Verse. 2292 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

اِذْ قَالَ لِاَبِيْہِ يٰۗاَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِيْ عَنْكَ شَـيْــــــًٔــا۝۴۲
Ith qala liabeehi ya abati lima taAAbudu ma la yasmaAAu wala yubsiru wala yughnee AAanka shayan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذ قال لأبيه» آزر «يا أبت» التاء عوض عن ياء الإضافة ولا يجمع بينهما وكان يعبد الأصنام «لمَ تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك» لا يكفيك «شيئا» من نفع أو ضر.

42

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {إِذْ قَالَ } بدل من {إِبْرَاهِيمَ } وما بينهما اعتراض، أو متعلق بـ {كَانَ } أو بـ {صِدّيقاً نَّبِيّاً }. {لأَبِيهِ يٰأَبتِ } التاء معوضة من ياء الإِضافة ولذلك لا يقال يا أبتي ويقال يا أبتا، وإنما تذكر للاستعطاف ولذلك كررها. {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ} فيعرف حالك ويسمع ذكرك ويرى خضوعك. {وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } في جلب نفع أو دفع ضر، دعاه إلى الهدى وبين ضلاله واحتج عليه أبلغ احتجاج وأرشقه برفق وحسن أدب، حيث لم يصرح بضلاله بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصريح ويأبى الركون إليه، فضلاً عن عبادته التي هي غاية التعظيم، ولا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإِنعام العام وهو الخالق الرازق المحيـي المميت المعاقب المثيب، ونبه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح، والشيء لو كان حياً مميزاً سميعاً بصيراً مقتدراً على النفع والضر ولكن كان ممكناً، لاستنكف العقل القويم من عبادته وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيين لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة، فكيف إذا كان جماداً لا يسمع ولا يبصر، ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق القويم والصراط المستقيم لما لم يكن محظوظاً من العلم الإِلهي مستقلاً بالنظر السوي فقال:

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ } آزر {يَٰأَبَتِ} التاء عوضاً عن ياء الإِضافة ولا يجمع بينهما، وكان يعبد الأصنام { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ } لا يكفيك {شَيْئاً } من نفع أو ضرّ.

النسفي

تفسير : {إِذْ قَالَ} وجاز أن يتعلق {إذا} بـ {كان} أو بـ {صديقاً نبياً} أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات والمراد بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلغه إياهم كقوله {أية : واتل عليهم نبأ إبراهيم}تفسير : [الشعراء: 69] وإلا فالله عز وعلا هو ذاكره ومورده في تنزيله {لأَِبِيهِ يٰأَبتِ } بكسر التاء وفتحها. ابن عامر والتاء عوض من ياء الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } المفعول فيهما منسي غير منوي ويجوز أن يقدر أي لا يسمع شيئاً ولا يبصر شيئاً {وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } يحتمل أن يكون شيئاً في موضع المصدر أي شيئاً من الإغناء وأن يكون مفعولاً به من قولك أغن عني وجهك أي بعد { يٰأَبَتِ إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ } الوحي أو معرفة الرب {مَا لَمْ يَأْتِكَ } «ما» في {ما لا يسمع} و{ما لم يأتك} يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة {فَٱتَّبِعْنِى أَهْدِكَ } أرشدك {صِرَاطاً سَوِيّاً } مستقيماً {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ } لا تطعه فيما سوَّل من عبادة الصنم {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً } عاصياً. {يٰأَبَتِ إِنّى أَخَافُ } قيل أَعلم {أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً } قرينا في النار تليه ويليك فانظر في نصيحته كيف راعى المجاملة والرفق والخلق الحسن كما أمر ففي الحديثحديث : «أوحي إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار»تفسير : فطلب منه أولاً العلة في خطئه طلب منه على تماديه موقظ لإفراطه وتناهيه، لأن من يعبد أشرف الخلق منزلة وهم الأنبياء كان محكوماً عليه بالغي المبين فكيف بمن يعبد حجراً أو شجراً لا يسمع ذكر عابده ولا يرى هيئات عبادته ولا يدفع عنه بلاء ولا يقضي له حاجة؟ ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً، فلم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي شيئاً من العلم ليس معك وذلك علم الدلالة على الطريق السوي، فهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه، ثم ثلث بنهيه عما كان عليه بأن الشيطان الذي عصى الرحمن الذي جميع النعم منه أوقعك في عبادة الصنم وزينها لك فأنت عابده في الحقيقة، ثم ربَّع بتخويفه سوء العاقبة وما يجره ما هو فيه من التبعة والوبال مع مراعاة الأدب حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق به وأن العذاب لاصق به بل قال: أخاف أن يمسك عذاب بالتنكير المشعر بالتقليل كأنه قال: إني أخاف أن يصيبك نَفَيان من عذاب الرحمن وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب في نفسه وصدر كل نصيحة بقوله {يا أبت} توسلاً إليه واستعطافاً وإشعاراً بوجوب احترام الأب وإن كان كافراً فثم.

البقاعي

تفسير : ولما تكفل ما تقدم من هذه السورة بنفي الشريك بقيد كونه ولداً، أتبع ذلك من قصته ما ينفي الشريك ليقتدي به أولاده في ذلك إذ كانوا يقلدون الآباء وليس في آبائهم مثله، فقال مبدلاً من { إبراهيم} { إذ قال} أي اذكر وقت قوله { لأبيه} هادياً له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفاً له في كل جملة بقوله: { يا أبت}. ولما كان العاقل لا يفعل فعلاً إلا لثمره، نبهه على عقم فعله بقوله: { لم تعبد} مريداً بالاستفهام المجاملة، واللطف والرفق واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفاً الأمر غاية الكشف بقوله: { ما لا يسمع ولا يبصر} أي ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو يجيبك إذا ناديته حالاً أو مآلاً. ولما كان الأعمى الأصم قد ينفع بكلام أو غيره، قال: { ولا يغني عنك شيئاً *} من الإغناء. ولما نبهه على أن ما يعبده لا يستحق العبادة، بل لا تجوز عبادته، لنقصه مطلقاً ثم نقصه عن عابده، ولن يكون المعبود دون العابد أصلاً، وكان أقل ما يصل إليه بذلك مقام الحيرة، نبهه على أنه أهل للهداية، فقال مكرراً لوصفه المذكور بالعطف والود: {ياأبت} وأكد علماً منه أنه ينكر أن يكون ابنه أعرف منه بشيء فقال: {إني قد جاءني } من المعبود الحق {من العلم ما لم يأتك} منه {فاتبعني} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لك وجوباً على النهي عن المنكر ونصيحة لما لك علي من الحق: اجتهد في تبعي {أهدك صراطاً سوياً *} لا عوج فيه، كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أن أمامنا مهالك لا ينجو منها أحد، وأمرتك أن تسلك مكاناً غير ذلك، لأطعتني، لو عصيتني فيه عدك كل أحد غاوياً. ولما بين أنه لا نفع فيما يعبده، ونبهه على الوصف المقتضي لوجوب الاقتداء به، بين له ما في عبادة معبوده من الضر فقال: {يا أبت لا تعبد الشيطان} فإن الأصنام ليس لها دعوة أصلاً، والله تعالى قد حرم عبادة غيره مطلقاً على لسان كل ولي له، فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان، فكان هو المعبود بعبادتها في الحقيقة؛ ثم علل هذا النهي فقال: {إن الشيطان} البعيد من كل خير المحترق باللعنة، وذكر الوصف الموجب للإملاء للعاصي فقال: {كان للرحمن} المنعم بجميع النعم القادر على سلبها، ولم يقل: للجبار - لئلا يتوهم أنه ما أملى لعاصيه مع جبروته إلا للعجز عنه {عصياً *} بالقوة من حين خلق، وبالفعل من حين أمره بالسجود لأبيك آدم فأبى فهو عدو لله وله، والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء، لأن صديق العدو عدو. فلما بين له أنه بذلك عاص للمنعم، خوفه من إزالته لنعمته فقال: {يا أبت إني أخاف} لمحبتي لك وغيرتي عليك {أن يمسك عذاب} أي عذاب كائن {من الرحمن} أي الذي هو ولي كل من يتولاه لعصيانك إياه {فتكون} أي فتسبب عن ذلك أن تكون {للشيطان} وحده وهو عدوك المعروف العداوة {ولياً *} فلا يكون لك نصرة أصلاً، مع ما يوصف به من السخافة باتباع العدو الدني، واجتناب الولي العلي. فلما وصل إلى هذا الحد من البيان، كان كأنه قيل: ماذا كان جوابه؟ فقيل: {قال} مقابلاً لذلك الأدب العظيم والحكمة البالغة الناشئة عن لطافة العلم بغاية الفظاظة الباعث كثافة الجهل، منكراً عليه في جميع ما قال بإنكار ما بعثه عليه من تحقير آلهته: {أراغب} قدم الخبر لشدة عنايته والتعجيب من تلك الرغبة والإنكار لها، إشارة إلى أنه لا يفعلها أحد؛ ثم صرح له بالمواجهة بالغلظة فقال: {أنت} وقال: {عن ءالهتي} بإضافتها إلى نفسه فقط، إشارة إلى مبالغته في تعظيمها؛ والرغبة عن الشيء: تركه عمداً. ثم ناداه باسمه لا بلفظ النبوة المذكر بالشفقة والعطف زيادة في الإشارة إلى المقاطعة وتوابعها فقال: {يا إبراهيم} ثم استأنف قوله مقسماً: {لئن لم تنته} عما أنت عليه {لأرجمنك} أي لأقتلنك، فإن ذلك جزاء المخالفة في الدين، فاحذرني ولا تتعرض لذلك مني وانته {واهجرني} أي ابعد عني {ملياً} أي زماناً طويلاً لأجل ما صدر منك هذا الكلام، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى، ويقاسي من قومه من العناء، ومن عمه أبي لهب من الشدائد والبلايا - بأعظم آبائه وأقربهم به شبهاً {قال} أي إبراهيم عليه السلام مقابلاً لما كان من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العلم: {سلام عليك} أي أنت سالم مني ما لم أومر فيك بشيء؛ ثم استأنف قوله: {سأستغفر} بوعد لا خلف فيه {لك ربي} أي المحسن إليّ بأن أطلب لك منه غفران ذنوبك بأن يوفقك للاسلام الجابّ لما قبله، لأن هذا كان قبل أن يعلم أنه عدو لله محتوم بشقاوته بدليل عدم جزمه بعذابه في قوله: {إني أخاف أن يمسك}. ثم علل إقدامه على ذلك إشارة إلى أنه مقام خطر بما له من الإذلال لما له من مزيد القرب فقال: {إنه كان بي} أي في جميع أحوالي {حفيّاً *} أي مبالغاً في إكرامي مرة بعد مرة وكرة إثر كرة، ثم عطف على عدوه بالإحسان وعده بما سأل فيه الهجرة فقال: {وأعتزلكم} أي جميعاً بترك بلادكم؛ وأشار إلى أن من شرط المعبود أن يكون أهلاً للمناداة في الشدائد بقوله: {وما تدعون} أي تعبدون {من دون الله} الذي له الكمال كله، فمن أقبل عليه وحده أصاب، ومن أقبل على غيره فقد خاب ولم يقيد الاعتزال بزمن، بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم {وأدعوا} أي أعبد {ربي} وحده لاستحقاقه ذلك مني بتفرده بالإحسان إليّ، ثم دعا لنفسه بما نبههم به على خيبة مسعاهم فقال غير جازم بإجابة دعوته وقبول عبادته إجلالاً لربه وهضماً لنفسه: {عسى ألاّ أكون} أي كوناً ثابتاً كأنه احترز بذلك عما لا بد للأولياء منه في الدنيا من البلاء {بدعاء ربي} المتفرد بالإحسان إلي {شقياً *} كما كنتم أنتم أشقياء بعبادة ما عبدتموه، لأنه لا يجيب دعاءكم ولا ينفعكم ولا يضركم. ولما رأى من أبيه ومعاشريه ما رأى، عزم على نشر شقة النوى مختاراً للغربة في البلاد على غربة الأضداد، فكان كما قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمة الله: شعر : وما غربة الإنسان في شقة النوى ولكنها والله في عدم الشكل وإني غريب بين بست وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي تفسير : وحقق ما عزم عليه؛ ثم بين سبحانه وتعالى تحقيق رجائه وإجابة دعائه فقال: {فلما اعتزلهم} أي بالهجرة إلى الأرض المقدسة {وما يعبدون} أي على الاستمرار {من دون الله} الجامع لجميع معاني العظمة التي لا ينبغي العبادة لغيره {وهبنا} أي على ما لنا من العظمة {له} كما هو الشأن في كل كن ترك شيئاً لله {إسحاق} ولداً له لصلبه من زوجته العاقر العقيم بعد تجاوزها سن اليأس وأخذه هو في السن إلى حد لا يولد لمثله {ويعقوب} ولداً لإسحاق وخصهما بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته بخلافته فيه وأما إسماعيل عليه السلام فكان الله سبحانه هو المتولي لتربيته بعد نقله رضيعاً إلى المسجد الحرام وإيحائه به تلك المشاعر العظام فأخروه بالذكر جاعلاً له أصلاً برأسه؛ ثم صرح بما وهب لأولاده جزاء على هجرته فقال: {وكلاًّ} أي منهما {جعلنا نبياً *} عالي المقدار، ويخبر بالأخبار كما جعلنا إبراهيم عليه السلام نبياً {ووهبنا لهم} كلهم {من رحمتنا} أي شيئاً عظيماً جداً، بالبركة في الأموال والأولاد وإجابة الدعاء، واللطف في القضاء وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة {وجعلنا لهم} بما لنا من العظمة {لسان صدق عليّاً} أي ذكراً صادقاً رفيع القدر جداً يحمدون به ويثنى عليهم من جميع أهل الملل على كر الأعصار، ومر الليل والنهار، وعبر باللسان عما يوجد به، وفي ذلك ترغيب في الهجرة ثانياً بعد ما رغب فيها بقصة أهل الكهف أولاً، وأشار إليها بقوله في {سبحان} {أية : وقل رب أدخلني مدخل صدق} تفسير : [الإسراء: 80] الآية.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} [الآية: 42]. قال بعضهم: لم تعتمد من لا يسمع دعائك، ولا يبصر حالك، ولا يكفيك شيئًا من مماتك.

القشيري

تفسير : دلَّت الآيةُ على استحقاقِ المعبودِ الوصفَ بالسمع والبصرِ على الكمال دون نُقْصانٍ فيه، وكذلك القول في القدرة على الضَّرِّ والنفع. وإذا رجع العبدُ إلى التحقيق عَلِمَ أن كلَّ الخَلْق لا تَصْلُحُ قدرةُ واحدٍ منهم للإبداع والإحداث، فمن عَلََّق قلبه بمخلوق، أو تَوَهَّمَ شظية منه من النفي والإثبات فَقَدْ ضَاهَى عَبَدةَ الأصنام.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ قال} بدل من باراهيم بدل الاشتمال لان الاحيان مشتملة على ما فيها اى اذكر وقت قوله {لابيه} آزر متطلفا فى الدعوة مسهلاله {يا ابت} اى يا ابى فان التاء عوض عن ياء الاضافة ولذلك لا يجتمعان اى لا يقال يا ابتى ولا يقال يا ابتا لكون الالف بدلا م الياء {لم تعبد ما لا يسمع} ثناءك وتضرعك له به عند عبادتك له وما عبارة عن الصورة والتماثيل ولام الاضافة التى دخلت على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر فى قولك بم وعلام وفيم والام ومم وعم حذفت الالف لان ما والحرف كشئ واحد وقل استعمال الاصل {ولا يبصر} خضوعك وخشوعك بين يديه {ولا يغنى عنك} اى لا يقدر على ان ينفعك {شيئا} لا فى الدنيا ولا فى الآخرة وهو مصدر اى شيئا من الاغناء وهو القليل منه او مفعول به اى ولا يدفع عنك شيئا من عذاب الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} اذ تعليل لسابقه او اسم خالصٌ بدل من ابراهيم (ع) بدل الاشتمال، او ظرف لكان او لصدّيقاً او نبيّاً وقد سبق ذكر الاختلاف فى كونه اباه او جدّه لامّه او عمّه {يٰأَبَتِ} تلحق التّاء بالاب مضافة الى الياء للاستعطاف او للتّعطّف ولذلك كرّر لفظ يا ابت {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ} استفهام انكارىّ والتّعليق على الموصول للاشعار بعلّة الانكار {وَلاَ يَبْصِرُ} فانّ غير السّميع البصير لا يتأتّى منه ما يطلب من المعبود {وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} شيئاً قائم مقام المصدر اى لا يغنى عنك اغناء ولا يقوم مقامك قياماً ما، او هو مفعولٌ به لا يغنى اى لا يغنى عن حركتك شيئاً من الجلب والدّفع بان يجلب نفعاً او يدفع ضرّاً بدون الاحتياج الى حركتك وتسبيبك فيه.

اطفيش

تفسير : {إذْ} بدل من إبراهيم وما بينهما معترض، كقولك: رأيت زيدا - ونعم الرجل - أخاك بإبدال الأخ من زيدا. ومتعلق بكان أو بصديقا أو بنبيا. {قَالَ لأَِبِيهِ} آزر: {يَا أَبَتِ} التاء عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يقال: يا أبتى ويقال: يا أبتا. وإنما يذكر ذلك استعطافا ولذا كرر. قاله القاضى. قلت: لا يقال: يا أبتى لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه كما هو مشهور. قيل: ويقال: يا أبتا لعدم الجمع بين ذلك؛ إذ الألف بدل من الياء لا من التاء. وأقول: هذا أيضا جمع بين العوض والمعوض عنه: فإن التاء عوض عن الياء والألف بدل من الياء فكأنه جمع بين الياء والتاء. نعم لم يجمع بين لفظ الياء ولفظ التاء. وقد يقال: يا أبتى بالياء وهو ضرورة خلافا لكثير من الكوفيين ويا أَبتا أسهل لذهاب صورة المعوض عنه. وقال ابن مالك: الألف فى يا أبتا ليست بدل ياء بل هى الألف التى يوصل بها آخِر المندوب والمنادى البعيد والنكرة. {لِمَ تَعْبُدُ} استفهام للإنكار والتوبيخ {مَا لا يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ} يجوز أن يحمل نفى السمع والإبصار على كل المسموعات والمرئيات. {وَلا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئاً} من الأشياء، فلا يجلب لك نفعا ولا يدفع عنك ضررا. وكان إبراهيم جامعا لخصائص الصِّدِّيقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات. وذلك أن أباه يعبد الأصنام، فدعاه إلى الهدى وبيَّن ضلاله، واحتج عليه أبلغ احتجاج، وأرشده برفق وحسن أدب، حيث لم يصرح بضلاله، بل طلب العلة التى تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصريح، ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التى هي غاية التعظيم، ولا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام، وهو الخالق الرزاق المحيى المميت المعاقب المثيب. ونبَّه على أن العاقل ينبغى أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح. والمعبود ولو كان حيا مميزا سميعا بصيرا نافعا ضارا لكنه مخلوق، لاستنكف العاقل عن عبادته وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيين، لأنه يراه مثله فى الحاجة والانقياد إلى القدرة الواجبة، فكيف إذا كان جمادا لا يسمع ولا يبصر ولا يضر؟! ذكره الزمخشرى. وذُكر عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم:حديث : أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: إنك خليلى، حَسِّن خُلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار؛ فإن كلمتى سبقت لمن حسُن خلقه، أُظله تحت عرشى، وأسكنه حظيرة القدس، وأُدنيه من جوارى .

اطفيش

تفسير : {إِذ قال لأَبيه} بدل اشتمال من إبراهيم اعترض بينها بجملة تعليلية، وذلك من خروج إذ على الظرفية كما خرجت عنها بالإضافة إليها فى يومئذ، وحينئذ، أو متعلقة بكان، لأن الصحيح جواز التعليق بكان التى لها خبر، وأنها تدل على الحث، ولو شهر منع ذلك، وقيل متعلق بنبياً، وفيه أنه يلزم أن الله جل وعلا جعله نبياً حين القول لأبيه، ويحاب بأنه يطلق الوقت على ما قبله وما بعده مما يليه، فإذا وقع نبى فى شهر مثلا صح إطلاق أنه وقع فيه، مع أنه وقع فى جزء منه، وكذا البحث والجواب إذا علق بصديقا. {يا أبت} التاء عوض عن ياء المتكلم، وأبوه آزر وهو ظاهر القرآن، وقيل هو عمه، ويصح أنه أبوه ظاهر ما رواه أبو نعيم والديلمى، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حق الوالد على ولده، أن لا يسميه إلا بما يسمى به إبراهيم أباه يا أبت ولا يسميه باسمه ". تفسير : {لم تعْبُد ما لا يسْمَع} ثناءك عليه، ولا صوتك بالخضوع إليه، ولا صوتاً ما من الأصوات {ولا يُبْصر} خضوعك وخشوعك بين يديه ولا شيئا ما من الأشياء {ولا يُغْنِى عنك شيئاً} أى إغناء ما أولا يدفع عنك شيئاً، ولا يفيدك شيئا، والجماد من شأن أن يكون شيئا مطروحاً إلا إذا احتيج أن ينتفع به فعل به بلا احترام له، فكيف يحترم غاية الاحترام، ويعبد وهو دون عابده، مع أن العاقبل المميز القادر على النفع والضر بإذن الله سبحانه، لا يستحق العبادة لأنه محتاج ليس بخالق، ولا رازق، ولا محيى ولا مميت، ولا مثيب ولا معاقب، وذلك حجة عقلية، واحتج بالنقلية فى قوله: {يا أبت إنى قد جاءنى مِنْ العِلْم} متعلق بجاء، ومن للابتداء أو حال من ما، ومن للتبعيض من قوله: {ما لم يأتِك} استماله برفق إذا لم يسمه بجاهل ولا نفسه بعالم {فاتبعنى أهدك صراطاً سوياً} مستقيما سهلا، لا يضل سالكه، موصلا إلى أسنى المطالب منجياً من المعاطب، وهو ما أوحى الله إليه من التوحيد والعمل بما يجب، وترك ما يحرم والوعد والوعيد، وإن كان ذلك قبل الوحى إليه صح أيضا، لأنه على دين الله قبله أيضا، ثم حذره بأن عبادة الأصنام التى تعبدها عبادة للشيطان لأمره بها، وهو عدو لله الذى منه النعم كلها، المسمى الرحمن أى المنعم، أفلا تخاف أن يسلبها عنك فقال: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً} فعيل للمبالغة أو مفعول أدغمت واوه فى يائه، وكسر عاقبلها، وأراد عصيان على الإطلاق، أو عصيانه بترك السجود لآدم تذكيراً له بعداوة أبيه، فيجتنب مصادقة من هو عدو لأبيه، كما رسم فى القلوب، ثم صرح له بالتحذير من أن يعاقبه الله على مصادقة عدوه وقال: {يا أبت إِنِّى أخافُ أن يمسك عذاب من الرَّحمن فتكون للشيطان ولياً} والخوف هنا العلم، عبر به مجاملة له، واستنزالا أو على ظاهره إذ لا جزم بأنه يصيبه عذاب الدنيا، ولا بأن يصيبه عذاب الآخرة لإمكان أن يؤمن، ونكر العذاب للتعظيم، أو للتقليل تلويحاً بأنه لا طاقة له على قليل منه، وذكر الرحمن مع أن الرحمن تستدعى عدم العذاب، لأنه المذكور قبل، وللاطماع بأن الرحمة باقية له على كل حال ما لم يمت مصراً، ولأن العقوبة من الكريم أشد، لأن فيها اعتبار جحود نعمة، وإلغائها وللإشارة بأن كونه رجيماً لا يؤمن المكر من العذاب وإلى أن العذاب ليس انتقاماً لشىء ضرى إذ لا يضرى شىء، بل حكمة، وبأن الرحمة سبقت الغضب، ولا دلالة للمس على تقليل العذاب لقوله تعالى: "أية : لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم" تفسير : [النور: 14] ومعنى كونه ولياً للشيطان أنهما يقرنان فى فى العذاب، وفى هذا تغليظ عليه بعد ما ألان وهو من نفس الرحمة، لأن المراد انزجاره عما يضر إلى ما ينفع قال بعض: شعر : فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم تفسير : وفى قوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا} حجة عقلية، وفى قوله: يا {أبت} تحبب وترغيب فى التوحيد، وتمهيد للانتباه، بنهمه أولا على ما يمنع من عبادة الأصنام، ثم أمره باتباعه فى الإيمان، ثم بأن طاعة الشيطان غير جائزة فى العقول، وختم الكلام بالوعيد الزاجر، وكأنه قيل: فما حال أبيه بعد ذلك الوعظ العظيم الطويل، فقال الله جل وعلا: {قال} أبوه مصراً مقابلاً لاستعطافه بالغلظة {أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم} راغب مبتدأ، وأنت فاعله أغنى عن خبره لتقدم الاستفهام، وهو هنا توبيخى تعجبى، وعن آلهتى متعلق براغب. ولا يضر الفصل بأنت، لأنه فاعل كما يفصل الفاعل الفصل عن المفعول، وهو الأصل، ولو أغنى عن الخبر، أو راغب خبر، وأنت مبتدأ. لا يضر فصل أنت. لأن راغب فى رتبة التأخير عن أنت، والأصل أأنت راغب عن آلهتى، ومن التخليط تقدير لفظى راغب آخر بعد أنت، يفسره المذكور تحرزاً عن هذا الفصل، بل المبتدأ ليس أجنبياً من الخبر من كل وجه، ولا سيما أن المفصول الجار والمجرور، وهم يتوسعون فيهما وفى سائر الظروف، وليس فى جعل أنت مبتدأ إلباس بالفاعل بل اللفظ إجمال إذ فى كل وجه خلاف الأصل الرفع بالوصف لما يغنى عن الخبر، خلاف الأصل وكونه خبرا مقدما خلاف الأصل بخلاف قام زيد لو جعل خبراً مقدماً، فإنه إلباس بالفاعل، وعلى كل حال جعل راغب تالياً للهمزة، لأن محط التوبيخ والتعجب بالذات الرغبة عن الآلهة، وراغب للحال أو للماضى المستمر. {لئن لم تنته} عن الرغبة عن آلهة، وعن النهى عن عبادتها، وعن الدعوة إلى ما دعوتنى إليه، أقسم بآلهته لا بالله، لأنه لم يؤمن إلا إن آمن به وعبد غيره {لأرجمنك} بالحجارة عند الحسن، وبشتم اللسان عند ابن عباس والسدى والضحاك وابن جريج، {واهجرنى} عطف على {لأرجمنك} عطف إنشاء على إخبار، أجاز سيبويه ذلك وعكسه، وفى ذلك جعل جواب القسم غير الاستعطافى إنشاء، وهو لا يجوز والمعطوف على الجواب جواب، أو العطف على محذوف تقديره احذرنى واهجرنى. {مَلياً} زماناً طويلا عند الحسن ومجاهد، وجماعة ورواية عن ابن وأبداً عند السدى، وكأنه تفسير بالمراد وهو منصوب على الظرفية كما رأيت، أو مفعول مطلق أى هجراً ملياً أى طويلا، وعن ابن عباس: ملياً سالماً قادراً على الذهاب قبل أن أثخنك بالضرب، فلا تطيق التنقل فهو حال.

الالوسي

تفسير : {إِذْ قَالَ } وتعقبه صاحب «الفرائد» بأن الاعتراض بين البدل والمبدل منه بدون الواو بعيد عن الطبع، وفيه منع ظاهر، وفي «البحر» أن بدلية {إِذْ} من {أية : إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [مريم: 41] تقتضي تصرفها والأصح أنها لا تتصرف وفيه بحث، وقيل: إذ ظرف لكان وهو مبني على أن كان الناقصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة خلافية، وقيل: ظرف لـِ {أية : نَّبِيٍّا } تفسير : [مريم: 41] أي منبـىء في وقت قوله: {لأَِبِيهِ } وتعقب بأنه يقتضي أن الاستنباء كان في ذلك الوقت، وقيل: ظرف لـِ {أية : صِدّيقاً} تفسير : [مريم: 41]، وفي «البحر» لا يجوز ذلك لأنه قد نعت الإ على رأى الكوفيين، وفيه أن {نَبِيّاً } خبر كما ذكرنا لا نعت، نعم تقييد الصديقية بذلك الوقت لا يخلو عن شيء. وقيل ظرف {أية : صِدّيقاً نَّبِيٍّا} تفسير : [مريم: 41] وظاهره أنه معمول لهما معاً، وفيه أن توارد عاملين على معمول واحد غير جائز على الصحيح، والقول بأنهما جعلا بتأويل اسم واحد كتأويل حلو حامض بمز أي جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء عليهم السلام حين خاطب أباه لا يخفى ما فيه، والذي يقتضيه السياق ويشهد به الذوق البدلية وهو بدل اشتمال، وتعليق الذكر بالأوقات مع أن المقصود تذكير ما وقع فيها من الحوادث قد مر سره مراراً فتذكر. {يَا أَبَت} أي يا أبـي فإن التاء عوض من ياء الإضافة ولذلك لا يجمع بينهما إلا شذوذاً كقوله: يا أبتي أرقني القذان، والجمع في يا أبتا قيل بين عوضين وهو جائز كجمع صاحب الجبيرة بين المسح والتيمم وهما عوضان عن الغسل وقيل المجموع فيه عوض، وقيل: الألف للإشباع وأنت تعلم حال العلل النحوية. وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر {يا أبت} بفتح التاء، وزعم هارون أن ذلك لحن والحق خلافه وفي مصحف عبد الله {واأبت} بوا بدل يا والنداء بها في غير الندبة قليل، وناداه عليه السلام بذلك استعطافاً له. وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أنس مرفوعاً «حق الوالد على ولده أن لا يسميه إلا بما سمّىٰ إبراهيم عليه السلام به أباه يا أبت ولا يسميه باسمه»، وهذا ظاهر في أنه كان أباه حقيقة، وصحح جمع أنه كان عمه وإطلاق الأب عليه مجاز. {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ } ثناءك عليك عند عبادتك له وجؤارك إليه {وَلاَ يَبْصِرُ } خضوعك وخشوعك بين يديه أو لا يسمع ولا يبصر شيئاً من المسموعات والمبصرات فيدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً، وما موصولة وجوزوا أن تكون نكرة موصوفة {وَلاَ يُغْنِي } أي لا يقدر على أن يغني {عَنكَ شَيْئاً } / من الأشياء أو شيئاً من الإغناء فهو نصب على المفعولية أو المصدرية. ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق ليس له من هاج لئلا يركب متن المكابرة والعناد ولا ينكب بالكلية عن سبيل الرشاد حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل كل عاقل من عالم وجاهل ويأبى الركون إليه فضلاً عن عبادته التي هي الغاية القاصية من التعظيم مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب ونبه على أن العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل لداعية صحيحة وغرض صحيح والشيء لو كان حياً مميزاً سميعاً بصيراً قادراً على النفع والضر لكن كان ممكناً لاستنكف ذو العقل السليم عن عبادته وإن كان أشرف الخلائق لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبية فما ظنك بجماد مصنوع ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر. ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق المبين لما أنه لم يكن محظوظاً من العلم الإلٰهي مستقلاً بالنظر السوي مصدراً لدعوته بما مر من الاستعطاف حيث قال: {يٰأَبَتِ إِنّى قَدْ جَاءنِى...}.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَبَتِ} (42) - حِينَمَا قَالَ لأَِبِيهِ وَهُوَ يَنْهَاهُ عَنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى: يَا أَبَتِ لِمَاذا تَعْبُدُ حِجَارَةً أَصْنَاماً، لاَ تَسْمَعُ وَلاَ تُبْصِرُ، وَلاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا الحديث من إبراهيم عليه السلام لأبيه على اعتبار أنه نبي جاء ليُعدِّل سلوك الناس على وَفْق منهج الله، وأوّلهم أبوه، وقد ذكره القرآن هكذا بأبوته لإبراهيم دون أن يذكر اسمه، إلا في آية واحدة قال فيها: {أية : لأَبِيهِ آزَرَ ..}تفسير : [الأنعام: 74]. وهذه الآية أحدثتْ إشكالاً فظنَّ البعض أن آزر هو أبو إبراهيم الحقيقي الصُّلبي، وهذا القول يتعارض مع الحديث النبوي الشريف الذي يُوضّح طهارة أصْل النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : أنا خيار من خيار، ما زِلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ". تفسير : إذن: فأصول النبي إلى آدم "طاهر متزوج طاهرة"، فلو قلنا: إن آزر الذي قال الله في حقه: {أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ..}تفسير : [التوبة: 114] هو أبو إبراهيم، لكَانَ في ذلك تعارض مع الحديث النبوي، فكيف يكون من آباء محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا الكافر؟ ولو تأملنا إطلاقات الأُبوّة في القرآن الكريم لخرجنا من هذا الإشكال، فالقرآن تكلم عن الأبوة الصُّلْبية المباشرة، وتكلم عن الأُبوة غير المباشرة في الجد وفي العم، فسمَّى الجد أباً، والعم أباً؛ لأنه يشترك مع أبي في جدي، فله واسطة استحق بها أن يُسمَّى أباً. وفي القرآن نصَّان: أحدهما: يُطلِق على الجد أباً، والآخر يُطلِق على العم أباً. فالأول في قوله تعالى من قصة يوسف عليه السلام: {أية : وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [يوسف: 36]. فاختاروا يوسف لتأويل رؤياهم؛ لأنهم رأوه من المحسنين، فكأن الإحسان له مقاييس معروفة حتى عند غير المحسن، فلما تعرَّضوا لأمر يُهمهم لم يلجئوا إلا لهذا الرجل الطيب، فمقاييس الكمال محترمة ومعتبرة حتى عند فاقد الكمال. فلما قالوا له {أية : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [يوسف: 36] علم أنهم متتبعون حركاته وتصرفاته، وكيف سلوكه بينهم، فأراد أنْ يزيدهم مما عنده من إشراقات، فأمْره ليس مجرد سلوك طيب وسيرة حسنة بينهم، بل عنده أشياء أخرى، فقال: {أية : لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ..}تفسير : [يوسف: 37]. ثم ترك الإجابة عن سؤالهم، وأخذ في الحديث فيما يخصّه كنبيّ وداعية إلى الله، فأخبرهم أن ما عنده من مواهب هو عطاء من الله، وليس هو بأذكى منهم، فقال: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ..}تفسير : [يوسف: 37-38]. ثم يلفت نظر رفاقه إلى بطلان ما هم عليه من عبادة أرباب متفرقين لم ينفعوهم بشيء، فهاهم يتركونهم ويلجئون إلى يوسف الذي له رَبٌّ واحد: {أية : يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}تفسير : [يوسف: 39]. وهكذا كان يوسف النبي الداعية حريصاً على نَشْر دعوته وهداية مَنْ حوله، حتى وهو في سجنه ما نسِيَ مهمته، وما قصَّر في دعوته، فلما فرغ من موعظته واستطاع بلباقة أنْ يُسمعِهم ما يريد، وإلاّ لو أجابهم عن سؤالهم من بداية الأمر لانصرفوا عن هذه الموعظة، وما أعاروها اهتماماً. والآن يعود إلى سؤالهم وتفسير رؤياهم: {أية : أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}تفسير : [يوسف: 41]. شَاهِدُنا في هذه القصة هو قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ..}تفسير : [يوسف: 38] ويوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فسمَّى الأجداد آباءً. وقد يُسمَّى العَمُّ أباً، كما جاء في قوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ..}تفسير : [البقرة: 133] فعَدَّ إسماعيلَ في آباء يعقوب، وهو عَمُّه. إذن: لو أن القرآن الكريم حينما تحدث عن أبي إبراهيم فقال (لأبيه) في كل الآيات لانصرف المعنى إلى الأُبوة الصُّلْبية الحقيقية، أما أنْ يقول ولو مرة واحدة {أية : لأَبِيهِ آزَرَ ..}تفسير : [الأنعام: 74] فهذا يعني أن المراد عمه؛ لأنه لا يُؤتي بالعَلَم بعد الأبوة إلا إذا أردنا العم، كما نقول نحن الآن حين نريد الأبوة الحقيقية: جاء أبوك هكذا مبهمة دون تسمية، وفي الأبوة غير الحقيقية نقول: جاء أبوك فلان. وبناءً عليه فقد ورد قوله تعالى: {أية : لأَبِيهِ آزَرَ ..}تفسير : [الأنعام: 74] مرة واحدة، ليثبت لنا أن آزر ليس هو الأب الصُّلْبي لإبراهيم، وإنما هو عَمُّه، وبذلك يسْلَم لرسول الله صلى الله عليه وسلم طهارة نسبه ونقاء سِلْسلته إلى آدم عليه السلام. وقوله: {يٰأَبَتِ ..} [مريم: 42] وكان التركيب العربي يقتضي أن يقول: يا أبي، إلا أنهم يحذفون ياء المتكلم ويُعوِّضون عنها بالتاء، فلماذا؟ قالوا: لأن (أبت) لها مَلْحظ دقيق، فهو يريد أنْ يُثبت أنه وإنْ كان أباً إلا أن فيه حنان الأبوين: الأب والأم. فجاء بالتاء التي تشير إلى الجانب الآخر؛ لذلك نجدها لا تُقال إلا في الحنانية المطلقة (يَا أَبَتِ) كما لو ماتتْ الأم مثلاً، فقام الأب بالمهمتين معاً، وعوض الأبناء حنان الأم المفقود. وقوله: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} [مريم: 42] يبدو من أسلوب إبراهيم عليه السلام مع أبيه أدَبُ الدعوة، حيث قدَّم الموعظة على سبيل الاستفهام حتى لا يُشعِر أباه بالنقص، أو يُظهِر له أنه أعلم منه. {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} [مريم: 42] نلحظ أنه لم يقُلْ من البداية: لِمَ تعبد الشيطان، بل أخّر هذه الحقيقة إلى نهاية المناقشة، وبدل أنْ يقولَ الشيطان حلّل شخصيته، وأبان عناصره، وكشف عن حقيقته: لا يسمع ولا يبصر، ولا يُغني عنك شيئاً، فهذه الصفات لا تكون في المعبود، وهي العِلَّة في أنْ نتجنبَ عبادة ما دون الله من شجر أو حجر أو شيطان، وخصوصاً في بيئة إبراهيم - عليه السلام - وكانت مليئة بالأوثان والأصنام. لأن العبادة ماذا تعني؟ تعني طاعةَ عابدٍ لمعبود في أَمْره ونَهْيه، فالذين يعبدون ما دون الله من صنم أو وَثَنٍ أو شمس أو قمر، بماذا أمرتْهم هذه المعبودات؟ وعن أيِّ شيء نهتْهُم؟ وماذا أعدَّتْ هذه المعبودات لمنْ عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمَنْ عصاها؟ ما المنهج الذي جاءتْ به حتى تستحقَّ العبادة؟ لا يوجد شيء من هذا كله، إذن: فعبادتهم باطلة. ثم يقول: {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي ...}.