١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع: الصفة الأولى: قوله: {إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ } وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سبباً للوهم الذي ذهبت إليه النصارى، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال: {إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ } وكان ذلك الكلام وإن كان موهماً من حيث إنه صدر عنه في تلك الحالة، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه تنصيص على العبودية. الفائدة الثانية: أنه لما أقر بالعبودية فإن كان صادقاً في مقاله فقد حصل الغرض وإن كان كاذباً لم تكن القوة قوة إلهية بل قوة شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلهاً. الفائدة الثالثة: أن الذي اشتدت الحاجة إليه في ذلك الوقت إنما هو نفي تهمة الزنا عن مريم عليها السلام ثم إن عيسى عليه السلام لم ينص على ذلك وإنما نص على إثبات عبودية نفسه كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها. الفائدة الرابعة: وهي أن التكلم بإزالة هذه التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم لأن الله سبحانه لا يخص الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة. وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى فكان الاشتغال بذلك أولى فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد، واعلم أن مذهب النصارى متخبط جداً، وقد اتفقوا على أنه سبحانه ليس بجسم ولا متحيز، ومع ذلك فإنا نذكر تقسيماً حاصراً يبطل مذهبهم على جميع الوجوه فنقول: إما أن يعتقدوا كونه متحيزاً أو لا، فإن اعتقدوا كونه متحيزاً أبطلنا قولهم بإقامة الدلالة على حدوث الأجسام، وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه. وإن اعتقدوا أنه ليس بمتحيز يبطل ما يقوله بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت اختلاط الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام فإذا لم يكن جسماً استحال ذلك ثم نقول للناس قولان في الإنسان: منهم من قال إنه هو هذه البنية أو جسم موجود في داخلها ومنهم من يقول إنه جوهر مجرد عن الجسمية والحلول في الأجسام فنقول: هؤلاء النصارى، إما أن يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته اتحد ببدن المسيح أو بنفسه أو يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته حل في بدن المسيح أو في نفسه، أو يقولوا لا نقول بالاتحاد ولا بالحلول ولكن نقول إنه تعالى أعطاه القدرة على خلق الأجسام والحياة والقدرة وكان لهذا السبب إلهاً، أو لا يقولوا بشيء من ذلك ولكن قالوا: إنه على سبيل التشريف اتخذه ابناً كما اتخذ إبراهيم على سبيل التشريف خليلاً فهذه هي الوجوه المعقولة في هذا الباب، والكل باطل، أما القول الأول بالاتحاد فهو باطل قطعاً، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد، إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً، فإن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضاً لا يكون اتحاداً بل يكون قولاً بعدم ذينك الشيئين، وحصول شيء ثالث، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالوجود لأنه يستحيل أن يقال: المعدوم بعينه هو الموجود فظهر من هذا البرهان الباهر أن الاتحاد محال. وأما الحلول فلنا فيه مقامان: الأول: أن التصديق مسبوق بالتصور فلا بد من البحث عن ماهية الحلول حتى يمكننا أن نعلم أنه هل يصح على الله تعالى أو لا يصح وذكروا للحلول تفسيرات ثلاثة: أحدها: كون الشيء في غيره ككون ماء الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم، واعلم أن هذا باطل لأن هذا إنما يصح لو كان الله تعالى جسماً وهم وافقونا على أنه ليس بجسم. وثانيها: حصوله في الشيء على مثال حصول اللون في الجسم فنقول: المعقول من هذه التبعية حصول اللون في ذلك الحيز تبعاً لحصول محله فيه، وهذا أيضاً إنما يعقل في حق الأجسام لا في حق الله تعالى. وثالثها: حصوله في الشيء على مثال حصول الصفات الإضافية للذوات فنقول: هذا أيضاً باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج فلو كان الله تعالى في شيء بهذا المعنى لكان محتاجاً فكان ممكناً فكان مفتقراً إلى المؤثر، وذلك محال، وإذا ثبت أنه لا يمكن تفسير هذا الحلول بمعنى ملخص يمكن إثباته في حق الله تعالى امتنع إثباته. المقام الثاني: احتج الأصحاب على نفي الحلول مطلقاً بأن قالوا: لو حل لحل، إما مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل والقسمان باطلان، فالقول بالحلول باطل، وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل لأن ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى أو قدم المحل وكلاهما باطلان، لأنا دللنا على أن الله قديم. وعلى أن الجسم محدث، ولأنه لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجاً إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته لا يكون واجباً لذاته، وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل لأنه لما كانت ذاته واجبة الوجود لذاته وحلوله في المحل أمر جائز، والموصوف بالوجوب غير ما هو موصوف بالجواز فيلزم أن يكون حلوله في المحل أمراً زائداً على ذاته وذلك محال لوجهين: أحدهما: أن حلوله في المحل لو كان زائداً على ذاته لكان حلول ذلك الزائد في محله زائداً على ذاته أو لزم التسلسل وهو محال. والثاني: أن حلوله في ذلك لما كان زائداً على ذاته فإذا حل في محل وجب أن يحل فيه صفة محدثة، وذلك محال لأنه لو كان قابلاً للحوادث لكانت تلك القابلية من لوازم ذاته، وكانت حاصلة أزلاً، وذلك محال لأن وجود الحوادث في الأزل محال، فحصول قابليتها وجب أن يكون ممتنع الحصول فإن قيل لم لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل. لأنه يلزم، إما حدوث الحال أو قدم المحل، قلنا: لا نسلم وجوب أحد الأمرين، ولم لا يجوز أن يقال: إن ذاته تقتضي الحلول بشرط وجود المحل ففي الأزل ما وجد المحل فلم يوجد شرط هذا الوجوب فلا جرم لم يجب الحلول، وفيما لا يزال حصل هذا الشرط فلا جرم وجب سلمنا أنه يلزم، إما حدوث الحال أو قدم المحل فلم لا يجوز. قوله: إنا دللنا على حدوث الأجسام، قلنا: لم لا يجوز أن يكون محله ليس بجسم ولكنه يكون عقلاً أو نفساً أو هيولى على ما يثبته بعضهم، ودليلكم على حدوث الأجسام لا يقبل حدوث هذه الأشياء، قوله ثانياً: لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجاً إلى المحل، قلنا: لا نسلم وجوب أحد الأمرين بل ههنا احتمالان آخران: أحدهما: أن العلة وإن امتنع انفكاكها عن المعلول لكنها لا تكون محتاجة إلى المعلول فلم لا يجوز أن يقال: إن ذاته غنية عن ذلك المحل ولكن ذاته توجب حلول نفسها في ذلك المعلول فيكون وجوب حلولها في ذلك المحل من معلولات ذاته، وقد ثبت أن العلة وإن استحال انفكاكها عن المعلول لكن ذلك لا يقتضي احتياجها إلى المعلول. الثاني: أن يقال إنه في ذاته يكون غنياً عن المحل وعن الحلول، إلا أن المحل يوجب لذاته صفة الحلول، فالمفتقر إلى المحل صفة من صفاته وهي حلوله في ذلك المحل فأما ذاته فلا ولا يلزم من افتقار صفة من صفاته الإضافية إلى الغير افتقار ذاته إلى الغير وذلك لأن جميع الصفات الإضافية الحاصلة له مثل كونه أولاً وآخراً ومقارناً ومؤثراً ومعلوماً ومذكوراً مما لا يتحقق إلا عند حصول التحيز، وكيف لا والإضافات لا بد في تحققها من أمرين، سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل. قوله يلزم أن يكون حلوله فيه زائداً عليه، ويلزم التسلسل، قلنا: حلوله في المحل لما كان جائزاً كان حلوله في المحل زائداً عليه. أما كون ذلك الحلول حالاً في المحل أمر واجب فلا يلزم أن يكون حلول الحلول زائداً عليه فلا يلزم التسلسل. قوله ثانياً: يلزم أن يصير محل الحوادث، قلنا: لم لا يجوز ذلك قوله يلزم أن يكون قابلاً للحوادث في الأزل، قلنا: لا شك أن تمكنه من الإيجاد ثابت له إما لذاته أو لأمر ينتهي إلى ذاته، وكيف كان فيلزم صحة كونه مؤثراً في الأزل فكل ما ذكرتموه في المؤثرية فنحن نذكره في القابلية، والجواب: أنا نقرر هذه الدلالة على وجه آخر بحيث تسقط عنها هذه الأسئلة، فنقول: ذاته، إما أن تكون كافية اقتضاء هذا الحلول أو لا تكون كافية في ذلك فإن كان الأول استحال توقف ذلك الاقتضاء على حصول شرط فيعود ما قلنا إنه يلزم إما قدم المحل أو حدوث الحال. وإن كان الثاني كان كونه مقتضياً لذلك الحلول أمراً زائداً على ذاته حادثاً فيه فعلى التقديرات كلها يلزم من حدوث حلوله في محل حدوث شيء فيه لكن يستحيل أن يكون قابلاً للحوادث، وإلا لزم أن يكون في الأزل قابلاً لها وهو محال على ما بيناه، وأما المعارضة بالقدرة فغير واردة لأنه تعالى لذاته قادر على الإيجاد في الأزل فهو قادر على الإيجاد فيما لا يزال فههنا أيضاً لو كانت ذاته قابلة للحوادث لكانت في الأزل قابلة لها فحينئذ يلزم المحال المذكور. هذا تمام القول في هذه الأدلة ولنا في إبطال قول النصارى وجوه أخر. أحدها: أنهم وافقونا على أن ذاته سبحانه وتعالى لم تحل في ناسوت عيسى عليه السلام بل قالوا الكلمة حلت فيه، والمراد من الكلمة العلم. فنقول: العلم لما حل في عيسى ففي تلك الحالة إما أن يقال إنه بقي في ذات الله تعالى أو ما بقي فيها فإن كان الأول لزم حصول الصفة الواحدة في محلين. وذلك غير معقول ولأنه لو جاز أن يقال العلم الحاصل في ذات عيسى عليه السلام هو العلم الحاصل في ذات الله تعالى بعينه، فلم لا يجوز في حق كل واحد ذلك حتى يكون العلم الحاصل لكل واحد هو العلم الحاصل لذات الله تعالى، وإن كان الثاني لزم أن يقال: إن الله تعالى لم يبق عالماً بعد حلول علمه في عيسى عليه السلام وذلك مما لا يقوله عاقل. وثانيها: مناظرة جرت بيني وبين بعض النصارى، فقلت له هل تسلم أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول أم لا؟ فإن أنكرت لزمك أن لا يكون الله تعالى قديماً لأن دليل وجوده هو العالم فإذا لزم من عدم الدليل عدم المدلول لزم من عدم العالم في الأزل عدم الصانع في الأزل، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فنقول إذا جوزت اتحاد كلمة الله تعالى بعيسى أو حلولها فيه فكيف عرفت أن كلمة الله تعالى ما دخلت في زيد وعمرو بل كيف أنها ما حلت في هذه الهرة وفي هذا الكلب، فقال لي: إن هذا السؤال لا يليق بك لأنا إنما أثبتنا ذلك الاتحاد أو الحلول بناء على ما ظهر على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فإذا لم نجد شيئاً من ذلك ظهر على يد غيره فكيف نثبت الاتحاد أو الحلول، فقلت له: إني عرفت من هذا الكلام أنك ما عرفت أول الكلام لأنك سلمت لي أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فإذا كان هذا الحلول غير ممتنع في الجملة فأكثر ما في الباب أنه وجد ما يدل على حصوله في حق عيسى عليه السلام ولم يوجد ذلك الدليل في حق زيد وعمرو ولكن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فلا يلزم من عدم ظهور هذه الخوارق على يد زيد وعمرو وعلى السنور والكلب عدم ذلك الحلول، فثبت أنك مهما جوزت القول بالاتحاد والحلول لزمك تجويز حصول ذلك الاتحاد وذلك الحلول في حق كل واحد بل في حق كل حيوان ونبات ولا شك أن المذهب الذي يسوق قائله إلى مثل هذا القول الركيك يكون باطلاً قطعاً، ثم قلت له: وكيف دل إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على ما قلت؟ أليس أن انقلاب العصا ثعباناً أبعد من انقلاب الميت حياً فإذا ظهر ذلك على يد موسى عليه السلام ولم يدل على إلهيته فبأن لا يدل هذا على آلهية عيسى أولى. وثالثها: أنا نقول دلالة أحوال عيسى على العبودية أقوى من دلالتها على الربوبية لأنه كان مجتهداً في العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فإنه كان في نهاية البعد عن الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى إن اليهود قتلوه ومن كان في الضعف هكذا فكيف تليق به الربوبية. ورابعها: المسيح إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقول بقدمه باطل لأنا نعلم بالضرورة أنه ولد وكان طفلاً ثم صار شاباً وكان يأكل ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر البشر، وإن كان محدثاً كان مخلوقاً ولا معنى للعبودية إلا ذلك، فإن قيل: المعنى بإلهيته أنه حلت صفة الآلهية فيه، قلنا: هب أنه كان كذلك لكن الحال هو صفة الإله والمسيح هو المحل والمحل محدث مخلوق فما هو المسيح (إلا) عبد محدث فكيف يمكن وصفه بالإلهية. وخامسها: أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد فإن كان لله ولد فلا بد وأن يكون من جنسه فإذن قد اشتركا من بعض الوجوه، فإن لم يتميز أحدهما عن الآخر بأمر ما فكل واحد منهما هو الآخر، وإن حصل الامتياز فما به الامتياز غير ما به الاشتراك، فيلزم وقوع التركيب في ذات الله وكل مركب ممكن، فالواجب ممكن هذا خلف محال هذا كله على الاتحاد والحلول. أما الاحتمال الثالث: وهو أن يقال معنى كونه إلهاً أنه سبحانه خص نفسه أو بدنه بالقدرة على خلق الأجسام والتصرف في هذا العالم فهذا أيضاً باطل لأن النصارى حكوا عنه الضعف والعجز وأن اليهود قتلوه ولو كان قادراً على خلق الأجسام لما قدروا على قتله بل كان هو يقتلهم ويخلق لنفسه عسكراً يذبون عنه. وأما الاحتمال الرابع: وهو أنه اتخذه ابناً لنفسه على سبيل التشريف فهذا قد قال به قوم من النصارى يقال لهم الأرميوسية وليس فيه كثير خطأ إلا في اللفظ فهذا جملة الكلام على النصارى وبه ثبت صدق ما حكاه الله تعالى عنه أنه قال: إني عبد الله. الصفة الثانية: قوله تعالى: {آتاني ٱلْكِتَـٰبَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس فيه فالجمهور على أنه قال هذا الكلام حال صغره وقال أبو القاسم البلخي إنه إنما قال ذلك حين كان كالمراهق الذي يفهم وإن لم يبلغ حد التكليف أما الأولون فلهم قولان: أحدهما: أنه كان في ذلك الصغر نبياً. الثاني: روى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المراد بأن حكم وقضى بأنه سيبعثني من بعد ولما تكلم بذلك سكت وعاد إلى حال الصغر. ولما بلغ ثلاثين سنة بعثه الله نبياً، واحتج من نص على فساد القول الأول بأمور: أحدها: أن النبي لا يكون إلا كاملاً والصغير ناقص الخلقة بحيث يعد هذا التحدي من الصغير منفراً بل هو في التنفير أعظم من أن يكون امرأة. وثانيها: أنه لو كان نبياً في هذا الصغر لكان كمال عقله مقدماً على ادعائه للنبوة إذ النبي لا بد وأن يكون كامل العقل لكن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة فيكون المعجز متقدماً على التحدي وإنه غير جائز. وثالثها: أنه لو كان نبياً في ذلك الوقت لوجب أن يشتغل ببيان الأحكام، وتعريف الشرائع ولو وقع ذلك لاشتهر ولنقل فحيث لم يحصل ذلك علمنا أنه ما كان نبياً في ذلك الوقت. أجاب الأولون عن الكلام الأول بأن كون الصبي ناقصاً ليس لذاته بل الأمر يرجع إلى صغر جسمه ونقصان فهمه، فإذا أزال الله تعالى هذه الأشياء لم تحصل النفرة بل تكون الرغبة إلى استماع قوله وهو على هذه الصفة أتم وأكمل. وعن الكلام الثاني لم لا يجوز أن يقال إكمال عقله وإن حصل مقدماً على دعواه إلا أنه معجزة لزكريا عليه السلام، أو يقال: إنه إرهاص لنبوته أو كرامة لمريم عليها السلام وعندنا الإرهاص والكرامات جائزة، وعن الكلام الثالث لم لا يجوز أن يقال مجرد بعثته إليهم من غير بيان شيء من الشرائع والأحكام جائز ثم بعد البلوغ أخذ في شرح تلك الأحكام، فثبت بهذا أنه لا امتناع في كونه نبياً في ذلك الوقت وقوله: {آتاني ٱلْكِتَـٰبَ } يدل على كونه نبياً في ذلك الوقت فوجب إجراؤه على ظاهره بخلاف ما قاله عكرمة، أما قول أبي القاسم البلخي فبعيد وذلك لأن الحاجة إلى كلام عيسى عليه السلام إنما كانت عند وقوع التهمة على مريم عليها السلام. المسألة الثانية: اختلفوا في ذلك الكتاب فقال بعضهم هو التوراة لأن الألف واللام في الكتاب تنصرف للمعهود والكتاب المعهود لهم هو التوراة، وقال أبو مسلم: المراد هو الإنجيل لأن الألف واللام ههنا للجنس أي آتاني من هذا الجنس، وقال قوم: المراد هو التوراة والإنجيل لأن الألف واللام تفيد الاستغراق. المسألة الثالثة: اختلفوا في أنه متى آتاه الكتاب ومتى جعله نبياً لأن قوله: {آتاني ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } يدل على أن ذلك كان قد حصل من قبل إما ملاصقاً لذلك الكلام أو متقدماً عليه بأزمان، والظاهر أنه من قبل أن كلمهم آتاه الله الكتاب وجعله نبياً وأمره بالصلاة والزكاة وأن يدعو إلى الله تعالى وإلى دينه وإلى ما خص به من الشريعة فقيل هذا الوحي نزل عليه وهو في بطن أمه وقيل لما انفصل من الأم آتاه الله الكتاب والنبوة وأنه تكلم مع أمه وأخبرها بحاله وأخبرها بأنه يكلمهم بما يدل على براءة حالها فلهذا أشارت إليه بالكلام. الصفة الثالثة: قوله: {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } قال بعضهم أخبر أنه نبي ولكنه ما كان رسولاً لأنه في ذلك الوقت ما جاء بالشريعة ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر على الدرجة وهذا ضعيف لأن النبي في عرف الشرع هو الذي خصه الله بالنبوة وبالرسالة خصوصاً إذا قرن إليه ذكر الشرع وهو قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة. الصفة الرابعة: قوله: {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ } فلقائل أن يقول كيف جعله مباركاً والناس كانوا قبله على الملة الصحيحة فلما جاء صار بعضهم يهوداً وبعضهم نصارى قائلين بالتثليث ولم يبق على الحق إلا القليل، والجواب ذكروا في «تفسير المبارك» وجوهاً: أحدها: أن البركة في اللغة هي الثبات وأصله من بروك البعير فمعناه جعلني ثابتاً على دين الله مستقراً عليه. وثانيها: أنه إنما كان مباركاً لأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى طريق الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أسلمت أم عيسى عليها السلام عيسى إلى الكتاب فقالت للمعلم: أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له المعلم: اكتب فقال: أي شيء أكتب، فقال: اكتب أبجد فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال: هل تدري ما أبجد؟ فعلاه بالدرة ليضربه فقال: يا مؤدب لا تضربني إن كنت لا تدري فاسألني فأنا أعلمك الألف من آلاء الله والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله والدال من أداء الحق إلى الله. وثالثها: البركة الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأحوال غالباً مفلحاً منجحاً لأني ما دمت أبقى في الدنيا أكون على الغير مستعلياً بالحجة فإذا جاء الوقت المعلوم يكرمني الله تعالى بالرفع إلى السماء. ورابعها: مبارك على الناس بحيث يحصل بسبب دعائي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملك وثدي أرضعت به، فقال عيسى عليه السلام مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يكن جباراً شقياً. أما قوله: {أَيْنَ مَا كُنتُ } فهو يدل على أن حاله لم يتغير كما قيل إنه عاد إلى حال الصغر وزوال التكليف. الصفة الخامسة: قوله: {وَأَوْصَانِى بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} فإن قيل كيف أمر بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلاً صغيراً والقلم مرفوع عنه على ما قاله صلى الله عليه وسلم: « حديث : رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ » تفسير : الحديث وجوابه من وجهين: الأول: أن قوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد البلوغ فلعل المراد أنه تعالى أوصاه بهما وبأدائهما في الوقت المعين له وهو وقت البلوغ. الثاني: لعل الله تعالى لما انفصل عيسى عن أمه صيره بالغاً عاقلاً تام الأعضاء والخلقة وتحقيقه قوله تعالى: { أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ } تفسير : [آل عمران: 59] فكما أنه تعالى خلق آدم تاماً كاملاً دفعة فكذا القول في عيسى عليه السلام، وهذا القول الثاني أقرب إلى الظاهر لقوله: {مَا دُمْتُ حَيّاً } فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه عليه في جميع زمان حيائه ولكن لقائل أن يقول لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه فقد رأوه شخصاً كامل الأعضاء تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجباً فكان ينبغي أن لا يعجبوا فلعل الأول أن يقال إنه تعالى جعله مع صغر جثته قوي التركيب كامل العقل بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية دالة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل مرة أخرى. الصفة السادسة: قوله تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِى } أي جعلني براً بوالدتي وهذا يدل على قولنا: إن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن الآية تدل على أن كونه براً إنما حصل بجعل الله وخلقه وحمله على الألطاف عدول عن الظاهر ثم قوله: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِى } إشارة إلى تنزيه أمه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأموراً بتعظيمها. قال صاحب «الكشاف»: جعل ذاته براً لفرط بره ونصبه بفعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفني بها واحد. الصفة السابعة؛ قوله: {وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً } وهذا أيضاً يدل على قولنا لأنه لما بين أنه جعله براً وما جعله جباراً فهذا إنما يحسن لو أن الله تعالى جعل غيره جباراً وغيره بار بأمه، فإن الله تعالى لو فعل ذلك بكل أحد لم يكن لعيسى عليه السلام مزيد تخصيص بذلك، ومعلوم أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك في معرض التخصيص وقوله: {وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً } أي ما جعلني متكبراً بل أنا خاضع لأني متواضع لها ولو كنت جباراً لكنت عاصياً شقياً. وروي أن عيسى عليه السلام قال: قلبي لين وأنا صغير في نفسي وعن بعض العلماء لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً } ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً وقرأ: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً }. الصفة الثامنة: هي قوله: {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: لام التعريف في السلام منصرف إلى ما تقدم في قصتي يحيى عليه السلام من قوله: { أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ } تفسير : [مريم: 15] أي السلام الموجه إليه في المواطن الثلاثة موجه إلي أيضاً وقال صاحب «الكشاف»: الصحيح أن يكون هذا التعريف تعويضاً باللعن على من اتهم مريم بالزنا وتحقيقه أن اللام للاستغراق فإذا قال: {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ } فكأنه قال وكل السلام علي وعلى أتباعي فلم يبق للأعداء إلا اللعن ونظيره قول موسى عليه السلام: { أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [طه: 47] بمعنى أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام اللجاج والعناد ويليق به مثل هذا التعريض. المسألة الثانية: روى بعضهم عن عيسى عليه السلام أنه قال ليحيى أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي وأجاب الحسن فقال: إن تسليمه على نفسه بتسليم الله عليه. المسألة الثالثة: قال القاضي: السلام عبارة عما يحصل به الأمان ومنه السلامة في النعم وزوال الآفات فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى، ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة وأعظم أحوال الإنسان احتياجاً إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى طلبها ليكون مصوناً عن الآفات والمخافات في كل الأحوال، واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى عليه السلام تكلم في زمان الطفولية واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر الدواعي على نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر ولو كان ذلك لعرفه النصارى لا سيما وهم من أشد الناس بحثاً عن أحواله وأشد الناس غلواً فيه حتى زعموا كونه إلهاً ولا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة والفضائل التامة فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد ولأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه السلام تكلم في زمان الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم فحيث لم يحصل شيء من ذلك علمنا أنه ما تكلم، أما المسلمون فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم فإنه لولا كلامه الذي دلهم على براءة أمه من الزنا لما تركوا إقامة الحد على الزنا عليها ففي تركهم لذلك دلالة على أنه عليه السلام تكلم في المهد وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه ربما كان الحاضرون عند كلامه قليلين فلذلك لم يشتهر وعن الثاني لعل اليهود ما حضروا هناك وما سمعوا كلامه فلذلك لم يشتغلوا بقصد قتله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ } أي: الإِنجيل {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً }.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَاتَانِىَ} سيؤتيني {وَجَعَلَنِى} سيجلعني، أو كان وقت كلامه في المهد نبياً كامل العقل، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ وكلمهم وهو ابن أربعين يوماً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب} الآية. قال: قضى فيما قضى أن أكون كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس قال: كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه. فذلك قوله: {إني عبد الله آتاني الكتاب}. وأخرج الإسماعيلي في معجمه وأبو نعيم في الحلية وابن لال في مكارم الأخلاق وابن مردويه وابن النجار في تاريخه، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قول عيسى عليه السلام {وجعلني مباركاً أين ما كنت} قال: جعلني نفاعاً للناس أين اتجهت ". تفسير : وأخرج ابن عدي وابن عساكر، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم {وجعلني مباركاً أين ما كنت} قال: معلماً ومؤدباً. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وجعلني مباركاً أين ما كنت} قال: معلماً للخير. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الذي يعلم الناس الخير يستغفر له كل دابة حتى الحوت في البحر. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {وجعلني مباركاً} قال: هادياً مهدياً. وأخرج البيهقي في الشعب وابن عساكر، عن مجاهد {وجعلني مباركاً} قال: نفاعاً للناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن نوف (وبراً بوالدتي) أي ليس لي أب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ولم يجعلني جباراً شقياً} يقول: عصياً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: الجبار الشقي الذي يُقبلُ على الغضب. وأخرج ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب قال: إنك لا تكاد تجد عاقاً، إلا تجده جباراً، ثم قرأ {وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً}. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: فقرات ابن آدم ثلاث: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث، وهي التي ذكر عيسى في قوله: {والسلام عليّ} الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: ما تكلم عيسى بعد الآيات التي تكلم بها حتى بلغ مبلغ الصبيان. وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، أن الله أطلق لسان عيسى مرة أخرى في صباه، فتكلم ثلاث مرات، حتى بلغ ما يبلغ الصبيان يتكلمون، فتكلم محمداً بتحميد لم تسمع الآذان بمثله، حيث أنطقه طفلاً، فقال: اللهم أنت القريب في علوك، المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، أنت الذي نفذ بصرك في خلقك، وحارت الأبصار دون النظر إليك، أنت الذي أشرقت بضوء نورك دجى الظلام، وتلألأت بعظمتك أركان العرش نوراً، فلم يبلغ أحد بصفته صفتك، فتباركت اللهم خالق الخلق بعزتك، مقدر الأمور بحكمتك مبتدئ الخلق بعظمتك ثم أمسك الله لسانه حتى بلغ.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئنافٌ مبنيّ على سؤال نشأ من سياق النظمِ الكريم، كأنه قيل: فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال عيسى عليه السلام: {إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ} أنطقه الله عز وجل بذلك آثرَ ذي أثيرٍ تحقيقاً للحق وردًّا على من يزعُم ربوبـيته، قيل: كان المستنطِقُ لعيسى زكريا عليهما الصلاة والسلام، وعن السدي رضي الله عنه: لما أشارت إليه غضِبوا وقالوا: لَسُخرَيتُها بنا أشدُّ علينا مما فعلت، وروي أنه عليه السلام كان يرضَع فلما سمع ذلك ترك الرَّضاعَ وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار إليهم بسبابته فقال ما قال الخ، وقيل: كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبـيان {ٱلْكِتَـٰبَ} أي الإنجيلَ {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً} {وَجَعَلَنِى} مع ذلك {مُبَارَكاً} نفّاعاً معلِّماً للخير، والتعبـيرُ بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتومِ أو بجعل ما في شرف الوقوعِ لا محالة واقعاً، وقيل: أكمله الله عقلاً واستنبأه طفلاً {أَيْنَمَا كُنتُ} أي حيثما كنت {وَاَوْصَـٰنِى بِـٱلصَّلَـوٰةِ} أي أمرني بها أمراً مؤكداً {وَٱلزَّكَوٰةِ} زكاةِ المال إن ملكتُه أو بتطهير النفسِ عن الرذائل {مَا دُمْتُ حَيّاً} في الدنيا. {وَبَرّاً بِوَالِدَتِى} عطفٌ على مباركاً أي جعلني بارًّا بها، وقرىء بالكسر على أنه مصدرٌ وصف به مبالغةً، أو منصوبٌ بمضمر دل عليه أوصاني، أي وكلفني بَرًّا، ويؤيده القراءةُ بالكسر والجر عطفاً على الصلاة والزكاة والتنكيرُ للتفخيم {وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً} عنيداً لله تعالى لفَرْط تكبّره. {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} كما هو على يحيـى، على أن التعريفَ للعهد والأظهرُ أنه للجنس والتعريضِ باللعن على أعدائه، فإن إثباتَ جنسِ السلام لنفسه تعريضٌ بإثبات ضدِّه لأضداده كما في قوله تعالى: { أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [طه: 47] فإنه تعريضٌ بأن العذابَ على من كذّب وتولى. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى من فُصّلت نعوتُه الجليلةُ، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على علو مرتبتِه وبُعد منزلتِه وامتيازِه بتلك المناقبِ الحميدةِ عن غيره ونزولِه منزلةَ المشاهَد المحسوس {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيبٌ لهم ـ فيما يزعُمونه ـ على الوجه الأبلغِ والمنهاج البرهانيِّ حيث جعله موصوفاً بأضداد ما يصفونه {قَوْلَ ٱلْحَقّ} بالنصب على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لقال: إني عبد الله الخ، وقوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هو قولُ الحق الذي لا ريب فيه، والإضافةُ للبـيان والضميرُ للكلام السابق لتمام القصة، وقيل: صفةُ عيسى أو بدلُه أو خبرٌ ثانٍ ومعناه كلمةُ الله، وقرىء قالَ الحقِّ وقول الحق فإن القولَ والقال في معنى واحد {ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي يشكون أو يتنازعون، فيقول اليهودُ: ساحرٌ، والنصارى: ابنُ الله، وقرىء بتاء الخطاب.
السلمي
تفسير : لست بعبد هوىً، ولا عبد طمع، ولا عبد شهوةٍ، {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} [الآية: 30]. خصنى بخصائص الأسرار، {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} مخبرًا عنه خبر الصدق. قال ابن عطاء: لما علم الله فى عيسى ما علم من أن يُتكلم فيه بأنواع الكفر أنطقه أول ما أنطقه بقوله: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} ليكون ذلك حجة على من يدعى إذ قد شهد هو بالعبودية لله تعالى بالعبودية. وقيل فى قوله: {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} أى سيأتى الكتاب ويجعلنى نبيًا.
القشيري
تفسير : لما قالوا ذلك أنطق اللَّهُ عيسى حتى قال: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}، فظهرت براءةُ ساحتها بكلام عيسى قبل أن يتكلم مثلُه. وجرى على لسانه حتى قال: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}؛ ليُقَال للنصارى إِنْ صَدَقَ عيسى أنه عبدُ الله بطل قولُكم إِنه ثالث ثلاثة، وإِن كذب فالذي يكذب لا يكون ابناً لله، وإنما يكون عبداً لله، وإذا لم يكن عَبْدَ هواه، ولا في أسْْرِ شيءِ سواه فَمَنْ تحرر مِنْ غيره فهو في الحقيقة عَبْدُه. {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} أي سيؤتيني الكتاب أو آتاني في سابق حكمه. {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} بفضله. وفي الآية ردٌّ على من يقول إن النبوة تُسْتَحقُّ بكثرة الطاعة لأنه قال ذلك في حال ولادته؛ لم تَكُنْ منه بَعْدُ عبادةٌ وأخبر أن الله جعله نبياً.
البقلي
تفسير : {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} هذا محض معجزته لانه نطق بالحق وتغرس بنور النبوة ان قومه جاؤوا بالاشارة اليه بالالوهية فنفى العلة من البين حتى لا يكون لهم شبهة بانه عبد من عبيده وامين من امنائه وان كان عليه كسوة انوار الربوبية انظر كيف حركته في المعرفة حتى اجترى بعبودية القدم الازلى الذى لا يقوم بعبوديته الاكوان والحدثان باسرها فى مقام واحد ولو تلقى ذرة من حقوق العبودية على جمعيهم لذابوا في نحت اثقالها وقوله أتاني الكتاب اى انا من اهل سماع كلامه القديم ولقائه الكريم اخبر الخلق والخليقة من الحقيقة وجعلنى نبيا صديقا مخبرا عن وصاله مباركا اينما كنت صلى لباس بركة ----- اى حيث كنت واكون في الارض والسّماء مباركا وبركتى تصل الى المؤمنين بانى قرة عيونهم من تلك البركة أذهب عنهم البلاء وبها احيى الموتى واوصانى بالصلاة والزكاة بظاهر العبودية والخدمة التي فيها لطائف المناجاة وفتح ابواب المشاهدات وزكاتى بذل وجودى له وهذه العبودية المباركة واجبة صلّى وعلى من اتبعنى وان بلغنا الى منازل الاتصاف والانصاف والاتحاد وفيه اشارة انه وان كان في الحضرة يخدم صانعه ويتواضع لخالقه لان عبوديته افخر الفاخر له وقال تعالى لن يستنكف المسبحان يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون وقال الجنيد في قوله انى عبد الله ليس بعبد هوى ولا عبد طمع ولا عبد شهوة اتانى الكتاب يخصنى بخصائص الاسرار وجعلنى نبيّا مخبرا عنه خبر صدق وقال ابن عطا لما علم الله في عيسى ما علم من ان يتكلم فيه من انواع الكفر انطقه اول ما انطقه بقوله في عبد الله ليكون ذلك جحد على من يدعى فيه ما يدعى اذ قد شهد هو الله بالعبودية وقال ايضا في قوله مباركا اينما كنت انفاعا للناس كافى الاذى قال الواسطى جعلنى مباركا عارفا بالله داعيا اليه وقال الجنيد مباركا على من صحبنى وتبعنى ان ادله على الاعراض عن الدنيا والاقبال على الاخرة وقال ابن عطا في قوله واوصانى بالصلاة والزكاة امرنى بمواصلته وطهارة السر عما دونه ما دمت حيا بحيوته.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف بيانى كأنه قيل فماذا كان بعد ذلك فقيل قال عيسى بلسان فصيح {انى عبد الله} اقر على نفسه بالعبودية اول ما تكلم ردا على من يزعم ربوبيته من النصارى وازالة للتهمة عن الله مع افادة ازالة تهمة الزنى عن امه لانه تعالى لا يخص الفاجرة بولد مثله. قال الجنيد ليست بعبد سوء ولا عبد طمع ولا عبد شهوة وفيه اشارة الى ان افضل اسماء البشرية العبودية. يقول الفقير سمعت من فم حضرة شيخى وسندى روح الله روحه انه قال عبد الله فوق عبد الرحمن وهو فوق عبد الرحيم وهو فوق عبد الكريم ولذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وكذا عبد الحى وعبد الحق اعلى الاسماء وامثلها لان بعض الاسماء الالهية يدل على الذات وبعضها على الصفات وبعضها على الافعال والاولى ارفع من الثانية وهى من الثالثة. قيل كان المستنطق لعيسى زكريا وقد اكرم الله تعالى اربعة من الصبيان باربعة اشياء يوسف بالوحى فى الجب وعيسى بالنطق فى المهد وسليمان بالفهم ويحيى بالحكمة فى الصباوة. واما الفضيلة العظمى والآية الكبرى ان الله تعالى اكرم سيد المرسلين عليه وعليهم السلام فى الصباوة بالسجدة عند الولادة بانه رسول الله وشرح الصدر وختم النبوة وخدمة الملائكة والحور عند ولادته واكرم بالنبوة فى عالم الارواح قبل الولادة والصباوة وكفى بذلك اختصاصا وتفضيلا شعر : شمسه نه مسند وهفت اختران ختم رسل خواجه بيغمبران تفسير : {آتانى الكتاب} الانجيل {وجعلنى نبيا وجعلنى} مع ذلك {مباركا} نفاعا معلما للخير اخبر عما يكون لا محالة بصيغة الماضى والجمهور على ان عيسى آتاه الله الانجيل والنبوة فى الطفولية وكان يعقل عقل الرجال كما فى بحر العلوم. يقول الفقير المشهور انه اوحى الله اليه بعد الثلاثين فتكون رسالته متأخرة عن نبوته {اينما كنت} حيثما كنت فانه لا يتقيد باين دون اين {واوصانى بالصلاة} اى امرنى بها امرا مؤكدا {والزكاة} اى زكاة المال ملكية. يقول الفقير الظاهر ان ايصاءه بها لا يستلزم غناه بل هى بالنسبة الى اغنياء امته وعموم الخطابات الالهية منسوب الى الانبياء تهييجا للامة على الائتمار والانتهاء {ما دمت حيا} فى الدنيا. قال فى بحر العلوم فيه دلالة بينة على ان العبد ما دام حيا لا يسقط عنه التكاليف والعبادات الظاهرة فالقول بسقوطها كما نقل عن بعض الاباحيين كفر وضلال. وفى التأويلات النجمية فيه اشارة الى انه ما دام العبد حيا لا بد من مراقبة السر واقامة العبودية وتزكية النفس. يقول الفقير اقامة التكاليف عبودية وهى اما للتزكية كالمبتدئين واما للشكر كالمنتهين وكلا الامرين لا يسقط ما دام العبد حيا بالغا فاذا تغير حاله بالجنون ونحوه فقد عذر.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} عيسى (ع) {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} اقرّ لنفسه بالعبوديّة اوّلاً لئلاّ يتموهّموا ما يتوهموا لكونه بلا ابٍ وتكلّمه حين الولادة من انّه ابن الله او انّه هو الله، او انّه ثالث ثلاثةٍ {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} اتى بالماضى لتحقّق وقوعه، او لتحقّق استعداده، والمراد بالكتاب الانجيل او كتاب النّبوّة {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} كثير الخير نفّاعاً او نامياً فى الخير {أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} قرئ برّاً بفتح الباء وصفاً بمعنى كثير البرّ وحينئذٍ يكون عطفاً على مباركاً ويلزم منه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، او عطفاً على اوصانى بتقدير جعلنى، وقرئ برّاً بكسر الباء مصدراً فيكون عطفاً على الصّلوة {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} متجبّراً متكبّراً {شَقِيّاً وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تغيير السّلام مع قوله تعالى سلامٌ عليه بالتّعريف والتّنكير وبنسبة الاوّل الى الله والثّانى الى عيسى (ع) نفسه يعلم وجهه من تفاوت مقام عيسى (ع) ويحيى (ع).
اطفيش
تفسير : {قَالَ} بعد ما أمره زكريا أو بعد إشارتها أو لسماع مناظرتم وبعد الإشارة وكان يرضع بترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه متكئا على يساره وأشار بسبابته وذكر ما قال الله عنه قبل ولم يتكلم حتى بلغ وقتا يتكلم فيه الصبى. {إِنِّى} وفتح الياء حمزة. {عَبْدُ اللهِ} أنطقه الله أولا بهذا لأنه أول المقامات العبودية وردًّا لما يقول النصارى: إنهُ إلهُ. وذكر بعد ذلك ما يدل على براءتها ويزيل الحزن عنها فإن ولد الزنى لا يؤتيه الله الكتاب فى صغره حيث لم يعهد ولا يجعلهُ نبيا. وذكر بعد ذلك أنهُ ما كان الله أن يتخذ من ولد. وقيل: لم يؤت الله عيسى الكتاب فى صغره. {آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعلَنِى نَبِيّاً} عبر بالماضى لتحقق الوقوع أى سيؤتينى الكتاب وسيبعثنى نبيا كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: حديث : كنت نبيا وآدم بين الروح والجسدتفسير : . أو المراد أنهُ قضى فى الأول بإيتاء الكتاب والجعل نبيا والكتاب: الإنجيل. قيل: والتوراة. وقيل: علّمه الله الكتاب وهو طفل فى المهد وعليه الأكثر. وقال الحسن: فى البطن وكذلك أكمل الله عقله فى طفولته ونبّأه.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من سياق النظم الكريم كأنه قيل فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال عيسى عليه السلام {إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ } روي أنه عليه السلام كان يرضع فلما سمع ما قالوا ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته فقال ما قال، وقيل إن زكريا عليه السلام أقبل عليه يستنطقه فقال ذلك وذكر عبوديته لله تعالى أولاً لأن الاعتراف بذلك على ما قيل أول مقامات السالكين. وفيه رد على من يزعم ربوبيته، وفي جميع ما قال تنبيه على براءة أمه لدلالته على الاصطفاء والله سبحانه أجل من أن يصطفي ولد الزنا وذلك من المسلمات عندهم، وفيه من إجلال أمه عليهما السلام ما ليس في التصريح، وقيل لأنه تعالى لا يخص بولد موصوف بما ذكر إلا مبرأة مصطفاة. واختلف في أنه بعد أن تكلم بما ذكر هل بقي يتكلم كعادة الرجال أو لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان وعده عليه السلام في عداد الذين تكلموا في المهد ثم لم يتكلموا إلى وقت العادة ظاهر في الثاني {آتانى ٱلْكِتَـٰبَ} الظاهر أنه الإنجيل، وقيل التوراة. وقيل مجموعهما {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً }.
ابن عاشور
تفسير : كلام عيسى هذا مما أهملته أناجيل النصارى لأنهم طووا خبر وصولها إلى أهلها بعد وضعها، وهو طيّ يتعجب منه. ويدل على أنها كتبت في أحوال غير مضبوطة، فأطلع الله تعالى عليه نبيئه - صلى الله عليه وسلم -. والابتداء بوصف العبودية لله ألقاه الله على لسان عيسى لأن الله علم بأن قوماً سيقولون: إنه ابن الله. والتعبير عن إيتاء الكتاب بفعل المضي مراد به أن الله قدّر إيتاءه إياه، أي قدّر أن يوتيني الكتاب. والكتاب: الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير. فإطلاق الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن. والمراد بالكتاب الإنجيل وهو ما كتب من الوحي الذي خاطب الله به عيسى. ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فيكون الإيتاء إيتاءَ علم ما في التوراة كقوله تعالى: {أية : يا يحيى خذ الكتاب بقوة}تفسير : [مريم: 12] فيكون قوله {وجعلني نبياً} ارتقاء في المراتب التي آتاه الله إياها. والقول في التعبير عنه بالماضي كالقول في قوله و {ءاتانِي الكِتَابَ}. والمبارَك: الذي تُقارن البركةُ أحوالَه في أعماله ومحاورته ونحو ذلك، لأن المبارك اسم مفعول من باركه، إذا جعله ذا بركة، أو من بَارك فيه، إذا جعل البركة معه. والبركة: الخير واليمن. ذلك أن الله أرسله برحمة لبني إسرائيل ليُحلّ لهم بعض الذي حُرم عليهم وليدعوَهم إلى مكارم الأخلاق بعد أن قست قلوبهم وغيروا من دينهم، فهذه أعظم بركة تقارنه. ومن بركته أن جعل الله حُلوله في المكان سبباً لخير أهل تلك البقعة من خصبها واهتداء أهلها وتوفيقهم إلى الخير، ولذلك كان إذا لقيه الجهلة والقُسَاة والمفسدون انقلبوا صالحين وانفتحت قلوبهم للإيمان والحكمة، ولذلك ترى أكثر الحواريين كانوا من عامة الأميين من صيادين وعشّارين فصاروا دُعاة هدى وفاضت ألسنتهم بالحكمة. وبهذا يظهر أن كونه مباركاً أعم من كونه نبيئاً عموماً وجهياً، فلم يكن في قوله {وجعلني نبياً} غُنية عن قوله {وجعلني مُبَاركاً}. والتّعميم الّذي في قوله {أين مَا كُنتُ} تعميم للأمكنة، أي لا تقتصر بركته على كونه في الهيكل بالمقدس أو في مجمع أهل بلده، بل هو حيثما حلّ تحلّ معه البركة. والوصاية: الأمر المؤكد بعمل مستقبل، أي قدّر وصيتي بالصلاة والزكاة، أي أن يأمرني بهما أمراً مؤكداً مستمراً، فاستعمال صيغة المضي في {أوصاني} مثل استعمالها في قوله {ءاتَانِي الكِتَابَ}. والزّكاة: الصدقة. والمراد: أن يصلّي ويزكّي. وهذا أمر خاص به كما أمر نبيئنا - صلى الله عليه وسلم - بقيام الليل، وقرينة الخصوص قوله {مَا دُمْتُ حَيّاً} لدلالته على استغراق مدة حياته بإيقاع الصلاة والصدقة، أي أن يصلي ويتصدّق في أوقات التمكن من ذلك، أي غير أوقات الدعوة أو الضرورات. فالاستغراق المستفاد من قوله {مَا دُمْتُ حَيّاً} استغراقٌ عرفي مراد به الكثرة؛ وليس المراد الصلاة والصدقة المفروضتين على أمته، لأن سياق الكلام في أوصاف تميّز بها عيسى - عليه السلام -، ولأنه لم يأت بشرع صلاة زائدة على ما شرع في التوراة. والبَرّ ــــ بفتح الباء ــــ: اسم بمعنى البار. وتقدم آنفاً. وقد خصه الله تعالى بذلك بين قومه، لأن برّ الوالدين كان ضعيفاً في بني إسرائيل يومئذ، وبخاصة الوالدة لأنها تستضعف، لأن فرط حنانها ومشقتها قد يجرئان الولد على التساهل في البرّ بها. والجبّار: المتكبر الغليظ على الناس في معاملتهم. وقد تقدّم في سورة هود (59) قوله: {أية : واتبعوا أمر كل جبار عنيد}تفسير : . والشقيّ: الخاسر والذي تكون أحواله كدرة له ومؤلمة، وهو ضدّ السعيد. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : فمنهم شقي وسعيد}تفسير : في آخر سورة هود (105). ووصف الجبار بالشقي باعتبار مآله في الآخرة وربما في الدنيا. وقوله {والسَّلامُ عليَّ يَوْم وُلِدتُّ} إلى آخره، تنويه بكرامته عند الله، أجراه على لسانه ليعلموا أنه بمحل العناية من ربّه، والقول فيه تقدّم في آية ذكر يحيى. وجيء بـ{السّلام} هنا معرّفاً باللاّم الدّالة على الجنس مبالغة في تعلّق السلام به حتى كان جنس السلام بأجمعه عليه. وهذا مؤذن بتفضيله على يحيى إذ قيل في شأنه {أية : وسَلام عليه يومُ ولد}تفسير : [مريم: 15]، وذلك هو الفرق بين المعرّف بلام الجنس وبين النكرة. ويجوز جعل اللام للعهد، أي سلام إليه، وهو كناية عن تكريم الله عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى وبالأمر بكرامته. ومن هذا القبيل السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}تفسير : [الأحزاب:56]، وما أمرنا به في التشهد في الصلاة من قول المتشهد: «السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته». ومؤذن أيضاً بتمهيد التّعريض باليهود إذ طعنوا فيه وشتموه في الأحوال الثلاثة، فقالوا: ولد من زنى، وقالوا: مات مصلوباً، وقالوا: يحشر مع الملاحدة والكفرة، لأنهم يزعمون أنه كفر بأحكام من التوراة.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي في مهده أنه عبد الله، وفي ذلك أعظم زجر للنصارى عن دعواهم أنه الله، أو ابنه أو إله معه! وهذه الكلمة التي نطق بها عيسى في أول خطابه لهم ذكرها الله جل وعلا عنه في مواضع أخر. كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}تفسير : [المائدة: 72] وقوله في "آل عمران": {أية : إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}تفسير : [آل عمران: 51]، وقوله في "الزخرف" {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}تفسير : [الزخرف: 63-64]، وقوله هنا في سورة "مريم": {أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}تفسير : [مريم: 36]، وقوله: {أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}تفسير : [المائدة: 117]. الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} التحقيق فيه إن شاء الله: أنه عبر بالماضي عما سيقع في المستقبل تنزيلاً لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. ونظائره في القرآن كثيرة. كقوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}تفسير : [النحل: 1]، وقوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ}تفسير : إلى قوله.{أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ}تفسير : [الزمر: 68-71]. وقوله تعالى: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ}تفسير : [الزمر: 73]. فهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل. تنزيلاً لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل، ونظائرها كثيرة في القرآن. وهذا الذي ذكرنا - من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى: {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} الخ بمعنى المستقبل هو الصواب إن شاء الله. خلافاً لمن زعم أنه نبي وأوتي الكتاب في حال صباه لظاهر اللفظ. وقوله {وجعلني مباركاً} أي كثير البركات. لأنه يعلم الخير ويدعو إلى الله، ويبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية {مباركاً أين ما كنت}: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاعاً حيث كنت. وقال ابن حجر في (الكافي الشاف): أخرجه أبو نعيم (في الحلية) في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة بهذا وأتم. وقال: تفرد به هشيم عن يونس، وعنه شعيب بن محمد الكوفي، ورواه ابن مردويه من هذا الوجه اهـ. وقوله في هذه الآية الكريمة {وبراً بوالدتي} قال الحوفي وأبو البقاء: هو معطوف على قوله {أية : وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً}تفسير : [مريم:31]. وقال أبو حيان (في البحر): وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي "أوصاني" ومتعلقها. والأولى أنه منصوب بفعل مضمر. أي وجعلني براً بوالدتي. ولما قال بوالدتي ولم يقل بوالدي - علم أنه أمر من قبل الله. كما ذكره القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقد قدمنا معنى "الجبار والشقي". وقال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "شقياً" أي خائباً من الخير. ابن عباس: عامَّاً وقيل عاصياً لربه. وقيل: لم يجعلني تاركاً لأمره فأشقى كما شقي إبليس - اهـ كلام القرطبي. تنبيه احتج مالك رحمه الله بهذه الآية على القدرية. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر. أخبر عيسى عليه السلام بما قضى من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت اهـ.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَانِيَ} {ٱلْكِتَابَ} (30) - فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى: إِنَّهُ عَبْدُ اللهِ تَعَالَى، فَنَزَّهَ اللهَ تَعَالَى عَنِ الوَلَدِ، وَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ العُبُودِيَّةَ لِرَبِّهِ. ثُمَّ بَرّأَ أُمَّهُ مِمَّا اتَّهَمَهَا بِهِ قَوْمُها. فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ اللهَ جَعَلَهُ نَبِيّاً وَآتَاهُ كِتَاباً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكأنه قال للقوم: لا تتكلموا أنتم، أنا الذي سأتكلم. ثم بادرهم بالكلام: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ..} [مريم: 30] وهكذا استهلّ عيسى عليه السلام كلامه بإظهار عبوديته لله تعالى، وفي هذا دليل على أنه قد يُقال فيه أنه ليس عبداً، وأنه إله أو شريك للإله. لذلك كانت أول كلمة نطق بها {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ..} [مريم: 30] فالمعجزة التي جاءتْ بي لا تمنع كَوْني عبداً لله؛ لذلك لو سألتَ الذين يعتقدون في عيسى عليه السلام أنه إله أو شريك للإله: إنكم تقولون أنه تكلّم في المهد، فماذا قال؟ فلا يعترفون بقوله أبداً؛ لأن قوله ونُطْقه: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ..} [مريم: 30] ينفي معتقدهم من أساسه. ليس هذا وفقط، بل: {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ..} [مريم: 30] لكن كيف آتاه الله الكتاب وهو ما يزال وليداً في مَهْده؟ قالوا: على اعتبار أنه أمرٌ مفروغ منه، وحادث لا شَكَّ فيه، كأنه يقول: أنا أَهْل لأنْ أتحملَ أمانةَ السماء إلى أهل الأرض. مع أن الكتاب لم يأتِ بعد، إلا أنه مُلقَّن لقَّنه ربه الكتاب بالفعل، وإنْ لم يأت الوقت الذي يُبلِّغ فيه هذا الكتاب. {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} [مريم: 30] فسلوكي سلوك قويم، ولا يمكن أن يكون فيَّ مطعَنٌ بعد ذلك، وإنْ كان هناك مطعن فهو بعيد عني، ولا ذنبَ لي فيه. ثم يقول: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 569 : 21 : 17 - سفين عن سماك عن عكرمة في قوله {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} قال، آتاني من قبل أن يخلقني. [الآية 30]. 570 : 22 : 41 - سفين في قوله {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} قال، قضى أن يؤتيني الكتاب. 571 : 23 : 40 - سفين عن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة قال إبراهيم في قوله {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} قال، كلام الحكم. {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال، كتب لهم. [الآية 30 - 11].
همام الصنعاني
تفسير : 1772- عبد الرزاق، قال: أنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عِكرِمة في قوله تعالى: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} [الآية: 30] قال: قضى أن يؤتيني الكتاب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):