١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الثالثة: قصة إبراهيم عليه السلام. اعلم أن الغرض من هذه السورة بيان التوحيد والنبوة والحشر، والمنكرون للتوحيد هم الذين أثبتوا معبوداً سوى الله تعالى، وهؤلاء فريقان: منهم من أثبت معبوداً غير الله حياً عاقلاً فاهماً وهم النصارى، ومنهم من أثبت معبوداً غير الله جماداً ليس بحي ولا عاقل ولا فاهم وهم عبدة الأوثان والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم فلما بين تعالى ضلال الفريق الأول تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة الأوثان فقال: {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } والواو في قوله واذكر عطف على قوله: {أية : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } تفسير : [مريم: 2] كأنه لما انتهت قصة عيسى وزكريا عليهما السلام قال قد ذكرت حال زكريا فاذكر حال إبراهيم وإنما أمر بذكره لأنه عليه السلام ما كان هو ولا قومه ولا أهل بلدته مشتغلين بالعلم ومطالعة الكتب فإذا أخبر عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخباراً عن الغيب ومعجزاً قاهراً دالاً على نبوته. وإنما شرع في قصة إبراهيم عليه السلام لوجوه: أحدها: أن إبراهيم عليه السلام كان أب العرب وكانوا مقرين بعلو شأنه وطهارة دينه على ما قال تعالى: { أية : مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الحج: 78] وقال تعالى: { أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : [البقرة: 130] فكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم مقلدين لآبائكم على ما هو قولكم: { أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } تفسير : [الزخرف: 23] ومعلوم أن أشرف آبائكم وأجلهم قدراً هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة الأوثان وإن كنتم من المستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم إما تقليداً وإما استدلالاً. وثانيها: أن كثيراً من الكفار في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون كيف نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام وبين أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح متابعة الدليل على متابعة أبيه ليعرف الكفار أن ترجيح جانب الأب على جانب الدليل رد على الأب الأشرف الأكبر الذي هو إبراهيم عليه السلام. وثالثها: أن كثيراً من الكفار كانوا يتمسكون بالتقليد وينكرون الاستدلال على ما قال الله تعالى: { أية : قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 22] و { أية : قَالُواْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ } تفسير : [الأنبياء: 53] فحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام التمسك بطريقة الاستدلال تنبيهاً لهؤلاء على سقوط هذه الطريقة ثم قال تعالى في وصف إبراهيم عليه السلام: {إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً } وفي الصديق قولان: أحدهما: أنه مبالغة في كونه صادقاً وهو الذي يكون عادته الصدق لأن هذا البناء ينبىء عن ذلك يقال رجل خمير وسكير للمولع بهذه الأفعال. والثاني: أنه الذي يكون كثير التصديق بالحق حتى يصير مشهوراً به والأول أولى وذلك لأن المصدق بالشيء لا يوصف بكونه صديقاً إلا إذا كان صادقاً في ذلك التصديق فيعود الأمر إلى الأول فإن قيل أليس قد قال تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاء } تفسير : [الحديد: 19] قلنا: المؤمنون بالله ورسله صادقون في ذلك التصديق واعلم أن النبي يجب أن يكون صادقاً في كل ما أخبر عنه لأن الله تعالى صدقه ومصدق الله صادق وإلا لزم الكذب في كلام الله تعالى فيلزم من هذا كون الرسول صادقاً في كل ما يقول، ولأن الرسل شهداء الله على الناس على ما قال الله تعالى: { أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] والشهيد إنما يقبل قوله: إذا لم يكن كاذباً. فإن قيل: فما قولكم في إبراهيم عليه السلام في قوله: { أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 63] و {إِنّى سَقِيمٌ } قلنا قد شرحنا في تأويل هذه الآيات بالدلائل الظاهرة أن شيئاً من ذلك ليس بكذب فلما ثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقاً ولا يجب في كل صديق أن يكون نبياً ظهر بهذا قرب مرتبة الصديق من مرتبة النبي فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقاً إلى ذكر كونه نبياً. وأما النبي فمعناه كونه رفيع القدر عند الله وعند الناس وأي رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده. وقوله: {كَانَ صِدّيقاً } قيل: إنه صار وقيل إن معناه وجد صديقاً نبياً أي كان من أول وجوده إلى انتهائه موصوفاً بالصدق والصيانة. قال صاحب «الكشاف»: هذه الجملة وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله أعني إبراهيم وإذ قال ونظيره قولك رأيت زيداً ونعم الرجل أخاك ويجوز أن يتعلق إذ بكان أو بصديقاً نبياً أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات أما قوله: {يا أبت} فالتاء عوض عن ياء الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه وقد يقال: يا أبتا لكون الألف بدلاً من الياء واعلم أنه تعالى حكى أن إبراهيم عليه السلام تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام. النوع الأول: قوله: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } ووصف الأوثان بصفات ثلاثة كل واحدة منها قادحة في الإلهية وبيان ذلك من وجوه: أحدها: أن العبادة غاية التعظيم فلا يستحقها إلا من له غاية الإنعام وهو الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما قررناه في تفسير قوله: { أية : وإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } تفسير : [مريم:36] وقال: { أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] الآية وكما يعلم بالضرورة أنه لا يجوز الاشتغال بشكرها ما لم تكن منعمة وجب أن لايجوز الاشتغال بعبادتها. وثانيها: أنها إذا لم تسمع ولم تبصر ولم تميز من يطيعها عمن يعصيها فأي فائدة في عبادتها، وهذا ينبهك على أن الإله يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات حتى يكون العبد آمناً من وقوع الغلط للمعبود. وثالثها: أن الدعاء مخ العبادة فالوثن إذا لم يسمع دعاء الداعي فأي منفعة في عبادته وإذا كانت لا تبصر بتقرب من يقترب إليها فأي منفعة في ذلك التقرب. ورابعها: أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عارياً عن كل ذلك، والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل عبادة الأخس. وخامسها: إذا كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى منها منفعة ولا يخاف من ضررها فأي فائدة في عبادتها. وسادسها: إذا كانت لا تحفظ أنفسها عن الكسر والإفساد على ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه كسرها وجعلها جذاذاً فأي رجاء للغير فيها واعلم أنه عاب الوثن من ثلاثة أوجه. أحدها: لا يسمع. وثانيها: لا يبصر. وثالثها: لا يغني عنك شيئاً كأنه قال له: بل الإلهية ليست إلا لربي فإنه يسمع ويجيب دعوة الداعي ويبصر، كما قال: { أية : إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } تفسير : [طه: 46] ويقضي الحوائج: { أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } تفسير : [النمل: 62] واعلم أن قوله ههنا {لِمَ تَعْبُدُ } محمول على نفس العبادة وأما قوله في المقام الثالث: {لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ } لا يقال ذلك بل المراد الطاعة لأنهم ما كانوا يعبدون الشيطان فوجب حمله على الطاعة ولأنا نقول ليس إذا تركنا الظاهر ههنا لدليل وجب ترك الظاهر في المقام الأول بغير دليل فإن قيل: إما أن يقال إن أبا إبراهيم كان يعتقد في تلك الأوثان أنها آلهة بمعنى أنها قادرة مختارة موجدة للناس والحيوانات أو يقال إنه ما كان يعتقد ذلك بل كان يعتقد أنها تماثيل الكواكب والكواكب هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، فتعظيم تماثيل الكواكب بموجب تعظيم الكواكب أو كان يعتقد أن هذه الأوثان تماثيل أشخاص معظمة عند الله تعالى من البشر فتعظيمها يقتضي كون أولئك الأشخاص شفعاء لهم عند الله تعالى أو كان يعتقد أن تلك الأوثان طلسمات ركبت بحسب اتصالات مخصوصة للكواكب قلما يتفق مثلها، وأنها مشفع بها، أو غير ذلك من الأعذار المنقولة عن عبدة الأوثان، فإن كان أبو إبراهيم من القسم الأول كان في نهاية الجنون لأن العلم بأن هذا الخشب المنحوت في هذه الساعة ليس خالقاً للسموات والأرض من أجلى العلوم الضرورية، فالشاك فيه يكون فاقداً لأجلى العلوم الضرورية فكان مجنوناً والمجنون لا يجوز إيراد الحجة عليه والمناظرة معه، وإن كان من القسم الثاني فهذه الدلائل لا تقدح في شيء من ذلك لأن ذلك المذهب إنما يبطل بإقامة الدلالة على أن الكواكب ليست أحياء ولا قادرة على خلق الأجسام وخلق الحياة ومعلوم أن الدليل المذكور ههنا لا يفيد ذلك المطلوب فعلمنا أن هذه الدلالة عديمة الفائدة على كل التقديرات، قلنا: لا نزاع أنه لا يخفى على العاقل أن الخشبة المنحوتة لا تصلح لخلق العالم وإنما مذهبهم هذا على الوجه الثاني، وإنما أورد إبراهيم عليه السلام هذه الدلالة عليهم لأنهم كانوا يعتقدون أن عبادتها تفيد نفعاً إما على سبيل الخاصية الحاصلة من الطلسمات أو على سبيل أن الكواكب تنفع وتضر، فبين إبراهيم عليه السلام أنه لا منفعة في طاعتها ولا مضرة في الإعراض عنها فوجب أن لا تحسن عبادتها. النوع الثاني: قوله: {يٰأَبَتِ إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } ومعناه ظاهر وطمع في التمسك به أهل التعليم وأهل التقليد ـ أما أهل التعليم فقالوا: إنه أمره بالإتباع في الدين وما أمره بالتمسك بدليل لا يستفاد إلا من الإتباع، وأما أهل التقليد فقد تمسكوا به أيضاً من هذا الوجه، ومن الناس من طعن أنه أمره بالإتباع لتحصل الهداية، فإذن لا تحصل الهداية إلا باتباعه، ولا تبعية إلا إذا اهتدى لقولنا إنه لا بد من اتباعه فيقع الدور وإنه باطل. «والجواب» عن الأول: أن المراد بالهداية بيان الدليل وشرحه وإيضاحه، فعند هذا عاد السائل فقال: أنا لا أنكر أنه لا بد من الدلالة، ولكني أقول الوقوف على تلك الدلالة لا يستفاد إلا ممن له نفس كاملة بعيدة عن النقص والخطأ، وهي نفس النبي المعصوم أو الإمام المعصوم فإذا سلمت أنه لا بد من النبي في هذا المقصود فقد سلمت حصول الغرض، أجاب المجيب وقال أنا ما سلمت أنه لا بد في الوقوف على الدلائل من هداية النبي، ولكني أقول هذا الطريق أسهل وإن إبراهيم عليه السلام دعاه إلى الأسهل والجواب عن سؤال الدور أن قوله: {فَٱتَّبِعْنِى } ليس أمر إيجاب بل أمر إرشاد. والنوع الثالث: قوله: {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً } أي لا تطعه لأنه عاص لله فنفره بهذه الصفة عن القبول منه، لأنه أعظم الخصال المنفرة، واعلم أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايات الشيطان إلا كونه عاصياً لله ولم يذكر معاداته لآدم عليه السلام كأن النظر في عظم ما ارتكبه من ذلك العصيان غمى فكره وأطبق على ذهنه، وأيضاً فإن معصية الله تعالى لا تصدر إلا عن ضعيف الرأي، ومن كان كذلك كان حقيقاً أن لا يلتفت إلى رأيه ولا يجعل لقوله وزن فإن قيل: إن هذا القول يتوقف على إثبات أمور: أحدها: إثبات الصانع. وثانيها: إثبات الشيطان. وثالثها: إثبات أن الشيطان عاص لله. ورابعها: أنه لما كان عاصياً لم تجز طاعته في شيء من الأشياء. وخامسها: أن الاعتقاد الذي كان عليه ذلك الإنسان كان مستفاداً من طاعة الشيطان، ومن شأن الدلالة التي تورد على الخصم أن تكون مركبة من مقدمات معلومات مسلمة، ولعل أبا إبراهيم كان منازعاً في كل هذه المقدمات، وكيف والمحكى عنه أنه ما كان يثبت إلهاً سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الإله الرحمن وإذا لم يسلم وجوده، فكيف يمكنه تسليم أن الشيطان كان عاصياً للرحمن، ثم إن على تسليم ذلك فكيف يسلم الخصم بمجرد هذا الكلام أن مذهبه مقتبس من الشيطان، بل لعله يقلب ذلك على خصمه، قلنا: الحجة المعول عليها في إبطال مذهب آزر هو الذي ذكره أولاً من قوله: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } فأما هذا الكلام فيجري مجرى التخويف والتحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدلالة، وعلى هذا التقدير يسقط السؤال. النوع الرابع: قوله: {يٰأَبَتِ إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً } قال الفراء: معنى أخاف أعلم. والأكثرون على أنه محمول على ظاهره، والقول الأول إنما يصح لو كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن أباه سيموت على ذلك الكفر وذلك لم يثبت فوجب إجراؤه على ظاهره فإنه كان يجوز أن يؤمن فيصير من أهل الثواب ويجوز أن يصر فيموت على الكفر، فيكون من أهل العقاب، ومن كان كذلك كان خائفاً لا قاطعاً، واعلم أن من يظن وصول الضرر إلى غيره فإنه لا يسمى خائفاً إلا إذا كان بحيث يلزم من وصول ذلك الضرر إليه تألم قلبه كما يقال أنا خائف على ولدي أما قوله: {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً } فذكروا في الولي وجوهاً: أحدها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع الشيطان في النار والولاية سبب للمعية وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز وإن لم يجز حمله الى الولاية الحقيقية لقوله تعالى: { أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67] وقال: { أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } تفسير : [العنكبوت: 25] وحكى عن الشيطان أنه يقول لهم: { أية : إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } تفسير : [إبراهيم: 22] واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا كان المراد من العذاب عذاب الآخرة، أما إذا كان المراد منه عذاب الدنيا فالإشكال ساقط. وثانيها؛ أن يحمل العذاب على الخذلان أي إني أخاف أن يمسك خذلان الله فتصير موالياً للشيطان ويبرأ الله منك على ما قال تعالى: { أية : وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيّاً مّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } تفسير : [النساء: 119]. وثالثها: ولياً أي تالياً للشيطان، تليه كما يسمى المطر الذي يأتي تالياً ولياً فإن قيل قوله: {أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً } يقتضي أن تكون ولاية الشيطان أسوأ حالاً من العذاب نفسه وأعظم، فما السبب لذلك. «والجواب»: أن رضوان الله تعالى أعظم من الثواب على ما قال: { أية : وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } تفسير : [التوبة: 72] فوجب أن تكون ولاية الشيطان التي هي في مقابلة رضوان الله أكبر من العذاب نفسه وأعظم. واعلم أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن لأنه نبه أولاً على ما يدل على المنع من عبادة الأوثان ثم أمره باتباعه في النظر والاستدلال وترك التقليد ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي ثم إنه عليه السلام أورد هذا الكلام الحسن مقروناً باللطف والرفق فإن قوله في مقدمة كل كلام {يا أبت} دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب، وختم الكلام بقوله {إِنّى أَخَافُ } وذلك يدل على شدة تعلق قلبه بمصالحه وإنما فعل ذلك لوجوه: أحدها: قضاء لحق الأبوة على ما قال تعالى: { أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 23] والإرشاد إلى الدين من أعظم أنواع الإحسان، فإذا انضاف إليه رعاية الأدب والرفق كان ذلك نوراً على نور. وثانيها: أن الهادي إلى الحق لا بد وأن يكون رفيقاً لطيفاً يورد الكلام لا على سبيل العنف لأن إيراده على سبيل العنف يصير كالسبب في إعراض المستمع فيكون ذلك في الحقيقة سعياً في الإغواء. وثالثها: ما روى أبو هريرة أنه قال عليه السلام: « حديث : أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام أنك خليلي فحسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأن أسكنه حظيرة قدسي وأدنيه من جواري » تفسير : والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} المعنى: واذكر في الكتاب الذي أنزل عليك وهو القرآن قصة إبراهيم وخبره. وقد تقدّم معنى الصدّيق في «النساء» واشتقاق الصدق في «البقرة» فلا معنى للإعادة. ومعنى الآية: اقرأ عليهم يا محمد في القرآن أمر إبراهيم فقد عرفوا أنهم من ولده، فإنه كان حنيفاً مسلماً وما كان يتخذ الأنداد، فهؤلاء لم يتخذون الأنداد؟! وهو كما قال: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} تفسير : [البقرة: 130]. قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لاَّبِيهِ} وهو آزر وقد تقدّم. {يٰأَبَتِ} قد تقدّم القول فيه في «يوسف» {لِمَ تَعْبُدُ} أي لأي شيء تعبد: {مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} يريد الأصنام. {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} أي من اليقين والمعرفة بالله وما يكون بعد الموت، وأن من عبد غير الله عذب {فَٱتَّبِعْنِيۤ} إلى ما أدعوك إليه. {أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة. {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} أي لا تطعه فيما يأمرك به من الكفر، ومن أطاع شيئاً في معصية فقد عبده. {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} «كان» صلة زائدة. وقيل: كان بمعنى صار. وقيل: بمعنى الحال؛ أي هو للرحمن. وعصيا وعاصٍ بمعنى واحد؛ قاله الكسائي. {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي إن متَّ على ما أنت عليه. ويكون «أَخَافُ» بمعنى أعلم. ويجوز أن يكون «أَخَافُ» على بابها فيكون المعنى: إني أخاف أن تموت على كفرك فيمسك العذاب. {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} أي قريناً في النار. {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ} أي أترغب عنها إلى غيرها. {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً } قال الحسن: يعني بالحجارة. الضحاك: بالقول؛ أي لأشتمنك. ابن عباس: لأضربنك. وقيل: لأظهرن أمرك. {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً}. قال ابن عباس: أي اعتزلني سالم العرض لا يصيبنَّك مني معرّة؛ واختاره الطبري، فقوله: «ملياً» على هذا حال من إبراهيم. وقال الحسن ومجاهد: «ملياً» دهراً طويلاً؛ ومنه قول المهلهل: شعر : فَتَصدَّعَتْ صُمُّ الجبالِ لموته وبَكَت عليه المُرْمِلاَتُ مليًّا تفسير : قال الكسائي: يقال هجرته مليًّا ومَلْوة ومُلْوة ومَلاَوة ومُلاَوة، فهو على هذا القول ظرف، وهو بمعنى الملاوة من الزمان، وهو الطويل منه. قوله تعالى: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء الرد؛ لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره. والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية؛ قال الطبري: معناه أمنة مني لك. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام. وقال النقاش: حليم خاطب سفيهاً؛ كما قال: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]. وقال بعضهم في معنى تسليمه: هو تحية مفارق؛ وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها. قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم؛ قال الله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الممتحنة: 8]. وقال: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الممتحنة: 4] الآية؛ وقال إبراهيم لأبيه: «سلام عليك». قلت: الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة؛ وفي الباب حديثان صحيحان: روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه» تفسير : خرجه البخاري ومسلم. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً عليه إكاف تحته قطيفة فَدَكيّة، وأردف وراءه أسامة بن زيد؛ وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رَوَاحة، فلما غشيت المجلسَ عجاجةُ الدابة، خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تُغبِّروا علينا، فسلّم عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلمتفسير : ؛ الحديث. فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء، لأن ذلك إكرام، والكافر ليس أهله. والحديث الثاني يجوز ذلك. قال الطبري: ولا يعارَض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة، فإنه ليس في أحدهما خلاف للآخر؛ وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص. وقال النَّخَعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام؛ فبان بهذا أن حديث أبي هريرة «حديث : لا تبدؤوهم بالسلام» تفسير : إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام، من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قِبلهم، أو حقّ صحبة أو جوار أو سفر. قال الطبري: وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب. وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه؛ قال علْقَمة: فقلت له يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟! قال: نعم؛ ولكن حقّ الصحبة. وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه؛ فقيل له في ذلك فقال: أمرنا أن نفشي السلام. وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك. وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم. قلت: وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص به هذه الأمة؛ لحديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى أعطى أمتي ثلاثاً لم تعط أحداً قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة» تفسير : الحديث؛ ذكره الترمذي الحكيم؛ وقد مضى في الفاتحة بسنده. وقد مضى الكلام في معنى قوله: «سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي». وارتفع السلام بالابتداء، وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة. قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}: الحفي المبالغ في البرّ والإلطاف؛ يقال: حَفِي به وتَحفَّى إذا بَرَّه. وقال الكسائي يقال: حَفِي بي حِفَاوة وحِفْوة. وقال الفراء: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي عالماً لطيفاً يجيبني إذا دعوته. قوله تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ}: العزلة المفارقة وقد تقدّم في «الكهف» بيانها. وقوله: {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} قيل: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلاً وولداً يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه. ولهذا قال: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي آنسنا وحشته بولد؛ عن ابن عباس وغيره. وقيل: «عسى» يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في المستقبل. وقيل: دعا لأبيه بالهداية. فـ«ـعسى» شك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا؟ والأول أظهر. وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} أي أثنينا عليهم ثناء حسناً؛ لأن جميع الملل تحسن الثناء عليهم. واللسان يذكر ويؤنث؛ وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً} ملازماً للصدق، أو كثير التصديق لكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله. {نَبِيّاً } استنبأه الله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ} واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن، الذين هم من ذريته، ويدعون أنهم على ملته، وقد كان صديقاً نبياً مع أبيه: كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: {يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً} أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضرراً {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} يقول: وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك، فاعلم أني قد أطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت، ولا أطلعت عليه ولا جاءك {فَٱتَّبِعْنِىۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} أي: طريقاً مستقيماً موصلاً إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ} أي: لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به؛ كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [يس: 60] وقال: {أية : إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً} تفسير : [النساء: 117]. وقوله: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} أي: مخالفاً مستكبراً عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: على شركك وعصيانك لما أَمرك به {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً} يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصراً ولا مغيثاً إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: {أية : تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [النحل: 63].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُرْ } لهم {فِى ٱلْكِتَٰبِ إِبْرٰهِيمَ } أي: خبره {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً } مبالِغاً في الصدق {نَبِيّاً } ويبدل من خبره.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱذْكُرْ } معطوف على "وأنذر"، والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الشعراء: 69]، وجملة {إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً } تعليل لما تقدّم من الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يذكره، وهي معترضة ما بين البدل والمبدل منه، والصدّيق: كثير الصدق، وانتصاب {نبياً} على أنه خبر آخر لكان، أي اذكر إبراهيم الجامع لهذين الوصفين، و {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} بدل اشتمال من إبراهيم، وتعليق الذكر الوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة، وأبو إبراهيم هو آزر على ما تقدّم تقريره، التاء في {يا أبت} عوض عن الياء، ولهذا لا يجتمعان، والاستفهام في {لِمَ تَعْبُدُ } للإنكار والتوبيخ {مَا لاَ يَسْمَعُ } ما تقوله من الثناء عليه والدعاء له {وَلاَ يَبْصِرُ } ما تفعله من عبادته ومن الأفعال التي تفعلها مريداً بها الثواب، يجوز أن يحمل نفي السمع والإبصار على ما هو أعمّ من ذلك، أي لا يسمع شيئاً من المسموعات، ولا يبصر شيئاً من المبصرات {وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } من الأشياء، فلا يجلب لك نفعاً ولا يدفع عنك ضرراً، وهي الأصنام التي كان يعبدها آزر. أورد إبراهيم عليه السلام على أبيه الدلائل والنصائح، وصدّر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلبه، وامتثالاً لأمر ربه. ثم كرّر دعوته إلى الحق فقال: {يٰأَبَتِ إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} فأخبر أنه قد وصل إليه من العلم نصيب لم يصل إلى أبيه، وأنه قد تجدّد له حصول ما يتوصل به منه إلى الحق، ويقتدر به على إرشاد الضالّ، ولهذا أمره باتباعه فقال: {فَٱتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } مستوياً موصلاً إلى المطلوب منجياً من المكروه. ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال: {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ } أي لا تطعه، فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً } حين ترك ما أمر به من السجود لآدم، ومن أطاع من هو عاصٍ لله سبحانه فهو عاصٍ لله، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه النعم وتحلّ به النقم. قال الكسائي: العصيّ والعاصي بمعنى واحد. ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال: {يٰأَبَتِ إِنّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ } قال الفراء: معنى أخاف هنا: أعلم. وقال الأكثرون: إن الخوف هنا محمول على ظاهره، لأن إبراهيم غير جازم بموت أبيه على الكفر، إذ لو كان جازماً بذلك لم يشتغل بنصحه، ومعنى الخوف على الغير: هو أن يظنّ وصول الضرر إلى ذلك الغير {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً } أي إنك إذا أطعت الشيطان كنت معه في النار واللعنة، فتكون بهذا السبب موالياً، أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه، وليس هناك ولاية حقيقية لقوله سبحانه: {أية : ٱلاْخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } تفسير : [الزخرف: 67]. وقيل: الوليّ بمعنى التالي. وقيل: الوليّ بمعنى القريب، أي تكون للشيطان قريباً منه في النار، فلما مرّت هذه النصائح النافعة والمواعظ المقبولة بسمع آزر قابلها بالغلظة والفظاظة والقسوة، فقَال { أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى يٰإِبْرٰهِيمُ} والاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب، والمعنى: أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره؟ ثم توعده فقال: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} أي بالحجارة. وقيل: باللسان، فيكون معناه: لأشتمنك. وقيل: معناه لأضربنك. وقيل: لأظهرنّ أمرك {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً } أي زماناً طويلاً. قال الكسائي: يقال هجرته ملياً وملوة وملاوة، بمعنى: الملاوة من الزمان، وهو الطويل، ومنه قول مهلهل:شعر : فتصدّعت صمّ الجبال لموته وبكت عليه المرملات ملياً تفسير : وقيل: معناه اعتزلني سالم العرض لا تصيبك مني معرّة، واختار هذا ابن جرير، فملياً على هذا منتصب على الحال من إبراهيم وعلى القول الأوّل منتصب على الظرفية، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد {قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ } أي تحية توديع ومتاركة كقوله: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } تفسير : [الفرقان: 63]. وقيل: معناه: أمنة مني لك، قاله ابن جرير. وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله، والأوّل أولى، وبه قال الجمهور. وقيل: معناه الدعاء له بالسلامة، استمالة له ورفقاً به ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفاً له وطمعاً في لينه وذهاب قسوته:شعر : والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه تفسير : وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على الكفر، وتحق عليه الكلمة، ولهذا قال الله سبحانه في موضع آخر: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}. بعد قوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ}تفسير : [التوبة: 114] وجملة: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } تعليل لما قبلها؛ والمعنى: سأطلب لك المغفرة من الله، فإنه كان بي كثير البرّ واللطف. يقال: حفي به وتحفّى إذا برّه. قال الكسائي: يقال حفي بي حفاوة وحفوة. وقال الفراء: إنه كان بي حفياً، أي عالماً لطيفاً يجيبني إذا دعوته. ثم صرح الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت فيكم دعوتي {وَٱدْعُواْ رَبّي} وحده {عَسَىٰ أَن لا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا} أي خائباً. وقيل: عاصياً. قيل: أراد بهذا الدعاء: هو أن يهب الله له ولداً وأهلاً يستأنس بهم في اعتزاله ويطمأن إليهم عند وحشته. وقيل: أراد دعاءه لأبيه بالهداية، وعسى للشك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا، والأوّل أولى لقوله: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } أي جعلنا هؤلاء الموهوبين له، أهلاً وولداً بدل الأهل الذين فارقهم {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً } أي كل واحد منهما، وانتصاب {كلا} على أنه المفعول الأوّل لجعلنا قدّم عليه للتخصيص، لكن بالنسبة إليهم أنفسهم لا بالنسبة إلى من عداهم أي كل واحد منهم جعلنا نبياً، لا بعضهم دون بعض {وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا } بأن جعلناهم أنبياء، وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء لبيان أن النبوّة هي من باب الرحمة. وقيل: المراد بالرحمة هنا: المال، وقيل: الأولاد، وقيل: الكتاب، ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} لسان الصدق: الثناء الحسن، عبر عنه باللسان لكونه يوجد به كما عبر باليد عن العطية. وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلوّ للدلالة على أنهم أحقاء بما يقال فيهم من الثناء على ألسن العباد. وقد أخرج ابن المنذر. وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لأرْجُمَنَّكَ} قال: لأشتمنك {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} قال: حيناً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} قال: اجتنبني سوياً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: اجتنبني سالماً قبل أن تصيبك مني عقوبة. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعكرمة {مَلِيّاً } دهراً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: سالماً. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } قال: لطيفاً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } قال: يقول: وهبنا له إسحاق ويعقوب ابن ابنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } قال: الثناء الحسن.
ابن عطية
تفسير : قوله: {واذكر} بمعنى واتل وشهر، لان الله تعالى هو الذكر، و {الكتاب} هو القرآن وهذا وشبهه من لسان الصدق الذي أبقاه الله عليهم، و"الصديق"، فعيل بناء مبالغة من الصدق، وقرأ أبو البرهسم "إنه كان صادقاً"، والصدق عرفه في اللسان وهو مطرد في الأفعال والخلق، ألا ترى أنه يستعار لما لا يعقل فيقال صدقني الطعام كذا وكذا قفيزاً، ويقال عود صدق للصلب الجيد، فكان إبراهيم عليه السلام يوصف بالصدق على العموم في أفعاله وأقواله وذلك يغترق صدق اللسان الذي يضاد الكذب، وأبو بكر رضي الله عنه وصف بـ"صدّيق" لكثرة ما صدق في تصديقه بالحقائق وصدق في مبادرته الى الإيمان وما يقرب من الله تعالى، و"الصديق" مراتب ألا ترى أن المؤمنين صديقون لقوله تعالى: {أية : الذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} تفسير : [الحديد: 19]. وقوله {يا أبت}، اختلف النحاة في التاء من {أبت}، فمذهب سيبويه أنها عوض عن ياء الإضافة والوقوف عنده عليها بالهاء، ومذهب الفراء أن يوقف عليها بالتاء، لان الياء التي للإضافة عنده منوية وجمهور القراء على كسر التاء، وفي مصحف ابن مسعود "واأبت" بواو للنداء، وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر. "يا أبتَ" بفتح التاء، ووجهها أنه أراد "يا أبتا" فحذف الألف وترك الفتحة دالة عليها، ووجه آخر أن تكون التاء المقحمة كالتي في قوله يا طلحة وفي هذا نظر وقد لحن هارون هذه القراءة، والذي {لا يسمع ولا يبصر}، هو الصنم ولو سمع وأبصر كما هي حالة الملائكة وغيرهم ممن عبد لم يحسن عبادتها، لكن بين إبراهيم عليه السلام بنفي السمع والبصر شنعة الرأي في عبادتها وفساده. وقوله {قد جاءني} يدل على أن هذه المقاولة هي بعد أن نبئ، و"الصراط السوي"، معناه الطريق المستقيم، وهو طريق الإيمان، وقوله {يا أبت لا تعبد الشيطان}، مخاطبة بر واستعطاف على حالة كفره. وقوله {لا تعبد الشيطان} يحتمل أن يكون أبوه ممن عبد الجن ويحتمل أن يجعل طاعة الشيطان المعنوي في عبادة الأوثان والكفر بالله عبادة له. و"العصى"، فعيل من عصى يعصي اذا خالف الأمر، وقوله {أخاف أن يمسك} قال الطبري وغيره {أخاف} بمعنى أعلم. قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أنه خوف على بابه، وذلك أن إبراهيم عليه السلام لم يكن في وقت هذه المقاولة يائساً من إيمان أبيه، فكان يرجو ذلك وكان يخاف أن لا يؤمن ويتمادى على كفره الى الموت فيمسه العذاب، و"الولي" الخالص المصاحب القريب بنسب أو مودة، قال آزر وهو تارخ {أراغب أنت عن آلهتي}، والرغبة ميل النفس، فقد تكون الرغبة في الشيء وقد تكون عنه، وقوله {أراغب} رفع بالابتداء و {أنت} فاعل به يسد مسد الخبر وحسن ذلك وقربه اعتماد "راغب" على ألف الاستفهام، ويجوز أن يكون "راغب" خبراً مقدماً و {أنت} ابتداء والأول أصوب وهو مذهب سيبويه. وقوله {عن آلهتي}، يريد الأصنام وكان فيما روي ينحتها وينجرها بيده ويبيعها ويحض عليها فقرر ابنه إبراهيم على رغبته عنها على جهة الإنكار عليه ثم أخذ يتوعده، وقوله {لأرجمنك} اختلف فيه المتأولون، فقال السدي وابن جريج والضحاك: معناه بالقول، أي لأشتمنك {واهجرني} أنت إذا شئت مدة من الدهر، أو سالماً حسب الخلاف الذي سنذكره. وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه {لأرجمنك} بالحجارة، وقالت فرقة: معناه لأقتلنك، وهذان القولان بمعنى واحد، وقوله {واهجرني} على هذا التأويل إنما يترتب بأنه أمر على حياله كأنه قال: إن لم تنته لأقتلنك بالرجم، ثم قال له {واهجرني} أي مع انتهائك كأنه جزم له الأمر بالهجرة وإلا فمع الرجم لا تترتب الهجرة و {ملياً} معناه دهراً طويلاً مأخوذ من الملوين وهما الليل والنهار وهذا قول الجمهور والحسن ومجاهد وغيرهما فهو ظرف، وقال ابن عباس وغيره {ملياً} معناه سليماً منا سوياً فهو حال من {إبراهيم} عليه السلام، وتلخيص هذا أن يكون بمعنى قوله مستبداً بحالك غنياً عني ملياً بالاكتفاء.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ربي إنه} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {مخلصاً} بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل. الباقون بكسرها. {إبراهام} وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان {إذا ابتلي} بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة {نورث} بالتشديد: رويس. الوقوف: {إبراهيم} ط {نبياً} ه {شيئاً} ه {سوياً} ه {لا تعبد الشيطان} ط {عصياً} ه {ولياً} ه {يا إبراهيم} ط ج وقد يوصل ويوقف على {آلهتي}. {ملياً} ه {سلام عليك} ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد {لك ربي} ط {حفياً} ه {وأدعو ربي} ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء {شقياً} ه {من دون الله} لا لأن ما بعده جواب لما {ويعقوب} ط {نبياً} ه {نبياً} ه {علياً} ه {موسى} ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى {نبياً} ه {نجياً} ه {نبياً} ه {إسماعيل} ز لما مر {نبياً} ه ج للآية مع العطف {والزكاة} ط {مرضيا} ه {إدريس} ز {نبياً} ه {علياً} ه {مع نوح} ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على {ذرية آدم} أو على {إسرائيل} والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: {واجتبينا} لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل {وبكيا} ه {عياً} ه {شيئاً} ه لا بناء على أن {جنات} بدل من {الجنة} ه {بالغيب} ط {مأتيا} ه {سلاماً} ه {وعشياً} ه {تقياً} ه {بأمر ربك} ج لاختلاف الجملتين {ذلك} ج لأن قوله: {وما كان} معطوف على {نتنزل} مع وقوع العارض {نسياً} ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف {لعبادته} ط {سمياً} ه. التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل. وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب. وإنما بدأ بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه. والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: {أية : واتل عليهم نبأ إبراهيم} تفسير : [الشعراء: 69] وإلا فهو سبحانه هو الذي يذكره في تنزيله. وقوله: {إذ قال} بدل من {إبراهيم} وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على {إبراهيم} مطلقاً. وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ {كان} أو بـ {صديقاً نبياً} أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات. والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه. إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده. وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها. والتاء في {يا أبت} عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف. أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري"تفسير : . فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد. و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و {شيئاً} مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره. وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟ فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص. وقوله: {يا أبت أني قد جاءني} تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق. وفي قوله: {من العلم ما لم يأتك} فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك {فاتبعني أهدك صراطاً سوياً} مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد. استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع. وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره. والإنصاف أن هذه الطريق أسهل. ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: {يا أبت لا تعبد الشيطان} أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان. ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: {إن الشيطان كان للرحمن عصياً} حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف. ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: {يا أبت إني أخاف} وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب. قال الفراء: معنى أخاف أعلم. والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم عليه السلام لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه. والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي. وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز. وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: {أية : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ} تفسير : [الزخرف: 67] {أية : إني كفرت بما أشركتمون من قبل} تفسير : [إبراهيم: 22] ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: {أية : ورضوان من الله أكبر} تفسير : [التوبة: 72] وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار. ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم} فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى. وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته. وفي قوله: {يا إبراهيم} دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة {يا أبت} تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً {لئن لم تنته لأرجمنك} باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم. ثم ههنا إضمار أي فاحذرني {واهجرني ملياً} أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران. مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب. فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة {قال سلام عليك} يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} تفسير : [الفرقان: 63] وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً} بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف". احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} تفسير : [التوبة: 113] الآية. ولقوله في الممتحنة {أية : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم} تفسير : [الممتحنة: 4] إلى قوله: {أية : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} تفسير : [الممتحنة: 4] فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به. والجواب لعل إبراهيم عليه السلام في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: {أية : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} تفسير : [الجاثية: 14] والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً. والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل {أية : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} تفسير : [التوبة: 114] والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله صلى الله عليه وسلم هي محرمة علينا. ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: {وأعتزلكم} أي أهاجر إلى الشام {و} أعتزل {ما تدعون} أي ما تعبدون {من دون الله} وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: {فلما أعتزلهم وما يعبدون} أما قوله: {وأدعو ربي} فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء. وفي قوله: {عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً} تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ {عسى}. قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم} شيئاً {من رحمتنا} عن الحسن: هي النبوة. وعن الكلبي: المال والولد. والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: {أية : قدم صدق} تفسير : [يونس: 2] تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين {أية : ملة أبيكم إبراهيم} تفسير : [الحج: 78]، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال تعالى: {أية : وإبراهيم الذي وفى} تفسير : [النجم: 37] فجعل موطىء قدمه مباركاً {أية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} تفسير : [البقرة: 125] وعادى كل الخلق في الله حين قال {أية : فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 77] فلا جرم اتخذه الله خليلاً. ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى عليه السلام لأنه تلوه في الشرف. والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و {كان رسولاً نبياً} الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه {أية : برب هرون وموسى} تفسير : [طه: 7] {الأيمن} من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب {وقربناه} حال كونه {نجياً} أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة. وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون". {ووهبنا له من رحمتنا} أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون {أخاه} بدلاً و{هرون} عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً". و{نبياً} حال من هارون. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته. وذلك بدعاء موسى في قوله: {أية : واجعل لي وزيراً من أهلي} تفسير : [طه: 29] وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به. وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس. وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟ فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى. وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى {أية : قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} تفسير : [التحريم: 6] "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية. وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة. وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله. وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما. وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها. وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه. وقيل: إن الله تعالى رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت. وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه. عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: {ورفعناه مكاناً علياً} قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟ فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك. وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة. وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها. {أولئك} المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم {الذين أنعم الله عليهم من النبيين} "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم {من ذرية آدم} هي للتبعيض وكذا في قوله: {وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل} والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته. {وممن هدينا} يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه. ثم إن جعلت {الذين} خبراً {لأولئك} كان {إذا يتلى} كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ {يتلى} بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل. والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة. ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا"تفسير : أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي. قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود. فقيل: هو الخشوع والخضوع. وقيل: الصلاة. وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به. ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود. قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن"تفسير : وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك. وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك. ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً {فخلف من بعدهم خلف} وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء. عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير. وعن علي رضي الله عنه في قوله: {واتبعوا الشهوات} من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور. وعن قتادة: هو في هذه الأمة {فسوف يلقون غياً} قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد. وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: {أية : ويلق أثاماً} تفسير : [الفرقان: 68] أي مجازاة أثام. وقيل: غياً من طريق الجنة. وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: {إلا من تاب وآمن} على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان. والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال. واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير. وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان {أية : وعمل عملاً صالحاً} تفسير : [الفرقان: 70] لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك. وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً. ومعنى {لا يظلمون شيئاً} لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب {شيئاً} على المصدر أي شيئاً من الظلم. ومعنى {جنات عدن} قد مر في سورة التوبة في قوله: {أية : ومساكن طيبة في جنات عدن} تفسير : [التوبة: 72] وصفها الله تعالى بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا. ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي". قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة. ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى {بالغيب} مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين. وقوله: {إنه كان وعده مأتياً} بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته. وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً. قوله: {إلا سلاماً} استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف". أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها. ثم إنه سبحانه من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً} هذا قول الحسن. ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي. وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين. وقوله: {تلك الجنة التي نورت} كقوله في "الأعراف" {أية : ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها} تفسير : [الأعراف: 43] وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه. قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر. وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة. أنه اتقى الكفر. سئل ههنا أن قوله تعالى: {تلك الجنة التي نورث} كلام الله وقوله بعده: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يجدونه في كتابهم. فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله. فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة. وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه. فنزل جبرائيل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك. تفسير : قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست. فأنزل الله الآية وأنزل قوله: {أية : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً} تفسير : [الكهف: 23] وسورة الضحى. ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل. ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: {له ما بين أيدينا وما خلفنا} من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته. وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة {وما بين ذلك} وهو ما بين النفختين أربعون سنة. وقيل: ما مضى. من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا. وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا. والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره! وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: {وما نتنزل} من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك. أما قوله: {وما كان ربك نسياً} فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: {أية : ما ودّعك ربك وما قلى} تفسير : [الضحى:3] وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته تعالى بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته. وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله تعالى خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: {رب السموات والأرض} أي بل هو ربهما {وما بينهما فاعبده} الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد {واصطبر لعبادته} لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته. ثم أكد وجوب عبادته بقوله: {هل تعلم له سمياً} أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف. وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه. وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره. قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة. وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية. التأويل: {واذكر في الكتاب} الأزلي {إبراهيم} القلب {إنه كان صديقاً} للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه {إذ قال لأبيه} الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس {فقد جاءني من العلم} اللدني {ما لم يأتك} لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها {وهبنا له إسحاق} السر {ويعقوب} الخفي {وناديناه من جانب الطور الأيمن} أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر {وكان يأمر أهله} أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة {ورفعناه مكاناً علياً} في مقعد صدق عند مليك مقتدر {خروا} بقلوبهم على عتبة العبودية {سجداً} بالتسليم للأحكام الأزلية {وبكياً} بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة {عباده بالغيب} أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} تفسير : [التوبة: 111] {ولهم رزقهم} رؤية الله على ما جاء في الحديث: "حديث : وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً"تفسير : {وما نتنزل إلا بأمر ربك} المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب. إلا بأمر ربك {وما كان ربك نسياً} ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له {فاعبده} بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك. {هل تعلم له} نظيراً في المحبوبية لك. والله أعلم بالصواب.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَٰبِ إِبْرَاهِيمَ} اعلم أنَّ منكرِي التوحيد الذين اثْبَتُوا معبُوداً سوى الله تعالى فريقان: منهم: من أثبت معبُوداً غير الله تعالى حيًّا، عاقلاً، فاهماً، وهم النصارى. ومنهم: من أثبت معبُوداً غير الله، جماداً ليس بحيّ ولا عاقلٍ، وهم عبدةُ الأوثان. والفريقان، وإن اشتركا في الضَّلال، إلاَّ أنَّ ضلال عبدة الأوثان أعظم، فلمَّا بيَّن الله تعالى ضلال الفريق الأوَّل، تكلَّم في ضلال الفريق الثاني، وهم عبدةُ الأوثان؛ فقال: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَٰبِ} والواو في قوله: {وَٱذْكُرْ} عطف على قوله {أية : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} تفسير : [مريم: 2] كأنَّه لمَّا انتهت قصَّةُ زكريَّا ويحيى، وعيسى - صلوات الله عليهم - قال: قد ذكرتُ حال زكريَّا، فتذكر حال إبراهيم - صلواتُ الله عليه - وإنَّما أمره بالذِّكر لأنَّه - صلوات الله عليه - ما كان هُو، ولا قومُه، ولا أهل بلده مشتغلين بالتَّعليم، ومطالعةِ الكتب، فإذا أخبر عن هذه القصَّة، كما كانت من غير زيادةٍ، ولا نقصانٍ، كان ذلك إخباراً عن الغَيْب، ومُعْجِزاً [قاهراً] دالاًّ على نُبُوَّته، وإنَّما ذكر الاعتبار بقصَّة إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لوجوه: الأول: أنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - كان أبا العرب، وكانُوا مقرّين بعُلُوِّ شأنه، وطهارةِ دينه على ما قال تعالى {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الحج: 78]، وقال تعالى: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} تفسير : [البقرة: 130] فكأنه تعالى قال للعرب: إنَّ كنتم مقلِّدين لآبائكم على قولكم {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} تفسير : [الزخرف: 23] فأشرفُ آبائكم وأعلاهُم قدراً هو إبراهيم - صلوات الله عليه - فقلِّدوه في ترك عبادةِ الأوثان، وإن كُنتم [مستدلين]، فانظروا في هذه الدَّلائل التي ذكرها إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لتعرفُوا فساد عبادةِ الأوثان، وبالجملةُ: فاتَّبِعُوا إبراهيم، إمَّا تقليداً، أو استدلالاً. الثاني: أنَّ كثيراً من الكُفَّار في زمان رسُول الله - صلوات الله عليه وسلامه - كانوا يقولون: نتركُ دين آبائنا، وأجدادنا؟ فذكر الله تعالى قصَّة إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - و [بيَّن] أنه ترك دين أبيه، وأبطل قوله بالدليل، ورجَّح متابعة الدَّليل على متابعة أبيه. الثالث: أنَّ كثيراً من الكُفَّار كانُوا يتمسَّكُون بالتقليد، [وينكِرُون] الاستدلال؛ كما حكى الله تعالى عنهم {أية : قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 53] فحكى الله عن إبراهيم التَّمَسُّكَ بطريقة الاستدلال؛ تنبيهاً للكُفَّار على سُقُوط طريقتهم، ثُمَّ قال تعالى في صفة إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}، والصديق مبالغةٌ في الكثير الصِّدق، القائم عليه، يقال: رجلٌ خميرٌ، وسكِّيرٌ للمولعِ بهذه الأفعال. وقيل: هو الذي يكون كثير التصديق بالحقِّ؛ حتَّى يصير مشهُوراً به، والأول أولى؛ لأنَِّ المصدِّق بالشيء لا يوصفُ بكونه صديقاً إلاَّ إذا كان صادقاً في ذلك التَّصديق، فيعودُ الأمْرُ إلى الأوَّل. فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ} تفسير : [الحديد: 19] فالجوابُ: المؤمنون بالله [ورسله] صادقُون في ذلك التَّصديق. واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون صادقاً في كُلِّ ما أخبر؛ لأنَّ الله تعالى صدَّقه، ومُصدَّق الله صادقٌ؛ فلزم من هذا كونُ الرَّسُول صادقاً فيما يقوله، ولأنَّ الرُّسُل شهداءُ الله على النَّاسِ؛ لقوله تعالى: {أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] والشَّهيد: إنَّما يقبلُ قوله، إذا لم يكن كاذباً؛ فإن قيل: فما قولكم في قول إبراهيم {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 63] و {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات: 89]. فالجوابُ مشروحٌ في هذه الآياتِ، وبينَّا أن شيئاً من ذلك ليس بكذبٍ، ولمَّا ثبت أنَّ كُلَّ نبيٍّ يجب أن يكون صديقاً، ولا يجبُ في كلِّ صدِّيقٍ أن يكون نبيًّا؛ ظهر بهذا قربُ مرتبة الصِّدِّيق من مرتبة النبيِّ، فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقاً إلى ذكر كونه نبيًّا. وأما النبيُّ: فمعناه: كونهُ رفيع القدر عند الله، وعند النَّاس، وأيُّ رفعةٍ أعلى من رفعةِ من جعله الله واسطةً بينه، وبين عباده، وقوله: {كَانَ صِدِّيقاً} معناه: صار، وقيل: وجد صدِّيقاً نبيًّا، أي: كان من أوَّل وجوده إلى انتهائه موصوفاً بالصدق والصِّيانة. قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لاَِّبِيهِ}: يجوز أن يكون بدلاً من "إبْراهيمَ" بدل اشتمال؛ كما تقدَّم في {إِذِ ٱنتَبَذَتْ} [الآية: 16] وعلى هذا، فقد فصل بين البدل، والمبدل منه؛ بقوله: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} نحو: "رأيتُ زيْداً - ونِعْمَ الرَّجُل أخَاكَ" وقال الزمخشريُّ: ويجوز أن تتعلق "إذْ" بـ "كَانَ" أو بـ "صدِّيقاً نبيًّا"، أي: كان جامعاً لخصائص الصديقين، والأنبياء، حين خاطب أباه بتلك المخاطبات ولذلك جوَّز أبُو البقاء أن يعمل فيه "صدِّيقاً نبيًّا" أو معناه. قال أبو حيان: "الإعرابُ الأوَّلُ - يعني البدلية - يقتضي تصرُّف "إذْ" وهي لا تتصرَّفُ، والثاني فيه إعمالُ "كان" في الظرف، وفيه خلافٌ، والثالث لا يكون العامل مركَّباً من مجموعِ لفظين، بل يكون العملُ منسوباً للفظٍ واحدٍ، ولا جائز أن يكون معمولاً لـ "صدِّيقاً" لأنَّه قد وصف، إلا عند الكوفيِّين، ويبعدُ أن يكون معمولاً لـ "نبيًّا" لأنه يقتضي أنَّ التَّنْبِئَة كانت في وقتِ هذه المقالة". قال شهاب الدين: العاملُ فيه ما لخَّصَهُ أبو القاسم، ونضَّدهُ بحسن صناعته من مجموع اللفظين في قوله: "أي: كان جامعاً لخصائص الصِّدِّيقين والأنبياء حين خاطب أباه". وقد تقدَّمت قراءةُ ابن عامرٍ "يَا أبَتَ" وفي مصحف عبد الله "وا أبتِ" بـ "وا" التي للندبة. والتاءُ عوضٌ من ياءِ الإضافةِ، ولا يقال: يا أبتي، لئلاَّ يجمع بين العوض، والمعوَّض منه، وقد يقال: يا أبتا لكون الألف بدلاً من الياء. قوله تعالى: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} وصف الأوثان بصفاتٍ ثلاثٍ، كُلّ واحدةٍ منها فادحةٌ في الإلهيَّة وبيانُ ذلك من وجوه: أحدها: أن العبادة غايةُ التَّعظيم، فلا يستحقُّها إلاَّ من له غايةُ الإنعامِ، وهو الإله الذي منه أصُولُ النِّعَم، وفروعها على [ما تقدَّم] في تفسير قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} تفسير : [آل عمران: 51]، وقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 28]، وكما أنَّه لا يجوز الاشتغالُ بشكرها، لمَّا لم يكُن مُنْعِمَة، وجب ألاَّ يجوز الاشتغالُ بعبادتها. وثانيها: أنَّها إذا لم تسمع، ولم تُبْصر، ولم تُمَيِّز من يطيعها عمَّن يعصيها، فأيُّ فائدةٍ في عبادتها، وهذا تنبيهٌ على أن الإله يجبُ أن يكون عالماً بكُلِّ المعلومات. وثالثها: أنَّ الدُّعاء مُخُّ العبادةِ، فإذا لم يسمع الوثنُ دعاءَ الدَّاعي، فأيُّ منفعةٍ في عبادته؟ وإذا لم يبصرْ تقرُّبَ من يتقرَّب إليه، فأيُّ منفعةٍ في ذلك التَّقَرُّب؟. ورابعها: أنَّ السَّامع المُبصر الضَّار النَّافع أفضلُ ممن كان عَارِياً عن كُلِّ ذلك، والإنسان موصوفٌ بهذه الصِّفات؛ فيكون أفضل، وأكمل من الوثنِ، فكيف يليقُ بالأفضل عبوديَّةُ الأخسِّ؟. وخامسها: إذا كانت لا تنفعُ، ولا تضرُّ، فلا يرجى منها منفعةٌ، ولا يخافُ من ضررها، فأيُّ فائدةٍ في عبادتها؟!. وسادسها: إذا كانت لا تحفظ نفسها عن الكسر والإفساد، حين جعلها إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - جُذاذاً، فأيُّ رجاءٍ فيها للغير؟!، فكأنَّه - صلوات الله وسلامه عليه - قال: ليست الإلهيَّة إلاَّ لربٍّ يسمعُ ويبصر، ويجيبُ دعوة الدَّاعي، إذا دعاه. فإن قيل: إمَّا أن يقال: إنَّ أبا إبراهيم - صلوات الله عليه - كان يعتقدُ في تلك الأوثان أنَّها آلهةٌ قادرةٌ، مختارةٌ، خالقة. أو يقال: إنَّه ما كان يعتقدُ ذلك؛ بل كان يعتقدُ أنَّها تماثيلُ للكواكب، والكواكبُ هي الآلهة المدبِّرة للعالم؛ فتعظيم تماثيل الكواكب يوجب تعظيم الكواكب. أو كان يعتقدُ أنَّ هذه الأوثان تماثيلُ أشخاصٍ معظَّمة عند الله من البشر، فتعظيمُها يقتضي كون أولئك الأشخاص شُفعاء لهم عند الله. أو كان يعتقدُ أن تلك الأوثان طلَّسْمَاتٌ ركِّبَتْ بحسب اتِّصالاتٍ مخصُوصةٍ للكواكب، قلَّما يتَّفِقُ مثلها، أو لغير ذلك. فإن كان أبو إبراهيم من القسم الأوَّل، كان في نهاية الجُنُونِ؛ لأنَّ العلم بأنَّ هذا الخشب المنحُوت في هذه السَّاعة ليس خالقاً للسَّموات والأرض من أجلى العلوم الضروريَّة، فالشَّاكُّ فيه يكونهُ مجنوناً، والمجنونُ لا يناظرُ، ولا يُوردُ عليه الحُجَّة، وإن كان من القسم الثاني، فهذه الدلائلُ لا تقدحُ في شيءٍ من ذلك؛ لأنَّ ذلك المذهب إنما يبطلُ بإقامةِ الدَّلائل على أنَّ الكواكبَ ليست أحياء، ولا قادرة، والدليلُ المذكور هنا لا يفيدُ ذلك. فالجوابُ: لا نزاع في أنَّه لا يخفى على العاقلِ: أنَّ الخشب المنحوت لا يصلح لخلق العالمِ، وإنَّما مذهبهم هذا على الوجه الثاني، وإنَّما أورد إبراهيمُ - صلوات الله وسلامه عليه - هذه [الدلائل] عليهم؛ لأنَّهم كانوا يعتقدُون أنَّ عبادتها تفيدُ نفعاً؛ إما على سبيل الخاصِّيَّة الحاصلةِ من الطِّلَّمسات، أو على سبيل أن الكواكب تنفع، وتضُرُّ، فبيَّن إبراهيمُ - صلواتُ الله عليه وسلامه - أنه لا منفعة في طاعتها، ولا مضرَّة في الإعراض عنها؛ فوجب أن تجتنب عبادتها. قوله: {يَٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ} بالله، والمعرفة {مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ} على ديني {أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} مستقيماً. {يَٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَٰنَ} أي: لا تطعهُ فيما يزيِّن لك من الكُفر والشِّرك؛ لأنَّهم ما كانُوا يعبدُون الشيطان؛ فوجب حملُه على الطَّاعة {إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} أي: عاصياً، و "كَانَ" بمعنى الحالِ، أي: هو كذلك. فإن قيل: هذا القول يتوقَّف على إثبات أمور: أحدها: إثباتُ الصَّانع. وثانيها: إثباتُ الشيطان. وثالثها: أن الشيطان عاصٍ [لله]. ورابعها: أنَّه لما كان عاصياً، لم تَجُزْ طاعتهُ في شيءٍ من الأشياء. وخامسها: أن الاعتقاد الذي كان عليه آزَرُ مُستفادٌ من طاعة الشيطان، ومن شأنِ الدَّلالة التي تُورَدُ على الخصم: أن تكون مركبة من مقدِّماتٍ معلومةٍ، يسلِّمها الخصمُ، ولعلَّ أبا إبراهيم كان منازعاً في كُلِّ هذه المقدِّمات، وكيف، والمحكيُّ عنه: أنه ما كان يُثْبِتُ إلهاً سوى نُمْرُوذَ؛ فكيف يسلِّم وجود الرَّحمن؟. وإذا لم يسلِّم وجوده، فكيف يسلَّم أنَّ الشيطان عاصٍ في الرحمن؟ وبتقدير تسليم ذلك؛ فكيف يسلِّم الخصمُ بمجرَّد هذا الكلامِ أنَّ مذهبهُ مقتبسٌ من الشيطان، بل لعلَّه يقلب ذلك على خصمه. فالجوابُ: أنَّ الحجَّة المعوَّل عليها في إبطالِ مذهب "آزَرَ" هو قوله: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} وهذا الكلامُ يجري مَجْرَى التَّخويف والتَّحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدِّلالة، فسقط السُّؤال. قوله تعالى: {يَٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ}. قال الفرَّاء - رحمه الله -: أخافُ: أعلمُ، والأكثرون على أنَّه محمول على ظاهره، والقول الأوَّل إنَّما يصحُّ، لو كان إبراهيمُ - صلواتُ الله وسلامه عليه - عالماً بأنَّ أباه سيموتُ على الكفر، وذلك لم يثبتْ؛ فوجب إجراؤُه على ظاهره؛ فإنَّه كان يجوزُ أن يؤمنَ؛ فيصير من أهْلِ الثَّواب، ويجوز أن يدُوم على الكفر؛ فيكون من أهل العقاب، ومن كان كذلك، كان خائفاً لا قاطعاً، والأوَّلُون فسَّروا الآية، فقالوا: أخافُ، بمعنى أعلمُ بـ {أن يمسَّك عذابٌ} يصيبك عذابٌ من الرحمن، إن أقمت على الكفر، {فتكُون للشيطٰنِ وليًّا} قريناً؛ لأنَّ الولاية سببُ المعيَّة، فأطلق اسم السَّبب على المُسبب مجازاً. وقيل: المرادُ بالعذابِ هنا: الخِذْلانُ، والتقدير: إنَّي أخاف أن يمسَّك خذلانٌ من الله، فتصير موالياً للشيطان، ويتبرأ الله منك. فصل في نظم الآية أعلمْ أنَّ إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - رتَّب هذا الكلام في غاية الحسن؛ لأنَّه ذكر أولاً ما يدلُّ على المنع من عبادة الأوثان، ثُمَّ أمره باتِّباعه في النَّظر، والاستدلال، وترك التقليد، ثُمَّ ذكر أن طاعة الشَّيطان غير جائزة في العُقُول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزَّاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي، ثم إنَّه - صلوات الله عليه - أورد هذا الكلام الحسن مقروناً باللُّطف والرِّفق؛ فإن قوله في مقدِّمة كل كلامه: "يا أبت" دليلٌ على شدَّة الحبِّ، والرغبة في صونه عن العقاب، وإرشاده إلى الصَّواب، وختم الكلام بقوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ} وذلك يدلُّ على شدَّة تعلُّق قلبه بمصالحِه، وإنَّما فعل ذلك لوجوهٍ: الأول: لقضاءِ حقِّا الأبُوَّة على ما قال سبحانه وتعالى: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء: 23] والإرشادُ إلى الدِّين من أعظم أنواع الإحسان، فإذا انضم إليه رعايةُ الأدب والرِّفق، كان نُوراً على نُور. والثاني: أنَّ الهادي إلى الحقِّ لا بُدَّ وأن يكون رفيقاً لطيفاً لا يُورِدُ الكلام على سبيل العُنْفِ؛ لأنَّ إيرادهُ على سبيل العُنْف يصيرُ كالسَّبب في إعراض المُستمع؛ فيكون ذلك في الحقيقةِ سَعْياً في الإغواء. وثالثها: - ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلوات الله عليه وسلامه -: "حديث : أوْحَى اللهُ - تبارك وتعالى - إلى إبراهيمَ أنَّك خليلي فحسِّنْ خُلقكَ ولو مع الكُفَّار تدخُلْ مداخلَ الأبْرارِ؛ فإن كلمتي سبقت لمن حسَّن خلقهُ، أنْ أظلَّهُ تحت عرشي، وأسْكِنهُ حظيرةَ القُدْسِ، وأدنيه من جوارِي ". تفسير : قوله: {أَرَاغِبٌ أَنتَ}: يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون "راغبٌ" مبتدأ؛ لاعتماده على همزةِ الاستفهام، و "أنْتَ" فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبر. والثاني: أنه خبر مقدمٌ، و "أنْتَ" مبتدأ مؤخَّر، ورُجِّح الأول بوجهين: أحدهما: أنه ليس فيه تقديمٌ، ولا تأخير؛ إذ رتبهُ الفاعل التأخيرُ عن رافعه. والثاني: أنه لا يلزمُ منه الفصلُ بين العامل ومعموله بما ليس معمولاً للعامل؛ وذلك أنَّ "عَنْ آلهتي" متعلقٌ بـ "رَاغِبٌ" فإذا جعل "أنْتَ" فاعلاً قد فُصِل بما هو كالجزءِ من العامل؛ بخلاف جعله خبراً؛ فإنه أجنبيٌّ؛ إذ ليس معمولاً لـ "راغبٌ". فصل فيما قابل به آزر دعوة إبراهيم اعلم أنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه - لمَّا دعا أباهُ إلى التوحيد، وذكر الدَّلالة على فساد عبادة الأوثان، وأردف ذلك بالوعظ البليغِ، مقروناً باللُّطف والرِّفْق قابله أبُوه بجواب [مضادٍّ] لذلك، فقابل حُجَّته بالتَّقليد بقوله: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِي} فأصرَّ على ادعاء إلهيتها جهلاً وتقليداً، وقابل وعظهُ بالسَّفاهة؛ حيثُ هدَّده بالضَّرْب والشَّتْم، وقابل رفقه في قوله "يا أبتِ" بالعنف، فلم يَقُلْ له: يا بنيَّ، بل قال له: يا إبراهيمُ، وإنَّما حكى الله تبارك وتعالى ذلك لمحمَّدٍ - صلواتُ الله وسلامه عليه - تخفيفاً على قلبه ما كان يصلُ إليه من أذى المشركين، ويعلمُ أنَّ الجُهَّال منذُ كانوا على هذه السِّيرة المذمومة، ثم قال: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ}. قال الكلبيُّ: ومقاتلٌ، والضحاكُ، لأشتمنَّك، ولأبعدنَّك عنِّي بالقول القبيح، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} تفسير : [النور: 4]؛ أي: بالشَّتْم، ومنه: الرَّجيمُ، أي: المرميُّ باللَّعْن. قال مجاهدٌ: كلُّ رجمٍ في القرآن بمعنى الشَّتم، وهذا ينتقضُ بقوله تعالى: {أية : رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ} تفسير : [الملك: 5]. وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنه -: لأضربنَّك. وقال الحسنُ: لأرجمنَّك بالحجارة وهو قولُ أبي مسلم؛ لأنَّ أصله الرمي بالرِّجام، فحمله عليه أولى. وقال المؤرِّج: "لأقْتُلَنَّكَ" بلغة قريش، وممَّا يدلُّ على أنه أراد الطَّرْد، والإبْعَاد قوله: {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً}. قوله تعالى: "مَلِيّاً" في نصبه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه منصوبٌ على الظرفِ الزمانيِّ، أي: زمناً طويلاً، ومنه "الملوانِ" للَّيلِ والنهار، وملاوةُ الدَّهر، بتثليث الميم قال: [الطويل] شعر : 3607- فَعُسْنَا بِهَا مِنَ الشَّبابِ ملاوةً فَلَلْحَجُّ آيَاتُ الرَّسُولِ المُحَبَّبِ تفسير : وأنشد السدي على ذلك لمهَلْهِلٍ قال: [الكامل] شعر : 3608- فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجبالِ لمَوْتِهِ وبَكَتْ عليْه المُرْمِلاتُ مَلِيَّا تفسير : أي: أبداً. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال، معناه: سالماً سويًّا، قال ابن عباس: [اعتزلني سالماً؛ لا يصيبك مني معرة] فهو حالٌ من فاعل "اهْجُرْنِي" وكذلك فسَّره ابن عطيَّة؛ قال: "معناه: مستبدًّا، أي: غنيًّا عني من قولهم: هو مليٌّ بكذا وكذا "قال الزمخشريُّ: "أي: مُطِيقاً". والمعنى: مليًّا بالذَّهابِ عنِّي، والهجران، قيل: أن أثخنك بالضَّرب؛ حتى لا تقدر أن تبرح. والثالث: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: هجراً مليًّا، يعني: واسعاً متطاولاً؛ كتطاول الزمان الممتدِّ. قال الكلبيُّ - رحمه الله - اجتنبني طويلاً. والمراد بقوله: واهجرني، أي: بالمفارقة من الدَّار والبلدِ، وهي كهجرة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي: تباعد عنِّي؛ لكي لا أراك. وقيل: اهجرني [بالقول، وعطف "واهجرني" على معطوف عليه محذوف يدل عليه: "لأرجمنك" أي: فاحذرني، واهجرني]؛ لئلا أرجمنك، فلما سمع إبراهيمُ - صلوات الله وسلامه عليه - كلام أبيه، أجاب بأمرين: أحدهما: أنه وعدُه بالتَّباعُد منه؛ موافقة وانقياداً لأمْرِ أبيه. والثاني: قوله: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ} توديعٌ، ومتاركةٌ، أي: سلمتَ منِّي لا أصيبُك بمكروهٍ، وذلك لأنَّه لم يؤمر بقتاله على كفره؛ كقوله تعالى: {أية : لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [القصص: 55]، {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]. وهذا يدلُّ على جواز متاركة المنصُوح، إذا ظهر منه اللَّجاج، وعلى أنَّه تحسُن مقابلةُ الإساءةِ بالإحسان، ويجوزُ أن يكون دعا لهُ بالسَّلامة؛ استمالة له. ألا ترى أنَّه وعدُه بالاستغفار؛ فيكون سلام برٍّ ولطفٍ، وهو جوابُ الحليمِ للسَّفيه؟!. كقوله سبحانه: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]. وقرأ أبو البرهسم "سلاماً" بالنصب، [وتوجيهها] واضحٌ ممَّا تقدَّم. قوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ}، أي: لمَّا أعياه أمرُه، وعدهُ أن يراجع الله فيه، فيسألهُ أن يرزقه التَّوحيد، ويغفر له، والمعنى: سأسأل الله لك توبةً تنالُ بها المغفرةَ: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} برًّا لطيفاً. واحتجَّ بهذه الآية من طعن في عصمةِ الأنبياءِ - صلوات الله عليهم - وذلك أنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - استغفر لأبيه، وأبوهُ كان كافراً، والاستغفارُ للكُفَّار غيرُ جائرٍ؛ فثبت أنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه - فعل ما لا يجوزُ. أما استغفارهُ لأبيه؛ فلقوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} وقوله: {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الشعراء: 86]. وأما كون أبيه كان كافراً؛ فبالإجماع، ونصِّ القرآن. وأمَّا أن الاستغفار [للكافر] لا يجوزُ؛ فلقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ} تفسير : [التوبة: 113] ولقوله - عزَّ وجلَّ - في سورة الممتحنة {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الممتحنة:4] إلى قوله: {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} تفسير : [الممتحنة: 4]. والجوابُ: أن الآية تدلُّ على أنَّه لا يجوزُ لنا التَّأسِّي به في ذلك؛ لكنَّ المنع من التأسِّي به في ذلك لا يدلُّ على أنَّ ذلك كان معصيةً؛ فإن كثيراً من الأشياء هي من خواصِّ رسُول الله - صلوات الله عليه وسلامه - ولا يجُوزُ لنا التَّأسِّي به فيها، مع أنَّها كانت مباحةً له. وأيضاً: لعلَّ هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى، وحسناتُ الأبْرارِ سيِّئاتُ المقرَّبينَ. قوله: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِِ}. قال مقاتلٌ - رحمه الله -: كان اعتزالُه إيَّاهُمْ أنَّه فارقهُم من "كوثى"، فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، والاعتزالُ عن الشيء هو التَّباعدُ عنه، "وأدعُو ربِّي" أعبد ربي الذي يَضُرُّ وينفعُ، والذي خلقني، وأنعم عليَّ {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً}، أي: عسى ألاَّ أشْقَى بدُعائه وعبادته؛ كما تشقون أنتمُ بعبادةِ الأصنام، ذكر ذلك على سبيل التواضُع؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ} تفسير : [الشعراء: 82]. وقوله: "شَقِيًّا" فيه تعريضٌ لشقاوتهم في دعاء آلهَتهِمْ. وقيل: عسى أن يجيبني، إن دعوتُه. قوله تعالى: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. ذهب مهاجراً إلى ربِّه، فعوَّضه أولاداً أنبياء بعد هجرته، ولا حالة في الدِّين والدُّنيا للبشر أرفعُ من أن يجعله الله رسولاً إلى خلقه، ويُلزم الخلق طاعتهُ، والانقياد لهُ مع ما يحصلُ له من عظيم المنزلةِ في الآخرة. قوله تعالى: {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً}: "كُلاًّ" مفعولٌ مقدَّم هو الأول، و "نبيًّا" هو الثاني. ثم إنَّه مع ذلك وهب لهم من رحمته، قال الكلبيُّ: المال والولد، وهو قول الأكثرين، قالوا: هو ما بسط لهم في الدُّنيا من سعة الرِّزْق. وقيل: الكتاب والنبوَّةَ. {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً}: يعني: ثناءً حسناً رفيعاً في كُلِّ أهل الأديان، وعبَّر باللسان عما يُوجد باللِّسان، كما عُبِّر باليد عمَّا يوجدُ باليدِ، وهو العطيَّة، فاستجاب الله دعوته في قوله: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 84]، فصيَّره قُدوةً، حتى ادَّعاه أهلُ الأديان كلهم. فقال سبحانه وتعالى: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الحج: 78].
السيوطي
تفسير : أخرج أبو نعيم والديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حق الوالد على ولده أن لا يسميه إلا بما سمى إبراهيم أباه يا أبت ولا يسميه باسمه ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لأرجمنك} قال: لأشتمنك {واهجرني ملياً} قال: حيناً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {واهجرني ملياً} قال: اجتنبني سالماً قبل أن يصيبك مني عقوبة. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {واهجرني ملياً} قال: سالماً. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {واهجرني ملياً} قال: حيناً. وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله: {واهجرني ملياً} ما الملي؟ قال: طويلاً، قال فيه المهلهل: شعر : وتصدعت شم الجبال لموته وبكت عليه المرملات ملياً تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {إنه كان بي حفياً} قال: لطيفاً. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {إنه كان بي حفياً} قال: عوده الإجابة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ووهبنا له إسحق ويعقوب} قال: يقول وهبنا له إسحق ولداً، ويعقوب ابن ابنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وجعلنا لهم لسان صدق علياً} قال الثناء الحسن.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: الصديق القائم مع ربه على حد الصدق فى جميع الأوقات لا يعارضه فى صدقه معارض بحال. قال أبو سعيد الخراز رحمه الله: الصديق الآخذ بأتم الحظوظ من كل مقام سَنى حتى يقارب من درجات الأنبياء. وقال يحيى بن معاذ رحمة الله عليه: شرب كأس الصديقين فى الدنيا من ثلاثة أنهار نهر الحياء، ونهر العطاء، ونهر الصبر. وقال الجنيد رحمه الله: الصديق القائم مع الحق بلا واسطة.
القشيري
تفسير : الصِدِّيق الكثير الصدق، الذي لا يمازج صِدْقَه شوبٌ. ويقال هو الصادق في أقواله وأعماله وأحواله. ويقال الصِدِّيق لا يناقِضُ سِرُّهُ عَلَنَه. ويقال هو الذي لا يشهد غيرَ الله مُثْبِتَاً ولا نافياً. ويقال هو المستجيب لِمَا يُطَالَب به جملةً وتفصيلاً. ويقال هو الواقفُ مع اللَّهِ في عموم الأوقات على حدِّ الصدق.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} ان الله سبحانه حث حبيبه على ذكر خليله عليهما السّلام وما جرى عليه من احكام الخلة من الوجد والحال والزقوة والغيرة وكسر اصنام الطبيعة والخروج مما دون الحقيقة وعن الصديقية في خلته والصديق من تواتر انوار المشاهدة واليقين واحاطة نور العصمة عليه بالسرمدية قال ابن عطا الصديق القائم مع ربه على حد الصدق في جميع الاوقات لا يعارضه في صدقه معارض بحال قال ابو سعيد الخراز الصديق الاخذ باتم الحظوظ من كل مقام سنى حتى يقارب من درجات الانبياء وقال الجنيد الصديق القائم مع الحق بلا واسطة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكر فى الكتاب ابراهيم} اى اتل يا محمد على قومك فى السورة او القرآن قصة ابراهيم وبلغها اياهم كقوله تعالى {أية : واتل عليهم نبأ ابراهيم}تفسير : وذلك ان اهل الملل كانوا يعترفون بفضله ومشركوا العرب يفتخرون بكونهم من ابنائه فامر الله تعالى حبيبه عليه السلام ان يخبرهم بتوحيده ليقلعوا عن الشرك {انه كان صديقا} ملازما للصدق فى كل ما يأتى وما يذر مبالغا فيه قائما فى جميع الاوقات {نبيا} خبر آخر لكان مقيد للاول مخصص له اى كان جامعا بين الصديقية والنبوة وذلك ان الصديقية تلو النبوة ومن شرطها ان لا يكون نبيا الا وهو صديق وليس من شرط الصديق ان يكون نبيا. ولا رباب الصدق مراتب صادق وصدوق وصديق فالصادق من صدق فى قيامه مع الله بالله وفى الله وهو الفانى عن نفسه والباقى بربه. والفرق بين الرسول والنبى ان الرسول من بعث لتبليغ الاحكام ملكا كان او انسانا بخلاف النبى فانه مختص بالانسان.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إذ قال}: بدل اشتمال من {إبراهيم}، وما بينهما: اعتراض، أو متعلق بكان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واذكر في الكتاب}؛ القرآن أو السورة، {إِبراهيم} أي: اتل على الناس نبأه وبلغه إياهم، كقوله: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الشعراء: 69]؛ لأنهم ينتسبون إليه عليه السلام، فلعلهم باستماع قصته يقلعون عما هم عليه من الشرك والعصيان. {إِنه كان صدّيقًا} ؛ ملازمًا للصدق في كل ما يأتي ويذر، أو كثير التصديق؛ لكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله، فالصدِّيق مبالغة في الصدق، يقال: كل من صدق بتوحيد الله وأنبيائه وفرائضه، وعمل بما صدق به فهو صدّيق، وبذلك سُمي أبو بكر الصدّيق، وسيأتي في الإشارة تحقيقه عند الصوفية، إن شاء الله. والجملة: استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر؛ فإن وصفه عليه السلام بذلك من دواعي ذكره، وكان أيضًا {نبيًّا}، أي: كان جامعًا بين الصديقية والنبوة، إذ كل نبي صِدِّيق، ولا عكس. ولم يقل: نبيًا صديقًا؛ لئلا يتوهم تخصيص الصديقية بالنبوة. {إِذْ قال لأبيه} آزر، متلطفًا في الدعوة مستميلاً له: {يا أبتِ}، التاء بدل من ياء الإضافة، أي: يا أبي، {لِمَ تعبدُ ما لا يسمع} ثناءك عليه حين تعبده، ولا جُؤَارك إليه حين تدعوه، {ولا يُبْصِرُ} خضوعك وخشوعك بين يديه، أو: لا يسمع ولا يبصر شيئًا من المسموعات والمبصرات، فيدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أوليًا، {ولا يُغْنِي عنك شيئًا} أي: لا يقدر أن ينفعك بشيء في طلب نفع أو دفع ضرر. انظر؛ لقد سلك عليه السلام في دعوته وموعظته أحسن منهاج وأقوم سبيل، واحتج عليه بأبدع احتجاج، بحسن أدب، وخلق جميل، لكن وقع ذلك لسائرٍ ركب متن المكابرة والعناد، وانتكب بالكلية عن محجة الصواب والرشاد، أي: فإنَّ من كان بهذه النقائص يأبى مَن له عقل التمييز من الركون إليه، فضلاً عن عبادته التي هي أقصى غاية التعظيم، فإنها لا تحِقُ إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام، الخالق الرازق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، والشيء لو كان مميزًا سميعًا بصيرًا قادرًا على النفع والضر، لكنه ممكن، لاستنكف العقل السليم عن عبادته، فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر، ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر. ثم دعاء إلى اتباعه؛ لأنه على المنهاج القويم، مُصدّرًا للدعوة بما مرَّ من الاستعطاف والاستمالة، حيث قال: {يا أبتِ إِني قد جاءني من العلم ما لم يأتِكَ}، لم يَسِمْ أباه بالجهل المفرط، وإن كان في أقصاه، ولا نفسه بالعلم الفائق، وإن كان في أعلاه، بل أبرز نفسه في صورة رفيق له، أعرفَ بأحوال ما سلكاه من الطريق، فاستماله برفق، حيث قال: {فاتّبِعْنِي أَهدِكَ صراطًا سوِيًّا} أي: مستقيمًا موصلاً إلى أسمى المطالب، منجيًا من الضلال المؤدي إلى مهاوي الردى والمعاطب. ثم ثبّطه عما كان عليه من عبادة الأصنام، فقال: {يا أبتِ لا تعبدِ الشيطانَ}، فإن عبادتك للأصنام عبادة له، إذ هو الذي يُسولُها لك ويغريك عليها، ثم علل نهيه فقال: {إِن الشيطان كان للرحمن عَصِيًّا}، فهو تعليل لموجب النهي، وتأكيد له ببيان أنه مستعصٍ على ربك، الذي أنعم عليك بفنون النعم، وسينتقم منه فكيف تعبده؟. والإظهار في موضع الإضمار؛ لزيادة التقرير، والاقتصارُ على ذكر عصيانه بترك السجود من بين سائر جناياته؛ لأنه ملاكها، أو لأنه نتيجة معاداته لآدم وذريته، فتذكيره به داع لأبيه إلى الاحتراز عن موالاته وطاعته. والتعرض لعنوان الرحمانية؛ لإظهار كمال شناعة عصيانه. وقوله: {يا أبتِ إِني أخاف أن يمسّك عذابٌ من الرحمن} تحذير من سوء عاقبة ما كان عليه من عبادة الشيطان، وهو اقترانه معه في الهوان الفظيع. و {من الرحمن}: صفة لعذاب، أي: عذاب واقع من الرحمن، وإظهار {الرحمن}؛ للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب، كما في قوله تعالى: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [الانفطار: 6]، {فتكون للشيطان وليًّا} أي: فإذا قرنت معه في العذاب تكون قرينًا له في اللعن المخلد. فهذه موعظة الخليل لأبيه، وقد استعمل معه الأدب من خمسة أوجه: الأول: ندائه: بيا أبت، ولم يقل يا آزر، أو يا أبي. الثاني: قوله {ما لا يسمع...} الخ، ولم يقل: لِمَ تعبد الخشب والحجر. الثالث: قوله: {إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك}، ولم يقل له: أنك جاهل ضال. الرابع: قوله: {إني أخاف}، حيث عبَّر له بالخوف ولم يجزم له بالعذاب. الخامس: في قوله: {أن يمسك}، حيث عبَّر بالمس ولم يُعبر باللحوق أو النزول. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد جمع الحق تبارك وتعالى لخليله مقام الصدّيقة والنبوة مع الرسالة والخلة، وقدَّم الصديقية لتقدمها في الوجود في حال الترقي، فالصديقية تلي مرتبة النبوة، كما تقدم في سورة النساء. فالصدّيق عند الصوفية هو الذي يَعْظُمْ صدقه وتصديقه، فيصدِّق بوجود الحق وبمواعده، حتى يكون ذلك نصب عينيه، من غير تردد ولا تلجلج، ولا توقف على آية ولا دليل. ثم يبذل مهجته وماله في مرضاة مولاه، كما فعل الخليل، حيث قدم بدنه للنيران وطعامه للضيفان وولده للقربان. وكما فعل الصدِّيق، حيث واسى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه في الغار، وخرج عن ماله خمس مرار. وكما فعل الغزالي حيث قدم نفسه للخِرَابِ، حين اتصل بالشيخ وخرج عن ماله وجاهه في طلب مولاه. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: في حقه: "إنا لنشهد له بالصدِّيقية العظمى"، وناهيك بمن شهد له الشاذلي بالصدِّيقية. ومن أوصاف الصدّيق أنه لا يتعجب من شيء من خوارق العادة، مما تبرزه القدرة الأزلية، ولا يتعاظم شيئًا ولا يستغربه، ولذلك وصف الحق تعالى مريم بالصديقية دون سارة، حيث تعجبت، وقالت: {أية : أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} تفسير : [هُود: 72]؛ وأما مريم فإنما سألت عن وجه ذلك، هل يكون بنكاح أم لا، والله تعالى أعلم. وفي الآية إشارة إلى حسن الملاطفة في الوعظ والتذكير، لا سيما لمن كان معظمًا كالوالدين، أو كبيرًا في نفسه. فينبغي لمن يذكره أن يأخذه بملاطفة وسياسة، فيقر له المقام الذي أقامه الله تعالى فيه، ثم يُذكره بما يناسبه في ذلك المقام، ويشوقه إلى مقام أحسن منه، وأما إن أنكر له مقامه من أول مرة، فإنه يفرّ عنه ولم يستمع إلى وعظه، كما هو مجرب. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر جواب أبيه له
الطوسي
تفسير : خمس آيات في الكوفي والبصري، وست آيات في المدنيين عدّوا {في الكتاب إبراهيم} آية. امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يذكر ابراهيم في الكتاب الذى هو القرآن، وسماه كتاباً، لأنه مما يكتب. والمعنى اقصص عليهم أو اتل عليهم. وكذلك فيما بعد. ثم قال {إنه} يعنى ابراهيم {كان صديقاً نبياً} والصديق هو الكثير التصديق بالحق حتى صار علماً فيه. وكل نبي صديق لكثرة الحق الذى يصدق فيه مما هو علم فيه وامام يقتدى به، من توحيد الله وعدله، حين {قال لأبيه يا أبت} والاصل يا ابتي، فحذف ياء الاضافة وبقيت كسرة التاء تدل عليها. وقيل ان التاء دخلت للمبالغة في تحقيق الاضافة، كما دخلت فى (علامة، ونسابة) للمبالغة فى الصفة. ومثله يا أمت. والوقف بالتاء لهذه العلة. واجاز الزجاج الوقف بالهاء. وقيل ان التاء عوض من ياء الاضافه. وقوله {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً} من امور الدنيا وإنما هو حجر منقور، او صنم معمول {يا أبت إني قد جاءني من العلم} بمعرفة الله وتوحيده ووجوب اخلاص العبادة له، وقبح الاشراك {ما لم يأتك فاتبعني} على ذلك واقتد بى {أهدك صراطاً سوياً} معتدلا غير جائر بك عن الحق الى الضلال {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً} اي عاصياً (فعيل) بمعنى فاعل. {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} قال الفراء: أخاف بمعنى أعلم - ها هنا - ومثله {أية : فخشينا أن يرهقهما} تفسير : أي علمنا {أن يمسك} أي يلحقك عذاب من الله على إشراكك معه في العبادة غيره. ومتى فعلت ذلك كنت ولياً للشيطان وناصراً ومساعداً، ونصب "فتكون" عطفاً على {أن يمسك} وقيل: إن معناه أنه يلزمك ولاية الشيطان لعبادتك له ذماً لك وتقريعاً، إذا ظهر عقاب الله لك، وسخطه عليك. وقيل: فتكون موكولا الى الشيطان، وهو لا يغني عنك شيئاً. وقال قوم: هذه المخاطبة من ابراهيم كان لأبيه الذي هو والده. والذي يقوله اصحابنا انه كان جده لأمه، لأن آباء النبي (صلى الله عليه وسلم) كلهم كانوا مسلمين الى آدم، ولم يكن فيهم من يعبد غير الله تعالى، لقوله (صلى الله عليه وسلم) "حديث : لم يزل الله ينقلني من اصلاب الطاهرين الى ارحام الطاهرات" تفسير : والكافر لا يوصف بالطهارة، لقوله تعالى {أية : إنما المشركون نجس} تفسير : قالوا وابوه الذي ولده كان اسمه تارخ. وهذا الخطاب منه كان لآزر
الجنابذي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} فانّ ذكر الاخيار وذكر احوالهم وسيرهم وسماعها واستماعها مؤثّرة فى النّفوس وجاذبة لها الى جهة العلو، كما انّ ذكر الاشرار وذكر احوالهم وسيرهم زاجرة للنّفوس الخيّرة {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً} تعليل لسابقه، والصّدّيق مبالغة فى الصّادق وهو الّذى يصير صادقاً فى اقواله وافعاله وعلومه واحواله ونيّاته واخلاقه بحيث يؤثّر صدقه فى مجاوره فيصير سبباً لصدقه، وصدق المذكورات بان تكون مطابقة لما ينبغى ان يكون الانسان عليه، ولازم هذا ان يصير صاحبه نبيّاً ولذلك قال صدّيقاً {نَّبِيّاً} اعمّ من الرّسول.
اطفيش
تفسير : {وَاذكُرْ} اتل بلسانك وأشهر لهم، وإلا فالله هو الذاكر {فِى الْكِتَابِ} القرآن. {إبَراهِيمَ} أى أمره. {إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً} الصِّدِّيق: ملازم الصدق، أو كثير الصدق؛ لكثرة ما صدّق من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله. وهو بناء مبالغة كالسِّكيت والنِّطِّيق والضحِّيك. والصِّدِّيقية: قريبة من النبوة. ومِلاك أمر النبوة الصدق. ولذا أعقب بذكر النبوة. وعن بعض: أن من صدَّق اللهَ فى وحدانيته، وصدَّق أنبياءه ورسله والبعث، وعمل بالأوامر فهو صِدِّيق. وقال الشيخ إسماعيل - رحمه الله -: الصِّدِّيق: مَن صَدَق قولا ونية وإرادة وعزما ووفاء بالعهد وعملا، وصدَق فى تحقيق مقامات الدين.
اطفيش
تفسير : {واذْكُر} يا محمد لقومك العابدين للجماد، فإنهم أضل معن يعبد عيسى، والآية مناسبة لما قبلها فى عبادة غير الله عز وجل، عطف على أنذر أو اذكر {فى الكتاب} القرآن أو السورة، والصحيح الأول {إِبراهيم} قصته كقوله تعالى: "أية : واتل عليهم نبأ إبراهيم" تفسير : [الشعراء: 69] ونسبة الذكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة، لأن من نطق بكلام غيره هو متكلم به، وذاكر له أمره الله بذكر ما ذكره الله، وهو قصة إبراهيم، لأنهم ينتمون إليه، فلعلهم يتعظون، وسواء فى هذا عطف على أنذر أو على اذكر، ولا يختص بالعطف على أنذر. {أنه كان صدِّيقاً} عظيم الصدق فى كل فرد من أفراد الصدق، وكثير أفراد الصدق، وما كذب قط، والأنبياء كلهم كذلك، وليس من التصديق لكتب الله ووحيه كما زعم بعض أن الصديق من صدق الله فى وحدانيته، وصدق أنبياءه ورسله، وصدق بالبعث، وقام بالأوامر، وعمل بها، لأن هذا من الرباعى وصدق من الثلاثى، ولا يكون فعيل بشد العين من فعل بشدها، اللهم إلا أن يقال لما كثر تصديقه، وعظم كرم أنه كثير الصدق وعظيمه، لأنه يذكر للناس ما صدق به، وهو صادق فى ذكره لهم، والصدق من صدق فى قوله واعتقاده، وحقق صدقه بفعله، ورتبة الصديقية قرينة من النبوة فقال: {نبياً} خبر ثان مخصص للأول، لأن الصديق قد يكون غير نبى أو نعت صديق.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُرْ } عطف على {أية : أَنذَرَهُمْ } تفسير : [مريم: 39] عند أبـي السعود، وقيل: على {أية : ٱذْكُرْ }تفسير : [مريم: 16] السابق، ولعله الظاهر {فِى ٱلْكِتَـٰبِ } أي هذه السورة أو في القرآن {إِبْرَاهِيمَ } أي اتل على الناس قصته كقوله تعالى: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الشعراء: 69] وإلا فذاكر ذلك في الكتاب هو الله تعالى كما في «الكشاف»، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام لكونه الناطق عنه تعالى ومبلغ أوامره ونواهيه وأعظم مظاهره سبحانه ومجاليه كأنه الذاكر في الكتاب ما ذكره ربه جل وعلا ومناسبة هذه الآية لما قبلها اشتمالها على تضليل من نسب الألوهية إلى الجماد اشتمال ما قبلها على ما أشار إلى تضليل من نسبها إلى الحي والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا أن الفريق الثاني أضل. ويقال على القول الأول في العطف: إن المراد أنذرهم ذلك واذكر لهم قصة إبراهيم عليه السلام فإنهم ينتمون إليه صلى الله عليه وسلم فعساهم باستماع قصته يقلعون عما هم فيه من القبائح. {إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً } أي ملازم الصدق لم يكذب قط {نَّبِيٍّا } استنبأه الله تعالى وهو خبر آخر لكان مقيد للأول مخصص له أي كان جامعاً بين الوصفين. ولعل هذا الترتيب للمبالغة في الاحتراز عن توهم تخصيص الصديقية بالنبوة فإن كل نبـي صديق، وقيل: الصديق من صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، وفي «الكشاف» الصديق من أبنية المبالغة والمراد فرط / صدقه وكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل أي كان مصدقاً بجميع الأنبياء وكتبهم وكان نبياً في نفسه كقوله تعالى: {أية : بَلْ جَاء بِٱلْحَقّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 37] أو كان بليغاً في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق ومصدق الله تعالى بآياته ومعجزاته حري أن يكون كذلك انتهى. وفيه إشارة إلى أن المبالغة تحتمل أن تكون باعتبار الكم وأن تكون باعتبار الكيف ولك أن تريد الأمرين لكون المقام مقام المدح والمبالغة، وقد ألم بذلك الراغب، وأما أن التكثير باعتبار المفعول كما في قطعت الحبال فقد عده في «الكشف» من الأغلاط فتأمل، واستظهر أنه من الصدق لا من التصديق، وأيد بأنه قرىء {انه كان صـٰدقاً } وبأنه قلما يوجد فعيل من مفعل والكثير من فاعل، وفسر بعضهم النبـي هنا برفيع القدر عند الله تعالى وعند الناس. والجملة استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر فإن وصفه عليه السلام بذلك من دواعي ذكره وهي على ما قيل اعتراض بين المبدل منه وهو {إِبْرٰهِيمَ} والبدل وهو {إذ} في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ...}.
سيد قطب
تفسير : انتهت قصة ميلاد عيسى بكشف ما في أسطورة الولد من نكارة وكذب وضلال؛ وهي التي يستند إليها بعض أهل الكتاب في عقائدهم الفاسدة. وتليها في السورة حلقة من قصة إبراهيم تكشف عما في عقيدة الشرك من نكارة وكذب وضلال كذلك. وإبراهيم هو الذي ينتسب إليه العرب. ويقول المشركون: إنهم سدنة البيت الذي بناه هو وإسماعيل. وتبدو في هذه الحلقة شخصية إبراهيم الرضي الحليم.. تبدو وداعته وحلمه في ألفاظه وتعبيراته التي يحكي القرآن الكريم ترجمتها بالعربية، وفي تصرفاته ومواجهته للجهالة من أبيه. كما تتجلى رحمة الله به وتعويضه عن أبيه وأهله المشركين ذرية صالحة تنسل أمة كبيرة، فيها الأنبياء وفيها الصالحون. وقد خلف من بعدهم خلف أضاعوا واتبعوا الشهوات ينحرفون عن الصراط الذي سنه لهم أبوهم إبراهيم. هم هؤلاء المشركون.. ويصف الله إبراهيم بأنه كان صديقاً نبياً. ولفظة صديق تحتمل معنى أنه كثير الصدق وأنه كثير التصديق. وكلتاهما تناسب شخصية إبراهيم: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً. إذ قال لأبيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؟ يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً. يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمـن عصياً. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمـن فتكون للشيطان وليا..}. بهذا اللطف في الخطاب يتوجه إبراهيم إلى أبيه، يحاول أن يهديه إلى الخير الذي هداه الله إليه، وعلمه إياه؛ وهو يتحبب إليه فيخاطبه: {يا أبت} ويسأله: {لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟} والأصل في العبادة أن يتوجه بها الإنسان إلى من هو أعلى من الإنسان وأعلم وأقوى. وأن يرفعها إلى مقام أسمى من مقام الإنسان وأسنى. فكيف يتوجه بها إذن إلى ما هو دون الإنسان. بل إلى ما هو في مرتبة أدنى من مرتبة الحيوان، لا يسمع ولا يبصر ولا يملك ضراً ولا نفعاً. إذ كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام كما هو حال قريش الذين يواجههم الإسلام. هذه هي اللمسة الأولى التي يبدأ بها إبراهيم دعوته لأبيه. ثم يتبعها بأنه لا يقول هذا من نفسه، إنما هو العلم الذي جاءه من الله فهداه. ولو أنه أصغر من أبيه سناً وأقل تجربه، ولكن المدد العلوي جعله يفقه ويعرف الحق؛ فهو ينصح أباه الذي لم يتلق هذا العلم، ليتبعه في الطريق الذي هدي إليه: {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سويا}.. فليست هناك غضاضة في أن يتبع الوالد ولده، إذا كان الولد على اتصال بمصدر أعلى. فإنما يتبع ذلك المصدر، ويسير في الطريق إلى الهدى. وبعد هذا الكشف عما في عبادة الأصنام من نكارة، وبيان المصدر الذي يستمد منه إبراهيم ويعتمد عليه في دعوة أبيه. يبين له أن طريقه هو طريق الشيطان، وهو يريد أن يهديه إلى طريق الرحمن، فهو يخشى أن يغضب الله عليه فيقضي عليه أن يكون من أتباع الشيطان. {يا أبت لا تعبد الشيطان. إن الشيطان كان للرحمـن عصياً. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمـن فتكون للشيطان ولياً}. والشيطان هو الذي يغري بعبادة الأصنام من دون الله، فالذي يعبدها كأنما يتعبد الشيطان والشيطان عاص للرحمن. وإبراهيم يحذر أباه أن يغضب الله عليه فيعاقبه فيجعله ولياً للشيطان وتابعاً. فهداية الله لعبده إلى الطاعة نعمة؛ وقضاؤه عليه أن يكون من أولياء الشيطان نقمة.. نقمة تقوده إلى عذاب أشد وخسارة أفدح يوم يقوم الحساب. ولكن هذه الدعوة اللطيفة بأحب الألفاظ وأرقها لا تصل إلى القلب المشرك الجاسي، فإذا أبو إبراهيم يقابله بالاستنكار والتهديد والوعيد: {قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته لأرجمنك. واهجرني مليا}. أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، وكاره لعبادتها ومعرض عنها؟ أو بلغ بك الأمر إلى هذا الحد من الجراءة؟ فهذا إنذار لك بالموت الفظيع إن أنت أصررت على هذا الموقف الشنيع: {لئن لم تنته لأرجمنك}! فاغرب عن وجهي وابعد عني طويلاً. استبقاء لحياتك إن كنت تريد النجاة: {واهجرني مليا}. بهذه الجهالة تلقى الرجل الدعوة إلى الهدى. وبهذه القسوة قابل القول المؤدب المهذب. وذلك شأن الإيمان مع الكفر؛ وشأن القلب الذي هذبه الإيمان والقلب الذي أفسده الكفر. ولم يغضب إبراهيم الحليم. ولم يفقد بره وعطفه وأدبه مع أبيه: {قال: سلام عليك. سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا. وأعتزلكم وما تدعون من دون الله، وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً}. سلام عليك.. فلا جدال ولا أذى ولا رد للتهديد والوعيد. سأدعو الله أن يغفر لك فلا يعاقبك بالاستمرار في الضلال وتولي الشيطان، بل يرحمك فيرزقك الهدى. وقد عودني ربي أن يكرمني فيجيب دعائي. وإذا كان وجودي إلى جوارك ودعوتي لك إلى الإيمان تؤذيك فسأعتزلك أنت وقومك، وأعتزل ما تدعون من دون الله من الآلهة. وأدعو ربي وحده، راجياً ـ بسبب دعائي لله ـ ألا يجعلني شقياً. فالذي يرجوه إبراهيم هو مجرد تجنيبه الشقاوة.. وذلك من الأدب والتحرج الذي يستشعره. فهو لا يرى لنفسه فضلاً، ولا يتطلع إلى أكثر من تجنيبه الشقاوة! وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم وآلهتهم وهجر أهله ودياره، فلم يتركه الله وحيداً. بل وهب له ذرية وعوضه خيراً: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب. وكلاً جعلنا نبيا. ووهبنا لهم من رحمتنا. وجعلنا لهم لسان صدق علياً}.. وإسحاق هو ابن إبراهيم، رزقه من سارة ـ وكانت قبله عقيماً ـ ويعقوب هو ابن إسحاق: ولكنه يحسب ولداً لإبراهيم لأن إسحاق رزقه في حياة جده، فنشأ في بيته وحجره، وكان كأنه ولده المباشر؛ وتعلم ديانته ولقنها بنيه. وكان نبياً كأبيه. {ووهبنا لهم من رحمتنا} إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونسلهم.. والرحمة تذكر هنا لأنها السمة البارزة في جو السورة، ولأنها هبة الله التي تعوض إبراهيم عن أهله ودياره، وتؤنسه في وحدته واعتزاله. {وجعلنا لهم لسان صدق عليا}.. فكانوا صادقين في دعوتهم، مسموعي الكلمة في قومهم. يؤخذ قولهم بالطاعة وبالتبجيل. ثم يمضي السياق مع ذرية إبراهيم: مستطرداً مع فرع إسحق فيذكر موسى وهارون: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيا. وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً. ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا}.. فيصف موسى بأنه كان مخلصاً استخلصه الله له ومحضه لدعوته. وكان رسولاً نبياً. والرسول هو صاحب الدعوة من الأنبياء المأمور بإبلاغها للناس. والنبي لا يكلف إبلاغ الناس دعوة إنما هو في ذاته صاحب عقيدة يتلقاها من الله. وكان في بني إسرائيل أنبياء كثيرون وظيفتهم القيام على دعوة موسى والحكم بالتوراة التي جاء بها من عند الله: {أية : يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا. والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدآء }.. تفسير : ويبين فضل موسى بندائه من جانب الطور الأيمن (الأيمن بالنسبة لموسى إذ ذاك) وتقريبه إلى الله لدرجة الكلام. الكلام القريب في صورة مناجاة. ونحن لا ندري كيف كان هذا الكلام، وكيف أدركه موسى.. أكان صوتاً تسمعه الأذن أم يتلقاه الكيان الإنساني كله. ولا نعلم كيف أعد الله كيان موسى البشري لتلقي كلام الله الأزلي.. إنما نؤمن أنه كان. وهو على الله هين أن يصل مخلوقه به بطريقة من الطرق، وهو بشر على بشريته، وكلام الله علوي على علويته. ومن قبل كان الإنسان إنساناً بنفخة من روح الله.. ويذكر رحمة الله بموسى في مساعدته بإرسال أخيه هارون معه حين طلب إلى الله أن يعينه به {أية : وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون}.تفسير : وظل الرحمة هو الذي يظلل جو السورة كله. ثم يعود السياق إلى الفرع الآخر من ذرية إبراهيم. فيذكر إسماعيل أبا العرب: {واذكر في الكتاب إسماعيل، إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيا. وكان يأمر أهله بالصـلاة والزكـاة، وكان عند ربه مرضيا}.. وينوه من صفات إسماعيل بانه كان صادق الوعد. وصدق الوعد صفة كل نبي وكل صالح، فلا بد أن هذه الصفة كانت بارزة في إسماعيل بدرجة تستدعي إبرازها والتنويه بها بشكل خاص. وهو رسول فلا بد أن كانت له دعوة في العرب الأوائل وهو جدهم الكبير. وقد كان في العرب موحدون أفراد قبيل الرسالة المحمدية، فالأرجح أنهم بقية الموحدين من أتباع إسماعيل. ويذكر السياق من أركان العقيدة التي جاء بها الصلاة والزكاة وكان يأمر بهما أهله.. ثم يثبت له أنه كان عند ربه مرضياً.. والرضى سمة من سمات هذه السورة البارزة في جوها وهي شبيهة بسمة الرحمة، وبينهما قرابة! وأخيراً يختم السياق هذه الإشارات بذكر إدريس: {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبيا. ورفعناه مكاناً عليا}. ولا نملك نحن تحديد زمان إدريس. ولكن الأرجح أنه سابق على إبراهيم وليس من أنبياء بني إسرائيل فلم يرد ذكره في كتبهم. والقرآن يصفه بأنه كان صديقاً نبياً ويسجل له أن الله رفعه مكاناً عليا. فأعلى قدره ورفع ذكره.. وهناك رأي نذكره لمجرد الاستئناس به ولا نقرره أو ننفيه، ويقول به بعض الباحثين في الآثار المصرية، وهو أن إدريس تعريب لكلمة "أوزريس" المصرية القديمة. كما أن يحيى تعريب لكلمة يوحنا. وكلمة اليسع تعريب لكلمة إليشع.. وأنه هو الذي صيغت حوله أساطير كثيرة. فهم يعتقدون أنه صعد إلى السماء وصار له فيها عرش عظيم. وكل من وزنت أعماله بعد الموت فوجدت حسناته ترجح سيئاته فإنه يلحق بأوزريس الذي جعلوه إلهاً لهم. وقد علمهم العلوم والمعارف قبل صعوده إلى السماء. وعلى أية حال فنحن نكتفي بما جاء عنه في القرآن الكريم؛ ونرجح أنه سابق على أنبياء بني إسرائيل. يستعرض السياق أولئك الأنبياء، ليوازن بين هذا الرعيل من المؤمنين الأتقياء وبين الذين خلفوهم سواء من مشركي العرب أو من مشركي بني إسرائيل: فإذا المفارقة صارخة والمسافة شاسعة والهوة عميقة والفارق بعيد بين السلف والخلف: {أولـئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم، وممن حملنا مع نوح، ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل، وممن هدينا واجتبينا. إذا تتلى عليهم آيات الرحمـن خروا سجداً وبكيا. فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا...}. والسياق يقف في هذا الاستعراض عند المعالم البارزة في صفحة النبوة في تاريخ البشرية {من ذرية آدم}. {وممن حملنا مع نوح}. {ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل}. فآدم يشمل الجميع، ونوح يشمل من بعده، وإبراهيم يشمل فرعي النبوة الكبيرين: ويعقوب يشمل شجرة بني إسرائيل. وإسماعيل وإليه ينتسب العرب ومنهم خاتم النبيين. أولئك النبيون ومعهم من هدى الله واجتبى من الصالحين من ذريتهم.. صفتهم البارزة: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا}.. فهم أتقياء شديدو الحساسية بالله؛ ترتعش وجداناتهم حين تتلى عليهم آياته، فلا تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم من تأثر، فتفيض عيونهم بالدموع ويخرون سجداً وبكياً.. أولئك الأتقياء الحساسون الذين تفيض عيونهم بالدمع وتخشع قلوبهم لذكر الله.. خلف من بعدهم خلف، بعيدون عن الله. {أضاعوا الصلاة} فتركوها وجحدوها {واتبعوا الشهوات} واستغرقوا فيها. فما أشد المفارقة، وما أبعد الشبه بين أولئك وهؤلاء! ومن ثم يتهدد السياق هؤلاء الذين خالفوا عن سيرة آبائهم الصالحين. يتهددهم بالضلال والهلاك: (فسوف يلقون غيا} والغي الشرود والضلال، وعاقبة الشرود الضياع والهلاك. ثم يفتح باب التوبة على مصراعيه تنسم منه نسمات الرحمة واللطف والنعمى: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً، فأولـئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً. جنات عدن التي وعد الرحمـن عباده بالغيب. إنه كان وعده مأتيا. لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً. ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا. تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا}.. فالتوبة التي تنشئ الإيمان والعمل الصالح، فتحقق مدلولها الإيجابي الواضح.. تنجي من ذلك المصير فلا يلقى أصحابها {غياً} إنما يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً. يدخلون الجنة للإقامة. الجنة التي وعد الرحمن عباده إياها فآمنوا بها بالغيب قبل أن يروها. ووعد الله واقع لا يضيع.. ثم يرسم صورة للجنة ومن فيها.. {لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً} فلا فضول في الحديث ولا ضجة ولا جدال، إنما يسمع فيها صوت واحد يناسب هذا الجو الراضي. صوت السلام.. والرزق في هذه الجنة مكفول لا يحتاج إلى طلب ولا كد. ولا يشغل النفس بالقلق والخوف من التخلف أو النفاد: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} فما يليق الطلب ولا القلق في هذا الجو الراضي الناعم الأمين.. {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً}.. فمن شاء الوراثة فالطريق معروف: التوبة والإيمان والعمل الصالح. أما وراثة النسب فلا تجدي. فقد ورث قوم نسب أولئك الأتقياء من النبيّين وممن هدى الله واجتبى؛ ولكنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فلم تنفعهم وراثة النسب {فسوف يلقون غيّا}.. ويختم هذا الدرس بإعلان الربوبية المطلقة لله، والتوجيه إلى عبادته والصبر على تكاليفها. ونفي الشبيه والنظير: {وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، وما كان ربك نسيا. رب السماوات والأرض وما بينهما، فاعبده واصطبر لعبادته. هل تعلم له سميا؟}.. وتتضافر الروايات على أن قوله: {وما نتنزل إلا بأمر ربك..} مما أمر جبريل عليه السلام أن يقوله للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ رداً على استبطائه للوحي فترة لم يأته فيها جبريل. فاستوحشت نفسه، واشتاقت للاتصال الحبيب. فكلف جبريل أن يقول له: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} فهو الذي يملك كل شيء من أمرنا: {له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك} وهو لا ينسى شيئاً، إنما ينزل الوحي عندما تقتضي حكمته أن ينزل {وما كان ربك نسيا} فناسب بعد ذلك أن يذكر الاصطبار على عبادة الله مع إعلان الربوبية له دون سواه: {رب السماوات والأرض وما بينهما}.. فلا ربوبية لغيره، ولا شرك معه في هذا الكون الكبير. {فاعبده واصطبر لعبادته}.. اعبده واصطبر على تكاليف العبادة. وهي تكاليف الارتقاء إلى أفق المثول بين يدي المعبود، والثبات في هذا المرتقى العالي. اعبده واحشد نفسك وعبئ طاقتك للقاء والتلقي في ذلك الأفق العلوي.. إنها مشقة. مشقة التجمع والاحتشاد والتجرد من كل شاغل، ومن كل هاتف ومن كل التفات.. وإنها مع المشقة للذة لا يعرفها إلا من ذاق. ولكنها لا تنال إلا بتلك المشقة، وإلا بالتجرد لها، والاستغراق فيها، والتحفز لها بكل جارحة وخالجة. فهي لا تفشي سرها ولا تمنح عطرها إلا لمن يتجرد لها، ويفتح منافذ حسه وقلبه جميعاً. {فاعبده واصطبر لعبادته}.. والعبادة في الإسلام ليست مجرد الشعائر. إنما هي كل نشاط: كل حركة. كل خالجة. كل نية. كل اتجاه. وإنها لمشقة أن يتجه الإنسان في هذا كله إلى الله وحده دو سواه. مشقة تحتاج إلى الاصطبار. ليتوجه القلب في كل نشاط من نشاط الأرض إلى السماء. خالصاً من أوشاب الأرض وأوهاق الضرورات، وشهوات النفس، ومواضعات الحياة. إنه منهج حياة كامل، يعيش الإنسان وفقه، وهو يستشعر في كل صغيرة وكبيرة طوال الحياة انه يتعبد الله؛ فيرتفع في نشاطه كله إلى أفق العبادة الطاهر الوضيء. وإنه لمنهج يحتاج إلى الصبر والجهد والمعاناة. فاعبده واصطبر لعبادته.. فهو الواحد الذي يعبد في هذا الوجود والذي تتجه إليه الفطرة والقلوب.. {هل تعلم له سمياً؟}. هل تعرف له نظيراً؟ تعالى الله عن السمي والنظير..
ابن عاشور
تفسير : قد تقدم أن من أهم ما اشتملت عليه هذه السورة التنويه بالأنبياء والرسل السالفين. وإذ كان إبراهيم عليه السلام أبَا الأنبياء وأوّل من أعلن التوحيد إعلاناً باقياً، لبنائه له هيكلَ التوحيد وهو الكعبة، كان ذكر إبراهيم من أغراض السورة، وذُكر عقب قصة عيسى لمناسبة وقوع الرد على المشركين في آخر القصة ابتداء من قوله تعالى: {أية : فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم}تفسير : [مريم: 37] إلى قوله: {أية : إنا نحن نرث الأرض ومن عليها}تفسير : [مريم: 40]. ولما كان إبراهيم قد جاء بالحنيفية وخالفها العرب بالإشراك وهم ورثة إبراهيم كان لتقديم ذكره على البقية الموقع الجليل من البلاغة. وفي ذلك تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما لقي من مشركي قومه لمشابهة حالهم بحال قوم إبراهيم. وقد جرى سَرد خبر إبراهيم - عليه السلام - على أسلوبِ سرد قصة مريم - عليها السلام - لما في كل من الأهمية كما تقدم. وتقدم تفسير {أية : واذكر في الكتاب} تفسير : في أول قصة مريم (16). والصديق بتشديد الدال صيغة مبالغة في الاتصاف، مثل الملك الضّليل لقب امرىء القيس، وقولهم: رجل مِسيّك: أي شحيح، ومنه طعام حرّيف، ويقال: دليل خِرّيت، إذا كان ذا حذق بالطرق الخفية في المفاوز، مشتقاً من الخَرت وهو ثقب الشيء كأنه يثقب المسدودات ببصره. وتقدم في قوله تعالى: {أية : يوسف أيها الصديق}تفسير : [يوسف: 46]. وصف إبراهيم بالصدّيق لفرط صدقه في امتثال ما يكلفه الله تعالى لا يصده عن ذلك ما قد يكون عذراً للمكلف مثل مبادرته إلى محاولة ذَبح ولده حين أمره الله بذلك في وحي الرؤيا، فالصدق هنا بمعنى بلوغ نهاية الصفة في الموصوف بها، كما في قول تأبّط شرّاً: شعر : إني لمهد من ثنائي فقاصد به لابن عم الصّدّق شُمس بن مالك تفسير : وتأكيد هذا الخبر بحرف التوكيد وبإقحام فعل الكون للاهتمام بتحقيقه زيادة في الثناء عليه. وجملة {إنّه كان صديقاً نبيا} واقعة موقع التعليل للاهتمام بذكره في التلاوة، وهذه الجملة معترضة بين المبدل منه والبدل، فإن (إذ) اسم زمان وقع بدلاً من إبراهيم، أي اذكر ذلك خصوصاً من أحوال إبراهيم فإنه أهمّ ما يذكر فيه لأنه مظهر صديقيته إذ خاطب أباه بذلك الإنكار. والنبي: فعيل بمعنى مفعول، من أنبأه بالخبر. والمراد هنا أنه منبّأ من جانب الله تعالى بالوحي. والأكثر أن يكون النبي مرسلاً للتبليغ، وهو معنى شرعي، فالنبي فيه حقيقة عرفية. وتقدم في سورة البقرة (246) عند قوله: {أية : إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً}تفسير : ، فدل ذلك على أن قوله لأبيه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} إنما كان عن وحي من الله ليبلغ قومه إبطال عبادة الأصنام. وقرأ الجمهور {نبيّا} بياء مشددة بتخفيف الهمزة ياء لثقلها ولمناسبة الكسرة. وقرأه نافع وحده (نبيئاً) بهمزة آخره، وبذلك تصير الفاصلة القرآنية على حرف الألف، ومثل تلك الفاصلة كثير في فواصل القرآن. وقوله: {إذ قال لأبيه} الخ بدل اشتمال من (إبراهيم). و (إذ) اسم زمان مجرد عن الظرفية لأن (إذ) ظرف متصرف على التحقيق. والمعنى: اذكر إبراهيم زمان قوله لأبيه فإن ذلك الوقت أجدر أوقات إبراهيم بأن يذكر. وأبو إبراهيم هو (آزار) تقدم ذكره في سورة الأنعام. وافتتح إبراهيم خطابه أباه بندائه مع أن الحضرة مغنية عن النداء قصداً لإحضار سمعه وذهنه لتلقي ما سيلقيه إليه. قال الجد الوزير - رحمه الله - فيما أملاه عليّ ذات ليلة من عام 1318 هـ فقال: علم إبراهيم أن في طبع أهل الجهالة تحقيرهم للصغير كيفما بلغ حاله في الحذق وبخاصة الآباء مع أبنائهم، فتوجه إلى أبيه بخطابه بوصف الأبوة إيماء إلى أنه مخلص له النصيحة، وألقى إليه حجّة فساد عبادته في صورة الاستفهام عن سبب عبادته وعمله المخطىء، منبّهاً على خطئه عندما يتأمل في عمله، فإنه إن سمع ذلك وحاول بيان سبب عبادة أصنامه لم يجد لنفسه مقالاً ففطِن بخطل رأيه وسفاهة حلمه، فإنه لو عبد حيّاً مميزاً لكانت له شبهة ما. وابتدأ بالحجة الراجعة إلى الحِسّ إذ قال له: {لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} فذلك حجة محسوسة، ثم أتبعها بقوله: {ولا يغني عنك شيئاً}، ثم انتقل إلى دفع ما يخالج عقل أبيه من النفور عن تلقي الإرشاد من ابنه بقوله: {أية : يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً}تفسير : [مريم: 43]، فلما قضى حق ذلك انتقل إلى تنبيهه على أن ما هو فيه أثر من وساوس الشيطان، ثم ألقى إليه حجة لائقة بالمتصلبين في الضلال بقوله: {أية : يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا}تفسير : [مريم: 45]، أي إن الله أبلغ إليك الوعيد على لساني، فإن كنتَ لا تجزم بذلك فافرض وقوعه فإنّ أصنامك لم تتوعدك على أن تفارق عبادتها. وهذا كما في الشعر المنسوب إلى علي - رضي الله عنه -:شعر : زعم المنجّم والطّبيب كلاهما لا تحشر الأجسام قلت: إليكما إن صحّ قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما تفسير : قال: وفي النداء بقوله: {يا أبت} أربع مرات تكريرٌ اقتضاه مقام استنزاله إلى قبول الموعظة لأنها مقام إطناب. ونَظَّرَ ذلك بتكرير لقمان قوله: {أية : يا بني}تفسير : [لقمان: 13 ـــ 16] ثلاث مرات، قال: بخلاف قول نوح لابنه: {أية : يا بني اركب معنا}تفسير : [هود: 42] مرة واحدة دون تكرير لأنّ ضيق المقام يقتضي الإيجاز وهذا من طرق الإعجاز». انتهى كلامه بما يقارب لفظه. وأقول: الوجه ما بني عليه من أن الاستفهام مستعمل في حقيقته، كما أشار إليه صاحب «الكشاف»، ومكنى به عن نفي العلّة المسؤول عنها بقوله: {لِمَ تعبد}، فهو كناية عن التعجيز عن إبداء المسؤول عنه، فهو من التورية في معنيين يحتملهما الاستفهام. وأبت: أصله أبي، حذفوا ياء المتكلم وعوضوا عنها تاء تعويضاً على غير قياس، وهو خاص بلفظ الأب والأم في النداء خاصة، ولعله صيغة باقية من العربية القديمة. ورأى سيبويه أن التاء تصير في الوقف هاء، وخالفه الفراء فقال: ببقائها في الوقف. والتاء مكسورة في الغالب لأنها عوض عن الياء والياء بنت الكسرة ولما كسروها فتحوا الياء وبذلك قرأ الجمهور. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: (يأبتَ) - بفتح التاء - دون ألف بعدها، بنَاء على أنهم يقولون (يا أبتَا) بألف بعد التاء لأن ياء المتكلم إذا نودي يجوز فتحها وإشباع فتحتها فقرأه على اعتبار حذف الألف تخفيفاً وبقاء الفتحة.
الشنقيطي
تفسير : أمر الله جل وعلا نبيه "محمداً" صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يذكر في الكتاب الذي هو القرآن العظيم المنزل إليه من الله "إبراهيم" عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ويتلو على الناس في القرآن نبأه مع قومه ودعوته لهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر. وكرر هذا المعنى المذكور في هذه الآيات في آيات أخر من كتابه جل وعلا. فهذا الذي أمر به نبيه هنا من ذكره في الكتاب إبراهيم {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ} الآية - أوضحه في سورة "الشعراء" في قوله: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ}تفسير : [الشعراء: 69-70]. فقوله هنا {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ}تفسير : [مريم: 41] هو معنى قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} وزاد في "الشعراء" أن هذا الذي قاله لأبيه من النهي عن عبادة الأوثان قاله أيضاً لسائر قومه. وكرر تعالى الإخبار عنه بهذا النهي لأبيه وقومه عن عبادة الأوثان في مواضع أخر. كقوله: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 74]، وقوله تعالى {أية : إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 70-77]، وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [الأنبياء: 51-56] وقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}تفسير : [الزخرف: 26-27]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الصافات: 83-87] وقوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}تفسير : [الممتحنة: 4] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ}تفسير : [الزخرف: 26] الظرف الذي هو "إذ" بدل اشتمال من "إبراهيم" في قوله: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} [مريم: 41] كما تقدم نظيره في قوله: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ }تفسير : [مريم: 16] الآية. وقد قدمنا هناك إنكار بعضهم لهذا الإعراب. وجملة {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} [مريم: 41] معترضة بين البدل والمبدل منه على الإعراب المذكور. والصديق صيغة مبالغة من الصدق. لشدة صدق إبراهيم في معاملته مع ربه وصدق لهجته، كما شهد الله له بصدق معاملته في قوله: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}تفسير : [النجم: 37]، وقوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124]. ومن صدقه في معاملته ربه: رضاه بأن يذبح ولده، وشروعه بالفعل في ذلك طاعة لربه. مع أن الولد فلذة من الكبد. شعر : لكنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض تفسير : قال تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِين وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}تفسير : [الصافات: 103-105] الآية. ومن صدقه في معاملته مع ربه: صبره على الإلقاء في النار. كما قال تعالى: {أية : قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 68]، وقال: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [العنكبوت: 24] الآية. وذكر علماء التفسير في قصته أنهم لما رموه إلى النار لقيه جبريل فسأله: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا! وأما إلى الله فنعم. فقال له: لم لا تسأله؟ فقال: علمه بحالي كاف عن سؤالي؟؟ ومن صدقه في معاملته ربه: صبره على مفارقة الأهل والوطن فراراً لدينه. كما قال تعالى: {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ}تفسير : [العنكبوت: 26] وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق: وقد بين جل وعلا في مواضع أخر أنه لم يكتف بنهيهم عن عبادة الأوثان وبيان أنها لا تنفع ولا تضر، بل زاد على ذلك أنه كسرها وجعلها جذاذاً وترك الكبير من الأصنام، ولما سألوه هل هو الذي كسرها قال لهم: إن الذي فعل ذلك كبيرالأصنام، وأمرهم بسؤال الأصنام إن كانت تنطق. كما قال تعالى عنه: {أية : وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 57-67]، وقال تعالى: {أية : فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [الصافات: 91-96]. فقوله {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} أي مال إلى الأصنام يضربها ضرباً بيمينه حتى جعلها جذاذاً، أي قطعاً متكسرة من قولهم: جذه إذا قطعه وكسره. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً} أي كثير الصدق يعرف منه أن الكذبات الثلاث المذكورة في الحديث عن إبراهيم كلها في الله تعالى، وأنها في الحقيقة من الصدق لا من الكذب بمعناه الحقيقي، وسيأتي إن شاء الله زيادة إيضاح لهذا في سورة "الأنبياء": وقوله تعالى عن إبراهيم {يٰأَبَتِ} التاء فيه عوض عن ياء المتكلم، فالأصل يا أبي كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وفي النداء أبت أمت عرض واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية {لِمَ تَعْبُدُ} أصله "ما" الاستفهامية، فدخل عليها حرف الجر الذي هو "اللام" فحذف ألفها على حد قوله في الخلاصة: شعر : وما في الاستفهام إن جرت حذف ألفها وأولها الها إن تقف تفسير : ومعلوم أن القراءة سنة متبعة لا تجوز بالقياس. ولذا يوقف على "لم" بسكون الميم لا بهاء السكت كما في البيت. ومعنى عبادته للشيطان في قوله {لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} طاعته للشيطان في الكفر والمعاصي. فذلك الشرك شرك طاعة، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}تفسير : [يس: 60-61] كما تقدم هذا المبحث مستوفى في سورة "الإسراء" وغيرها. والآية تدل على أن الكفار المعذبين يوم القيامة أولياء الشيطان. لقوله هنا {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} والآيات الدالة على أن الكفار أولياء الشيطان كثيرة، وقد قدمنا كثيراً من ذلك في سورة الكهف وغيرها، كقوله تعالى: {أية : فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ}تفسير : [النساء: 76] الآية، وقوله: {أية : إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}تفسير : [آل عمران: 175] الآية، أي يخوفكم أولياءه. وقوله: {أية : إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأعراف: 30] الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. وكل من كان الشيطان يزين له الكفر والمعاصي فيتبعه في ذلك في الدنيا فلا ولي له في الآخرة إلا الشيطان. كما قال تعالى: {أية : تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [النحل: 63] ومن كان لا ولي له يوم القيامة إلا الشيطان تحقق أنه لا ولي له ينفعه يوم القيامة. وقوله تعالى في هذا الآية الكريمة: {إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} يعني ما علمه الله من الوحي وما ألهمه وهو صغير، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 51] ومحاجة إبراهيم لقومه كما ذكرنا بعض الآيات الدالة عليها أثنى الله بها على إبراهيم، وبين أنها حجة الله آتاها نبيه إبراهيم. كما قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ}تفسير : [الأنعام: 83] الآية، وقال تعالى: {أية : وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ}تفسير : [الأنعام: 80] الآية، وكون الآيات المذكورة واردة في محاجته لهم المذكورة في سورة "الأنعام" لا ينافي ما ذكرنا. لأن أصل المحاجة في شيء واحد وهو توحيد الله جل وعلا، وإقامة الحجة القاطعة على أنه لا معبود إلى هو وحده جل وعلا في سورة "الأنعام" وفي غيرها. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اذكر في الكتاب: أي في القرآن. إنه كان صديقا: أي كثير الصدق بالغ الحد الأعلى فيه. يا أبت: يا أبي وهو آزر. صراطا سويا: أي طريقاً مستقيماً لا اعوجاج فيه يفضي بك إلى الجنة. لا تعبد الشيطان: أي لا تطعه في دعوته إياك إلى عبادة ألأصنام. عصيا: أي عاصياً لله تعالى فاسقاً عن أمره. فتكون للشيطان وليا: أي قريباً منه قرينا له فيها أي النار. معنى الآيات: هذه بداية قصة إبراهيم الخليل عليه السلام مع والده آزر عليه لعائن الرحمن قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱذْكُرْ} يا نبينا {فِي ٱلْكِتَابِ} أي القرآن الكريم {إِبْرَاهِيمَ} خليلنا {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً} أي صادقاً في أقواله وأعماله بالغاً مستوى عظيماً في الصدق {نَّبِيّاً} من أنبيائنا فهو جدير بالذكر في القرآن ليكون قدوة صالحة للمؤمنين. واذكره {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} آزر {يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ} أي تسأله بالدعاء والتقرب بأنواع القربات ما لا يسمع ولا يبصر من الأصنام أي لا يبصرك ولا يسمعك {وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} لا يدفع عنك ضراً ولا يجلب لك نفعاً فأي حاجة لك إلى عبادته {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي من قبل ربي تعالى {مَا لَمْ يَأْتِكَ} أنت {فَٱتَّبِعْنِيۤ} فيما أعتقده وأعمله وأدعو إليه {أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} أي مستقيماً يفضي بك إلى السعادة والنجاة، {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} أي بطاعته فيما يدعوك إليه من عبادة غير الله تعالى من هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تعطي ولا تمنع، {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} أي عاصياً أمره فأبى طاعته وفسق عن أمره. {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} إن أنت بقيت على شركك وكفرك ولم تتب منهما حتى مت فيمسك عذاب من الرحمن {فَتَكُونَ} أي بذلك {لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} أي قريباً منه قرينا له في جهنم فتهلك وتخسر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد بالدعوة إليه. 2- كمال إبراهيم بذكره في الكتاب. 3- بطلان عبادة غير الله تعالى. 4- عبادة الأوثان والأصنام وكل عبادة لغير الله تعتبر عبادة للشيطان لأنه الآمر بها والداعي إليها.
القطان
تفسير : واذكر في الكتاب: في القرآن. صدّيقا: من يكون صادقاً ومخلصا في أفعاله وأقواله او صحبته. صراطاً سويا: طريقا مستقيما. أراغبٌ أنت عن آلهتي: أكارهٌ لها. لأرجمنّك: لأَضربنّك بالحجارة. واهجُرني مليّا: اتركني دهراً طويلا. إنه كان بي حفيّا: إن ربي كان مبالغا في العناية بي وإكرامي. لسان صدق: ثناءً حسنا. انتهت قصةُ المسيح، وقد بيّنها القرآن بوضوح، خاليةً من كل شائبة من الأساطير والخرافات. وهنا تأتي حلقة من قصة إبراهيم حيث ذُكِرَ في خمسٍ وعشرين سورة من القرآن. وهنا في هذه الحلقة يتبين ما في عقيدة الشِرك من كذب وضلال. وإبراهيمُ هو الذي ينتسب اليه العرب، وهو الذي بنى البيتَ الحرام مع ابنه اسماعيل. وتبدو في هذه الآيات شخصيةُ إبراهيم الأوّاب الحليم، ووداعتُه وحِلْمُه في ألفاظه وتعبيره. واذكُر أيها الرسول لقومك وللناس ما في القرآن من قصة إبراهيم الصدّيق (والصدقُ من أكملِ الصفات واصدقها) حين نهى قومه عن عبادة الأصنام، ووجّه الخطاب لأبيه في رِفق ولين قائلا له: يا أبتِ، كيف تعبد أصناماً لا تسمع ولا تبصر، ولا تجلب لك خيراً، ولا تدفع عنك شرا!؟ ويظهر من هذا المنهج أنه سَلَك في دعوته أجملَ الآداب في الحِجاج، واحتجّ بأروع البراهين ليردّه عن غيّه. يا أبتِ، لقد جاءني من العِلم الآلهيّ ما لم تطّلع عليه، فاتّبعني فيما أدعوك إليه من الإيمان بالله - أدلّك على الطريق القويم الموصِل الى الله. يا أبت، لا تطع الشيطانَ فيما يزيّن لك من عبادة الأصنام، إن الشيطان عصى الله وخالفَ أوامره، وكلُّ من أطاعه فقد عصى الله. ثم حذّره من سوء عاقبة ما هو فيه من عبادة الأصنام فقال: {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ.... }. يا أبتِ، إني اخشى إنْ أصررتَ على الكفر أن يصيبك عذابٌ شديد من الله، فتكون قرينا للشيطان في النار. فأجابه أبوه بعد كل هذا الكلام اللطيف والعبارات الرقيقة بكلّ جفاء وغلظة فقال: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ؟.... }. أتكره آلهتي ولا ترغب في عبادتها يا إبراهيم؟ لئن لم تنتهِ عما انتَ فيه من النَّهي عن عبادتها والدعوةِ الى ما دعوتني اليه، لأرجمنَّك بالحجارة، فاحذَرْني وأبعد عني وفارِقني دهراً طويلا. ولما سمع ابراهيم عليه السلام كلام أبيه أجابه بأمرين: 1 - {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ}. سلمتَ مني لا أصيبك. وهذا جوابُ الحليم للسفيه، وفيه مقابلةٌ للسيئة بالحسنة. وزاد على ذلك فقال: 2 - {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}. سأدعو لك ربي أن يهديك ويغفر لك. وقد عوّدني ربي ان يكون رحيماً بي مجيباً لدعائي. وإني سأهجركم وأبتعدُ عما تعبدون من دون الله، وأعبدُ ربي وحده، راجياً ان يقبل مني طاعتي، ولا يخيّب رجائي، وان لا يجعلني شقيا. وقد حقق إبراهيم ما عزم عليه، فحقق الله رجاءه وأجاب دعاءه، فلم يتركه وحيداً، بل وهب له ذريةً وعوّضه خيرا. {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً}. فلما فارق إبراهيم أباه وقومَهُ وهاجر الى بلاد الشام - أكرمه الله بالذرّية الصالحة، ورزقه اسحاقَ، ثم رزقه من اسحاقَ يعقوبَ، وكلاهما من الأنبياء. واعطيناهم فوق منزلة النبوّة كثيراً من خير الدنيا والآخرة برحمتنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {إِبْرَاهِيمَ} (41) - وَاتْلُ عَلَى قَوْمِكَ، الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ، خَبَرَ أَبْيهِمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، الذِي يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّتِهِ، وَقَدْ كَانَ نَبِيّاً مُرْسَلاً مُصَدِّقاً بِكَلِمَاتِ رَبِّهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً} مؤمناً موقناً صدوقاً {نَّبِيّاً} رسولاً رفيعاً {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} آزر وهو يعبد الأوثان {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ} صوتاً {وَلاَ يُبْصِرُ} شيئاً {وَلاَ يُغْنِي عَنكَ} لا ينفعك ولا يكفيك {شَيْئاً} يعني الأصنام {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ} والبيان بعد الموت وأنّ من غيره عذّبه {مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ} على ديني { أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} مستوياً. {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} لا تطعه، لم تصل، له ولم تصم وإنّ من أطاع شيئاً فقد عبده {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} عاصياً عاتياً، وكان بمعنى الحال أي هو، وقيل بمعنى: صار. {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ} أعلم {أَن يَمَسَّكَ} يصيبك {عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} لقوله: {أية : إِلاَّ أَن يَخَافَآ} تفسير : [البقرة: 229] وقوله {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا} تفسير : [البقرة: 229] وقيل: معناه إنّي أخاف أن ينزل عليك عذاباً في الدنيا {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} قريناً في النار، فقال له أبوه مجيباً له {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ} تارك عبادتهم وزاهد فيهم {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} لئن لم تسكت وترجع عن مقالتك {لأَرْجُمَنَّكَ} قال الضحاك ومقاتل والكلبي: لأشتمنّك، وقال ابن عباس: لأضربنّك، وقيل لأُظهرنّ أمرك {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} قال الحسن وقتادة وعطاء: سالماً، وقال ابن عباس: واعتزلني سالم العرض لا يصيبنّك منّي معرّة، وقال الكلبي: اتركني واجتنبني طويلاً فلا تكلّمني، وقال سعيد بن جبير: دهراً، وقال مجاهد وعكرمة: حيناً، وأصل الحرف المكث، ومنه يقال: تملّيت حيناً، والملوان الليل والنهار. {قَالَ} إبراهيم {سَلاَمٌ عَلَيْكَ} أي سلمت منيّ لا أصيبك بمكروه { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} قال ابن عباس ومقاتل: لطيفاً رحيماً، وقيل: بارّاً، وقال مجاهد: عوّده إلاجابة، وقال الكلبي: عالماً يستجيب لي إذا دعوته. {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني وأعتزل ما تعبدون من دون الله، قال مقاتل: كان اعتزاله اياهم أنه فارقهم من كوثى فهاجر منها إلى الأرض المقدسة. {وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} يعني عسى أن يجيبني ولا يخيّبني، وقيل: معناه عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام. {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ} ما تَدْعُون: تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني الأصنام فذهب مهاجراً {وَهَبْنَا لَهُ} بعد الهجرة {إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب {وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا} نعمتنا، قال الكلبي: المال والولد، وقيل: النبوّة والكتاب، بيانه قوله {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 32]. {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} يعني ثناءً حسناً رفيعاً في كلّ أهل الأديان، وكلّ أهل دين يتولّونهم ويثنون عليهم. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} يعني غير مرائي، قال مقاتل: مسلماً موحداً، وقرأ أهل الكوفة: مخلَصاً بفتح اللام يعني أخلصناه واخترناه {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً * وَنَادَيْنَاهُ} دعوناه وكلّمناه ليلة الجمعة {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} يعني يمين موسى، والطور: جبل بين مصر ومدين {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} يعني رفعناه من سماء إلى سماء ومن حجاب إلى حجاب حتى لم يكن بينه وبينه إلاّ حجاب واحد. وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدَّثنا أبو الأزهر قال: حدَّثنا أسباط عن عطاء بن السائب عن ميسرة {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال: قرّبه حتى سمع صريف القلم، والنجيّ: المناجي كالجليس والنديم. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} وذلك حين سأل موسى ربّه عزّ وجلّ فقال: {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} تفسير : [طه: 29-30] وحين قال {أية : فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} تفسير : [الشعراء: 13] فأجاب الله دعاءه. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} يعني ابن إبراهيم {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} كان إذا وعد أنجز، وذلك أنّه وعد رجلاً أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه فأقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى يرجع إليه الرجل، قاله مقاتل، وقال الكلبي: انتظره حتى حال الحول عليه. {وَكَانَ رَسُولاً} إلى قومه {نَّبِيّاً} مخبراً عن الله سبحانه. {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ} يعني قومه وكذلك هو في حرف ابن مسعود {بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} صالحاً زاكياً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى في استهلال سورة مريم عن ميلاد سيدنا يحيى لزكريا، وعن ميلاد سيدنا المسيح من مريم، أراد أن يعرض لنا موكباً من مواكب الرسالات التي أرسلها الله نوراً من السماء لهداية الأرض، فقال: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ..} [مريم: 41]. فهو أبو الأنبياء وقمتهم؛ لأن الله تعالى مدحه بقوله: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..}تفسير : [النحل: 120]. فليس هناك فرد يحتوي على خصال الكمال ومواهب الفضل كلها، لكن المجموع يحتويها فهذا شجاع قوي البنية، وهذا ذكي، وهذا حادّ البصر، وهذا نابغ في الطب، وهذا في الزراعة، مواهب متفرقة بين البشر، لا يجمعها واحد منهم، فلا طاقته ولا حياته ولا مجهوده يستطيع أن يكون موهوباً في كل شيء، فالكمال كله مُوزّع في الخَلْق، إلا إبراهيم، فقد كان عليه السلام يساوي في مواهبه أمةً بأكملها. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} [مريم: 41] صِدّيق: من مادة صدق، ومعناها: تكلّم بواقع؛ لأن الكذب أنْ يتكلّم بغير واقع. وهذا يُسمَّى: صادق في ذاته، أما قولنا: صِدِّيق أي: مبالغة في الصدق، فقد بلغ الغاية في تصديق ما يأتي من الحق تبارك وتعالى، فهو يطيع ويُذعِن ولا يناقش، كما رأينا من أم موسى - عليه السلام - لما قال لها الحق سبحانه: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..}تفسير : [القصص: 7]. بالله، أي أم يمكن أن تُصدِّق هذا الكلام، وتنصاع لهذا الأمر؟ وكيف تُنجِّي ولدها من شر أو موت مظنون بموت مُحقَّق؟ إذن: فهذا كلام لا يُصدَّق، وفوق نطاق العقل عند عامة الناس، أما في موكب الرسالات فالأمر مختلف، فساعة أنْ سمعتْ أم موسى هذا النداء لم يساورها خاطر مخالف لأمر الله، ولم يراودها شَكٌّ فيه؛ لأن وارد الله عند هؤلاء القوم لا يُعارض بوارد الشيطان أبداً، وهذه قضية مُسلَّمة عند الرسل. إذن: الصِّدِّيق هو الذي بلغ الغاية في تصديق الحق، فيورثه الله شفافية وإشراقاً بحيث يهتدي إلى الحق ويُميّزه عن الباطل من أول نظرة في الأمر ودون بحث وتدقيق في المسألة؛ لأن الله تعالى يهبُكَ النور الذي يُبدّد عندك غيامات الشك، ويهبك الميزان الدقيق الذي تزنُ به الأشياء، كما قال سبحانه: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}تفسير : [الأنفال: 29]. ومن هنا سُمِّي أبو بكر رضي الله عنه صِدِّيقاً، ليس لأنه صادق في ذاته، بل لأنه يُصدِّق كل ما جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك لما أخبروه خبر الإسراء والمعراج الذي كذَّب به كثيرون، ماذا قال؟ قال: "إنْ كان قال فقد صدق". فالأمر عنده متوقف على مجرد قول رسول الله، فهذا هو الميزان عنده، وطالما أن رسول الله قد قال فهو صادق، هكذا دون جدال، ودون مناقشة، ودون بَحْث في ملابسات هذه المسألة؛ لذلك من يومها وهو صِدِّيق عن جدارة. والسيدة مريم قال عنها الحق تبارك وتعالى: {أية : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ..}تفسير : [المائدة: 75] فسماها صديقة؛ لأنها صدَّقتْ ساعة أنْ قال لها الملَك: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً}تفسير : [مريم: 19]. فوثقتْ بهذه البشارة، وأخذتْها على أنها حقيقة واقعة، فلما جاء الوليد أشارت إليه وهي على ثقة كاملة ويقين تام أنه سينطق ويتكلم. إذن: فالصِّديق ليس هو الذي يَصدُق، بل الذي يُصدِّق. وهكذا كان خليل الله إبراهيم (صديقاً) وكان أيضاً (نبياً) لأن الإنسان قد يكون صديقاً يعطيه الله شفافية خاصة، وليس من الضروري أن يكون نبياً، كما كانت مريم صِدِّيقة وأبو بكر صِدِّيقاً، فهذه إذن صفة ذاتية إشراقية من الله، أما النبوة فهي عطاء وتشريع يأتي من أعلى، وهُدى يأتي من السماء يحمل النبي مسئوليته؟. ثم يقول الحق سبحانه: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لم ذكر تعالى "قصة مريم" واختلاف النصارى في شأن عيسى حتى عبدوه من دون الله، أعقبها بذكر "قصة إبراهيم" وتحطيمه الأصنام لتذكير الناس بما كان عليه خليل الرحمن من توحيد الربّ الديّان، وسواء في الضلال من عبد بشراً أو عبد حجراً، فالنصارى عبدوا المسيح، ومشركو العرب عبدوا الأوثان. اللغَة: {صِدِّيقاً} من أبنية المبالغة ومعناه كثير الصدق {مَلِيّاً} دهراً طويلاً من قولهم أمليتُ لفلان في الأمر إِذا أطلت له قال الشاعر: شعر : فتصدَّعت شُمُّ الجبال لموته وَبكتْ عليه المُرْملاتُ مليّاً تفسير : {حَفِيّاً} الحفيُّ: المبالغ في البر واللطف به {خَلْفٌ} الخلف: بسكون اللام الذي يخلف سلفه بالشر وبفتحها الذي يخلفه بالخير يقال جعلك الله خير خلفٍ لخير سلف وقال الشاعر: شعر : ذهب الذين يُعاش في أكنافهم وبقيتُ في خَلْف كجلد الأجرب تفسير : {غَيّاً}: شراً وضلالاً قال أهل اللغة: كل شر عند العرب فهو غي، وكل خير فهو رشاد. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا؟ فنزلت الآية {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ..} الآية . تفسير : التفسِير: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} أي اذكر يا محمد في الكتاب العزيز خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} أي ملازماً للصدق مبالغاً فيه، جامعاً بين الصّديقية والنبوة والغرضُ تنبيه العرب إلى فضل إبراهيم الذي يزعمون الانتساب إليه ثم يعبدون الأوثان مع أنه إمام الحنفاء وقد جاء بالتوحيد الصافي الذي دعاهم إليه خاتم المرسلين {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} أي ناداه متلطفاً بخطابه، مستميلاً له نحو الهداية والإِيمان، يا أبتِ لم تعبد حجراً لا يسمع ولا يبصر، ولا يجلب لك نفعاً أو يدفع عنك ضراً؟ {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} كرَّر النصح باللطف ولم يصف أباه بالجهل الشنيع في عبادته للأصنام وإِنما ترفق وتلطف في كلامه أي جاءني من العلم بالله ومعرفة صفاته القدسية ما لا تعلمه أنت {فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} أي اقبل نصيحتي وأطعني أرشدك إلى طريق مستقيم فيه النجاة من المهالك وهو دين الله الذي لا عوج فيه {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} أي لا تطع أمر الشيطان في الكفر وعبادة الأوثان {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} أي إن الشيطان عاصٍ للرحمن، مستكبر على عبادة ربه، فمن أطاعه أغواه، قال القرطبي: وإِنما عبّر بالعبادة عن الطاعة لأن من أطاع شيئاً في معصية الله فقد عبده {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} تحذيرٌ من سوء العاقبة والمعنى أخاف أن تموت على كفرك فيحل بك عذاب الله الأليم وتكون قريناً للشيطان بالخلود في النيران قال الإِمام الفخر: وإِيراد الكلام بلفظ {يٰأَبَتِ} في كل خطاب دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب، وإِرشاده إلى الصواب، وقد رتَّب إبراهيم الكلام في غاية الحسن، لأنه نبَّهه أولاً إلى بطلان عبادة الأوثان، ثم أمره باتباعه في الاستدلال وترك التقليد الأعمى، ثم ذكَّره بأن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإِقدام مع رعاية الأدب والرفق، وقوله {إِنِّيۤ أَخَافُ} دليلٌ على شدة تعلق قلبه بمصالحه قضاءً لحق الأبوَّة {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ} أي قال له أبوه آزر: أتارك يا إبراهيم عبادة آلهتي ومنصرفٌ عنها؟ استفهامٌ فيه معنى التعجب والإِنكار لإِعراضه عن عبادة الأوثان كأن ترك عبادتها لا يصدر عن عاقل قال البيضاوي: قابل أبوه استعطافه ولطفه في الإِرشاد بالفظاظه وغلظة العناد، فناداه باسمه ولم يقابل قوله {يٰأَبَتِ} بـ "يا ابني" وقدَّم الخبر وصدَّره بالهمزة لإِنكار نفس الرغبة كأنها مما لا يرغب عنها عاقل، ثم هدَّده بقوله {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} أي لئن لم تترك شتم وعيب آلهتي لأرجمنك بالحجارة {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} أي اهجرني دهراً طويلاً قال السديُّ: أبداً.. بهذه الجهالة تلقى "آزر" الدعوة إلى الهدى، وبهذه القسوة قابل القول المؤدَّب المهذَّب، وكذلك شأن الكفر مع الإِيمان، وشأن القلب الذي هذَّبه الإِيمان، والقلب الذي أفسده الطغيان {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} أي قال إبراهيم في جوابه: أمَّا أنا فلا ينالك مني أذى ولا مكروه، ولا أقول لك بعدُ ما يؤذيك لحرمة الأبوَّة، وسأسأل الله أن يهديك ويغفر لك ذنبك {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي مبالغاً في اللطف بي والاعتناء بشأني {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي أترككم وما تعبدون من الأوثان وأرتحل عن دياركم {وَأَدْعُو رَبِّي} أي وأعبد ربي وحده مخلصاً له العبادة {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} أي راجياً بسبب إخلاصي العبادة له ألاَّ يجعلني شقياً، وفيه تعريضٌ بشقاوتهم بدعاء آلهتم.. وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم للأوثان، وهجر الأهل والأوطان، فلم يتركه الله وحيداً بل وهب له ذريةً وعوَّضه خيراً {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} قال المفسرون: لما هاجر إبراهيم إلى أرض الشام، واعتزل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خيرٌ منهم، فوهب له إسحاق ويعقوب أولاداً أنبياء، فآنس الله بهما وحشته عن فراق قومه بأولئك الأولاد الأطهار، ويعقوبُ ابن اسحاق، وهما شجرتا الأنبياء فقد جاء من نسلهما أنبياء بني إِسرائيل قال ابن كثير: المعنى جعلنا له نسلاً وعقباً أنبياء، أقرَّ الله بهم عينه في حياته بالنبوة ولهذا قال {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} أي كل واحدٍ منهما جعلناه نبياً {وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا} أي أعطينا الجميعَ - إبراهيم وإِسحاق ويعقوب - كل الخير الديني والدنيوي، من المال والولد والعلم والعمل {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} أي جعلنا لهم ذكراً حسناً في الناس، لأن جميع أهل الملل والأديان يثنون عليهم لما لهم من الخصال المرضية، ويُصلون على إِبراهيم وعلى آله إلى قيام الساعة، قال الطبري: أي رزقناهم الثناء الحسن، والذكر الجميل في الناس {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ} أي اذكر يا محمد لقومك في القرآن العظيم خبر موسى الكليم {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} أي استخلصه الله لنفسه، واصطفاه من بين الخلق لكلامه {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} أي من الرسل الكبار، والأنبياء الأطهار، جمع الله له بين الوصفين الجليلين، وإِنما أعاد لفظ "كان" لتفخيم شأن النبي المذكور {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} أي نادينا موسى من جهة جبل الطور من ناحية اليمين حين كلمناه بلا واسطة {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} أي أدنْيناه للمناجاة حين كلمناه قال ابن عباس: أُدني موسى من الملكوت ورُفعت له الحُجُب حتى سمع صريف الأقلام قال الزمخشري: شبّهه بمن قرَّبه بعض العظماء للمناجاة حيث كلَّمه بغير واسطة ملك {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} أي وهبنا له من نعمتنا عليه أخاه هارون فجعلناه نبياً إجابة لدعائه حين قال {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} تفسير : [طه: 29-30] جعلناه له عضُداً وناصراً ومعيناً {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} أي اذكر يا محمد في القرآن العظيم خبر جدّك "إسماعيل" الذبيح ابن إبراهيم، وهو أبو العرب جميعاً {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} أي كان صادقاً في وعده، لا يعد بوعدٍ إلا وفى به قال المفسرون: وذُكر بصدق الوعد وإِن كان موجوداً في غيره من الأنبياء تشريفاً وإِكراماً، ولأنه عانى في الوفاء بالوعد ما لم يعانه غيره من الأنبياء، فمن مواعيده الصبر وتسليم نفسه للذبح فلذلك أثنى الله عليه {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} أي جمع الله له بين الرسالة والنبوة قال ابن كثير: وفي الآية دليل على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق لأنه إِنما وُصف بالنبوة فقط، وإِسماعيل وصف بالنبوة والرسالة، ومن إسماعيل جاء خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ} أي كان يحث أهله على طاعة الله، وبخاصة الصلاة التي هي عماد الدين، والزكاة التي بها تتحقق سعادة المجتمع {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} أي نال رضى الله قال الرازي: وهذا نهاية المدح لأن المرضيَّ عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً} أي اذكر يا محمد في الكتاب الجليل خبر إدريس إنه كان ملازماً للصدق في جميع أحواله، موحىً إليه من الله قال المفسرون: إدريس هو جدُّ نوح، وأول مرسل بعد بعد آدم، وأول من خطَّ بالقلم ولبس المخيط، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} أي رفعنا ذكره وأعلينا قدره، بشرف النبوة والزلفى عند الله {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} أي أولئك المذكورون هم أنبياء الله ورسله الكرام، الذين قصصنا عليك خبرهم في هذه السورة - وهم عشرة أولهم زكريا وآخرهم إدريس - وهم الذين أنعم الله عليهم بشرف النبوة {مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ} أي من نسل آدم كإِدريس {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} كإِبراهيم فإِنه من ذرية سام بن نوح {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ} كإِسماعيل وإِسحاق ويعقوب {وَإِسْرَائِيلَ} أي ومن ذرية إسرائيل وهو "يعقوب" كموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ} أي وممن هديناهم للإيمان واصطفيناهم لرسالتنا ووحينا {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} أي إذا سمعوا كلام الله سجدوا وبكوا من خشية الله مع ما لهم من علو الرتبة، وسموِّ النفس، والزلفى من الله تعالى، قال القرطبي: وفي الآية دلالة على أن لآياتِ الرحمن تأثيراً في القلوب {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} أي جاء من بعد هؤلاء الأتقياء قومٌ أشقياء، تركوا الصلوات وسلكوا طريق الشهوات {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} أي سوف يلقون كل شرٍّ وخسارٍ ودمار، قال ابن عباس: غيٌّ وادٍ في جهنم، وإِن أودية جهنم لتستعيذ بالله من حره {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} أي إلا من تاب وأناب وأصلح عمله {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي فأولئك يُسعدون في الجنة ولا يُنقصون من جزاء أعمالهم شيئاً {جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ} أي هي جنات إقامة التي وعدهم بها ربهم فآمنوا بها بالغيب قبل أن يروها تصديقاً بوعده تعالى {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} أي إن وعده تعالى بالجنة آتٍ وحاصلٌ لا يُخلف {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً} أي لا يسمعون في الجنة شيئاً من فضول الكلام، لكنْ يسمعون تسليم الملائكة عليهم على وجه التحية والإِكرام، والاستثناء منقطع {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي ولهم ما يشتهون في الجنة من أنواع المطاعم والمشارب بدون كدٍّ ولا تعب، ولا تنغصٍ ولا انقطاع {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} أي هذه الجنة التي وصفنا أحوال أهلها هي التي نورثها لعبادنا المتقين {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} هذا من كلام جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين احتبس عنه فترةً من الزمن والمعنى: ما نتنزَّل إلى الدنيا إلا بأمر الله وإِذنه {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} أي لله جل وعلا جميع الأمر، أمر الدنيا والآخرة، وهو المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل شيء إلا بأمره وإِذنه؟ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أي لا ينسى شيئاً من أعمال العباد {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ} أي هو ربُّ العوالم علويها وسفليها فاعبده وحده {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي اصبر على تكاليف العبادة {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} أي هل تعلم له شبيهاً ونظيراً؟ البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الكناية اللطيفة {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} كنَّى عن الذكر الحسن والثناء الجميل باللسان لأن الثناء يكون باللسان فلذلك قال {لِسَانَ صِدْقٍ} كما يكنى عن العطاء باليد. 2- الاستعارة {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} شبَّه المكانة العظيمة والمنزلة السامية بالمكان العالي بطريق الاستعارة. 3- المبالغة {صِدِّيقاً نَّبِيَّاً} أي مبالغاً في الصدق. 4- الإِشارة بالبعيد لعلو الرتبة {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ} فما فيه من معنى البعد للإِشادة بعلو رتبهم وبُعد منزلتهم في الفضل. 5- الجناس الناقص {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} لتغير الحركات والشكل. 6- الطباق {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} وبين {بُكْرَةً.. وَعَشِيّاً}. 7- السجع الحسن الرصين {عَلِيّاً، حَفِيّاً، نَّبِيَّاً}. فائِدَة: في قول إبراهيم عليه السلام "يا أبتِ" تلطفٌ واستدعاء، والتاء عوضٌ عن ياء الإِضافة لأن أصله "يا أبي" ولهذا لا يُجمع بينهما. تنبيه: ذكر السيوطي في التحبير أن إبراهيم عليه السلام عاش من العمر مائة وخمساً وسبعين سنة، وبينه وبين آدم ألفا سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة، ومنه تفرعت شجرة الأنبياء.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} معناه اقصُصْ قُصَّتَهُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن مقامات الأولياء وكراماتهم بقوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} [مريم: 41] يشير إلى أن إبراهيم كان في كتاب الحق تعالى الذي كتبه قبل خلق المكونات مكتوباً بالصديقية والنبوة، وإن الصديقية تلو النبوة، ومن منها باقٍ لا يكون نبياً إلا وهو صديق، وليس من شرط الصديق أن يكون نبياً، ولأرباب الصدق مراتب: صادق وصديق؛ فالصادق: من صدق في أقواله وأفعاله، والصدوق: صدق في أخلاقه وأحواله، والصديق: من صدق في قيامه مع الله بالله وفي الله، وفي الفاني عن نفسه والباقي بربه. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} [مريم: 42] يشير إلى: أب الروح وعبادته صنم الدنيا بتبعية النفس {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ} [مريم: 43] أي: العلم اللدني {مَا لَمْ يَأْتِكَ} [مريم: 43] وذلك؛ لأن الفيض الإلهي إذا أفيض يقبله الروح لصفائه، ولكن لا يمسكه للطافته ويقبله القلب الصافي ويمسكه لكثافته، كما أن نور النفس الشمس إذا أفاض يقبله الهواء لصفائها ولكن هل يمسكه للطافتها، وتقبله المرآة الصافية لصفائها وتمسكه لكثافتها، فقد أوتي المرآة الصافية والأرض من نور الشمس ما لم يؤت الهواء، فافهم جيداً. {فَٱتَّبِعْنِيۤ} [مريم: 43] يا أبا الروح بالتوجه إلى الله {أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} [مريم: 43] مستقيماً إلى الله {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} [مريم: 44] أي: شيطان النفس {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} [مريم: 45] يعني: تكون يا أبا الروح قرين النفس ووليها بعد أن كنت في جوار الحق ووليه، فأجاب آزر الروح: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي} [مريم: 46] من الدنيا وشهواتها وزخارفها {يٰإِبْرَاهِيمُ} [مريم: 46] القلب {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} [مريم: 46] عن وعظك ونصيحتك ومخالفتي فيما آمرك {لأَرْجُمَنَّكَ } [مريم: 46] لأطردنك {وَٱهْجُرْنِي} [مريم: 46] فارقني {مَلِيّاً} [مريم: 46] حيناً من الدهر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أجل الكتب وأفضلها وأعلاها، هذا الكتاب المبين، والذكر الحكيم، فإن ذكر فيه الأخبار، كانت أصدق الأخبار وأحقها، وإن ذكر فيه الأمر والنهي، كانت أجل الأوامر والنواهي، وأعدلها وأقسطها، وإن ذكر فيه الجزاء والوعد والوعيد، كان أصدق الأنباء وأحقها وأدلها على الحكمة والعدل والفضل،. وإن ذكر فيه الأنبياء والمرسلون، كان المذكور فيه، أكمل من غيره وأفضل، ولهذا كثيرا ما يبدئ ويعيد في قصص الأنبياء، الذين فضلهم على غيرهم، ورفع قدرهم، وأعلى أمرهم، بسبب ما قاموا به، من عبادة الله ومحبته، والإنابة إليه، والقيام بحقوقه، وحقوق العباد، ودعوة الخلق إلى الله، والصبر على ذلك، والمقامات الفاخرة، والمنازل العالية،. فذكر الله في هذه السورة جملة من الأنبياء، يأمر الله رسوله أن يذكرهم، لأن في ذكرهم إظهار الثناء على الله وعليهم، وبيان فضله وإحسانه إليهم،. وفيه الحث على الإيمان بهم ومحبتهم، والاقتداء بهم، فقال: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } جمع الله له بين الصديقية والنبوة. فالصديق: كثير الصدق، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله، المصدق بكل ما أمر بالتصديق به،.وذلك يستلزم العلم العظيم الواصل إلى القلب، المؤثر فيه، الموجب لليقين، والعمل الصالح الكامل،. وإبراهيم عليه السلام، هو أفضل الأنبياء كلهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الأب الثالث للطوائف الفاضلة، وهو الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، وهو الذي دعا الخلق إلى الله، وصبر على ما ناله من العذاب العظيم، فدعا القريب والبعيد، واجتهد في دعوة أبيه، مهما أمكنه، وذكر الله مراجعته إياه، فقال: { إِذْ قَالَ لأبِيهِ } مهجنا له عبادة الأوثان: { يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا } أي: لم تعبد أصناما، ناقصة في ذاتها، وفي أفعالها، فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا، بل لا تملك لأنفسها شيئا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلا وشرعا. ودل بتنبيهه وإشارته، أن الذي يجب ويحسن عبادة من له الكمال، الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو، وهو الله تعالى. { يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ } أي: يا أبت لا تحقرني وتقول: إني ابنك، وإن عندك ما ليس عندي، بل قد أعطاني الله من العلم ما لم يعطك، والمقصود من هذا قوله: { فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } أي: مستقيما معتدلا وهو: عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته في جميع الأحوال،.وفي هذا من لطف الخطاب ولينه، ما لا يخفى، فإنه لم يقل: " يا أبت أنا عالم، وأنت جاهل " أو " ليس عندك من العلم شيء " وإنما أتى بصيغة تقتضي أن عندي وعندك علما، وأن الذي وصل إلي لم يصل إليك ولم يأتك، فينبغي لك أن تتبع الحجة وتنقاد لها. { يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ } لأن من عبد غير الله، فقد عبد الشيطان، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }. تفسير : { إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا } فمن اتبع خطواته، فقد اتخذه وليا وكان عاصيا لله بمنزلة الشيطان. وفي ذكر إضافة العصيان إلى اسم الرحمن، إشارة إلى أن المعاصي تمنع العبد من رحمة الله، وتغلق عليه أبوابها،.كما أن الطاعة أكبر الأسباب لنيل رحمته، ولهذا قال: { يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ } أي: بسبب إصرارك على الكفر، وتماديك في الطغيان { فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } أي: في الدنيا والآخرة، فتنزل بمنازله الذميمة، وترتع في مراتعه الوخيمة، فتدرج الخليل عليه السلام بدعوة أبيه، بالأسهل فالأسهل، فأخبره بعلمه، وأن ذلك موجب لاتباعك إياي، وأنك إن أطعتني، اهتديت إلى صراط مستقيم، ثم نهاه عن عبادة الشيطان، وأخبره بما فيها من المضار، ثم حذره عقاب الله ونقمته إن أقام على حاله، وأنه يكون وليا للشيطان، فلم ينجع هذا الدعاء بذلك الشقي، وأجاب بجواب جاهل وقال: { أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ } فتبجح بآلهته [التي هي] من الحجر والأصنام، ولام إبراهيم عن رغبته عنها، وهذا من الجهل المفرط، والكفر الوخيم، يتمدح بعبادة الأوثان، ويدعو إليها. { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ } أي: عن شتم آلهتي، ودعوتي إلى عبادة الله { لأرْجُمَنَّكَ } أي: قتلا بالحجارة { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } أي: لا تكلمني زمانا طويلا فأجابه الخليل جواب عباد الرحمن عند خطاب الجاهلين، ولم يشتمه، بل صبر، ولم يقابل أباه بما يكره، وقال: { سَلامٌ عَلَيْكَ } أي: ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسب وبما تكره، { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } أي: لا أزال أدعو الله لك بالهداية والمغفرة، بأن يهديك للإسلام، الذي تحصل به المغفرة، فـ { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } أي: رحيما رءوفا بحالي، معتنيا بي، فلم يزل يستغفر الله له رجاء أن يهديه الله، فلما تبين له أنه عدو لله، وأنه لا يفيد فيه شيئا، ترك الاستغفار له، وتبرأ منه. وقد أمرنا الله باتباع ملة إبراهيم، فمن اتباع ملته، سلوك طريقه في الدعوة إلى الله، بطريق العلم والحكمة واللين والسهولة، والانتقال من مرتبة إلى مرتبة والصبر على ذلك، وعدم السآمة منه، والصبر على ما ينال الداعي من أذى الخلق بالقول والفعل، ومقابلة ذلك بالصفح والعفو، بل بالإحسان القولي والفعلي. فلما أيس من قومه وأبيه قال: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: أنتم وأصنامكم { وَأَدْعُو رَبِّي } وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة { عَسَى أن لا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا } أي: عسى الله أن يسعدني بإجابة دعائي، وقبول أعمالي، .وهذه وظيفة من أيس ممن دعاهم، فاتبعوا أهواءهم، فلم تنجع فيهم المواعظ، فأصروا في طغيانهم يعمهون، أن يشتغل بإصلاح نفسه، ويرجو القبول من ربه، ويعتزل الشر وأهله. ولما كان مفارقة الإنسان لوطنه ومألفه وأهله وقومه، من أشق شيء على النفس، لأمور كثيرة معروفة، ومنها انفراده عمن يتعزز بهم ويتكثر، وكان من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، واعتزل إبراهيم قومه، قال الله في حقه: { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا } من إسحاق ويعقوب { جَعَلْنَا نَبِيًّا } فحصل له هبة هؤلاء الصالحين المرسلين إلى الناس، الذين خصهم الله بوحيه، واختارهم لرسالته، واصطفاهم من العالمين. { وَوَهَبْنَا لَهُمْ } أي: لإبراهيم وابنيه { مِنْ رَحْمَتِنَا } وهذا يشمل جميع ما وهب الله لهم من الرحمة، من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والذرية الكثيرة المنتشرة، الذين قد كثر فيهم الأنبياء والصالحون. { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } وهذا أيضا من الرحمة التي وهبها لهم، لأن الله وعد كل محسن، أن ينشر له ثناء صادقا بحسب إحسانه، وهؤلاء من أئمة المحسنين، فنشر الله الثناء الحسن الصادق غير الكاذب، العالي غير الخفي، فذكرهم ملأ الخافقين، والثناء عليهم ومحبتهم، امتلأت بها القلوب، وفاضت بها الألسنة، فصاروا قدوة للمقتدين، وأئمة للمهتدين،.ولا تزال أذكارهم في سائر العصور، متجددة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):