Verse. 2275 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

وَہُزِّيْۗ اِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَۃِ تُسٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا۝۲۵ۡ
Wahuzzee ilayki bijithAAi alnnakhlati tusaqit AAalayki rutaban janiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهزي إليك بجذع النخلة» كانت يابسة والباء زائدة «تساقط» أصله بتاءين قلبت الثانية سينا وأدغمت في السين، وفى قراءة تركها «عليك رطبا» تمييز «جنيا» صفته.

25

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } وأميليه إليك، والباء مزيدة للتأكيد أو افعلي الهز والأمالة به، أو {هزي} الثمرة بهزه والهز تحريك بجذب ودفع. {تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ} تتساقط فأدغمت التاء الثانية في السين وحذفها حمزة، وقرأ يعقوب بالياء وحفص «تسَـٰقط» من ساقطت بمعنى أسقطت، وقرىء «تتساقط» و «تسقط» و «يسقط» فالتاء للنخلة والياء للجذع.{رُطَباً جَنِيّاً } تمييز أو مفعول. روي أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر وكان الوقت شتاء، فهزتها فجعل الله تعالى لها رأساً وخوصاً ورطباً. وتسليتها بذلك لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش، والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل، وأنه ليس ببدع من شأنها مع ما فيه من الشراب والطعام ولذلك رتب عليه الأمرين فقال: {فَكُلِى وَٱشْرَبِى} أي من الرطب وماء السرى أو من الرطب وعصيره. {وَقَرِّي عَيْناً} وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنك، وقرىء {وقَرى} بالكسر وهو لغة نجد، واشتقاقه من القرار فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من الفرقان دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال قرة العين للمحبوب وسخنتها للمكروه. {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } فإن تري آدمياً، وقرىء «ترئن» على لغة من يقول لبأت بالحج لتآخ بين الهمزة وحرف اللين. {فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } صمتاً وقد قرىء به، أو صياماً وكانوا لا يتكلمون في صيامهم. {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } بعد أن أخبرتكم بنذري وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي. وقيل أخبرتهم بنذرها بالإِشارة وأمرها بذلك لكراهة المجادلة والاكتفاء بكلام عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه قاطع في قطع الطاعن. {فَأَتَتْ بِهِ } أي مع ولدها. {قَوْمَهَا } راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس. {تَحْمِلُهُ } حاملة إياه. {قَالُواْ يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي بديعاً منكراً من فري الجلد. {يَآ أُخْتَ هَـٰرُونَ } يعنون هرون النبي عليه الصلاة والسلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة، وقيل كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة. وقيل هو رجل طالح أو صالح كان في زمانهم شبهوها به تهكماً أو لما رأوا قبل من صلاحها أو شتموها به. {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تقرير لأن ما جاءت به فري، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أي كلموه ليجيبكم. {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } ولم نعهد صبياً في المهد كلمه عاقل، و {كَانَ } زائدة والظرف صلة من. و {صَبِيّاً } حال من المستكن فيه أو تامة أو دائمة كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }تفسير : [النساء: 17] أو بمعنى صار. {قَالَ إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ } أنطقه الله تعالى به أولاً لأنه أول المقامات والرد على من يزعم ربوبيته. {ءَاتَانِىَ ٱلْكِتَـٰبَ} الإِنجيل. {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً}. {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً} نفاعاً معلماً للخير، والتعبير بلفظ الماضي إما باعتبار ما سبق في قضائه، أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع وقيل أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً. {أَيْنَمَا كُنتُ} حيث كنت. {وَأَوْصَانِى} وأمرني. {بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ} زكاة المال إن ملكته أو تطهير النفس عن الرذائل. {مَا دُمْتُ حَيّاً}. {وَبَرّاً بِوَالِدَتِى} وباراً بها عطف على {مُبَارَكاً }، وقرىء بالكسر على أنه مصدر وصف به أو منصوب بفعل دل عليه أوصاني، أي وكلفني براً ويؤيده القراءة بالكسر والجر عطفاً على «الصلاة». {وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً } عند الله من فرط تكبره. {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } كما هو على يحيـى والتعريف للعهد والأظهر أنه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه، فإنه لما جعل جنس السلام على نفسه عرض بأن ضده عليهم كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ }تفسير : [طه: 47] فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى. {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } أي الذي تقدم نعته هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعله موصوفاً بأضداد ما يصفونه ثم عكس الحكم. {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} خبر محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه، والإِضافة للبيان والضمير للكلام السابق أو لتمام القصة. وقيل صفة {عِيسَى} أو بدل أو خبر ثان ومعناه كلمة الله. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب {قَوْلَ} بالنصب على أنه مصدر مؤكد. وقرىء «قال الحق» وهو بمعنى القول. {ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ} في أمره يشكون أو يتنازعون، فقالت اليهود ساحر وقالت النصارى ابن الله وقرىء بالتاء على الخطاب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } كانت يابسة، والباء زائدة {تُساقِطْ } أصله بتاءين، قلبت الثانية سيناً وأدغمت في السين، وفي قراءة تركها {عَلَيْكِ رُطَباً } تمييز {جَنِيّاً } صفته.

ابن عبد السلام

تفسير : {النَّخْلَةِ} برنية، أو عجوة، أو صرفانة أو قريناً ولم يكن لها رأس وكان الشتاء فجعلت آية، قيل اخضرت وحملت ونضجت وهي تنظر {جَنِيّاً} مترطب البسر، أو الذي لم يتغير، أو الطري بغبار.

النسفي

تفسير : {وَهْزِّي} حركي {إِلَيْكَ} إلى نفسك {بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } قال أبو علي: الباء زائدة أي هزي جذع النخلة. {تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ } بإدغام التاء الأولى في الثانية: مكي ومدني وشامي وأبو عمرو وعلي وأبو بكر، والأصل تتساقط بإظهار التاءين {وتساقط} بفتح التاء والقاف وطرح التاء الثانية وتخفيف السين: حمزة. و{يساقط} بفتح الياء والقاف وتشديد السين: يعقوب وسهل وحماد ونصير. و{تساقط} حفص من المفاعلة. و{تُسقِطْ} و{يُسقِطْ} وتَسقُطْ ويَسقُطْ التاء للنخلة والياء للجذع فهذه تسع قراءات {رُطَباً } تمييز أو مفعول به على حسب القراءة {جَنِيّاً } طرياً وقالوا: التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت. وقيل: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض من العسل {فَكُلِى } من الجني {وَٱشْرَبِى } من السري {وَقَرّى عَيْناً } بالولد الرضي و{عينا} تمييز أي طيبي نفساً بعيسى وارفضي عنك ما أحزنك {فَإِمَّا} أصله إن ما فضمت إن الشرطية إلى ما وأدغمت فيها {تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِى إِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } أي فإن رأيت آدمياً يسألك عن حالك فقولي إني نذرت للرحمن صمتاً وإمساكاً عن الكلام، وكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الأكل والشرب. وقيل: صياماً حقيقة وكان صيامهم فيه الصمت فكان إلتزامُه إلتزامَه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت فصار ذلك منسوخاً فينا. وإنما أمرت أن تنذر السكوت لأن عيسى عليه السلام يكفيها الكلام بما يبرىء به ساحتها ولئلا تجادل السفهاء، وفيه دليل على أن السكوت عن السفيه واجب وما قُدعَ سفيه بمثل الإعراض ولا أطلق عنانه بمثل العراض. وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة وقد تسمى الإشارة كلاماً وقولاً ألا ترى أن قول الشاعر في وصف القبور شعر : وتكلمت عن أوجه تبلى تفسير : وقيل: كان وجوب الصمت بعد هذا الكلام أو سوغ لها هذا القدر بالنطق {فَلَنْ أُكَلّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } آدميا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏وهزي إليك بجذع النخلة‏}‏ قال‏:‏ حركيها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن مجاهد ‏ {‏وهزي إليك بجذع النخلة‏} ‏ قال‏:‏ كانت عجوة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن البراء أنه قرأ‏ "يساقط عليك‏"‏ بالياء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ ‏"‏يساقط عليك‏"‏ بالياء يعني الجذع‏. وأخرج عبد بن حميد، عن مسروق أنه قرأ ‏ {‏تساقط عليك رطباً جنيا‏ً} ‏ بالتاء‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏تساقط‏}‏ مثقلة بالتاء‏. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن طلحة الإيابي أنه قرأ ‏ {‏تساقط عليك رطباً‏} ‏ مثقلة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك أنه قرأ ‏"‏تسقط عليك رطبا‏ً"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏رطباً جنيا‏ً}‏ قال‏:‏ طريا‏ً. وأخرج الخطيب في تالي التلخيص، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏تساقط عليك رطباً جنيا‏ً} ‏ قال‏:‏ بغباره‏. وأخرج ابن الأنباري والخطيب، عن أبي حباب مثله‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي روق قال‏:‏ انتهت مريم إلى جذع ليس له رأس، فأنبت الله له رأساً، وأنبت فيه رطباً وبسراً ومدبباً وموزاً، فلما هزت النخلة، سقط عليها من جميع ما فيها‏. وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن أبي قدام قال‏:‏ أنبتت لمريم نخلة تعلق بها كما تعلق المرأة عند الولادة‏. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب النبوي والعقيلي وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر، عن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شجرة تلقح غيرها‏ "تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أطعموا نساءكم الولَّد الرطب، فإن لم يكن رطب، فتمر فليس من الشجر شجرة أكرم من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر،‏ ‏حديث : عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مماذا خلقت النخلة‏؟‏ قال‏: ‏"خلقت النخلة والرمان والعنب من فضل طينة آدم عليه السلام" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر، عن سلمة بن قيس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر، فإنه من كان طعامها في نفاسها التمر‏:‏ خرج ولدها ولداً حليماً، فإنه كان طعام مريم، حيث ولدت عيسى، ولو علم الله طعاماً هو خير لها من التمر لأطعمها إياه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن شقيق قال‏:‏ لو علم الله أن شيئاً للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون قال، ليس للنفساء خير من الرطب، أو التمر وقال‏:‏ إن الله قال‏:‏ ‏ {‏وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا‏ً}‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الربيع بن خيثم قال‏:‏ ليس للنفساء عندي دواء مثل الرطب، ولا للمريض مثل العسل‏. وأخرج ابن عساكر، عن الشعبي قال‏:‏ كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب أن رسلاً أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير‏!‏ تخرج مثل أذان الحمير، ثم تشقق عن مثل اللؤلؤ الأبيض، ثم تصير مثل الزمرد الأخضر، ثم تصير مثل الياقوت الأحمر، ثم تينع وتنضج فتكون كأطيب فالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم، وزاداً للمسافر، فإن لم تكن رسلي صدقتني، فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر أن رسلك قد صدقتك، هذه الشجرة عندنا‏:‏ وهي التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى‏.

السلمي

تفسير : قال الواسطى رحمه الله: هزى إليك بجذع النخلة: قال كانت يابسة فلما حركت اهتزت واخضرت وأطلعت وسقطت فقال: كما أن الله تولى النخلة بما عاينت تولى عيسى فى إظهاره من غير أب. قال فارس: هُزّى إِليك. قال: كانت فى هذا الوقت محبة المخالفات لذلك أمرت باكتساب، وفى وقت دخول زكريا عليها فى محبة الموافقات. وقال أيضًا: سكنها فى محنها مرة وأتبعها أخرى وذلك محبة العوام ومحبة الموافقات أعظم. وقال ابن عطاء: فى قصة مريم عليها السلام لما كانت مجردة رزقت بغير حركة وكسب لما تعلق قلبها بعيسى قال لها: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}.

القشيري

تفسير : وكان جِذْعاً يابساً أخرج اللَّهُ تعالى منه في الوقتِ الثمرةَ،وهي الرُّطبُ الجنيُّ، وكان في ذلك آية ودلالة لها؛ فالذي قدر على فعل مثل هذا قادر على خلق عيسى - عليه السلام - من غير أبٍ. ويقال عندما كانت مُجَرَّدَةً بلا علاقة، فقد كان زكريا - عليه السلام - يَجِدُ عندها رزقاً من غير أن أُمِرْتْ بتكلف، فلمَّا جاءَتْ علاقةُ الولدِ أُمِرَتْ بهزِّ النخلةِ اليابسةِ - وهي في أضعف حالها؛ زمان قرب عهدها بوضع الولد، لِيُعْلَمَ أَنَّ العلاقةَ توجِبُ العناءَ والمشقة. ويقال بل أُمِرَتْ بهزِّ النخلة اليابسة، وكان تمكنُها من ذلك أوضحَ دلالة على صدقها في حالها. ويقال لمّا لم يكن لها في هذه الحالة مَنْ يقوم بتعهدها تولَّى الله تعالى كفايتها؛ لِيَعْلَمَ العالمون أنه لا يضيع خواصَّ عِبادِه في وقت حاجتهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} خاطبها الحق سبحانه بعد غلبه الحزن على قلبها عند سماع اقوال المبطلين ليسقى ---- عن خطرات الأكوان وعلة الحدثان واقوال الحرمان البسها لباس انوار قدرته وجعلها اعيناً من عيون جمعه حتى عرفت مكانتها من جوهر القدس ومعدن روح القدس والكلمة القائمة بعزته فقد الاعيان لها بانها هزت نخلة يابسة فاسقطت عنها رطبا جنيا وقال الواسطى كانت يابسة لما كان اهتزت واخضرت واطلعت وسقطت نقال كما ان الله تولى النخلة بما عاينت تولى عيسى في اظهار من غير فحل قال ابن عطا لما كانت مجردة رزقت بغير حركة وكسب فلما تعلق فيها بيعسى قال لها وهزى اليك بجذع النخلة قال ابو سعيد الخزاز لما رأت من نفسها شفقة على ولدها خافت ان يكون ذلك يقطعها عن الله وقالت يا ليتني مت قبل هذا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهزى} هز الشئ تحريكه الى الجهات المتقابلة تحريكا عنيفا متداركا والمراد ههنا ما كان منه بطريق الجذب والدفع لقوله {اليك} اى الى جهتك {بجذع النخلة} الباء صلة للتأكيد كما فى قوله تعالى {ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة} قال الفراء قتول العرب هزه وهز به {تساقط} اى تسقط النخلة {عليك} اسقاطا متواترا حسب تواتر الهز {رطبا}[خرماى تازه]{جنيا} وهو ما قطع قبل يبسه فعيل بمعنى مفعول اى رطبا مجنيا اى صالحا للاجتناء قد بلغ الغاية. قال فى الاسئلة المقحمة كيف امرها بهز النخلة ههنا وقبل ذلك كان زكريا يجد رزقها فى المحراب فالجواب انها فى حالة الطفولية كانت بلا علاقة اوجبت العناء والمشقة. وقال فى اسئلة الحكم ما الحكمة فى امرها بالهز قيل لانها تعجبت من ولد بغير اب فاراها الرطب من نخل يا بس آية منه تعالى كيلا تتعجب منه. واما سر كون الآية فى النخلة فلانها خلقت من طينة آدم وفيها نسبة معنوية لحقيقة الانسانية دون غيرها لعدم حصولها بغير زوج ذكر يسمى بالتأبير وقال لم اجرى الله النهر بغير سعى مريم ولم يعطها الرطب الا بسعيها قيل لان الرطب غذاء وشهوة والماء سبب للطهارة والخدمة وقيل ثمرة الرطب صورة العمل الكسبى والماء صورة سر الفيض الالهى فاجرى كل شئ فى منزله ومقامه لان كل كرامة صورة عمل السالك اذا تحقق وتخلق به وقيل جرت عادة الله تعالى فى الطرب باسباب التعمل كالغرس والسقى والتأبير والماء ليس له سبب ارضى بل هو وهبى سماوى ولذا اجرى النهر لمريم بغير سببز

الجنابذي

تفسير : {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} هزّه وبه حرّكه {تُسَاقِطْ} قرئ بضمّ التّاء الفوقانيّة وتخفيف السّين وكسر القاف، وقرئ يساقط بفتح الياء التّحتانيّة وتشديد السّين وبفتحها وتخفيف السّين وبفتح التّاء الفوقانيّة وتشديد السّين {عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَٱشْرَبِي} من الرّطب والماء، او كلى ممّا يتغذّى به واشربى ممّا يشرب فى هذا المكان او مطلقاً {وَقَرِّي عَيْناً} بهذا الولد فانّه لا ينبغى ان تحزنى بسببه ولا تكترثى بما توهّمت من لوم الجهّال {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} اى فان ترى {مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} فسألك عن ولدك {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} اى سكوتاً ولكونه بمعنى السّكوت فرّع عدم التّكلّم عليه، قيل: كان فى بنى اسرائيل انّه من اراد ان يجتهد فى العبادة صام عن الكلام كما يصوم عن الطّعام، ولذلك استعمل الصّوم فى عدم التّكلّم {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} قيل: صارت مأذونة لهذا القدر من الكلام، وقيل: كانت تُفهم بالاشارة انّها صائمة ولا تتكلّم، قيل: لفّته فى خرقةٍ.

اطفيش

تفسير : {وَهُزِّى إِلَيْكِ} متعلق بمحذوف حال من جذع على أن الباء زائدة والجذع مقبول فلا تمنع من تقديم الحال أو يقدر الاستقرار بعده بل يقدر الكون الخاص أى هزى بجزع النخلة منتهياً إليك. وغير زائدة. والمعنى: افعلى الهز به وهذا بناء على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف غير زائد ولا يعلق إليك بهزى لأن الفعل لا يعمل فى ضميرين لمسمى واحد وكذا شبه الفعل إلا علم وما معه وقد يقال: الحق أنه إنما يمنع إذا لم يتعد لواحد بحرف وقد يعلق به على تقدير مضاف أى إلى نفسك لكن هذا المضاف غير محتاج إليه. {بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} وهو يابس كما ذكرت وقال: قوم إن الجذع الذى ألجأها إليه المخاض وأمرت بهزه كان سعفا مطعما رطبا. وعن بعض أنه جذع عجوة. والصحيح أنه يابس ميت لما ولدت أحياه الله أورق وأثمر وأرطب فى حين. وروى أن العين نبع من ضرب جبريل الأرض. وقيل: ضربها عيسى فخرج. وقيل: معنى كون العين تحتها أنه إن شاءت جرى وإن شاءت أمسك والهز. التحريك بجذب ودفع. وقيل: الباء للاستعانة والمفعول محذوف أى هزى الثمرة بجذع النخلة أى بهز جزعها وإذا فسر بافعلى به الهز فهو لازم لا مفعول له. ومن أخذ ثلاث خوصات من ثلاث نخلات ألوان: أصفر وأحمر وأخضر وكتب على كل خوصة {وهزى إليك} - إلى - {إنسيا} بقلم حديد ثم علق كل خوصة فى جريدتها من نخلتها أنجب ثمر نخلة ويآتى آجلها عاجلا وسلم من الآفات وأنجب النخل بنفسه أيضاً. {تُسَاقِطْ} مجزوم فى جواب الأمر والأصل يتساقط بتاءين: تاء المضارع وتاء الماضى قلبت تاء الماضى وهى الأخيرة سينا وأدغمت بالسين وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف وبالتخفيف وقرئ تتساقط بالتاءين. وقرأ حمزة تساقط بفتح التاء والقاف والتخفيف على حذف إحدى التاءين ويساقط بالمثناة التحتية وتشديد السين إدغاما لتاء الماضى فيها بعد قلبها سينا والمثناة والقاف مفتوحان. قال بعض: وهذه قراءة يعقوب وتسقط ويسقط بضم أولهما وكسر القاف وبفتح أولهما وضم القاف والتاء للنخلة والياء للجذع. {عَلَيْكِ رُطَباً} تمييز على كل قراءة غير تسقط ويسقط بضم أولهما وكسر قافهما فإنه عليهما مفعول به وذلك على أن تساقط ويساقط بضم التاء والياء وكسر القاف بمعنى تتساقط. أما على أنهما بمعنى تسقط ويسقط بضم الأول وكسر القاف فرطبا مفعول به. ويجوز أن يكون مفعولا فى قراءة تسقط ويسقط بفتح الأول وضم القاف على أنهما متعديان. وأجاز المبرد كون رطبا مفعولا لهزى قبل وليس كذلك. {جَنِيّاً} بلغ أوان التقاطه. وكسر طلحة بن سليمان الجيم تبعا. قال الربيع ابن خيثم: ما للنفساء عندى خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل وكذا ينفع الرطب فى عسر الولادة.

اطفيش

تفسير : {وهزِّى إِليكِ} زعموا أنه لا يعمل الفعل فى ضميرين متصلين لمسمى واحد، ولو جرى الثانى بالحرف إلا فى باب ظن وعلم، وفقد وعدم ورأى الحلمية قلت: لا مانع من ذلك إذا كان بحرف الجر، كما هنا، وكما فى قوله تعالى: "أية : واضمم إليك" تفسير : [القصص: 32] وقوله: "أية : أمسك عليك زوجك" تفسير : [الأحزاب: 37] وقوله: "أية : يدنين عليهن" تفسير : [الأحزاب: 59] وقوله: "أية : فصرهن إليك" تفسير : [البقرة: 260] وهو كثير فى القرآن، وما كثير لا يحسن منع القياس عليه، ولا تأويله ولم يجىء فى القرآن بلا حرف، وهو الممنوع نحو: ضربتَكَ بفتح التاء، وضربتُنى بضمها، وزيد ضربه برد المستتر، والهاء إلى زيد فهو متعلق بهزى، ولا حاجة إلى تقدير أعنى إليك. وأيضاً إلى فى هذه العناية أن علقت بهز محذوف فقد رجعت إلى المحذوف ولو قدر مضافاً أى إلى جهتك كان أولى، مع أنه لا حاجة إليه، ولا حاجة إلى جعل اسماً بمعنى عند، ولا إلى جعلها اسم فعل، وعدى بالى لتضمنه معنى الإمالة، بل لا يحتاج إلى تأويل، ألا ترى صحة قولك: هزى إلى كذا، وكأنه قيل حركه إلى كذا، والهز التحريك أى إلى جهة بعنف أو بلا عنف، والهز إلى جهتها أو يمينا وشمالا فيسقط التمر قدامها. {بِجِذْعِ النَّخْلة} الباء صلةٌ للتأكيد، والجذع مفعول به، وإن جعلنا الباء للآلة فالمفعول محذوف تقديره، هزى بجذع النخلة فروعها أو قنوانها، ولا يحسن هزى ثمارها، وقد كان يكفى عن هزها هز محلها، فلا يحسن جعل رطباً مفعو به لهزى، ومن خوارق العادة قدرتها على هز جذع النخلة، أو خلقه الله رقيقا ليناً، وكون ذلك فى غير أوان الرطب، خارق آخر، ويروى أن عيسى أو جبريل ضرب الأرض بعقبه، فجرت العين اليابسة، واخضرت النخلة، وأثمرت وأنعت {تُسَاقِط عليك} تتساقط، أدغمت التاء الثانية فى السين والفاعل ضمير النخلة {رطباً} تمييز محول عن الفاعل الأصل تتساقط عليك رطبها، وهى نضج البسر، والواحدة رطبة، ومعنى على العلو على قدامها، ويحتمل السقوط على رأسها أو حجرها، أو على مطلق جسدها، فذلك بيان لكثرة الثمار الساقطة، وأكد الكثرة بإسناد السقوط إلى نفس النخلة، وأكدها أيضاً بصيغة التفاعل. {جَنياً} تم نضجه كلها، خرج عن البسر ولم يصل التمر، وكان بحيث يستحق أن يجنى، أى يقطف من متعلقه، وما يجنى خير مما يسقط فى الجملة، لأنه يلتصق بالتراب، وقد تأكل منه نملة، وقد يكون قديما، وما قرب عهداً أحسن مما بعد عهده، ولكن جمع الله تبارك وتعالى كونه ساقطاً فى نظافة ما يجنى، وما مفرده بالتاء هكذا يذكر ويؤنث، ولذا قال: جنياً، ولم يقل جنية. وعن ابن عباس: لما هزت الجذع أسعف فاطلع، فاخضر فأبلح، فاجمر أو اصفر فأزهى فأرطب فى ساعة واحدة، وهى تنظر، وكان برنياً أو عجوة، وهو المشهور، قيل: حملت أيضاً الموز، ولم يذكر لأن غاية النفع للنفساء فى الرطب، وعن محمد الباقر لم تستشف النفساء بمثل الرطب أن الله أطعمه مريم فى نفاسها، وقالوا ما للنفساء خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل، قيل: ولا سيما إذا عسر نفاسها، وذكروا أن التمر للنفساء من ذلك الوقت، وكذا تحنيك الصبى به إذا ولد، وفى أمرها بالهز إشارة إلى الأمر بالكسب، وأنه لا ينافى التوكل قيل: شعر : ألم تر أن الله أوحى لمريم وهزى إليك الجذع يسّاقط الرّطب ولو شاء أحنى الجذع من غير هزه إليها ولكن كل شىء له سبب تفسير : والله تعالى وعز وجل أجرى الأمور على الأسباب، ليكون للخلق فيها مدخل بالمسبب ورجاء وطمع، وهروب عن المكروه، وذلك إجراء فيما يكون، وما لا يكون كما فى الامتداد بالملائكة، بشرط أن يكون كذا، وقد علم الله أنه لا يكون كذا، فلا امداد، وكما فى قوله تعالى: "أية : ولو تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد" تفسير : [الأنفال: 42] وقد علم الله تعالى لا تواعد بينهم ولا تخالف.

الالوسي

تفسير : {وَهُزِّى إِلَيْك } أي إلى جهتك. والهز تحريك يميناً وشمالاً سواء كان بعنف أو لا أو تحريك بجذب ودفع وهو مضمن معنى الميل فلذا عدي بالىٰ أو أنه مجاز عنه أو اعتبر في تعديته ذلك لأنه جزء معناه كذا قيل. ومنع أبو حيان تعلقه بهزي وعلل ذلك بأنه قد تقرر في النحو أن الفعل لا يعدى إلى الضمير المتصل وقد رفع الضمير المتصل وليس من باب ظن ولا فقد ولا عدم وهما لمدلول واحد فلا يقال: ضربتك وزيد ضربه على معنى ضربت نفسك وضرب نفسه. والضمير المجرور عندهم كالضمير المنصوب فلا يقال: نظرت إليه وزيد نظر على معنى نظرت إلى نفسك ونظر إلى نفسه. ومن هنا جعلوا على في قوله:شعر : هون عليك فإن الأمور بكف الإلٰه مقاديرها تفسير : اسماً كما في قوله:شعر : غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها تفسير : وجعل الجار والمجرور هنا متعلقاً بمحذوف أي أعني إليك كما قالوا في سقيا لك ونحوه مما جيء به للتبيين. وأنت تعلم أنهم قالوا بمجيء إلى للتبيين لكن قال ابن مالك وكذا صاحب «القاموس»: إنها المبينة لفاعلية مجرورها بعدما يفيد حباً أو يغضاً من فعل تعجب أو اسم تفضيل وما هنا ليس كذلك. وقال في «الإتقان»: حكى ابن عصفور في «شرح أبيات الإيضاح» عن ابن الأنباري أن إلى / تستعمل اسماً فيقال: انصرفت من إليك كما يقال غدوت من عليه وخرج عليه من القرآن {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ} وبه يندفع إشكال أبـي حيان فيه انتهى. وكان عليه أن يبين ما معناها على القول بالإسمية، ولعلها حينئذ بمعنى عند فقد صرح بمجيئها بهذا المعنى في «القاموس» وأنشد:شعر : أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إليَّ من الرحيق السلسل تفسير : لكن لا يحلو هذا المعنى في الآية، ومثله ما قيل إنها في ذلك اسم فعل، ثم إن حكاية استعمالها اسماً إذا صحت تقدح في قول أبـي حيان: لا يمكن أن يدعى أن إلى تكون اسماً لإجماع النحاة على حرفيتها. ولعله أراد إجماع من يعتد به منهم في نظره. والذي أميل إليه في دفع الإشكال أن الفعل مضمن معنى الميل والجار والمجرور متعلق به لا بالفعل الرافع للضمير وهو مغزى بعيد لا ينبغي أن يسارع إليه بالاعتراض على أن في القلب من عدم صحة نحو هذا التركيب للقاعدة المذكورة شيئاً لكثرة مجيء ذلك في كلامهم. ومنه قوله تعالى: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } تفسير : [الأحزاب: 37] والبيت المار آنفاً. وقول الشاعر:شعر : دع عنك نهبا صيح في حجراته ولكن حديثاً ما حديث الرواعل تفسير : وقولهم: اذهب إليك وسر عنك إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع. وتأويل جميع ما جاء لا يخلو عن تكلف فتأمل وأنصف، ثم الفعل هنا منزل منزلة اللازم كما في قول ذي الرمة:شعر : فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي تفسير : فلذا عدي بالباء أي افعلي الهز. {بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } فالباء للآلة كما في كتبت بالقلم. وقيل هو متعد والمفعول محذوف والكلام على تقدير مضاف أي هزي الثمرة بهز جذع النخلة ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن هز الثمرة لايخلو من ركاكة، وعن المبرد أن مفعوله {رطباً } الآتي والكلام من باب التنازع. وتعقب بأن الهز على الرطب لا يقع إلا تبعاً فجعله أصلاً وجعل الأصل تبعاً حيث أدخل عليه الباء للاستعانة غير ملائم مع ما فيه من الفصل بجواب الأمر بينه وبين مفعوله ويكون فيه إعمال الأول وهو ضعيف لا سيما في هذا المقام. وما ذكر من التعكيس وارد على ما فيه التكلف وهو ظاهر، وما قيل من أن الهز وإن وقع بالأصالة على الجذع لكن المقصود منه الثمرة فلهذه النكتة المناسبة جعلت أصلاً لأن هز الثمرة ثمرة الهز لا يدفع الركاكة التي ذكرناها مع أن المفيد لذلك ما يذكر في جواب الأمر. وجعل بعضهم {بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } في موضع الحال على تقدير جعل المفعول {رطباً } أو الثمرة أي كائنة أو كائناً بجذع النخلة وفيه ثمرة ما لا تسمن ولا تغني، وقيل الباء مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195] وقول الشاعر:شعر : هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور تفسير : والوجه الصحيح الملائم لما عليه التنزيل من غرابة النظم كما في «الكشف» هو الأول، وقول الفراء: إنه يقال هزه وهز به إن أراد أنهما بمعنى كما هو الظاهر لا يلتفت إليه كما نص عليه بعض من يعول عليه. {تُسَـٰقِطْ } من ساقطت بمعنى أسقطت، والضمير المؤنث للنخلة ورجوع الضمير للمضاف إليه شائع، ومن أنكره فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً. وجوز أبو حيان أن يكون الضمير للجذع لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه كما في قوله تعالى: {أية : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ } تفسير : [يوسف: 10] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقية، وقول الشاعر:شعر : كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : وتعب بأنه خلاف الظاهر وإن صح. وقرأ مسروق وأبو حيوة في رواية {تسقط} بالتاء من فوق مضمومة وكسر القاف. وفي رواية أخرى عن أبـي حيوة أنه قرأ كذلك إلا أنه بالياء من تحت. وقوله تعالى: {عَلَيْكِ رُطَباً } في جميع ذلك نصب على المفعولية وهو نضيج البسر واحدته بهاء وجمع شاذاً على أرطاب كربع وأرباع، وعن أبـي حيوة أيضاً أنه قرأ {تسقط} بالتاء من فوق مفتوحة وضم القاف، وعنه أيضاً كذلك إلا أنه بالياء من تحت فنصب {رطباً } على التمييز، وروي عنه أنه رفعه في القراءة الأخيرة على الفاعلية. وقرأ أبو السمال {تتساقط} بتاءين. وقرأ البراء بن عازب {يساقط} بالياء من تحت مضارع أساقط. وقرأ الجمهور {تُسَـٰقِطْ } بفتح التاء من فوق وشد السين بعدها ألف وفتح القاف، والنصب على هذه الثلاثة على التمييز أيضاً. وجوز في بعض القراآت أن يكون على الحالية الموطئة وإذا أضمر ضمير مذكر على إحدى القراآت فهو للجذع، وإذا أضمر ضمير مؤنث فهو للنخلة أو له على ما سمعت. {جَنِيّاً } أي مجنياً ففعيل بمعنى مفعول أي صالحاً للاجتناء. وفي «القاموس» ثم جني جني من ساعته. وعليه قيل المعنى رطباً يقول من يراه هو جني وهو صفة مدح فإن ما يجنى أحسن مما يسقط بالهز وما قرب عهده أحسن مما بعد عهده، وقيل فعيل بمعنى فاعل أي رطباً طرياً، وكان المراد على ما قيل إنه تم نضجه. وقرأ طلحة بن سليمان {جَنِيّاً } بكسر الجيم للاتباع. ووجه التذكير ظاهر. وعن ابن السيد أنه قال في «شرح أدب الكاتب»: كان يجب أن يقال جنية إلا أنه أخرج بعض الكلام على التذكير وبعضه على التأنيث، وفيه نظر. روي عن ابن عباس أنه لم يكن للنخلة إلا الجذع ولم يكن لها رأس فلما هزته إذ السعف قد طلع ثم نظرت إلى الطلع يخرج من بين السعف ثم اخضر فصار بلحاً ثم أحمر فصار زهواً ثم رطباً كل ذلك في طرفة عين فجعل الرطب يقع بين يديها وكان برنياً، وقيل عجوة وهو المروي عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه. والظاهر أنها لم تحمل سوى الرطب، وقيل كان معه موز، وروي ذلك عن أبـي روق. وإنما اقتصر عليه لغاية نفعه للنفساء، فعن الباقر رضي الله تعالى عنه لم تستشف النفساء بمثل الرطب إن الله أطعمه مريم في نفاسها وقالوا: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل، وقيل: المرأة إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب، وذكر أن التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك وفي أمرها بالهز إشارة إلى أن السعي في تحصيل الرزق في الجملة مطلوب وهو لا ينافي التوكل وما أحسن ما قيل:شعر : ألم تر أن الله أوحى لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أحنى الجذع من غير هزه إليها ولكن كل شيء له سبب

ابن عاشور

تفسير : فائدة قوله {وَهُزِي إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} أن يكون إثمار الجذع اليابس رُطباً ببركة تحريكها إياه، وتلك كرامة أخرى لها. ولتشاهد بعينها كيف يُثمر الجذع اليابس رطباً. وفي ذلك كرامة لها بقوّة يقينها بمرتبتها. والباء في {بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} لتوكيد لصوق الفعل بمفعوله مثل {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة:6] وقوله {أية : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}تفسير : [البقرة:195]. وضمن {وَهُزّي} معنى قَرّبي أو أدني، فعُدي بــــ(إلى)، أي حرّكي جذع النخلة وقرّبيه يَدْنُ إليك ويَلِنْ بعد اليبس ويُسقط عليك رطباً. والمعنى: أدني إلى نفسك جِذع النخلة. فكان فاعل الفعل ومتعلقه متحداً، وكلاهما ضميرُ معادٍ واحد، ولا ضير في ذلك لصحة المعنى وورود أمثاله في الاستعمال نحو {أية : واضمم إليك جناحك}تفسير : [القصص:32]. فالضامّ والمضموم إليه واحد. وإنما منَع النحاة أن يكون الفاعل والمفعول ضميري معاد واحد إلاّ في أفعال القلوب، وفي فعلي: عَدِم وفَقَد، لعدم سماع ذلك، لا لفساد المعنى، فلا يقاس على ذلك منع غيره. والرطب: تمر لم يتم جفافه. والجَنيّ: فعيل بمعنى مفعول، أي مجتنى، وهو كناية عن حَدثان سقوطه، أي عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته كان أطيب طعماً. و {تَسَّاقط} قرأه الجمهور ــــ بفتح التاء وتشديد السين ــــ أصله (تتساقط) بتاءين أدغمت التاء الثانية في السين ليتأتى التخفيف بالإدغام. وقرأه حمزة ــــ بتخفيف السين ــــ على حذف إحدى التاءين للتخفيف. و {رُطَبَاً} على هاته القراءات تمييز لنسبة التساقط إلى النخلة. وقرأه حفص ــــ بضم التاء وكسر السين ــــ على أنه مضارع سَاقَطَت النخلة تمرَها، مبالغة في أسقطت و {رُطَباً} مفعول به. وقرأه يعقوب بياء تحتية مفتوحة وفتح القاف وتشديد السين فيكون الضمير المستتر عائداً إلى {جِذْع النَّخْلةِ}. وجملة {فَكُلِي} وما بعدها فذلكة للجمل التي قبلها من قوله {قد جعل ربك تحتك سرياً،}أي فأنت في بحبوحة عيش. وقرّة العين: كناية عن السرور بطريق المضادة، لقولهم: سَخِنت عينه إذا كثر بكاؤه، فالكناية بضد ذلك عن السرور كناية بأربع مراتب. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك}تفسير : [القصص:9]. وقرّة العين تشمل هناء العيش وتشمل الأنس بالطفل المولود. وفي كونه قرّة عين كناية عن ضمان سلامته ونباهة شأنه. وفتح القاف في {وقَرّي عيناً} لأنه مضارع قررت عينه من باب رضي، أدغم فنقلت حركة عين الكلمة إلى فائها في المضارع لأن الفاء ساكنة. { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِىۤ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً}. هذا من بقية ما ناداها به عيسى، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطفل، تلقيناً من الله لمريم وإرشاداً لقطع المراجعة مع من يريدُ مجادلتها، فعلّمها أن تنذر صوماً يقارنه انقطاع عن الكلام، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة. وكان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة، وقد اقتبسه العرب في الجاهلية كما دلّ عليه حديث المرأة من أحمس التي حجّت مُصمتة. ونسخ في شريعة الإسلام بالسنة، ففي «الموطأ» حديث : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: نذر أن لا يتكلّم ولا يستظل من الشمس ولا يجلسَ ويصوم. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - «مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليُتم صيامه» تفسير : وكان هذا الرجل يدعَى أبا إسرائيل. وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم، فقال لها: «إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي». وفي الحديثحديث : أن امرأة من أحْمَسَ حجّت مُصمتةتفسير : ، أي لا تتكلّم. فالصمت كان عبادة في شرع من قبلنا وليس هو بشرع لنا لأنه نسخه الإسلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : مروه فليتكلّم»تفسير : ، وعملِ أصحابه. وقد دلّت الآثار الواردة في هذه على أشياء: الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوجب الوفاء بالنذر في مثل هذا، فدلّ على أنه غير قربة. الثاني: أنه لم يأمر فيه بكفارة شأن النذر الذي يتعذر الوفاء به أو الذي لم يسم له عمل معيّن كقوله: عليّ نذر. وفي «الموطأ» عقب ذكر الحديث المذكور قال مالك: ولم يأمره بكفارة ولو كانت فيه كفارة لأمره بها فدلّ ذلك على أنه عمل لا اعتداد به بوجه. الثالث: أنه أومأ إلى علّة عدم انعقاد النذر به بقوله: «حديث : إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ»تفسير : . فعلمنا من ذلك أنّ معنى العبادة أن تكون قولاً أو فعلاً يشتمل على معنى يكسب النفس تزكية ويبلغ بها إلى غاية محمودة مثل الصوم والحج، فيُحتمل ما فيها من المشقة لأجل الغاية السامية، وليست العبادة بانتقام من الله لعبده ولا تعذيب له كما كان أهل الضلال يتقربون بتعذيب نفوسهم، وكما شرع في بعض الأديان التعذيب القليل لخضد جلافتهم. وفي هذا المعنى قوله تعالى: {أية : فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلّكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}تفسير : [الحج:36 ــــ 37]، لأنهم كانوا يحسبون أن القربة إلى الله في الهدايا أن يريقوا دماءها ويتركوا لحومها ملقاة للعوافي. وفي «البخاري»: عن أنس «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيه فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي. قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ. وأمره أن يركب»تفسير : ، فلم ير له في المشي في الطواف قربة. وفيه عن ابن عباس: «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان رَبط يده إلى إنسان بِسِيَرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك، فقطعه النبي بيده ثم قال: قده بيده»تفسير : . وفي «مسند أحمد» عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاصي: «حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدرك رجلين وهما مقترنان. فقال: ما بالهما؟ قالا: إنّا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة، فقال: أطلقا أنفُسكما ليس هذا نذراً إنما النذر ما يبتغى به وجه الله»تفسير : . وقال: إسناده حسن. الرابع: أنّ الراوي لبعض هذه الآثار رواها بلفظ: نهى رسول الله عن ذلك، ولذلك قال مالك في الموطأ عقب حديث الرجل الذي نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس: «قال مالك: قد أمره رسول الله أن يتمّ ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية». ووجه كونه معصية أنه جراءة على الله بأن يعبده بما لم يشرع له ولو لم يكن فيه حَرج على النفس كنذر صمت ساعة، وأنه تعذيب للنفس التي كرّمها الله تعالى من التعذيب بوجوه التعذيب إلا لعمل اعتبره الإسلام مصلحة للمرء في خاصته أو للأمة أو لدرْء مفسدة مثل القصاص والجَلد. ولذلك قال: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}تفسير : [النساء:29]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : إنّ دماءكم وأموالكم وأنفسكم وأبْشاركم عليكم حرام»تفسير : لأن شريعة الإسلام لا تُناط شرائعها إلاّ بجلب المصالح ودَرء المفاسد. والمأخوذ من قول مالك في هذا أنه معصية كما قاله في «الموطأ». ولذلك قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة»: «ومَن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو نحوه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه، وليستغفر الله»، فقوله: «وليستغفر الله» بناء على أنه أتى بنذره مخالفاً لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه. ولو فعل أحد صمتاً بدون نذر ولا قصد عبادة لم يكن حراماً إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية. وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحماً على الميت أن يقفوا صامتين هنيهة. ومعنى {فقولي إني نَذَرْت للرَّحمٰنِ صَوْماً} فانذري صوماً وإن لقيت من البشر أحداً فقولي: إنّي نذرت صوماً فحذفت جملة للقرينة. وقد جعل القول المتضمن إخباراً بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى: {أية : قولوا آمنا بالله}تفسير : [البقرة:136]. وليس المراد أنها تقول ذلك ولا تفعله لأن الله تعالى لا يأذن في الكذب إلاّ في حال الضرورة مع عدم تأتّي الصدق معها، ولذلك جاء في الحديث: «حديث : إن في المعاريض مندوحة عن الكذب»تفسير : . وأطلق القول على ما يدلّ على ما في النفس، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوماً مجازاً بقرينة قوله {فلن أُكلِمَ اليَوْمَ إنْسِيّاً}. فالمراد أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوماً بأن تشير إشارة تدلّ على الانقطاع عن الأكل، وإشارةً تدل على أنها لا تتكلّم لأجل ذلك، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطاً بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية، وإن كان الصوم عبادة مستقلة قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت الأمرين، وقد علمت مريم أنّ الطفل الذي كلّمها هو الذي يتولى الجواب عنها حِين تُسأل بقرينة قوله تعالى: {أية : فأشارت إليه}تفسير : [مريم: 29]. والنون في قوله {تَرَيِنَّ} نون التوكيد الشديدة اتصلت بالفعل الذي صار آخره ياء بسبب حذف نون الرفع لأجل حرف الشرط فحركت الياء بحركة مجانسة لها كما هو الشأن مع نون التوكيد الشديدة. والإنْسِي: الإنسان، والياء فيه للنسب إلى الإنس، وهو اسم جمع إنسان، فياء النسب لإفادة فرد من الجنس مثل: ياء حَرْسي لواحد من الحرس. وهذا نكرة في سياق النفي يُفيد العموم، أي لن أكلم أحداً. وعدل عن أحد إلى {إنسياً} للرّعي على فاصلة الياء، وليس ذلك احترازاً عن تكليمها الملائكة إذ لا يخطر ذلك بالبال عندالمخاطبين بمن هيئت لهم هذه المقالة فالحمل عليه سماجة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً}. لم يصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه. ولكنه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه هو "الرطب الجني" المذكور. والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه "بالسري" كما تقدم - هذا هو الظاهر. وقال بعض العلماء: إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به كان جزعاً يابساً؛ فلما هزته جعله الله نخلة ذات رطب جني. وقال بعض العلماء: كان الجذع جذع نخلة نابتة إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر وجعله رطباً جنياً. وقال بعض العلماء: كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان موجوداً. والذي يفهم من سياق القرآن: أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة. ولم يكن الرطب والنهر موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابساً أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر وجعله رطباً جنياً. ووجه دلالة السياق على ذلك أن قوله تعالى: {فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة؛ لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به. فوجود هذه الخوارق من تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود تطمئن إليه نفسها وتزول به عنها الريبة، وبذلك يكون قرة عين لها؛ لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسياً منسياً لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو ظاهر. وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود لا غرابة فيه. وقد نص الله جل وعلا في "آل عمران" على خرقه لها العادة في قوله {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران : 37]. قال العلماء: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وإجراء النهر وإنبات الرطب ليس أغرب من هذا المذكور في سورة "آل عمران". مسألة أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} [مريم: 25] الآية - أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعاً وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا. وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة. أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعاً لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه. فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر. ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف. ومن أصرح الأدلة في ذلك - قوله تعالى: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69] الآية. فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزَّأ إلى معان مختلفة، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رماداً من حرها في الوقت الذي هي كائنة برداً وسلاماً على إبراهيم. فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السموات والأرض، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا. ومن أوضح الأدلة في ذلك - أنه ربما جعل الشيء سبباً لشيء آخر مع أنه مناف له: كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سبباً لحياته، وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته. إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت؟ وذلك يوضح أنه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، ولا يقع تأشير ألبتة إلا بمشيئته جل وعلا. ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله - قوله تعالى عن يعقوب: {أية : وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}تفسير : [يوسف: 67] أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب، وتسبب في ذلك بالأمر به، لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجل واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام. فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين؛ كما قال غير واحد من علماء السلف. ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه: {أية : وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}تفسير : [يوسف: 67]. فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ} وبين التوكل على الله في قوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته. والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع. وقد قال بعضهم في ذلك: شعر : ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن كل شيء له سبب تفسير : وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية - أن خير ما تطعمه النفساء الرطب، قالوا: لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى، قاله الربيع بن خيثم وغيره. والباء في قوله {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} [مريم: 25] مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله هنا {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}تفسير : [البقرة: 195]، وقوله: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ}تفسير : [الحج: 25] الآية. وقوله: {أية : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ}تفسير : [القلم: 5-6] الآية، وقوله: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ}تفسير : [المؤمنون: 20] على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي، لأن الرباعي الذي هو أنبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة. ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن ابي الصلت الثقفي: شعر : إذ يسقون بالدقيق وكانوا قبل لا يأكلون خبزاً فطيرا تفسير : لأن الأصل يسقون الدقيق فزيدت الباء للتوكيد. وقول الراعي: شعر : هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المعاجر لا يقرأن بالسور تفسير : فالأصل: لا يقرأن السور، فزيدت الباء لما ذكر. وقول يعلى الأحول اليشكري أو غيره: شعر : بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهان تفسير : فالأصل: وأسفله المرخ؛ أي وينبت أسفله المرخ، فزيدت الباء لما ذكر وقول الأعشى: شعر : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ملء المراجل والصريح الأجودا تفسير : فالأصل ضمنت رزق عيالنا. وقول الراجز: شعر : نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج تفسير : أي نرجو الفرج. وقول امرىء القيس: شعر : فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال تفسير : فالأصل: هصرت غصنا؛ لأن هصر تتعدى بنفسها. وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب. وفي قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: "تساقط" تسع قراءات،ثلاث منها سبعية، وست شاذة.أما الثلاث السبعية فقد قرأه حمزة وحده من السبعة "تساقط" بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف، وأصله: تتساقط؛ فحذفت إحدى التاءين. وعلى هذه القراءة فقوله "رطباً" تمييز محول عن الفاعل. وقرأه حفص وحده عن عاصم "تساقط" بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، ومضارع ساقطت تساقط. وعلى هذه القراءة فقوله "رطباً" مفعول به للفعل الذي هو "تساقط" هي أي النخلة رطباً. وقرأه بقية السبعة "تساقط" بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أصله: تتساقط؛ فأدغمت إحدى التاءين في السين. وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله "رطباً" تمييز محول عن الفاعل كإعرابه على قراءة حمزة – وغير هذا من القراءات شاذ: وقوله في هذه الآية الكريمة: {رُطَباً جَنِيّاً} الجني: هو ما طاب وصلح لأن يجنى فيؤكل. وعن أبي عمرو بن العلاء: أن الجني هو الذي لم يجف ولم ييبس، ولم يبعد عن يدي متناوله. قوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً}. قائل هذا الكلام لمريم: هو الذي ناداها من تحتها ألا تحزني. وقد قدمنا الخلاف فيه؛ هل هو عيسى، أو جبريل، وما يظهر رجحانه عندنا من ذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} قيل أمرت أن تقول ذلك باللفظ. وقيل أمرت أن تقوله بالإشارة. وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور؛ كما قاله القرطبي وأبو حيان، وهو ظاهر الآية الكريمة؛ لأن ظاهر القول في قوله تعالى: {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ} الآية – أنه قول باللسان. واستدل من قال: إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسياً، فإذا قالت لإنسي بلسانها إني نذرت للرحمن صوماً فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها. واختار هذا القول الأخير لدلالة الآية عليه ابن كثير رحمه الله، قال في تفسير هذه الآية {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً}. المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد القول اللفظي لئلا ينافي {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} وأجاب المخالفون عن هذا بأن المعنى {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} قوله: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} فقد رأيت كلام العلماء في الآية. وإن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق. وإن الثاني يدل عليه قوله: {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقاً. قال أبو حيان في البحر: وقوله "إنسياً" لأنها كانت تكلم الملائكة. ومعنى كلامه أن قوله "إنسياً" له مفهوم مخالفة، أي بخلاف غير الإنسي كالملائكة فإني أكلمه. والذي يظهر لي أنه لم يرد في الكلام إخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائناً من كان. مسألة اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، لأنها في هذه الآية سميت قولاً على هذا الوجه من التفسير. وسمع في كلام العرب كثيراً إطلاق الكلام على الإشارة، كقوله: شعر : إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر تفسير : وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى ما يدل من النصوص على أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة الكلام، وما يدل من النصوص على أنها ليست كالكلام، وأقوال العلماء في ذلك. اعلم أنه دلت أدلة على قيام الإشارة المفهمة مقام الكلام، وجاءت أدلة أخرى يفهم منها خلاف ذلك. حديث : فمن الأدلة الدالة على قيام الإشارة مقام الكلام – قصة الأمة السوداء التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟" فأشارت إلى السماء. فقال صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة"تفسير : فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات. وهو الذي يعصم به الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجي به من النار. والقصة المشهورة مروية عن جماعة من من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية بن الحكم السلمي، والشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنهم. وفي بعض رواياتهم: أنها أشارت إلى السماء. قال أبو داود في سننه: حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عتبة، حديث : عن أبي هريرة: أن رجلاً أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة؟ فقال لها: "أين الله؟" فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها: "فمن أنا؟" فأشارت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. فقال:"أعتقها فإنها مؤمنة"تفسير : . والظاهر حمل الروايات التي فيها أنه لما قال لها أين الله قالت في السماء من غير ذكر الإشارة، على أنها قالت ذلك بالإشارة. لأن القصة واحدة والروايات يفسر بعضها بعضاً. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في سورة "آل عمران" في الكلام على قوله تعالى {أية : قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}تفسير : [آل عمران: 41] ما نصه: في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النَّبي صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها: "حديث : اين الله؟" فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: "اعتقها فإنها مؤمنة"تفسير : فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز به الدم والمال، وتستحق به الجنة وينجي به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء. وروى ابن القاسم عن مالك: أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه: فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهذا باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل، لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته - انتهى محل الغرض من كلام القرطبي رحمه الله. وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة تدل على قيام الإشارة مقام الكلام في أشياء متعددة، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حديث : من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فضرب بيده فقال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، - ثم عقد إبهامه في الثالثة - "فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين"تفسير : هذا لفظ مسلم في صحيحه وهو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم نزل إشارته بأصابعه إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوماً، وقد يكون ثلاثين - منزلة نطقه بذلك. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: وفي هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة المفهمة في مثل هذا. وحديث ابن عمر هذا أورده البخاري في باب (اللعان) مستدلاً به على أن الإشارة كالفظ. وقد ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه أحاديث كثيرة تدل على جعل الإشارة كالنطق، قال رحمه الله تعالى: {باب الإشارة في الطلاق والأمور) وقال ابن عمر قال النَّبي صلى الله عليه وسلم "لا يعذب الله بدمع العين ولكن يعذب بهذا" فأشار إلى لسانه، وقال كعب بن مالك: أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليَّ أي خُذِ النصف. وقالت أسماء: صلى النَّبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف. فقلت لعائشة: ما شأن الناس وهي تصلي؟ فأومأت برأسها إلى الشمس. فقلت: آية؟ فأومأت برأسها أن نعم. وقال أنس: أومأ النَّبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم. وقال ابن عباس: أومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده لا حرج. وقال أبو قتادة: حديث : قال النَّبي صلى الله عليه وسلم في الصيد للمحرم: "آحدكم أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟" قالوا لا. قال: "فكلوا"تفسير : حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير، وكان كلما أتى على الركن أشار إليه وكبر. وقالت زينب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وهذه" تفسير : وعقد تسعين - حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "حديث : في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه"تفسير : وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. قلنا: يزهدها: وقال الأويسي: حدثنا إبراهيم بن سعد عن شعبة بن الحجاج عن هشام بن يزيد حديث : عن أنس بن مالك قال: عدا يهودي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جارية فأخذ أوضاحاً كانت عليها، ورضخ رأسها. فأتى به أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وقد أصمتت. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتلك؟ فلان" لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا. قال: فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا. فقال: فلان؟" تفسير : لقاتلها، فأشارت أن نعم. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين. حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، حديث : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول؟ الفتنة من هنا" تفسير : وأشار إلى المشرق. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن أبي إسحاق الشيباني؟ حديث : عن عبد الله بن أبي أوهم قال: كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" فلما غربت الشمس قال لرجل؟ "انزل فاجدح لي" قال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ ثم قال. "انزل فاجدح" قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لو أمسيت إن عليك نهاراً، ثم قال؟ "انزل فاجدح" فنزل فجدح له في الثالثة فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أومأ بيده إلى المشرق فقال: "إذا رأيتم قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم"تفسير : . حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال؟ قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يمنعن أحداً منكم نداء بلال" تفسير : - أو قال أذانه - من سحوره، فإنما ينادي - أو قال يؤذن - ليرجع قائمكم وليس أن يقول كأنه يعني الصبح أو الفجر، وأظهر يزيد يديه ثم مد إحداهما من الأخرى. وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز، سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثدييهما إلى تراقيهما. فأما المنفق فلا ينفق شيئاً إلا مادت على جلده حتى تجن بنانه وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد ينفق إلا لزمت كل حلقة موضعها، فهو يوسعها فلا تتسع"تفسير : ويشير بأصبعه إل حلقه. انتهى من صحيح البخاري. فهذه أحاديث دالة، على قيام الإشارة مقام النطق في أمور متعددة. وقال ابن حجر في الفتح في هذا الباب: ذكر فيه عدة أحاديث معلقة وموصولة أولها قوله: وقال ابن عمر: هو طرف من حديث تقدم موصولاً في الجنائز، وفيه قصة لسعد بن عبادة، وفيها: "ولكن الله يعذب بهذا" وأشار إلى لسانه. ثانيها - وقال كعب بن مالك؟ هو أيضاً طرف من حديث تقدم موصولاً في الملازمة؟ وفيها وأشار إلى أن خذ النصف. ثالثها - "وقالت أسماء" هي بنت أبي بكر. صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف. الحديث تقدم موصولاً في كتاب الإيمان بلفظ" فأشارت إلى السماء، وفيه. فأشارت برأسها أي نعم. وفي صلاة الكسوف بمعناه. وفي صلاة السهو باختصار - إلى آخر كلامه. وبالجملة فجميع الأحاديث التي ذكرها البخاري في الباب المذكور كلها ثابتة في الصحيح موصولة. أما ما جاء منها موصولاً في الباب المذكور فأمره واضح. وأما ما جاء منها معلقاً في الباب المذكور فقد جاء موصولاً في محل آخر من البخاري. والحديث الأول - دل على أن النّبي صلى الله عليه وسلم جعل إشارته إلى اللسان أن الله يعذب به كنطقه بذلك. والحديث الثاني - جعل فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم إشارته إلى كعب بن مالك أن يسقط نصف ديته عن ابن أبي حدرد ويأخذ النصف الباقي منه كنطقه بذلك. والحديث الثالث - جعلت فيه عائشة إشارتها لأختها أن الكسوف آية من آيات الله هي السبب في صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم، كنطقها بذلك. والحديث الرابع - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارته إلى أبي بكر رضي الله عنه أن يتقدم كنطقه له بذلك. وإيضاح ذلك هو ما رواه البخاري عن أنس في باب (أهل العلم والفضل أحق بالإمامة). قال أنس: لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا. فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم: وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات اهـ. هذا لفظ البخاري وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث في مرض موته وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم بقليل إشارته إلى أبي بكر أن يتقدم ليصلي بالناس كنطقه له بذلك. لأن أبا بكر رضي الله عنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم كشف الحجاب نكص على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة كما ثبت في صحيح البخاري في الباب المذكور آنفاً من حديث أنس، فأشار إليه أن يتقدم، وقامت الإشارة مقام النطق. والحديث الخامس - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم الفتيا بإشارة كالفتيا بالنطق. وإيضاحه هو ما رواه البخاري في كتاب العلم (في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس) حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا وهيب. قال حدثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حجته فقال: "ذبحت قبل أن أرمي فأومأ بيده قال: ولا حرج، قال حلقت قبل أن أذبح. فأومأ بيده ولا حرج". ومن أمثلة الفتيا بإشارة اليد ما رواه البخاري في هذا الباب المذكور آنفاً من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج"تفسير : قيل: يا رسول الله، وما الهرج! فقال: "هكذا" بيده فحرفها كأنه يريد القتل اهـ فجعل صلى الله عليه وسلم إشارته بيده كنطقه: بأن المراد بالهرج القتل. والحديث السادس - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارة المحرم إلى الصيد لينبه إليه المحل كأمره له باصطياده بالنطق، وقد قدمنا هذا الحديث في سورة "المائدة". والحديث السابع - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى الركن في طوافه كاستلامه وتقبيله بالفعل. والحديث الثامن - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارته بأصابعه كعقد التسعين. لبيان القدر الذي فتح من ردم يأجوج ومأجوج كالنطق بذلك. والحديث التاسع - فيه أنه جعل وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. مشيراً بذلك لقلة زمن الساعة التي يجاب فيها الدعاء بالخير يوم الجمعة. أو مشيراً بذلك لوقتها عند من قال: إن وضع الأنملة في وسط الكف يراد به الإشارة إلى أن ساعة الجمعة في وسط يوم الجمعة. ووضعها على الخنصر يراد به أنها في آخر النهار، لأن الخنصر آخر أصابع الكف كالنطق بذلك. وذكر ابن حجر عن بعض أهل العلم. أن هذه الإشارة باليد لساعة الجمعة من فعل بشر بن المفضل راوي الحديث عن سلمة بن علقمة كما تقدم في إسناد الحديث. وعليه ففي سياق هذا الحديث عند البخاري إدراج. والحديث العاشر - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارة الجارية التي قتلها اليهودي كنطقها بأن اليهودي قتلها، وأن من سمَّى لها غيره لم يكن هو الذي قتلها. وقد قدمنا هذا الحديث في سورة "بني إسرائيل" وبينا هنالك أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان جعل إشارة الجارية كنطقها لم يقتل اليهودي بإشارة الجارية القائمة مقام نطقها بمن قتلها، ولكنه اعترف بأنه قتلها فثبت عليه القتل باعترافه واقتص لها منه بذلك. والحديث الحادي عشر - فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الفتنة من هنا" وأشار إلى المشرق، فجعل إشارته إلى المشرق كنطقه بذلك "تفسير : . والحديث الثاني عشر - فيه أنه صلى الله عليه وسلم أومأ إلى المشرق فقال: "حديث : إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم"تفسير : فجعل إشارته بيده إلى المشرق كنطقه بلفظ المشرق. والحديث الثالث عشر - جعل فيه الإشارة باليد إلى الفرق بين الفجر الكاذب والفجر الصادق بذلك. والحديث الرابع عشر - حديث : قال فيه صلى الله عليه وسلم: "فهو يوسعها ولا تتسع" تفسير : ويشير بأصبعه إلى حلقه، فجعل إشارته إلى أن درع الحديد المضروب بها المثل للبخيل ثابتة على حلقه لا تنزل عنه ولا تستر عورته ولا بدنه كالنطق بذلك. فهذه أربعة عشر حديثاً أوردها البخاري رحمه الله في الباب المذكور، وسقناها هنا، وبينا وجه الدلالة على أن الإشارة كالنطق في كل واحد منها، مع ما قدمنا من الأحاديث الدالة على ذلك زيادة على ما ذكره البخاري هنا. وقد ذكر البخاري رحمه الله في أول باب (اللعان) خمسة أحاديث أيضاً كل واحد منها فيه الدلالة على أن الإشارة كالنطق ولم نذكرها هنا لأن فيما ذكرنا كفاية. وقال ابن حجر في (الفتح) في آخر كلامه على أحاديث الباب المذكورة. قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة النطق. وخالفه الحنفية في بعض ذلك. ولعل البخاري ردَّ عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة قائمة مقام النطق. وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز. وقال ابن المنير: أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منها الأصل والعدد نافذة كاللفظ اهـ - ويظهر لي أن البخاري أورد هذه الترجمة وأحاديثها توطئة لما يذكره من البحث في الباب الذي يليه، مع من فرق بين لعان الأخرس، وطلاقه، والله أعلم. فهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة من قال: إن الإشارة المفهمة تقوم مقام اللفظ. واحتج من قال: بأن الإشارة ليست كاللفظ بأن القرآن العظيم دل على ذلك، وذلك في قوله تعالى في الآية التي نحن بصددها: {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} فإن في هذه الآية التصريح بنذرها الإمساك عن كلام كل إنسي، مع أنه تعالى قال: {أية : فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ}تفسير : [مريم: 29] أي أشارت لهم إليه أن كلموه يخبركم بحقيقة الأمر فهذه إشارة مفهمة، وقد فهمها قومها فأجابوها جواباً مطابقاً لفهمهم ما أشارت به: {أية : قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً}تفسير : [مريم: 29]، وهذه الإشارة المفهمة لو كانت كالنطق لأفسدت نذر مريم ألا تكلم إنسياً. فالآية صريحة في أن الكلام باللفظ يخل بنذرها، وأن الإشارة ليست كذلك، فقد جاء الفرق صريحاً في القرآن بين اللفظ والإشارة، وكذلك قوله تعالى {أية : قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}تفسير : [آل عمران: 41] فإن الله جعل له آية على ما بُشر به وهي منعه من الكلام، مع أنه لم يمنع من الإشارة بدليل قوله: {إلا رمزاً}، وقوله: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ}تفسير : [مريم: 11] الآية. فدل ذلك على أن الإشارة ليست كالكلام، والآية الأولى أصرح في الدلالة على أن الإشارة ليست كاللفظ، لأن الآية الثانية محتمله لكون الإشارة كالكلام،لأن استثناءه تعالى قوله {إلا رمزاً} من قوله {أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} يفهم منه أن الرمز الذي هو الإشارة نوع من جنس الكلام استثنى منه، لأن الأصل في الاستثناء الاتصال. والله تعالى أعلم. فإذا علمت أدلة الفريقين في الإشارة، هل هي كاللفظ أو لا - فاعلم أن العلماء مختلفون في الإشارة المفهمة، هل تنزل منزلة اللفظ أو لا. وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى جملاً من أقوال أهل العلم في ذلك، وما يظهر رجحانه بالدليل. قال ابن حجر رحمه الله تعالى في (فتح الباري) في آخر "باب الإشارة في الطلاق والأمور" ما نصه: وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة. فأما في حقوق الله فقالوا: يكفي ولو من القادر على النطق. وأما في حقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية ونحو ذلك فاختلف العلماء فيمن اعتقل لسانه. ثالثها عن أبي حنيفة إن كان مأيوساً من نطقه. وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت، ورجحه الطحاوي. وعن الأوزاعي إن سبقه كلام، ونقل عن مكحول إن قال: فلان حر ثم أصمت فقيل له: وفلان؟ فأومأ صح. وأما القادر على النطق فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين واختلف هل يقوم منه مقام النية، كما لو طلق امرأته فقيل له: كم طلقه؟ فأشار بأصبعه - انتهى منه. وقال البخاري في أول (باب اللعان) ما نصه: فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو إشارة أوإيماء معروف فهو كالمتكلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز الإشارة في الفرائض. وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم، وقال تعالى: {أية : فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً}تفسير : [مريم: 29]. وقال الضحاك: {أية : إِلاَّ رَمْزاً}تفسير : [آل عمران:41] إشارة. وقال بعض الناس: لا حد ولا لعان. ثم زعم أنه إن الطلاق بكتابة أو إشارة أو إيماء جاز وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال: القذف لا يكون إلا بكلام قيل له: كذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام وإلا بطل الطلاق والقذف وكذلك العتق. وكذلك الأصم يلاعن. وقال الشعبي وقتادة: إذا قال أنت طالق - فأشار بأصابعه - تبين منه بإشارته. وقال إبراهيم: الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه. وقال حماد: الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز: انتهى محل الغرض من كلام البخاري رحمه الله. ومذاهب الأئمة الأربعة متقاربة في هذه المسألة، وبينهم اختلاف في بعض فروعها. فمذهب مالك رحمه الله: أن الإشارة المفهمة تقوم مقام النطق. قال خليل بن إسحاق في مختصره، الذي قال في ترجمته مبيناً لما به الفتوى - يعني في مذهب مالك - الكلام على الصيغة التي يحصل بها الطلاق. ولزم بالإشارة المفهمة. يعني أن الطلاق يلزم بالإشارة المفهمة مطلقاً من الأخرس والناطق وقال شارحه المواق رحمه الله من المدونة. ما علم من الأخرس بإشارة أو بكتاب من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح. أو بيع أو شراء أو قذف لزمه حكم المتكلم. وروى الباجي. إشارة السليم بالطلاق برأسه أو بيده كلفظه، لقوله تعالى: {أية : أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}تفسير : [آل عمران:41]اهـ منه. ورواية الباجي هذه عليها أهل المذهب. ومذهب أبي حنيفة رحمه الله: أن إشارة الأخرس تقوم مقام كلام الناطق في تصرفاته، كإعتاقه وطلاقه، وبيعه وشرائه، ونحو ذلك. أما السليم فلا تقبل عنده إشارته لقدرته على النطق. وإشارة الأخرس بقذف زوجته لا يلزم عنده فيها حد ولا لعان. لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وعدم التصريح شبهة عنده. لأن الإشارة قد يفهم ما لا يقصد المشير. ولأن أيمان اللعان لها صيغ لا بد منها ولا تحصل بالإشارة وكذلك عنده إذا كانت الزوجة المقذوفة خرساء فلا حد ولا لعان عنده. لاحتمال أنها لو نطقت لصدقته، ولأنها لا يمكنها الإتيان بألفاظ الأيمان المنصوصة في آية اللعان. وكذلك عنده القذف لا يصح من الأخرس. لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وقال بعض العلماء من الحنفية: إن القياس منع اعتبار إشارة الأخرس، لأنها لا تفهم كالنطق في الجميع، وأنهم أجازوا العمل بإشارة الأخرس في غير اللعان والقذف على سبيل الاستحسان، والقياس المنع مطلقاً. ومذهب الشافعي في هذه المسألة اعتبار إشارة الأخرس في اللعان وغيره. وعدم اعتبار إشارة السليم. وأما مذهب الإمام أحمد - فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى أنه لا لعان إن كان أحد الزوجين أخرس، كما قدمنا توجيهه في مذهب أبي حنيفة. وقال القاضي وأبو الخطاب: إن فهمت إشارة الأخرس فهو كالناطق في قذفه ولعانه. وأما طلاق الأخرس ونكاحه وشبه ذلك فالإشارة كالنطق في مذهب الإمام أحمد. وأما السليم - فلا تقبل عنده إشارته بالطلاق ونحوه. هذا حاصل كلام الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار في هذه المسألة. وقد رأيت ما جاء فيها من أدلة الكتاب والسنة. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر رجحانه في المسألة: أن الإشارة إن دلت على المعنى دلالة واضحة لا شك في المقصود معها أنها تقوم مقام النطق مطلقاً، ما لم تكن في خصوص اللفظ أهمية مقصودة من قبل الشارع، فإن كانت فيه فلا تقوم الإشارة مقامه كأيمان اللعان، فإن الله نص عليها بصورة معينة. فالظاهر أن الإشارة لا تقوم مقامها وكجميع الألفاظ المتعبد بها فلا تكفي فيها الإشارة، و الله جل وعلا أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي إمساكاً عن الكلام في قول الجمهور. والصوم في اللغة: الإمساك، ومنه قول نابغة ذبيان. شعر : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما تفسير : فقوله: "خيل صيام" أي ممسكة عن الجري. وقيل عن العلف، "وخيل غير صائمة" أي غير ممسكة عما ذكر وقول امرىء القيس. شعر : كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتان إلى صم جندل تفسير : فقوله: "في مصامها" أي مكان صومها، يعنى إمساكها عن الحركة. وهذا القول هو الصحيح في معنى الآية. أن المراد بالصوم الإمساك عن الكلام، بدليل قوله بعده {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} وهو قول أكثر أهل العلم. وقال ابن حجر (في الفتح في باب اللعان). وقد ثبت من حديث أبي كعب وأنس بن مالك: أن معنى قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي صمتاً. أخرجه الطبراني وغيره اهـ. وقال بعض العلماء: المراد بالصوم في الآية: هو الصوم الشرعي المعروف المذكور في قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [البقرة:183]. وعليه فالمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم الكلام كما يحرم عليهم الطعام، والصواب في معنى الآية الأول. وعليه فهذا النذر الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسياً كان جائزاً في شريعتهم. أما في الشريعة التي جاءنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ذلك النذر ولا يجب الوفاء به. قال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب عن عكرمة حديث : عن ابن عباس قال: بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم. "مره فليتكلم، وليستظل وليقعد وليتم صومه"تفسير : قال عبد الوهاب: حدثنا أيوب عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم اهـ. وقال ابن حجر "في الفتح" في الكلام على هذا الحديث وفي حديثه أن السكوت عن المباح ليس من طاعة الله: وقد أخرج أبو داود من حديث علي "ولا صمت يوم إلى الليل" وتقدم في السيرة النبوية قول أبي بكر الصديق إن هذا "يعني الصمت" من فعل الجاهلية، وفيه: أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلا مما لم يرد بمشروعيَّته كتاب أو سنة، كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره. وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه. وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل. قال القرطبي: في قصة أبي إسرائيل هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه. قال مالك لما ذكره: ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة. انتهى كلام صاحب (فتح الباري). وقد قال الزمخشري في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها: وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت.فقال ابن حجر في (الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف): لم أره هكذا. وأخرج عبد الرزاق من حديث جابر بلفظ "حديث : لا صمت يوم إلى الليل"تفسير : وفيه حزام بن عثمان وهو ضعيف. ولأبي داود من حديث علي مثله، وقد تقدم في تفسير سورة "النساء". وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} معناه فإن تري من البشر أحداً. فلفظة "إما" مركبة من "إن" الشرطية و"ما" المزيدة لتوكيد الشرط. والأصل ترأيين على وزن تفعلين، تحركت الياء التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها وجب قلبها ألفاً فصارت ترآين، فحذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الراء. لأن اللغة الفصحى التي هي الأغلب في كلام العرب حذف همزة رأى في المضارع والأمر، ونقل حركتها إلى الراء فصارت تراين، فالتقى الساكنان فحذف الأول وهو الألف، فصار ترين فدخلت عليه نون التوكيد الثقيلة فحذفت نون الرفع من أجلها هي، والجازم الذي هو إن الشرطية، لأن كل واحد منهما بانفراده يوجب حذف نون الرفع، فصار ترين، فالتقى ساكنان هما الياء الساكنة والنون الأولى الساكنة من نون التوكيد المثقلة، لأن كل حرف مشدد فهو حرفان، فحركت الياء بحركة تناسبها وهي الكسرة فصارت ترين، كما أشار إلى هذا ابن مالك في الخلاصة بقوله: شعر : واحذفه من رافع هاتين وفي واو ويا شكل مجالس قفي نحو اخشين يا هند بالكسر ويا قوم اخشون واضمم وقس مسويا تفسير : وما ذكرنا من أن همزة "رأى" تحذف في المضارع والأمر هو القياس المطرد في كلام العرب وبقاؤها على الأصل مسموع، ومنه قول سراقة بن مرداس البارقي الأصغر: شعر : أرى عيني ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات تفسير : وقول الأعلم بن جرادة السعدي، أو شاعر من تيم الرباب: شعر : ألم ترأ ما لا قيت والدهر أعصر ومن يتمل العيش يرأ ويسمع تفسير : وقول الآخر: شعر : أحن إذا رأيت جبال نجد ولا أرأى إلى نجد سبيلا تفسير : ونون التوكيد في العمل المضارع بعد "إما" لازمة عند بعض علماء العربية. وممن قال بلزومها بعد "إما" كقوله هنا {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً}: المبرّد والزجاج. ومذهب سيبويه والفارسي وجماعة أن نون التوكيد في الفعل المضارع بعد "إما" غير لازمة، ويدل له كثرة وروده في شعر العرب، كقول الأعشى ميمون بن قيس: شعر : فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أردى بها تفسير : وقول لبيد بن ربيعة: شعر : فإما تريني اليوم أصبحت سالماً فلست بأحيا من كلاب وجعفر تفسير : وقول الشنفرى: شعر : فإما تريني كابنة الرمل ضاحياً على رقة أحفى ولا أتنعل تفسير : وقول الأفوه الأودي: شعر : إما ترى رأسي أزرى به مأس زمان ذي انتكاس مؤس تفسير : وقول الآخر: شعر : زعمت تماضر أنني إما أمت يسدد أبينوها الأصاغر خلتي تفسير : وقول الآخر: شعر : يا صاح إما تجدني غير ذي جدة فما التخلي عن الخلان من شيمي تفسير : وأمثال هذا كثيرة في شعر العرب. والمبرد والزجاج يقولان: إن حذف النون في الأبيات المذكورة ونحوها إنما هو لضرورة الشعر. ومن خالفهم كسيبويه والفارسي يمنعون كونه للضرورة، ويقولون: إنه جائز مطلقاً. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {تُسَاقِطْ} (25) - وَهُزِّي جِذْعَ هذِهِ النَّخْلَةِ، الَّتِي فَوْقَكِ، فَتُسْقِط عَلَيْكِ ثَمَراً طَازَجاً طَرِياً حَانَ قِطَافُهُ. رُطَباً - ثَمَراً طَازَجاً. جَنِياً - حَانَ جَنْيُهُ وَقِطَافُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا وفّر الحق سبحانه وتعالى لمريم مقوّمات الحياة وعناصر استبقائها، وهي مُرتَّبة على حَسْب أهميتها للإنسان: الهواء والشراب والطعام، والإنسان يصبر على الطعام شهراً دون أنْ يأكلَ، ويمكنه أنْ يقتاتَ على ما هو مخزون في جسمه من غذاء، لكنه لا يصبر على الماء أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام حسب ما في جسمه من مائية، في حين لا يصبر على الهواء لحظة واحدة، ويمكن أنْ يموتَ من كَتْم نفَسٍ واحد. لذلك، من حكمة الخالق سبحانه وتعالى أن يُملِّك الطعام كثيراً، ويُملك الماء قليلاً، ولا يُملِّك الهواء لأحد أبداً، لأنك لو غضبتَ على أحد فمنعتَ عنه الهواء لمات قبل أنْ ترضى عنه، إذن: فعناصر استبقاء الحياة مرتبة حَسْب أهميتها في حياة الإنسان، وقد ضمنها الحق سبحانه لمريم وجعلها في متناول يدها وأغناها عن أنْ يخدمها أحد. فالهواء موجود وهي في الخلاء، ثم الماء فأجرى تحتها نهراً عذباً زلالاً، ثم الطعام فقال: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 25] وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أنْ يُظهِر لمريم آية أخرى من آياته، فأمرها أنْ تهزَّ جذع النخلة اليابس الذي لا يستطيع هَزَّه الرجل القويّ، فما بالها وهي الضعيفة التي تعاني ألم الولادة ومشاقها؟ كما أن الحق سبحانه قادر على أنْ يُنزِل لها طعامها دون جَهْد منها ودون هَزِّها، إنما أراد سبحانه أن يجمع لها بين شيئين: طلب الأسباب والاعتماد على المسبب، والأخذ بالأسباب في هَزِّ النخلة، رغم أنها متعبة قد أرهقها الحمل والولادة، وجاء بها إلى النخلة لتستند إليها وتتشبث بها في وحدتها لنعلم أن الإنسان في سعيه مُطَالب بالأخذ بالأسباب مهما كان ضعيفاً. لذلك أبقى لمريم اتخاذ الأسباب مع ضَعْفها وعدم قدرتها، ثم تعتمد على المسبِّب سبحانه الذي أنزل لها الرُّطَب مُسْتوياً ناضجاً، وهل استطاعت مريم أنْ تهزَّ الجذع الكبير اليابس؟ إنها مجرد إشارة إليه تدلُّ على امتثال الأمر، والله تعالى يتولى إنزال الطعام لها، وقد صَوَّر الشاعر هذا الموقف بقوله: شعر : أَلَمْ تَرَ أنَّ الله قَالَ لمرْيَم وَهُزِّي إليك الجذْعَ يَسَّاقَط الرُّطبْ وَإنْ شَاءَ أعطَاهَا ومِنْ غير هَزَّة ولكن كُلّ شَيءٍ لَهُ سَبَبْ تفسير : وقوله: {تُسَاقِطْ ..} [مريم: 25] أي: تتساقط عليك {رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 25] أي: استوى واستحق أن يُجنى، وليس مُبْتسراً قبل موعده، ومن الرُّطَب ما يتساقط قبل نُضْجه فلا يكون صالحاً للأكل. وقوله: {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ ..} [مريم: 25] فيه دليل على استجابة الجماد وانفعاله، وإلا فالبلحة لم تخرج عن طَوْع أمها، إذن: فقد ألقتْها طواعيةً واستجابة حين تَمَّ نضجها. ثم يقول الحق سبحانه: {فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1962- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا قيس، عن الأعمش، أنه كان يقرأ: {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ} [الآية: 25] يشد تسَّاقط ويقرؤها بالتَّاء.