Verse. 2276 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

فَكُلِيْ وَاشْرَبِيْ وَقَرِّيْ عَيْنًا۝۰ۚ فَاِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ اَحَدًا۝۰ۙ فَقُوْلِيْۗ اِنِّىْ نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْمًا فَلَنْ اُكَلِّمَ الْيَوْمَ اِنْسِـيًّا۝۲۶ۚ
Fakulee waishrabee waqarree AAaynan faimma tarayinna mina albashari ahadan faqoolee innee nathartu lilrrahmani sawman falan okallima alyawma insiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فكلي» من الرطب «واشربي» من السري «وقري عينا» بالولد تمييز محول من الفاعل أي: لتقر عينك به أي: تسكن فلا تطمح إلى غيره «فإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة «ترين» حذفت منه لام الفعل وعينه وألقيت حركتها على الراء وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين «من البشر أحدا» فيسألك عن ولدك «فقولي إني نذرت للرحمن صوما» أي إمساكا عن الكلام في شأنه وغيره من الأناسي بدليل «فلن أكلم اليوم إنسا» أي: بعد ذلك.

26

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَكُلِى } من الرطب {وَٱشْرَبِى } من السريّ {وَقَرِّى عَيْناً } بالولد، تمييز محوّل من الفاعل أي: لتقرّ عينك به أي: تسكن فلا تطمح إلى غيره {فَإِمَّا } فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {تَرَيِنَّ } حذفت منه لام الفعل وعينه وألقيت حركتها على الراء وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين {مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } فيسألك عن ولدك {فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْماً } أي إمساكاً عن الكلام في شأنه وغيره من الأناسي، بدليل {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } أي: بعد ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَكُلِى} الجني {وَاشْرَبِى} من السري {وَقَرِّى عَيْناً} بالولد، طيبي نفساً، أو لتسكن عينك سروراً أو لتبرد عينك سروراً، دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة {صَوْماً} صمتاً أو صوماً عن الطعام والشراب وصمتاً عن الكلام، تركت الكلام ليتكلم عنها ولدها ببراءتها، أو كان من صام لا يكلم الناس فأُذن لها في هذا القدر من الكلام.

البقاعي

تفسير : ولما كان من المعلوم أنها هزت فتساقط الرطب، سبب عنه قوله: {فكلي} أي فتسبب عن الإنعام عليك بالماء والرطب أن يقال لك تمكيناً من كل منهما كلي من الرطب {واشربي} من ماء السرى {وقري} أي استقري {عيناً} بالنوم، فإن المهموم لا ينام، والعين لا تستقر ما دامت يقظى، وعن الأصمعي أن المعنى: ولتبرد دمعتك، لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة، واشتقاق "قري" من القرور، وهو الماء البارد - انتهى. وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وحكى الفراء أن قريشاً ومن حولهم يقولون: قررت به عيناً - أي بكسر العين - أقر، وأن أسداً وقيساً وتميماً يقولون: قررت به عيناً - أي بالفتح - أقر، قال - يعني الفراء: فمن قال: قررت - أي بالكسر - قراً، وقرى عيناً - أي بالفتح، وهي القراءة المعروفة، ومن قال: قررت، - أي بالفتح قراً وقري عيناً - بكسر القاف أي وهي الشاذة، قال - أي القزاز: هي لغة كل من لقيت من أهل نجد، والمصدر قرة وقرور. وسيأتي في القصص ما ينفع هنا، وهو على كل حال كناية عن طيب النفس وتأهلها لأن تنام بالكفاية في الدنيا بطعام البدن وغذاء الروح بكونه آية باهرة، والآخرة بالكرامة وذلك على أنفع الوجوه، قيل: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل؛ ثم سبب عن ذلك قوله مؤكداً إيذاناً بأن أكثر رؤيتها في تلك الأوقات الملائكة عليهم السلام {فإما ترين} أي يا مريم {من البشر أحداً} لا تشكين أنه من البشر ينكر عليك {فقولي} لذلك المنكر جواباً له مع التأكيد تنبيهاً على البراءة لأن البريء يكون ساكناً لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه: {إني نذرت للرحمن} أي الذي عمت رحمته فأدخلني فيها على ضعفي وخصني بما رأيت من الخوارق {صوماً} أي صمتاً ينجي من كل وصمة وإمساكاً عن الكلام {فلن} أي فتسبب عن النذر أني لن {أكلم اليوم إنسياً *} فإن كلامي يقبل الرد والمجادلة ولكن يتكلم عني المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع، وأما أنا فأنزه نفسي عن مجادلة السفهاء فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق بالتسبيح والتقديس وسائر أنواع الذكر، قالوا: ومن أذل الناس سفيهاً لم يجد مسافهاً، ومن الدلالة عليه بالصمت عن كلام الناس مع ما تقدم الإشارة إلى أنه ردع مجرد {فأتت} أي فلما سمعت هذا الكلام اشتد قلبها، وزال حزنها، وأتت {به} أي بعيسى {قومها} وإن كان فيهم قوة المحاولة لكل ما يريدونه إتيان البريء الموقن بأن الله معه {تحمله} غير مبالية بأحد ولا مستخفية فكأنه قيل: فما قالوا لها؟ فقيل: {قالوا يا مريم} ما هذا؟ مؤكدين لأن حالها في إتيانها يقتضي إنكار كلامهم {لقد جئت} بما نراه {شيئاً فرياً *} قطيعاً منكراً {ياأخت هارون} في زهده وورعه وعفته وهو صالح كان في زمانها أو أخو موسى عليه السلام {ما كان أبوك} أي عمران ساعة من الدهر {امرأ سوء} لنقول: نزعك عرق منه {وما كانت أمك} في وقت من الأوقات {بغياً *} أي ذات بغي أي عمد لتتأسى بها {فأشارت} امتثالاً لما أمرت به {إليه} أي عيسى ليكلموه فيجيب عنها {قالوا كيف نكلم} يا مريم {من كان في المهد} أي قبيل إشارتك {صبياً *} لم يبلغ سن هذا الكلام، الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء والتعبير بـ "كان" يدل على أنه حين الإشارة إليه لم يحوجهم إلى أن يكلموه، بل حين سمع المحاورة وتمت الإشارة بدا منه قوله خارق لعادة الرضعاء والصبيان، ويمكن أن تكون تامة مشيرة إلى تمكنه في حال ما دون سن الكلام، ونصب { صبياً} على الحال، فلما كانت هذه العبارة مؤذنة بذلك استأنف قوله: {قال} أي واصفاً نفسه بما ينافي أوصاف الأخابث، مؤكداً لإنكارهم أمره فقال: {إني عبد الله} أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لا أتعبد لغيره، إشارة إلى الاعتقاد الصحيح فيه، وأنه لا يستعبده شيطان ولا هوى {ءاتاني الكتاب} أي التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف على صغر سني {وجعلني} أي في علمه {نبياً *} ينبىء بما يريد في الوقت الذي يريد، وقيل في ذلك: فانبئكم به {وجعلني مباركاً} بأنواع البركات {أين ما} في أي مكان {كنت} فيه. ولما سبق علمه سبحانه أنه يدعي في عيسى الإلهية أمره أن يقول: {وأوصاني بالصلاة} له طهرة للنفس {والزكاة} طهرة للمال فعلاً في نفسي وأمراً لغيري {ما دمت حياً} ليكون ذلك حجة على من أطراه لأنه لا شبهة في أن من يصلي لإله ليس بإله {وبراً} أي وجعلني براً، أي واسع الخلق طاهره. ولما كان السياق لبراءتها فبين الحق في وصفه، صرح ببراءتها فقال: {بوالدتي} أي التي أكرمها الله بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر، فلا والد لي غيرها {ولم يجعلني جباراً شقياً *} بأن أفعل فعل الجبارين بغير استحقاق، إنما أفعل ذلك بمن يستحق، وفيه إيماء إلى أن التجبر المذموم فعل أولاد الزنا، وذلك أنه يستشعر ما عنده من النقص فيريد أن يجبره بتجبره، ثم أخبر بما له من الله من الكرامة الدائمة مشيراً إلى أنه لا يضره عدو، وإلى أنه عبد لا يصلح أن يكون إلهاً وإلى البعث فقال: {والسلام} أي جنسه {عليَّ} فلا يقدر أحد على ضرري {يوم ولدت} فلم يضرني الشيطان ومن يولد لا يكون إلهاً {ويوم أموت} كذلك أموت كامل البدن والدين، لا يقدر أحد على انتقاصهما مني كائناً من كان {ويوم أبعث حياً *} يوم القيامة كما تقدم في يحيى عليه السلام، إشارة إلى أنه في البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلاً إلا في كونه من غير ذكر، وإذا كان جنس السلام عليه كان اللعن على أعدائه، فهو بشارة لمن صدقة فإنه منه، ونذارة لمن كذبه، ولم يكن لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل هذه الخارقة لئلا يلتبس حاله بالكهان، لأن قومه لا عهد لهم بالخوارق إلا عندهم، وإذا تقرر ذلك في نفوسهم من الصغر صعب زواله، ولم يكن هناك ما ينفيه حال الصغر، فعوض عن ذلك إنطاق الرضعاء كمبارك اليمامة وغيره، وإنطاق الحيوانات العجم، بل والجمادات كالحجارة وذراع الشاة المسمومة والجذع اليابس وغيرها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه وابن المنذر وابن عساكر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إني نذرت للرحمن صوماً‏} ‏ قال‏:‏ صمتا‏ً. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي مثله‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه، عن أنس بن مالك أنه كان يقرأ ‏{‏إني نذرت للرحمن صوماً‏}‏ صمتا‏ً. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأها ‏ {‏إني نذرت للرحمن صوما‏ً} ‏ صمتاً وقال‏:‏ ليس إلا أن حملت فوضعت‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏إني نذرت للرحمن صوما‏ً} ‏ قال‏:‏ كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام، كما يصوم من الطعام، إلا من ذكر الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن حارثة بن مضرب قال‏:‏ كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان، فسلم أحدهما، ولم يسلم الآخر، ثم جلسا‏.‏ فقال القوم‏:‏ ما لصاحبك لم يسلم‏؟‏ قال‏:‏ إنه نذر صوماً لا يكلم اليوم إنسياً‏.‏ فقال عبد الله‏:‏ بئس ما قلت‏!‏ إنما كانت تلك المرأة، فقالت ذلك، ليكون عذراً لها إذا سئلت‏؟‏ - وكانوا ينكرون أن يكون ولد من غير زوج إلا زنا - فتكلم وأمر بالمعروف وإنه عن المنكر فإنه خير لك‏. وأخرج ابن الأنباري، عن الشعبي قال‏:‏ في قراءة أبي بن كعب ‏ {‏إني نذرت للرحمن صوما‏ً} ‏ صمتا‏ً.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله عزَّ وجلَّ: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً}[26] فقال: صمتاً عن الكل، إلا عن ذكرك، إذا سأل الصائم أن تقر عينه بك، ويسكن قلبه إليك لا إلى غيرك، {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً}[26].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} [الآية: 26]. قال ابن عطاء: إنك غير مطالبة بالثواب فيما أعطيت.

القشيري

تفسير : كفاها أسبابَ ما احتاجت إليه مِنْ أَكْلِهَا وشُرْبِها، وسَكَّنَ من خوفها، وطيَّبَ قلبَها. {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً}: فلا تخاطبيهم وعرِّفيهم - بالإشارة - أَنَّكِ نَذَرْتِ للرحمن الصمتَ مع الخَلْق، وتَرْكَ المخاطبةِ معهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} اى كلى من خوان عنايتى فواكه مشاهدتى واشربى من بحار محبتى وقرى عيناً برويتى وبأنى قرة عينك قرى عينك بى ايضا ترى عينك بما تزين من انوار جمالى في وجه ابنك عيسى وظهور أياتى من نفسه قال ابن عطا انك --- بالثواب فيما اعطيت.

اسماعيل حقي

تفسير : {فكلى} من ذلك الرطب {واشربى} من ماء السرى وكان ذلك ارهاصا لعيسى او كرامة لامه وليس بمعجزة لفقد شرطها وهو التحدى كما فى بحر العلوم. قال الامام فى تفسيره قدم الاكل لان حاجتها اليه اشد من حاجتها الى الماء لكثرة ما سال منها من الدماء. فان قيل مضرة الخوف اشد لانه الم الروح والجوع والعطش الم البدن ونقل انه اجيع شاة ثم قدم اليها العلف وربط عندها ذئب فلم تأكل ثم ابعد الذئب وكسر رجلها فتناولت فدل على ان الم الخوف اشد فلم اخر الله سبحانه دفع ضرره. قلنا كان الخوف قليلا لبشارة جبريل فلم يحتج الى التكذير مرة اخرى انتهى. قالوا التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذلك التحنيك وهو بالفارسية [كام كودك بماليدن] يقال حنك الصبى مضغ تمرا او غيره فدلكه بحنكه وقالوا كان من العجوة وهى بالحجاز ام التمر كما فى القاموس وفى الحديث "حديث : اذا ولدت امرأة فليكن اول ما تأكل الرطب فان لم يكن رطب فتمر فانه لو كان شئ افضل منه لاطعمه الله تعالى مريم بنت عمران حين ولدت عيسى " تفسير : قال الربيع بن خيثم ما للنفساء عندى خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل {وقرى عينا} وطيبى نفسا وارفضى عنها ما احزنك واهمك فان لله تعالى قد نزه ساحتك بالخوارق من جرى النهر واخضرار النخلة اليابسة واثمارها قبل وقتها لانهم اذا رأوا ذلك لم يستبعدوا ولادة ولد بلا فحل واشتقاقه من القرار فان العين اذا رأت ما يسر النفس سكنت اليه من النظر الى غيره يقال اقر الله عينيك اى صادف فؤادك ما يرضيك فيقر عينك من النظر الى غيره. قال فى القاموس قرت عينه تقر بالكسر والفتح قرة ويضم وقرورا بردت وانقطع بكاؤها اورأت ما كانت متشوفة اليه انتهى. او من القر بالضم وهو البرد فان دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال قرة العين وسخنة العين للمحبوب والمكروه. وقال الكاشفى [وقرى عينا وروشن ساز جشم را بفرزندياخود بسبز شدن درخت وبر دادن او كه مناسبت باحال تو دارد جه آنكه قادراست براظهار خرما از درخت يابس قدرت دارد برايجاد ولد ازمادر بى بدر وحق سبحانه ملائكة فرستاد تابكرد مريم در آمدند وجون عيسى عليه السلام متولد شد اورا فرا كرفته بشستند ودرحرير بهشت بيجيده دركنار مريم نهادند] قالوا ما من مولود يستهل غيره [وندا رسيدا]{فاما ترين من البشر احدا} اى فان ترى آدميا كائنا من كان وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط وهى بمنزلة لام القسم فى انها اذا دخلت على الفعل دخلت معها النون المؤكدة {فقولى} له ان استنطقك اى سألك على ولدك [يعنى برسند اين فرزند از كجاست] ولامك عليه {انى نذرت} اوجبت على نفسى {للرحمن صوما} اى صمتا او صياما وكان صيام المجتهدين من بنى اسرائيل بالامساك عن الطعام والكلام حتى يمسى وقد نسخ فى هذه الامة لانه عليه السلام نهى عن صوم الصمت. قال فى ابكار الاذكار السكوت فى وقته صفة الرجال كما ان النطق فى موضعه شرف الخصال شعر : اكرجه بيش خرمند خامشى ادبست بوقت مصلحت آن به كه درسخن كوشى دوجيز طيره عقلست دم فرو بستن بوقت كفتن وكفتن بوقت خاموشى تفسير : واما ايثار اصحاب المجاهدة السكوت فلعلمهم بما فى الكلام من حظ النفس واظهار صفات المدح والميل الى حسن النطق. فاما صمت الجاهلية فمنهى عنه كما ورد لا يتم بعد الاحتلام ولا صمات يوم الى الليل فكان اهل الجاهلية من نسكهم اعتكاف يوم وليلة بالصمات فنهوا فى الاسلام عن ذلك وامروا بالحديث بالخير والذكر. يقول الفقيران المنهى عنه هو السكوت مطلقا. واما السكوت عن كلام الناس مع ملازمة الذكر فمقبول بل مأمور به ولذا جعل دوام السكوت احد الشرائط الثمان فصحة الانقطاع وفائدة السلوك انما تحصل به وباخواته {فلن اكلم اليوم انسيا}[بس سخن نخواهم كفت امروز باهيج آدمى بلكه باملائكه وباحق سخن ميكويم ومناجات ميكنم] امرت بان تخبر بنذرها بالاشارة فالمعنى قولى ذلك بالاشارة لا باللفظ. قال الفراء العرب تسمى كل وصل الى الانسان كلاما بأى طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فاذا اكد لم يكن الا حقيقة الكلام وانما امرت بذلك لكراهة مجادلة السفهاء ومناقلتهم والاكتفاء بكلام عيسى انه قاطع لطعن الطاعن والرائب فى براءة ساحتها وذلك ان الله تعالى اراد ان يظهر براءتها من جهة عيسى فتكلم ببراءة امه وهو فى المهد وفيه ان السكوت عن السفيه واجب ومن اذل الناس سفيه لم يجد مسافها: قال الصائب شعر : درجنك ميكند لب خاموش كار تيغ داد جواب مردم نادان جه لازمست تفسير : وقال شعر : باكران جانان مكوحرف كران تانشنوى كوه در رد صدا بى اختيار افتاده است تفسير : ومن بلاغات الزمخشرى ما قدع السفيه بمثل الاعراض وما اطلق عنانه بمثل العراض سورة السفيه تكسرها الحلماء والنار المضطرمة يطفئها الماء يعنى ان سورة السفيه كالنار المضطرمة ولا يطفأها الا الحلم كما لا يطفئ النار الا الماء والنار تأكل نفسها ان لم تجد ما تأكله. وفى الآية اشارة الى الصوم عن الالتفات لغير الله تعالى كما قال بعض الكبار الدنيا يوم ولنا فيه صوم ولا يكون افطاره الا على مشاهدة الجمال. فعلى السالك ان ينقطع عن عالم الناسوت ويقطع لسانه عن غير ذكر اللاهوت حتى يحصل قطع الطريق والوصول الى منزلة التحقيق وكما ان مريم هزت النخلة فاسقطت عليها رطبا جنيا فكذا مريم القلب اذا هزت بنخلة الذكر وهى كلمة"لا اله الا الله" تسقط عليها من المشاهدات الربانية والمكاشفات الآلهية ما به يحصل التمتعات التى هى مشارب الرجال البالغين كما كان حال النبى صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى"تفسير : اللهم اجعلنا من الذين كوشفوا عن وجه حقيقة الحال ووصلوا الى تجليات الجمال والجلال.

الطوسي

تفسير : لما قال جبرائيل لمريم {هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً} قال لها بعد ذلك {فكلي} من ذلك الرطب {واشربي} من السري {وقري عيناً} ونصبه على التمييز كقوله {أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} تفسير : وقيل فى معنا {قري عيناً} قولان: احدهما - لتبرد عينك برد سرور بما ترى. الثاني - لتسكن سكون سرور برؤيتها ما تحب، يقال قررت به عيناً أقر قروراً وهي لغة قريش. وأهل نجد يقولون: قررت به عيناً - بفتح العين - اقر قراراً، كما يقولون قررت بالمكان - بالفتح. وقوله {فأما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً} قال الجبائي: كان الله تعالى أمرها بأن تنذر الله تعالى الصمت، فاذا كلمها احد تومي بأنها نذرت صوماً صمتاً، لانه لا يجوز ان يأمرها بان تخبر بانها نذرت ولم تنذر، لأن ذلك كذب. وقال انس بن مالك وابن عباس والضحاك: تريد بالصوم الصمت. وقال قتادة: يعني صمتاً عن الطعام والشراب والكلام أي إمساكاً. وانما أمرها بالصمت ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ ساحتها - في قول ابن مسعود وابن زيد ووهب ابن منية وقيل: من كان صام في ذلك الوقت لا يكلم الناس، فاذن لها فى هذا المقدار من الكلام، في قول السدي. فان قيل كيف تكون نذرت الصمت وألا تكلم أحداً مع قولها واخبارها عن نفسها بانها نذرت وهل ذلك إلا تناقض؟ قيل من قال: انه أذن لها فى هذا القدر فحسب، يقول: انها نذرت لا تكلم بما زاد عليه. ومن قال: انها نذرت نذراً عاماً، قال: أومت بذلك ولم تتلفظ به. وقيل: أمرها الله أن تشير اليهم بهذا المعنى، وانها ولدته بناحية بيت المقدس، وفى موضع يعرف بـ (بيت لحم). ثم اخبر الله تعالى عن حال مريم أنها اتت بعيسى الى قومها تحمله، فلما رأوها قالوا لها {لقد جئت شيئاً فرياً} أي عملا عجيباً قال الراجز: شعر : قد اطعمتني دقلا حوليا مسوساً مدوداً حجريا قد كنت تفرين به الفريا تفسير : قال قتادة ومجاهد والسدي: معنى الفري العظيم من الأمر. وقيل الفري القبيح من الافتراء، فقال لها قومها {يا أخت هارون} وقيل فى هارون الذي نسبت اليه بالاخوة أربعة أقوال: فقال قتادة: وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة يرفعه الى النبي (صلى الله عليه وسلم): انه كان رجلا صالحاً فى بني اسرائيل ينسب اليه من عرف بالصلاح. وقال السدي: نسبت الى هارون أخي موسى (ع) لأنها كانت من ولده كما يقال يا أخا بني فلان. وقال قوم: كان رجلا فاسقاً معلناً بالفسق، فنسبت اليه. وقال الضحاك: كان أخاها لابيها وأمها، وكان بنو إسرائيل يسمون أولادهم باسماء الأنبياء كثيراً. وقوله {ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً} اي لم يكن أبواك إلا صالحين، ولم يكونا فاجرين، فكيف خالفتيهما {فأشارت إليه} اي أومأت عند ذلك مريم الى عيسى (ع) أن كلموه، واستشهدوه على براءة ساحتي {فقالوا} في جوابها {كيف نكلم من كان في المهد صبياً} قال قوم: دخلت (كان) ها هنا زائدة ونصب {صبياً} على الحال. وانشد أبو عبيدة في زيادة (كان): شعر : الى كناس كان مستعدة تفسير : وقال آخر: شعر : فكيف إذا رأيت ديار قومي وجيران لنا كانوا كرام تفسير : والمعنى وديار جيران كرام و (كانوا) فضلة، فلذلك لم تعمل. وقيل معنى (كان) صار وانشد لزهير: شعر : اجزت اليه حرة أرجية وقد كان لون الليل مثل الارندج تفسير : اي قد صار. وقال المبرد: معنى (كان) حدث. وقال الزجاج: معناه على الشرط، وتقديره من كان في المهد صبياً كيف نكلمه على التقديم والتأخير. وقال قتادة: المهد حجر أمه، واصله ما وطئ للصبي. وقيل: انهم غضبوا عند اشارتها الى ذلك وقالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زناها، فلما تكلم عيسى، قالوا: إن هذا الامر عظيم - ذكره السدي - فقال عيسى (ع) عند ذلك {إني عبد الله آتاني الكتاب} قال عكرمة: معناه فيما مضى {وجعلني نبياً} لان الله أكمل عقله وأرسله الى عباده ولذلك كانت له تلك المعجزة - في قول الحسن وابي علي الجبائي - وقال قوم: معناه {إني عبد الله} سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبياً فيما بعد، وكان ذلك معجزة لمريم على براءة ساحتها على قول من أجاز اظهار المعجزات على يد غير الانبياء من الصالحين. وقال ابن الاخشاذ: كان ذلك إنذاراً لنبوته. وقال الجبائي معنى {وجعلني نبياً} أي وجعلني رفيعاً لان النبي هو الرفيع.

اطفيش

تفسير : {فَكُلِى} من الرطب {وَاشْرَبِى} من النهر. {وَقَرِّى عَيْناً} طيبى نفساً وارفضى الحزن. وقيل: قرى عينا بولدك وعيناً تمييز محول عن الفاعل أى لتبرد عينُك. وذلك أن دمعة الحزن حارة وقرئ قرى بكسر القاف وهو لغة نجد. ويجوز أن يكون المراد اشربى من عصير الرطب وأن يكون قرى من القرار بمعنى السكون؛ فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه ولم تنظر لغيره وإثمار النخلة فى الشتاء أيضا معجزة. وقال الثعلبى: إن ابن عمها يوسف بن يعقوب المذكور كان نجارا يتصدق من عمل يديه وإن اليوم الذى لقيها فيه جبريل أطول يوم فى السنة وآخره نفد ماؤها فقالت: يا يوسف ألا تذهب بنا نسقى؟ فقال: إن عندى لفضلا من ماء أكتفى به يومى فمضت لتسقى فلقيها جبريل فاستعاذت منه وهو فى صورة شاب فقال: أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا. قالت: أنى يكون لى غلام - إلى - مقضيا. فاستسلمت لأمر ربها فنفخ فى جيبها ثم ملأت قُلّها وانصرفت. وقيل: وضعت درعها لتسقى وقال لها وقالت له ونفخ فى جيب الدرع ثم لبسته. وإن وَهْباً قال: المسجد الذى تخدمه ويوسف عند جبل صهيون وهو من أعظم مساجدهم يومئذ ولخدمته فضل عظيم وإنه لما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن المسجد بيت من بيوت الله طُهِّر ورُفع ليذكر فيه اسمُه فابررى لموضع تلدين فيه فتحولت إلى بيت خالتها أم يحيى لما دخلت عليها قامت أم يحيى فالتزمتها فقالت امرأة زكريا: أشعرتِ أنى حبلى؟ قالت مريم: وأنت شعرتِ أبى حبلى؟ فقالت امرأة زكريا: إنى أجد ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك. قيل: فذلك قوله: {أية : مصدقا بكلمة من الله} تفسير : ثم أوحى الله إليها: إن ولدتِ بين قومك عيَّروك وقذفوك وولدَك. وقال الكلبى: قيل لابن عمها: إنها حملت من الزنى وسيقتلها الملك فهرب بها على حمار ليس بين ظهره وبينها شئ فانطلق بها حتى بلغ أرض مصر فى منقطع بلاد قومها وأدركها المخاض فى ذلك المكان إلى الجذع. وإن ابن عباس قال: حملت به ووضعته فى ساعة لقوله سبحانه وتعالى: {فحملته فانتبذت به مكاناً قصيا}. وإن مقاتلا قال: حملت فى ساعة ووضعت فى ساعة حين زالت الشمس من يومها وهى بنت عشرين سنة وقد حاضت حيضة واحدة قبل. ولما اشتد بها الطلق التجأت إلى نخلة يابسة لا سعف ولا كرانيف ولا عروق لها فأحدقت الملائكة بها صفوفا والنخلة فى موضع يقال له: بيت لحم وإن النهر الذى أنبعه الله عذب بارد إذا أرادت الشرب وفاتر إذا أرادت استعمال مائة واستدل بالآية الربيع بن خيثم على أنه ما للنفساء خير من الرطب وميمون على أنه ما لها مثله إذا عسرت. وكان صلى الله عليه وسلم يحنك به أولاد الصحابة إذا ولدوا بعد ما يمضغه. وعمد يوسف إلى حطب وجعله كالحظيرة حواليها بالقرب منها لتصطلى به من البرد فأوقد ناراً وكسر لها سبع جوازات كنّ فى خرجه. فمن ذلك يوقد النصارى ويلعبون بالجوز ليلة المولد. ولما وُلد عيسى أصبحت الأصنام بكل أرض منكوسة فزعت الشياطين وجاء إبليس وهو فى عرش له على نخلة خضراء يمثل بالعرش يوم كان على الماء وقد مرت ست ساعات من النهار ففزع منهم إذ رآهم جماعة وقد كانوا من قبل يلقونه فرادى فذكروا أن الأصنام نكست وأنه ما لنا على بنى آدم أشد عونا منها نكلمهم من جوفها وقد صغرت عندهم وخشينا أن لا تعبد بعد وإنا لم نأتك حتى خضنا الأرض والبحار ولم نزدد إلا جهلا. فقال لهم: إن هذا الأمر عظيم فكونوا على مكانكم فطار إبليس فلبث ساعة وقد مر على مكان الولادة ورأى الملائكة محدقين. وعلم أن الحدث فيه فأراد أن يأتيه من تحت الأرض فإذا أقدام الملائكة راسية فى الأرض فأراد أن يدخل من بينهم فنحُّره يريد أن يطعنه بأصبعه فى جبينه كما يفعل بكل مولود فيصرخ فلم يقدر. فرجع فقال: ما جئتكم حتى خضت الأرض مشرقها ومغربها وبرها وبحرها والخافقين والجو الأعلى. وقيل: ذلك فى ثلاث ساعات وأخبرهم بمولد عيسى عليه السلام. وقال لهم: ما اشتملت رحم أنثى على ولد إلا بعلم. ولكن - لعنه الله - لا يعلم ما فى البطن ذكراً أو أنثى لا أحواله وهو كاذب فى ادعاء العلم. قال: ولا وضعت أنثى إلا بحضرتى وإنى لأرجو أن أصل به أكثر ممن يهتدى وما كان نبى قبله أشد علىَّ وعليكم منه. وخرج فى تلك الليلة قوم يقصدونه من أجل نجم طلع قد تحدثوا أن طلوعه فى كتاب دانيال من علاماته ومعهم الذهب والمر واللبان فمروا بملك من ملوك الشام فسألهم: أين يريدون؟ فأخبروه. فقال: ما بال هذه الأشياء أهديتموها دون غيرها؟ قالوا: تلك مثاله فإن الذهب سيد المتاع كله وكذلك هذا النبى سيد أهل زمانه. والمر يشفى به الجرح والكسر وكذلك هذا النبى يشقى به كل مريض. واللبان يتبع دخان السماء ولا ينالها دخان غيره وكذا هذا النبى يرفع إلى السماء دون غيره فى زمانه فحدث الملك نفسه بقتله. فقال: اذهبوا فإذا علمتم مكانه فأعلمونى بذلك فإنى أرغب فى مثل ما رغبتم من الخير. وانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من الهدية إلى مريم فرجعوا إلى الملك ليعلموه بمكانه فلقيهم ملَك فقال: لا ترجعوا إليه ولا تعلموه فإنما أراد قتله فانصرفوا فى طريق آخر. قال مجاهد: قالت مريم: كنت إذا خلوت تكلم معى من بطنى وإذا شغلنى إنسان سبح فى بطنى وأنا أسمع. {فإِمَّا تَرَيِنَّ} إن الشرطية وما الزائدة قال الشيخ خالد: أصله قبل التوكيد ترأيين كتمنعين نقلت حركة الهمزة إلى الراه قبلها ثم حذفت الهمزة فصار تريين بفتح الراء وكسر الياء الأولى وسكون الثانية. فإما أن تقول: حذفت الكسرة لاستثقالها أو تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا وعلى التقديرين التقى ساكنان حذف أولهما فصار ترين بفتح الراء وسكون الياء ثم دخل الجازم وهو إن الشرطية المتصلة بما الزائدة فحذفت نون الرفع فصار ترى بفتح الراء وإسكان الياء ثم أكد بالنون فالتقى ساكنان ياء المخاطبة ونون التوكيد وتعذر حذف إحداهما لعدم دليله فحركت الياء بحركة تجانسها وهى الكسرة ولم تحرك النون المدغمة محافظة على الأصل ولعروض الكسرة لم تقلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. انتهى. وعن ابن رومى عن أبى عمرو تَرَيِنَّ بالهمزة مبدلة عن ياء المتكلم والهمزة بدل من الياء التى هى لام الكلمة وأما الياء التى هى ضمير فمحذوفه وذلك أن بين الهمزة والياء تآخيا. {مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِى إنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً} صمتاً كما قرأ به ابن مسعود وغيره كأنس بن مالك. وقيل: المراد الصيام وكانوا لا يتكلمون إذا صاموا وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت لأنه نسخ فى أمته وكان أنس يقرأ أيضا صمتا. روى أن من أراد الاجتهاد من بنى إسرائيل صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم حى يمسى وهذا لا يجوز عندنا معشر الأمة أعنى نذر الصمت. والقائل لها فإما ترين الخ جبريل أو عيسى عليهما السلام أمرت أن تقول: إنى نذرت للرحمن صوما الخ ثم تمسك. هذا قول الجمهور. وقيل: تقول ذلك بالإشارة. وفى الكلام حذف أى فإما ترين من البشر أحدا وسألك فقولى: إنى نذرت للرحمن صوما وتفويض الكلام للأفضل أفضل وذلك لئلا تسرع مع البشر المتهمين لها فى الكلام لأن عيسى عليه السلام يكفيها الكلام بما يبرئ ساحتها ولكراهة مجادلة السفهاء. قيل: السكوت عن السفيه واجب. ومَن أذَلِّ الناسِ سفيهٌ لم يجد مسافها. {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ} فى شأن الولد وغيره. {إنْسِيّاً} آدميا بل أكلم الملائكة وأناجى ربى.

اطفيش

تفسير : {فكلى} من الرطب {واشربى} من السرى وهذا هو الظاهر، وقيل اشربى من عصير الرطب، وكان فى غاية الطراوة، وفيه أنه لا ذكر فى الآية للعصر، وقدم ذكر وجود الماء، وأحضره لأن الماء أشرح للنفس، ولا سيما الجارية، والاهتمام به أشد وهو للتنظيف والشرب معاً وأخر الشرب عن الأكل لاعتياد ذلك، وليتصل الأكل بلفظ المأكول وهو الرطب، وأمرها بالأكل والشرب للوجوب بمعنى أن الله عز وجل قضى حياتها وحياة ولدها وقوتهما بالأكل والشرب وهو الأصل، وكيف تترى ضيافة الله، وقيل إباحة، وقيل باحتمال الوجوب والندب. {وقرى عيناً} هذا أمر الوجوب، لكن ليس على ظاهرة لأن قوة العين ضرورية لا كسبية، بل باعتبار ما أريد بها، وهو ترك الحزن، كأنه قيل التركى الحزن إلى الانشراح، فلا يتكرر مع قوله: "أية : ألاَّ تحزنى" تفسير : [مريم: 24] وهو المراد، إلا أن دمعة الحزن حارة، والعين حارة عنده، ودمعة الفرح باردة، بمعنى أنها ليست حارة، فعبر عنها بالقر وهو البرد، ويجوز تفسير قرى باسكنى عن الاضطراب بالضيق أمرها بالسكون وترك الحزن، كما روى أن عيسى السلام قال: لا تحزنى، فقالت: كيف لا أحزن وأنت معى، ولست ذات زوج ولا مملوكة، فما عذرى عند الناس؟ فقال لها: اسكتى وأتكلم عنك، كما قال الله جل وعلا: {فإِمَّا ترينَّ من البَشَر أحداً} إما إن الشرطية وما الموعدة {فقولى} له إن كلمك وأراد جواباً {إِنِّى نذرتُ} وعدت، فالنذر يكون بلا شرط، كما يكون الوعد بلا شرط {للرحمن صوماً} لا تتنصرى لنفسك فتتعبى، أنا أجيب عك السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه مأمور به مؤكد، حتى قيل: واجب وايضا الله يجيب عنها، وأجاب عنها عيسى، وذلك أقوى من أن تجيب هى، أو لما أذعنت للصمت أنطق الله لها عيسى مجيباً عنها، وصوماً إمساكا عن الكلام، أو عنه وعن المفطرات، وكانوا إذا أرادوا التقرب إلى الله تعالى لم يتكلموا يومهم، أو إلى العشى، ولو بلا صوم، ويعتبرون ذلك عبادة عظيمة، وكانوا لا يتكلمون فى صيامهم، ونسخ فى شرعنا، فمن نذره لم يجز له الوفاءَ به. دخل الصديق رضى الله عنه على امرأة نذرت أن لا تتكلم، فقال: إن الإسلام هدم هذا فتكلمى، ولا دليل على اختصاص مريم به. فى رواية حارثة بن مضرب: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، ثم جلسا فقالوا: ما لصاحبك لم يسلم؟ فقال نذر صوماً لا يكلم اليوم إنسياً، فقال له ابن مسعود: بئس ما قلت، إنما كانت تلك المرأة يعنى مريم، قالت ذلك ليكون عذراً لها إذا سئلت فتكلم وأمر بالمعروف، وأنه عن المنكر خير لك، وخصها بالذكر لأنها التى علم منها ذلك فى القرآن، ولعل الرجل أتى قبل الذى سلم بحيث لا يكفى أحدهما عن الآخر، وإلا لم ينتظر منه السلام. سلام الواحد يكفى عن غيره أو أرادوا بسلامه مطلق الكلام، لما رأوه ساكتاً وتبادر إلى الأفهام أنها نذرت الصوم من قبل بأمر الله عز وجل، وأنه أباح الله عز وجل أن تتكلم بهذا الإخبار، ثم لا تتكلم أو أن تخبر بالإشارة، واستظهره بعض. وعن الفراء: الكلام يصدق بكل ما يفهم به إلا إذا أكد بالمصدر، فباللسان نحو كلمته تكليماً، لأن المجاز لا يؤكد، وإطلاق الكلام على غير النطق مجاز، وعلى كل حال لم يكن هنا إلا أمرها بالإخبار بالنذر، وليس فيه إخبار به، بل الإخبار به فى قوله: "أية : فأشارت إليه" تفسير : [مريم: 29] فهو بالإشارة. {فلن أكلِّم اليوم} كل يوم كلموها فيه قالت: لن أكلم اليوم، أو أرادت باليوم كل زمان كلموها فيه {إِنسياً} تأكيداً لنذر الصوم، وزيادة بيان، ويحتمل أنها نذرت من حين قولها إنى نذرت الخ لا أكلم اليوم إنسبباً، بل ربى والملك، أمرت بذلك لكراهة مجادلة السفهاء، وللاكتفاء بنص عيسى عليه السلام.

الالوسي

تفسير : {فَكُلِي } من ذلك الرطب {وَٱشْرَبِى } من ذلك السري. وقيل: من عصير الرطب وكان في غاية الطراوة فلا يتم الاستدلال بذكر الشرب على تعين تفسير السري بالجدول وما ألطف ما أرشد إليه النظم الكريم من إحضار الماء أولاً والطعام ثانياً ثم الأكل ثالثاً والشرب رابعاً فإن الاهتمام بالماء أشد من الاهتمام بالأكل لا سيما ممن يريد أن يأكل ما يحوج إلى الماء كالأشياء الحلوة الحارة، والعادة قاضية بأن الأكل بعد الشرب ولذا قدم / الأكل على الشرب حيث وقع، وقيل: قدم الماء لأنه أصل في النفع ونفعه عام للتنظيف ونحوه، وقد كان جارياً وهو أظهر في إزالة الحزن وأخر الشرب للعادة. وقيل قدم الأكل ليجاور ما يشاكله وهو الرطب. والأمر قيل يحتمل الوجوب والندب وذلك باعتبار حالها، وقيل هو للإباحة. {وَقَرّى عَيْناً } وطيبـي نفساً وارفضي عنها ما أحزنك. وقرىء بكسر القاف وهي لغة نجد وهم يفتحون عين الماضي ويكسرون عين المضارع وغيرهم يكسرهما وذلك من القر بمعنى السكون فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره ويشهد له قوله تعالى:{أية : تَدورُ أَعْيُنُهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 19] من الحزن أو بمعنى البرد فإن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة. ويشهد له قولهم قرة العين وسخنتها للمحبوب والمكروه. وتسليتها عليها السلام بما تضمنته الآية من إجراء الماء وإخراج الرطب من حيث إنهما أمران خارقان للعادة فكأنه قيل لا تحزني فإن الله تعالى قدير ينزه ساحتك عما يختلج في صدور المتقيدين بالأحكام العادية بأن يرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك بما أظهر لهم من البسائط العنصرية والمركبات النباتية ما يخرق العادات التكوينية، وفرع على التسلية الأمر بالأكل والشرب لأن الحزين قد لا يتفرغ لمثل ذلك وأكد ذلك بالأمر الأخير. ومن فسر السري برفيع الشأن سامي القدر جعل التسلية بإخراج الرطب كما سمعت وبالسري من حيث إن رفعة الشأن مما يتبعها تنزيه ساحتها فكأنه قيل لا تحزني فإن الله سبحانه قد أظهر لك ما ينزه ساحتك قالاً وحالاً. وقد يؤيد هذا في الجملة بما روي عن ابن زيد قال: قال عيسى عليه السلام لها لا تحزني فقالت: كيف لا أحزن وأنت معي ولست ذات زوج ولا مملوكة فأي شيء عذري عند الناس ليتني مت قبل هذا فقال لها عليه السلام: أنا أكفيك الكلام. {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } أي آدمياً كائناً من كان. وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه ابن الرومي. {ترئن} بالإبدال من الياء همزة. وزعم ابن خالويه أن هذا لحن عند أكثر النحويين. وقال الزمخشري: إنه من لغة من يقول لبأت بالحج وحلأت السويق وذلك لتآخ بين الهمزة وحروف اللين في الإبدال. وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة {تريِن } بسكون الياء وفتح النون خفيفة. قال ابن جني: هي شاذة وكان القياس حذف النون للجازم كما في قول الأفوه الأودي:شعر : إما تَرَيْ رأسي أزرى به مأس زمان ذي انتكاس مؤوس تفسير : {فَقُولِى } له إن استنطقك {إِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنه {صياماً} والمعنى واحد أي صمتاً كما في مصحف عبد الله. وقرأ به أنس بن مالك. فالمراد بالصوم الإمساك وإطلاقه على ما ذكر باعتبار أنه بعض أفراده كإطلاق الإنسان على زيد وهو حقيقة. وقيل إطلاقه عليه مجاز والقرينة التفريع الآتي وهو ظاهر على ذلك. وقال بعضهم: المراد به الصوم عن المفطرات المعلومة وعن الكلام وكانوا لا يتكلمون في صيامهم وكان قربة في دينهم فيصح نذره. وقد نهى النبـي صلى الله عليه وسلم عنه فهو منسوخ في شرعنا كما ذكره الجصاص في كتاب «الأحكام». وروي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم فقال: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي «شرح البخاري» لابن حجر ((عن ابن قدامة أنه ليس من شريعة الإسلام، وظاهر الأخبار تحريمه فإن نذره لا يلزمه الوفاء به ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنفية)) لما فيه من التضييق وليس في شرعنا وإن كان / قربة في شرع من قبلنا. فتردد القفال في الجواز وعدمه ناشىء من قلة الاطلاع، وفي بعض الآثار ما يدل ظاهره على أن نذر الصمت كان من مريم عليها السلام خاصة. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن حارثة بن مضرب قال: كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر ثم جلسا فقال القوم: ما لصاحبك لم يسلم؟ قال: إنه نذر صوماً لا يكلم اليوم إنسياً فقال له ابن مسعود: بئس ما قلت إنما كانت تلك المرأة قالت ذلك ليكون عذراً لها إذا سئلت وكانوا ينكرون أن يكون ولد من غير زوج إلا زنا فكلم وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإنه خير لك. والظاهر على المعنى الأخير للصوم أنه باعتبار الصمت فيه فرع قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } أي بعد أن أخبرتكم بنذري فتكون قد نذرت أن لا تكلم إنسياً بغير هذا الإخبار فلا يكون مبطلاً له لأنه ليس بمنذور ويحتمل أن هذا تفسير للنذر بذكر صيغته. وقالت فرقة: أمرت أن تخبر بنذرها بالإشارة قيل: وهو الأظهر. قال الفراء: العرب تسمي كل ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام. ويفهم من قوله تعالى: {إِنسِيّاً } دون أحداً أن المراد فلن أكلم اليوم إنسياً وإنما أكلم الملك وأناجي ربـي. وإنما أمرت عليها السلام بذلك على ما قاله غير واحد لكراهة مجادلة السفهاء والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام فإنه نص قاطع في قطع الطعن.

د. أسعد حومد

تفسير : (26) - وَهَكَذا أَصْبَحَ لَدَيْكِ مَاءٌ تَشْرَبِينَ مِنْهُ وَطَعَامٌ، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَطِيبِي نَفْساً، وَأبْعِدِي عَنْكِ الهُمُومَ وَالأَحْزَانَ، فَإِذَا رَأَيْتِ أَحَداً مِنَ البَشَرِ فَلاَ تُكَلِّمِيهِ، وَأَشِيرِي إِلَيْهِ أَنَّكِ نَذَرْتِ لِلرَّحْمَن صَوْماً عَنِ الكَلاَمِ، وَأَنَّكِ لاَ تُكَلِّمِينَ أَحَداً مِنَ البَشَرِ هذا اليَوْمَ. قَرِّي عَيْناً - طِيبِي نَفْساً وَلاَ تَحْزَنِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ هنا أن الحق - تبارك وتعالى - عند إيجاد القُوت لمريم جاء بالماء أولاً، فقال: {أية : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}تفسير : [مريم: 24]، ثم أتى بالطعام فقال: {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}تفسير : [مريم: 25] لأن الماء أوْلى من الطعام في احتياج الإنسان، أما عند الأمر بالانتفاع قال: {فَكُلِي وَٱشْرَبِي ..} [مريم: 26] فبدأ بالطعام قبل الشراب، لماذا؟ لأن الإنسان عادةً يأكل أولاً، ثم يشرب، فالماء مع أهميته، إلا أنه يأتي في العادة بعد الطعام، فسبحان مَنْ هذا كلامه. وقوله: {وَقَرِّي عَيْناً ..} [مريم: 26] بعد أن وفَّر لها الحق سبحانه الطعام والشراب الذي هو قِوَام المادة، وبه يتم استبقاء الحياة، لكن بعد الطعام والشراب يبقى لديها حُزْن عميق وألم وحَيْرة مِمَّا هي فيه؛ لذلك يعطيها ربها تبارك وتعالى بعد القوت الذي هو قوام المادة يعطيها السكينة والطمأنينة ويُخفِّف عنها ألم النفس وحَيْرة الفؤاد. {وَقَرِّي عَيْناً ..} [مريم: 26] قرّي: أي: اسكني. وهذا التعبير عند العرب كناية عن السرور، ومنه قوله تعالى على لسان امرأة فرعون: {أية : قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ..}تفسير : [القصص: 9]. والعرب تعبر بِقُرَّة العين وسكونها عن السرور؛ لأن سكون العين على مَرأَىً واحد لا تتحول عنه دليلاً على أن العين صادفت مرأى جميلاً تسعد به وتُسَرُّ فلا يُغني عنه مَرأْىً آخر، فتظل ساكنة عليه لا تتحرك عنه. وقد يستعمل هذه التعبير في المقابل أي: في الشر والدعاء على إنسان وتمني الشر له، كالمرأة التي دخلتْ على أحد الخلفاء فنهرَها فقالت له: أتمَّ الله عليك نعمته وأقرَّ عينك. فظنَّ الحضور أنها تدعو له، لكنه فَطِن لمرادها، فقال لجلسائه: ما فهمتم ما تقول، إنها تقصد أتمَّ الله عليك نعمته أي: أزالها، أما سمعتم قول الشاعر: شعر : إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُه ترقَّبْ زَوَالاً إذَا قِيلَ تَمْ تفسير : ذلك لأن الإنسان بطبيعته ابن أغيار، لا يثبت على حال، فإذا ما وصل إلى القمة وتمتْ له النعمة، وهو ابن أغيار فلا بُدَّ أنْ يتحوَّل عنها. وقولها: أقرَّ الله عينك، أي: أسْكَنَها بالعمى. فقوله تعالى لمريم: {وَقَرِّي عَيْناً ..} [مريم: 26] أي: كوني سعيدة باصطفاء الله لك مسرورة بما أعطاك، فما تهتمين به وتحزنين هو عَيْن النعمة التي ليستْ لأحد غيرك من نساء العالمين. ثم يقول تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} [مريم: 26]. وهنا يتولَّى الحق سبحانه وتعالى الدفاع عن مريم وتبرير موقفها الذي لا تجد له هي مبرراً في أعراف الناس، فَمنْ يلتمس عُذْراً لامرأة تحمل وتلد دون أن يكون لها زوج؟ ومهما قالت فلن تُصدَّق ولن تسْلَم من ألسنة القوم وتجريحهم. إذن: فجواب ما يكره السكوت، فأمرها سبحانه أنْ تلزم الصمت ولا تجادل أحداً في أمرها: {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} [مريم: 26] والصوم هنا أي: عن الكلام، كما حدث مثل هذا في قصة زكريا؛ لأن المعجزات قريبة من بعضها، فقد أعطى الله زكريا مع عَطَب الآلات، وأعطى مريم بنقص الآلات، ولا يبرر هذه المعجزات ولا يدافع عنها إلا صانعها تبارك وتعالى. وهذه المسألة اعترض عليها بعض الذين يحبون أنْ ينتقموا على القرآن، فقالوا: كيف يأمرها بالصوم عن الكلام، وفي نفس الوقت يأمرها أن تقول: نذرت للرحمن صوماً؟ يجوز أنها قالت هذه العبارة أولاً لأول بشر رأته ليتم بذلك إعلان صومها، ثم انقطعت عن الكلام، ويجوز أن يكون المراد بالكلام هنا الإشارة، والدلالة بالإشارات أقوى الدلالات وأعمّها، فإن اختلفت اللغات بين البشر لأن كل جماعة تواضعوا على لغة خاصة بهم، فإن لغة الإشارة تظل لغة عامة يتفق عليها الجميع، فمثلاً حين تُومىء برأسك هكذا تعني نعم في كل اللغات، وحين تُشير بأصبعك هكذا تعني لا، إذن: فالدلالة لغة عالمية وعامّة. وقد تعرَّضَ القرآن الكريم في موضع آخر لهذه المسألة في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}تفسير : [الكهف: 93]. أي: لا يقربون من الفهم، فَهُمْ يفهمون من باب أَوْلى، ومع ذلك كان بينهم كلام وإشارة ولغة، وفَهِم كل منهم عن الآخر: {أية : قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ..}تفسير : [الكهف: 94]. ونلحظ في قولها: {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} [مريم: 26] أن النهي عن الكلام مع البشر خاصة فلم تَقُل: لن أتكلم، وإلاّ فمعها جبريل - عليه السلام - يُكلّمها وبينهما تفاهم، لعلَّه يرى لها مَخْرجاً، وقد كانت مريم واثقة مطمئنة إلى هذا المخرج، فإذا كان ربها - تبارك وتعالى - أمرها بالصوم عن الكلام، فإنه سينطق الوليد ليتكلم هو ويدافع عن أمه أمام اتهامات القوم. ولما تكلّمنا في قوله تعالى: {أية : فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي ..}تفسير : [مريم: 24] استبعدنا أنْ يكون هذا النداء من جبريل، وقلنا: إنه نداء الوليد؛ لذلك اطمأنتْ مريم وعَلِمتْ أنها أمام معجزة عُظْمى، ووثقتْ تمام الثقة أنها حين تُشير إليه سيتكلم هو ويردُّ عنها الحَرج مع قومها؛ لأن الكلام ممَّنْ يقدر على الكلام لا يأتي بحجة تُقنِع الناس عن خلاف العادة، أما حين يتكلم وهو في المهد، فهذا يعني أنه معجزة خارقة للعادة، فإذا كان الوليد معجزةً فالمعجزة في أُمِّه من باب أَوْلَى. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} معناه صَمتٌ.

الجيلاني

تفسير : {فَكُلِي} يا أمي من النخلة {وَٱشْرَبِي} من النهر {وَقَرِّي عَيْناً} أي: نوّري عينك بولدك وطيبي نفسك به {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} أي: إن رأتي {مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} يسألك عن حالك وولدك {فَقُولِيۤ} في جوابه؛ يعني: أشيري إليه: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي: صمتاً عن التكلم {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} [مريم: 26] أي: إنساناً. والحكمة في إلهام ولادتها وشاع بين الأنام قصتُها، فمكثت مدة نفاسها في غارٍ هناك وبعدما انقضتْ: {فَأَتَتْ بِهِ} أي: بولدها {قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} أي: ولدَها على صدرها، فلما رأوه معها، أخذوا في لومها وتقريعها؛ حيث {قَالُواْ} معيرين منادين بها على سبيل التوبيخ واللوم: {يٰمَرْيَمُ} الصالحة العفيفة المشهورة بالعصمة في بيت المقدس {لَقَدْ جِئْتِ} بالآخر {شَيْئاً فَرِيّاً} [مريم: 27] منكراً بديعاً في غاية الشناعة والفضاحة. {يٰأُخْتَ هَارُونَ} هو رجلُ صالحُ نسبوها إليه تهكماً، وقيل: هي من أولاد هارون أخي موسى، نسبوها إليه وإن تطاولت المدة بينهما {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ} منسوبٍ إلى الفواحش والزنا والخروج عن حدود الله {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} [مريم: 28] زانيةً فاجرةً بل هما من أصلح القوم وأزكاهما عن الفواحش والفسوق، فكيف أنت ومن أين اكتسبت هذا؟!. وبعدما تمادى تعييرهم وتشنيعهم {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي: إلى ولدها، بأن قل لهم في جوابهم ما يفحمون به ويسكتون، بل يتيهون ويتحيرون، ولما رأوا إشاراتها إليه وتفويضها الجواب نحوه {قَالُواْ} على سبيل الاستهزاء: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} [مريم: 29] رضيعاً ولم يُعهد من مثله التكلم، أنت قد خجلتِ واستحييتِ تدفعينَنَا بهذا الرضيع، مع أنه معصومُ لا ذنب له. ولما رأى عيسى اشتداد اللائمين على أمه بالتقرح والتشنيع، واضطرار أمه واضطرابها من لومهم، أخذ في الجواب بإلهام الله إياه؛ حيث {قَالَ} مفصحاً معرباً على وجه الفصاحة والبلاغة، ومشتملاً على الحكمة البالغة: لا تعيروا أيها الجاهلون عن أمري وعلو شأني في أمي الكاملة المتناهية في العصمة والعفة، ولا ترموها بما لا يليق بعلو شأنها وجلالة قدرها {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} الحكيم المتقن في أفعاله، المستقل في حكمه وآثاره، خصني بالنبوة الرسالة، بأنواع الكرامات والمعجزات، وأبدعني من محض جوده من روحه، وأرسلني إلى عباده للهداية والإرشاد إلى توحيده؛ لذلك {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} أي: الإنجيل النازل من عنده علي؛ لترويج رسالتي وإرشادي وتتميم تكميلي {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} [مريم: 30] كسائر الأنبياء، {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} نفّاعاً كثيرَ الخير والبركة لأهل الصلاح من البرية {أَيْنَ مَا كُنتُ} وحيثما توطنتُ وجلستُ معهم يَصِل خيري إليهم. {وَ} من كمال تربية الله وتزكيته إياي {أَوْصَانِي} وأمرني {بِٱلصَّلاَةِ} والميلِ التام والتوجه نحوه بالجوارح والأركان {وَٱلزَّكَاةِ} أي: التخلية والتطهير عن جميع الرذائل والخبائث المتعلقة بالنفوس البشرية، المنغمسة بالعلائق الدنيوية، المبعدة عن صفاء الوحدة الذاتية {مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31] بروح الله الذي أبدعني منه خالصاً صافياً عن جميع الكدورات، وأوصاني بما أوصاني من عنايةٍ منه لأكون باقياً على صفائي، وطهارة لاهوتي بلا كدرٍ من خبائث الناسوت. {وَ} جعلني أيضاً {بَرّاً} أي: باراً محسناً {بِوَٰلِدَتِي} ممتثلاً بأمرها، قائماً بخدمتها، خافضاً جناح الذل من الرحمة إياها، والحمد لولي الحمد الذي ربَّاني سيعداً على الطهارة الصلاح وأنواع الكرامة والفلاح والتذلل والتواضع مع عموم عباده {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} متكبراً متجبيراً على الناس {شَقِيّاً} [مريم: 32] بعيداً عن روح الله مستجلياً لعذابه. {وَ} متى سلمني الله، وطهرني عن جميع ما يعوقني عن مقتضى صرافة الوحدة الذاتية الإلهية المعبرة عنها بروح الله صار {ٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ} أي: سلام الله وحفظه {يَوْمَ وُلِدْتُّ} عن أمرٍ يحفظني من مسِّ الشيطان، {وَيَوْمَ أَمُوتُ} يحفظني عن شرِّه ووسوسته أيضاً {وَيَوْمَ أُبْعَثُ} للحشر أكون {حَيّاً} [مريم: 33] بحياة الله وروحه كما كنت قبل هذا. ثم لما سمعوا من عيسى ما سمعوا، تاهوا وتحيروا في أمره، وصاروا حيارى متعجبين في علو شأه وشأن والدته وجلالة قدرهما، فاختلفوا وتحزبوا، وفرقةُ منهم قالت بألوهيته، وفرقةُ قالت بإبنيته لله، وفرقةُ قالت بالأقانيم، ومنهم من رماه وأمه بما لا يليق بشأنهما. أخبر سبحانه حبيبه بما هو الواقع الحق الصريح فقال: {ذٰلِكَ} أي: القائل بهذه الكلمات والموصوف بهذه الصفات المذكورة هو {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} لا ما قاله الغلاة من النصارى، ولا ما قاله طغاة اليهود بل {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} هذا {ٱلَّذِي} ذُكر لك يا أكمل الرسل {فِيهِ يَمْتُرُونَ} [مريم: 34] ويترددون، مع أنه لا ريب فيه، لا ما قالته النصارى بأنه ابن الله. إذ {مَا كَانَ للَّهِ} أي: ما صحَّ وجاز بعلو شأنه سبحانه {أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} أي: هو منزهُ في ذاته عن الأهل والولد؛ لأنه لا يليق بذاته المعاونةُ والاستظهارُ بهما تعالى عن ذلك، بل من حكمه وشأنه أنه {إِذَا قَضَىٰ} وأراد {أَمْراً} من الأمور الكائنة في عالم الأمر {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} حين تعلق إرادته بتكوينه: {كُن} بلا ترتيبٍ في السمع بتقديم الكاف على النون. إذ كلامه القائم بنفسه سبحانه نفسيُ ذاتيُ لا يُتوهم فيه الحروفُ والأصوات ومقاطعها؛ ليتصور الترتيب بالتقدم والتأخر كما يُتوهم في الألفاظ الصادرة عنا، بل يخلق سبحانه بقدرته الكاملة في لساننا لفظاً معجزاً لا من جنس ألفاظنا ليسع لنا التعبير عن كلامه وقتَ إرادة نفودِ قضائه، وهو لفظه: "كن" وعن حصول المقضي بلفظ: {فَيَكُونُ} [مريم: 35] أيضاً بلا تراخٍ وتعقيبٍ يُفهم من الفاء، ومَن كان شأنُه هذامن أين يكون له حاجة إلى الأهل والولد وإحبالُ المرأة ووقاعها؟! تعالى عما يقولون علواً كبيراً. بل هو سبحانه واحدُ أحدُ فردُ صمدُ لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً هذا؛ أي: من قوله: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} [مريم: 34] إلى هنا كلامُ وقع في البين. ثم قال سبحانه حكايةً عن عيسى، ومن جملة ما أوحى إليه: {وَ} بعدما بالغ عيسى في بيان طهارته وعصمة أمه، وتكلم في غير أوان التكلم بكلام عجيبٍ غريبٍ، عَلِم بنور النبوة ونجابةٍ الفطرة أن بعضهم قد يقولون في شأنه وشأن أمه ويتخذونه إلهاً، أورد كلاماً نافياً لظنونهم وجهالاتهم دافعاً لغلوهم واتخاذهم. فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ} الذي أوجدني وأبدعني بلا أبٍ هو {رَبِّي} الذي ربَّاني وأمي بأنواع الكرامة، وأظهرني من كتم العدم بمقتضى قدرته {وَ} هو سبحانه {رَبُّكُمْ} أيضاً أوجدكم وأظهركم مثلي إيجاداً إبداعياً {فَٱعْبُدُوهُ} ووحّدوه ولا تشركوا معه شيئاً من المخلوقات، وتوجهوا نحوه بالتذلل التام والانكسار؛ إذ هو المستحق للعبادة لا معبود سواه، ولا إله إلا هو {هَـٰذَا} الذي بينت لكم {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [مريم: 36] وطريقُ واضحُ سويُ موصلُ إلى معرفة الحق وتوحيده، فاتبعوه إن كنتم مؤمنين موقنين بتوحيده. وبعدما نبههم عيسى. صلوات الرحمن عليه. بالطريق الأبين الأوضح {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ} أي: فِرق النصارى واليهود في شأنه وشأنه أمه اختلافاً ناشئاً {مِن بَيْنِهِمْ} بلا سيدٍ شرعيٍ وعقليٍ، فأفرط النصارى باتخاذه إلهاً وابناً له، وفرّط اليهود بنسبته وأمه إلى ما لا يليق بشأنهما. وبالجملة: فاستحق كلا الفريقين بأشد العذاب وأسوأ العقاب {فَوَيْلٌ} عظيمُ وعذابُ شديدُ أليمُ {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: ستروا ما هو الحق في شأنه، وعدلوا عنه إلى الباطل بلا حجةٍ وبرهانٍ {مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37] أي: من شهود يوم القيامة وظهوره، وهم يُسحبون فيه على وجوههم نحو النار، ويُكبون عليها صاغرين مضطرين. {أَسْمِعْ} أيها السميمع {بِهِمْ} أي: بأنينهم وحنينهم {وَأَبْصِرْ} أيها المبصر بأغلالهم وسلاسلهم {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} للعرض والحساب مضطرين مسحوبين {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ} الخارجون عن مقتضى أوامرنا ونواهينا {ٱلْيَوْمَ} الذي في النشأة الأولى {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [مريم: 38] وجهلٍ عظيم عن أهوال يوم القيامة وأفزاعه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَقَرِّي عَيْناً} [مريم: 26] بأنوار الجمال {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} [مريم: 26] ما سنح لك من الخواطر البشرية {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} [مريم: 26] كما قال بعضهم: الدنيا بوم ولنا فيه صوم {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} [مريم: 26] يعني الوصول والوصال لم يبق لي كلام مع أوصاف الإنسية بخير ولا شر، فإني نذرت للرحمن صوماً عن الالتفات بغير الله، ولا يكون إفطاري إلا [وكلمته) على مشاهدة جماله. وبقوله: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا} [مريم: 27] يشير إلى أن مريم القلب لمَّا ولدت بعيسى روح الله وكلمته فأتت به قومها من الخلائق {تَحْمِلُهُ} [مريم: 27] أي: تظهر مع الخلق من آثاره شيئاً من نتائج أحواله أنكروا عليها {قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} [مريم: 27] منكراً كما قال موسى عليه السلام لما أنكر على خضر؛ إذ جاءه بأفعال من نتائج العلم اللدني: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يٰأُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 27-28] النفس الأمارة بالسوء {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ} [مريم: 28] أي: أبو الروح {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ} [مريم: 28] أي: القالب: {بَغِيّاً} [مريم: 28] يعني: أو وليّاً يتولد منه مثل ما جئت به. واعلم أن المعتاد من أهل الزمان إذا ظهر الله في كل زمان وأوان نبيّاً أو وليّاً، وتخصصه بمعجزته أو كرامته أن ينكر عليه أكثرهم، وينسبونه إلى الجنون والضلال والافتراء والكذب والسحر وأمثاله {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم: 29] يشير إلى أن هؤلاء القوم هم أهل الإشارات؛ أي: إشارة مريم القلب إلى عيسى روح الله المتولد من نفخ الروح المضاف إلى الحضرة المقدسة ومريم القلب {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} [مريم: 29] ما بلغ مبلغ الرجال البالغين والواصلين {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} [مريم: 30] أي: أقر بالعبودية والحدوث متبرئاً عن الاثنينية والقدم {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} [مريم: 30] من العلوم اللدنية وكشف الحقائق والأسرار. {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} [مريم: 31] نبيّاً؛ أي: بلغني مقام الأنبياء، فأخذ الأسرار من الله عند تجلي صفاته وإنباء الخلق بها {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} [مريم: 31] أي: متصفاً بصفاته، فأحيي الموتى بصفته، وأبرئ الأكمه والأبرص وغير ذلك من الكرامات {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ} [مريم: 31] أي: بإقامة العبودية ومراقبة أحكام الربوبية {وَٱلزَّكَاةِ} [مريم: 31] أي: تزكية النفس عن الأوصاف الذميمة {مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31] فيه إشارة إلى أن ما دام العبد حيّاً لا بدّ له من مراقبة السر وإقامة العبودية وتزكية النفس {وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي} [مريم: 32] أي: أبر والدة القلب بإفاضة الفيض الإلهي. {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} [مريم: 32] لم أكن قابلاً للفيض {شَقِيّاً} [مريم: 32] محروماً عن سعادة العبودية {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ} [مريم: 33] أي: بسلامة من الله كانت ولادتي يوم ولدت بلا والد طبيعي {وَيَوْمَ أَمُوتُ} [مريم: 33] فيه إشارات: * أولها: يشير إلى أن عيسى المعنى المتولد من نفخ الحق في القلب قابل للموت بسم غلبات صفات النفس والمعاملات المنتجة منها لئلا يحسب الواصل بأنه إذ حيي بحياة الله لا يموت المعنى الذي في قلبه. * وثانيها: لئلا يقنط الطالب الصادق الذي زل قدمه، ووقع عن الطريق بنوع من المعاملات المؤدية إلى موت القلوب، ويعلم أن له إلهاً يميت الأحياء ويحيي الأموات، فيرجع إليه بصدق النية وصفاء الطوية على الصراط المستقيم وأنه واسع كريم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 565 : 17 : 21 - سفين عن بن جريج عن عبد الله بن عثمان بن المغيرة الثقفي عن بن عباس أنه قرأها {صَوْماً} قال، صمتا. [الآية 26]. 566 : 18 : 22 - سفين عن التيمي عن أنس بن مالك أنه قرأها "صوما صمتا".

همام الصنعاني

تفسير : 1763- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً}: الآية: 26]، قال: في بعض الحروف (صوماً) وإنك لا تَشَأُ أنْ تلقى امرأة جاهِلَةً تقول: نذرت كما نذرت مريم، ألا تكلم يوماً إلى اللَّيْل، وإنَّما جعل الله تلك آيةً لمريم وابنها، ولا يحل لأحدٍ أن ينذر صَمْتاً يوماً إلى الليل. وأما قوله {صَوْماً} فإنِّها صَامَتْ من الطَّعَامِ والشراب والكلام.