Verse. 2284 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

ذٰلِكَ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ۝۰ۚ قَوْلَ الْحَــقِّ الَّذِيْ فِيْہِ يَمْتَرُوْنَ۝۳۴
Thalika AAeesa ibnu maryama qawla alhaqqi allathee feehi yamtaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك عيسى ابن مريم قولُ الحق» بالرفع خبر مبتدأ مقدر أي: قول ابن مريم وبالنصب بتقدير قلت، والمعنى القول الحق «الذي فيه يمترون» من المرية أي: يشكون وهم النصارى: قالوا إن عيسى ابن الله، كذبوا.

34

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وابن عامر: {قَوْلَ ٱلْحَقّ } بالنصب وعن ابن مسعود: {قَالَ ٱلْحَقّ } و {قَالَ ٱللَّهُ } وعن الحسن: {قَوْلَ ٱلْحَقّ } بضم القاف وكذلك في الأنعام قوله: {ٱلْحَقّ } والقول والقال القول في معنى واحد كالرهب والرهب والرهب، أما ارتفاعه فعلى أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كقولك هو عند الله الحق لا الباطل، والله أعلم. المسألة الثانية: لا شبهة أن المراد بقوله: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } الإشارة إلى ما تقدم وهو قوله: { أية : إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءاتَانِىَ الكتاب } تفسير : [مريم: 30] أي ذلك الموصوف بهذه الصفات هو عيسى ابن مريم وفي قوله: {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } إشارة إلى أنه ولد هذه المرأة وابنها لا أنه ابن الله. فأما قوله {ٱلْحَقّ } ففيه وجوه: أحدها: وهو أن نفس عيسى عليه السلام هو قول الحق وذلك لأن الحق هو اسم الله فلا فرق بين أن نقول عيسى كلمة الله وبين أن نقول عيسى قول الحق. وثانيها: أن يكون المراد: «ذلك عيسى ابن مريم القول الحق» إلا أنك أضفت الموصوف إلى الصفة فهو كقوله: { أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ } تفسير : [الواقعة: 95] وفائدة قولك: القول الحق تأكيد ما ذكرت أولاً من كون عيسى عليه السلام ابناً لمريم. وثالثها: أن يكون {قَوْلَ ٱلْحَقّ } خبراً لمبتدأ محذوف كأنه قيل ذلك عيسى ابن مريم ووصفنا له هو قول الحق فكأنه تعالى وصفه أولاً ثم ذكر أن هذا الموصوف هو عيسى ابن مريم ثم ذكر أن هذا الوصف أجمع هو قول الحق على معنى أنه ثابت لا يجوز أن يبطل كما بطل ما يقع منهم من المرية ويكون في معنى إن هذا لهو الحق اليقين. فأما امتراؤهم في عيسى عليه السلام فالمذاهب التي حكيناها من قول اليهود والنصارى وقد تقدم ذكر ذلك في سورة آل عمران، روي أن عيسى عليه السلام لما رفع حضر أربعة من أكابرهم وعلمائهم فقيل للأول ما تقول في عيسى؟ فقال: هو إله والله إله وأمه إله، فتابعه على ذلك ناس وهم الإسرائيلية، وقيل للرابع ما تقول؟ فقال: هو عبد الله ورسوله وهو المؤمن المسلم، وقال أما تعلمون أن عيسى كان يطعم وينام وأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك؟ فخصمهم. أما قوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } فهو يحتمل أمرين: أحدهما: أن ثبوت الولد له محال فقولنا: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } كقوله ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمة الله تعالى وكماله فقوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } كقولنا: ما كان لله أن يظلم أي لا يليق ذلك بحكمته وكمال إلهيته، واحتج الجبائي بالآية بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأنه تعالى صرح بأنه ليس له هذا الإيجاد أي ليس له هذا الاختيار وأجاب أصحابنا عنه بأنه الكذب محال على الله تعالى فلا جرم قال: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } أما قوله: {سُبْحَـٰنَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال {سُبْحَـٰنَهُ } ثم قال عقيبه: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } كان كالحجة على تنزيهه عن الولد وبيان ذلك أن الذي يجعل ولداً لله، إما أن يكون قديماً أزلياً أو يكون محدثاً فإن كان أزلياً فهو محال لأنه لو كان واجباً لذاته لكان واجب الوجود أكثر من واحد. هذا خلف. وإن كان ممكناً لذاته كان مفتقراً في وجوده إلى الواجب لذاته غنياً لذاته فيكون الممكن محتاجاً لذاته فيكون عبداً له لأنه لا معنى للعبودية إلا ذلك، وأما إن كان الذي يجعل ولداً يكون محدثاً فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ذلك القديم وإيجاده وهو المراد من قوله: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فيكون عبداً له لا ولداً له فثبت أنه يستحيل أن يكون لله ولد. المسألة الثانية: احتج الأصحاب بقوله: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } على قدم كلام الله تعالى قالوا: لأن الآية تدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له: كن فيكون فلو كان قوله كن محدثاً لافتقر حدوثه إلى قول آخر ولزم التسلسل وهو محال، فثبت أن قول الله قديم لا محدث، واحتج المعتزلة بالآية على حدوث كلام الله تعالى من وجوه: أحدها: أنه تعالى أدخل عليه كلمة إذا وهذه الكلمة دالة على الاستقبال فوجب أن لا يحصل القول إلا في الاستقبال. وثانيها: أن حرف الفاء للتعقيب والفاء في قوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ } يدل على تأخر ذلك القول عن ذلك القضاء والمتأخر عن غيره محدث. وثالثها: الفاء في قوله: {فَيَكُونُ } يدل على حصول ذلك الشيء عقيب ذلك القول من غير فصل فيكون قول الله متقدماً على حدوث الحادث تقدماً بلا فصل والمتقدم على المحدث تقدماً بلا فصل يكون محدثاً، فقول الله محدث. واعلم أن استدلال الفريقين ضعيف، أما استدلال الأصحاب فلأنه يقتضي أن يكون قوله: {كُنَّ } قديماً وذلك باطل بالاتفاق، وأما استدلال المعتزلة فلأنه يقتضي أن يكون قول الله تعالى هو المركب من الحروف والأصوات وهو محدث وذلك لا نزاع فيه إنما المدعي قدم شيء آخر. المسألة الثالثة: من الناس من أجرى الآية على ظاهرها فزعم أنه تعالى إذا أحدث شيئاً قال له كن وهذا ضعيف لأنه، إما أن يقول له كن قبل حدوثه أو حال حدوثه. فإن كان الأول كان ذلك خطاباً مع المعدوم وهو عبث وإن كان الثاني فهو حال حدوثه قد وجد بالقدرة والإرادة فأي تأثير لقوله كن فيه، ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: {كُنَّ } هو الخليق والتكوين وذلك لأن القدرة على الشيء غير وتكوين الشيء غير فإن الله سبحانه قادر في الأزل وغير مكون في الأزل، ولأنه الآن قادر على عوالم سوى هذا العالم وغير مكون لها، والقادرية غير المكونية والتكوين ليس هو نفس المكون لأنا نقول المكون إنما حدث لأن الله تعالى كونه فأوجده، فلو كان التكوين نفس المكون لكان قولنا المكون إنما وجد بتكوين الله تعالى نازلاً منزلة قولنا المكون إنما وجد بنفسه وذلك محال، فثبت أن التكوين غير المكون فقوله: {كُنَّ } إشارة إلى الصفة المسماة بالتكوين، وقال آخرون قوله: {كُنَّ } عبارة عن نفاذ قدرة الله تعالى ومشيئته في الممكنات. فإن وقوعها بتلك القدرة والإرادة من غير امتناع واندفاع يجري مجرى العبد المطيع المسخر المنقاد لأوامر مولاه، فعبر الله تعالى عن ذلك المعنى بهذه العبارة على سبيل الاستعارة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} أي ذلك الذي ذكرناه عيسى ابن مريم فكذلك اعتقدوه، لا كما تقول اليهود إنه لغير رشدة، وأنه ابن يوسف النجار، ولا كما قالت النصارى: إنه الإلٰه أو ابن الإلٰه. {قَوْلُ ٱلْحَقِّ} قال الكسائي: «قَوْلُ الْحَقِّ» نعت لعيسى؛ أي ذلك عيسى ابن مريم (قَوْلُ الحَقِّ). وسمي قول الحق كما سمي كلمة الله؛ والحق هو الله عز وجل. وقال أبو حاتم: المعنى هو قول الحق. وقيل: التقدير هذا الكلام قول الحق. قال ابن عباس: يريد هذا كلام عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم قول الحق ليس بباطل؛ وأضيف القول إلى الحق كما قال: {أية : وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} تفسير : [الأحقاف: 16] أي الوعد الصدق. وقال: {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} تفسير : [يوسف: 109] أي ولا الدار الآخرة. وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر «قَوْلَ الْحَقِّ» بالنصب على الحال؛ أي أقول قولاً حقاً. والعامل معنى الإشارة في «ذلك». الزجاج: هو مصدر أي أقول قول الحق؛ لأن ما قبله يدل عليه. وقيل: مدح. وقيل: إغراء. وقرأ عبد الله «قَالُ الحقِّ». وقرأ الحسن «قُولُ الحقِّ» بضم القاف، وكذلك في «الأنعام» «قَوْلُهُ الْحَقُّ». والقَوْلُ والقَالُ والقُولُ بمعنى واحد، كالرَّهْب والرَّهَب والرُّهْبِ. {ٱلَّذِي} من نعت عيسى. {فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي يشكون؛ أي ذلك عيسى ابن مريم الذي فيه يمترون القول الحق. وقيل: «يمترون» يختلفون. ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع؛ فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية. فقالت الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، قال: هو ابن الله وهم النّسطورية، فقال الاثنان كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة، الله إلٰه وهو إلٰه، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى. قال الرابع: كذبت بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع ـ على ما قال ـ فاقتتلوا فظُهِر على المسلمين، فذلك قول الله تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 21]. وقال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً فهذا معنى قوله: «الذي فيه تمترون» بالتاء المعجمة من فوق وهي قراءة أبي عبد الرحمن السُّلَمي وغيره. قال ابن عباس: فمر بمريم ابن عمها ومعها ابنها إلى مصر فكانوا فيها اثنتي عشرة سنة حتى مات الملك الذي كانوا يخافونه؛ ذكره الماوردي. قلت: ووقع في تاريخ مصر فيما رأيت وجاء في الإنجيل؛ الظاهر أن السيد المسيح لما ولد في بيت لحم كان هيرودس في ذلك الوقت ملكاً، وأن الله تعالى أوحى إلى يوسف النجار في الحلم وقال له: قم فخذ الصبي وأمه واذهب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك، فإن هيرودس مزمع أن يطلب عيسى ليهلكه، فقام من نومه: وامتثل أمر ربه، وأخذ السيد المسيح ومريم أمه وجاء إلى مصر، وفي حال مجيئه إلى مصر نزل ببئر البَلَسان التي بظاهر القاهرة، وغسلت ثيابه على ذلك البئر، فالبَلَسان لا يطلع ولا ينبت إلا في تلك الأرض، ومنه يخرج الدهن الذي يخالط الزيت الذي تعمّد به النصارى، ولذلك كانت قارورة واحدة في أيام المصريين لها مقدار عظيم، وتقع في نفوس ملوك النصارى مثل ملك القسطنطينية وملك صقلية وملك الحبشة وملك النوبة وملك الفرنجة وغيرهم من الملوك عندما يهاديهم به ملوك مصر موقعاً جليلاً جداً، وتكون أحبّ إليهم من كل هدية لها قدر. وفي تلك السّفْرة وصل السيد المسيح إلى مدينة الأشمونين وقسقام المعروفة الآن بالمحرقة، فلذلك يعظمها النصارى إلى الآن، ويحضرون إليها في عيد الفصح من كل مكان؛ لأنها نهاية ما وصل إليها من أرض مصر، ومنها عاد إلى الشام. والله أعلم. قوله تعالى: {مَا كَانَ للَّهِ} أي ما ينبغي له ولا يجوز {أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} «من» صلة للكلام؛ أي أن يتخذ ولداً. و«أن» في موضع رفع اسم «كان» أي ما كان لله أن يتخذ ولداً؛ أي ما كان من صفته اتخاذ الولد، ثم نزه نفسه تعالى عن مقالتهم فقال: {سُبْحَانَهُ} أن يكون له ولد. {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تقدم في «البقرة» مستوفى. {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} قرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو بفتح «أن» وأهل الكوفة «وإن» بكسر الهمزة على أنه مستأنف. تدل عليه قراءة أبيّ «كُنْ فَيَكُونُ. إنَّ الله» بغير واو على العطف على «قَالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ». وفي الفتح أقوال: فمذهب الخليل وسيبويه أن المعنى؛ ولأن الله ربي وربكم، وكذا «وأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ» فـ«ـأن» في موضع نصب عندهما. وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض على حذف اللام، وأجاز أن يكون أيضاً في موضع خفض بمعنى؛ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبأن الله ربي وربكم. وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى؛ والأمر أن الله ربي وربكم. وفيها قول خامس: حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله، وهو أن يكون المعنى: وقضى أن الله ربي وربكم؛ فهي معطوفة على قوله: «أمراً» من قوله: «إِذَا قَضَى أَمْراً» والمعنى إذا قضى أمراً وقضى أن الله. ولا يبتدأ بـ«ـأن» على هذا التقدير، ولا على التقدير الثالث. ويجوز الابتداء بها على الأوجه الباقية. {فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي دين قويم لا اعوجاج فيه. قوله تعالى: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} «من» زائدة؛ أي اختلف الأحزاب بينهم. وقال قتادة: أي ما بينهم. فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى عليه السلام فاليهود بالقدح والسحر. والنصارى قالت النسطورية منهم: هو ابن الله. والملكانية ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله؛ فأفرطت النصارى وغلت، وفرطت اليهود وقصرت. وقد تقدّم هذا في «النساء». وقال ابن عباس: المراد بالأحزاب الذين تحزبوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم وكذبوه من المشركين. {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي من شهود يوم القيامة، والمشهد بمعنى المصدر، والشهود الحضور. ويجوز أن يكون الحضور لهم، ويضاف إلى الظرف لوقوعه فيه، كما يقال: ويل لفلان من قتال يوم كذا؛ أي من حضوره ذلك اليوم. وقيل: المشهد بمعنى الموضع الذي يشهده الخلائق، كالمحشر للموضع الذي يحشر إليه الخلق. وقيل: فويل للذين كفروا من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور، فأجمعوا على الكفر بالله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة. قوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب؛ فتقول: أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ما أسمعه وأبصره. قال: فمعناه أنه عَجَّب نبيه منهم. قال الكلبي: لا أحد أسمع منهم يوم القيامة ولا أبصر، حين يقول الله تبارك وتعالى لعيسى: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116]. وقيل: «أسمع» بمعنى الطاعة؛ أي ما أطوعهم لله في ذلك اليوم. {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ} يعني في الدنيا. {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وأيّ ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته الأرحام، وأكل وشرب، وأحدث واحتاج أنه إلٰه؟! ومن هذا وصفه فهو أصم أعمى ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك؛ قال معناه قتادة وغيره. قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من أحد يدخل النار إلا وله بيت في الجنة فيتحسر عليه. وقيل: تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله. {إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي فُرِغ من الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أَمْلَح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت ـ قال ـ ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت ـ قال ـ فيؤمر به فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ـ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}» تفسير : خرجه البخاري بمعناه عن ابن عمر، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، والترمذي عن أبي سعيد يرفعه وقال فيه حديث حسن صحيح. وقد ذكرنا ذلك في كتاب «التذكرة» وبينا هناك أن الكفار مخلّدون بهذه الأحاديث والآي رداً على من قال: إن صفة الغضب تنقطع، وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة كفرعون وهامان وقارون وأشباههم يدخلون الجنة. قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} أي نميت سكانها فنرثها. {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} يوم القيامة فنجازي كلاًّ بعمله، وقد تقدّم هذا في «الحجر» وغيرها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ذلك الذي قصصناه عليك من خبر عيسى عليه السلام {قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به، ولهذا قرأ الأكثرون: قولُ الحق، برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر: (قولَ الحق) وعن ابن مسعود أنه قرأ: (ذلك عيسى بن مريم، قال الحق) والرفع أظهر إعراباً، ويشهد له قوله تعالى: {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [آل عمران: 60] ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبداً نبياً، نزّه نفسه المقدسة فقال: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَـٰنَهُ} أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علواً كبيراً {إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} أي: إذا أراد شيئاً، فإنما يأمر به، فيصير كما يشاء، كما قال: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [آل عمران: 59 - 60]. وقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم، وأمرهم بعبادته، فقال: {فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم من اتبعه، رشد وهدي، ومن خالفه، ضل وغوى. وقوله: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} أي: اختلف قول أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة منهم، وهم جمهور اليهود - عليهم لعائن الله - على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: بل هو ابن الله. وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله، وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه، قال: هو ابن الله، وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله. قال الرابع: كذبت، بل هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فَظُهِرَ على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 21] قال قتادة: وهم الذين قال الله: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} قال: اختلفوا فيه، فصاروا أحزاباً. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعن عروة بن الزبير وعن بعض أهل العلم قريباً من ذلك، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفاً، فاختلفوا في عيسى بن مريم عليه السلام اختلافاً متبايناً جداً، فقالت كل شرذمة فيه قولاً، فمائة تقول فيه شيئاً، وسبعون تقول فيه قولاً آخر، وخمسون تقول شيئاً آخر، ومائة وستون تقول شيئاً، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلثمائة، وثمانية منهم اتفقوا على قول، وصمموا عليه، فمال إليهم الملك، وكان فيلسوفاً، فقدمهم ونصرهم، وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعاً كثيرة، وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها، بلاد الشام والجزيرة والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي يزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء. وقوله: {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى وزعم أن له ولداً، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة، وأجلهم حلماً وثقة بقدرته عليهم، فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في "الصحيحين": «حديث : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102]. وفي "الصحيحين" أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم» تفسير : وقد قال الله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الحج: 48] وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ} تفسير : [إبراهيم: 42] ولهذا قال ههنا: {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: يوم القيامة. وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ } بالرفع خبر مبتدأ مقدّر أي: قول ابن مريم. وبالنصب بتقدير قلت، والمعنى: القول الحق {ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ } من المرية أي: يشكون وهم النصارى، قالوا: إن عيسى ابن الله كذبوا.

الشوكاني

تفسير : الإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى المتصف بالأوصاف السابقة. قال الزجاج: ذلك الذي قال إني عبد الله عيسى ابن مريم، لا ما تقوله النصارى من أنه ابن الله وأنه إلٰه. وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: {قَوْلَ ٱلْحَقّ } بالنصب. وقرأ الباقون بالرفع. فوجه القراءة الأولى أنه منتصب على المدح، أو على أنه مصدر مؤكد لقال: إني عبد الله، قاله الزجاج. ووجه القراءة الثانية أنه نعت لعيسى أي ذلك عيسى ابن مريم قول الحقّ، قاله الكسائي. وسمي قول الحق كما سمي كلمة الله، والحق هو الله عزّ وجلّ. وقال أبو حاتم: المعنى: هو قول الحق. وقيل التقدير: هذا لكلام قول الحق. وهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة مثل حق اليقين. وقيل: الإضافة للبيان. وقرىء "قال الحق" وروي ذلك عن ابن مسعود، وقرأ الحسن: "قول الحق" بضم القاف، والقول والقول والقال والمقال بمعنى واحد، و {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } صفة لعيسى أي: ذلك عيسى ابن مريم الذي فيه يمترون قول الحق، ومعنى {يمترون}: يختلفون، على أنه من المماراة، أو يشكوا على أنه من المرية. وقد وقع الاختلاف في عيسى؛ فقالت اليهود: هو ساحر، وقالت النصارى: هو ابن الله. {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } أي ما صحّ ولا استقام ذلك، فـ"أن" في محل رفع على أنها اسم كان. قال الزجاج: "من" في {من ولد} مؤكدة تدلّ على نفي الواحد والجماعة؛ ثم نزّه سبحانه نفسه فقال: {سُبْحَـٰنَهُ } أي: تنزّه وتقدّس عن مقالتهم هذه، ثم صرح سبحانه بما هو شأنه تعالى سلطانه فقال: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } أي: إذا قضى أمراً من الأمور فيكون حينئذٍ بلا تأخير. وقد سبق الكلام على هذا مستوفى في البقرة، وفي إيراده في هذا الموضع تبكيت عظيم للنصارى، أي من كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } قرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو بفتح "أن". وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة بكسرها، وهو من تمام كلام عيسى، وقرأ أبيّ: "إن الله" بغير واو، قال الخليل وسيبويه: في توجيه قراءة النصب بأن المعنى: ولأن الله ربي وربكم، وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض عطفاً على الصلاة، وجوز أبو عمرو بن العلاء عطفه على {أمراً}. {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي هذا الذي ذكرته لكم من أنه ربي وربكم، هو الطريق القيم الذي لا اعوجاج فيه ولا يضلّ سالكه. {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ}. "من" زائد للتوكيد، والأحزاب: اليهود والنصارى، أي فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى، فاليهود قالوا إنه ساحر، كما تقدّم، وقالوا: إنه ابن يوسف النجار، والنصارى اختلفت فرقهم فيه، فقالت النسطورية منهم: هو ابن الله. وقالت الملكانية: هو ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله تعالى، فأفرطت النصارى وغلت، وفرّطت اليهود وقصرت {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهم المختلفون في أمره {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي من شهود يوم القيامة وما يجري فيه من الحساب والعقاب، أو من مكان الشهود فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم. وقيل: المعنى: فويل لهم من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور. {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب، فيقولون: أسمع تريد وأبصر به، أي ما أسمعه وأبصره، فعجب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم منهم {يَوْمَ يَأْتُونَنَا } أي للحساب والجزاء {لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ } أي: في الدنيا {فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي واضح ظاهر، ولكنهم أغفلوا التفكر، والاعتبار والنظر في الآثار. {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ } أي يوم يتحسرون جميعاً، فالمسيء يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير {إِذْ قُضِيَ ٱلأمْرُ } أي فرغ من الحساب وطويت الصحف، وصار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وجملة: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ } في محل نصب على الحال أي غافلين عما يعمل بهم، وكذلك جملة {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } في محل نصب على الحال {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلاْرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } أي نميت سكانها فلا يبقى بها أحد يرث الأموات، فكأنه سبحانه ورث الأرض ومن عليها حيث أماتهم جميعاً {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } أي يردّون إلينا يوم القيامة فنجازي كلا بعمله، وقد تقدّم مثل هذا في سورة الحجر. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {قَوْلَ ٱلْحَقّ } قال: الله الحقّ عزّ وجلّ. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عنه في قوله: {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } قال: اجتمع بنو إسرائيل وأخرجوا منهم أربعة نفر من كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض وأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية؛ فقالت الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، فقال: هو ابن الله، وهم النسطورية؛ فقال اثنان كذبت؛ ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة، الله إلٰه، وعيسى إلٰه، وأمه إلٰه، وهم الإسرائيلية، وهم ملوك النصارى؛ فقال الرابع: كذبت، هو عبد الله ورسوله وروحه من كلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال فاقتتلوا، فظهروا على المسلمين، فذلك قول الله سبحانه: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 21]. قال قتادة: وهم الذين قال الله: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ } قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً، فاختصم القوم، فقال المرء المسلم: أنشدكم بالله هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام وأن الله لا يطعم؟ قالوا: اللّهم نعم، قال: فهل تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ينام؟ قالوا: اللّهم نعم، فخصمهم المسلمون فاقتتل القوم، فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذٍ وأصيب المسلمون، فأنزل الله: {فَوْيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ }. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } يقول الكفار يومئذٍ: أسمع شيء وأبصره، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {يَوْمَ يَأْتُونَنَا } قال: ذلك يوم القيامة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادى يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"تفسير : ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ } الآية، وأشار بيده وقال: "حديث : أهل الدنيا في غفلة"تفسير : . وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: يوم الحسرة: هو من أسماء يوم القيامة، وقرأ {أية : أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ }تفسير : [الزمر: 56] وعلى هذا ضعيف، والآية التي استدل بها ابن عباس لا تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الحق هو الله تعالى. الثاني: عيسى وسماه حقاً لأنه جاء بالحق. الثالث: هو القول الذي قاله عيسى من قبل. {الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: يشكّون، قاله الكلبي. الثاني: يختلفون لأنهم اختلفوا في الله وفي عيسى، فقال قوم هو الله، وقال آخرون هو ابن الله، وقال آخرون هو ثالث ثلاثة. وهذه الأقاويل الثلاثة للنصارى. وقال المسلمون: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم. ونسبته اليهود إلى غير رشدة فهذا معنى قوله: {الَّذِي فِيهِ تَفْتَرُونَ} بالفاء معجمة من فوق. قال ابن عباس ففرّ بمريم ابن عمها معها ابنها إلى مصر فكانواْ فيها اثنتي عشرة سنة حتى مات الملك الذي كانوا يخافونه.

ابن عطية

تفسير : المعنى قل يا محمد لمعاصريك من اليهود والنصارى {ذلك} الذي منه قصة {عيسى بن مريم} وإنما قدرنا في الكلام قل يا محمد لأنه يجيء في الآية بعد، "وأن الله ربي وربكم" هذه مقالة بشر وليس يقتضي ظاهر الآية قائلاً من البشر سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وقد يتحمل أن يكون قوله {ذلك عيسى} الى قوله {فيكون} إخباراً لمحمد إعتراضاً أثناء كلام عيسى، ويكون قوله "وأن" بفتح الألف عطفاً على قوله {أية : الكتاب} تفسير : [مريم: 30]. وقد قال وهب بن منبه: عهد عيسى إليهم "أن ربي وربكم"، ومن كسر الألف عطف على قوله {أية : إني عبد الله} تفسير : [مريم: 30] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وعامة الناس "قولُ الحق" برفع القول على معنى هذا قول الحق. وقرأ عاصم وابن عامر وابن أبي إسحاق "قولَ الحق" بنصب القول على المصدر. قال أبو عبدالرحمن المقري: كان يجالسني ضرير ثقة فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقرأ "قولَ الحق" نصباً، قال أبو عبدالرحمن: وكنت أقرأ بالرفع فجنبت فصرت أقرأ بهما جميعاً. وقرأ عبد الله بن مسعود "قال الله" بمعنى كلمة الله، وقرأ عيسى "قال الحق" وقرأ نافع والجمهور "يمترون" بالياء على الكناية عنهم، وقرأ نافع أيضاً وأبو عبد الرحمن وداود بن أبي هند "تمترون" بالتاء على الخطاب لهم، والمعنى تختلفون أيها اليهود والنصارى فيقول بعضهم هو لزنية ونحو هذا وهم اليهود، ويقول بعضهم هو الله تعالى فهذا هو امتراؤهم، وسيأتي شرح ذلك من بعد هذا. وقوله {ما كان لله أن يتخذ} معناه النفي وهذا هو معنى هذه الألفاظ حيث وقعت ثم يضاف الى ذلك بحسب حال المذكور فيها إما نهي وزجر كقوله تعالى: {أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا} تفسير : [التوبة: 120] وإما تعجيز كقوله تعالى {أية : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} تفسير : [النمل: 60]، وإما تنزيه كهذه الآية. و {من ولد}، دخلت {من} مؤكدة للجحد لنفي الواحد فما فوقه مما يحتله نظير هذه العبارة إذا لم تدخل {من}، وقوله، {قضى أمراً}، أي واحداً من الأمور وليس بمصدر أمر يأمر، فمعنى {قضى} أوجد أو أخرج من العدم، وهذه التصاريف في هذه الأفعال من مضي واستقبال هي بحسب تجوز العرب واتساعها، وقد تقدم القول في {كن فيكون}. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع "وأن الله" بفتح الألف وذلك عطف على قوله هذا {قول الحق}، "وإن الله ربي"، كذلك وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي "وإن" بكسر الألف وذلك بين على الاستئناف وقرأ أبي بن كعب "إن الله" بكسر الألف دون واو. وقوله {فاعبدوه} وقف ثم ابتداء {هذا صراط} أي ما أعلمتكم به عن الله تعالى من وحدانيته ونفي الولد عنه وغير ذلك مما يتنزه عنه طريق واضح مفض إلى النجاة ورحمته.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحَقِّ} الله، أو عيسى سماه حقاً، لأنه جاء بالحق، أو القول الذي قاله عيسى من قبل {يَمْتَرُونَ} يشكون، أو يختلفون فتقول فرقة هو الله وأخرى هو ابن الله وأخرى هو ثالث ثلاثة هذا قول النصارى، وقال المسلمون: عبد الله ورسوله، وقالت اليهود: لغير رشدة عند من قرأ تمترون.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} المعنى: قل يا محمدُ، لمعاصريكَ من اليَهُود والنَّصَارَى ذلك الذي هذه قِصَّته؛ عيسى ٱبْنُ مريم. وقرأَ نافعٌ، وعَامّةُ الناس: «قَوْلُ الحَقِّ» برفع القول؛ على معنى هذا هو قول الحق. وقرأ عاصمٌ، وابنُ عَامِرٍ: «قولَ الحقِّ» بنصب اللام؛ على المصدر. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ...} الآية، هذا من تمام القول الّذي أمِر به محمد صلى الله عليه وسلم: أَن يقولَه، ويحتمل أنْ يكون من قول عِيسَىٰ عليه السلام ويكون قوله: «أَنَّ» بفتح الهمزة، عطفاً على قوله: «الكتاب». وقد قال وَهْبُ بنُ مُنَبِّه: عهد عيسى إليهم: أَن اللّه ربي وربُّكُمْ. * ت *: وما ذكره وَهْبُ مصرح به في القرآن، ففي آخر المائدة: {أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...}تفسير : الآية. [المائدة:117]. وامتراؤهم في عِيسَىٰ هو اختلافهم؛ فيقول بعضُهم: لَزَنْيَةٌ، وهم اليهُود، ويقول بعضُهم: هو اللّهُ؛ تعالى اللّهُ عن قولهم عُلُوّاً كبيراً، فهذا هو امتراؤُهم، وسيأتِي شرحُ ذلك بإثْرِ هذا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ}: يجوز أن يكون "عِيسَى" خبراً لـ "ذلك" ويجوز أن يكون بدلاً، أو عطف بيان، و "قَوْلُ الحقِّ" خبره، ويجوز أن يكون "قَوْلُ الحقِّ" خبر مبتدأ مضمرْ، أي: هو قولُ، و "ابْنُ مَرْيَمَ" يجوز أن يكُونَ نعتاً، أو بدلاً، أو بياناً، أو خبراً ثابتاً. وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ، وابنُ عامر "قَوْلَ الحقِّ" بالنَّصب، والباقون بالرفع، فالرفع على ما تقدَّم، قال الزمخشري - رحمه الله -: "وارتفاعه على أنَّه خبرٌ، بعد خبرٍ، أو بدلٌ". قال أبو حيَّان: "وهذا الذي ذكرهُ لا يكُونُ إلاَّ على المجازِ في قولِ: وهو أن يراد به كلمةُ اللهِ، لأنَّ اللفظ لا يكُونُ الذَّاتَ". والنَّصْبُ: يجوزُ فيه أن يكون مصدراً مؤكِّداً لمضمُون الجملة؛ كقولك: "هُوَ عَبْدُ الله الحقَّ، لا الباطِلَ" أي: أقولُ قول الحقِّ، فالحقُّ الصِّدقُ، وهو من إضافةِ الموصوف إلى صفته، أي: القول الحقَّ؛ كقوله: {أية : وَعْدَ ٱلصِّدْقِ} تفسير : [الأحقاف: 16] أي: الوعد الصِّدق، ويجوز أن يكون منصوباً على المَدْح، إن أريد بالحقِّ الباري تعالى، و "الَّذِي" نعتٌ للقول، إن أريد به عيسى، وسُمِّي قولاً كما سُمِّي كلمةً، لأنه عنها نشأ. وذلك أنَّ الحق هو اسمُ الله تعالى، فلا فرق بين أن نقول: عيسى هو كلمة الله، وبين أن نقول: عيسى قولُ الحقِّ. وقيل: هو منصوبٌ بإضمار "أعْنِي" وقيل: هو منصوبٌ على الحالِ من "عيسَى" ويؤيِّدُ هذا ما نُقِلَ عن الكسائيَّ في توجيهِ الرفعِ: أنه صفةٌ لعيسى. وقرأ الأعمشُ "قالُ" برفع اللاَّم، وهي قراءةُ ابن مسعودٍ أيضاً، وقرأ الحسن "قُولُ" بضم القاف، ورفع اللام وكذلك في الأنعام {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} [الأنعام: 73]، وهي مصادر لـِ "قَالَ" يقالُ قَالَ يَقُولُ قَوْلاً وقُولاً؛ كالرَّهْبِ، والرَّهَب، والرُّهْب، وقال أبو البقاء: "والقَالُ: اسمٌ للمصدر؛ مثلُ: القِيلِ، وحُكِيَ "قُولُ الحقِّ" بضمّ القاف؛ مثل "الرُّوحِ" وهي لغةٌ فيه". قال شهاب الدين: الظاهرُ أنَّ هذه مصادرُ كلُّها، ليس بعضها اسماً للمصدر، كما تقدَّم تقريره في الرَّهْبِ والرَّهَبِ والرُّهْبِ. وقرأ طلحةُ والأعمشُ "قالَ الحقُّ" جعل "قَالَ" فعلاً ماضياً، و "الحَقُّ" فاعلٌ، والمرادُ به الباري تعالى، أي: قَالَ اللهُ الحقُّ: إنَّ عيسى هو كلمةُ الله، ويكونُ قوله "الَّذِي فيهِ يَمْتَرُونَ" خبراً لمبتدأ محذوف. وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب - كرم الله وجهه - والسلميُّ، وداودُ بنُ أبي هندٍ، ونافعٌ، والكسائيُّ في رواية عنهما ["تَمْتَرُونَ" بتاء] الخطاب، والباقون بياءِ الغيبة، وتَمْتَرُون: تَفْتَعِلُون: إمَّا من المريةِ، وهي الشَّكُّ، وإمَّا من المراء، وهو الجدالُ. وتقدَّم الكلامُ على نصب "فَيَكُونَ". فصل فيما تشير إليه "ذلك" "ذَلِكَ" إشارةٌ إلى ما تقدَّم. قال الزَّجَّّاج - رحمه الله -، أي: ذلك الذي قال: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} تفسير : [مريم: 30] عيسى ابن مريم إشارةٌ إلى أنَّه ولدُ هذه المرأة، لا أنَّه ابنُ الله [كما زعمت النصارى]. وقوله: {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ}، أي: يختلفوُن، وأما امتراؤهُم في عيسى، فقائلٌ يقُولُ: هو ابنُ الله، وقائلٌ يقولُ: هو الله، وقائل يقُولُ: هو ساحرٌ كاذبٌ، وتقدَّم الكلامُ على ذلك في آل عمران. ورُوِيَ أن عيسى - صلوات الله عليه - لمَّا رفع، حضر أربعةٌ من [أكابر] علمائهم، فقيل للأوَّل: ما تُقولُ في عيسى؟ قال: هو الله هبط إلى الأرضِ، خلق، وأحيى، ثم صعد إلى السَّماء، فتبعهُ على ذلك خلقٌ، وهم اليَعْقُوبيَّةُ، وقيل للثاني: ما تقوُلُ؟ قال: هو ابنُ الله، فتابعهُ على ذلك ناسٌ، وهم النسطورية، [وقيل للثالث: ما تقول؟ قال: هو إله، وأمه إله، والله إله، فتابعه على ذلك أناس، وهم الإسرائيلية]، وقيل للرابع: ما تقولُ؟ فقال: عبدُ الله ورسولهُ، وهو المؤمنُ المُسْلم، وقال: أما تعلمُونَ أنَّ عيسى كان يطعمُ، ونيام، وأنَّ الله تعالى لا يجُوزُ ذلك عليه، فخصمهم. قوله تعالى: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} نفى عن نفسه الولد، أي: ما كان من نعته اتخاذ الولد. والمعنى: أن ثبوت الولد له محالٌ، فقوله: { مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} كقولنا: ما كان للهِ أن يكون له ثانٍ وشريكٌ، أي: لا يصحُّ ذلك، ولا ينبغي، بل يستحيلُ؛ فلا يكونُ نفياً على الحقيقةِ، وإن كان بصُورة النَّفِي. وقيل: اللاَّم منقولةٌ، أي: ما كان ليتَّخذ من ولدٍ، والمرادُ: ما كان الله أن يقُول لأحدٍ، إنَّه ولدي؛ لأنَّ مثل [هذا] الخبر كذبٌ، والكذبُ لا يليقُ بحكمةِ الله تعالى وكماله، فقوله: { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} كقولنا: ما كان لله أن يظلم، أي: لا يليقُ بحكمته، وكمالِ إلهيَّتِهِ. قوله تعالى: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} إذا أراد أن يحدث أمْراً، {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، وهذا كالحُجَّة على تَنْزيهه عن الولدِ، وبيانهُ: أن الَّذي يجعلُ للهِ ولداً، إما أن يكون الولدُ قديماً أزليًّا، فهو محالٌ؛ لأنَّه [لو كان واجباً لذاته، لكان واجبُ الوجودِ أكثر من واحدٍ،] ولو كان [مُمْكِناً] لذاته، لافتقر في وجوده إلى الواجب لذاته؛ لأنَّ الواجب لذاته غنيٌّ لذاته، فلو كان مفتقراً في وجودهِ إلى الواجبِ لذاتِه، كان ممكناً لذاته، والممكنُ لذاته محتاجٌ لذاته، فيكُون عبداً له؛ لأنَّهُ لا معنى للعبُوديَّة إلاَّ ذلك. وإن كان الولدُ مُحْدَثاً، فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ذلك القديم، وإيجاده، وهو المرادُ من قوله تعالى: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. فيكونُ عَبْداً، لا ولداً؛ فثبت أنه يستحيلُ أن يكون لله ولدٌ. فصل في قدم كلام الله تعالى دلَّت هذه الآية على قدم كلام الله تعالى؛ لأنَّه إذا أراد إحداث شيءٍ، قال له: {كُن فَيَكُونُ} فلو كان بقوله: "كُنْ" مُحْدَثاً، لافتقر حدوثُه إلى قولٍ آخر، ولزمَ التَّسَلْسُل؛ وهو محال؛ فثبت أنَّ قول الله تعالى، قديمٌ، لا مُحْدَث. واحتج المعتزلةُ بالآية على حُدُوثِ كلامِ الله تعالى من وجوه: أحدها: أنه تعالى أدخل كلمة "إذَا" وهي دالَّة على الاستقبال؛ فوجب ألاَّ يحصُلَ ذلك القولُ إلاَّ في الاستقبال. ثانيها: أنَّ "الفاء" للتعقيب، و "الفاءُ" في قوله: "فإنَّمَا يَقُولُ" يدلُّ على تأخير ذلك القول عن ذلك القضاء والمتأخِّر عن غيره مُحدثٌ. وثالثها: "الفاءُ" في قوله "فَيَكُونُ" يدلُّ على حصول ذلك الشيء عقيب ذلك القول من غير فصلٍ، فيكون قولُ اللهِ تعالى متقدِّماً على حُدُوث الحادث تقديماً بلا فَصْلٍ، والمتقدم على المحدثِ تقديماً بلا فصل يكونُ مُحْدَثاً، فقولُ الله محدثٌ. قال ابنُ الخطيبِ - رحمه الله - واستدلالُ الفريقين ضعيفٌ. أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّه يقتضي أن يكون قوله "كُنْ" قديماً، وذلك باطلٌ بالاتِّفاق. وأمَّا الاستدلالُ المعتزلة؛ فلأنَّه يقتضي أن يكون قولُ الله تعالى الذي هو مركَّبٌ من الحروف، والأصوات مُحْدَثاً؛ وذلك لا نزاع فيه، [لأن] المدَّعى قدمُه شيءٌ آخرُ. فصل في أقوال الناس في قوله "كُنْ" من النَّاس من أجْرَى الآيةَ على ظاهرها، وزعم أنَّه تعالى، إذا أحدث شيئاً، قال له: كُنْ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه إما أن يقُول له: كُنْ قبل حدوثه، أو حلل حُدُوثه، فإن كان الأوَّل، كان خطاباً مع المعدُوم، وهو عبثٌ، وإن كان حال حدوثه، فقد وُجِدَ بالقُدْرَة، والإرادة، لا بقوله "كُنْ" ومن النَّاسِ من زعم أنَّ المراد من قوله: "كُنْ" هو التخليقُ والتكوينُ؛ لأنَّ القُدْرَة على الشَّيء غير، وتكوين الشيء غيرٌ فإنَّ الله تعالى قادرٌ في الأزل، وغير مُكَوِّن في الأزل؛ ولأنَّه الآن قادرٌ على عالم سوى هذا العالمِ، وغير مكوِّن له، فالقادريَّة غير المكوِّنيَّة، والتكوينُ ليس هو نفس المكوَّن؛ لأنَّ المكوَّن إنما حدث؛ لأنَّ الله تعالى كونه، وأوجده، فلو كان التَّكوين نفس المكوَّن؛ لكان قولنا: "المُكَوَّن إنَّما وجد بتكوين الله" بمنزلةِ قولنا: "المُكَوَّنُ إنَّما وجد بنَفْسِه" وذلك محالٌ؛ فثبت أنَّ التكوين غير المُكَوَّن، فقوله "كُنْ" إشارةٌ إلى الصفة [المسمَّاة] بالتكوين. وقال آخرون: قوله سبحانه وتعالى: "كُنْ" عبارةٌ عن نفاذ قُدرة الله تعالى ومشيئته في المُمْكِنَات؛ فإنَّ وقوعها بتلك القُدْرة والإرادة من غير امتناعٍ واندفاعٍ يجري مُجْرَى العَبْد المُطِيع المُنْقَاد لأوامر الله تعالى، فعبر الله تعالى عن ذلك المعنى بهذه العبارةِ على سبيلِ الاستعارة. قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ}: قرأ ابن عامرٍ، والكوفيُّون "وإنَّ" بكسر "الهمزة" على الاستئناف، ويؤيِّدها قراءةُ أبيِّ "إن الله" بالكسر، دون واو، وقرأ الباقون بفتحها، وفيها أوجهٌ: أحدها: أنها على حذف حرف الجرِّ متعلِّقاً بما بعده، والتقدير: ولأنَّ اللهُ ربِّي وربُّكم فاعبدُوهُ؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} تفسير : [الجن: 18] والمعنى: لوحدانيَّته أطيعوهُ، وإليه ذهب الزمخشريُّ تابعاً للخيل وسيبويه - رحمة الله عليهم -. الثاني: أنها عطفٌ على "الصَّلاةِ" والتقديرُ: وأوصاني بالصلاةِ، وبأنَّ الله، وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكِّي غيره؛ ويؤيِّده ما في مصحف أبيٍّ "وبأنَّ الله ربِّي" بإظهار الباءِ الجارَّة، وقد استُبْعِد هذا القولُ؛ لكثرةِ الفواصلِ بين المتعاطفين، وأمَّا ظهورُ الباءِ في مصحفِ أبيٍّ؛ فلا يُرجِّحُ هذا؛ لأنها باءُ السببيةِ، والمعنى: بسببِ أنَّ الله ربِّي وربُّكم فاعبدُوهُ، فهي كاللاَّم. الثالث: أن تكون "أنَّ" وما بعدها نسقاً على "أمْراً" المنصُوبِ بـ "قَضَى" والتقديرُ: وإذا قضى أمراً، وقضى أنَّ الله ربِّي وربُّكم، ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاءِ، واستبعد الناسُ صحَّة هذا النقلِ عن أبي عمرو؛ لأنَّه من الجلالةِ في العلم والمعرفة بمنزلٍ يمنعهُ من هذا القولِ؛ وذلك لأنَّه إذا عطف على "أمْراً" لزم أن يكونَ داخلاً في حيِّز الشرطِ بـ "إذَا" وكونُه تبارك وتعالى ربنا لا يتقيَّد بشرطٍ ألبتَّة، بل هو ربُّنا على الإطلاق، ونسبوا هذا الوهم لأبي عبيدة؛ لأنه كان ضعيفاً في النَّحو، وعدُّوا له غلطاتٍ، ولعلَّ ذلك منها. الرابع: أن يكون في محلِّ رفع خبر ابتداءٍ مضمرٍ، تقديره: والأمرُ أنَّ الله ربِّي وربُّكم، ذكر ذلك عن الكسائيِّ، ولا حاجة إلى هذا الإضمارِ. الخامس: أن يكون في محلِّ نصبٍ نسقاً على "الكتاب" في قوله "قال إني عبدُ الله آتاني الكتابَ" على أن يكونَ المخاطبُ بذلك مُعاصِري عيسى - عليه صلوات الله - والقائلُ لهم ذلك عيسى، وعن وهبٍ، عهد إليهم عيسى: أنَّ الله ربي وربُّكم، قال هذا القائل: ومن كسر الهمزة يكون قد عطف "إنَّ الله" على قوله "إنِّي عبد الله" فهو داخلٌ في حيِّز القولِ، وتكون الجملُ من قوله "ذلك عيسى ابْنُ مريمَ" إلى آخرها جمل اعتراضٍ. وهذا من البعد بمكان كأنَّه قال: إنَّي عبد الله، والله ربِّي وربُّكم، فاعبدوه، وهذا قول أبي مسلمٍ، الأصفهانيِّ، وهو بعيدٌ. فصل في دلالة الآية قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} يدلُّ على أنَّ مدبِّر العالمِ، ومصلح أمورهم هو الله سبحانه وتعالى [على] خلافِ قول المُنَجِّمين: أنَّ المدبِّر للنَّاسِ، ومُصلحَ أمورهم في السَّعادة والشَّقاوةِ هي الكواكبُ، ويدلُّ أيضاً على أنَّ الإله واحدٌ؛ لأنَّ لفظ "الله" اسمٌ علمٌ له سبحانه، لا إله إلا هو، فلمَّا قال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ}، أي: لا ربَّ للمخلوقاتِ سوى الله؛ وذلك يدلُّ على التَّوحيد. وقوله "فاعْبدُوهُ" قد ثبت في أصُول الفقهِ أنَّ ترتيب الحكم على الوصف المناسب مُشْعِرٌ بالعليَّة، فهاهنا وقع الأمر بالعبادة مُرتَّباً على ذكر وصف الربوبيَّة، فدلَّ على أنَّه إنَّما يلزمنا عبادته سبحانه؛ لكونه ربًّا لنا؛ وذلك يدلُّ على أنه تعالى إنَّما تجبُ عبادتهُ لكونهُ منعماً على الخلائق بأنواع النِّعم؛ ولذلك فإنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - لمَّا منع أباه من عبادة الأوثان، قال: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 42] أي: إنَّها لما لم تكن منعمة على العبادِ، لم تجز عبادتها، وبيّن هاهنا أنَّه لما ثبت أن الله تعالى لمَّا كلن ربًّا ومُربِّياً، وجبتْ عبادتهُ، فقد ثبت طرداً وعكساً تعلُّق العبادة بكون المعبُود مُنْعِماً، ثم قال: {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يعني القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة صراط مستقيم، وسمي هذا القول صراطاً مستقيماً] تشبيهاً بالطَّريق؛ لأنَّه المؤدِّي إلى الجنة.

البقاعي

تفسير : ولما كان في ذلك من أقوال عيسى وأحواله - المنادية بالحاجة للتنقل في أطوار غيره من البشر والكرامة من الله - أعظم البيان عن بعده عما ادعى فيه النصارى من الإلهية واليهود من أنه لغير رشده، نبه على ذلك مشيراً إليه بأداة البعد فقال مبتدئاً: {ذلك} أي الولد العظيم الشأن، العلي الرتبة، الذي هذه أحواله وأقواله البعيدة عن صفة الإله وصفة من ارتاب في أمره؛ ثم بين اسم الإشارة أو أخبر فقال: {عيسى ابن مريم} أي وحدها ليس لغيرها فيه بنوة أصلاً، وهي من أولاد آدم، فهو كذلك؛ ثم عظم هذا البيان تعظيماً آخر فقال: {قول} أي هو - أي نسبته إلى مريم فقط - قول {الحق} أي الذي يطابقه الواقع، أو يكون القول عيسى نفسه كما أطلق عليه في غير هذا الموضع "كلمة" من تسمية المسبب باسم السبب وهو على هذه القراءة خبر بعد خبر أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى قراءة عاصم وابن عامر بالنصب، هو اغراء، أي الزموا ذلك وهو نسبته إلى مريم عليهما السلام وحدها ثم عجب من ضلالهم فيه بقوله: {الذي فيه يمترون *} أي يشكون شكاً يتكلفونه ويجادلونه به مع أن أمره في غاية الوضوح، ليس موضعاً للشك أصلاً؛ ثم دل على كونه حقاً في كونه ابن مريم لا غيرها بقوله رداً على من ضل: {ما كان} أي ما صح ولا تأتي ولا تصور في العقول ولا يصح ولا يتأتى لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة {لله} الغني عن كل شيء {أن يتخذ} ولما كان المقام يقتضي النفي العام، أكده بـ "من" فقال: {من ولد}. ولما كان اتخاذ الولد من النقائص، أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله: {سبحانه} أي تنزه عن كل نقص من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله: {إذا قضى أمراً} أي أمر كان {فإنما يقول له كن} أي يريده ويعلق قدرته به {فيكون *} من غير حاجة إلى شيء أصلاً، فكيف ينسب إلى الاحتياج إلى الإحبال والإيلاد والتربية شيئاً فشيئاً كما أشار إليه الاتخاذ. ولما كان لسان الحال ناطقاً عن عيسى عليه الصلاة والسلام بأن يقول: وقد قضاني الله فكنت كما أراد، فأنا عبد الله ورسوله فاعتقدوا ذلك ولا تعتقدوا سواه من الأباطيل، عطف عليه في قراءة الحرميين وأبي عمرو قوله: {وإن الله} أي الذي له الأمر كله {ربي وربكم} أي أحسن إلى كل منا بالخلق والرزق، لا فرق بيننا في أصل ذلك {فاعبدوه} وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده، وقراءة الباقين بالكسر على أنه مقول عيسى عليه السلام الماضي، ويكون اعتراض ما تقدم من كلام الله بينهما للتأكيد والاهتمام. ولما كان اشتراك الخلائق في عبادة الخالق بعمل القلب والجوارح علماً وعملاً أعدل الأشياء، أشار إلى ذلك بقوله: {هذا} أي الذي أمرتكم به {صراط مستقيم *} لأنا بذلنا الحق لأهله بالاعتقاد الحق والعمل الصالح، ولم يتفضل أحد منا فيه على صاحبه. ولما كان المنهج القويم بحيث يكون سبباً للاجتماع عند كل صحيح المزاج، عجب منهم في استثمار غير ذلك منه فقال: {فاختلف} أي فتسبب عن هذا السبب للاجتماع أنه اختلف {الأحزاب} الكثيرون. ولما كان الاختلاف لم يعم جميع المسائل التي في شرعهم قال: {من بينهم} أي بني إسرائيل المخاطبين بذلك خاصة لم تكن فيهم فرقة من غيرهم في هذه المقالة القويمة التي لا تنبغي لمن له أدنى مسكة أن يتوقف في قبولها، فمنهم من أعلم أنها الحق فاتبعها ولم يحد عن صوابها، ومنهم من أبعد في الضلال عنها بشبه لا شيء أو هي منها؛ روي عن قتادة أنه اجتمع من أحبار بني إسرائيل أربعة: يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل، فقال يعقوب: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية، وقال نسطور: عيسى ابن الله فكذبه الاثنان واتبعه النسطورية، وقال ملكاً: عيسى أحد ثلاثة: الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فكذبه الرابع واتبعه طائفة، وقال إسرائيل: عيسى عبد الله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فاتبعه فريق من بني إسرائيل، ثم اقتتل الأربعة فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع - ذكر معناه أبو حيان وابن كثير ورواه عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {فويل} أي فتسبب عن اختلافهم أنا نقول: ويل {للذين كفروا} منهم ومن غيرهم {من مشهد يوم عظيم *} في جمعه لجميع الخلائق، وما فيه من الأهوال والقوارع.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ذلك عيسى ابن مريم قول الحق‏}‏ قال‏:‏ الله عز وجل، الحق‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏الذي فيه يمترون‏} ‏ قال‏:‏ اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج من كل قوم عالمهم فتشاوروا في عيسى حين رُفِعَ، فقال أحدهم‏:‏ هو الله هبط إلى الأرض فأحيى من أحيى وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقالت الثلاثة‏:‏ كذبت‏.‏ ثم قال اثنان منهم للثالث‏:‏ قل فيه‏.‏ فقال‏:‏ هو ابن الله، وهم النسطورية‏.‏ فقال اثنان‏:‏ كذبت‏.‏ ثم قال أحد الإثنين للآخر‏:‏ قل فيه‏.‏ قال‏:‏ هو ثالث ثلاثة‏:‏ الله إله، وعيسى إله، وأمه إله‏.‏ وهم الإسرائيلية وهم ملوك النصارى‏.‏ فقال الرابع‏:‏ كذبت‏.‏‏.‏ هو عبد الله ورسوله وروحه من كلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا فظهر على المسلمين‏.‏ فذلك قول الله‏ ‏{أية : ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس‏} ‏تفسير : [‏آل عمران: 21‏]‏ قال قتادة‏:‏ وهم الذين قال الله‏ ‏{‏فاختلف الأحزاب من بينهم‏}‏ قال‏:‏ اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً، فاختلف القوم، فقال المرء المسلم‏:‏ أنشدكم‏.‏‏.‏‏.‏ هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام، وأن الله لا يطعم الطعام‏؟‏ قالوا‏:‏ اللهم نعم‏.‏ قال‏:‏ فهل تعلمون أن عيسى كان ينام، وأن الله لا ينام‏؟‏ قالوا‏:‏ اللهم نعم‏.‏ فخصمهم المسلمون فانسل القوم، فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ، وأصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآن {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} ‏[مريم: 37‏]‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏فاختلف الأحزاب من بينهم‏} ‏ قال‏:‏ هم أهل الكتاب‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ}. أي الذي قال ما أخبر الله عنه هو عيسى ابن مريم... أيكون بقول إله؟ وقد شكَّ فيه أكثر الخَلْق فَرَدَّه قومٌ وَقِبَله قومٌ، والفَرق بينهما في استحقاقه. وقوله: {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} أي يكون بقوله الحق وهو: قوله جلّ ذكره: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}. لا يجوز أن يكون له وَلَدٌ على الحقيقة؛ لأنه واحد، والوَلَدُ بعضُ والده. ولأنه لا داعي له إلى صحبة زوجة فيكون له ولد على الحقيقة. ولا يجوز عليه التبني لأحدٍ لَعَدَمِ الجنسية بينهما. وقوله: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً...} إذا أراد إحداثَ شيءٍ خَلَقَه بقدرته، وخاطَبَه بأمر التكوين، ولا يتعصَّى عليه - في التحقيق - مقدور. {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} أي أمرني بأن تعلموا ذلك؛ وأمرني بتبليغ رسالتي، واتباع ما شَرَعَ اللَّهُ من العبادات.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} الذى فصلت نعوته الجليلة {عيسى ابن مريم} لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم فيما يصفونه علىالوجه الا بلغ والطريق البرهانى حيث جعله موصوفا باضداد ما يصفونه ثم عكس على الحكم {قول الحق} قول الثابت والصدق وهو بالنصب على انه مصدر مؤكد لقال انى عبد الله الخ وقوله ذلك عيسى ابن مريم اعتراض {الذى فيه يمترون} اى يشكون فان المرية الشك فيقولون هو ابن الله.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وإن الله}: عطف على قوله: {إني عبد الله} فيمن كسر، وعلى حذف اللام فيمن فتح، أي: ولأن الله ربي وربكم. وقال الواحدي وأبو محمد مكي: عطف على قوله: {بالصلاة} أي: أوصاني بالصلاة وبأن الله... الخ: وقال المحلي: بالفتح، بتقدير اذكر، وبالكسر بتقدير "قل". و {قول الحق}: مصدر مؤكد لقال، فيمن نصب، وخبر عن مضمر، فيمن رفع، أي: هو، أو هذا. و {إذا قضى}: بدل من {يوم الحسرة}، أو ظرف للحسرة. و {هم في غفلة وهم لا يؤمنون}: جملتان حاليتان من الضمير المستقر في الظرف في قوله: {في ضلال مبين} أي: مستقرين في الضلال وهم في تينك الحالتين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ذلك} المنعوت بتلك النعوت الجليلة، والأوصاف الحميدة هو {عيسى ابنُ مريم}، لا ما يصفه النصارى به من وصف الألوهية، فهو تكذيب لهم على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني، حيث جعله موصوفًا بأضداد ما يصفونه به. وأتى بإشارة البعيد؛ للدلالة على علو رُتبته وبُعد منزلته، وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره، ونزوله منزلة المشاهد المحسوس. هذا {قولُ الحق}، أو قال عيسى {قولَ الحق} الذي لا ريب فيه، وأنه عبد الله ورسوله، {الذي فيه يمترون} أي: يشكون أو يتنازعون، فيقول اليهود: ساحر كذاب، ويقول النصارى: إله، أو ابن الله. {ما كان لله أن يتخذ من ولد} أي: ما صح، أو ما استقام له أن يتخذ ولدًا، {سبحانه} وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، فهو تنزيه عما بهتوه، ونطقوا به من البهتان، وكيف يصح أن يتخذ الله ولدًا، وهو يحتاج إلى أسباب ومعالجة، وأمره تعالى أسرع من لحظ العيون، {إِذا قضى أمرًا فإِنما يقول له كن فيكون}. ثم قال لهم عيسى عليه السلام: {وإنَّ الله ربي وربكم فاعبدوه}، فهو من تمام ما نطق به في المهد، وما بينهما اعتراض، للمبادرة للرد على من غلط فيه، أي: فإني عبد، وإن الله ربي وربكم فاعبدوه وحده ولا تُشركوا معه غيره، {هذا} الذي ذكرت لكم الذي ذكرت لكم من التوحيد {صراط مستقيم} لا يضل سالكه ولا يزيغ متبعه. قال تعالى: {فاختلف الأحزابُ من بينهم }، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، تنبيهًا على سوء صنيعهم، بجعلهم ما يُوجب الاتفاق منشأ للاختلاف، فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السلام، مع كونها نصوصًا قاطعة في كونه عبده تعالى ورسوله، قد اختلفت اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط، وفرّق النصارى، فقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت اليعقوبية: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وقالت المِلْكَانية: هو ثالث ثلاثة. {فويلٌ للذين كفروا} وهم: المختلفون فيه بأنواع الضلالات. وأظهر الموصول في موضع الإضمار؛ إيذانًا بكفرهم جميعًا، وإشعارًا بِعِلِّيَّةِ الحكم، {من مَشْهَدِ يوم عظيم} أي: ويل لهم من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء، وهو يوم القيامة، أو: من وقت شهوده أو مكانه، أو من شهادة اليوم عليهم، وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وألسنتُهم وأيديهم وأرجلهم، بالكفر والفسوق. {أسمِعْ بهم وأبصرْ} أي: ما أسمعهم وما أبصرهم، تعجب من حدة سمعهم وإبصارهم يومئذ. والمعنى: أن أسماعهم وأبصارهم {يوم يأتوننا} للحساب والجزاء جدير أن يُتعجب منها، بعد أن كانوا في الدنيا صمًا عميًا. أو: ما أسمعهم وأطوعهم لما أبصروا من الهدى، ولكن لا ينفعهم يومئذ مع ضلالهم عنه اليوم، فقد سمعوا وأبصروا، حين لم ينفعهم ذلك. قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر، حين يقول الله لعيسى: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [المَائدة: 116]. هـ. ويحتمل أن يكون أمر تهديد لا تعجب، أي: أسمعهم وأبصرهم مواعيد ذلك اليوم، وما يحيق بهم فيه، فالجار والمجرور، على الأول، في موضع رفع، وعلى الثاني: نصب. {لكن الظالمون اليومَ} أي: في الدنيا، {في ضلال مبين} أي: لا يدرك غايته، حيث غفلوا عن الاستماع والنظر بالكلية. ووضع الظالمين موضع الضمير؛ للإيذان بأنهم في ذلك ظلمون لأنفسهم حيث تركوا النظر. {وأنذرهم يوم الحسرة} يوم يتحسر الناس قاطبة، أما المسيء فعلى إساءته، وأما المحسن فعلى قلة إحسانه، {إِذ قُضيَ الأمر} أي: فرغ من يوم الحساب، وتميز الفريقان، إلى الجنة وإلى النار. رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذلك، فقال: "حديث : حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح، فيُذبح، والفريقان ينظرون، فينادى؛ يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، وأهل النار غمًا إلى غمهم، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {وأنذرهم يوم الحسرة إِذْ قُضي الأمر وهم في غفلة}، وأشار بيده إلى الدنيا"تفسير : . قال مقاتل: (لولا ما قضى الله من تعميرهم فيها، وخلودهم؛ لماتوا حسرة حين رأوا ذلك). {وهم} في هذا اليوم {في غفلة} عما يراد بهم في الآخرة، {وهم لا يُؤمنون} بهذا؛ لاغترارهم ببهجة الدنيا، فلا بد أن تنهد دعائمها، وتمحى بهجتها، ويفنى كل ما عليها، قال تعالى: {إِنا نحن نرث الأرضَ ومَنْ عليها} لا ينبغي لأحد غيرنا أن يكون له عليها وعليكم ملك ولا تصرف، أو: إنا نحن نتوفى الأرض ومن عليها، بالإفناء والإهلاك، توفي الوارث لإرثه، {وإِلينا يُرجعون}؛ يُردون إلى الجزاء، لا إلى غيرنا، استقلالاً أو اشتراكًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد المعتني بشأن نفسه أن يحصِّن عقائده بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، على وفاق أهل السُنَّة، ثم يجتهد في صحبة أهل العرفان، أهل الذوق والوجدان، حتى يُطلعوه على مقام الإحسان، مقام أهل الشهود والعيان. فإذا فرط في هذا، لحقه الندم والحسرة، في يوم لا ينفع فيه ذلك. فكل من تخلف عن مقام الذوق والوجدان؛ فهو ظالم لنفسه باخس لها، يلحقه شيء من الخسران، ولا بد أنْ تبقى فيه بقية من الضلال، حيث فرط عن اللحوق بطريق الرجال، قال تعالى: {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين}. {وأنذرهم يوم الحسرة} أي: يوم يرفع المقربون ويسقط المدعون. فأهل الذوق والوجدان حصل لهم اللقاء في هذه الدار، ثم استمر لهم في دار القرار. رُوي أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه قال يومًا بين يدي أستاذه: (اللهم اغفر لي يوم لقائك). فقال له شيخه - القطب ابن مشيش - رضي الله عنهما: هو أقرب إليك من ليلك ونهارك، ولكن الظلم أوجب الضلال، وسبقُ القضاء حَكَمَ بالزوال عن درجة الأُنْس ومنازل الوصال، وللظالم يومٌ لا يرتاب فيه ولا يخاتل، والسابق قد وصل في الحال، "أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين". هـ. كلامه رضي الله عنه. ثم استتبع بذكر قصص الانبياء تتمة للرد على أهل الشرك

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ} المذكور ممّن اقرّ الله بالعبوديّة {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} لا من قالوا بآلهته او ببنوّته لله {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} قرئ بالرّفع على ان يكون بدلاً من عيسى (ع) او خبراً بعد خبرٍ، او خبراً لمبتدء محذوفٍ اى هذا الكلام قول الحقّ، او هو يعنى عيسى (ع) قول الحقّ، وقرئ قول الحقّ بالنّصب فيكون مفعولاً مطلقاً مؤكّداً لغيره، والاضافة بيانيّة اى اقول قولاً هو الحقّ او بتقدير الّلام اى هو قول الله {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} اى يشكّون او يجادلون وينازعون بان يقول اليهود هو لغير رشده او ساحر ويقول النّصارى هو ابن الله، او هو الله، او هو واحد من الثّلاثة.

الهواري

تفسير : قال الله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ} قال الحسن: الحق هو الله؛ وهو قوله: (أية : قَوْلُهُ الحَقُّ) تفسير : [الأنعام: 73] {الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}. قال بعضهم: امترت فيه اليهود والنصارى؛ أما اليهود فزعموا أنه ساحر كذاب، وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله، وثالث ثلاثة، وإله. قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَّلَدٍ سُبْحَانَهُ} ينزه نفسه عما يقولون. {إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. [يعني عيسى، كان في علمه أن يكون من غير أب]. قوله: {وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} هذا قول عيسى لهم ذكر جماعة من العلماء في عيسى بن مريم أن مريم لم تلد من فرجها، وإنما كان خروجه من الخاصرة. وبعضهم يقول: من تحت إبطها، والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} الذى قال ما قال {عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} لا ما تصفه النصارى. وهذا تكذيب لهم فيما يصفونه به على الوجه الأبلغ بالطريق البراهانى؛ حيث جعله الموصوف لخلاف ما يصفونه. {قَوْلَ الْحَقِّ} خبر لمحذوف، أى الكلام المذكور قول الحق الذى لا ريب فيه. ولإضافة للبيان. وإن شئت قدرت المبتدأ ضميراً لكلام أو ضميراً لتمام القصة. ويجوز أن يكون قول خبرا ثانيا لاسم الإشارة، على أن المعنى كلمة الله، وأن يكون نعت عيسى أو بدله. وقرأ الحسن: قول الحق بضم القاف. وقرأ ابن مسعود: قال الحق بضم اللام؛ فإنه يقال: القول والقال بفتح القافين، والقول بضمها كالرهب بفتح فإسكان وبفتحتين، كما أن القال أصله القول بفتحتين، قلبت الواو ألفا والرهب بضم فإسكان. وقرأ عاصم وابن عامر وابن عباس قيل: ويعقوب: قول الحق بالنصب. وعن ابن مسعود قال: الحق بالنصب أيضا. والنصب قيل: على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة، إن أريد قول الثبات والصدق، وإن قلنا: الحق الله. وكأنه قيل: كلمة لله. فالنصب على المدح. ويجوز النصب على المدح عندى ولو أريد بالحق الثبات والصدق. وإنما قيل لعيسى عليه السلام: قول الحق وكلمة الله؛ لأنه ولد بقوله عز وجل: كن، من غير واسطة أب تسمية للمسبب باسم السبب. وإذا أريد بقول الحق عيسى فالحق الله أو الصدق. قيل: ويعضد هذا قوله: {الذى فِيهِ} أى فى أمره {يَمْتَرُونَ} أى أمره حق يقين، وهم فيه شاكّون. والامتراء: الشك أو الجدال. قالت اليهود: ساحر كذاب. وقالت النصارى: الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. وقرأ علىّ تمترون بالمثناة الفوقية على الخطاب. وعن أُبىّ: قول الحق الذى كان الناس فيه يمترون.

اطفيش

تفسير : {ذلك} الموصوف بالنعوت الجليلة، المتميز عن غيره بها، البعيد المنزلة، المنزل منزلة المشاهد {عيسى} خبر ذلك {ابنُ مريم} عطف بيان، أو بدل أو نعت، وعليه الأكثر، أو خبر ثان وذلك رد على النصارى أى ذلك عيسى بن مريم المتصف بتلك الصفات العبودية، وغيرها لا بالنبوة لله سبحانه، ولا بالألوهية مع الله، ولا بألوهيته دون الله، كما تقول الملاعين النصارى، وهذا حصر من خارج، لأن الحصر بتعريف الطرفين لا يتصور مطلقا على ما رجح، بل مع كون المسند بأل أو مضافاً لما فيه أل أو مع ضمير الفصل نحو: زيد هو ابنك، أو القائم هو ابنك، والتأويل لعيسى بالعسمى تركيباً من عيسى ومريم تكلف غير متبادر. {قَوْل الحقّ الَّذى فِيهِ يمْتَرون} خبر لمحذوف أى هو قول الحق، وتناسبه قراءة النصب على أنه مفعول مطلق لقال من قوله: "أية : قال إنى عبدالله" تفسير : [مريم: 30] ولو كثر الفصل، لأن الفصل من مفعول القول إلا قوله: "ذلك عيسى ابن مريم" فمن قول الله عز وجل، وهو تصديق لتلك المقولات، وكأنه بعضها، أو مفعول مطلق لمحذوف أى أقول قول الحق، فهو من كلام عيسى، أو من كلام الله، وعلى أنه من عيسى ينتهى فى يمترون، أو فى مستقيم، أو مفعول مطلق مؤكد لمضمون "ذلك عيسى ابن مريم" لا حال، لأن لفظه مصدر، ولأنه معرفة فيتكلف لذلك بتأويله بمفعول، وبأن إضافته لنائب الفاعل، ولا داعلى إلى ذلك، والحق الصدق، والإضافة للبيان أى قولا هو الحق، وهذا أولى من جعله إضافة موصوف لصفته، أو الحق الله من الإضافة للفاعل، والذى نعت القول، أو الحق أو القول هو عيسى، والحق الله، كما يسمى عيسى كلمة الله لقوله تعالى: كن فكان، ومعنى يمترون يشكون أو يتمارون، أى يتنازعون فقالت اليهود: ساحر والنصارى إله أو ابنه جل الله.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى من فصلت نعوته الجليلة. وفيه إشارة إلى علو رتبته وبعد منزلته وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره ونزوله منزلة المحسوس المشاهد. وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {عِيسَى } وقوله سبحانه: {ٱبْنُ مَرْيَمَ } صفة عيسى أو خبر بعد خبر أو بدل أو عطف بيان والأكثرون على الصفة. والمراد ذلك هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني حيث جعل موصوفاً بأضداد ما يصفونه كالعبودية لخالقه سبحانه المضادة لكونه عليه السلام إلٰهاً وابناً لله عز وجل فالحصر مستفاد من فحوى الكلام، وقيل: هو مستفاد من تعريف الطرفين بناءً على ما ذكره الكرماني من أن تعريفهما مطلقاً يفيد الحصر، وهو على ما فيه مخالف لما ذكره أهل المعاني من أن ذلك مخصوص بتعريف المسند باللام أو بإضافته إلى ما هي فيه كـ {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ } تفسير : [يونس: 1] على ما في بعض «شروح الكشاف». وقيل استفادته من التعريف على ما ذكروه أيضاً بناءً على أن عيسى مؤول بالمعرف باللام أي المسمى بعيسى وهو كما ترى فعليك بالأول. {قَوْلَ ٱلْحَقّ } نصب على المدح. والمراد بالحق الله تعالى وبالقول كلمته تعالى، وأطلقت عليه عليه السلام بمعنى أنه خلق بقول كن من غير أب. وقيل: نصب على الحال من عيسى، والمراد بالحق والقول ما سمعت. وقيل: نصب على المصدر أي أقول قول الحق. وقيل: هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة منصوب بأحق محذوفاً وجوباً. وقال شيخ الإسلام: هو مصدر مؤكد لـ {أية : قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}تفسير : [مريم: 30] الخ وقوله سبحانه: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } اعتراض مقرر لمضمون ما قبله وفيه بعد. و {ٱلْحَقّ } في الأقوال الثلاثة بمعنى الصدق والإضافة عند جمع بيانية وعند أبـي حيان من إضافة الموصوف إلى الصفة. وقرأ الجمهور {قَوْلَ } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه، والضمير المقدر للكلام السابق أو لتمام القصة. وقيل: صفة لعيسى أو بدل من أو خبر بعد خبر لذلك أو هو الخبر وعيسى بدل أو عطف بيان. والمراد في جميع ذلك كلمة الله تعالى. وقرأ ابن مسعود {قَال ٱلْحق}. و(قال الله) برفع {قَال } فيهما. وعن الحسن {قَول ٱلْحق } بضم القاف واللام. والقول والقال والقول بمعنى واحد كالرهب والرهب والرهب. ونص أبو حيان على أنها مصادر. وعن ابن السكيت القال وكذا القيل اسم لا مصدر. وقرأ طلحة والأعمش في رواية {قَال ٱلْحق} برفع لام {قَال } على أنه فعل ماض ورفع {ٱلْحق } على الفاعلية، وجعل {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } على هذا مقول القول أي قال الله تعالى ذلك الموصوف بما ذكر عيسى ابن مريم. {ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ } أي يشكون أو يتنازعون فيقول اليهود: هو ساحر وحاشاه ويقول النصارى: ابن الله سبحان الله عما يقولون. والموصول صفة القول أو الحق أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي الخ وذلك بحسب اختلاف التفسير والقراءة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وداود بن أبـي هند ونافع في رواية والكسائي / كذلك {تمترون} بتاء الخطاب.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بين الجُمل المقولة في قوله: {أية : قال إني عَبْدُ الله}تفسير : [مريم: 30] مع قوله: {أية : وإن الله ربي وربكم}تفسير : [مريم: 36]، أي ذلك المذكور هو عيسى ابن مريم لا كما تزعم النصارى واليهود. والإشارة لتمييز المذكور أكمل تمييز تعريضاً بالرد على اليهود والنّصارى جميعاً، إذ أنزله اليهود إلى حضيض الجناة، ورفعه النّصارى إلى مقام الإلهية، وكلاهما مخطىء مبطل، أي ذلك هو عيسى بالحق، وأما من تصفونه فليس هو عيسى لأن استحضار الشخص بصفات غير صفاته تبديل لشخصيته، فلما وصفوه بغير ما هو صفته جُعلوا بمنزلة من لا يعرفونه فاجتلب اسم الإشارة ليتميز الموصوف أكمل تمييز عند الذين يريدون أن يعرفوه حق معرفته. والمقصود بالتمييز تمييز صفاته الحقيقية عن الصفات الباطلة التي ألصقوها به لا تمييزُ ذاته عن الذوات إذ ليست ذاته بحاضرة وقت نزول الآية، أي تلك حقيقة عيسى - عليه السلام - وصفته. و {قَوْلُ الحقّ} قرأهُ الجمهور بالرفع، وقرأه ابن عامر، وعاصم، ويعقوب بالنصب؛ فأما الرفع فهو خبرٍ ثانٍ عن اسم الإشارة أو وصف لعِيسى أو بدل منه، وأما النصب فهو حال من اسم الإشارة أو من عيسى. ومعنى {قَولَ الحقّ} أن تلك الصفات التي سمعتم هي قول الحق، أي مَقول هو الحق وما خالفها باطل، أو أن عيسى - عليه السلام - هو قول الحق، أي مقول الحق، أي المكون من قول (كُن)، فيكون مصدراً بمعنى اسم المفعول كالخلق في قوله تعالى: {أية : هذا خلق الله}تفسير : [لقمان:11]. وجَوّز أبو علي الفارسي أن يكون نصب {قَولَ الحقّ} بتقدير: أحُقُّ قولَ الحق، أي هو مصدر مؤكّد لمضمون الجملة قبله منصوب بفعل محذوف وجوباً، تقديره: أحُقّ قولَ الحق. ويجوز أن يكون {قَولَ الحقّ} مصدراً نائباً عن فعله، أي أقول قول الحق. وعلى هذين الوجهين يكون اعتراضاً. ويجوز أن يكون {قَولَ} مصدراً بمعنى الفاعل صفة لعِيسَى أو حالاً منه، أي قائل الحق إذ قال: {أية : إنِّي عَبْدُ الله ءاتانِي الكِتابَ} تفسير : [مريم: 30] إلى قوله: {أية : أُبْعثُ حَيّاً}تفسير : [مريم: 33]. و {الَّذي فيهِ يمْتَرُونَ} صفة ثانية أو حال ثانية أو خبر ثان عن {عيسى ابنُ مريمَ} على ما يناسب الوجوه المتقدمة. والامتراء: الشكّ، أي الذي فيه يشكون، أي يعتقدون اعتقاداً مَبناه الشك والخطأ، فإن عاد الموصول إلى القول فالامتراء فيه هو الامتراء في صدقه، وإن عاد إلى عيسى فالامتراء فيه هو الامتراء في صفاته بين رافع وخافض. وجملة {مَا كَانَ لله أنْ يتَّخِذْ من ولد} تقرير لمعنى العبودية، أو تفصيل لمضمون جملة {الذي فيه يمترون} فتكون بمنزلة بدل البعض أو الاشتمال منها، اكتفاءً بإبطال قول النصارى بأن عيسى ابن الله، لأنه أهم بالإبطال، إذ هو تقرير لعبودية عيسى وتنزيه لله تعالى عما لا يليق بجلال الألوهيّة من اتخاذ الولد ومن شائبة الشرك، ولأنه القول الناشيء عن الغلوّ في التقديس، فكان فيما ذكر من صفات المدح لعيسى ما قد يقوي شبهتهم فيه بخلاف قول اليهود فقد ظهر بطلانه بما عُدد لعيسى من صفات الخير. وصيغة {ما كان لله أن يتّخذ} تفيد انتفاء الولد عنه تعالى بأبلغ وجه لأنّ لام الجحود تفيد مبالغة النّفي، وأنه مما لا يلاقي وجود المنفي عنه، ولأن في قوله: {أن يتخذَ} إشارة إلى أنه لو كان له ولد لكان هو خَلَقَه، واتّخذه فلم يَعْدُ أن يكون من جملة مخلوقاته، فإثبات البنوّة له خُلْف من القَوْل. وجملة {إذا قَضَى أمراً إنما يَقُولُ لهُ كُن فيَكُونُ} بيان لجملة {ما كان لله أن يتَّخِذ من ولدٍ}، لإبطال شبهة النصارى إذ جعلوا تكوين إنسان بأمر التكوين عن غير سبب معتاد دليلاً على أن المكوّن ابن لله تعالى، فأشارت الآية إلى أن هذا يقتضي أن تكون أصول الموجودات أبناء لله وإن كان ما يقتضيه لا يخرج عن الخضوع إلى أمر التكوين.

الشنقيطي

تفسير : اعلم أن هذا الحرف فيه قراءتان سبعيتان: قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} بضم اللام. وقرأه ابن عامر وعاصم {قَوْلُ ٱلْحَقِّ} بالنصب. والإشارة في قوله "ذلك" راجعة إلى المولود المذكور في الآيات المذكورة قبل هذا. وقوله "ذلك" مبتدأ، "وعيسى"، خبره، و"ابن مريم" نعت لـ "عيسى" وقيل بدل منه. وقيل خبر بعد خبر. وقوله {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} على قراءة النصب مصدر مؤكد لمضمون الجملة. وإلى نحوه أشار ابن مالك بقوله في الخلاصة: شعر : والثاني كابني أنت حقاً صرفاً تفسير : وقيل منصوب على المدح: وأما على قراءة الجمهور بالرفع "فقول الحق" خبر مبتدأ محذوف، أي هو أي نسبته إلى أمه فقط قول الحق. قال أبو حيان. وقال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: اعلم أن لفظة "الحق" في قوله هنا "قول الحق" فيها للعلماء وجهان: الأول - أن المراد بالحق ضد الباطل بمعنى الصدق والثبوت. كقوله: {أية : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ }تفسير : [الأنعام: 66] وعلى هذا القول فإعراب قوله "قول الحق" على قراءة النصب أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كما تقدم. وعلى قراءة الرفع فهو خبر مبتدأ محذوف كما تقدم. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في "آل عمران" في القصة بعينها: {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ}تفسير : [آل عمران: 60]. الوجه الثاني - أن المراد بالحق في الآية الله جل وعلا. لأن من أسمائه "الحق" كقوله:{أية : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [النور: 25]، وقوله {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ}تفسير : [الحج: 6] الآية. وعلى هذا القول فإعراب قوله تعالى {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} على قراءة النصب أنه منصوب على المدح. وعلى قراءة الرفع فهو بدل من "عيسى" أو خبر، بعد خبر، وعلى هذا الوجه فـ "قول الحق"، هو "عيسى" كما سماه الله كلمة في قوله: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ}تفسير : [النساء: 171]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ}تفسير : [آل عمران:45] الآية. وإنما سمى "عيسى" كلمة لأن الله أوجده بكلمته التي هي "كن" فكان. كما قال: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن}تفسير : [آل عمران: 59]. والقول والكلمة على هذا الوجه من التفسير بمعنى واحد. وقوله: {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُون} أي يشكون. فالامتراء افتعال من المرية وهي الشك. وهذا الشك الذي وقع للكفار نهى الله عنه المسلمين على لسان نبيهم في قوله تعالى {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ}تفسير : [آل عمران: 59-60] وهذا القول الحق الذي أوضح الله به حقيقة الأمر في شأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بعد نزوله على نبينا صلى الله عليه وسلم - أمره ربه أن يدعو من حاجة في شأن عيسى إلى المباهلة. ثم أخبره أن ما قص عليه من خبر عيسى هو القصص الحق، وذلك في قوله تعالى: {أية : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [آل عمران:61-62] الآية. ولما نزلت ودعا النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران إلى المباهلة خافوا الهلاك وأدوا كما هو مشهور.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ذلك عيسى ابن مريم: أي هذا الذي بينت لكم صفته وأخبرتكم خبره هو عيسى بن مريم. قول الحق: أي وهو قول الحق الذي أخبر تعالى به. يمترون: يشكون. ما كان لله أن يتخذ من ولد: أي ليس من شأن الله أن يتخذ ولداً وهو الذي يقول للشيء كن فيكون. سبحانه: أي تنزيهاً له عن الولد والشريك والشبيه والنظير. صراط مستقيم: أي طريق مستقيم لا يضل سالكه. فاختلف الأحزاب: أي في شأن عيسى فقال اليهود هو ساحر وابن زنا، وقالت النصارى هو الله وابن الله تعالى عما يصفون. من مشهد يوم عظيم: هو يوم القيامة. أسمع بهم وأبصر: أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة عند معاينة العذاب. وأنذرهم يوم الحسرة: أي خوفهم بما يقع في يوم القيامة من الحسرة والندامة وذلك عندما يشاهدون أهل الجنة قد ورثوا منازلهم فيها وهم ورثوا منازل أهل الجنة في النار فتعظم الحسرة ويشتد الندم. معنى الآيات: بعد أن قص الله تعالى قصة مريم من ساعة أن اتخذت من دون أهلها حجاباً معتزلة أهلها منقطعة إلى ربها إلى أن أشارت إلى عيسى وهو في مهده فتكلم فقال: إني عبد الله، فبين تعالى أن جبريل بشرها، وأنه نفخ في كم درعها فحملت بعيسى وأنه ولد في ساعة من حمله وأنها وضعته تحت جذع النخلة وأنه ناداها من تحتها: أن لا تحزني، وأرشدها إلى القول الذي تفول لقومها إذا سألوها عن ولادتها المولود بدون أب، وهو أن تشير إليه تطلب منهم أن يسألوه وسألوه فعلاً فأجاب بأنه عبد الله وأنه آتاه الكتاب وجعله نبياً ومباركاً وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حياً وأنه بر بوالدته، ولم يكن جباراً شقياً فأشار تعالى إلى هذا بقوله في هذه الآية [34] {ذٰلِكَ} أي هذا الذي بينت لكم صفته وأخبرتكم خبره هو {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ}، وما أخبرتكم به هو {قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي يشكون إذ قال اليهود في عيسى أنه ابن زنا وانه ساحر وقال النصارى هو الله وابن الله وثالث ثلاثة حسب فرقهم وطوائهم المتعددة وقوله تعالى: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} ينفي تعالى عنه اتخاذ الولد وكيف يصح ذلك له أو ينبغي وهو الغني عما سواه والمفتقر إليه كل ما عداه، وأنه يقول للشيء كن فيكون فعيسى عليه السلام كان بكلمة الله تعالى له كن فكان وهو معنى قوله تعالى {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. وقد نزه تعالى نفسه عن الولد والشريك والشبيه والنظير، والافتقار والحاجة إلى مخلوقاته بقوله: سبحانه أي تنزيها له عن صفات المحدثين وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}. هذا من قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل أخبرهم أنه عبد الله وليس بابن لله ولا بإله مع الله وأخبرهم أن الله تعالى هو ربه وربهم فليعبدوه جميعاً بما شرع لهم ولا يعبدون معه غيره إذ لا إله لهم إلا هو سبحانه وتعالى، وأعلمهم أن هذا الاعتقاد الحق والعبادة بما شرع الله هو الطريق المفضي بسالكه إلى السعادة ومن تنكب عنه وسلك طريق الشرك والضلال أفضى به إلى الخسران وقوله تعالى في الآية [37] {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} أي في شأن عيسى فمن قائل هو الله، ومن قائل هو ابن الله ومن قائل هو وامه الهين من دون الله والقائلون بهذه المقالات كفروا بها فتوعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم فقال {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} بنسبَتِهم الولد والشريك لله، والويل واد في جهنم فهم إذا داخلوها لا محالة، وقوله {مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني به يوم القيامة وهو يوم ذو أهوال وشدائد لا يقادر قدرها. وقوله تعالى في الآية [38] {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} يخبر تعالى أن هؤلاء المتعامين اليوم عن الحق لا يريدون أن يبصروا آثاره الدالة عليه فيؤمنوا ويوحدوا ويعبدوا، والمتصاممين عن سماع الحجج والبراهين وتوحيد الله وتنزيهه عن الشريك والولد هؤلاء يوم يقدمون عليه تعالى في عرصات القيامة يصبحون أقوى ما يكون أبصاراً وسمعاً، ولكن حين لا ينفعهم سمع ولا بصر، وقوله تعالى: {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يخبر تعالى أن أهل الشرك والكفر وهم الظالمون في ضلال مبين أي عن طريق الهدى وهو سبب عدم إبصارهم للحق وسماعهم لحججه التي جاءت بها رسل الله ونزلت بها كتبه. وقوله تعالى في آية [39] {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يأمر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن ينذر الكفار والمشركين أي يخوفهم عاقبة شركهم وكفرهم وضلالهم يوم القيامة حيث تشتد فيه الحسرة وتعظم الندامة وذلك عندما يتوارث الموحدون مع المشركين فالموحدون يرثون منازل المشركين في الجنة، والمشركون يرثون منازل الموحدين في النار، وعندما يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار، وينادي منادٍ يا أهل الجنة خلود فلا موت؟ ويا أهل النار خلود فلا موت عندها تشتد الحسرة ويعظم الندم هذا معنى قوله تعالى {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} عما حكم عليهم به من الخلود في نار جهنم {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بالبعث ولا بما يتم فيه من نعيم مقيم وعذاب أليم. وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} يخبر تعالى عن نفسه بأنه الوارث للأرض ومن عليها ومعنى هذا أنه حكم بفناء، هذه المخلوقات وأن يوماً سيأتي يفنى فيه كل من عليها، والجميع سيرجعون إليه ويقفون بين يديه ويحاسبهم بما كتبت أيديهم ويجزيهم به، ولذا فلا تحزن أيها الرسول وامض في دعوتك تبلغ عن ربك ولا يضرك تكذيب المكذبين ولا شرك المشركين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس كما قال اليهود، ولا كما قالت النصارى. 2- استحالة اتخاذ الله الولد الذي يقول للشيء كن فيكون. 3- تقرير التوحيد على لسان عيسى عليه السلام. 4- الإِخبار بما عليه النصارى من خلاف في شأن عيسى عليه السلام. 5- بيان سبب الحسرة يوم القيامة وهو الكفر بالله والشرك به. 6- تقرير فناء الدنيا، ورجوع الناس إلى ربهم بعد بعثهم وهو تقرير لعقيدة البعث والجزاء التي تعالجها السور المكية في القرآن الكريم.

د. أسعد حومد

تفسير : (34) - ذَلِكَ الذِي قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، مِنْ خَبَرِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، هُوَ القَوْلُ الحَقُّ الذِي يَخْتَلِفُ فِيهِ المُبْطِلُونَ، الذِينَ كَفَرُوا بِعِيسَى، وَتَقَوَّلُوا عَلَى أُمِّهِ، وَشَكُّوا فِي وِلاَدَتِهِ، وَالذِينَ غَالَوْا فِيهِ فَادَّعَوْا أَنَّهُ اللهُ أَوْ أَنَّهُ ابْنُ اللهِ. قَوْلَ الحَقِّ - كَلِمَةَ اللهِ لِخَلْقِهِ كُنْ. يَمْتَرُونَ - يَشُكُّونَ أَوْ يُجَادِلُونَ بِالبَاطِلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ذٰلِكَ ..} [مريم: 34] أي: ما تقدّم من قصة عيسى عليه السلام {قَوْلَ ٱلْحَقِّ ..} [مريم: 34] أي: يقولها الله تعالى قَوْلَة حَقٍّ، والحق هو الله، فالذي قَصّ عليك هذا القَصَص هو الله، وقوله الحق الذي لا باطلَ فيه، فيكون الحق الذي هو ضد الباطل، فالمعنيان ملتقيان. أو: يكون المراد بقول الحق كلمة (كُنْ) التي بها يتمّ الخَلْق. ثم يقول تعالى: {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} [مريم: 34] من المراء: وهو الاختلاف والجدال بالباطل، فالحق سبحانه يعلم أنهم سيشكُّون فيه، ويتجادلون بالباطل، وأنهم سيقولون فيه الأقاويل، وكأن الله تعالى يقول لهم: اتركوا هذه الأقاويل والأباطيل في شأن عيسى وخُذُوا بما أخبرتُكم به من خبره، فهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن مذمة الخلق في قوله الحق بقوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} [مريم: 34] يشير إلى أن ذلك المتولد من نفخ الروح المضاف ومريم القلب وهو ابن مريم القلب لا ابن الله ولا جزء منه {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} [مريم: 34] أي: هو المجعول من كلمة الله وهي قول كن، {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} [مريم: 34] يشكون، فقائل يقول: هو ابن الله، وقائل يقول بالحلول أنه قد حل في مريم القلب، وقائل يقول بقدمه وقدم الروح، ثم نفى عن ذاته جل جلاله هذه الأوصاف بقوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [مريم: 35] أي: جزء، فإن الولد جزء الوالد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاطمة بضعة مني" تفسير : وبقوله: {سُبْحَانَهُ} [مريم: 35] نزَّه نفسه عن أوصاف المخلوقات كلها. ثم أخبر عن كمال قدرته بقوله: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} [مريم: 35] في الأزل {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [مريم: 35] في الحال ذلك الأمر المقدور في الأزل، وبقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} [مريم: 36] يشير إلى أن عيسى المتولد من مريم القلب يشهد أن الله الذي خلقه وخلقكم {فَٱعْبُدُوهُ} [مريم: 36] بهذا الاعتقاد الخالص، فإن {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [مريم: 36] يصل به العبد إلى الله عز وجل {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} [مريم: 37] أي: تفرقوا ثلاث فرق: * فرقة: يعبدون الله بالسير على قدمي الشريعة والطريقة بالعبور على المقامات والوصول إلى القربات، وهم: الأولياء الصديقون، وهم: أهل الله وخاصته. * وفرقة: يعبدون الهوى على وفق الطبيعة، ويزعمون أنهم يعبدون الله كما أن الكفار يعبدون الأصنام ويقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] فهؤلاء ينكرون على أهل الحق وهم: البدع والهوى والزيغ والرياء والسمعة والشقاق وهم: أهل النار {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} [مريم: 37] من هؤلاء {مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37] أي: من شهود يوم يظهر فيه عظائم الأمور فيتبع كل عابد معبوده. وبقوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: 38] يشير إلى أن من يأتي الله بقدم اليسر ما أسمعهم وأبصرهم؛ لأنهم به يسمعون وبه يبصرون {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [مريم: 38] يعني: الذين ظلموا أنفسهم بإفساد استعدادهم اليوم في ضلال مبين باستعماله في غير موضعه {وَأَنْذِرْهُمْ} [مريم: 39] أي: أعلمهم؛ يعني: الظالمين {يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} [مريم: 39] في الأزل بإيمان بعضهم، وكفر بعضهم {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مريم: 39] في العدم عن هذا القضاء {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] أي: قضى للظالمين ما لم يؤمنوا. {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ} [مريم: 40] أي: الوارث لأرض الوجود {وَمَنْ عَلَيْهَا} [مريم: 40] أي: ومن في الوجود {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم: 40] باللطف والقهر؛ أمَّا باللطف: فبأن يغنيهم الله عنهم ويبقيهم به، وأمَّا بالقهر بقوله: {أية : وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 48] فيناديهم {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 16] أي: ملك الوجود فلا يجيب نفسه {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ذلك الموصوف بتلك الصفات، عيسى بن مريم، من غير شك ولا مرية، بل قول الحق، وكلام الله، الذي لا أصدق منه قيلا ولا أحسن منه حديثا، فهذا الخبر اليقيني، عن عيسى عليه السلام، وما قيل فيه مما يخالف هذا، فإنه مقطوع ببطلانه،.وغايته أن يكون شكا من قائله لا علم له به، ولهذا قال: { الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي: يشكون فيمارون بشكهم، ويجادلون بخرصهم، فمن قائل عنه: إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن إفكهم وتقولهم علوا كبيرا. فـ { مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ } أي: ما ينبغي ولا يليق، لأن ذلك من الأمور المستحيلة، لأنه الغني الحميد، المالك لجميع الممالك، فكيف يتخذ من عباده ومماليكه، ولدا؟! { سُبْحَانَهُ } أي: تنزه وتقدس عن الولد والنقص، { إِذَا قَضَى أَمْرًا } أي: من الأمور الصغار والكبار، لم يمتنع، عليه ولم يستصعب { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } فإذا كان قدره ومشيئته نافذا في العالم العلوي والسفلي، فكيف يكون له ولد؟".وإذا كان إذا أراد شيئا قال له: { كُن فَيَكُونُ } فكيف يستبعد إيجاده عيسى من غير أب؟!. ولهذا أخبر عيسى أنه عبد مربوب كغيره، فقال: { وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ } الذي خلقنا، وصورنا، ونفذ فينا تدبيره، وصرفنا تقديره. { فَاعْبُدُوهُ } أي: أخلصوا له العبادة، واجتهدوا في الإنابة، وفي هذا الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والاستدلال بالأول على الثاني، ولهذا قال: { هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } أي: طريق معتدل، موصل إلى الله، لكونه طريق الرسل وأتباعهم، وما عدا هذا، فإنه من طرق الغي والضلال.

همام الصنعاني

تفسير : 1765- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} [الآية: 34] قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر. أخرج كل قوْمٍ عَالِمَهُمْ فامْتَرُوا في عِيسَى حين رُفِعَ، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السَّماء، وهم اليعقوبية، قال: فقال الثلاثة: كذبتَ، ثم قال اثنان منهم للثالث قل، فقال: هو ابن اللظنه وهم النسْطُورية، فقال اثنان: كذبتَ، ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة الله وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية وهم ملوك النصارى، قال الرابع: كذبتَ، هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته، وهم المسلمون، فكانت لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا، فظُهِر على المسلمين وذلك قول الله: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 21]، قال قتادة: وهم الذين قال الله: {أية : فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} تفسير : [الآية: 37]، فاختلفوا فيه فَصَارُوا أحْزاباً.