لكنه ليس تحتها، فدلّ ذلك على أن الذي ناداها هو الوليد {أَلاَّ تَحْزَنِي ..} [مريم: 24]، وحزن مريم منشؤه الانقطاع عن الناس، وأنها في حالة ولادة، وليس معها مَنْ يسندها ويساعدها، وليس معها مَنْ يُحضِر لها لوازم هذه المسألة من طعام وشراب ونحوه. لذلك تعهّدها ربها تبارك وتعالى فوفّر لها ما يُقيتها من الطعام والشراب، فقال: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [مريم: 24] والسريّ: هو النهر الذي يجري بالماء العَذْب الزُّلال، ثم يعطيها الطعام المناسب لحالتها، فيقول تعالى: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} يعني نهراً صغيراً، وسَرياً بالنبطيةِ.

الأندلسي

تفسير : {أَلاَّ تَحْزَنِي} نهي * سريا السرى الرجل العظيم من الرجال له شأن عظيم والسري في اللغة الجدول وفي قوله: ربك تأنيس لها إذ هو مالكها والناظر في إصلاحها ثم أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع * قال ابن عباس: كان الجذع نخراً يابساً فلما هزته إذا السعف قد طلع ثم نظرت إلى الطلع يخرج من بين السعف ثم اخضر فصار بلحاً ثم احمر فصار زهواً ثم رطباً كل ذلك في طرفة عين فجعل الرطب يقع بين يديها لا يتسرح منها شىء وإلى حرف جر وفي قوله: هزي ضمير الفاعل وهو الياء وقد تعدى الفعل إلى ضمير الجر ونظيره قوله تعالى: {أية : وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ}تفسير : [القصص: 32] وقوله تعالى: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}تفسير : [الأحزاب: 37] وفي النحو أن الفعل إذا رفع ضميراً متصلاً أو مستكناً لا يتعدى إلى ضمير النصب ولا إلى ضمير الجر فلا تقول ضربتك ولا تضربيني ولا زيد ضربه يعني ضرب نفسه بل المعروف أنه يؤتى بدل الضمير المنصوب بالنفس فتقول ضربت نفسك وضربت نفسي وزيد ضرب نفسه إلا في باب ظن وفقد وعدم فيجوز ذلك فتقول ظننتك قائماً وظننتني قائماً وفي هزي إليك جاء فصيحاً تعدى ذلك إلى ضمير الجر والباء زائدة في قوله بجذع لأن هز متعد بنفسه تقول هززت الغصن وقرىء: {تُسَاقِطْ} بتشديد السين وأصله تتساقط فأدغمت التاء في السين، وقرىء: تساقط بحذف التاء وقرىء: تساقط مضارع ساقطت تساقط فعلى هذه القراءة يكون رطباً مفعولاً به وعلى القراءتين قبل ذلك يكون رطباً تمييزاً منقولاً من الفاعل إذ الأصل تساقط أو تساقط رطبه وفي قوله: وهزي دليل على السبب لتحصيل الرزق. {فَكُلِي وَٱشْرَبِي} لما كانت العادة تقديم الأكل على الشرب تقدم في الآية ولمجاورة قوله تساقط عليك رطباً جنيا * ولما كان المحزون قد يأكل ويشرب قال: {وَقَرِّي عَيْناً} أي لا تحزني ثم ألقى إليها ما تقول إن رأت أحداً. {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} إن شرطية وما زائدة وأصل ترين ترأييني نقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة وحذفت نون الرفع لدخول الجازم الذي هوان ثم أدخلت النون الشديدة فانحذفت تاء الضمير فبقيت ترين والياء المكسورة هي لام الفعل. {فَقُولِيۤ} جواب الشرط والجملة بعده معمول لقولي في موضع نصب وفي قولها: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} لطيفة وهو قولها: للرحمن أي الذي رحمني أولاً وآخراً وفي هذه الحال وغيرها ولا تناقض لأن المعنى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} بعد قولي هذا وبين الشرط وجزائه جملة محذوفة يدل عليها المعنى أي فاما ترين من البشر أحداً وسألك أو حاورك الكلام فقولي * وصوما قال السدي وابن زيد: كانت سنة الصيام عندهم الإِمساك عن الأكل والكلام. {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا} الآية تحمله جملة حالية أي حاملة له * والفري العظيم الشنيع. {يٰأُخْتَ هَارُونَ} الآية الظاهر أنه أخوها الأقرب وكانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم نعوا عليها ما جاءت به وأن أبويها كانا صالحين فكيف صدرت منك هذه الفعلة القبيحة وفي هذا دليل على أن الفروع غالباً تكون زاكية إذا زكت الأصول وينكر عليها إذا جاءت بضد ذلك. {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ} لما اتهموها بما اتهموها نفوا عن أبويها السوء ونفوا عن أمها البغاء وهو الزنا روي أنها لما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك وقيل هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام فتركوها. {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} ألف أشارت منقلبة عن ياء وقال يزيد بن حاتم المهلبي هي منقلبة عن واو من الشورى ونازعه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثوبان الرعيني قاضي افريقية وتحاكما إلى قتيبة الميال وكان يزيد قد جلبه من الكوفة إلى المغرب فقال له ابن غانم: كيف تبني من الإِشارة تفاعلنا فقال: تشايرنا فقال له يزيد: ما الدليل على هذا؟ فقال: قول كثير وقلت وفي الأحشاء داء مخامر إلا حبذا يا عز ذاك التشاير وقوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وقيل كان المستنطق لعيسى زكريا ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها ثم قالوا لها على جهة الإِنكار والتهكم بها. {كَيْفَ نُكَلِّمُ} أي: {مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ} يربى لا يكلم وإنما أشارت إليه لما تقدم لها من وعده أنه يجيبهم عنها ويغنيها عن الكلام وقيل بوحي من الله إليها وكان قيل انها تامة وقيل زائدة وينتصب. {صَبِيّاً} على الحال في هذين القولين والظاهر أنها ناقصة فتكون بمعنى صار أو تبقى على مدلولها من اقتران مدلول الجملة بالزمان الماضي ولا يدل ذلك على الانقطاع كما لم يدل في قوله وكان الله غفوراً رحيماً. {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} أنطقه الله أولاً بقوله: إني عبد الله رداً للوهم الذي ذهبت إليه النصارى وفي قوله: عبد الله والجمل التي بعده تنبيه على براءة أمّه مما اتهمت به لأنه تعالى لم يخص بولد موصوف بالنبوة والخلال الحميدة إلا مبراة مصطفاة * والكتاب الإِنجيل أو التوراة أو مجموعهما. {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} أنه تعالى نبأه حال طفولته أكمل الله تعالى عقله واستنبأه طفلاً وقيل ان ذلك سبق في قضائه وسابق حكمته. {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} أي نفاعاً. و{أَيْنَ مَا كُنتُ} شرط وجزاؤه محذوف تقديره جعلني مباركاً وحذف لدلالة ما تقدم عليه * وما في أينما زائدة وفي ما دمت مصدرية ظرفية أي مدة دوام حياتي والظاهر حمل الصلاة والزكاة على ما شرع في شريعتهم في البدن والمال * والجبار المتعاظم وكان صلى الله عليه وسلم في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب وينام حيث جنه الليل لا مسكن له وكان يقول سلوني فإِني لين القلب صغير في نفسي والألف واللام في والسلام للجنس. {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} الآية الإِشارة بذلك إلى المولود الذي ولدته مريم المتصف بتلك الأوصاف الجميلة وذلك مبتدأ وعيسى خبره وابن مريم صفة لعيسى أو خبر بعد خبر أو بدل والمقصود ثبوت بنوته من مريم خاصة من غير أب وليس بابن الله كما تزعم النصارى ولا لغير رشدة كما تزعم اليهود وانتصاب قول على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي هذا الاخبار عن عيسى بن مريم ثابت صدق ليس منسوباً لغيرها أي أنها ولدته من غير مس بشر كما تقول هذا عبد الله الحق لا الباطل أي أقول الحق وأقول قول الحق فيكون الحق هنا الصدق، وقرىء: قول برفع اللام وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي نسبته إلى أمه خاصة فقط الحق، قال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو بدل "انتهى" هذا الذي ذكره لا يكون إلا على المجاز في قول وهو أن يراد به كلمة الله لأن اللفظ لا يكون الذات وقرىء: يمترون بياء الغيبة وبتاء الخطاب وامترى افتعل اما من المرية وهي الشك أو من المراء وهو المجادلة والملاحاة وكلاهما مقبول هنا قالت اليهود ساحر كذاب وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة وهو الله. {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} من زائدة في سياق النفي والنفي لم يتسلط على كان وإذ انتفى الكون انتفى متعلقة وهو الاتخاذ فكان حرف النفي باشر يتخذ ومن ولد في موضع المفعول والنفي هنا دل على التنزيه ولذلك أعقب هذا النفي بقوله سبحانه: أي تنزه عن الولد إذ هو فما لا يتأتى ولا يتصور في المعقول ولا يتعلق به القدرة لاستحالته إذ هو تعالى متى تعلقت إرادته بإِيجاد شىء أوجده فهو منزه عن التوالد وقال بعض شعراء العرب: شعر : ألا رب مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان تفسير : عني بالأول عيسى وبالثاني آدم وتقدم الكلام على الجملة من قوله إذا قضى أمراً وقرىء وإن بكسر الهمزة وقرىء: بفتحها التقدير وكان الله ربي وربكم فاعبدوه والإِشارة بقوله هذا أي القول بالتوحيد وفني الولد والصاحبة والصراط هو الطريق المستقيم الذي يفضي بقائله ومعتقده إل يالنجاة. {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} هذا إخبار من الله تعالى لرسوله بتفرق بني إسرائيل فرقاً ومعنى من بينهم أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين لم يقع الاختلاف بسببه من غيرهم * والأحزاب قال الكلبي: اليهود والنصارى، وقال قتادة: ان بني إسرائيل جمعوا أربعة من أحبارهم فقال أحدهم: عيسى هو الله نزل إلى الأرض وأحيا من أحيا وأمات من أمات فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية ثم قال أحد الثلاثة عيسى هو ابن الله فكذبه الاثنان واتبعه النسطورية وقال أحد الاثنين عيسى أحد ثلاثة الله إله ومريم إله وعيسى إله فكذبه الرابع واتبعه الإِسرائيلية وقال الرابع عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فاتبعه فريق من بني إسرائيل ثم اقتتل الأربعة فغلب المؤمنون وقتلوا وظهر اليعقوبية على الجميع والأربعة يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل ومشهد مفعل من الشهود وهو الحضور أو من الشهادة ويكون مصدراً ومكاناً وزماناً فمن الشهود يجوز أن يكون المعنى من شهود هول الحساب والجزاء في يوم القيامة وأن يكون من مكان الشهود فيه وهو الموقف وأن يكون من وقت الشهود ومن الشهادة ويجوز أن يكون المعنى من شهادة ذلك اليوم وأن يشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وأن يكون من مكان الشهادة أو أن يكون من وقت الشهادة واليوم العظيم على هذه الاحتمالات هو يوم القيامة. {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} صيغة تعجب وحذف من الثاني بهم لدلالة الأول عليه وتقديره ما أسمعهم وما أبصرهم وتقدم الكلام في التعجب من الله تعالى وفي قوله: فما أصبرهم على النار. {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} هو يوم القيامة. {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ} عموم يندرج فيه هؤلاء الأحزاب الكفار وغيرهم من الظالمين واليوم أي في دار الدنيا ويوم الحسرة اسم جنس لأن بعده حسرات كثيرة في مواطن عدة منها يوم الموت ومنها أخذ الكتاب بالشمال وغير ذلك. و{قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي أمر يوم القيامة. {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} جملة حالية والعامل فيها قوله: وأنذرهم لعلهم ينتفعون بالإِنذار ويفكرون في يوم الحسرة. {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} هو عبارة عن فناء المخلوقات وبقاء الخالق وكأنها وارثة. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} الآية واذكر خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد أتل عليهم نبأ إبراهيم وذاكره ومورده في التنزيل هو الله تعالى * ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر قصة مريم وابنها عيسى واختلاف الأحزاب فيها وعبادتهما من دون الله وكانا من قبيل من قامت بهما الحياة ذكر الفريق الضال الذي عبد الجماد والفريقان وإن اشتركا في الضلال فالفريق العابد الجماد أضل ثم ذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه تذكيراً للعرب بما كان أبوهم عليه من توحيد الله وتبيين أنهم سلكوا غير طريقه وفيه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به وأن ذلك متلقى بالوحي والصديق من أبنية المبالغة وهو مبني من الثلاثي للمبالغة أي كثير الصدق والصدق عرفه في اللسان ويقابله الكذب وقد يستعمل في الأفعال والخلق وفيما لا يعقل * قال الزمخشري: هذه الجملة يعني قوله: انه كان صديقاً نبياً وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله أعني إبراهيم وإذا قال نحو قولك رأيت زيداً ونعم الرجل أخاك ويجوز أن يتعلق إذ بكان أو بصديقاً نبياً أي كان جامعاً لمقام الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات "انتهى" التخريج الأول يقتضي تصرف إذ وقد تقدم لنا أنها لا تتصرف والتخريج الثاني مبني على أن كان الناقصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة خلاف والتخريج الثالث لا يصح لأن العمل لا تنسب إلا إلى لفظ واحد اما أن ينسب إلى مركب من مجموع لفظين فلا ولا جائز أن يكون إذ معمولاً لصديقاً لأنه قد نعت إلا على رأي الكوفيين ويحتمل أن يكون معمولاً لنبيا أي منبأ في وقت قوله: لأبيه ما قال وان التنبئة كانت في ذلك الوقت وهو بعيد وتقدم الكلام على يا أبت في سورة يوسف واستفهم إبراهيم عن السبب الحامل لأبيه على عبادة الأصنام وهو منتف عنه السمع والبصر والإِغناء عنه شيئاً تنبيهاً على شنعة الرأي وقبحه وفساده في عبادة من انتفت عنه هذه الأوصاف رتب إبراهيم عليه السلام الكلام مع أبيه في أحسن اتساق وساقه أرشق مساق مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن منتصحاً في ذلك نصيحة ربه عز وجل ولما سأله عن العلة في عبادة الصنم ولا يمكن أن يجد جواباً انتقل معه إلى اخباره بأنه قد جاءه من العلم ما لم يأته ولم يصف أباه بالجهل إذ يغني عنه السؤال السابق وقال من العلم على سبيل التبعيض أي شىء من العلم ليس معك وهذه المحاورة تدل على أن ذلك كان بعد ما نبىء إذ في لفظ جاءني تجدد العلم والذي جاءه الوحي الذي يأتي به الملك أو العلم بأمور الآخرة وثوابها وعقابها وتوحيد الله وإفراده بالعبادة والألوهية فاتبعني على توحيد الله بالعبادة وارفض الأصنام. {أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} وهو الإِيمان وإفراده بالعبادة. {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} انتقل من أمره باتباعه إلى نهيه عن عبادة الشيطان وعبادته كونه يطيعه في عبادة الأصنام ثم نفره عن عبادة الشيطان بأنه كان عصياً للرحمن استعصى حين أمره بالسجود لآدم صلى الله عليه وسلم فأبى فهو عدو لك ولأبيك آدم من قبل وكان لفظ الرحمن هنا تنبيهاً على سعة رحمته وأن من هذا وصفه هو الذي ينبغي أن يعبد ولا يعصى وإعلاماً بشقاوة الشيطان حيث عصى من هذه صفته وارتكب من ذلك ما طرده عن هذه الرحمة. {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ} الآية الأولى حمل أخاف على موضوعه الأصلي لأنه لم يكن آيساً من إيمانه بل كان راجياً له وخائفاً أن لا يؤمن وأن يتمادى على الكفر فيمسه العذاب وخوّفه إبراهيم سوء العاقبة وتأدب معه إذ لم يصرح بلحوق العذاب به بل أخرج ذلك فخرج الخائف وأتى بلفظ هو ألطف من المعاقبة ونكر العذاب ورتب على مس العذاب بقوله: إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ما هو أكبر منه وهو ولاية الشيطان. {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي} قال أي أبوه استفهم استفهام إنكار والرغبة عن الشىء تركه عمداً وآلهته أصنامه وأغلط له في الإِنكار وناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بني * قال الزمخشري: وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: أراغب أنت عن آلهتي لأنه كان أهم عنده أعني وفيه ضرب من التعجب والإِنكار لرغبته عن آلهته وأن آلهته ما ينبغي أن يرغب عنها أحد وفي هذا سلوان وثلج لصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه "انتهى" والمختار في إعراب أراغب أنت أن يكون راغب مبتدأ لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام وأنت فاعل سدت مسد الخبر ويترجح هذا الاعراب على ما أعربه به الزمخشري من كون أراغب خبر وأنت مبتدأ بوجهين أحدهما أن لا يكون فيه تقديم ولا تأخير إذ رتبة الخبر أن يتأخر عن المبتدأ والثاني أن لا يكون فصل بين العامل الذي هو أراغب وبين معموله الذي هو عن آلهتي بما ليس بمعمول للعامل لأن الخبر ليس هو عاملاً في المبتدأ بخلاف كون أنت فاعلاً فإِنه معمول لراغب فلم يفصل بين أراغب وبين عن آلهتي بأجنبي إنما فصل بمعمول له ولما أنكر عليه رغبته عن آلهته توعده مقسماً على إنفاد ما توعده به إن لم ينته ومتعلق تنته محذوف واحتمل أن يكون عن مخاطبتي بما خاطبتني به ودعوتني إليه وأن تكون لئن لم تنته عن الرغبة عن آلهتي. {لأَرْجُمَنَّكَ} جواب القسم محذوف وظاهر الرجم بالحجارة * قال الزمخشري: فإِن قلت علام عطف واهجرني قلت على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك أي فاحذرني واهجرني لأن لأرجمنك تهديد وتقريع "انتهى" وإنما احتاج إلى حذف ليناسب بين جملتي العطف والمعطوف عليه وليس ذلك بلازم عند سيبويه بل يجوز عطف الجملة الخبرية على الجملة الإِنشائية فقوله: واهجرني معطوف على قوله: لئن لم تنته لأرجمنك وكلاهما معمول للقول وانتصب ملياً على الظرف أي دهراً طويلاً ومنه الملوان وهما الليل والنهار. {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} قرأ أبو البرهشم سلاماً بالنصب ورفع سلام على الابتداء ونصبه على المصدر أي سلمت سلاماً دعاء له بالسلامة على سبيل الاستمالة ثم وعده بالاستغفار وذلك يكون بشرط حصول ما يمكن معه الاستغفار وهو الإِيمان بالله وإفراده بالعبادة. {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي معتنياً وبي متعلق به ولما كان في قوله لأرجمنك فظاظة وقساوة قلب قابله بالدعاء له بالسلامة والأمن ووعده بالاستغفار قضاء لحق الأبوة ولما أمره بهجره الزمان الطويل أخبره بأنه يمتثل أمره ويعتزله وقومه ومعبوداتهم فهاجر إلى الشام وقيل الى حران وكانوا بأرض كوثا ولسان الصدق الثناء الحسن الباقي عليهم آخر الأبد قاله ابن عباس: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ} الآية وقرىء: مخلصاً بفتح اللام أي أخلصه الله للعبادة والنبوة وقرىء: بكسر اللام أي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وحسن مجيء قوله: نبياً بعد قوله: رسولاً كونه فاصلة واطلاق رسول على الملائكة ولا يقال لهم في العرف أنبياء ونداؤه إياه هو تكليمه تعالى إياه * والطور الجبل المشهور بالشام والظاهر أن الأيمن صفة للجانب لقوله في آية أخرى جانب الطور الأيمن بنصب الأيمن نعتاً لجانب الطور والأيمن مشتق من اليمن وهي البركة. {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} هو تقريب مكانة وتشريف لا مكان ونجيا فعيلاً من المناجاة وهو حال من المفعول في قربناه والمناجاة المسارة ومن في من رحمتنا للسبب أي من أجل رحمتنا له أو للتبعيض وأخا مفعول بوهبنا وهارون بدل أو عطف بيان * قال الزمخشري: وأخاه على هذا الوجه يعني كون من في من رحمتنا للتبعيض بدل وهارون عطف بيان كقولك رأيت رجلاً أخاك زيداً "انتهى" والذي يظهر ما قلناه ولا ترادف من بعضنا فتبدل منها وإسماعيل هو ابن ابراهيم عليهما السلام وصدق وعده أنه كان منه مواعيد لله وللناس فوفي بالجميع ولذلك خص بصدق الوعد. {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ} أي كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم ولأنهم أولى من سائر الناس كقوله تعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشعراء: 214]. {مَرْضِيّاً} مفعول من رضى ويقال: مرضو بإِدغام واو مفعول في اللام التي هي واو يقال مرضى لأنه اجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون وقلبت ياء فأدغمت الياء في الياء مرضياً وحسن مجيء مرضى دون مرضو كونه فاصلة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 562 : 14 : 6 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} أَلاَّ تَحْزَنِي} قالوا، هو عيسى. [الآية 24]. 563 : 15 : 7 - سفين عن جويبر عن الضحاك قال، هو جبريل. 564 : 16 : 30 - سفين عن أبي إسحاق عن البرآء بن عازب في قول الله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} قال، الجدول الصغير. [الآية 24].

همام الصنعاني

تفسير : 1756- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} [الآية: 24] قال الملك. وقال الحسن: من تحتها هو ابنها. 1757- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [الآية: 24] قال: هو الجدول يعني النهر الصغير. 1758- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن أبي إسحا، عن البراء بن عازب في قوله تعالى: {تَحْتَكِ سَرِيّاً} [الآية: 24]: قال: هو الجدول، النهر الصغير. 1759- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن رجل، عمن سمع ابن عبَّاسٍ يقول في مريم يقول: ليس إلاَّ أن حملته ثم وضعت. 1960- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا قيس، قال: أنبأنا عاصم، عن شقيق، قال: لو علم الله للنساء خيراً من الرطب أمَرَهَا به. 1961- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنَة، عن حصين، عن عمرو بن مَيْمون قال: إني لأحسب أفضل الطعام للنفساء التمر.