١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت بـ«ـإني نذرت للرحمن صوماً» وإنما ورد بأنها أشارت، فيقوى بهذا قول من قال: إن أمرها بـ«ـقولي» إنما أريد به الإشارة. ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا: استخفافها بنا أشدّ علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة التقرير: «كيف نكلم من كان فِي المهدِ صبِياً» و«كان» هنا ليس يراد بها الماضي؛ لأن كل واحد قد كان في المهد صبياً، وإنما هي في معنى هو (الآن). وقال أبو عبيدة: «كان» هنا لغو؛ كما قال:شعر : وجِيرانٍ لنا كانوا كرامِ تفسير : وقيل: هي بمعنى الوجود والحدوث كقوله: «وَإِنْ كَانَ ذو عُسْرَةٍ» وقد تقدّم. وقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت «صبياً»، ولا أن يقال «كان» بمعنى حدث، لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه عن الخبر، تقول: كان الحَرُّ وتكتفي به. والصحيح أن «من» في معنى الجزاء و«كان» بمعنى يكن؛ والتقدير: من يكن في المهد صبياً فكيف نكلمه؟! كما تقول: كيف أعطي من كان لا يقبل عطية؛ أي من يكن لا يقبل. والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء؛ كقوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [الفرقان: 10] أي إن يشأ يجعل. وتقول: من كان إليّ منه إحسان كان إليه مني مثله، أي من يكن منه إلى إحسان يكن إليه مني مثله. «والمهد» قيل: كان سريراً كالمهد. وقيل: «المهد» هاهنا حجر الأم. وقيل: المعنى كيف نكلم من كان سبيله أن ينوَّم في المهد لصغره، فلما سمع عيسى عليه السلام كلامهم قال لهم من مرقده {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} وهي: الثانية: فقيل: كان عيسى عليه السلام يرضع فلما سمع كلامهم ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار إليهم بسبابته اليمنى، و{قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} فكان أوّل ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى وربوبيته، رداً على من غلا من بعده في شأنه والكتاب الإنجيل؛ قيل: آتاه في تلك الحالة الكتاب، وفهمه وعلمه، وآتاه النبوّة كما علم آدم الأسماء كلها، وكان يصوم ويصلي. وهذا في غاية الضعف على ما نبينه في المسألة بعد هذا. وقيل: أي حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة في الأزل، وإن لم يكن الكتاب منزلاً في الحال؛ وهذا أصح. {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} أي ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلِّماً له. التُّسْتَريّ: وجعلني آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأرشد الضال، وأنصر المظلوم، وأغيث الملهوف. {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ} أي لأؤدّيهما إذا أدركني التكليف، وأمكنني أداؤهما، على القول الأخير الصحيح. {مَا دُمْتُ حَيّاً} ما في موضع نصب على الظرف أي دوام حياتي. قوله تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} قال ابن عباس: لما قال «وَبَرًّا بِوَالِدَتِي» ولم يقل بوالديّ علم أنه شيء من جهة الله تعالى. {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} أي متعظماً متكبراً يقتل ويضرب على الغضب. وقيل: الجبار الذي لا يرى لأحد عليه حقّاً قطّ. {شَقِيّاً } أي خائباً من الخير. ابن عباس: عاقاً. وقيل: عاصياً لربه. وقيل: لم يجعلني تاركاً لأمره فأشقى كما شقي إبليس لما ترك أمره. الثالثة: قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر! أخبر عيسى عليه السلام بما قضى من أمره، وبما هو كائن إلى أن يموت. وقد روي في قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا: إن هذا لأمر عظيم. وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية، ثم عاد إلى حالة الأطفال، حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان، فكان نطقه إظهار براءة أمه لا أنه كان ممن يعقل في تلك الحالة، وهو كما ينطق الله تعالى الجوارح يوم القيامة. ولم يُنقَل أنه دام نطقه، ولا أنه كان يصلي وهو ابن يوم أو شهر، ولو كان يدوم نطقه وتسبيحه ووعظه وصلاته في صغره من وقت الولادة لكان مِثله مما لا ينكتم، وهذا كله مما يدل على فساد القول الأول، ويصرح بجهالة قائله. ويدل أيضاً على أنه تكلم في المهد خلافاً لليهود والنصارى. والدليل على ذلك إجماع الفِرق على أنها لم تُحَدّ. وإنما صحّ براءتها من الزنى بكلامه في المهد. ودلت هذه الآية على أن الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجباً على الأمم السالفة، والقرون الخالية الماضية، فهو مما يثبت حكمه، ولم ينسخ في شريعة أمره. وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع؛ يأكل الشجر، ويلبس الشعر، ويجلس على التراب، ويأوي حيث جَنّه الليل، لا مسكن له، صلى الله عليه وسلم. الرابعة: الإشارة بمنزلة الكلام، وتُفهِم ما يُفهِم القول. كيف لا وقد أخبر الله تعالى عن مريم فقال: «فأشارت إليه» وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا: «كيف نكلم» وقد مضى هذا في «آل عمران» مستوفى. الخامسة: قال الكوفيون: لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه. وروي مثله عن الشعبي، وبه قال الأوزاعيّ وأحمد وإسحاق، وإنما يصح القذف عندهم بصريح الزنى دون معناه، وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة، فلم يكن قاذفاً؛ ولا يتميز بالإشارة بالزنى من الوطء الحلال والشبهة. قالوا: واللعان عندنا شهادات، وشهادة الأخرس لا تقبل بالإجماع. قال ابن القصار: قولهم إن القذف لا يصح إلا بالتصريح فهو باطل بسائر الألسنة ما عدا العربية، فكذلك إشارة الأخرس. وما ذكروه من الإجماع في شهادة الأخرس فغلط. وقد نص مالك أن شهادته مقبولة إذا فهمت إشارته، وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة، وأما مع القدرة باللفظ فلا تقع منه إلا باللفظ. قال ابن المنذر: والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق والبيوع وسائر الأحكام، فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك. قال المهلب: وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام؛ مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين» تفسير : نعرف قرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة. وفي إجماع العقول على أن العِيان أقوى من الخبر دليل على أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ} أي السلامة عليّ من الله تعالى. قال الزجاج: ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام. وقوله: {يَوْمَ وُلِدْتُّ} يعني في الدنيا. وقيل: من همز الشيطان كما تقدّم في «آل عمران». {وَيَوْمَ أَمُوتُ} يعني في القبر. {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} يعني في الآخرة؛ لأن له أحوالاً ثلاثة: في الدنيا حياً، وفي القبر ميتاً، وفي الآخرة مبعوثاً؛ فسلم في أحواله كلها؛ وهو معنى قول الكلبي. ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان. وقال قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام رأته امرأة يُحيِي الموتى، ويُبرىء الأكمة والأبرص في سائر آياته فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك؛ فقال لها عيسى عليه السلام: طوبى لمن تلا كتاب الله تعالى واتبع ما فيه وعمل به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَشَارَتْ } لهم {إِلَيْهِ } أن كلموه {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ } أي وجد {فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً }.
ابن عطية
تفسير : التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت بـ {أية : إني نذرت للرحمن صوماً} تفسير : [مريم: 26] وإنما ورد انها {أشارت إليه} فيقوى بهذا القول من قال إن أمرها بـ"قولي" إنما أريد به الإشارة، ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة التقرير {كيف نكلم من كان في المهد صبياً} وإنما هي في معنى هو ويحتمل أن تكون الناقصة والأظهر أنها التامة وقد قال أبو عبيدة {كان} هنا لغو، وقال الزجاج والفراء {مَنْ} شرطية في قوله {من كان} "ع" ونظير كان هذه قول رؤية: [الرجز] شعر : أبعد ان لاح بك القتير والرأس قد كان له شكير تفسير : و {صبياً} إما خبر {كان} على تجوز وتخيل في كونها ناقصة، وإما حال يعمل فيه الاستقرار المقدر في الكلام. وروي أن {المهد} يراد به حجر أمه قال لهم عيسى من مرقده {إني عبد الله} الآية وروي أنه قام متكئاً على يساره وأشار إليهم بسبابته اليمنى، و {الكتاب} هو الإنجيل ويحتمل أن يريد التوراة والإنجيل، ويكون الإيتاء فيهما مختلفاً، و {آتاني} معناه قضي بذلك وأنفذه في سابق حكمه وهذا نحو قوله تعالى {أية : أتى أمر الله} تفسير : [النحل:1]، وغير هذا. وأمال الكسائي "آتاني وأوصاني" والباقون لا يميلون، قال أبو علي الأمالة في {آتاني} أحسن لأن في {أوصاني} مستعلياً. و {مباركاً} قال مجاهد معناه نفاعاً، وقال سفيان معلم خير وقيل آمراً بمعروف ناهياً عن منكر، وقال رجل لبعض العلماء ما الذي أعلن من علمي قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه. وأسند النقاش عن الضحاك أنه قال {مباركاً} معناه قضاء للحوائج (ع) وقوله {مباركاً} يعم هذه الوجوه وغيرها. و {الصلاة والزكاة} قيل هما المشروعتان في البدن والمال، وقيل زكاة الرؤوس في الفطر، وقيل {الصلاة} الدعاء {والزكاة} التطهير من كل عيب ونقص ومعصية. وقرأ "دُمت" بضم الدال عاصم وجماعة، وقرأ "دِمت" بكسرها أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو وجماعة، وقرأ الجمهور "وَبَراً" بفتح الباء وهو الكثير البر ونصبه على قوله {مباركاً}، وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز وجماعة "بِراً" بكسر الباء فقال بعضها نصبه على العطف على قوله {مباركاً} فكأنه قال وذا بر فاتصف بالمصدر كعدل ونحوه، وقال بعضهما نصبه بقوله {وأوصاني} أي "وأوصاني براً بوالدتي" حذف الجار كأنه يريد "وأوصاني ببر والدتي". وحكى الزهراوي هذه القراءة "وبرٍّ" بالخفض عطفاً على {الزكاة}، وقوله {بوالدتي} بيان لنه لا والد له، وبهذا القول برأها قومها. و"الجبار" المتعظم وهي خلق مقرونة بالشقاء لأنها مناقضة لجميع الناس فلا يلقى صاحبها من أحد إلا مكروهاً، وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع، يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ويأوي حيث جنة الليل لا مسكن له. قال قتادة وكان يقول: سلوني فإن لين القلب صغير في نفسي. وقد تقدم ذكر تسليمه على نفسه وإذلاله في ذلك، وذكر المواطن التي خصها لأنها أوقات حاجة الإنسان إلى رحمة الله. وقال مالك بن أنس رضي الله عنه في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر أخبر عيسى بما قضي من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت. وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا إن هذا الأمر عظيم. وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ثم عاد الى حالة الأطفال حتى مشى على عادة البشر. وقالت فرقة: إن عيسى كان أوتي الكتاب وهو في ذلك السن وكان يصوم ويصلي وهذا في غاية الضعف مصرح بجهالة قائلة.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَأَشَارَتْ} إلى الله ـ تعالى ـ فلم يفهموا إشارتها، أو إلى عيسى على الأظهر ألهمها الله ـ تعالى ـ ذلك بأنه سيبرئها، أو أمرها به {مَن كَانَ} صلة، أو بمعنى يكون {الْمَهْدِ} سرير الطفل، أو حجرها غضبوا لما أشارت إليه وقالوا: لسخريتها بنا أعظم من زناها، فلما تكلم قالوا: إنَّ هذا لأمر عظيم.
الخازن
تفسير : {فأشارت إليه} أي أشارت مريم إلى عيسى أن كلمهم، قال ابن مسعود: لما لم يكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها، وقيل لما أشارت إليه غضب القوم وقالوا مع ما فعلت أتسخرين بنا {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً} قيل أراد بالمهد الحجر وهو حجرها، وقيل هو المهد بعينه قيل لما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم، وقيل لما أشارت إليه ترك الرضاع واتكأ على يساره وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه {قال إني عبد الله} قال وهب: أتاها زكرياء عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك عيسى وهو ابن أربعين يوماً، وقيل: بل يوم ولد إني عبد الله أقر على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم لئلا يتخذ إلهاً. فإن قلت إن الذي اشتدت إليه الحاجة في ذلك الوقت نفي التهمة عن أمه وأن عيسى لم ينص على ذلك، وإنما نص على إثبات عبوديته لله تعالى. قلت كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن أمه، فلهذا أول ما تكلم باعترافه على نفسه بالعبودية لتحصل إزالة التهمة عن الأم، لأن الله تعالى لم يختص بهذه المرتبة العظيمة من ولد في زنا، والتكلم بإزالة التهمة عن أمه لا يفيد إزالة التهمة عن الله سبحانه وتعالى فكان الاشتغال بذلك أو {آتاني الكتاب وجعلني نبياً} قيل معناه سيجعلني نبياً ويؤتيني الكتاب وهو الإنجيل وهذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ وهو كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم متى كنت نبياً قال: "حديث : كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد"تفسير : وقال الأكثرون إنه أوتي الإنجيل، وهو صغير وكان يعقل عقل الرجال الكمل وعن الحسن أنه ألهم التوراة وهو في بطن أمه {وجعلني مباركاً أينما كنت} معناه أني نفاع أينما توجهت، وقيل معلماً للخير أدعو إلى الله وإلى توحيده وعبادته وقيل مباركاً على من يتبعني {وأوصاني بالصلاة والزكاة} أي أمرني بهما وكلفني فعلهما. فإن قلت كيف يؤمر بالصلاة والزكاة، في حال طفوليته وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يبلغ"تفسير : الحديث... قلت إن قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل المراد أوصاه بأدائهما في الوقت المعين لهما وهو البلوغ، وقيل إن الله تعالى صيره حين انفصل عن أمه بالغاً عاقلاً وهذا القول أظهر في سياق قوله {ما دمت حياً} فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه إليه في زمان جميع حياته حين كان في الأرض, وحين رفع إلى السماء وحين ينزل الأرض بعد رفعه {وبراً بوالدتي} أي جعلني براً بوالدتي {ولم يجعلني جباراً شقياً} أي عاصياً لربي متكبراً على الحق بل، وأنا خاضع متواضع وروي أنه قال: قلبي لين وأنا صغير في نفسي، وقال بعض العلماء لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا هذه الآية، وقيل الشقي الذي يذنب ولا يتوب. {والسلام علي يوم ولدت} أي السلامة عند الولادة من طعن الشيطان {ويوم أموت} أي عند الموت من الشرك {ويوم أبعث حياً} أي من أهوال يوم القيامة فلما كلمهم عيسى بذلك علموا براءة مريم ثم سكت عيسى فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الأطفال {ذلك عيسى ابن مريم} أي ذلك الذي قال إني عبد الله هو عيسى بن مريم {قول الحق} أي هذا الكلام هو القول الحق أضاف القول إلى الحق، وقيل هو نعت لعيسى يعني بذلك عيسى بن مريم كلمة الله الحق والحق هو الله {الذي فيه يمترون} أي يشكون ويختلفون فقائل يقول هو ابن الله وقائل يقول ثالث ثلاثة تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ثم نزه نفسه عن اتخاذ الولد ونفاه عنه فقال تعالى {ما كان لله أن يتخذ ولد} أي ما كان من صفاته اتخاذ الولد لا ينبغي له ذلك {سبحانه إذا قضى أمراً} أي إذا أراد أن يحدث أمراً {فإنما يقول له كن فيكون} أي لا يتعذر عليه اتخاذه على الوجه الذي أراده {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه} هذا إخبار عن عيسى أنه قال ذلك يعني لأن الله ربي وربكم لا رب للمخلوقات سواه {هذا صراط مستقيم} أي هذا الذي أخبرتكم به أن الله أمرني به هو الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة {فاختلف الأحزاب من بينهم} يعني النصارى سموا أحزاباً لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى النسطورية والملكانية واليعقوبية {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عيظم} يعني يوم القيامة حين.
الثعالبي
تفسير : وقولُه تعالى: {فأَشَارَتْ إِلَيْهِ} يقوى قولَ مَنْ قال: إنَّ أمرها بـ {قُولي}، إنما أريد به الإشارة. وقوله: {ءَاتَـٰنِيَ ٱلْكِتَٰبَ} يعني الإنْجِيل، ويحتمل أن يريد التوراةَ والإنجيل، و«آتاني» معناه: قضى بذلك ـــ سُبْحَانه ـــ وأَنْفذه في سَابِق حُكْمه، وهذا نحو قولِه تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللّهِ} تفسير : [النحل:1]. {وأَوْصَـٰنِي بِـٱلصَّلَوٰةِ وٱلزَّكَٰوةِ} قيل: هما المشرُوعتانِ في البدن، والمال. وقيل: الصلاةُ: الدعاءُ، والزكاة: التطهُّرُ من كُلِّ عيْبٍ، ونقصٍ، ومعصيةٍ. والجبارُ؛ المتعَظِّمُ؛ وهي خلق مقرونة بالشقاء؛ لأَنَّها مناقضة لجميع الناس، فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروهاً، وكان عِيسَىٰ عليه السلام في غاية التَّوَاضُعِ؛ يأكلُ الشجر، ويلبَسُ الشَّعْر، ويجلس على الأَرض، ويَأْوِي حيث جَنَّة الليلُ. لاَ مَسْكَن له. قال قتادة: وكان يقولُ: سَلُوني؛ فإني ليّن القلب، صَغِيرٌ في نفسي. وقالت فرقةٌ: إنَّ عيسى عليه السلام كان أُوتي الكتابَ وهو في سِنِّ الطفولِيّة، وكان يصومُ، ويُصَلّي. قال * ع *: وهذا في غاية الضَّعْف. * ت *: وضعفُه مِنْ جهة سنده؛ وإلا فالعقلُ لا يحِيلُه؛ لا سِيَّما وأمره كله خرق عادة، وفي قصص هذه الآية؛ عن ابن زيد، وغيره: أَنهم لما سَمِعُوا كلام عِيْسَىٰ أَذْعنوا وقالوا: إن هذا الأمر عظيم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {فأشارت إليه} أن كلموه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {فأشارت إليه} قال: أمرتهم بكلامه. وفي قوله: {في المهد} قال في الحجر. وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون قال: إن مريم لما ولدت أتت به قومها، فأخذوا لها الحجارة ليرموها، فأشارت إليه فتكلم فتركوه. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة. قال: {المهد} المرباة. قال إبراهيم: المرباة، المرجحة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن هلال بن يساف قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: صاحب جريج، وعيسى، وصاحب الحبشية. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: تكلم في المهد أربعة: عيسى، وصاحب يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة ابنة فرعون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [الآية: 29]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار بمصر يقول: قال ابن عطاء: فأشارت إليه فى الظاهر ليعلم القوم صدقها فيما يقول فأنطق الله عيسى صلى الله عليه وسلم ببراءتها. قال بعضهم: أشارت إليه اتباعًا للأمر فى الظاهر وأشارت إلى الحق إشارة مضطرٍ عاجز فيما رُميت به، وما نسبت إليه. وقال: إن أحسن إشارات العارفين فى أوقات الإضطرار حين لا تتثبت الهمة عن الرجوع إلى الحق. قال ابن عطاء: أشارت إلى الله فلم يفهم القوم إشارتها فأنطق الله عيسى بالبيان، قال عيسى {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} أى أنطقنى الله بهذا النطق الذى أشارت إليه مريم وأظهر ربوبيته فى تكلمه.
القشيري
تفسير : في الظاهر أشارت إلى الولد، وفي الباطن أشارت إلى الله، فأخذهم ما قرب وما بعد وقالوا: كيف نكلِّم مَنْ هو أهل بأن يُنَوَّم في المهد؟! فـ "ـكان" ها هنا في اللفظ صلة... وحملوا ذلك منها على الاستهانة بفعلتها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} بين الله سبحانه ان مريم علمت بنور الحق نطق عيسى قبل نطقه وعرفت بالهام الله انه نبى مرسل لان عيسى تكلم في بطنها بتوحيد الله سبحانه وعلمت ان براءتها من مقالة القوم في نطق ابنها وهذا غاية حسن اليقين وسماع الهام الحق بلا واسطة ولما علمت بشأن عيسى امنت برسالته وعظمته حين اشارت اليه بانه اهل مكان علم الله ومن معه معجزته ولا يجوز عند الكبراء جواب السوال فهذا من كمال ابدها في حضرة عيسى ومن ههنا اشارة العارفين الى كبرائهم عند حاجتهم بفهم الحقائق قال ابن عطا فاشارت اليه في الظاهر لتعليم القوم وصدقها فيما تقول فانطق الله عيسى ببراءتها قيل ان احسن اشارات العارفين في اوقات الاضطرار حين لا يتشتت الهمة على الرجوع الى الحق وقال ابن عطا اشارت الى الله ولم يفهم القوم اشارتها فانطق الله عيسى بالبيان قال انى عبد الله اي انطقه بهذا النطق الذى اشارت مريم واظهر ربوبيته في تكلمه وقال بعضهم اشارات الى الله بسرها والى عيسى بنفسها فانطق الله عيسى ببراءتها فيما رسمت به وبراءة نفسه فيما يدعى فيه ولى رمز ههنا لما اراد سبحانه ان ينطق عيسى بكلمة التوحيد واقراره بالعبودية امراتها بالصمت لان لسان مريم لسان الظاهر لها ولسان عيسى لسان باطنها فاذا اسكت ظاهر ما نطق لسان باطنها بقدرة الله وتأييده الازلى ولهكذا شان العارفين اذ اسكمتوا بالظاهر تنطق السنة ارواحهم ينطق الغيب الالهي لذلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاشارت اليه} اى الى عيسى ان كلموه ليجيبكم ويكون كلامه حجة لى والظاهر انها حينئذ بينت نذرها وانها بمعزل عن محاورة الانس {قالوا} منكرين لجوابها {كيف نكلم} نحدث {من كان فى المهد}[در كهواره يعنى درخور كهواره] {صبيا} ولم نعهد فيما سلف صبيا رضيعا فى الحجر يكلمه عاقل لانه لا قدرة له على فهم الخطاب ورد الجواب وكان لا يقاع مضمون الجملة فى زمان ماض مبهم صالح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبة خاصة بدليل انه مسوق للتعجب او زائدة والظرف صلة من وصبيا حال من المستكن فيه او تامة او دائمة كما فى قوله تعالى {أية : كان الله عليما حكيما } تفسير : يقول الفقير الظاهران كان لتحقيق صباوته فان الماضى دال على التحقق.
الجنابذي
تفسير : {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} ان كلّموه واسألوه {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ} يعنى شأنه ان يكون فى المهد {صَبِيّاً} قيل: غضبوا من ذلك وقالوا: سخريّتها بنا أشدّ علينا من زناها.
اطفيش
تفسير : {فَأَشَارَتْ إِلَيْه} أن يكلموه ليجيب. {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِى الْمَهْدِ} مهد الصبى. وقيل: حجرها {صَبِيّاً} لم يعهد كلام مثله وهو إذ ذاك ابن أربعين يوما أو أكثر. وقيل: يوم ولد، وغضبوا قالوا: لَسخريتها بنا أشد من زناها. وكان ناقصة. والمراد الاستمرار. وفى المهد متعلق بها وصبيا خبرها أو بمحذوف خبر. وصبى خبر آخر أو حال من ضمير كان أو من ضمير الاستقرار أو تامة. وصبيا حال من ضمير كان أو زائدة. وفى المهد صلة من وصبيا حال من ضمير استقرار الصلة. وكان ناقصة بمعنى صار. وقيل: إن الكلام على ظاهره وإنه حينئذ خارج من حد المهد غير داخل فى حد الكلام فكان للزمان الماضى القريب وسبق لك تعجيبا. قيل: ووجه آخر أن يكون تكلم حكاية حال ماضية أى كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبيا فى المهد فيما سلف من الزمان حتى تكلم هذا.
اطفيش
تفسير : {فأشارت إِليه} إلى الولد أن كلموه، فهنا أخبرت بنذرها إشارة لا نطقاً فليفسر بها قوله: "أية : إنى نذرت للرحمن صوماً" تفسير : [مريم: 26] فلا تحاور إنسانا، وقيل أشارت إلى عيسى أن أجب عنى، وقد قال لها فى رجوعها من الغار: أبشرى فإن الله تعالى يبرئك، ويؤيد الأول قوله تعالى: {قالوا كيف نُكلِّم مَنْ كان فى المَهْد صبياً} أنكروا جوابها حتى قالوا: استخفافها بنا، إذ ردتنا إلى خطاب من فى المهد، أشد من زناها قلنا: حاشاها، والمهد ما يفرش للمولود، أو يطوى فيه، وقال قتادة: حجر أمه، وقال عكرمة: مصنوع للولد، يعلق ويحرك له، وقيل سرير، وإن قلت: كل من كلمناه أو نكلمه قد كان فى المهد صبياً فما معنى الآية؟ قلت: معنى كان ثبت، والثبوت مستمر، وكأنه قيل: من كان الآن أى ثبت، وإن منعنا عملها على هذا المعنى فصبياً حال أو كان أمس أو فى زمان قريب إلى زماننا هذا فى المهد صبيا، واستمر إلى الآن فيه، والمراد عيسى عليه السلام، أو كيف نكلم من مضى فى المهد صبياً قبل ولدك هذا، لا يتصور ذلك، فكيف يتصور مع ولدك، فالمراد غير عيسى عليه السلام، وتكلم للاستمرار أو زيد كان للتأكيد، لا يدل على زمان ولا حدث، وفى المهد صلة، وصبياً من المستتر فيه أو الماضى، بمعنى مضارع الحال ومن فى ذلك موصولة أو موصوفة لا تختصر الموصولة بما إذا فسر بعيسى، والموصوفة بغيره، كما قيل وكأنه قيل: فماذا كان بعد؟ فأجاب بما فى قوله: {قال} وهو ابن يومه، وقيل ابن أربعين يوماً على ما مر {إِنِّى عبد الله} كان يرضع فترك الثدى إذ سمع كلامهم واستقبلهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار بسبابته فقال: إنى عبدالله، وقيل استنطقه يحيى فأجاب بذلك، ولو كان ولد الله تعالى الله عن الولادة لم يقل إنى عبدالله، والولد لا يكون عبداً لأبيه، والله لا يصطفى ولد الزنى، وكان أول ما نطق به إثبات العبودية على نفسه لله تعالى نفياً للألوهية عن نفسه، وتباعداً عن أن يتخذ إليهاً، وفى نقطه قبل أولى النطق مطلقا إزالة التهمة عن أمه، وفى ذكر ما مر عن مريم، وذكر صفات عيسى ما دل على براءتها، وبقى يتكلم بعد ذلك لتأكيد براءتها، وقيل: لا حتى بلغ أوان الكلام كما رواه بعض حديثاً عنه صلى الله عليه وسلم. {آتانى الكتاب} الإِنجيل أو إياه، والتوراة والصحف {وجَعَلنى نبياً} أى أثبت لى فى قضائه أو فى اللوح إثبات الكتاب والنبوة لأوانهما بعد إذا بلغت أربعين عاماً كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد" تفسير : أو الماضيات لتحقق الوقوع بعد، فكأنه قد وقع ذلك، وقيل ثبت ذلك فى حينه، بأن أكمل عقله واستنبأه وآتاه الكتاب وهو طفل كما روى عن الحسن أو جاء عن أنس أن عيسى درس الإنجيل وأحكمه فى بطن أمه، وعن الحسن أنه ألهم التوراة فى بطن أمه.
الالوسي
تفسير : {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } أي إلى عيسى عليه السلام أن كلموه. قال شيخ الإسلام: والظاهر أنها بينت حينئذ نذرها وأنها بمعزل من محاورة الإنس حسبما أمرت ففيه دلالة على أن المأمور به بيان نذرها بالإشارة لا بالعبارة والجمع بينهما مما لا عهد به {قَالُواْ } منكرين لجوابها، وفي بعض الآثار أنها لما أشارت إليه أن كلموه قالوا: استخفافها بنا أشد من زناها حاشاها ثم قالوا: {كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } قال قتادة: المهد حجر أمه، وقال عكرمة: المرباة أي المرجحة، وقيل: سريره. وقيل: المكان الذي يستقر عليه. واستشكلت الآية بأن كل من يكلمه الناس كان في المهد صبياً قبل زمان تكليمه فلا يكون محلاً للتعجب والإنكار. وأجاب الزمخشري عن ذلك بوجهين، الأول أن {كَانَ} لإيقاع مضمون لجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهو هٰهنا لقريبه خاصة والدال عليه أن الكلام مسوق للتعجب فيكون المعنى كيف نكلم من كان بالأمس وقريباً منه من هذا الوقت في المهد وغرضهم من ذلك استمرار حال الصبـي به لم يبرح بعد عنه ولو قيل: من هو في المهد لم يكن فيه تلك الوكادة من حيث السابق كالشاهد على ذلك، ومن على هذا موصولة يراد بها عيسى عليه السلام. الثاني أن يكون {نُكَلّمُ } حكاية حال ماضية ومن موصوفة، والمعنى كيف نكلم الموصوفين بأنهم في المهد أي ما كلمناهم إلى الأن حتى نكلم هذا، وفي العدول عن الماضي إلى الحال إفادة التصوير والاستمرار. وهذا كما في «الكشف» وجه حسن ملائم. / وقال أبو عبيدة: كان زائدة لمجرد التأكيد من غير دلالة على الزمان و {صَبِيّاً } حال مؤكدة والعامل فيها الاستقرار، فقول ابن الأنباري: إن كان نصبت هنا الخبر والزائدة لا تنصبه ليس بشيء، والمعنى كيف نكلم من هو في المهد الآن حال كونه صبياً، وعلى قول من قال: إن كان الزائدة لا تدل على حدث لكنها تدل على زمان ماض مقيد به ما زيدت فيه كالسيرافي لا يندفع الإشكال بالقول بزيادتها. وقال الزجاج: الأجود أن تكون من شرطية لا موصولة ولا موصوفة أي من كان في المهد فكيف نكلمه وهذا كما يقال كيف أعظم من لا يعمل بموعظتي والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء فلا إشكال في ذلك، ولا يخفى بعده.
ابن عاشور
تفسير : أي أشارت إليه إشارة دلّت على أنها تُحيلهم عليه ليسألوه عن قصته، أو أشارت إلى أن يسمعوا منه الجواب عن توبيخهم إياها وقد فهموا ذلك من إشارتها. ولما كانت إشارتها بمنزلة مراجعة كلام حكى حِوارهم الواقع عقب الإشارة بجملة القول مفصولةً غير معطوفة. والاستفهام: إنكار؛ أنكروا أن يكلموا من ليس من شأنه أن يتكلم، وأنكروا أن تحيلهم على مكالمته، أي كيف نترقب منه الجواب أو كيف نلقي عليه السؤال، لأن الحالتين تقتضيان التكلّم. وزيادة فعل الكون في {مَن كَان في المَهدِ} للدلالة على تمكن المظروفية في المهد من هذا الذي أحيلوا على مكالمته، وذلك مبالغة منهم في الإنكار، وتعجب من استخفافها بهم. ففعل (كان) زائد للتوكيد، ولذلك جاء بصيغة المضي لأن (كان) الزائدة تكون بصيغة الماضي غالباً. وقوله {في المَهْدِ} خبر (مَن) الموصولة. و {صَبِيّاً} حال من اسم الموصول. والمَهْدِ فراش الصبي وما يمهد لوضعه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ}. معنى إشارتها إليه: أنهم يكلمونه فيخبرهم بحقيقة الأمر. والدلي على أن هذا هو مرادها بإشارتها إليه قوله تعالى بعده: {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} فالفعل الماضي الذي هو "كان" بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال كما يدل عليه السياق. والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 29- فأشارت إلى ولدها عيسى ليكلموه، فقالوا: كيف نتحدث مع طفل لا يزال فى المهد. 30- فلما سمع عيسى كلامهم أنطقه الله فقال: إنى عبد الله سيؤتينى الإنجيل، ويختارنى نبياً. 31- ويجعلنى مُباركاً مُعلماً للخير نفَّاعاً للناس، ويأمرنى بإقامة الصلاة وأداء الزكاة مدة حياتى. 32- كما يأمرنى أن أكون بارّاً بوالدتى، ولم يجعلنى متجبراً فى الناس، ولا شقياً بمعصيته. 33- والأمان من الله علىَّ يوم ولادتى، ويوم موتى، ويوم بعثى حياً. 34- ذلك الموصوف بهذه الصفات، هو عيسى ابن مريم، وهذا هو القول الحق فى شأنه، الذى يجادل فيه المبطلون، ويشكك فى أمر نبوته الشاكُّون. 35- وما صح ولا استقام فى العقل أن يتخذ الله ولدا - تنزه الله عن ذلك - وشأنه - سبحانه - أنه إذا قضى أمراً من الأمور نفذت إرادته لا محالة، بكلمة - كن - فيتحقق فى الوجود كائناً. 36- وإن الله سيدى وسيدكم فاعبدوه، ولا تشركوا به أحداً، هذا الذى دعوتكم إليه طريق يوصلكم إلى السعادة. 37- ومع ما تقدم من قول الحق فى عيسى، قد اختلف أهل الكتاب فيه، وذهبوا مذاهب شتى. والعذاب الشديد للكافرين يوم يحضرون موقف الحساب، ويشهدون موقف القيامة، ويلقون سوء الجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (29) - وَكَانَتْ مَرْيَمُ صَائِمَةً ذلِكَ اليَوْمَ، فَأَشَارَتْ إِلَى وَلِيدِهَا لِيَسْأَلُوهُ، فَقَالُوا لَهَا مُتَهَكِّمِينَ سَاخِرِينَ، كَيْفَ نُكَلِّمُ طِفْلاً مَا زَالَ فِي المَهْدِ رَضِيعاً؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: حين قال القوم ما قالوا أشارتْ إلى الوليد وهي واثقة أنه سيتكلم، مطمئنة إلى أنها لا تحمل دليل الجريمة، بل دليل البراءة. فلما أشارتْ إليه تقول لقومها: اسألوه، تعجَّبُوا: {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} [مريم: 29] ونلاحظ في قولهم أنهم لم يستبعدوا أنْ يتكلّمَ الوليد، فلم يقولوا: كيف يتكلم مَنْ كان في المهد صبياً؟ بل قالوا: {كَيْفَ نُكَلِّمُ ..} [مريم: 29] أي: نحن، فاستبعدوا أنْ يكلموه، فكأنهم يطعنون في أنفسهم وفي قدرتهم على فَهْم الوليد إنْ كلَّمهم. والمهد: هو المكان الممهد المعَدّ لنوم الطفل، لأن الوليد لا يقدر أن يبعد الأذى عن نفسه، فالكبير مثلاً يستطيع أنْ يُمهد لنفسه مكان نومه، وأن يُخرِج منه ما يُؤرِّق نومه وراحته، وعنده وَعْي، فإذا آلمه شيء في نومه يستطيع أنْ يتحلَّل من الحالة التي هو عليها، وينظر ماذا يؤلمه. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} يعني صارَ فِي المَهدِ. وقال المَهدُ: حِجرُهَا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 568 : 20 : 41 - سفين في قوله {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} قال، الى عيسى. [الآية 29].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):