١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أنها كيف أتت بالولد على أقوال: الأول: ما روي عن وهب قال: أنساها كرب الولادة وما سمعته من الناس ما كان من كلام الملائكة من البشارة بعيسى عليه السلام فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته وأقبلت به إلى قومها. الثاني: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوماً حتى طهرت من النفاس ثم أتت به قومها تحمله فكلمها عيسى في الطريق، فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه. وهذان الوجهان محتملان وليس في القرآن ما يدل على التعيين. المسألة الثانية: الفريء، البديع وهو من فري الجلد يروى أنهم لما رأوها ومعها عيسى عليه السلام قالوا لها: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } فيحتمل أن يكون المراد شيئاً عجيباً خارجاً عن العادة من غير تعيير وذم ويحتمل أن يكون مرادهم شيئاً عظيماً منكراً فيكون ذلك منهم على وجه الذم وهذا أظهر لقولهم بعده: {يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } لأن هذا القول ظاهره التوبيخ وأما هرون ففيه أربعة أقوال: الأول: أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون فكيف صرت هكذا، وهو قول قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمون هرون تبركاً به وباسمه. الثاني: أنه أخو موسى عليه السلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنوا هرون النبي وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم. والثالث: كان رجلاً معلناً بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة. الرابع: كان لها أخ يسمى هرون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به، وهذا هو الأقرب لوجهين: الأول: أن الأصل في الكلام الحقيقة وإنما يكون ظاهر الآية محمولاً على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهرون. الثاني: أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة يكون صدور الذنب عنه أفحش. المسألة الثالثة: القراءة المشهورة: {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء } وقرأ عمرو بن رجاء التميمي: (ما كان أباك امرؤ سوء}. المسألة الرابعة: أنهم لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إليه أي إلى عيسى عليه السلام أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا غضباً شديداً وقالوا: لسخريتها بنا أشد من زناها، روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته، وقيل: كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان. وقيل إن زكرياء عليه السلام أتاها عند مناظرة اليهود إياها، فقال لعيسى عليه السلام انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك: { أية : إِنّي عَبْدُ ٱللَّهِ } تفسير : [مريم: 30] فإن قيل كيف عرفت مريم من حال عيسى عليه السلام أنه يتكلم؟ قلنا: إن جبريل عليه السلام أو عيسى عليه السلام ناداها من تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت، فصار ذلك كالتنبيه لها على أن المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكرياء أو لعلها عرفت بالوحي إليها على سبيل الكرامة، بقي ههنا بحثان: البحث الأول: قوله: {كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } أي حصل في المهد فكان ههنا بمعنى حصل ووجد وهذا هو الأقرب في تأويل هذا اللفظ، وإن كان الناس قد ذكروا وجوهاً أخر. البحث الثاني: اختلفوا في المهد فقيل هو حجرها لما روى أنها أخذته في خرقة فأتت به قومها فلما رأوها قالوا لها ما قالوا فأشارت إليه وهو في حجرها ولم يكن لها منزل معد حتى يعد لها المهد أو المعنى: كيف نكلم صبياً سبيله أن ينام في المهد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} روي أن مريم لما اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها، أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه. قال ابن عباس: خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس، فجاءتهم عند الظهر ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار. وقال الكلبي: ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوماً للنفاس، ثم أتت قومها تحمله، فلما رأوها ومعها الصبي حزنوا وكانوا أهل بيت صالحين؛ فقالوا منكِرين: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي جئت بأمر عظيم كالآتي بالشي يفتريه. قال مجاهد: «فريا» عظيماً. وقال سعيد بن مسعدة: أي مختلقاً مفتعلاً؛ يقال: فريت وأفريت بمعنى واحد. والولد من الزنى كالشيء المفترى. قال الله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} تفسير : [الممتحنة: 12] أي بولد يقصد إلحاقه بالزوج وليس منه. يقال: فلان يفرِي الفرِيّ أي يعمل العمل البالغ، وقال أبو عبيدة: الفريّ العجيب النادر؛ وقاله الأخفش. قال: فرياً عجيباً. والفَرْي القطع كأنه مما يخرق العادة، أو يقطع القول بكونه عجيباً نادراً. وقال قطرب: الفري الجديد من الأسقية؛ أي جئت بأمر جديد بديع لم تسبقي إليه. وقرأ أبو حيوة: «شَيْئاً فَرْياً» بسكون الراء. وقال السدي ووهب بن منبه: لما أتت به قومها تحمله تسامع بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدّت امرأة يدها إليها لتضربها فأجف الله شطرها فحمُلت كذلك. وقال آخر: ما أراها إلا زنت فأخرسه الله تعالى؛ فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون؛ فقالوا: «يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً» أي عظيماً؛ قال الراجز:شعر : قد أَطعَمتْنِي دَقَلاً حَوْلِيَّا مُسوِّساً مُدَوِّداً حَجْرِيَّا قـد كـنـتِ تَـفْـرِيـن بِـهِ الـفـرِيَّـا تفسير : أي (تعظمينه). قوله تعالى: {يٰأُخْتَ هَارُونَ} اختلف الناس في معنى هذه الأخوة، ومن هارون؟ فقيل: هو هارون أخو موسى؛ والمراد من كنا نظنها مثل هارون في العبادة تأتي بمثل هذا. قيل: على هذا كانت مريم من ولد هارون أخي موسى فنسبت إليه بالأخوة لأنها من ولده؛ كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللعربي يا أخا العرب. وقيل: كان لها أخ من أبيها اسمه هارون؛ لأن هذا الاسم كان كثيراً في بني إسرائيل تبركاً باسم هارون أخي موسى، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل؛ قاله الكلبي. وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الزمان تبع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم اسمه هارون. وقال قتادة: كان في ذلك الزمان في بني إسرائيل عابد منقطع إلى الله عز وجل يسمى هارون فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبلُ؛ إذ كانت موقوفة على خدمة البيع؛ أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلاً لذلك. وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: إن مريم ليست بأخت هارون أخي موسى؛ فقالت له عائشة: كذبت. فقال لها: يا أم المؤمنين إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فهو أصدق وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما من المدّة ستمائة سنة. قال: فسكتت. وفي صحيح مسلم «حديث : عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمتُ نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون «يا أخت هارون» وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك، فقال: «إنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم»»تفسير : . وقد جاء في بعض طرقه في غير الصحيح أن النصارى قالوا له: إن صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون وبينهما في المدّة ستمائة سنة؟! قال المغيرة: فلم أدر ما أقول؛ وذكر الحديث. والمعنى أنه اسم وافق اسماً. ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء؛ والله أعلم. قلت: فقد دل الحديث الصحيح أنه كان بين موسى وعيسى وهارون زمان مديد. قال الزمخشري: كان بينهما وبينه ألف سنة أو أكثر فلا يتخيل أن مريم كانت أخت موسى وهارون؛ وإن صح فكما قال السدي لأنها كانت من نسله؛ وهذا كما تقول للرجل من قبيلة: يا أخا فلان. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن أخا صُدَاء قد أذَّن فمن أذَّنَ فهو يُقيم» تفسير : وهذا هو القول الأوّل. ابن عطية: وقالت فرقة بل كان في ذلك الزمان رجل فاجر اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ؛ ذكره الطبري ولم يسمّ قائله. قلت: ذكره الغزنوي عن سعيد بن جبير أنه كان فاسقاً مَثَلاً في الفجور فنسبت إليه. والمعنى: ما كان أبوك ولا أمك أهلاً لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها؟! وهذا من التعريض الذي يقوم مقام التصريح. وذلك يوجب عندنا الحدّ وسيأتي في سورة «النور» القول فيه إن شاء الله تعالى. وهذا القول الأخير يردّه الحديث الصحيح، وهو نص صريح فلا كلام لأحد معه، ولا غبار عليه. والحمد لله. وقرأ عمر بن لجأ التَّيْميّ «مَا كَانَ أَبَاكِ امْرُأُ سَوْءٍ».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وأن لا تكلم أحداً من البشر، فإنها ستكفى أمرها، ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله عز وجل، واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها، فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك، أعظموا أمرها، واستنكروه جداً، وقَالُواْ {يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً}، أي: أمراً عظيماً، قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله ابن أبي زياد، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، قال: وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئاً، فلقوا راعي بقر، فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيّار أنه قال: رأيت نوراً ساطعاً، فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم، قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاؤوا حتى قاموا عليها، {قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أمراً عظيماً {يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ} أي: يا شبيهة هارون في العبادة {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي: أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟ قال علي بن أبي طلحة والسدي: قيل لها: {يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ} أي: أخي موسى، وكانت من نسله؛ كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة، وحكى ابن جرير عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له: هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير، وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثنا أبو صخر عن القرظي في قول الله عز وجل: {يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ} قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى {أية : فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [القصص: 11] وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثاً، وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا ثبت في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أنا أولى الناس بابن مريم، إلا أنه ليس بيني وبينه نبي» تفسير : ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخراً عن الرسل سوى محمد، ولكان قبل سليمان وداود، فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى عليهما السلام في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْراءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 246] وذكر القصة إلى أن قال: {أية : وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} تفسير : [البقرة: 251] الآية؛ والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى، وهذه هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرؤون: {يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ألا أخبرتهم أنهم كانوا يَتَسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال: أنبئت أن كعباً قال: إن قوله: {يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ} ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة، قال: فسكتت، وفي هذا التاريخ نظر. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: {يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ} الآية، قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحاً محبباً في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر، قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً، كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل. وقوله: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} أي: إنهم لما استرابوا في أمرها، واستنكروا قضيتها، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} قال ميمون بن مهران: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} قالت: كلموه، فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبياً؛ وقال السدي: لما أشارت إليه، غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ قال: {إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ}، أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى، وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه. وقوله: {ءَاتَانِيَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَانِيَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} ـ إلى قوله ـ {مَا دُمْتُ حَيّاً} وقال حماد بن سلمة عن ثابت البناني: رفع أصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَانِيَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} الآية، وقال عكرمة: {ءَاتَانِيَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي: قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد، هو العطار، عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان عيسى بن مريم قد درس التوراة وأحكمها وهو في بطن أمه، فذلك قوله: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَانِيَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} يحيى بن سعيد العطار الحمصي متروك. وقوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري: وجعلني معلماً للخير. وفي رواية عن مجاهد: نفاعاً. وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالماً هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان. وقوله: {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجر: 99]. وقال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس في قوله: {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ما أثبتها لأهل القدر. وقوله: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين؛ كما قال تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} تفسير : [الإسراء: 23] وقال: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [لقمان: 14]. وقوله: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} أي: ولم يجعلني جباراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك. قال سفيان الثوري: الجبار الشقي الذي يقتل على الغضب. وقال بعض السلف: لا تجد أحداً عاقاً لوالديه إلا وجدته جباراً شقياً، ثم قرأ: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} قال: ولا تجد سيىء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، ثم قرأ: {أية : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} تفسير : [النساء: 36]. قال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهن وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، وطوبى للثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى عليه السلام يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله فاتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. وقوله: {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} إثبات منه لعبوديته لله عز وجل، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، صلوات الله وسلامه عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } حالاً فرأوه {قَالُواْ يٰمَرْيَمَ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } عظيماً حيث أتيت بولد من غير أب.
الشوكاني
تفسير : لما اطمأنت مريم عليها السلام بما رأت من الآيات وفرغت من نفاسها {أَتَتْ بِهِ} أي بعيسى، وجملة: {تَحْمِلُهُ } في محل نصب على الحال، وكان إتيانها إليهم من المكان القصيّ التي انتبذت فيه، فلما رأوا الولد معها حزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين {فَقَالُواْ } منكرين لذلك {يا مريم لَقَدْ جِئْتَ} أي فعلت {شَيْئاً فَرِيّاً } قال أبو عبيدة: الفرّي: العجيب النادر، وكذا قال الأخفش. والفرّي: القطع، كأنه مما يخرق العادة، أو يقطع بكونه عجيباً نادراً. وقال قطرب: الفرّي الجديد من الأسقية، أي جئت بأمر بديع جديد لم تسبقي إليه. وقال سعيد بن مسعدة: الفرّي: المختلق المفتعل، يقال: فريت وأفريت بمعنى واحد، والولد من الزنا كالشيء المفترى، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ }تفسير : [الممتحنة: 12] وقال مجاهد: الفرّي: العظيم. {يا أخت هَـٰرُونَ}. قد وقع الخلاف في معنى هذه الأخوّة، وفي هارون المذكور من هو؟ فقيل: هو هارون أخو موسى، والمعنى: أن من كانت نظنها مثل هارون في العبادة كيف تأتي بمثل هذا وقيل: كانت مريم من ولد هارون أخي موسى، فقيل: لها يا أخت هارون، كما يقال لمن كان من العرب: يا أخا العرب وقيل: كان لها أخ من أبيها اسمه هارون وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت وقيل: بل كان في ذلك الوقت رجل فاجر اسمه هارون، فنسبوها إليه على وجهة التعيير والتوبيخ، حكاه ابن جرير ولم يسمّ قائله وهو ضعيف {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } هذا فيه تقريره لما تقدّم من التعيير والتوبيخ، وتنبيه على أن الفاحشة من ذرّية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون. {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي إلى عيسى، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق، لأنها نذرت للرحمٰن صوماً عن الكلام كما تقدّم، هذا على تقدير أنها كانت إذ ذاك في أيام نذرها، وعلى تقدير أنها قد خرجت من أيام نذرها، فيمكن أن يقال: إن اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة، وأن هذا المولود يفهم الإشارة ويقدر على العبارة {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن يكلمهم. قال أبو عبيدة: في الكلام حشو زائد. والمعنى: كيف نكلم صبياً في المهد كقول الشاعر:شعر : وجيران لنا كانوا كرام تفسير : وقال الزجاج: الأجود أن تكون من في معنى الشرط والجزاء، والمعنى: من يكون في المهد صبياً فكيف نكلمه. ورجحه ابن الأنباري وقال: لا يجوز أن يقال: إن {كان} زائدة وقد نصبت {صبياً}، ويجاب عنه بأن القائل بزيادتها يجعل الناصب له الفعل، وهو {نكلم} كما سبق تقديره. وقيل: إن {كان} هنا هي التامة التي بمعنى الحدوث والوجود. وردّ بأنها لو كانت تامة لاستغنت عن الخبر، والمهد هو: شيء معروف يتخذ لتنويم الصبي. والمعنى: كيف نكلم من سبيله أن ينوّم في المهد لصغره. وقيل: هو هنا حجر الأمّ. وقيل: سرير كالمهد، فلما سمع عيسى كلامهم {قَالَ إِنّي عَبْدُ ٱللَّهِ } فكان أوّل ما نطق به، الاعتراف بالعبودية لله {آتاني ٱلْكِتَـٰبَ} أي الإنجيل، أي حكم لي بإيتائي الكتاب والنبوّة في الأزل، وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا قد صار نبياً وقيل: إنه آتاه الكتاب وجعله نبياً في تلك الحال، وهو بعيد {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ } أي حيثما كنت، والبركة أصلها من بروك البعير، والمعنى: جعلني ثابتاً في دين الله، وقيل: البركة هي: الزيادة والعلوّ، فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء زائداً عالياً منجحاً. وقيل: معنى المبارك: النفاع للعباد، وقيل: المعلم للخير، وقيل: الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. {وأوصاني بالصلاة} أي أمرني بها {وَٱلزَّكَوٰةِ } زكاة المال، أو تطهير النفس {مَا دُمْتُ حَيّاً } أي مدة دوام حياتي، وهذه الأفعال الماضية هي من باب تنزيل ما لم يقع منزلة الواقع تنبيهاً على تحقيق وقوعه لكونه قد سبق في القضاء المبرم. {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} معطوف على {مباركاً} واقتصر على البرّ بوالدته لأنه قد علم في تلك الحال أنه لم يكن له أب، وقرىء: "وبراً" بكسر الباء على أنه مصدر وصف به مبالغة {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} الجبار: المتعظم الذي لا يرى لأحد عليه حقاً، والشقيّ العاصي لربه. وقيل الخائب. وقيل العاقّ. {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } قال المفسرون: السلام هنا بمعنى السلامة أي: السلامة عليّ يوم ولدت، فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت ولا أغواني عند الموت ولا عند البعث. وقيل: المراد به التحية. قيل: واللام للجنس. وقيل: للعهد، أي وذلك السلام الموجه إلى يحيـى في هذه المواطن الثلاثة موجه إليّ. قيل: إنه لم يتكلم المسيح بعد هذا الكلام حتى بلغ المدّة التي تتكلم فيها الصبيان في العادة. وقد أخرج سعيد بن منصور وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } قال: بعد أربعين يوماً بعد ما تعافت من نفاسها. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرؤون {يا أخت هَـٰرُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم؟»تفسير : وهذا التفسير النبوّي يغني عن سائر ما روي عن السلف في ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس قال: كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكامها في بطن أمه، فذلك قوله: {قَالَ إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءاتَانِىَ }. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {آتاني الكتاب} الآية، قال: قضى أن أكون كذلك. وأخرج الإسماعيلي في معجمه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه وابن النجار عن أبي هريرة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في قول عيسى: {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ } قال: حديث : جعلني نفاعاً للناس أينما اتجهت»تفسير : . وأخرج ابن عديّ وابن عساكر عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} قال: معلماً ومؤدّباً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً } يقول: عصياً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {... شَيْئاً فَرِيّاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه القبيح من الإفتراء، قاله الكلبي. الثاني: أنه العمل العجيب، قاله الأخفش. الثالث: العظيم من الأمر، قاله مجاهد، وقتادة، والسدي. الرابع: أنه المتصنع مأخوذ من الفرية وهو الكذب، قاله اليزيدي. الخامس: أنه الباطل. قوله تعالى: {يَآ أُخْتَ هَارُونَ...} وفي هذا الذي نسبت إليه أربعة أقاويل: أحدها: أنه كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ينسب إليه من يعرف بالصلاح، قاله مجاهد وكعب، والمغيرة بن شعبة يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم الثاني: أنه هارون أخو موسى فنسبت إليه لأنها من ولده كما يقال يا أخا بني فلان، قاله السدي. الثالث: أنه كان أخاها لأبيها وأمها، قاله الضحاك. الرابع: أنه كان رجلاً فاسقاً معلناً بالفسق ونسبت إليه، قاله ابن جبير. {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي زانية. وسميت الزانية بغياً لأنها تبغي الزنا أي تطلبه. قوله تعالى: {فَأشَارَتْ إِلَيْهِ} فيه قولان: أحدهما: أشارت إلى الله فلم يفهموا إشارتها، قاله عطاء. الثاني: أنها أشارت إلى عيسى وهو الأظهر، إما عن وحي الله إليها، وإما لثقتها بنفسها في أن الله تعالى سيظهر براءتها، فأشارت إلى الله إليها، فأشارت إلى عيسى أن كلموه فاحتمل وجهين: أحدهما: أنها أحالت الجواب عليه استكفاء. الثاني: أنها عدلت إليه ليكون كلامه لها برهاناً ببراءتها. {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ} وفي {كَانَ} في هذا الموضع وجهان: أحدهما: أنها بمعنى يكون تقديره من يكون في المهد صبياً قاله ابن الأنباري. الثاني: أنها صلة زائدة وتقديره من هو في المهد، قاله ابن قتيبة. وفي {الْمَهْدِ} وجهان: أحدهما: أنه سرير الصبي المعهود لمنامه. الثاني: إنه حجرها الذي تربيه فيه، قاله قتادة. وقيل إنهم غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أعظم من زناها، قاله السدي. فلما تكلم قالوا: إن هذا لأمر عظيم. {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} وإنما قدم إقراره بالعبودية ليبطل به قول من ادعى فيه الربوبية وكان الله هو الذي أنطقه بذلك لعلمه بما يتقوله الغالون فيه. {ءَآتَانِيَ الْكِتَابَ} أي سيؤتيني الكتاب. {وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً} فيه وجهان: أحدهما: وسيجعلني نبياً، والكلام في المهد من مقدمات نبوته. الثاني: أنه كان في حال كلامه لهم في المهد نبياً كامل العقل ولذلك كانت له هذه المعجزة، قاله الحسن. وقال الضحاك: تكلم وهو ابن أربعين. [يوماً]. قوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: نبياً، قاله مجاهد. الثاني: آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر. الثالث: معلماً للخير، قاله سفيان. الرابع: عارفاً بالله وداعياً إليه. {وأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ} فيها وجهان: أحدهما: الدعاء والإِخلاص. الثاني: الصلوات ذات الركوع والسجود. ويحتمل ثالثاً: أن الصلاة الإِستقامة مأخوذ من صلاة العود إذا قوّم اعوجاجه بالنار. {وَالزَّكَاة..} فيها وجهان: أحدهما: زكاة المال. الثاني: التطهير من الذنوب. ويحتمل ثالثاً: أن الزكاة الاستكثار من الطاعة، لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة. قوله تعالى: {وَبَرَّاً بِوَالِدَتِي} يحتمل وجهين: أحدهما: بما برأها به من الفاحشة. الثاني: بما تكفل لها من الخدمة. {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} فيه وجهان: أحدهما: أن الجبار الجاهل بأحكامه، الشقي المتكبر عن عبادته. الثاني: أن الجبار الذي لا ينصح، والشقي الذي لا يقبل النصيحة. ويحتمل ثالثاً: أن الجبار الظالم للعباد، والشقي الراغب في الدنيا. قوله تعالى: {وَالْسَّلاَمُ عَلَيَّ...} الآية. فيه وجهان: أحدهما: يعني بالاسلام السلامة، يعني في الدنيا، {وَيَوْمَ أَمُوتُ} يعني في القبر، {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّاً} يعني في الآخرة، لأن له أحوالاً ثلاثاً: في الدنيا حياً، وفي القبر ميتاً، وفي الآخرة مبعوثاً، فسلم في أحواله كلها، وهو معنى قول الكلبي. الثاني: يعني بالسلام {يَوْمَ وُلِدتُّ} سلامته من همزة الشيطان فإنه ليس مولود يولد إلا همزه الشيطان وذلك حين يستهل، غير عيسى فإن الله عصمه منها. وهو معنى قوله تعالى: {وَإِنِّي أُعِذُهَا وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} {وَيَوْْمَ أَمُوتُ} يعني سلامته من ضغطة القبر لأنه غير مدفون في الأرض {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} لم أر فيه على هذا الوجه ما يُرضي. ويحتمل أن تأويله على هذه الطريقة سلامته من العرض والحساب لأن الله ما رفعه إلى السماء إلا بعد خلاصه من الذنوب والمعاصي. قال ابن عباس ثم انقطع كلامه حتى بلغ مبلغ الغلمان.
ابن عطية
تفسير : روي أن مريم عليها السلام لما اطمأنت بما رأت من الآيات وعلمت ان الله سيبين عذرها أتت به تحمله مدلة من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه، روي أن قومها خرجوا في طلبها فلقوها وهي مقبلة به. و"الفري" العظيم الشنيع، قال مجاهد والسدي، وأكثر استعماله في السوء وهو من الفرية، فإن جاء الفري بمعنى المتقن فمأخوذ من فريت الأديم للإصلاح وليس بالبين، وأما قولهم في المثل جاء يفري الفري بمعناه بعمل عظيم من العمل في قول أو فعل مما قصد ضرب المثل له وهو مستعمل فيما يختلف ويفعل، و"الفري" من الأسقية الجديد، وقرأ أبو حيوة "شيئاً فرْياً" بسكون الراء، واختلف المفسرون في معنى قوله عز وجل، {يا أخت هارون}. فقالت فرقة كان لها أخ اسمه {هارون} لأن هذا الاسم كان كثيراً في بني اسرائيل، تبركاً باسم هارون أخي موسى، وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى أهل نجران في أمر من الأمور فقال له النصارى إن صاحبك يزعم أن مريم "أخت هارون" وبينهما في المدة ستمائة سنة، قال المغيرة فلم أدر ما أقول فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له. فقال ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين، فالمعنى أنه اسم وافق اسماً، وقال السدي وغيره: بل نسبوها الى {هارون} أخي موسى لأنها كانت من نسله وهذا كما تقول من قبيلة يا أخاً فلانة ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم"تفسير : ، وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين إن مريم ليست بـ "أخت لهارون" أخي موسى، فقالت عائشة كذبت فقال لها يا أم المؤمنين إن كان رسول الله صلى عليه وسلم قاله فهو أصدق وخير، والاَّ فإني أجد بينهما من المدة ستمائة سنة، قال فسكتت. وقال قتادة: كان في ذلك الزمن في بني إسرائيل رجل عابد منقطع الى الله يسمى "هارون" فنسبوها الى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل إذ كانت موقوفة على خدمة البيع، أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلاً لما أتيت به. وقالت فرقة: بل كان في ذلك الزمن رجل فاجر اسمه "هارون" فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ ذكره الطبري ولم يسم قائله، والمعنى {ما كان أبوك} ولا أمك أهلاً لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها؟ و"البغي" التي تبغي الزنا أي تطلبه، أصلها بغوي فعول وقد تقدم ذكر ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَرِيّاً} قبيحاً من الافتراء، أو عجيباً، أو عظيماً، أو باطلاً، أو متصنعاً من الفرية وهي الكذب.
النسفي
تفسير : {فَأَتَتْ بِهِ } بعيسى {قَوْمَهَا } بعد ما طهرت من نفاسها {تَحْمِلُهُ } حال منها أي أقبلت نحوهم حاملة إياه فلما رأوه معها {قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } بديعاً عجيباً والفري القطع كأنه يقطع العادة {يَاأُخْتَ هَـٰرُونَ} وكان أخاها من أبيها ومن أفضل بني إسرائيل، أو هو أخو موسى عليه السلام وكانت من أعقابه وبينهما ألف سنة وهذا كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم، أو رجل صالح أو طالح من زمانها شبهوها به في الصلاح أو شتموها به {مَا كَانَ أَبُوكِ } عمران {ٱمْرَأَ سَوْء } زانياً {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ } حنة {بَغِيّاً } زانية {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } إلى عيسى أن يجيبهم وذلك أن عيسى عليه السلام قال لها: لا تحزني وأحيلي بالجواب علي. وقيل: أمرها جبريل بذلك. ولما أشارت إليه غضبوا وتعجبوا و {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ } حدث ووجد {فِى ٱلْمَهْدِ } المعهود {صَبِيّاً } حال {قَالَ إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ } ولما أسكتت بأمر الله لسانها الناطق أنطق الله لها اللسان الساكت حتى اعترف بالعبودية وهو ابن أربعين ليلة أو ابن يوم، روي أنه أشار بسبابته وقال بصوت رفيع {إني عبد الله} وفيه رد لقول النصارى {آتَانِيَٱلْكِتَـٰبَ } الإنجيل {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } روي عن الحسن أنه كان في المهد نبياً وكلامه معجزته. وقيل: معناه أن ذلك سبق في قضائه أو جعل الآتي لا محالة كأنه وجد .
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن عساكر، عن ابن عباس في قوله: {فأتت به قومها تحمله} قال: بعد أربعين يوماً بعد ما تعافت من نفاسها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {لقد جئت شيئاً فرياً} قال: عظيماً. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن قتادة في قوله: {لقد جئت شيئاً فرياً} قال: عظيماً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان في زمان بني إسرائيل في بيت المقدس عند عين سلوان عين، فكانت المرأة إذا قارفت، أتوها بها فشربت منها، فإن كانت بريئة لم تضرها، وإلا ماتت. فلما حملت مريم أتوها بها على بغلة فعثرت بها، فدعت الله أن يعقم رحمها، فعقم من يومئذ، فلما أتتها شربت منها فلم تزدد إلا خيراً، ثم دعت الله أن لا يفضح بها امرأة مؤمنة، فغارت العين. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، حديث : عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرأون؟ يا أخت هارون، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا: قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم" . تفسير : وأخرج الخطيب وابن عساكر، عن مجاهد في قوله: {يا أخت هارون} الآية. قال كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد في الناس، وفي الناس من يعرف بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحاً محبباً في عشيرته، وليس بهرون أخي موسى، ولكن هرون آخر. ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفاً من بني إسرائيل كلهم يسمون هرون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان في قوله: {يا أخت هارون} قال: سمعنا أنه اسم وافق اسماً. واخرج ابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال: نبئت أن كعباً قال: إن قوله: {يا أخت هارون}، ليس بهرون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت. فقال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله: فهو أعلم وأخبر، وإلا، فإني أجد بينهما ستمائة سنة، فسكتت. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة في قوله: {يا أخت هارون} قال: نسبت إلى هرون بن عمران لأنها كانت من سبطه، كقولك يا أخا الأنصار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: كانت من سبط هرون، فقيل لها: {يا أخت هارون} فدعيت إلى سبطه، كالرجل يقول للرجل: يا أخا بني ليث يا أخا بني فلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {يا أخت هارون} قال: كان هرون من قوم سوء زناة فنسبوها إليهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن عيش قال: في قراءة أبي قالوا: يا ذا المهد.
ابو السعود
تفسير : {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا} أي جاءتهم مع ولدها راجعة إليهم عندما طهرت من نفاسها {تَحْمِلُهُ} أي حاملةً له {قَالُواْ} مؤنبـين لها {يا مريم لَقَدْ جِئْتَ} أي فعلت {شَيْئاً فَرِيّاً} أي عظيماً بديعاً منكراً من فرَى الجلدَ أي قطعه، أو جئتِ مجيئاً عجيباً عبر عنه بالشيء تحقيقاً للاستغراب. {يَـٰأُخْتَ هَـٰرُونَ} استئنافٌ لتجديد التعيـيرِ وتأكيدِ التوبـيخ عنَوا به هارونَ النبـيَّ عليه السلام، وكانت مِن أعقاب مَن كان معه في طبقة الأخوة، وقيل: كانت من نسله وكان بـينهما ألف سنة، وقيل: هو رجلٌ صالح أو طالح كان في زمانهم شبّهوها به، أي كنت عندنا مثله في الصلاح أو شتموها به {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تقريرٌ لكون ما جاءت به فِرّياً منكراً وتنبـيهٌ على أن ارتكابَ الفواحش من أولاد الصالحين أفحشُ. {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي إلى عيسى عليه السلام أنْ كلّموه، والظاهر أنها حينئذ بـينت نذرَها وأنها بمعزل من محاورة الإنس حسبما أُمرت، ففيه دَلالةٌ على أن المأمورَ به بـيانُ نذرها بالإشارة لا بالعبارة، والجمعُ بـينهما مما لا عهدَ به {قَالُواْ} منكرين لجوابها {كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} ولم نعهَد فيما سلف صبـياً يكلمه عاقل، وقيل: (كان) لإيقاع مضمونِ الجملة في زمان ماضٍ مبهمٍ صالحٍ لقريبه وبعيده، وهو هٰهنا لقريبه خاصة بدليل أنه مَسوقٌ للتعجب، وقيل: هي زائدة والظرفُ صلة مَنْ وصبـياً حال من المستكنّ فيه أو هي تامة أو دائمة كما في قوله تعالى: { أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [النساء، الآية 17].
القشيري
تفسير : بسط قومُها فيها لسانَ الملامةِ لما رَأَوْها قد وَلَدَتْ - وظاهرُ الحالِ كان معهم - فقالوا لها على سبيل الملامة: يا مَنْ كنا نَعُدُّكِ في الصلاح بمنزلة هارون المعروف بالسداد والصلاح.. مِنْ أين لكِ هذه الحالة الشنعاء؟ ويقال كان أخوها اسمه هارون. ويقال كان هارون رجلاً فاسقاً في قومهم، فقالوا: يا شبيهته في الفساد.. ما هذا الولد؟ ويقال كان هارون رجلاً صالحاً فيهم فقالوا: يا أخت هارون، ويا مَن في حسابنا وظَنَنِّا ما كان أبواكِ فيهما سوء ولا فساد.. كيف أتيتِ بهذه الكبيرة الفظيعة؟!
اسماعيل حقي
تفسير : {فأتت به قومها} والباء بمعنى مع اى جاءتهم مع ولدها راجعة اليهم عند ما طهرت من نفساها وجعلها الكاشفى للتعدية حيث قال [بس أورد مريم عيسى را]. وعن ابن عباس رضى الله عنهما انها خرجت من عندهم حين شرقت الشمس وجاءتهم عند الظهر ومعها صبى {تحمله} فى موقع الحال اى حاملة له - روى - ان زكريا افتقد مريم فلم يجدها فى محرابها فاغتم غما شديدا وقال لابن خالها يوسف اخرج فى طلبها فخرج يقص اثرها حتى لقيها تحت النخلة فلما رجعت الى قومها وهم اهل بيت صالحون وزكريا جالس معهم بكوا وحزنوا ثم {قالوا} موبخين لها {يا مريم قد جئت شيئا} على حذف الباء من شيأ ومآله فعلت شيئا {فريا} اى عظيما بديعا منكرا مقطوعا بكذبه من فرى الجلد اذا قطعه والفرية بالكسر الكذب والفرى الامر المختلق المصنوع او العظيم وهو يفرى القرى يأتى بالعجب فى عمله. وفى الاخترى انه من الاضداد يجئ بمعنى الامر الصالح والسيئ. قال الكاشفى [جيزى شكفت يا زشت كه در ميان اهل بيت مثل اين واقع نبوده].
الجنابذي
تفسير : {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ} بعدما رأوها حاملةً لمولودٍ ولم يكن لها زوج {يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} الفرّى الامر المختلق المصنوع او العظيم.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي أتيت شيئاً عظيماً. {يَآأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} أي: رجل سوء، يعني ما كان أبوك زانياً. {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي: ما كانت أمك زانية. قال بعضهم: ليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر كان يسمى هارون الصالح المحبّب في عشيرته. ذكر لنا أنه اتبع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل. أي: فقالوا لها: يا شبيهة هارون في عبادته وفضله ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً. قوله: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي: بيدها. قال بعضهم: أي أمرتهم بكلامه. {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ} أي من هو {فِي المَهْدِ صَبِيّاً}. قال بعضهم: المهد هو الحجر. {قَالَ} عيسى {إنِّي عَبْدُ اللهَ ءَاتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ}. قال بعضهم: جعلني معلماً ومؤدباً. ولا أحد أيمن ولا أعظم بركة من المعلم المؤدب، الفقيه العالم؛ يعلّم الناس الحكمة ويؤدّبهم عليها، ويفقههم فيها. فمقامه مقام الأنبياء، وحقّه حق الأصفياء، وما يفضلهم الأنبياء إلا بالرسالة. {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرَّاً بِوَالِدَتِي} أي: وجعلني بَراً بوالدتي. {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} أي: مستكبراً عن عبادة الله، ولم يجعلني {شَقِيّاً وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}. ولم يتكلم بعد ذلك بشيء حتى بلغ مبلغ الرجال.
اطفيش
تفسير : {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} بعد أربعين يوما من ولادته. وعن الكلبى: احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار فأدخلهما فيه وبقيا أربعين يوما فكلمها عيسى فى الطريق: يا أماه أبشرى فإنى عبد الله ومسيحه. ولما دخلت على أهلها ومعها الصبى بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين. {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} بديعا منكرا جئت بولد من غير زوج وما ذكر من المكث أربعين ذكره فى عرائس القرآن, وقيل: أتت به تحمله حين ولدته.
اطفيش
تفسير : {فأتَتْ به} معه أو صيرته آتيا أى أحضرته {قَومَها} وجملة {تحْمله} حال من المستتر فى أتت، أو من هاء به، وهذا المجىء بعد أربعين يوماً من نفاسها، إذ طهرت من النفاس رواه سعيد بن منصور، عن ابن عباس: ذهب بها يوسف إلى غار فمكثت فيه أربعين يوماً، وقيل حنت إلى الوطن، وعلمت أن ستكفى أمرها فتباكوا وهموا برجمها، فتكلم عيسى فكفوا، وقيل فقدرها من محرابها فاسألوا يوسف فقال: لا أدرى، ومفتاح محرابها عند زكرياء، وفتح زكرياء الباب فلم توجد، ووبخوا يوسف على إهمالها، وقال رجل: آتيها فى موضع كذا فخرجوا إليه، وسمعوا صوت عقعق على رأس الجذع فرأتهم فتلقتهم بعيسى، وقيل: أرسلوا إليها احضرى بولدى، وقد أخبرهم الشيطان به، فجاءتهم به، فكان ما أخبر الله عز وجل به فى قوله: {قالُوا يا مريمُ لقد جئت شيئاً فرياً} عظيماً أو عجيباً كشىء صنع صنعاً عظيماً من الفراء بتخفيف الراء، وهو الجلد إلا أنهم أرادوا هنا عظيماً فى شر {يا أخت هارون} نداء متصل بما قيل، أو متسأنف لما بعد تعظيماً لتجديد العتاب، وهارون رجل صالح، والأخوة دينية، اتبع جنازته أربعون ألف رجل اسم كل هارون، سوى سائر الناس، رواه عبد الرازق عن قتادة، وعن الكلبى: أخ لها من أمها، فالأخوة دينية ونسبية، وكانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين. قال المغيرة بن شعبة: بعثتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرءون: {يا أخت هارون} وأن موسى قبل عيسى بألف سنة، فأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين" تفسير : وعلى كل حال شبهوها بالرجل الصالح تهكماً بها، كما إذا قلنا: أرادوا أخا موسى، كما روى عن السدى، وعلى بن أبى طلحة، أو كانت من نسل من هو أخ لموسى، فهى واحدة منهم، أو هارون اسم لذلك النسل لهارون أخى موسى كهاشم وتميم، ولكن لا ينبغى العدول الى هذا عن حديث المغيرة المتقدم، الذى رواه أحمد ومسلم والترمذى، والنسائى والطبرانى وابن حبان وغيرهم وقيل رجل فاسق أضافوها اليه بالأخوة فى الشر شتماً لها. {ما كان أبوك أمْرأ سوءٍ} شر كالفسق {وما كانَتْ أمك بغياً} وارتكاب الفحش من أولاد الصالحين أقبح من ارتكاب أولاد غيرهم، وصلاح الأصل يورث الصلاح للفرع أصالة فى الجملة أو غالبا.
الالوسي
تفسير : {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } أي جاءتهم مع ولدها حاملة إياه على أن الباء للمصاحبة ولو جعلت للتعدية صح أيضاً. والجملة في موضع الحال من ضمير مريم أو من ضمير ولدها. وكان هذا المجيء على ما أخرج سعيد بن منصور وابن عساكر عن ابن عباس بعد أربعين يوماً حين طهرت من نفاسها قيل: إنها حنت إلى الوطن وعلمت أن ستكفى أمرها فأتت به فلما دخلت عليهم تباكوا، وقيل: هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام. وجاء في رواية عن الحبر أنها لما انتبذت من أهلها وراء الجبل فقدوها من محرابها فسألوا يوسف عنها فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح باب محرابها عند زكريا فطلبوا زكريا وفتحوا الباب فلم يجدوها فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقعق في رأس الجذع الذي هي من تحته فانطلقوا إليه فلما رأتهم قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به ثم كان ما كان. فظاهر الآية والأخبار أنها جاءتهم به من غير طلب منهم، وقيل: أرسلوا إليها لتحضري إلينا بولدك وكان الشيطان قد أخبرهم بولادتها فحضرت إليهم به فلما رأوهما. {قَالُواْ يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتَ } فعلت {شَيْئاً فَرِيّاً } قال قتادة: عظيماً، وقيل: عجيباً. وأصله من فرى الجلد قطعه على وجه الإصلاح أو الإفساد، وقيل: من أفراه كذلك. واختير الأول لأن فعيلاً إنما يصاغ قياساً من الثلاثي. وعدم التفرقة بينه وبين المزيد في المعنى هو الذي ذهب إليه صاحب «القاموس». وفي «الصحاح» عن الكسائي أن الفري القطع على وجه الإصلاح والإفراء على وجه الإفساد. وعن الراغب مثل ذلك. وقيل الإفراء عام. وإياً ما كان فقد استعير الفري لما ذكر في تفسيره. وفي «البحر» أنه يستعمل في العظيم من الأمر شراً أو خيراً قولاً أو فعلاً، ومنه في وصف عمر رضي الله تعالى عنه فلم أر عبقرياً يفري فريه، وفي المثل جاء يفري الفريَّ. ونصب {شَيْئاً } على أنه مفعول به. وقيل على أنه مفعول مطلق أي لقد جئت مجيئاً عجيباً، وعبر عنه بالشيء تحقيقاً للاستغراب. / وقرأ أبو حيوة فيما نقل ابن عطية {فريا } بسكون الراء وفيما نقل ابن خالويه (فرأ) بالهمزة.
ابن عاشور
تفسير : دلت الفاء على أنّ مريم جاءت أهلها عقب انتهاء الكلام الذي كلّمها ابنها. وفي إنجيل لوقا: أنها بقيتْ في بيت لحم إلى انتهاء واحد وأربعين يوماً، وهي أيام التطهير من دم النّفاس، فعلى هذا يكون التّعقيب المستفاد من الفاء تعقيباً عرفياً مثل: تزوّج فوُلد له. و {قَوْمَهَا}: أهل محلتها. وجملة {تَحْمِلُهُ} حال من تاء {أتت} وهذه الحال للدلالة على أنها أتت معلنة به غير ساترة لأنها قد علمت أن الله سيبرئها ممّا يُتهم به مِثل من جاء في حالتها. وجملة {قالُوا يامَرْيَم} مستأنفة استئنافاً بيانياً. وقال قومها هذه المقالة توبيخاً لها. وفَرِيّ: فعيل من فَرَى من ذوات الياء. ولهذا اللفظ عدّة إطلاقات، وأظهر محامله هنا أنه الشنيع في السوء، قاله مجاهد والسدّي، وهو جاء من مادة افتَرى إذا كذب لأن المرأة تنسب ولدها الذي حملت به من زنى إلى زوجها كذباً. ومنه قوله تعالى: {أية : ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن}تفسير : [الممتحنة:12]. ومن أهل اللغة مَن قال: إن الفريّ والفرية مشتقان من الإفراء بالهمز، وهو قطع الجلد لإفساده أو لتحريقه، تفرقة بين أفرى وفَرى، وأن فرى المجرد للإصلاح. والأخت: مؤنث الأخ، اسم يضاف إلى اسم آخر، فيطلق حقيقة على ابنة أبوي ما أضيفت إلى اسمه أو ابنة أحد أبويه. ويطلق على من تكون من أبناء صاحب الاسم الذي تضاف إليه إذا كان اسم قبيلة كقولهم: يا أخا العرب، كما في حديث ضيف أبي بكر الصديق قوله لزوجه: «يا أخت بني فراس ما هذا؟»، فإذا لم يذكر لفظ (بني) مضافاً إلى اسم جد القبيلة كان مقدّراً، قال سهل بن مالك الفزاري:شعر : يا أخت خير البدو والحضارة كيف تَرَيْن في فتى فزارة تفسير : يريد يا أخت أفضل قبائل العرب من بدوها وحضرها. فقوله تعالى: {يا أُخْتَ هارُونَ} يحتمل أن يكون على حقيقته، فيكون لمريم أخ اسمه هارون كان صالحاً في قومه، خاطبوها بالإضافة إليه زيادة في التوبيخ، أي ما كان لأخت مثله أن تفعل فعلتك، وهذا أظهر الوجهين. ففي «صحيح مسلم» وغيرهحديث : عن المغيرة بن شعبة قال: «بعثني رسول الله إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تَقرؤون {ياأُخْتَ هارُونَ} ومُوسى قبلَ عيسى بكذا وكذا؟ قال المغيرة: فلم أدر ما أقول، فلما قدمتُ على رسول الله ذكرت ذلك له، فقال: ألم يعلموا أنهم كانوا يُسمُّون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم»تفسير : اهــــ. ففي هذا تجهيل لأهل نجران أن طعنوا في القرآن على توهم أن ليس في القوم من اسمه هارون إلاّ هارون الرسول أخا موسى. ويحتمل أن معنى {ياأُخْتَ هارُونَ} أنها إحدى النساء من ذريّة هارون أخي موسى، كقول أبي بكر: يا أخت بني فراس. وقد كانت مريم من ذرية هارون أخي موسى من سبط لاوي. ففي إنجيل لوقا كان كاهن اسمه زكرياء من فرقة أبِيّا وامرأتُه من بنات هارون واسمها إليصابات، وإليصابات زوجة زكرياء نسيبة مريم، أي ابنة عمّها، وما وقع للمفسرين في نسب مريم أنها من نسل سليمان بن داوود خطأ. ولعل قومها تكلموا باللفظين فحكاه القرآن بما يصلح لهما على وجه الإيجاز. وليس في هذا الاحتمال ما ينافي حديث المغيرة بن شعبة. والسّوْء ــــ بفتح السين وسكون الواو ــــ: مصدر ساءه، إذا أضرّ به وأفسد بعض حاله، فإضافة اسمٍ إليه تفيد أنه من شؤونه وأفعاله وأنه هو مصدر له. فمعنى {امْرَأَ سَوْءٍ} رَجلَ عمل مفسد. ومعنى البغي تقدّم قريباً. وعنوا بهذا الكلام الكناية عن كونها أتت بأمر ليس من شأن أهلها، أي أتت بسوء ليس من شأن أبيها وبغاء ليس من شأن أمّها، وخالفت سيرة أبويها فكانت امرأة سوء وكانت بغياً؛ وما كان أبوها امرأ سوء ولا كانت أمها بغياً فكانت مبتكرة الفواحش في أهلها. وهم أرادوا ذمّها فأتوا بكلام صريحه ثناء على أبويها مقتض أن شأنها أن تكون مِثل أبويها.
الشنقيطي
تفسير : لما اطمأنت مريم بسبب ما رأت من الآيات الخارقة للعادة التي تقدم ذكرها آنفاً - أتت به (أي بعيسى) قومها تحمله غير محتشمة ولا مكترثة بما يقولون، فقالوا لها: {يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً}! قال مجاهد وقتادة وغير واحد: "فرياً" أي عظيماً. وقال سعيد بن مسعدة: "فرياً" أي مختلفاً مفتعلاً. وقال أبو عبيدة والأخفش: "فريا" أي عجيباً نادراً. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الذي يفهم من الآيات القرآنية أن مرادهم بقولهم {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي منكراً عظيماً، لأن الفري فعيل من الفرية، يعنون به الزنى، لأن ولد الزنى كالشيء المفترى المختلق، لأن الزانية تدعي إلحاقه بمن ليس أباه. ويدل على أن مرادهم بقولهم "فريا" الزنى قوله تعالى: {أية : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 156] لأن ذلك البهتان العظيم الذي هو ادعاؤهم أنها زنت، وجاءت بعيسى من ذلك الزنى (حاشاها وحاشاه من ذلك) هو المراد بقولهم لها: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} ويدل لذلك قوله تعالى بعده: {يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} والبغي الزانية كما تقدم. يعنون كان أبواك عفيفين لا يفعلان الفاحشة، فمالك أنت ترتكبينها!! ومما يدل على أن ولد الزنى كالشيء المفترى قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ}تفسير : [الممتحنة: 12] قال بعض العلماء: معنى قوله تعالى: {يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} أي ولا يأتين بولد زنى يقصدن إلحاقه برجل ليس أباه، هذا هو الظاهر الذي دل عليه القرآن في معنى الآية. وكل عمل أجاده عامله فقد فراه لغة، ومنه قول الراجز وهو زرارة بن صعب بن دهر: شعر : قد أطعمتني دقلا حوليا مسوساً مدوداً حجريا قد كنت تفرين به الفريا تفسير : يعنى تعملين به العمل العظيم. والظاهر أنه يقصد أنها تأكله أكلاً لما عظيماً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {يٰأُخْتَ هَارُونَ} ليس المراد به هارون بن عمران أخا موسى كما يظنه بعض الجهلة. وإنما هو رجل آخر صالح من بني إسرائيل يسمى هارون. والدليل على أنه ليس هارون أخا موسى ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى العنزي. واللفظ لابن نمير قالوا: حدثنا ابن إدريس عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون {يٰأُخْتَ هَارُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال: "حديث : إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم"تفسير : اهـ، هذا لفظ مسلم في الصحيح. وهو دليل على أنه رجل آخر غير هارون أخي موسى، ومعلوم أن هارون أخا موسى قبل مريم بزمن طويل. وقال ابن حجر في (الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف) في قول الزمخشري: إنما عنوا هارون النَّبي ما نصه: لم أجده هكذا إلا عند الثعلبي بغير سند، ورواه الطبري عن السدي قوله وليس بصحيح. فإن عند مسلم والنسائي والترمذي عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا لي: أرأيتم شيئاً يقرؤونه "يا أخت هارون" وبين موسى وعيسى ما شاء الله من السنين، فلم أدر ما أجيبهم؟ فقال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم"تفسير : وروى الطبري من طريق ابن سيرين: نبئت أن كعباً قال: إن قوله تعالى {يٰأُخْتَ هَارُونَ} ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت؟ فقال لها: يا أم المؤمنين، إن كان النَّبي صلى الله عليه وسلم قال فهو أعلم، وإلا فأنا أجد بينهما ستمائة سنة - انتهى كلام ابن حجر. وقال صاحب الدر المنثور في قوله تعالى {يٰأُخْتَ هَارُونَ}: أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد وعبد بن حميد، ومسلم والترمذي والنسائي، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن حبان والطبراني، وابن مردوية والبيهقي في الدلائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران.. إلى آخر الحديث كما تقدم أنفاً. وبهذا الحديث الصحيح الذي رأيت إخراج هؤلاء الجماعة له، وقد قدمناه بلفظه عند مسلم في صحيحه - تعلم أن قول من قال: إن المراد هارون أخو موسى باطل سواء قيل إنها أخته، أو أن المراد بأنها أخته أنها من ذريته، كما يقال للرجل: يا أخا تميم، والمراد يا أخا بني تميم، لأنه من ذرية تميم. ومن هذا القبيل قوله: {أية : وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ}تفسير : [الأحقاف: 21]، لأن هوداً إنما قيل له أخو عاد لأنه من ذريته، فهو أخو بني عاد، وهم المراد بعاد في الآية لأن المراد بها القبيلة لا الجد. وإذا حققت أن المراد بهارون في الآية غير هاورن أخي موسى، فاعلم أن بعض العلماء: قال: إن لها أخاً اسمه هارون. وبعضهم يقول: إن هارون المذكور رجل من قومها مشهور بالصلاح، وعلى هذا فالمراد بكونها أخته أنها تشبهه في العبادة والتقوى. وإطلاق اسم الأخ على النظير المشابه معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: {أية : وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا}تفسير : [الزخرف: 48] الآية، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الإسراء: 27] الآية، وقوله تعالى {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 202]، ومنه في كلام العرب قوله: شعر : وكل أخ يفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان تفسير : فجعل الفرقدين أخوين. وكثيراً ما تطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب، ومن إطلاقه على الصاحب قول القلاخ بن حزن: شعر : أخا الحرب لباسا إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلا تفسير : فقوله: "أخا الحرب" يعنى صاحبها. ومنه قول الراعي وقيل لأبي ذؤيب: شعر : عشية سعدي لو تراءت لراهب بدومة تجر دونه وحجيج قلى دينه واهتاج للشوق إنها على النأي إخوان العزاء هيوج تفسير : فقوله "إخوان العزاء" يعني أصحاب الصبر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فأتت به: أي بولدها عيسى عليه وعليها السلام. جئت شيئاً فريا: أي عظيماً حيث أتيت بولد من غير أب. يا أخت هارون: أي يا أخت الرجل الصالح هارون. امرأ سوء: أي رجلاً يأتي الفواحش. فأشارت إليه: أي إلى عيسى وهو في المهد. آتاني الكتاب: أي الإِنجيل باعتبار ما يكون مستقبلاً. مباركا أينما كنت: أي حيثما وجدت كانت البركة فيَّ ومعي ينتفع الناس بي. وبرا بوالدتي: أي محسناً بها مطيعاً لها لا ينالها مني أدنى أذى. جباراً شقيا: ظالماً متعالياً ولا عاصياً لربي خارجاً عن طاعته. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصة مريم مع قومها: إنها بعد أن تماثلت للشفاء حملت ولدها وأتت به قومها وَما أن رأوهما حتى قال قائلهم: {يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي أمراً عظيماً وهو إتيانك بولد من غير أب. {يٰأُخْتَ هَارُونَ} نسبوها إلى عبد صالح يسمى هارون: {مَا كَانَ أَبُوكِ} عمران {ٱمْرَأَ سَوْءٍ} يأتي الفواحش {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ} "حنة" {بَغِيّاً} أي زانية فكيف حصل لك هذا وأنت بنت البيت الطاهر والأسرة الشريفة. وهنا أشارت إلى عيسى الرضيع في قماطته أي قالت لهم سلوه يخبركم الخبر وينبئكم بالحق، لأنها علمت أنه يتكلم لما سبق أن ناداها ساعة وضعه من تحتها وقال لها ما ذكر تعالى في الآيات السابقة. فردوا عليها مستخفين بها منكرين عليها متعجبين منها: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً}؟ فأنطق الله عيسى الرضيع فأجابهم بما أخبر تعالى عنه في قوله: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} فأجابهم بكل ما كتب الله وأنطقه به، وكان عيسى كما أخبر عن نفسه لم ينقص من ذلك شيئاً كان عبداً لله وأنزل عليه الإِنجيل ونبأه وأرسله إلى بني إسرائيل وكان مباركاً يشفي المرضى ويحيى الموتى بإذن الله تنال البركة من صحبته وخدمته والإِيمان به وبمحبته وكان مقيماً للصلاة مؤدياً للزكاة طوال حياته وما كان ظالماً ولا متكبراً عاتياً ولا جباراً عصياً. فعليه كما أخبر السلام أي الأمان التام يوم ولد فلم يقربه شيطان ويوم يموت فلا يفتن قبره ويوم يبعث حياً فلا يحزنه الفزع الأكبر، ويكون من الآمنين السعداء في دار السلام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعبودية عيسى ونبوته عليهما السلام. 2- آية نطق عيسى في المهد وإخباره بما أولاه الله من الكمالات. 3- وجوب بر الوالدين بالاحسان بهما وطاعتهما والمعروف وكف الأذى عنهما. 4- التنديد بالتعالي والكبر والظلم والشقاوة التي هي التمرد والعصيان.
القطان
تفسير : فريا: عجيبا، مختلقا. يا اختَ هارون: يا شبيهة هارون في التقوى والصلاح. المهد: الموضع يهيَّأ للصبي. الكتاب: الإنجيل. يمترون: يشكّون ويتنازعون. بعد ان وضعتْ مريم وليدها أقبلت على أهلِها تحمل عيسى، فقالوا لها مستنكرين: يا مريم، لقد جئتِ أمراً عظيماً منكَرا!!. يا أخت هارون، يا من انتِ شبيهةٌ بهارونَ النبيّ في التقوى والصلاح، كيف يصدر عنكِ هذا العمل المنكر، وما كان أبوك بالفاجر، ولم تكن أُمك من البغايا! فمِن أين لك هذا الولد؟ روى أحمدُ ومسلم والترمذي والنَّسائي وعبد بن حميد وغيرُهم عن المغيرة بن شعبة قال: حديث : بعثني رسولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجرانَ فقالوا: أرأيتَ ما تقرأون: {يٰأُخْتَ هَارُونَ} وموسى وهارون قبل عيسى بزمنٍ بعيد. قال فرجعتُ، فذكرت ذلك لرسول الله فقال: ألا اخبِّركم أنهم كانوا يُسَمَّون بالأنبياء والصالحين قبلهم! يعني يُشَبَّهون بهم . تفسير : وفي دائرة المعارف البريطانية: ان القرآن غَلطَ تاريخياً حين قال: {يٰأُخْتَ هَارُونَ} في سورة مريم مع أن بينَ مريمَ وهارونَ أخِ موسى مئاتِ السنين. وهذا طبعا من الافتراءات المبنيّة على الجهل الفاضح، والحديثُ المذكور يفسّر ذلك. {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ.... }. فأشارت الى ولدها عيسى ليكلموه، فقالوا: كيف نكلم طفلا لا يزال في المهد، وهم يظنون انها تزدري بهم. فلما سمع عيسى كلامهم أنطقه الله: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}. يعني انه سيؤتيه الإنجيل، ويجعله نبيّا، ويكون مباركاً في كل أوقاته، وأين ما كان، معلّماً للخير، وأوصاني بالصلاة وأداء الزكاة مدةَ حياتي، كما أمرني ان اكون بارّا بوالدتي مطيعا محسناً لها ولم يجعلْني متجبّرا في الناس ولا شقيّا بمعصيته. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}. وهذه الآية مثلُ الآية التي وردت في يحيى في نفس السورة رقم 15. ذلك الذي ذُكرت مناقبه واوصافه هو عيسى بن مريم، وهذا هو القول الحق في شأنه الذي يجادل فيه المبطلون، ويشك في امر نبوته الشاكّون، لا ما يقوله الذين ألّهوهُ، او المتهمون لأمه في مولده. {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ... }. تعالى الله وتنزَّهَ عن ان يتخذ ولدا. والولد إنما يتخذه الفانُونَ والضِعاف، واللهُ باقٍ قادر لا يحتاج مُعينا. والكائنات كلّها توجد بكلمة منه، فهو إذا قضى أمراً من الأمور نفذت إرادته بكلمة - كن - فما يريد تحقيقه يحققه بتوجُّهِ الإرادة لا بالولد المعين. جاء ذكر عيسى بلفظ المسيح تارةً وبلفظ عيسى بن مريم في القرآن في ثلاثَ عشرةَ سورة، وفي ثلاثٍ وثلاثين آية منه. قراءات: قرأ الكسائي: آتاني واوصاني بالامالة. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب: قول الحق، بنصب قول على انه مصدر. والباقون: قولُ الحق، على انه خبر المبتدأ.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰمَرْيَمُ} (27) - وَحِينَمَا صَدَرَ الأَمْرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَى مَرْيَمَ بِأَنْ تَصُومَ ذَلِكَ اليَوْمَ عَنِ الكَلاَمِ، وَأَنْ لاَ تُكَلِّمَ أَحَداً مِنَ البَشَرِ، فَعَلَتْ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَاسْتَسْلَمَتْ لِقَضَاءِ اللهِ، فَأَخَذَتْ وَلِيدَها، وَجَاءَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ، فَلَمَّا رَأَوْهَا وَبَيْنَ يَدَيْهَا الوَلِيدُ، أَعْظَمُوا الأَمْرَ وَاسْتَنْكَرُوهُ، وَقَالُوا لَهَا: لَقَدْ جِئْتِ يَا مَرْيَمُ أَمراً عَظِيماً مُنْكَراً. شَيْئاً فَرِيّاً - شَيْئاً عَظِيماً مُنْكَراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعجب للسيدة مريم، فبدلَ أن تخجل مما حدث وتستتر بوليدها عن أعيُن الناس، أو تنتقل به إلى مكان آخر في فيافي الأرض إذا بها تحمله، وتذهب به، وتبادر به قومها، وما كانت لتفعل ذلك وتتجرأ عليه إلا لثقتها في الحجة التي معها، والتي ستوافيها على يد وليدها. لذلك لما سأل بعض المستشرقين الإمام محمد عبده رحمه الله في باريس: بأيِّ وجه قابلتْ عائشة قومها بعد حديث الإفْكِ؟ سبحان الله إنهم يعلمون أنه إفْكٌ وباطل، لكنهم يرددونه كأنهم لا يفهمون. فأجاب الشيخ رحمه الله ببساطة: بالوجه الذي قابلتْ به مريم قومها وهي تحمل وليدها. أي: بوجه الواثق من البراءة، المطمئن إلى تأييد الله، وأنه سبحانه لن يُسْلِمها أبداً؛ لذلك لما نزلتْ براءة عائشة في كتاب الله قالوا لها: اشكري النبي، فقالت: بل أشكر الله الذي برأني من فوق سبع سماوات. فلما رآها القوم على هذه الحال قالوا فيها قولاً غليظاً: {يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} [مريم: 27] فرياً: الفَرْيُ للجلد: تقطيعه، والأمر الفري: الذي يقطع معتاداً عند الناس فليس له مثيل، أو من الفِرْية وهو تعمد الكذب. ثم قالوا لها: {يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {شَيْئاً فَرِيّاً} معناه عجبٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: فلما تعلت مريم من نفاسها، أتت بعيسى قومها تحمله، وذلك لعلمها ببراءة نفسها وطهارتها، فأتت غير مبالية ولا مكترثة، فقالوا: { لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فًريًّا } أي: عظيما وخيما، وأرادوا بذلك البغاء حاشاها من ذلك. { يَا أُخْتَ هَارُونَ } الظاهر، أنه أخ لها حقيقي، فنسبوها إليه، وكانوا يسمون بأسماء الأنبياء وليس هو هارون بن عمران أخا موسى، لأن بينهما قرونا كثيرة { مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا } أي: لم يكن أبواك إلا صالحين سالمين من الشر، وخصوصا هذا الشر، الذي يشيرون إليه، وقصدهم: فكيف كنت على غير وصفهما؟ وأتيت بما لم يأتيا به؟. وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض، في الصلاح وضده، فتعجبوا - بحسب ما قام بقلوبهم - كيف وقع منها، فأشارت لهم إليه، أي: كلموه. وإنما أشارت لذلك، لأنها أمرت عند مخاطبة الناس لها، أن، تقول: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } فلما أشارت إليهم بتكليمه، تعجبوا من ذلك وقالوا: { كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا } لأن ذلك لم تجر به عادة، ولا حصل من أحد في ذلك السن. . فحينئذ قال عيسى عليه السلام، وهو في المهد صبي: { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا } فخاطبهم بوصفه بالعبودية، وأنه ليس فيه صفة يستحق بها أن يكون إلها، أو ابنا للإله، تعالى الله عن قول النصارى المخالفين لعيسى في قوله { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ } ومدعون موافقته. { آتَانِيَ الْكِتَابَ } أي: قضى أن يؤتيني الكتب { وَجَعَلَنِي نَبِيًّا } فأخبرهم بأنه عبد الله، وأن الله علمه الكتاب، وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله لنفسه، ثم ذكر تكميله لغيره فقال: { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ } أي: في أي: مكان، وأي: زمان، فالبركة جعلها الله فيَّ من تعليم الخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر، والدعوة إلى الله في أقواله وأفعاله، فكل من جالسه، أو اجتمع به، نالته بركته، وسعد به مصاحبه. { وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا } أي: أوصاني بالقيام بحقوقه، التي من أعظمها الصلاة، وحقوق عباده، التي أجلها الزكاة، مدة حياتي، أي: فأنا ممتثل لوصية ربي، عامل عليها، منفذ لها، ووصاني أيضا، أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان، وأقوم بما ينبغي له، لشرفها وفضلها، ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها. { وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا } أي: متكبرا على الله، مترفعا على عباده { شَقِيًّا } في دنياي أو أخراي، فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعا له خاضعا خاشعا متذللا متواضعا لعباد الله، سعيدا في الدنيا والآخرة، أنا ومن اتبعني. فلما تم له الكمال، ومحامد الخصال قال: { وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا } أي: من فضل ربي وكرمه، حصلت لي السلامة يوم ولادتي، ويوم موتي، ويوم بعثي، من الشر والشيطان والعقوبة، وذلك يقتضي سلامته من الأهوال، ودار الفجار، وأنه من أهل دار السلام، فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر، على أنه رسول الله، وعبد الله حقا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 567 : 19 : 27 - سفين في قوله {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} قال، شياً عظيما. [الآية 27].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):