Verse. 2287 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

فَاخْتَلَفَ الْاَحْزَابُ مِنْۢ بَيْنِہِمْ۝۰ۚ فَوَيْلٌ لِّـلَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ مَّشْہَدِ يَوْمٍ عَظِيْمٍ۝۳۷
Faikhtalafa alahzabu min baynihim fawaylun lillatheena kafaroo min mashhadi yawmin AAatheemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فاختلف الأحزاب من بينهم» أي النصارى في عيسى أهو ابن الله أو إله معه أو ثالث ثلاثة «فويل» فشدة عذاب «للذين كفروا» بما ذكر وغيره «من مشهد يوم عظيم» أي: حضور يوم القيامة وأهواله.

37

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} اليهود والنصارى. أو فرق النصارى، النسطورية قالوا إنه ابن الله، ويعقوبية قالوا هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وملكانية قالوا هو عبد الله ونبيه. {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} من شهود يوم عظيم هوله وحسابه وجزاؤه، وهو يوم القيامة أو من وقت الشهود أو من مكانه فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وآرابهم وأرجلهم بالكفر والفسق، أو من وقت الشهادة أو من مكانها. وقيل هو ما شهدوا به في عيسى وأمه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ } أي النصارى في عيسى: أهو ابن الله، أو إلٰه معه، أو ثالث ثلاثة؟ {فَوَيْلٌ } فشدّة عذاب {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } بما ذكر وغيره {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي: حضور يوم القيامة وأهواله.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمد عليه السلام بأن بني اسرائيل اختلفوا أحزاباً أي فرقاً، وقوله {من بينهم} معناه أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا المختلفين. وروي في هذا عن قتادة أن بني اسرائيل جمعوا من أنفسهم اربعة أحبار غاية في المكانة والجلالة عندهم وطلبوهم بأن يبينوا أمر عيسى فقال احدهم: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات ثم صعد، فقال له الثلاثة كذبت واتبعه اليعقوبية، ثم قيل للثلاثة فقال أحدهم: عيسى ابن الله فقال له الاثنان كذبت واتبعه النسطورية، ثم قيل للاثنين فقال أحدهم عيسى أحد ثلاثة الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فقال له الرابع كذبت واتبعه الإسرائيلية، فقيل للرابع فقال عيسى عبد الله وكلمته ألقاها الى مريم فاتبع كل واحد من الأربعة فريقاً من بني اسرائيل ثم اقتتلوا فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع. وروي أن في ذلك نزلت {أية : إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : [آل عمران: 21]. و"الويل" الحزن والثبور، وقيل ويل واد في جهنم، و {مشهد يوم عظيم} هو مشهد يوم القيامة ويحتمل أن يراد بـ {مشهد يوم عظيم} يوم قتل المؤمنون حين اختلف الأحزاب، وقد أشار إلى هذا المعنى قتادة وقوله {أسمع بهم وأبصر}، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم يرجعون إلينا ويرون ما نصنع بهم من العذاب، فإن إعراضهم حينئذ يزول ويقبلون على الحقيقة حين لا ينفعهم الإقبال عليها وهم في الدنيا صم عمي إذ لا ينفعهم النظر مع إعراضهم، ثم قال: لكنهم اليوم في الدنيا {في ضلال} وهو جهل المسلك، و"المبين" في نفسه وإن لم يبين لهم، وحكى الطبري عن أبي العالية أنه قال {أسمع بهم وأبصر}، هي بمعنى الأمر لمحمد عليه السلام أي أسمع الناس اليوم وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا يصنع بهم من العذاب إذ أتوا محشورين مغلوبين، وقوله {وأنذرهم يوم الحسرة}، الآية، الخطاب أيضاً في هذه الآية لمحمد عليه السلام والضمير في {أنذرهم} لجميع الناس، واختلف في {يوم الحسرة} فقال الجمهور وهو يوم ذبح الموت، وفي هذا حديث صحيح، وقع في البخاري وغيره، أن الموت يجاء به في صورة كبش أملح، وفي بعض الطرق كأنه كبش أملح، وقال عبيد بن عمير كأنه دابة فيذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادى: يا أهل الجنة خلود لا موت فيها ويا أهل النار خلود لا موت، ويروى أن أهل النار يشرئبون خوفاً على ما هم فيه. والأمر المقضي، هو ذبح الكبش الذي هو مثال الموت وهذا عند حذاق العلماء، كما يقال: تدفن الغوائل وتجعل التراب تحت القدم، ونحو ذلك، وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها، وقال ابن زيد وغيره {يوم الحسرة} هو يوم القيامة، وذلك أن أهل النار قد حصلوا من أول أمرهم في سخط الله وأمارته فهم في حال حسرة، و"الأمر المقضي" على هذا هو الحتم عليهم بالعذاب وظهور إنفاذ ذلك عليهم، وقال ابن مسعود {يوم الحسرة} حين يرى الكفار مقاعدهم التي فاتتهم في الجنة لو كانوا مؤمنين، ويحتمل ان يكون {يوم الحسرة} اسم جنس لأن هذه حسرات كثيرة في مواطن عدة، ومنها يوم الموت ومنها وقت أخذ الكتاب بالشمال وغير ذلك. وقوله {وهم في غفلة}، يريد في الدنيا الآن {وهم لا يؤمنون} كذلك. وقوله {نرث}، تجوز وعبارة عن فناء المخلوقات وبقاء الخالق فكأنها وراثة، وقرأ عاصم ونافع وأبو عمرو والحسن والأعمش "يرجعون" بالياء، وقرأ الأعرج "ترجعون" بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن وابن أبي إسحاق وعيسى "يرجِعون" بالياء من تحت مفتوحة وكسر الجيم، وحكى عنهم أبو عمرو والداني "ترجعون" بالتاء.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم بأَن بني إسْرَائِيلَ اختلفوا أَحزاباً، أيْ: فرقاً. وقوله: {مِن بَيْنِهِمْ} بمعنى: من تلقَائِهم، ومن أَنْفسِهم ثار شرُّهم، وإنّ الاِخْتلاف لم يخرج عنهم؛ بل كانوا هم المختلفين. وروي في هذا عن قتادةَ: أَنَّ بني إسْرَائِيلَ جمعوا من أَنفسهم أَربعة أحبار غاية في المَكَانةِ والجَلاَلة عندهم وطلبوهم أن يبيِّنُوا لهم أَمْرَ عِيسَىٰ فقال أَحَدُهم: عيسى هو اللّهُ؛ تعالى اللّه عن قولهم. وقال له الثلاثة: كذبتَ، واتبعه اليعقوبيةُ، ثم قِيلَ للثلاثة؛ فقال أحدهم: عيسى ابنُ اللّه، [تعالى اللّه عن قولهم] فقال له الاِثنان: كذبت، واتبعه النُّسْطُورِيَّةُ، ثم قيل للاِثنين؛ فقال أَحدهما: عيسى أحد ثلاثةٍ: اللّه إله، ومريم إله، وعيسى إله؛ تعالى اللّه عن قولهم عُلوّاً كبيراً فقال له الرباعُ: كذبت، واتَّبَعَتْهُ الإِسْرَائِيلية, فقِيلَ للرابع؛ فقال: عيسى عبدُ اللّه، وكلمتُه أَلقاها إلى مريم، فاتّبعَ كلَّ واحد فريقٌ من بني إسْرَائِيل، ثم اقْتَتلُوا فغُلِبَ المؤمنون، وقُتِلوا، وظَهَرَت اليَعْقُوبيّة على الجميع. و «الويل»: الحزنُ، والثُّبور، وقِيلَ: «الويل»: وَادٍ في جَهَنَّم، و {مَّشْهدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: هو يوم القيامة. وقولُه سبحانه: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} أي: ما أَسْمَعَهم، وأبصرهم يوم يرجعُون إلَيْنا، ويرَوْن ما نصنع بهم، {لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ} أَيْ: في الدنيا في {ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أَيْ بيِّنٍ، {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ} وهو يوم ذَبْحِ الموت؛ قاله الجمهورُ. وفي هذا حَدِيثٌ صحيحٌ خرجه البُخَاريُّ وغيرُه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَّ المَوْتَ يُجَاءُ بِهِ في صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ويُنَادِى: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ...} [الآية]. قال * ع *: وعند ذلك تُصِيب أَهلَ النار حسرةٌ لا حَسْرة مثلها. وقال ابنُ زيد، وغيره: يَوْمَ الحَسْرَةِ: هو يَوْمَ القِيَامَةِ. قال * ع *: ويحتمل أَن يكونَ يوم الحسرة اسمُ جِنْسٍ شاملٌ لحسَرَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ بحسب مواطن الآخرة: منها يومَ مَوْتِ الإنسان، وأَخْذِ الكتاب بالشِّمال، وغير ذلك، {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} يريد: في الدنيا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ}. قيل: المرادُ النَّصارى، سُمُّوا أحزاباً؛ لأنهم تحزَّبُوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النُّسْطُوريَّة، والملكانيَّة [واليعقُوبيَّة] وقيل: المراد بالأحزاب الكفَّارُ بحيثُ يدخلُ فيهم اليهودُ، والنصارى، والكفَّار الذين كانوا في زمان محمَّد - صلوات الله وسلامه عليه - وهذا هو الظاهرُ؛ لأنَّه تخصيصٌ فيه، ويؤيِّدهُ قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}. قوله: {مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: "مَشْهَد" مفعل: إمَّا من الشَّهادة، وإمَّا من الشُّهود، وهو الحضورُ، و "مَشْهَد" هنا: يجوز أن يراد به الزمانُ، أو المكان، أو المصدر: فإذا كان من الشهادة، والمرادُ به الزمانُ، فتقديرهُ: من وقتِ شهادة، وإن أريد به المكانُ، فتقديره: من مكانِ شهادةِ يومٍ، وإن أريد به المصدرُ، فتقديره: من شهادة ذلك اليومِ، وأن تشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، والملائكة ُ، والأنبياءُ، وإذا كان من الشُّهود فيه، وهو الموقفُ، أو من وقت الشُّهود، وإذا كان مصدراً بحالتيه المتقدمتين، فتكونُ إضافتهُ إلى الظرف من باب الاتِّساع؛ كقوله {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4]. ويجوز أن يكون المصدر مضافاً لفاعله على أن يجعل اليوم شاهداً عليهم: إمَّا حقيقة، وإمَّا مجازاً. ووصف ذلك المشهد بأنَّه عظيمٌ؛ لأنَّه لا شيء أعظم ممَّا يشاهدُ ذلك اليوم من أهواله. قوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}: هذا لفظ أمرٍ، ومعناه: التعجُّب، وأصحُّ الأعاريب فيه، كما تقرَّر في علم النَّحو: أنَّ فاعله هو المجرور بالباءِ، والباءُ زائدة، وزيادتها لازمةٌ؛ إصلاحاً للفظ؛ لأنَّ "أفْعِلْ" أمراً لا يكون إلاَّ ضميراً مستتراً، ولا يجوز حذفُ الباءِ إلاَّ مع أنْ وأنَّ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3606- تَرَدَّدَ فيها ضَوْؤُهَا وشُعَاعُهَا فأحْصِنْ وأزْيِنْ لامرىءٍ أنْ تَسَرْبَلا تفسير : أي: بأنْ تسربل، فالمجرورُ مرفوعُ المحلِّ، ولا ضمير في "أفْعِلْ" ولنا قولٌ ثانٍ: أن الفاعل مضمرٌ، والمراد به المتكلِّمُ؛ كأنَّ المتكلم يأمر نفسه بذلك، والمجرورُ بعده في محلِّ نصبٍ، ويعزى هذا للزَّجَّاجِ. ولنا قولٌ ثالثٌ: أن الفاعل ضمير المصدرِ، والمجرور منصوبُ المحلِّ أيضاً، والتقدير: أحسن، يا حُسْنُ، بزيدٍ، ولشبه هذا الفاعل عند الجمهور بالفضلة لفظاً، جاز حذفه للدَّلالةِ عليه كهذه الآية، فإنَّ تقديره: وأبْصِرْ بهم، وفيه أبحاثٌ موضوعها كتبُ النَّحْو. فصل في التعجب قالوا: التعجُّب استعظام الشيء، مع الجهل؛ بسبب عظمه، ثم يجوز استعمالُ لفظ التعجُّب عند مجرَّد الاستعظام من غير خفاءِ السَّبب، أو من غير أن تكون العظمةُ سبب حصوله. قال الفرَّاء: قال سفيانُ: قرأتُ عن شريحٍ: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] فقال: إنَّ الله لا يعجبُ من شيء، إنما يعجبُ من لا يعلم، قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعيِّ - رضي الله عنه - فقال: إنَّ شريحاً شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلمُ بذلك منه قرأها {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ}. ومعناه: أنَّه صدر من الله تعالى فعلٌ، لو صدر مثله عن الخلق، لدلَّ على حصول التعجُّب في قلوبهم، وبهذا التأويل يضافُ المكرُ والاستهزاءُ إلى الله تعالى، وإذا عرفت هذا، فللتعجُّب صيغتان: إحداهما: ما أفعلهُ، والثانيةُ أفعل به. كقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} والنحويُّون ذكروا له تأويلان: الأول: قالوا: أكْرِمْ بزيدٍ، أصل "أكرم زيدٌ" أي: صار ذا كرمٍ، كـ "أغَدَّ البَعِيرُ" أي: صار ذا غُدَّة، إلاَّ أنه خرج على لفظ الأمْر، ومعناه الخبرُ، كما أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر، كما أخرج لفظ الخبر ما معناه الأمر؛ كقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} تفسير : [البقرة: 228]، {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} تفسير : [البقرة: 233]، {أية : قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} تفسير : [مريم: 75] أي: يمُدُّ له الرحمنُ، والباء زائدةٌ. الثاني: أن يقال: إنَّه أمرٌ لكُلِّ أحدٍ بأن يجعل زيداً كريماً، أي: بأن يصفه بالكرمِ، والباء زائدةٌ؛ كما في قوله: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195]. قال ابن الخطيبِ: وسمعتُ لبعضِ الأدباء فيه تأويلاً ثالثاً؛ وهو أن قولك: أكرم بزيدٍ، يفيدُ أنَّ زيداً بلغ في الكرمِ إلى حيثُ كأنَّه في ذاته صار كرماً؛ حتَّى لو أردتَّ جعل غيره كريماً، فهو الذي يلصقك بمقصُودك ويحصِّلُ لك غرضك. فصل في معنى الآية المشهورُ أنَّ معنى قوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} "ما أسمعهُمْ، وما أبْصَرهُم" والتعجُّب على الله تعالى محالٌ، وإنَّما المرادُ أنَّ أسماعهم وأبصارهُم يومئذٍ جديرةٌ بأن يتعجَّب منها بعدما كانُوا صُمًّا عُمياً في الدُّنيا. وقيل: معناه التَّهديدُ مما يسمعُون وسيبصرُون ما يَسُوءهُمْ، ويصدعُ قلوبهم. وقال القاضي: ويحتملُ أن يكون المرادُ: أسمع هؤلاء وأبصرهم، أي: عرِّفهم حال القوم الذين يأتوننا؛ ليعتبروا وينزجروا. وقال الجُبَّائيُّ: ويجوز: أسمع النَّاسَ بهؤلاء، وأبصرهُم بهؤلاءِ، ليعرفُوا أمرهُم، وسُوء عاقبتهم، فينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم. قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} معمولٌ لـ "أبْصِرْ". [ولا يجوز أن يكون معمولاً لـ "أسْمِعْ" لأنه لا يفصلُ بين فعلِ التعجُّب، ومعموله؛ ولذلك كان الصحيح أنه] لا يجوز أن تكون المسألةُ من التنازع، وقد جوَّزه بعضهم ملتزماً إعمال الثاني، وهو خلافُ قاعدةِ الإعمال، وقيل: بل هو أمرٌ حقيقة، والمأمورُ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والمعنى: أسمعِ النَّاس، وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا يصنعُ بهم من العذاب؟ وهو منقولٌ عن أبي العالية. قوله تعالى: {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ}. نصب "اليَوْمَ" بما تضمَّنه الجار من قوله "في ضلالٍ مُبينٍ" أي: لكن الظالمُون استقرُّوا في ضلالٍ مبينٍ اليوم، ولا يجوز أن يكون هذا الظرفُ هو الخبرَ، والجارُّ لغوٌ؛ لئلا يخبر عن الجثة [بالزمَّان؛ بخلاف] قولك: القتالُ اليوم في دارِ زيدٍ؛ فإنَّهُ يجوز الاعتباران. فصل في معنى الآية المعنى: {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: خطأ بيِّنٍ، وفي الآخرةِ يعرفُون الحقَّ. وقيل: لكن الظَّالمُون اليوم في الآخرة في ضلال عن الجنَّة؛ بخلاف المؤمنين. وقوله {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ} من إيقاع الظَّاهر موقع المضمر. قوله: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ} هذا أمرٌ لمحمَّد - صلوات الله عليه وسلامه - بأن ينذر من في زمانه، والإنذار: التخويفُ من العذاب، لكي يحذروا ترك عبادةِ الله تعالى، ويوم الحسرة: هو يوم القيامة؛ لأنَّه يكثر التحسُّر من أهل النَّار. وقيل: يتحسَّر أيضاً في الجنَّة، إذا لم يكن من السابقين إلى الدَّرجات العالية؛ لقول رسول الله - صلوات الله عليه وسلامه -: "حديث : مَا مِنْ أحدٍ يمُوتُ إلاَّ ندمَ، قالوا: فَما ندمهُ يا رسُول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: إنَّ كان مُحْسناً، ندم ألاَّ يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم ألاَّ يكون نزَعَ" تفسير : والأول أصحُّ؛ لأن الحسرة [هَمٌّ]، ولا تليقُ بأهْل الجنَّة. قوله: {إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ}: يجوز أن يكون منصوباً بالحسرةِ، والمصدرُ المعرَّفُ بـ "ألْ" يعملُ في المفعولِ الصَّريح عند بعضهم، فكيف بالظَّرف؟ ويجوز أن يكون بدلاً من "يَوْم" فيكون معمولاً لـ "أنْذِرْ" كذا قال أبو البقاء، والزمخشريُّ وتبعهما أبو حيان، ولم يذكر غير البدل، وهذا لا يجوز إن كان الظَّرف باقياً على حقيقته؛ إذ يستحيلُ أن يعمل المستقبلُ في الماضي، فإن جعلت "اليوم" مفعولاً به، أي: خوِّفهُم نفس اليوم، أي: إنَّهُمْ يخافُون اليوم نفسهُ، صحَّ ذلك لخُرُوجِ الظَّرف إلى حيِّز المفاعيل الصريحة. فصل في قوله تعالى {إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} في قوله تعالى: {إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} وجوه: أحدها: قُضِيَ الأمرُ ببيان الدَّلائل، وشرح أمر الثَّواب والعقاب. وثانيها: [إذ قضي الأمرُ يوم الحسرة بفناء الدُّنيا، وزوالِ التَّكليف، والأول أقرب؛ لقوله: {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وثالثها:] {إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} فُرِغَ من الحساب، وأدخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهلُ النَّار النَّار، وذُبح الموتُ؛ كما روي أنَّه حديث : سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن قوله: {إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} فقال: "حِينَ يَجاءُ بالموتِ على صُورة كبشٍ أمْلحَ، فيذبحُ، والفريقان ينظران؛ فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحٍ، وأهلُ النَّار غمًّا إلى غمٍّ" . تفسير : قوله تعالى: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} جملتان حاليتان، وفيهما قولان: أحدهما: أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله {في ضلالٍ مبينٍ} أي: استقرُّوا في ضلالٍ مبينٍ على هاتين الحالتين السيئتين. والثاني: أنهما حالان من مفعول "أنذِرْهُم" [أي: أنذرهُم على هذه الحالِ، وما بعدها، وعلى الأول يكون قوله "وأنْذِرْهُم"] اعتراضاً. والمعنى: وهم في غفلةٍ عمَّا يفعلُ بهم في الآخرة {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ولا يصدقون بذلك اليومِ. قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} أي: نُميتُ سُكَّان الأرض، ونُهلِكُهم جميعاً، ويبقى الرَّبُّ وحده، فيرثُهُم {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}، فنجزيهم بأعمالهم. [وقرأ العامَّةُ "يُرْجَعُون" بالياء من تحت مبنيًّا للمفعول، والسُّلمي، وابن أبي إسحاق، وعيسى مبنيًّا للفاعل، والأعرج بالتاء من فوقُ مبنيًّا للمفعول على الخطاب، ويجوز أن يكون التفاتاً، وألا يكون].

القشيري

تفسير : فَمَنْ عُجِنَتْ بِماءِ السعادةِ طينتُه أَطَاعَ في عاجله وما ضاع في آجله، ومَنْ أَقْصَتْه القِسْمة السابقة لم تُدْنِه الخِدْمَةُ اللاحقة، وسَيَلْقَوْْنَ غِبَّ هذا الأمر.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاختلف الاحزاب} جمع حزب بمعنى الجماعة {من بينهم} اى من بين الناس المخاطبين بقوله {أية : ربكم فاعبدوه}تفسير : وهم القوم المبعوث اليهم فقالت النسطورية هو ابن الله واليعقوبية هو الله هبط الى الارض ثم صعد الى السماء وقالت الملكانية هو عبد الله وبنيه. وفى التأويلات النجمية اى تحزبوا ثلاث فرق فرقة يعبدون الله بالسير على قدمى الشريعة والطريقة بالعبور على المقامات والوصول الى القربات وهم الاولياء والصديقون وهم اهل الله خاصة وفرقة يعبدون الله على صورة الشريعة واعمالها وهم المؤمنون المسلمون وهم اهل الجنة وفرقة يعبدون الهوى على وفق الطبيعة ويزعمون انهم يعبدون الله كما ان الكفار يعبدون الاصنام ويقولون ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى فهؤلاء ينكرون على اهل الحق وهم اهل البدع والاهواء والسمعة والنفاق وهم اهل النار {فويل للذين كفروا} وهم المختلفون. والويل الهلاك وهو نكرة وقعت مبتدأ وخبره ما بعده ونظيره سلام عليك فان اصله منصوب نائب مناب فعله لكنه عدل به الى الرفع على الابتداء للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه {من مشهد يوم عظيم} اى من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء وهو يوم القيامة.

الجنابذي

تفسير : {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} الاحزاب جمع الحزب والحزب كلّ جماعةٍ منقطعةٍ عن غيرهم برأىٍ او صنعةٍ، ولفظة من امّا ابتدائيّة والظّرف حال من الاحزاب او زائدة، وبينهم ظرف للاختلاف واختلافهم كان فى ان قال بعضهم: انّه هو الله، وبعضهم: هو ابن الله، وبعضهم: هو واحد من الثّلاثة، وبعضهم: هو وامّه الهان {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} باعتقاد الخلاف فى المسيح (ع) {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} والمشهد امّا مصدر ميمىّ او اسم مكان.

الهواري

تفسير : قوله: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. قال بعضهم: ذكر لنا أن عيسى لما رُفع انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم فقالوا للأول: ما تقول في عيسى؟ قال: هو الله، هبط إلى الأرض فخلق ما خلق، وأحيى ما أحيى، ثم صعد إلى السماء. فتابعه على ذلك أناس من الناس. فكانت اليعقوبية من النصارى. فقال الثلاثة الآخرون: نشهد أنك كاذب. فقالوا للثاني: ما تقول في عيسى؟ قال: هو ابن الله. فتابعه على ذلك أناس من الناس، فكانت النسطورية من النصارى. فقال الاثنان: نشهد أنك كاذب. فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو إله، وأمه إله، والله إله. فتابعه أناس من الناس، فكانت الإسرائيلية من النصارى. فقال الرابع: أشهد أنك كاذب، أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه. فاختصم القوم؛ فقال المسلم: أناشدكم الله، هل تعلمون أن عيسى كان يأكل الطعام وأن الله لا يطعم الطعام؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: هل تعلمون أن عيسى كان ينام، وأن الله لا ينام؟ قالوا: اللهم نعم، فخصمهم المسلم، فاقتتل القوم. فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله تعالى: (أية : إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذِينَ يَأمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) تفسير : [آل عمران: 21]. قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. قوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأتُونَنَا} أي يوم القيامة، أي: ما أسمعهم يومئذ وما أبصرهم! أي: سمعوا حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر. قال تعالى: {لَكِنِ الظَّالِمُونَ} يعني المشركين والمنافقين {الْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.

اطفيش

تفسير : {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ} الذين تحزَّبوا {مِنْ بَيْنِهمْ} كانوا أحزابا فى أمر عيسى. قالت اليهود: إنه من زنا وإنه كاذب، حاشاه صلى الله عليه وسلم. وقالت النصارى: إله، أو ابنه، أو ثالث ثلاثة. وقيل: المراد فرق النصارى قالت النسطورية منهم: إنه ابن الله، تعالى الله عما يشركون. وقالت اليعقوبية: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء. وقالت الملكانية: هو عبد الله ونبيه. وعن قتادة: جمع بنو إسرائيل أربعة أحبار منهم غاية فى المكانة والجلالة وطلبوا منهم أن يبيِّنوا أمر عيسى فقال أحدهم: عيسى هو الله. فقال له الثلاثة: كذبت، واتبعته اليعقوبية. وروى أنه قال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق ما خلق وأوحى ما أوحى. ثم صعد إلى السماء فكذبه الثلاثة. ثم قيل للثلاثة فقال واحد منهم: هو ابن الله. وقال الاثنان: كذبتَ واتبعته النسطورية. ثم قيل للاثنين فقال أحدهما: أحد ثلاثة: الله إله وعيسى إله ومريم إله فقال له الرابع، كذبت واتبعته الإسرائيلية من النصارى. فقيل للرابع فقل: هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وتبعه قوم، وهم المحقون المؤمنون، وقالوا لهؤلاء الكفرة أو قال لهم الرابع وحده: نناشدكم الله هل تعلمون أن عيسى كان يأكل الطعام، وأن الله لا يطعَم؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: هل تعلمون أن عيسى كان ينام، وإن الله لا ينام؟ فقالوا: اللهم نعم. فحجَّهم فاقتتلوا. فقيل: إن اليعقوبية ظهرت يومئذ على المسلمين وغيرهم فأنزل الله: {أية : إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق}. تفسير : {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظيمٍ} يوم القيامة. والمشهد مصدر ميمى، أى من حضورهم لهول ذلك اليوم وحسابه وجزائه، أو اسم زمان، أى من وقت حضورهم له، أو اسم مكان، أى من مكان حضورهم فى ذلك اليوم. أو مصدر ميمى مضاف لما هو فاعل معنى، أى من شهادة ذلك اليوم عليه. وإسناد الشهادة مجاز فى الإسناد، أو مجاز تقدير مضاف؛ فإن الشاهد الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأرجلهم، أو اسم زمان، أو اسم مكان على إسناد الشهادة اليوم. أو مصدر ميمى، على أن المعنى من شهادتهم على عيسى وأُمه، أو مصدر ميمى بمعنى اسم مفعول، على معنى ما شهدوا به على عيسى وأُمه.

اطفيش

تفسير : {فاختلف الأحزابُ من بينهم} ما ذكر من مدح عيسى سبب لمبالغة من بالغ، وجاوز الحد، وتقصير من قصر حتى كذب به كما دلت الفاء، فصار ما هو سبب للاتفاق سبباً للاختلاف بين الأحزاب، قيل هم المسلمون وهم قالوا بما قال الله عز وجل، واليهود والنصارى ومشركو العرب، والهاء للأحزاب كذبته اليهود وبهتوه وعادوه، حتى عملوا فى أن يقتلوه. قال نسطور من النصارى بعد رفعه: هو ابن الله أظهره ثم رفعه. وقال يعقوب: هو الله هبط ثم صعد. وقال ملكان: هو عبد الله ونبيه. وقال أتباعه بعده: عيسى ناسوت قديم أزلى، ولدته مريم، والصلب والقتل وقع على الناسوت، ومن قال هو إله قال: وقع القتل والصلب على الناسوت. ويحكى عن أتباع ملكان أن المسيح ناسوت كلى لا جزئى، وأنه قديم، وقد ولدت مريم إلهاً أزلياً، وأن القتل والصلب وقعا على الناسوت واللاهوت معاً. قال مشركو العرب بعدم تصديق أن ما فى القرآن من الله عز وجل، ومنهم من تنصر، ومن تهود، وقيل: الأحزاب اليهود والنصارى، لأنهم قوم عيسى، وفيهم ولد ونشأ، لأنه إسرائيلى، كما أن اليهود والنصارى إسرائيليون ثم دخل فى دين النصارى غير الإسرائيليين، ومن كان منهم غير إسرائيلى أكثر، وأهل الكتاب شهروا به ما بين معاد ومسلام، فهم المراد بالأحزاب ومن والنصارى من قال يقول المسلمين ولم يخلصه بكفر، وهم قليل، وقيل الأحزاب اليهود والنصارى، ومشركو العرب، ويدل لعدم دخول المسلمين فى الأحزاب، لأن معنى من بينهم أنهم اختلفوا اختلفا صادراً من أنفسهم، أو ثابتا منها ومخالفة المسلمين لهم لمتابعة كلام الله سبحانه لا تبع لأنفسهم. من للابتداء، وأجاز أبو حيان زيادتها تأكيدا، وأجاز أن تكون للتعليل على انفصالهم عن الحق، وعلى زيادتها جاز دخول المسلمين، ومن قال كقولهم، ويناسبه قوله تعالى: {فويلٌ للَّذين كفَروا} تحزراً عن المسلمين، ومن قال مثلهم لا ويل لهم، فلو أريد بالأحزاب المشركون اليهود وغيرهم لقال: فويل لهم إلا أن يقال: ذكرهم باسم الكفر تقيماً وتصريحاً بسبب الويل، ومن قال بقول المسلمين، وكفر بأمر آخر فويله ليس من جانب عيسى، ويجوز دخول المسلمين، ومثلهم فيقدر: فويل للذين كفروا منهم أى من الأحزاب. {مِنْ مَشْهد يوم عَظيم} من بمعنى فى والإضافة للبيان، ومشهد زمان الشهادة وهو يوم القيامة، أو من للتعليل أو مشهد نفس الشهادة أو مكان الشهود فى يوم عظيم، أو مشهود به فى حق عيسى وأمه من السوء كقوله تعالى: "أية : كبرت كلمة تخرج من أفواههم" تفسير : [الكهف: 5] وعلى كل حال أضيف ليوم القيامة لأنه يوم الهول تشهده الملائكة والأنبياء، وتنطق فيه ألسنتهم، وجوارحهم، ويضعف تفسير ذلك بوقت قتل المسلمين الكفار، وليست وقتا واحدا.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها تنبيهاً على سوء صنيعهم بجعلهم ما يوجب الاتفاق منشأ للاختلاف فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السلام مع كونها نصوصاً قاطعة في كونه عبد الله تعالى ورسوله قد اختلف اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط فالمراد بالأحزاب اليهود والنصارى وهو المروي عن الكلبـي، ومعنى {مِن بَيْنِهِمْ } أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين، و بين ظرف استعمل اسماً بدخول من عليه. ونقل في «البحر» القول بزيادة من. وحكى أيضاً القول بأن البين هنا بمعنى البعد أي اختلفوا فيه لبعدهم عن الحق فتكون سببية ولا يخفى بعده، وقيل: المراد بالأحزاب فرق النصارى فإنهم اختلفوا بعد رفعه عليه السلام فيه فقال نسطور هو ابن الله تعالى عن ذلك أظهره ثم رفعه، وقال يعقوب: هو الله تعالى هبط ثم صعد وقال ملكا: هو عبد الله تعالى ونبيه، وفي «الملل والنحل» ((أن الملكانية قالوا: إن الكلمة يعني أقنوم العلم اتحدت بالمسيح عليه السلام وتدرعت بناسوته. وقال أيضاً: إن المسيح عليه السلام ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم [أزلي من قديم أزلي] وقد ولدت مريم إلٰهاً (قديماً) أزلياً / والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معاً))، وقد قدمنا من أمر النصارى ما فيه كفاية فليتذكر. وقيل المراد بهم المسلمون واليهود والنصارى. وعن الحسن أنهم الذين تحزبوا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما قص عليهم قصة عيسى عليه السلام اختلفوا فيه من بين الناس، قيل: إنهم مطلق الكفار فيشمل اليهود والنصارى والمشركين الذين كانوا في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيرهم؛ ورجحه الإمام بأنه لا مخصص فيه، ورجح القول بأنهم أهل الكتاب بأن ذكر الاختلاف عقيب قصة عيسى عليه السلام يقتضي ذلك، ويؤيده قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } فالمراد بهم الأحزاب المختلفون، وعبر عنهم بذلك إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحكم، وإذا قيل بدخول المسلمين أو الملكانية وقيل: إنهم قالوا بأنه عليه السلام عبد الله ونبيه في الأحزاب، فالمراد من (الذين كفروا) بعض الأحزاب أي فويل للذين كفروا منهم {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي من مشهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء وهو يوم القيامة أو من وقت شهوده أو مكان الشهود فيه أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن تشهد الملائكة والأنبياء عليهم السلام عليهم وألسنتهم وسائر جوارحهم بالكفر والفسوق أو من وقت الشهادة أو من مكانها. وقيل: هو ما شهدوا به في حق عيسى عليه السلام وأمه وعظمه لعظم ما فيه أيضاً كقوله تعالى: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} تفسير : [الكهف: 5]. وقيل هو يوم قتل المؤمنين حين اختلف الأحزاب وهو كما ترى. والحق أن المراد بذلك اليوم يوم القيامة.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع الإخبار بحصول الاختلاف على الإخبار بأن هذا صراط مستقيم، أي حادَ عن الصراط المستقيم الأحزابُ فاختلفوا بينهم في الطرائق التي سلكوها، أي هذا صراط مستقيم لا يختلف سالكوه اختلافاً أصلياً، فسلك الأحزاب طرقاً أخرى هي حائدة عن الصراط المستقيم فلم يتفقوا على شيء. وقوله {مِن بينهم} متعلّق بـ {فاخْتَلَفَ}. و (من) حرف توكيد، أي اختلفوا بينهم. والمراد بالأحزاب أحزاب النصارى، لأن الاختلاف مؤذن بأنهم كانوا متفقين ولم يكن اليهود موافقين النّصارى في شيء من الدين. وقد كان النصارى على قول واحد على التّوحيد في حياة الحواريين ثم حدث الاختلاف في تلاميذهم. وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة} تفسير : في سورة النساء (171) أن الاختلاف انحلّ إلى ثلاثة مذاهب: المَلْكَانِيّة (وتسمى الجاثُلِيقيّة)؛ واليعقوبية، والنسطورية. وانشعبت من هذه الفرق عدّة فِرق ذكرها الشهرستاني، ومنها الاليانة، والبليارسية، والمقدانوسية، والسبالية، والبوطينوسية، والبولية، إلى فرق أخرى. منها فرقة كانت في العرب تسمى الرّكوسية ورد ذكرها في الحديث: حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعدي بن حاتم: إنّك رَكُوسيتفسير : . قال أهل اللغة هي نصرانية مشوبة بعقائد الصابئة. وحدثت بعد ذلك فرقة الاعتراضية (البُرُوتِسْتان) أتباع (لوثير). وأشهر الفرق اليوم هي الملكانية (كاثوليك)، واليعقوبية (أرثودوكس)، والاعتراضية (بُرُوتستان). ولما كان اختلافهم قد انحصر في مرجع واحد يرجع إلى إلهية عيسى اغتراراً وسوءَ فهم في معنى لفظ (ابن) الذي ورد صفة للمسيح في الأناجيل مع أنه قد وصف بذلك فيها أيضاً أصحابه. وقد جاء في التوراة أيضاً أنتم أبناء الله. وفي إنجيل متى الحواري وإنجيل يوحنا الحواري كلمات صريحة في أن المسيح ابن إنسان وأن الله إلههُ وربُّه، فقد انحصرت مذاهبهم في الكفر بالله فلذلك ذُيل بقوله {فَوَيْلٌ للذين كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يومٍ عَظِيمٍ}، فشمل قولُه (الَّذِينَ كَفَرُوا) هؤلاء المخبرَ عنهم من النصارى وشمل المشركين غيرهم. والمشهد صالح لمعان، وهو أن يكون مشتقاً من المشاهدة أو من الشهود، ثمّ إما أن يكون مصدراً ميمياً في المعنيين أو اسم مكان لهما أو اسم زمان لهما، أي يوم فيه ذلك وغيره. والويل حاصل لهم في الاحتمالات كلها وقد دخلوا في عموم الذين كفروا بالله، أي نفوا وحدانيته، فدخلوا في زمرة المشركين لا محالة، ولكنهم أهل كتاب دون المشركين.

الشنقيطي

تفسير : أظهر الأقوال في "الأحزاب" المذكورة في هذه الآية - أنهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا في شأن عيسى. فقالت طائفة: هو ابن زنى. وقالت طائفة: هو ابن الله. وقالت طائفة: هو الله. وقالت طائفة: هو إله مع الله. ثم إن الله توعد الذين كفروا منهم بالويل لهم من شهود يوم القيامة. وذلك يشمل من كفر بالتفريط في عيسى كالذي قال إنه ابن زنى. ومن كفر بالإفراط فيه كالذين قالوا إنه الله أو ابنه. وقوله "ويل" كلمة عذاب. فهو مصدر لا فعل له من لفظه. وسوغ الابتداء به وهو نكرة كونه في معنى الدعاء. والظاهر أن المشهد في الآية مصدر ميمي. أي فويل لهم من شهود ذلك اليوم أي حضوره لما سيلاقونه فيه من العذاب. خلافاً لمن زعم أن المشهد في الآية اسم مكان. أي فويل لهم من ذلك المكان الذي يشهدون فيه تلك الأهوال والعذاب. والأول هو الظاهر وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضاً في سورة "الزخرف" في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الزخرف:63-65] وما أشار إليه في الآيتين: من أن الذين كفروا بالإفراط أو التفريط في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أنه لم يعاجلهم بالعذاب، وأنه يؤخر عذابهم إلى الوقت المحدد لذلك - أشار له في مواضع أخر. كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [إبراهيم: 42]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ}تفسير : [هود: 104]، وقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [العنكبوت: 53]. وبالجملة فالله تعالى يمهل الظالم إلى وقت عذابه، ولكنه لا يهمله. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}تفسير : [هود: 102]، وقال تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [الحج: 48]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} قال أبو حيان في (البحر): ومعنى قوله "من بينهم" أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين - انتهى محل الغرض منه.

د. أسعد حومد

تفسير : (37) - فَاخْتَلَفَتِ الأَقْوَالُ فِي عِيسَى: - فَقَالَ اليَهُودُ إِنَّهُ وُلِدَ مِنْ أبٍ مَعْرُوفٍ، وَقَالُوا عَنْ كَلاَمِهِ فِي المَهْدِ إِنَّهُ سِحْرٌ. وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ النَّصَارَى فِي عِيسَى عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى: - فَقَالَ اليَعَاقِبَةُ - إِنَّ اللهَ هَبَطَ إِلى الأَرْضِ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. - وَقَالَ النّسْطُورِيُّونَ - هُوَ ابْنُ اللهِ أَظْهَرَهُ مَا شَاءَ ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيهِ. - وَقَالَ الآرْيُوسِيُّونَ - إِنَّهُ عَبْدٌ كَسَائِرِ خَلْقِ اللهِ، وَإِنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، وَهذا القَوْلُ هُوَ القَوْلُ الحَقُّ الذِي أَرْشَدَ اللهُ إِلَيْهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ هَدَّدَ اللهُ تَعَالَى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَى اللهِ الكَذِبَ، وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ وَلَداً، بِأَنَّهُمْ سَيَلْقَوْنَ جَزَاءَهُمْ فِي الآخِرَةِ، وَالوَيْلُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ مَشْهَدِ ذلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الأحزاب: أي الذين اختلفوا في عيسى عليه السلام من قومه، فمنهم مَنْ قال: هو إله، ومنهم مَن قال: ابن إله. وآخر قال: هو ثالث ثلاثة. ومنهم مَنْ رماه بالسحر وقال عنه بعضهم: ابن زنى - نستغفر الله مما يقوله الظالمون والكافرون -. والأحزاب: جمع حِزْب، وهم طائفة من الناس اجتمعوا حول مبدأ من المبادىء، ورأْي مَن الآراء يدافعون عنه ويعتقدونه، ويسيرون في حياتهم على وفقه، ويُخضِعون حركة حياتهم لخدمته. ومعنى: {مِن بَيْنِهِمْ ..} [مريم: 37] يعني من داخل المؤمنين به ومن أتباع عيسى أنفسهم، فالذين قالوا عنه هذه الأباطيل ليسو من أعدائه، بل من المؤمنين به. وهكذا اختلف القوم في أمر عيسى، وكان لكل منهم رَأْي، وجميعها مُنَافِية للصواب بعيدة عن الحقيقة؛ لذلك توعّدهم الخالق سبحانه بقوله: {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37]. فقد قلتم في عيسى ما قُلْتم في الدنيا، وخُضْتم فيه بما أحببتُمْ من القول؛ لأن الله تعالى جعل إرادتكم نافذة على جوارحكم، وأعطاكم حرية الفعل والاختيار، فوجَّهتم جوارحكم واخترتم ما يُغضب الله، فكأن عقوبة الدنيا لا تناسب ما فعلوه، ولا بُدَّ لهم من عقوبة آجلة في الآخرة تناسب ما حدث منهم في حَقِّ نبيهم وفي حَقِّ ربهم تبارك وتعالى. {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37] ومشهد يوم عظيم هو يوم القيامة، يوم تُبْلَى السرائر، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله. وسماه المشهد العظيم؛ لأنه يوم مشهود يشهده الجميع؛ لأن العذاب في الدنيا مثلاً لا يشهده إلا الحاضرون المعاصرون، ولا يشهده السابقون ولا اللاحقون، أما عذاب الآخرة فهو المشهد العظيم الذي يراه كل الخَلْق. وربما كان بعض العذاب أهونَ من رؤية الغير للإنسان وهو يُعذِّب، فربما تحمَّل هو العذاب في نفسه أما كونه يُعذَّب على مرأىً من الناس جمعياً، ويرونه في هذه المهانة وهذه الذلة وقد كان في الدنيا عظيماً أو جباراً أو عاتياً أو ظالماً، لا شكَّ أن رؤيتهم له في هذه الحالة تكون أنكَى له وأبلغ. لذلك يقول الحق تبارك وتعالى عنهم في آية أخرى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأنعام: 27] هذا منهم مجرد كلام: {أية : بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ..}تفسير : [الأنعام: 28] أي: ظهر لهم ما كانوا يخفون ولم يقُلْ يخفَى عنهم، كأنهم كانوا يعلمون عنه شيئاً ولكنهم أخفوْه. وقال عنهم: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ}تفسير : [السجدة: 12]. فلماذا أبصروا وسمعوا الآن؟ لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا عن غير وَعْي، فينكرون ويُبصرون آيات الله في الكون ولا يؤمنون، أما في الآخرة فقد انكشفتْ لهم الحقائق التي طالما أنكَروها، ولم يَعُدْ هناك مجال للمكابرة أو الإنكار؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما بين تعالى حال عيسى بن مريم الذي لا يشك فيها ولا يمترى، أخبر أن الأحزاب، أي: فرق الضلال، من اليهود والنصارى وغيرهم، على اختلاف طبقاتهم اختلفوا في عيسى عليه السلام، فمن غال فيه وجاف، فمنهم من قال: إنه الله، ومنهم من قال: إنه ابن الله.ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة.ومنهم من لم يجعله رسولا بل رماه بأنه ولد بغي كاليهود..وكل هؤلاء أقوالهم باطلة، وآراؤهم فاسدة، مبنية على الشك والعناد، والأدلة الفاسدة، والشبه الكاسدة، وكل هؤلاء مستحقون للوعيد الشديد، ولهذا قال: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } بالله ورسله وكتبه، ويدخل فيهم اليهود والنصارى، القائلون بعيسى قول الكفر. { مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي: مشهد يوم القيامة، الذي يشهده الأولون والآخرون، أهل السماوات وأهل الأرض، الخالق والمخلوق، الممتلئ بالزلازل والأهوال، المشتمل على الجزاء بالأعمال، فحينئذ يتبين ما كانوا يخفون ويبدون، وما كانوا يكتمون. { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } أي: ما أسمعهم وما أبصرهم في ذلك اليوم!. فيقرون بكفرهم وشركهم وأقوالهم، ويقولون: {أية : ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } تفسير : ففي القيامة، يستيقنون حقيقة ما هم عليه. { لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } وليس لهم عذر في هذا الضلال، لأنهم بين معاند ضال على بصيرة، عارف بالحق، صادف عنه، وبين ضال عن طريق الحق، متمكن من معرفة الحق والصواب، ولكنه راض بضلاله وما هو عليه من سوء أعماله، غير ساع في معرفة الحق من الباطل، وتأمل كيف قال: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } بعد قوله { فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ } ولم يقل " فويل لهم " ليعود الضمير إلى الأحزاب، لأن من الأحزاب المختلفين، طائفة أصابت الصواب، ووافقت الحق، فقالت في عيسى: " إنه عبد الله ورسوله " فآمنوا به، واتبعوه، فهؤلاء مؤمنون، غير داخلين في هذا الوعيد، فلهذا خص الله بالوعيد الكافرين.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 572 : 24 : 5 - سفين عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي في قوله {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} قال في عيسى. فمنهم من قال: "ولد". ومنهم من قال: "بغية" يعني الفرية. [الآية 37].