Verse. 2285 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

مَا كَانَ لِلہِ اَنْ يَّــتَّخِذَ مِنْ وَّلَدٍ۝۰ۙ سُبْحٰــنَہٗ۝۰ۭ اِذَا قَضٰۗى اَمْرًا فَاِنَّمَا يَقُوْلُ لَہٗ كُنْ فَيَكُوْنُ۝۳۵ۭ
Ma kana lillahi an yattakhitha min waladin subhanahu itha qada amran fainnama yaqoolu lahu kun fayakoonu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه» تنزيها له عن ذلك «إذا قضى أمرا» أي: أراد أن يحدثه «فإنما يقول له كن في فيكونُ» بالرفع بتقدير هو، وبالنصب بتقدير أن ومن ذلك خلق عيسى من غير أب.

35

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَـٰنَهُ } تكذيب للنصارى وتنزيه لله تعالى عما بهتوه. {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تبكيت لهم، فإن من إذا أراد شيئاً أوجده بـ {كُن} كان منزهاً عن شبه الخلق إلى الحاجة في اتخاذ الولد بإحبال الإِناث، وقرأ ابن عامر {فَيَكُونُ} بالنصب على الجواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَٰنَهُ } تنزيهاً له عن ذلك {إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا } أي أراد أن يحدثه {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } بالرفع بتقدير هو، وبالنصب بتقدير أن ومن ذلك خلق عيسى من غير أب.

النسفي

تفسير : {مَا كَانَ للَّهِ } ما ينبغي له {أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } جيء بـ {من} لتأكيد النفي {سُبْحَـٰنَهُ } نزه ذاته عن اتخاذ الولد {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } بالنصب شامي أي كما قال: لعيسى كن فكان من غير أب ومن كان متصفاً بهذا كان منزها أن يشبه الحيوان الوالد {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } بالكسر شامي وكوفي على الابتداء وهو من كلام عيسى يعني كما أنا عبده فأنتم عبيده، علي وعليكم أن نعبده. ومن فتح عطف على {بالصلاة} أي وأوصاني بالصلاة وبالزكاة وبأن الله ربي وربكم، أو علقه بما بعده أي لأن الله ربي وربكم فاعبدوه {هَـٰذَا } الذي ذكرت {صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ } الحزب الفرقة المنفردة برأيها عن غيرها وهم ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكانية {مِن بَيْنِهِمْ } من بين أصحابه أو من بين قومه أو من بين الناس، وذلك أن النصارى اختلفوا في عيسى حين رفع ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول ثلاثة كانوا عندهم أعلم أهل زمانهم وهم: يعقوب ونسطور وملكان. فقال يعقوب: هو الله هبط إِلى الأرض ثم صعد إلى السماء. وقال: نسطور كان ابن الله أظهره ما شاء ثم رفعه إليه. وقال الثالث: كذبوا كان عبداً مخلوقاً نبياً فتبع كل واحد منهم قوم {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } من الأحزاب إذ الواحد منهم على الحق {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } هو يوم القيامة أو من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وجوارحهم بالكفر، أو من مكان الشهادة أو وقتها، أو المراد يوم اجتماعهم للتشاور فيه وجعله عظيماً لفظاعة ما شهدوا به في عيسى {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } الجمهور على أن لفظه أمر ومعناه التعجب والله تعالى لا يوصف بالتعجب ولكن المراد أن إسماعهم وإبصارهم جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صما وعمياً في الدنيا. قال قتادة: إن عموا وصموا عن الحق في الدنيا فما أسمعهم وما أبصرهم بالهدى يوم لا ينفعهم! و{بهم} مرفوع المحل على الفاعلية «كأكرم بزيد» فمعناه كرم زيد جداً {لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ } أقيم الظاهر مقام المضمر أي لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسهم حيث تركوا الاستماع والنظر حين يجدي عليهم ووضعوا العبادة في غير موضعها {فِى ضَلَـٰلٍ } عن الحق {مُّبِينٌ } ظاهر وهو اعتقادهم عيسى إلٰهاً معبوداً مع ظهور آثار الحدث فيه إشعاراً بأن لا ظلم أشد من ظلمهم.

ابو السعود

تفسير : {مَا كَانَ للَّهِ} أي ما صح وما استقام له تعالى {أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَـٰنَهُ} تكذيبٌ للنصارى وتنزيهٌ له تعالى عما بَهتوه وقوله تعالى: {إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تبكيتٌ لهم ببـيان أن شأنه تعالى ـ إذا قضى أمراً من الأمور ـ أن يعلِّق به إرادتَه فيكونَ حينئذ بلا تأخير، فَمْن هذا شأنُه كيف يُتوهّم أن يكون له ولد وقرىء فيكونَ بالنصب على الجواب. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} من تمام كلامِ عيسى عليه السلام، قيل: هو عطف على قوله: {إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ} داخلٌ تحت القولِ وقد قرىء بغير واو، وقرىء بفتح الهمزة على حذف اللام أي ولأنه تعالى ربـي وربُّكم فاعبُدوه كقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً } تفسير : [الجن: 18] وقيل: معطوفٌ على الصلاة {هَـٰذَا} أي الذي ذكرتُه من التوحيد {صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لا يضِلُّ سالكُه والفاء في قوله تعالى: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها تنبـيهاً على سوء صنيعِهم بجعلهم ما يوجب الاتفاقَ منشأً للاختلاف، فإن ما حُكي من مقالات عيسى عليه السلام مع كونها نصوصاً قاطعةً في كونه عبدَه تعالى ورسولَه قد اختلفت اليهودُ والنصارى بالتفريط والإفراط، أو فرّق النصارى، فقالت النُّسطوريةُ: هو ابنُ الله، وقالت اليعقوبـيةُ: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعِد إلى السماء تعالى عن ذلك علواً كبـيراً، وقالت الملكانية: هو عبدُ الله ونبـيُّه. {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم المختلفون عبّر عنهم بالموصول إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحُكم {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي من شهود يومٍ عظيمِ الهول والحساب والجزاء وهو يومُ القيامة، أو من وقت شهودِه أو من مكان الشهود فيه أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو أن يشهد عليهم الملائكةُ والأنبـياءُ عليهم السلام وألسنتُهم وآذانُهم وأيديهم وأرجلُهم وسائرُ آرابِهم بالكفر والفسوق، أو من وقت الشهادة أو من مكانها، وقيل: هو ما شِهدوا به في حق عيسى وأمِّه عليهما السلام. {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} تعجّبٌ من حِدّة سمعِهم وأبصارِهم يومئذ، ومعناه أن أسماعَهم وأبصارهم {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} للحساب والجزاء أي يوم القيامة جديرٌ بأن يُتعجَّب منها بعد أن كانوا في الدنيا صُمًّا عُمياً، أو تهديدٌ بما سيسمعون ويُبصرون يومئذ، وقيل: أُمر بأن يُسمِعَهم ويُبصرهم مواعيدَ ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه، والجارُّ والمجرورُ على الأول في موقع الرفعِ وعلى الثاني في حيز النصب {لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ} أي في الدنيا {فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} لا تُدرك غايتُه حيث أغفلوا الاستماعَ والنظرَ بالكلية، ووضعُ الظالمين موضعَ الضمير للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما كان لله} ما صح وما استقام له تعالى {ان يتخذ من ولد} اى ولدا وجاء بمن لتأكيد النفى العام. وفى التاويلات النجمية اى جزأ فان الولد جزؤ الوالد كما قال عليه السلام "حديث : فاطمة بضعة منى"تفسير : {سبحانه} اى تنزه وتعالى تنزيها عن بهتان النصارى لانه ليس للقديم جنس اذ لا جنس له ولذلك قالوا لا فضل له {اذا قضى امرا} اى اراد كونه {فانما يقول له كن فيكون} قال لعيسى كن فكان من غير اب والقول ههنا مجاز عن سرعة الايجاد. والمعنى انه تعالى اذا اراد تكوين الاشياء لم تمتنع عليه ووجدت كما ارادها على الفور من غير تأخير فى ذلك كالمأمور المطيع الذى اذا ورد عليه امر الآمر المطاع كان المأمور به مفعولا لاحبس ولا ابطاء وهو المجاز الذى يسمى التمثيل.

الجنابذي

تفسير : {مَا كَانَ للَّهِ} اى ما صحّ وما امكن لله فانّ هذه الكلمة تستعمل ويراد بها نفى الامكان {أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} كما يقوله بعض النّصارى {سُبْحَانَهُ} اى نزّه نزاهته من المجانسة مع الولد والاحتياج الى الصّاحبة {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فليس كون عيسى (ع) بلا ابٍ سبباً للقول بانّه ولد لله.

اطفيش

تفسير : {مَا كَانَ للِهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} تكذيب لمن يقول من النصارى: هو ابن الله. {إذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تبكيت لهم بأَن من إذا أراد إحداث أمر أوجده يقول له: كن، منزه عن شبه الخلق وعن الحاجة، فى اتخاذ الولد؛ بإهمال الإناث؛ إذ من المحال الواضح أن تكون ذاته كذات من ينشأ منه الولد. وقول كن حقيقة، يخلق الله لفظ كن فى الهواء، وحيث شاء، أو مجاز على أن المراد أن إرادته للشئ يتبعها كونه من غير توقف. وهذا مذهبنا ويقويه: أنه يقول لأول مخلوق: كن وليس حينئذ مخلوق ولا هواء يخلق فيه كن. وقيل: الهواء عدم والعدم لا يصلح أن يكون ظرفا لقول والخصم بقول: له ما يخلق فيما شاء إذا أوجد ما يخلق فيه. والفاء للعطف على يقول أو للاستئناف إن قلنا: إنه يأتى الفاء للاستئناف كالواو. وقرأ ابن عامر بالنصب. قال القاضى: هو على الجواب أى جواب الأمر وهو كن وفيه أنه ليس منخرطا فى سلك المقول فإنه ليس مما يقوله إذا أراد شيئا وقال له: كن ولعل النصب عطف على مصدر مقدر معنى أى فإنما أمره القول كن فيعطف مصدر يكون على القول على حد: ولُبس عباءة وتقرَّ عينى ويأتى إن شاء الله مزيد كلام.

اطفيش

تفسير : {ما كَان الله أن يتَّخذ مِن وَلدٍ} أى ما يليق به ذلك تعالى {سبحانه} سبح الله نفسه عن ذلك تسبيحاً، أو أمر الله أن نسبحه عن ذلك أى سبحوه بكسر الباء تسبيحاً {إِذا قَضَى أَمْراً فإِنَّما يقُول له كنْ فيكون} بلا علاج ولا كسب، فى أسرع وقت، ومَن قدرتُه ذلك لا يتوهم له ولد، فإن الولد من أمارات الحاجة، ومن شأن ما يلد أن يموت، والله لا يموت، وهذا وما قبله تبكيت للنصارى، وقد صح عندهم أنه يعبد الله، ويأمر بعبادته، فهو عبدالله تعالى لا إله.

الالوسي

تفسير : {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَـٰنَهُ } أي ما صح وما استقام له جل شأنه اتخاذ ذلك وهو تكذيب للنصارى وتنزيه له عز وجل عما افتروه عليه تبارك وتعالى وقوله جل وعلا: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تبكيت له ببيان أن شأنه تعالى شأنه إذا قضى أمراً من الأمور أن يوجد بأسرع وقت فمن يكون هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد وهو من أمارات الاحتياج والنقص. وقرأ ابن عامر {فيكون } بالنصب على الجواب.

الشنقيطي

تفسير : اعلم أولاً أن لفظ "ما كان" يدل على النفي، فتارة يدل ذلك النفي من جهة المعنى على الزجر والردع، كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 120] الآية. وتارة يدل على التعجيز، كقوله تعالى: {أية : ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا}تفسير : [النمل: 59-60] الآية. وتارة يدل على التنزيه، كقوله هنا {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} وقد أعقبه بقوله {سُبْحَانَهُ} أي تنزيهاً له عن اتخاذ الولد وكل ما لا يليق بكماله وجلاله. فقوله {مَا كَانَ للَّهِ} بمعنى ما يصح ولا يتأتى ولا يتصور في حقه جل وعلا أن يتخذ ولداً، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. والآية كقوله تعالى: {أية : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}تفسير : [مريم: 92]. وفي هذه الآية الرد البالغ على النصارى الذين زعموا المحال في قولهم "عيسى ابن الله" وما نزه عنه جل وعلا نفسه هنا من الولد المزعوم كذباً كعيسى - نزه عنه نفسه في مواضع أخر، كقوله تعالى {أية : إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ}تفسير : [النساء: 171] إلى قوله {أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}تفسير : [النساء: 171] الآية. والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة، كقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}تفسير : [مريم: 88-91] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة "الكهف". وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} أي أراد قضاءه، بدليل قوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [النحل: 40]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82] وحذف فعل الإرادة لدلالة المقام عليه كثير في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}تفسير : [المائدة: 6] الآية، أي إذا أردتم القيام إليها، وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}تفسير : [النحل: 98] أي إذا أردت قراءة القرآن، كما تقدم مستوفى. وقوله تعالى في الآية التي نحن بصددها: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} زيدت فيه لفظة "من" قبل المفعول به لتأكيد العموم. وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة "من" لتوكيد العموم كانت نصاً صريحاً في العموم، وتطرد زيادتها للتوكيد المذكور قبل النكرة في سياق النفي في ثلاثة مواضع: قبل الفاعل كقوله تعالى: {أية : مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ}تفسير : [القصص:46]، وقبل المفعول كهذه الآية، وكقوله {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ}تفسير : [الأنبياء:25] الآية: وقبل المبتدأ كقوله {أية : مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}تفسير : [الأعراف:59].

د. أسعد حومد

تفسير : {سُبْحَانَهُ} (35) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، وَأَنَّهُ خَلَقَهُ لِيَكُونَ عَبْداً نَبِيّاً، نَزَّهَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ عَمَّا يَقُولُهُ الجَاهِلُونَ الظَّالِمُونَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللهِ، وَكَمَالِ أُلُوهِيّتِهِ أَنْ يَتَّخِذَ الوَلَدَ، لأَِنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَخَلَقَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ (كُنْ) فَيَكُونُ بِلاَ حَمْلٍ وَلاَ وِلاَدَةٍ، وَلأَِنَّ الوَلَدَ إِنَّمَا يَرْغَبُ فِيهِ البَشَرُ لِيَكُونَ حَافِظاً لأَِبِيهِ يَعولُهُ وَهُوَ حَيٌّ، وَلِيَكُونَ ذِكراً لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يَحْتَاجُ إِلى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكُلُّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ مُلْكٌ لَهُ، وَهُوَ حَيٌّ أبداً لاَ يَمُوتُ. إِذَا قَضَى أَمْراً - إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدثَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لماذا تكلم الحق سبحانه هنا عن نفي الولد بالذات؟ قالوا: لأن مسألة الشريك لله تعالى تُنفَى بأولية العقل، فإنْ كان كُلُّ إله صالحاً للفعل وللترك، فهذه صورة مُكرّرة لا تناسب الإله، وإنْ كان هذا إلهاً لكذا وهذا إله لكذا، فما عند أحدهما نقص في الآخر، وهذا محال في الإله، ولو أن هناك إلهاً آخر لذهب كل منهما بجزء، كما قال سبحانه: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..}تفسير : [المؤمنون: 91]. لذلك نفى مسألة الولد؛ لأنها ذات أهمية خاصة بالنسبة لقصة عيسى عليه السلام؛ لأن الولد من الممكن أنْ يُستبعَد فيه الدليل، لماذا؟ لأن دليله اتخاذُ الولد أو حُبُّ الولد، والإنسان يحب الولد ويسعى إليه، لماذا؟ قالوا: لأن الإنسان ابْنُ دنياه، وهو يعلم أنه ميت ميت، فيحبّ أن يكون له امتداد في الدنيا وذِكْر من بعده، فالإنسان يتمسّح في الدنيا حتى بعد موته، وهو لا يدري أن ذِكْر الإنسان لا يأتي بعده، بل ذِكْره يسبقه إلى الآخرة بالعمل الصالح. إذن: فحبُّ الولد هنا لاستدامة استبقاء الحياة، وهذا مُحَال في حَقِّ الله تبارك وتعالى؛ لأنه الباقي الذي لا يزول. وقد يتخذ الولد ليكون عِزْوة لأبيه وسَنداً ومُعِيناً، وهذا دليل الضَّعْف، والحق سبحانه هو القويّ الذي لا يحتاج إلى معونة أحد. إذن: فاتخاذ الولد أمر منفيّ عنه تبارك وتعالى، فهو أمر لا يليق بمقام الألوهية، ويجب أنْ تُنزِّه الله تعالى أن يكون له ولد؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {سُبْحَانَهُ ..} [مريم: 35]. وسبحان تدل على التنزيه المطلق لله تعالى تنزيهاً له في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فهو سبحانه ليس كمثله شيء، وإنْ وجدتَ صفة مشتركة بينك وبين الله كأنْ يكونَ لله تعالى وجه ويد، ولكَ وجه ويد، فإياك أنْ تنزل بالمستوى الأعلى فتقول: وجهه كوجهي، أو يده كيدي، لأن لك وجوداً ولله تعالى وجود، فهل وجودك كوجود الله؟ وجودك مسبوق بعدم ويلحقه العدم، ووجوده تعالى لم يُسبَق بعدم ولا يلحقه العدم، فعليك - إذن - أن تقول في مثل هذه المسائل: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11]. والمتتبع لمادة (سَبَّح) في القرآن الكريم يجد أنها جاءت بكل الصِّيَغ: الماضي: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الحديد: 1]. والمضارع: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الجمعة: 1]. والأمر في: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الأعلى: 1]. فما دام الكون كله سبَّح لله، ولم ينقطع عن تسبيحه، بل ما زال مُسبِّحاً، فلما خلق الخلق أمرهم بالتسبيح؛ لأنهم جزء من منظومة الكون المسبّح، وعليهم أنْ ينتظموا معه، ولا يكونوا نشازاً في كون الله. أما المصدر (سبحان) فقد جاء ليدل على التنزيه المطلق لله تعالى، حتى قبل أن يخلق الخَلْق، التنزيه ثابت له تعالى قبل أنْ يخلق مَنْ يُنزِّهه كما في قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ..}تفسير : [الإسراء: 1]. لأن المسألة عجيبة وفوق إدراك العقل، فقد جاء بالمصدر (سبحان) الدالّ على التنزيه المطلَق لله، كأنه تعالى يُحذّر الذين يُحكِّمون عقولهم، ولا يُحكِّمون قدرة الله الذي خلقهم بقانون الزمان والمكان والبُعْد والمسافة، فكُلُّ فعل يتناسب قوةً وقدرةً مع فاعله. ثم يقول تعالى: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [مريم: 35] ذلك لأن الآية في خَلْق عيسى عليه السلام مخالفة للنواميس كلها، وخارقة للعادة التي أَلِفها الناس، فإياك أنْ تتعجب من فِعْل الله تعالى في يحيى، حيث جاء به مع عطب الآلات، أو تتعجب من خَلْق عيسى حيث جاء به مع نقص الآلات. وإياك أنْ تتعَجَّب من كلام عيسى وهو في المهد صَبِياً، فهي أمور نعم خارقة للعادة وللنواميس، فخُذْها في إطار (سبحانه) وتنزيهاً له؛ لأنه تعالى إذا أراد شيئاً لا يعالجه بعمل ومُزاولة، وإنما يعالجه (بكُنْ) فيكون. ولا تظن أن خَلْق الأشياء متوقف على هذا الأمر (كُنْ)، فإن كان الفعل مُكوّناً من (كاف) و(نون) فقبل أن تنطق النون يكون الشيء موجوداً، لكن (كُنْ) هو أقصر ما يمكن تصوُّره لنا، والحق سبحانه يخاطبنا بما يُقرِّب هذه المسألة إلى عقولنا، وإلا فإرادته سبحانه ليستْ في حاجة إلى قول (كُنْ) فما يريده الله يكون بمجرد إرادته. كما أنك لو أمعنتَ النظر في قوله تعالى: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ..} [مريم: 35] تجد (يقُولُ لَهُ) أي: للشيء، فكأن الشيء موجود بالفعل، موجود أزلاً، فالأمر بكُنْ ليس لإيجاده من العدم، بل لمجرد إظهاره في عالم الواقع. ثم يقول: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ...}.