Verse. 2286 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

وَاِنَّ اللہَ رَبِّيْ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوْہُ۝۰ۭ ھٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيْمٌ۝۳۶
Wainna Allaha rabbee warabbukum faoAAbudoohu hatha siratun mustaqeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وأن الله ربي وربكم فاعبدوه) بفتح أن بتقدير اذكر، وبكسرها بتقدير قل بدليل "" ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم "" (هذا) المذكور (صراط) طريق (مستقيم) مؤد إلى الجنة.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح أن، ومعناه ولأنه ربي وربكم فاعبدوه، وقرأ الكوفيون وأبو عبيدة بالكسر على الابتداء، وفي حرف أبي {إِنَّ ٱللَّهَ } بالكسر من غير واو أي بسبب ذلك فاعبدوه. المسألة الثانية: أنه لا يصح أن يقول الله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } فلا بد وأن يكون قائل هذا غير الله تعالى، وفيه قولان: الأول: التقدير فقل يا محمد إن الله ربي وربكم بعد إظهار البراهين الباهرة في أن عيسى هو عبد الله. الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني: الواو في وإن الله عطف على قول عيسى عليه السلام: { أية : إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءاتَانِىَ الكتاب } تفسير : [مريم: 30] كأنه قال: إني عبد الله وإنه ربي وربكم فاعبدوه، وقال وهب بن منبه عهد إليهم حين أخبرهم عن بعثه ومولده ونعته أن الله ربي وربكم أي كلنا عبيد الله تعالى. المسألة الثالثة: قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } يدل على أن مدبر الناس ومصلح أمورهم هو الله تعالى على خلاف قول المنجمين إن مدبر الناس ومصلح أمورهم في السعادة والشقاوة هي الكواكب ويدل أيضاً على أن الإله واحد لأن لفظ الله اسم علم له سبحانه فلما قال: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } أي لا رب للمخلوقات سوى الله تعالى وذلك يدل على التوحيد، أما قوله: {فَٱعْبُدُوهُ } فقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية فههنا الأمر بالعبادة وقع مرتباً على ذكر وصف الربوبية فدل على أنه إنما تلزمنا عبادته سبحانه لكونه رباً لنا، وذلك يدل على أنه تعالى إنما تجب عبادته لكونه منعماً على الخلائق بأصول النعم وفروعها، ولذلك فإن إبراهيم عليه السلام لما منع أباه من عبادة الأوثان قال: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } يعني أنها لما لم تكن منعمة على العباد لم تجز عبادتها، وبهذه الآية ثبت أن الله تعالى لما كان رباً ومربياً لعباده وجب عبادته، فقد ثبت طرداً وعكساً تعلق العبادة بكون المعبود منعماً، أما قوله: {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } يعني القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة صراط مستقيم وأنه سمي هذا القول بالصراط المستقيم تشبيهاً بالطريق لأنه المؤدي إلى الجنة، أما قوله تعالى: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ } ففي الأحزاب أقوال: الأول: المراد فرق النصارى على ما بينا أقسامهم. الثاني: المراد النصارى واليهود فجعله بعضهم ولداً وبعضهم كذاباً. الثالث: المراد الكفار الداخل فيهم اليهود والنصارى والكفار الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وإذا قلنا المراد بقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } أي قل يا محمد إن الله ربي وربكم، فهذا القول أظهر لأنه لا تخصيص فيه، وكذا قوله: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } مؤكد لهذا الاحتمال، وأما قوله: {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فالمشهد إما أن يكون هو الشهود وما يتعلق به أو الشهادة وما يتعلق بها. أما الأول: فيحتمل أن يكون المراد من المشهد نفس شهودهم هول الحساب، والجزاء في القيامة أو مكان الشهود فيه وهو الموقف، أو وقت الشهود، وأما الشهادة فيحتمل أن يكون المراد شهادة الملائكة والأنبياء وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال، وأن يكون مكان الشهادة أو وقتها، وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه، وإنما وصف ذلك المشهد بأنه عظيم لأنه لا شيء أعظم مما يشاهد في ذلك اليوم من محاسبة ومساءلة، ولا شيء من المنافع أعظم مما هنالك من الثواب ولا بد من المضار أعظم مما هنالك من العقاب، أما قوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: التعجب هو استعظام الشيء مع الجهل بسبب عظمه، ثم يجوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظم سبب حصول، قال الفراء قال سفيان: قرأت عند شريح: { أية : بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } تفسير : [الصافات: 12] فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلم بذلك منه قرأها: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } ومعناه أنه صدر من الله تعالى فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم، وبهذا التأويل يضاف المكر والاستهزاء إلى الله تعالى، وإذا عرفت هذا فنقول: للتعجب صفتان: إحداهما: ما أفعله. والثانية: أفعل به كقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } والنحويون ذكروا له تأويلات: الأول: قالوا: أكرم بزيد أصله أكرم زيد أي صار ذا كرم كأغد البعير أي صار ذا غدة إلا أنه خرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر كما خرج على لفظ الخبر ما معناه الأمر كقوله تعالى: { أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } تفسير : [البقرة: 228]، { أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } تفسير : [البقرة: 233]، { أية : قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } تفسير : [مريم: 75] أي يمد له الرحمن مداً، وكذا قولهم: رحمه الله خبر وإن كان معناه الدعاء والباء زائدة. الثاني: أن يقال إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيداً كريماً أي بأن يصفه بالكرم، والباء زائدة مثل قوله: { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195] ولقد سمعت لبعض الأدباء فيه تأويلاً. ثالثاً: وهو أن قولك أكرم بزيد يفيد أن زيداً بلغ في الكرم إلى حيث كأنه في ذاته صار كرماً حتى لو أردت جعل غيره كريماً فهو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك، كما أن من قال: أكتب بالقلم فمعناه أن القلم هو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك. المسألة الثانية: قوله {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } فيه ثلاثة أوجه. أحدها: وهو المشهور الأقوى أن معناه ما أسمعهم وما أبصرهم والتعجب على الله تعالى محال كما تقدم، وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وقيل: معناه التهديد مما سيسمعون وسيبصرون مما يسوء بصرهم ويصدع قلوبهم. وثانيها: قال القاضي ويحتمل أن يكون المراد أسمع هؤلاء وأبصرهم أي عرفهم حال القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا. وثالثها: قال الجبائي: ويجوز أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم بهم ليعرفوا أمرهم وسوء عاقبتهم فينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم أما قوله: {لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } ففيه قولان: الأول: لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وفي الآخرة يعرفون الحق. والثاني: {لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } وهم في الآخرة في ضلال عن الجنة بخلاف المؤمنين، وأما قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ } فلا شبهة في أنه أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن ينذر من في زمانه فيصلح بأن يجعل هذا كالدلالة على أن قوله فاختلف الأحزاب أراد به اختلاف جميعهم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأما الإنذار فهو التخويف من العذاب لكي يحذروا من ترك عبادة الله تعالى وأما يوم الحسرة فلا شبهة في أنه يوم القيامة من حيث يكثر التحسر من أهل النار وقيل يتحسر أيضاً في الجنة إذا لم يكن من السابقين الواصلين إلى الدرجات العالية والأول هو الصحيح لأن الحسرة غم وذلك لا يليق بأهل الثواب، أما قوله تعالى: {إِذْ قُضِىَ ٱلأَمْرُ } ففيه وجوه: أحدها: إذ قضى الأمر ببيان الدلائل وشرح أمرالثواب والعقاب. وثانيها: إذ قضى الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف والأول أقرب لقوله: {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فكأنه تعالى بين أنه ظهرت الحجج والبينات وهم في غفلة وهم لا يؤمنون. وثالثها: روي أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: قضى الأمر: « حديث : فقال حين يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح وأهل النار غماً على غم » تفسير : واعلم أن الموت عرض فلا يجوز أن يصير جسماً حيوانياً بل المراد أنه لا موت ألبتة بعد ذلك وأما قوله: {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } أي عن ذلك اليوم وعن كيفية حسرته وهم لا يؤمنون أي بذلك اليوم ثم قال بعده: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } أي هذه الأمور تؤول إلى أن لا يملك الضر والنفع إلا الله تعالى: {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } أي إلى محل حكمنا وقضائنا لأنه تعالى منزه عن المكان حتى يكون الرجوع إليه وهذا تخويف عظيم وزجر بليغ للعصاة.

البيضاوي

تفسير : {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} سبق تفسيره في سورة «آل عمران»، وقرأ الحجازيان والبصريان {وَأَنْ } بالفتح على ولأن وقيل إنه معطوف على {ٱلصَّلَوٰة}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } بفتح أن بتقدير اذكر، وبكسرها بتقدير قل بدليل { أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّى ورَبَّكُمْ } تفسير : [117:5]{هَٰذَا } المذكور {صِرٰطِ } طريق {مُّسْتَقِيمٍ } مؤد إلى الجنة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان الله ربى وربكم فاعبدوه} من تمام كلام عيسى عطف على قوله {أية : انى عبد الله}تفسير : داخل تحت القول {هذا} الذى ذكرته من التوحيد {صراط مستقيم} لا يضل سالكه.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع ويعقوب إلا روحاً {وأن الله} بفتح الهمزة الباقون بكسرها. من نصب الهمزة احتمل أربعة أوجه: احدها - إن المعنى وقضى الله {أن الله ربي وربكم} فى قول ابى عمرو بن العلا والثاني - أنه معطوف على كلام عيسى، أى واوصانى {أن الله ربي وربكم} والثالث - قال الفراء: إنه معطوف على {ذلك عيسى ابن مريم} وذلك {أن الله}. ويكون موضعه الرفع بأنه خبر المبتدأ. الرابع - ولان الله ربى وربكم فاعبدوه. والعامل فيه {فاعبدوه}. ومن كسر (إن) استأنف الكلام. ويقوي الكسر انه روي ان أبياً قرأ {أن الله} بلا واو ويجوز ان يكون عطفاً على قوله {قال إني عبد الله} وقوله {هذا صراط مستقيم} معناه عبادتكم لله وحده لا شريك له هو الصراط المستقيم الذى لا اعوجاج فيه. وقوله {فاختلف الأحزاب من بينهم} فالاختلاف فى المذهب هو ان يعتقد كل قوم خلاف ما يعتقده الآخرون. والاحزاب جمع حزب. والحزب جمع المنقطع فى رأيه عن غيره، يقال تحزب القوم إذا صاروا أحزاباً. وحزب عليهم الأحزاب أى جمع. والمعنى فى الآية اختلف الأحزاب من أهل الكتاب فى عيسى (ع)، فقال قتادة ومجاهد قال قوم: هو الله وهم اليعقوبية. وقال آخرون: هو ابن الله وهم النسطورية. وقال قوم: هو ثالث ثلاثة وهم الاسرائيلية. وقال قوم: هو عبد الله وهم المسلمون. ثم قال تعالى {فويل للذين كفروا} بآيات الله، وجحدوا وحدانيته من حضور يوم عظيم يعني يوم القيامة. وقوله {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} معناه ما أسمعهم وابصرهم على وجه التعجب، والمعنى انهم حلوا في ذلك محل من يتعجب منه، وفيه تهدد ووعيد أن سيسمعون ما يصدع قلوبهم ويردون ما يهيلهم. وقال الحسن وقتادة: المعنى لأن كانوا فى الدنيا صماً عمياً عن الحق، فما اسمعهم به، وما أبصرهم به يوم القيامة {يوم يأتوننا} أي يوم يأتون المقام الذي لا يملك أحد فيه الامر والنهي غير الله. ثم قال تعالى {لكن الظالمون} انفسهم بارتكاب معاصيه وجحد آياته والكفر بأنبيائه {اليوم} يعني في دار الدنيا {في ضلال} عن الحق وعدول عنه {بعيد} من الصواب. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {وأنذرهم} يا محمد أى خوفهم هول {يوم الحسرة} اى اليوم الذى يتحسر فيه الناس على ما فرطوا فيه من طاعة الله، وعلى ما ارتكبوا من معاصيه فى الوقت الذى {قضي الأمر} وحكم بين الخلائق بالعدل {وهم في غفلة} اليوم عما يفعل بهم من العقاب على معاصيهم، وهم لا يصدقون بما يقال لهم ويخبرون به. ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} اى يعود إلينا التصرف فى الارض وفيمن عليها من العقلاء، وغيرهم، لا يبقى لاحد ملك {وإلينا يرجعون} أى يردون يوم القيامة الى الموضع الذى لا يملك الامر والنهي غيرنا.

الجنابذي

تفسير : {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي} قرئ بفتح الهمزة بتقدير الّلام متعلّقاً بقوله فاعبدوه والفاء زائدة، او بتقدير اماً او بتوهمّها، او بكون انّ وما بعدها عطفاً على الصّلٰوة، وقرئ بكسر الهمزة معطوفاً على انّى عبدالله، او ابتداء كلام من الله بتقدير قل خطاباً لمحمّد (ص) يعنى قل يا محمّد (ص) انّ الله ربّى {وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا} المذكور من الجمع بين اعتقاد ربوبيّة الله والعبادة له الّذى هو كمال القوّتين العّلامة والعمّالة، او من العبادة والخروج من الانانيّة والاستقلال بالرّأى والدّخول تحت الامر الآلهىّ {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} الى الله وقد مضت الآية فى سورة آل عمران.

الأعقم

تفسير : {وإن الله ربي} خالقي وخالقكم {فاعبدوه} وحّدوه {هذا صراط مستقيم} أي طريق واضح {فاختلف الأحزاب} الجماعات {من بينهم}، قيل: هم النصارى افترقوا في عيسى فرقاً ثلاثاً اليعقوبية والنسطورية والملائكة، وقيل: اليهود والنصارى من أهل الكتاب اختلفوا في عيسى، وقيل: أراد جميع الكفار الذين تحزّبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {من بينهم} من للتبعيض لأن منهم من ثبت على الحق {فويل للذين كفروا}، قيل: الويل كلمة وعيد {من مشهد يوم عظيم} يعني من مجمع يوم، أي الويل لهم من الفضيحة على رؤوس الجمع وهو يوم القيامة، قال جار الله: أو من كان الشهود فيه وهو الموقف، أو من شهادة ذلك اليوم وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم {أسمع بهم وأبصر}، قيل: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة ولكن لا ينفعهم، وقيل: أسمعهم ما أنزلنا عليك من وعيدهم وأبصرهم بالوصف لهم ذلك حين يصيرون كأنهم يبصرون {يوم يأتوننا} أي يأتون القيامة {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} يعني في الدنيا في ضلال مبين ظاهر، قال جار الله في قوله: {أسمع بهم} معناه التهديد بما يسمعون ويبصرون ما يسؤهم ويصدع قلوبهم {وأنذرهم} خوَّفهم {يوم الحسرة} أي يوم القيامة، وسميت الحسرة لكثرة الحسرات والتأسف على ما فرط، وقيل: إنما يتحسر من يستحق العقاب فقط والله أعلم، قوله تعالى: {إذ قضى الأمر} فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سُئِل فقال: "حديث : حين يذبح الكبش والفريقان ينظرون" تفسير : {وهم في غفلة} يعني في الدنيا عن ذلك {وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} يعني نميتهم فلا يبقى ملك ولا متصرف ويبقى الله تعالى فيرث الأرض ومن عليها، والمراد بالإِرث زوال ملك أهلها {وإلينا يرجعون} يعني يبعثون يوم القيامة فيرجعون إلى حكمه وجزائه على أعمالهم، ثم ذكر قصة إبراهيم فقال سبحانه: {واذكر} يا محمد {في الكتاب} في القرآن {إبراهيم إنه كان صدّيقاً نبياً} كثير الصدق في أمور الدين، وكثرة ما صدق به من عيوب الله وآياته وكتبه ورسله {إذ قال لأبيه} آزر وكان كافراً: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}، قيل: لا ينفعك ولا يضرك ولا يغني عنك شيئاً، قيل: أراد الأصنام، وقيل: أراد كل معبود عبدوه قومه من الشمس والقمر والنجوم {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك} يعني من علوم الدين وأمر القيامة وأحوالها ومن وعد الله ووعيده ما لم تعلم {فاتّبعني أهدك صراطاً سويَّاً} أي طريقاً مستوياً وهو طريق الحق، وقيل: طريق الجنة {يا أبت لا تعبد الشيطان}، قيل: لا تطيعه فيما يدعوك فتكون بمنزلة من عبده لأن من أطاع شيئاً فقد عبده، ويحتمل أن المراد بالشيطان رؤساءهم والأول الوجه ولا شبهة أنهم لم يعبدوا الشيطان ولم يصلّوا له ولكن أطاعوه {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليّاً} قريناً في النار، وقيل: لا حق للشيطان في اللعن، ثم بيّن تعالى حديث إبراهيم (عليه السلام) في دعوته إلى دينه فقال سبحانه: {قال} يعني أبو إبراهيم وهو آذر مجيباً له حين دعاه إلى الإِيمان {أراغب أنت عن آلهتي} أتزهد في عبادة آلهتي التي هي الأصنام، وقيل: تأنف عن عبادة آلهتي {لئن لم تنته لأرجمنَّك}، قيل: بالحجارة، وقيل: أظهر أمرك للناس فيرجموك ويقتلوك {واهجرني مليَّاً}، قيل: دهراً طويلاً، فلما سمع ابراهيم من أبيه هذا الجواب الموحش {قال سلام عليك}، قيل: توديع على اللطف وهو سلام متاركة ومباعدة، وقيل: أما أن لك مني ما أردت من اعتزالي فإني أفعله، وقيل: أراد سلامة الدنيا، قال في الحاكم: وهذا يجوز أن يدعا به للكافر {سأستغفر لك ربي}، قيل: كان وعده أن يؤمن فاستغفر له بشرط أن يصدق وعده {إنه كان بي حفيّاً} لطيفاً رحيماً ثم بيَّن أنه يختار الدين على مساعدة الأب والهجرة عن الوطن فقال: {وأَعتزلكم وما تدعون من دون الله}، قيل: تدعونه إلهاً وهي الأوثان، وقيل: تدعون تعبدون {وأدعوا ربي} أي أعبده وأدعوه إلهاً {عسى} على وجه الخضوع {ألاَّ أكون بدعاء ربي}، قيل: هو ها هنا واجبٌ ومعناه {ألاَّ أكون بدعاء ربي شقيَّاً} كما شقيتم بدعاء الأصنام {فلمَّا اعتزلهم} أي فارقهم قيل: فارقهم إلى الأرض المقدسة {وما يعبدون من دون الله} يعني يدعونه إلهاً وهي الأوثان {وهبنا له إسحاق ويعقوب} إبناً وابن ابنٍ {وكُلاًّ جعلنا نبياً} يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب (صلوات الله عليهم أجمعين)، قوله تعالى: {ووهبنا لهم من رحمتنا}، قيل: المال والولد، وقيل: النبوة والكتاب، وقيل: الرحمة والنعمة فوهبهم نعمة الدنيا والدين {وجعلنا لهم لسان صدقٍ علياً} رفيعاً قيل: بناء حسناً ولسان العرب لغتهم وكلامهم استجاب الله دعوته {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} ثم ذكر حديث موسى واسماعيل فقال سبحانه: {واذكر} يا محمد {في الكتاب} في القرآن {موسى إنه كان مخلصاً}، قيل: أخلص العبادة لله، وقيل: كان موحداً مسلماً، وبفتح اللام كان مختاراً للرسالة {وكان رسولاً نبياً} الرسول الذي معه الكتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبئ عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب كيوشع {وناديناه} أي دعوناه {من جانب الطور الأيمن} أي من ناحية اليمنى أو من الأيمن صفة للطور والجانب، وعن أبي العالية حتى سمع صريف القلم الذي كتب به التوراة {ووهبنا له من رحمتنا} من أجل رحمتنا وتراوفنا عليه وهبنا له {هارون} وكان هارون أكبر من موسى فوقعت الهيبة على معاضدته وموازرته عن ابن عباس.

اطفيش

تفسير : {وَإِنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فاعْبُدُوهُ هَذَا} المذكور. {صِرَاطٌ} طريق. {مُسْتَقِيمٌ} مؤد إلى الجنة وذلك من كلام عيسى عليه السلام ولام الحر مقدرة قبل أن متعلق باعبدوه والفاء زائدة ويجوز العطف على الصلاة والزكاة والاستئناف على تقدير: اذكر، فلا تقدر اللام. وقرأ الكوفيون وابن عامر بكسرة الهمزة على الاستئناف. وقرأ أُبىّ بالكسر وإسقاط الواو. وقيل فى قراءة الفتح العطف على الكتاب. وقيل فى الكسر: إن ذلك من تمام ما أمر به صلى الله عليه وسلم أن يقوله.

اطفيش

تفسير : {وإِنَّ الله ربِّى وربُّكم فاعبُدوه} تقدر اللام قبل أن، وتعلق باعبدوه، على أن الفاء زائدة لتأكيد الربط، أى اعبدوه لأنه ربى وربكم، ولما قدم أظهر لفظ الجلالة كقوله تعالى: "أية : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً" تفسير : [الجن: 18] إذا قلنا: المعنى لا تدعوا مع الله، لأن المساجد لله، وذلك قول الخليل وسيبويه، أو يقدر العطف على الصلاة، أى وأوصانى بالصلاة والزكاة، وبأن الله ربى وربكم، أو خبر لمحذوف أى والأمر أن الله ربِّى وربكم، ولا يصح العطف على أمراً لأنه يكون المعنى إذا قضى أمراً، وأن الله ربى وربكم، فإنما يقول له: كن فيكون، لأن كون الله رباً غير حادث ولا محدث بكن، بل قديم ويضعف عطفه على الكتاب على معنى آتانى الله أنه ربِّى وربكم. {هذا} أى ما ذكر من التوحيد {صراط مُسْتقيم} لا يضل صاحبه، ولا شدة فيه.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } عطف على ما قال الواحدي على قوله {أية : إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ } تفسير : [مريم: 30] فهو من تمام قول عيسى عليه السلام تقريراً لمعنى العبودية والآيتان معترضتان، ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقرأ أبـي بغير واو. والظاهر أنه على هذا بتقدير القول خطاباً لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد إن الله الخ. وقرأ الحرميان وأبو عمرو {وأن } بالواو وفتح الهمزة. وخرجه الزمخشري على حذف حرف الجر وتعلقه باعبدوه أي ولأنه تعالى ربـي وربكم فاعبدوه وهو كقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً } تفسير : [الجن: 18] وهو قول الخليل وسيبويه. وأجاز الفراء أن يكون أن وما بعدها في تأويل مصدر عطفاً على {أية : ٱلزَّكَٰوةَ } تفسير : [مريم: 31] أي وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربـي وربكم الخ. وأجاز الكسائي أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف أي والأمر أن الله ربـي وربكم. وحكى أبو عبيدة عن أبـي عمرو بن العلاء أنه عطف على {أمْراً } من قوله تعالى: {أية : إِذَا قَضَى أَمْرًا } تفسير : [مريم: 35] أي إذ قضى أمراً وقضى أن الله ربـي وربكم وهو تخبيط في الإعراب فلعله لا يصح عن أبـي عمرو فإنه من الجلالة في علم النحو بمكان، وقيل: إنه عطف على {أية : ٱلْكِتَابَ} تفسير : [مريم: 30] وأكثر الأقوال كما ترى. وفي حرف أبـي رضي الله تعالى عنه أيضاً {وبأن} بالواو وباء الجر وخرجه بعضهم بالعطف على الصلاة أو الزكاة وبعضهم بأنه متعلق باعبدوه أي بسبب ذلك فاعبدوه، والخطاب إما لمعاصري عيسى عليه السلام وإما لمعاصري نبينا صلى الله عليه وسلم {هَـٰذَا } أي ما ذكر من التوحيد {صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} لا يضل سالكه.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون هذا بقيةً لكلام جرى على لسان عيسى تأييداً لبراءة أمّه وما بينهما اعتراض كما تقدم آنفاً. والمعنى: تعميم ربوبية الله تعالى لكل الخلق. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب همزة {وأَنَّ} مفتوحة فخرجه الزمخشري أنه على تقدير لام التعليل، فإن كان من كلام عيسى فهو تعليل لقوله {فاعبدوهُ} على أنه مقدّم من تأخير للاهتمام بالعِلّة لكونها مقررة للمعلول ومثبته له على أسلوب قوله تعالى: {أية : وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}تفسير : [الجنّ:18] ويكون قوله {فَاعبُدُوهُ} متفرعاً على قوله {أية : إني عَبْدُ الله}تفسير : [مريم: 30] بعد أن أُردف بما تعلّق به من أحوال نفسه. ولما اشتمل مدخول لام التعليل على اسم الجلالة أضمر له فيما بعد. وتقدير النظم هكذا: فاعبدوا الله لأنه ربّي وربكم. ويجوز أن يكون عطفاً على قوله {أية : بالصلوٰةِ والزكوٰةِ}تفسير : [مريم: 31]، أي وأوصاني بأنّ الله ربّي وربكم، فيكون بحذف حرف الجر وهو مطرد مع (أنّ). ويجوز أن يكون معطوفاً على {الحَقّ} من قوله {أية : قَولَ الحَقّ}تفسير : [مريم: 34] على وجه جعل {قَولَ} بمعنى قائل، أي قائل الحق وقائلُ إن الله ربّي وربّكم، فإن همزة {أنَّ} يجوز فتحها وكسرها بعد مادة القول. وإن كان ممّا خوطب النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنْ يقوله كان بتقدير قول محذوف، أو عطفاً على {مَرْيَمَ} من قوله تعالى: {أية : واذْكُر فِي الكِتٰبِ مَرْيَمَ}تفسير : [مريم: 16]، أي اذْكر يا محمد أن الله ربّي فكذلك، ويكون تفريع {فاعبدوه} على قوله: {أية : مَا كانَ لله أن يتَّخِذَ من وَلدٍ سُبْحٰنَهُ}تفسير : [مريم: 35] إلى آخره. وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخَلف، ورَوْح عن يعقوب ــــ بكسر همزة {إنَّ}. ووجهها ظاهر على كلا الاحتمالين. وجملة {هَذا صِراطٌ مسْتَقِيم} تذييل وفذلكة لما سبقه على اختلاف الوجوه. والإشارة إلى مضمون ما تقدّم على اختلاف الوجوه. والمراد بالصراط المستقيم اعتقاد الحق، شُبه بالصراط المستقيم على التشبيه البليغ، شُبه الاعتقاد الحق في كونه موصولاً إلى الهدى بالصراط المستقيم في إيصاله إلى المكان المقصود باطمئنان بال، وعُلم أن غير هذا كبنَيّات الطريق مَن سلكها ألقت به في المخاوف والمتالف كقوله {أية : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}تفسير : [الأنعام:153].

الواحدي

تفسير : {وإنَّ الله ربي وربكم} هذا راجعٌ إلى قوله تعالى: {وأوصاني بالصَّلاة} وأوصاني بأنَّ الله ربِّي وربُّكم {فاعبدوه} {هذا} الذي ذكرت {صراط مستقيم}. {فاختلف الأحزاب} يعني: فرق النَّصارى {من بينهم} فيما بينهم، وهم النّسطورية واليعقوبيَّة والملكانية {فويلٌ للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} يريد: مشهدهم يوم القيامة. {أسمع بهم وأبصر} ما أبصرهم بالهدى يوم القيامة وأطوعهم أنَّ عيسى ليس الله، ولا ابن الله، سبحانه، ولا ثالث ثلاثة، ولكن لا ينفعهم ذلك مع ضلالتهم في الدُّنيا، وهو قوله: {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} من أمرعيسى والقول فيه. {وأنذرهم} خوِّفهم يا محمَّد {يوم الحسرة} يوم القيامة حين يُذبح الموت بين الفريقين {إذْ قضي الأمر} أُحكم وفرغ منه {وهم في غفلة} في الدُّنيا من ذلك اليوم {وهم لا يؤمنون} لا يُصدِّقون به.

القطان

تفسير : الأحزاب: طوائف اهل الكتاب. من مشهد يوم عظيم: من حضور يوم القيامة. ويل: خِزي وهوان. أسمِع بهم: ما أسمعَهم. ابصِر بهم: ما ابصرهم. يوم الحسرة: يوم القيامة، حيث يندم المفرطون على انهم لم يعملوا صالحا في الدنيا. قُضي الأمر: انتهى وفرغ من الحساب. {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ..... }. وهذا من بقية كلام عيسى.. إن الله ربي وربكم، وأَمَرَهم بعبادته، وان هذا هو الذي أوصيتُكم به وأن دين التوحيد هو الصراط المستقيم. ثم اشار الله الى انه مع وضوح الأمر في شأن عيسى، وانه عبدُ الله ورسوله، وكلمته القاها الى مريم، وروح منه - اختلفوا فيه كما قال: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ.... }. ومع ما تقدم من قول الحق في عيسى، فقد اختلف اهلُ الكتاب فيه، وذهبوا مذاهبَ شتى، والعذاب الشديد للكافرين منهم يوم القيامة، يوم يَحضُرون موقف الحساب ويلقَون سوء الجزاء. ما أشدّ سمعَهم وأقوى بصرهم يوم يلقَون الله، والظالمون في ذلك اليوم يتحققون أنهم كانوا في ضلالٍ مبين لا يخفى. ثم أمر الله سبحانه نبيه ان ينذر قومه المشركين جميعا فقال: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ.. }. أنذرْ أيها الرسول هؤلاء الظالمين يوم يتحسّرون ويندمون على ما فرّطوا في الدنيا في حقِّ اللهِ وحق أنفُسِهم.. وسُمِّي يوم الحَسْرة لأن المجرمين يندمون ويقولون: {أية : يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ}تفسير : [الزمر:56]. وقُضي الأمر وفرغ من حسابهم ونالوا جزاءهم وقد كانوا في غفلةٍ عن ذلك اليومِ وحسَراته وأهواله، وهم لا يصدّقون بالبعث ولا بالجزاء. ثم سلَّى الله رسولَه وتوعَّدَ المشركين فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}. لا يُحزنك أيها الرسول تكذيبُ المشركين لك فيما أتيتَهم به من الحق، فإن إلينا مرجعَهم ونحن الوارثون، والكلّ عائد إلينا عودةَ الميراث الى الوارث الوحيد، فنُجازي المحسنَ بإحسانه، والمسيء بإساءته، ولا ظلمَ في ذلك اليوم. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع ويعقوب: وأَن الله ربي وربكم، بفتح الهمزة. والباقون وإنّ... بكسر الهمزة.

د. أسعد حومد

تفسير : {صِرَاطٌ} (36) - وَكَانَ مِمَّا قَالَهُ عِيسَى لِقَوْمِهِ حِينَما كَلَّمَهُمْ وَهُوَ فِي المَهْدِ: إِنَّ اللهَ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، وَالطَّرِيقُ القَوِيمُ مَنِ اتَّبَعَهُ رَشَدَ، وَمَنْ خَالَفَهُ ضَلَّ وَغَوَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الرب: هو المتولّي للتربية والرعاية. والتربية تعني أن يأخذ المربِّي المربَّى بالرياضة إلى مَا يصلحه لأداء مهمته والقيام بها، كما لو أردتَ مهندساً تُربّيه تربية مهندس، وإن أردت طبيباً تربيه تربية طبيب. ونحن هنا أمام قوم أشركوا بالله، ونحتاج لداعية يُخرِجهم من الشرك إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة. فالمعنى: ما دام أن الله تعالى ربي وربكم، والمتولّي لتربيتنا جميعاً، فلا بُدَّ أن يُربّى لكم مَنْ يصلحكم؛ لأنه تعالى لا يخاطبكم مباشرة، بل سيبعثني إليكم أبلغكم رسالته، وأدعوكم إلى عبادته وحده لا شريك له، وما دام الله ربي وربكم فمن الواجب أنْ تُطيعوه {فَٱعْبُدُوهُ ..} [مريم: 36] والعبادة أنْ يطيعَ العابدُ معبوده في أوامره وفي نواهيه. كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..}تفسير : [البينة: 5]. ثم يقول تعالى: {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [مريم: 36] أي: الذي لا التواءَ فيه ولا اعوجاجَ، وهو الطريق الذي يُوصِّلك لمقصودك من أقرب طريق، وبأقلّ مجهود، ومعلوم أن الخط المستقيم هو أقرب طريق بين نقطتين. ثم يقول الحق سبحانه: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ...}.