١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه إلى التوحيد، وذكر الدلالة على فساد عبادة الأوثان، وأردف تلك الدلالة بالوعظ البليغ، وأورد كل ذلك مقروناً باللطف والرفق، قابله أبوه بجواب يضاد ذلك، فقابل حجته بالتقليد، فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا قوله: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى يٰإِبْرٰهِيمُ } فأصر على ادعاء إلهيتها جهلاً وتقليداً وقابل وعظه بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم، وقابل رفقه في قوله: { أية : يا أبت } تفسير : [مريم: 44] بالعنف حيث لم يقل له يا بني بل قال: {يا إِبْرَاهِيمَ } وإنما حكى الله تعالى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم ليخفف على قلبه ما كان يصل إليه من أذى المشركين فيعلم أن الجهال منذ كانوا على هذه السيرة المذمومة، أما قوله: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى يٰإِبْرٰهِيمُ } فإن كان ذلك على وجه الاستفهام فهو خذلان لأنه قد عرف منه ما تكرر منه من وعظه وتنبيهه على الدلالة وهو يفيد أنه راغب عن ذلك أشد رغبة فما فائدة هذا القول. وإن كان ذلك على سبيل التعجب فأي تعجب في الإعراض عن حجة لا فائدة فيها، وإنما التعجب كله من الإقدام على عبادتها فإن الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام كما أنه يبطل جواز عبادتها فهو يفيد التعجب من أن العاقل كيف يرضى بعبادتها فكأن أباه قابل ذلك التعجب الظاهر المبني على الدليل بتعجب فاسد غير مبني على دليل وشبهة، ولا شك أن هذا التعجب جدير بأن يتعجب منه، أما قوله: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الرجم ههنا قولان: الأول: أنه الرجم باللسان، وهو الشتم والذم، ومنه قوله: { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } تفسير : [النور: 4] أي بالشتم، ومنه الرجيم، أي المرمي باللعن، قال مجاهد: الرجم في القرآن كله بمعنى الشتم. والثاني: أنه الرجم باليد، وعلى هذا التقدير ذكروا وجوهاً: أحدها: لأرجمنك بإظهار أمرك للناس ليرجموك ويقتلوك. وثانيها: لأرجمنك بالحجارة لتتباعد عني. وثالثها: عن المؤرج لأقتلنك بلغة قريش. ورابعها: قال أبو مسلم لأرجمنك المراد منه الرجم بالحجارة إلا أنه قد يقال ذلك في معنى الطرد والإبعاد اتساعاً، ويدل على أنه أراد الطرد قوله تعالى: {وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً } واعلم أن أصل الرجم هو الرمي بالرجام فحمله عليه أولى، فإن قيل: أفما يدل قوله تعالى: {وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً } على أن المراد به الرجم بالشتم؟ قلنا: لا، وذلك لأنه هدده بالرجم إن بقي على قربه منه وأمره أن يبعد هرباً من ذلك فهو في معنى قوله: {وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً }. المسألة الثانية: في قوله تعالى: {وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً } قولان: أحدهما: المراد واهجرني بالقول. والثاني: بالمفارقة في الدار والبلد وهي هجرة الرسول والمؤمنين أي تباعد عني لكي لا أراك وهذا الثاني أقرب إلى الظاهر. المسألة الثالثة: في قوله: {مَلِيّاً } قولان: الأول: ملياً أي مدة بعيدة مأخوذ من قولهم أتى على فلان ملاوة من الدهر أي زمان بعيد. والثاني: ملياً بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح يقال فلان ملي بكذا إذا كان مطيقاً له مضطلعاً به. المسألة الرابعة: عطف اهجرني على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك، أي فاحذرني واهجرني لئلا أرجمنك، ثم إن إبراهيم عليه السلام لما سمع من أبيه ذلك أجاب عن أمرين. أحدهما: أنه وعده التباعد منه، وذلك لأن أباه لما أمره بالتباعد أظهر الانقياد لذلك الأمر وقوله: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ } توادع ومتاركة كقوله تعالى: { أية : لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [القصص: 55]، { أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } تفسير : [الفرقان: 63] وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج، وعلى أنه تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان، ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار، ثم إنه لما ودع أباه بقوله: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ } ضم إلى ذلك ما دل به على أنه وإن بعد عنه فاشفاقه باق عليه كما كان وهو قوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } واحتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء، وتقريره أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز لأنه استغفر لأبيه وهو كافر والاستغفار للكافر لا يجوز، فثبت بمجموع هذه المقدمات أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز، إنما قلنا إنه استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } وقوله: { أية : وَٱغْفِرْ لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ } تفسير : [الشعراء: 86] وأما أن أباه كان كافراً فذاك بنص القرآن وبالإجماع، وأما أن الاستغفار للكافر لا يجوز فلوجهين. الأول: قوله تعالى: { أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 113]. الثاني: قوله في سورة الممتحنة: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الممتحنة: 4] ـ إلى قوله ـ {أية : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تفسير : [الممتحنة: 4] وأمر الناس إلا في هذا الفعل فوجب أن يكون ذلك معصية منه، «والجواب»: لا نزاع إلا في قولكم الاستغفار للكافر لا يجوز فإن الكلام عليه من وجوه: أحدها: أن القطع على أن الله تعالى يعذب الكافر لا يعرف إلا بالسمع، فلعل إبراهيم عليه السلام لم يجد في شرعه ما يدل على القطع بعذاب الكافر فلا جرم استغفر لأبيه. وثانيها: أن الاستغفار قد يكون بمعنى الاستماحة، كما في قوله: { أية : قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } تفسير : [الجاثية: 14] والمعنى سأسأل ربي أن لا يجزيك بكفرك ما كنت حياً بعذاب الدنيا المعجل. وثالثها: أنه عليه السلام إنما استغفر لأبيه لأنه كان يرجو منه الإيمان فلما أيس من ذلك ترك الاستغفار ولعل في شرعه جواز الاستغفار للكافر الذي يرجي منه الإيمان، والدليل على وقوع هذا الاحتمال قوله تعالى: { أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [التوبة: 113] فبين أن المنع من الاستغفار إنما يحصل بعد أن يعرفوا أنهم من أصحاب الجحيم. ثم قال بعد ذلك: { أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } تفسير : [التوبة: 114] فدلت الآية على أنه وعده بالاستغفار لو آمن، فلما لم يؤمن لم يستغفر له بل تبرأ منه، فإن قيل فإذا كان الأمر كذلك فلم منعنا من التأسي به في قوله: { أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الممتحنة: 4] ـ إلى قوله ـ { أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تفسير : [الممتحنة: 4] قلنا الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك لكن المنع من التأسي به في ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصية. فإن كثيراً من الأشياء هي من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لنا التأسي به مع أنها كانت مباحة له عليه السلام. ورابعها: لعل هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى وحسنات الأبرار سيئآت المقربين، أما قوله: {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } أي لطيفاً رفيقاً يقال أحفى فلان في المسألة بفلان إذا لطف به وبالغ في الرفق، ومنه قوله تعالى: { أية : وإِن يَسْـئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ } تفسير : [محمد: 37] أي وإن لطفت المسألة والمراد أنه سبحانه للطفه بي وإنعامه عليّ عودني الإجابة فإذا أنا استغفرت لك حصل المراد فكأنه جعله بذلك على يقين إن هو تاب أن يحصل له الغفران. «الجواب الثاني» من الجوابين قوله: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } الاعتزال للشيء هو التباعد عنه والمراد أني أفارقكم في المكان وأفارقكم في طريقتكم أيضاً وأبعد عنكم وأتشاغل بعبادة ربي الذي ينفع ويضر والذي خلقني وأنعم علي فإنكم بعبادة الأصنام سالكون طريقة الهلاك، فواجب على مجانبتكم ومعنى قوله: {عَسَىٰ أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } أرجو أن لا أكون كذلك، وإنما ذكر ذلك على سبيل التواضع كقوله: { أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 82] وأما قوله: {شَقِيّاً } مع ما فيه من التواضع لله ففيه تعريض بشقاوتهم في دعاء آلهتهم على ما قرره أولاً في قوله: { أية : لَمْ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42].
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَٰهِيمُ} يعني: إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك، اقتصصت منك، وشتمتك وسببتك، وهو قوله: {لأَرْجُمَنَّكَ} قاله ابن عباس والسدي وابن جريج والضحاك وغيرهم، وقوله: {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق: يعني: دهراً. وقال الحسن البصري: زماناً طويلاً. وقال السدي: {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} قال: أبداً. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} قال: سوياً سالماً قبل أن تصيبك مني عقوبة؛ وكذا قال الضحاك وقتادة وعطية الجدلي ومالك وغيرهم، واختاره ابن جرير، فعندما قال إبراهيم لأبيه: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ} كما قال تعالى في صفة المؤمنين: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63] وقال تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [القصص: 55] ومعنى قول إبراهيم لأبيه: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ} يعني: أما أنا، فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} ولكن سأسأل الله فيك أن يهديك ويغفر ذنبك {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} قال ابن عباس وغيره: لطيفاً، أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له. وقال قتادة ومجاهد وغيرهما: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} قال: عوده الإجابة. وقال السدي: الحفي الذي يهتم بأمره، وقد استغفر إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام، وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق عليهما السلام في قوله: {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} تفسير : [إبراهيم: 41] وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتى أنزل الله تعالى: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : - إلى قوله - {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الممتحنة: 4] الآية، يعني: إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به، ثم بيّن تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ}} تفسير : - إلى قوله - {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} تفسير : [التوبة: 113-114]. وقوله: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّي}. أي أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، {وَأَدْعُواْ رَبِّي} أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيًّا} وعسى هذه موجبة لا محالة، فإنه عليه السلام سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يٰإِبْرٰهِيمُ } فتعيبها؟ {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ } عن التعرّض لها {لأَرْجُمَنَّكَ } بالحجارة أو بالكلام القبيح فاحذرني {وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً } دهراً طويلاً.
الماوردي
تفسير : قال تعالى: {... لأَرْجُمَنَّكَ} فيه وجهان: أحدهما: بالحجارة حتى تباعد عني، قاله الحسن. الثاني: لأرجمنك بالذم باللسان والعيب بالقول، قاله الضحاك، والسدي، وابن جريج. {وَاهْجُرنِي مَلِيّاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: دهراً طويلاً، قاله الحسن، ومجاهد، وابن جبير، والسدي، ومنه قول مهلهل. شعر : فتصدعت صم الجبال لموته وبكت عليه المرملات ملياً تفسير : الثاني: سوياً سليماً من عقوبتي، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وعطاء. الثالث: حيناً، قاله عكرمة. قوله تعالى: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيكَ} هذا سلام إبراهيم على أبيه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه سلام توديع وهجر لمقامه على الكفر، قاله ابن بحر. الثاني: وهو أظهر أنه سلام بر وإكرام، فقابل جفوة أبيه بالبر تأدية لحق الأبوة وشكراً لسالف التربية. ثم قال: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} وفيه وجهان: أحدهما: سأستغفر لك إن تركت عبادة الأوثان. الثاني: معناه سأدعوه لك بالهداية التي تقتضي الغفران. {إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} فيه خمسة أوجه: أحدها: مُقَرِّباً. الثاني: مُكْرِماً. الثالث: رحيماً، قاله مقاتل. الرابع: عليماً، قاله الكلبي. الخامس: متعهداً.
ابن عبد السلام
تفسير : {لأَرْجُمَنَّكَ} بالذم والسب، أو بالأحجار لتبعد عني. {مَلِيّاً} دهراً طويلاً مؤبداً، أو سوياً سليماً من عقوبتي، أو غنياً.
النسفي
تفسير : {قَالَ} آزر توبيخاً: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى يٰإِبْرٰهِيمُ } أي أترغب عن عبادتها فناداه باسمه ولم يقابل {يا أبت} بـ «يا بني» وقدم الخبر على المبتدأ لأنه كان أهم عنده {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ } عن شتم الأصنام {لأرْجْمْتَّكَ} لأقتلنك بالرجام أو لأضربنك بها حتى تتباعد أو لأشتمنك { وَٱهْجُرْنِى } عطف على محذوف يدل عليه {لأرجمنك} تقديره فاحذرني واهجرني {مَلِيّاً } ظرف أي زماناً طويلاً من الملاوة {قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ } سلام توديع ومتاركة أو تقريب وملاطفة ولذا وعده بالاستغفار بقوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } سأسأل الله أن يجعلك من أهل المغفرة بأن يهديك للإسلام {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } ملطفاً بعموم النعم أو رحيماً أو مكرماً والحفاوة الرأفة والرحمة والكرامة.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: فماذا قال أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائحَ الواجبةَ القَبولِ؟ فقيل: قال مُصرًّا على عِناده: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَن ءَالِهَتِى يٰإِبْرٰهِيمُ} أي أمُعرضٌ ومنصرفٌ أنت عنها بتوجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجب، كأن الرغبةَ عنها مما لا يصدر عن العاقل فضلاً عن ترغيب الغير عنها وقوله: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} تهديدٌ وتحذير عما كان عليه من العِظة والتذكير أي والله لئن لم تنته عما كنت عليه من النهي عن عبادتهم لأرجُمنك بالحجارة، وقيل: باللسان {وَٱهْجُرْنِى} أي فاحذَرْني واتركني {مَلِيّاً} أي زماناً طويلاً أو ملياً بالذهاب مطيقاً به. {قَالَ} استئناف كما سلف {سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ} توديعٌ ومُتارَكةٌ على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة، أي لا أصيبك بمكروه بعدُ ولا أشافهك بما يؤذيك ولكن {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي} أي أستدعيه أن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة ويهديَك إلى الإيمان، كما يلوح به تعليلُ قوله تعالى: {وَٱغْفِرْ لأبِى} بقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ } تفسير : [الشعراء: 86] والاستغفارُ بهذا المعنى للكافر قبل تبـين أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه وإنما المحظورُ استدعاءُ المغفرة له مع بقائه على الكفر فإنه مما لا مساغَ له عقلاً ولا نقلاً، وأما الاستغفارُ له بعد موته على الكفر فلا تأباه قضيةُ العقل وإنما الذي يمنعه السمعُ، ألا يرى إلى أنه عليه السلام قال لعمه أبـي طالب: لا أزال أستغفر لك ما لم أُنهَ عنه فنزل قوله تعالى: { أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 113]، والاشتباه في أن هذا الوعدَ من إبراهيمَ عليه السلام، وكذا قولُه: لأستغفرن لك وما ترتب عليهما من قوله: {وَٱغْفِرْ لأبِي} الآية، إنما كان قبل انقطاعِ رجائِه عن إيمانه لعدم تبـيّن أمرِه لقوله تعالى: { أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} تفسير : [التوبة: 114] كما مر في تفسير سورة التوبة، واستثناؤه عما يُؤْتسىٰ به في قوله تعالى: { أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} تفسير : [الممتحنة: 4] لا يقدح في جوازه لكن لا لأن ذلك كان قبل ورودِ النهي أو لموعِدة وعدها إياه كما قيل، لِما أن النهيَ إنما ورد في شأن الاستغفارِ بعد تبـيّن الأمرِ وقد كان استغفارُه عليه السلام قبل التبـيُّن فلم يتناولْه النهيُ أصلاً، وأن الوعدَ بالمحظور لا يرفع حظرَه بل لأن المرادَ بما يؤتسى به ما يجب الائتساءُ به حتماً لوجود الوعيدِ على الإعراض عنه بقوله تعالى: { أية : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} تفسير : [الحديد: 24] فاستثناؤه عن ذلك إنما يفيد عدمَ وجوبِ استدعاء الإيمان للكافر المرجوِّ إيمانُه لا سيما وقد انقطع ذلك عند ورودِ الاستثناء وذلك مما لا يتردد فيه أحدٌ من العقلاء، وأما عدمُ جوازه قبل تبـيّن الأمرِ فلا دِلالةَ للاستثناء عليه قطعاً، وتوجيهُ الاستثناءِ إلى العِدَة بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفارِ بقوله: {وَٱغْفِرْ لأبِي} الآية، لأنها كانت هي الحاملةَ له عليه السلام عليه، وتخصيصُ تلك العِدَة بالذكر دون ما وقع هٰهنا لورودها على نهج التأكيدِ القسَميّ، وأما جعلُ الاستغفارِ دائراً عليها وترتيبُ التبرُّؤ على تبـيّن الأمرِ فقد مر تحقيقُه في تفسير سورة التوبة. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً} أي بليغاً في البِرّ والإلطاف تعليلٌ لمضمون ما قبله.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً * قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} [الآية: 46-47]. قال أبو بكر طاهر: لما بدا منه كلام الجهال من الدعوة إلى آلهته والوعيد على ذلك إن خالفه جعل جوابه جواب الجهال بالسلام لقوله تعالى {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63].
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ}. منَّاه إبراهيمُ بجميل العُقْبَى، فقابلَه بتوعدُّ العقوبة فقال: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً}. فأجابه الخليل بمقتضى سكون البصيرة فقال: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}. وهذا قبل أن ييأسَ من إيمانه، إذ كانت لديه بعدُ بقيةٌ من الرجاء في شأنه، فلمَّا تحقق أنه مختومٌ له بالشقاوة قال له: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً}. {وَمَا تَدْعُونَ}: أي ما تعبدون، {وَأَدْعُو رَبِّي}: أي أعبده.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استنائف بيانى كأنه قيل فماذا قال ابوه عند ما سمع منه هذه النصائح الواجبة القبول فقيل قال مصرا على عناده {أراغب انت عن آلهتى يا ابرهيم} اى أمعرض ومنصرف انت عنها بتوجيه الانكار الى نفس الرغبة مع ضرب من التعجب كأنه الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل فضلا عن ترغيب الغير عنها قدم الخبر على المبتدأ للاهتمام والاولى كونه مبتدأ وانت فاعله سد مسد الخبر لئلا يلزم الفصل بين الصفة وما يتلعق بها وهو عن كذا فى تفسير الشيخ {لئن لم تنته} والله لئن لم ترجع عما كنت عليه من النهى عن عبادتها {لارجمنك} بالحجارة حتى تموت او تبعد عنى وقيل باللسان يعنى اشتم والذم ومنه الرجيم المرمى باللعن واصل الرجم الرمى بالرجام بالكسر وهى الحجارة {واهجرنى} عطف على ما دل عليه لارجمنك اى فاحذرنى واتركنى {مليا} اى زمانا طويلا سالما منى ولا تكلمنى من الملاوة وهو الدهر.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: هذا استئناف بياني، مبني على سؤال نشأ عن صدر الكلام، كأنه قيل: فماذا قال أبوه عندما سمع هذه النصائح الواجبة القبول؟ فقال مصرًا على عناده: أراغب... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قال} له أبوه في جوابه: {أراغبٌ أنتَ عن آلهتي} أي: أمعرض ومنصرف أنت عنها فوجّه الإنكار إلى نفس الرغبة، مع ضرب من التعجب، كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل، فضلاً عن ترغيب الغير عنها، ثم هدده فقال: {لئن لم تَنْتَهِ} عن وعظك {لأرجُمنَّكَ} بالحجارة، أي: والله لئن لم تنته عما أنت عليه من النهي عن عبادتها لأرجمنك بالحجر، وقيل باللسان، {واهجرني} أي: واتركني {مَلِيًّا} أي: زمنًا طويلاً، أو ما دام الأبد، ويسمى الليل والنهار مَلَوان، وهو عطف على محذوف، أي: احذرني واهجرني. {قال} له إبراهيم عليه السلام: {سلامٌ عليك} مني، لا أصيبك بمكروه، وهو توديع ومُتاركة على طريق مقابلة السيئة بالحسنة، أي: لا أشافهك بما يؤذيك، ولكن {سأستغفر لك ربي} أي: أستدعيه أن يغفر لك. وقد وفى عليه السلام بقوله في سورة الشعراء: {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الشُّعَرَاء: 86]. أو: بأن يوفقك للتوبة ويهديك للإيمان. والاستغفارُ بهذا المعنى للكافر قبل تبين أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه، وإنما المحظور استدعاء المغفرة مع بيان شقائه بالوحي، وأما الاستغفار له بعد موته فالعقل لا يحيله. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب: "حديث : لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنك"تفسير : . ثم نهاه عنه كما تقدم في التوبة. فالنهي من طريق السمع، ولا اشتباه أن هذا الوعد من إبراهيم، وكذا قوله: {أية : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} تفسير : [المُمتَحنَة: 4]، وقوله: {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 86]، إنما كان قبل انقطاع رجائه من إيمانه، بدليل قوله: {أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأ} تفسير : [التّوبَة: 114]. وقوله تعالى: {إِنه كان بي حَفيًّا} أي: بليغًا في البر والألطاف، رحيمًا بي في أموري، قد عوَّدني الإجابة. أو عالمًا بي يستجيب لي إن دعوتُه، وفي القاموس: حَفِيَ كَرَضِيَ، حَفَاوةً. ثم قال: واحتفًا: بالَغَ في إكْرامِه وأظْهَرَ السُّرُورَ والفَرَحَ به، وأكَثَر السُؤَالَ عن أحواله، فهو حافٍ وحفي. هـ. {وأعتزلُكم} أي: أتباعد عنك وعن قومك، {وما تَدْعُونَ من دونِ الله} بالمهاجرة بديني، حيث لم تؤثر فيكم نصائحي، {وأدعو ربي}: أعبده وحده، أو أدعوه بطلب المغفرة لك - أي قبل النهي - أو: أدعوه بطلب الولد، كقوله: {أية : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينِ} تفسير : [الصَّافات: 100]، {عسى ألا أكون بدعاءِ ربي شقيًّا} أي: عسى ألا أشقى بعبادته، أو: لا أخيب في طلبه، كما شقيتم أنتم في عبادة آلهتكم وخبتم. ففيه تعريض بهم، وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع وحسن الأدب، والتنبيه على أن الإجابة من طريق الفضل والكرم، لا من طريق الوجوب، وأن العبرة بالخاتمة والسعادة، وفي ذلك من الغيوب المختصة بالعليم الخبير ما لا يخفى. الإشارة: انظر كيف رفض آزرُ مَن رغب عن آلهته، وإن كان أقرب الناس إليه، فكيف بك أيها المؤمن ألاَّ ترفض من يرغب عن إلهك ويعبد معه غيره، أو يجحد نبيه ورسوله، بل الواجب عليك أن ترفض كل ما يشغلك عنه، غيرةً منك على محبوبك، وإذا نظرت بعين الحقيقة لم تجد الغيرة إلا على الحق، إذ ليس في الوجود إلا الحق، وكل ما سواه باطل على التحقيق. فمن اعتزل كل ما سوى الله، وأفرد وجهته إلى مولاه، لم يَشْق في مَطلبه ومسْعاه، بل يطلعه الله على أسرار ذاته، وأنوار صفاته، حتى لا يرى في الوجود إلا الواحد الأحد الفرد الصمد. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر نتيجة الانفراد عمن يصد عن الله
الطوسي
تفسير : لما حكى الله تعالى ما قال ابراهيم لأبيه، وتوبيخه له على عبادة الاصنام، وتقريعه اياه على ذلك، حكى في هذه الآيات ما أجاب به أبوه، فانه قال له يا ابراهيم {أراغب أنت عن آلهتي} ومعناه أزاهد في عبادة آلهتي، والرغبة اجتلاب الشيء لما فيه من المنفعة. والرغبة فيه نقيض الرغبة عنه. والترغيب الدعاء الى الرغبة فى الشيء. ثم قال له مهدداً {لئن لم تنته} أي لم تمتنع من ذلك، يقال نهاه فانتهى. واصله النهاية، فالنهي زجر عن الخروج عن النهاية المذكورة. والتناهي بلوغ نهاية الحد. وقوله {لأرجمنك} قال الحسن: معناه لارمينّك بالحجارة حتى تباعد عني. وقال السدي وابن جريج والضحاك: معناه لأرمينك بالذم والعيب. وقوله {واهجرني ملياً} قيل فى معناه قولان: قال الحسن ومجاهد {ملياً} دهراً [قال الفراء: ويقال: كنت عنده ملوة وملوة وملوة - بتثليث الميم - وملاوة بالفتح وملاوة بالضم أي] دهراً ملاوة، وكله من طول المقام وبه قال سعيد بن جبير والسدي، وهو بمعنى الملاوة من الزمان وهو الطويل منه. والثاني - قال ابن عباس وقتادة وعطية والضحاك: معنى {ملياً} سوياً سليماً من عقوبتي، وهو من قولهم: فلان مليّ بهذا الأمر إذا كان كامل الأمر فيه مضطلعاً به، فقال له ابراهيم {سلام عليك} أي سلامة عليك، أي اكرام وبر بحق الأبوة وشكر التربية. وقال ذلك على وضع التواضع له ولين الجانب لموضعه {سأستغفر لك ربي} قال قوم: انما وعده بالاستغفار على مقتضى العقل، ولم يَكن قد استقر بعد قبح الاستغفار للمشركين. وقال قوم: معناه سأستغفر لك إذا تركت عبادة الأوثان وأخلصت العبادة لله تعالى. ومعنى قوله {إنه كان بي حفياً} إن الله كان عالماً بي لطيفاً، والخفي اللطيف بعموم النعمة، يقال: تخفني فلان إذا اكرمني وألطفني، وحفي فلان بفلان حفاوة إذا ابره وألطفه. والحفى أذى يلحق باطن القدم للطفه عن المشي بغير نعل ثم قال {وأعتزلكم} أي اتنحى عنكم جانباً، واعتزل عبادة {ما تدعون من دون الله. وادعوا ربي} وحده {عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً}. وقوله {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله} قيل انه اعتزلهم بأن خرج الى ناحية الشام {وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاًّ جعلنا نبياً} أي لما اعتزلهم آنسنا وحشته بأولاد كرام على الله رسل لله، وجعلناهم كلهم أنبياء معظيمن {ووهبنا لهم من رحمتنا} أي من نعمتنا {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} قال ابن عباس والحسن: معناه الثناء الجميل الحسن من جميع أهل الملل، لان أهل الملل على اختلافهم يحسنون الثناء عليهم، وتقول العرب: جاءني لسان من فلان تعنى مدحه أو ذمه قال عامر ابن الحارث: شعر : اني اتتني لسان لا اسربها من علو لا عجب منها ولا سخر جاءت مرجّمة قد كنت احذرها لو كان ينفعني الاشفاق والحذر تفسير : وقيل: معناه انا جعلناهم رسل الله يصدقون عليه أعالي الصفات.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ} اتى بألفاظٍ غليظةٍ فى مقابلة استعطافه اشعاراً بغضبه وتغيّره عن ارشاده ثمّ هدّده فقال {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} عمّا انت عليه من ازدراء الآلهة والرّغبة عنها او من ادّعاء الارشاد والهداية {لأَرْجُمَنَّكَ} بالشّتم والعيب، او لارجمنّك بالحجارة، او هو كناية عن القتل فاحذرنى {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} برهة من الزّمان او ساعة طويلة.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} أبوه {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِى يَا إبْرَاهِيمُ} أتارك أنت عبادتها فتعيبها. والاستفهام توبيخ وإنكار وتعجيب، يعنى أن آلهتى ما ينبغى أن ترغب عنها. وفى ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه. وشتان ما بين إبراهيم وأبيه؛ فإن إبراهيم عليه السلام على الحق، وقد تعطف وتلطف لأبيه ما تلوته عليك. وأما أبوه فقابله بالفظاظة وغلظة العناد، فناداه باسمه ولم يقل: يا ابنى أو يا بنىّ، وأخره، وقدم الرغبة اعتناء بعظم أمرها عنده. وراغب خبر، وأنت مبتدأ، وعن آلهتى متعلق برغبت محذوفا لا براغب، لئلا يلزم الفصل بأَجنبى بين العامل والمعمول. والأجنبى هو أنت. قاله ابن هشام بمعناه. والظاهر عندى جواز هذا الفصل، فيجوز تعليقه براغب. ويجوز كون راغب مبتدأ وأنت فاعل أَغنى عن الخبر. وعن متعلق براغب. واعتُرض: بأن هذا الوصف كالفعل والضمير المرتفع بالفعل لا ينفصل بغير موجب. وأجاب ابن هشام: بأنه لو لم ينفصل لاستتر فيُجهل المعنى، بخلاف الفعل؛ فإنه يبرز معه متصلا، ولأن طلب الوصف لمعموله دون طلب الفعل لمعموله، فاحتمل معه الفصل وبأن مرفوع الوصف سد مسد واجب الفصل وهو الخبر. {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ} عن سب آلهتنا والرغبة عنها. {لأَرْجُمَنَّكَ} قال الحسن: بالحجارة. وعن فرقة: لأقتلنك. والقولان قيل: بمعنى. وعن ابن عباس: لأضربنك. فلعله أراد الضرب بالحجارة. وعن الضحاك: لأرجمنك بالقول القبيح. فالمراد الشتم. والظاهر عندى: أن مراد الحسن الطرد بالحجارة، ومراد الفرقة إثباته ورجمه حتى يموت كما نفعل نحن بالزانى المحصَن. وقيل: المعنى لأبعدنك عنى. {وَاهْجُرْنِى} العطف على محذوف دل عليه الرجم، أى فاحذرنى واهجرنى أى تباعد عنى قبل أن أقتلك، أو أن أثقلك بالضرب حتى لا تستطيع النهوض. عن ابن عباس: اعتزلنى سالما لا تصيبك منى معرة. قال الثعالبى: إذا قلنا: المعنى لأقتلنك فالمراد اهجرنى مع الانتهاء. {مَلِيّاً} دهراً طويلا من الملاوة بضم الميم وفتحها وكسرها، وهى الحين. ومنه: اللوان: الليل والنهار، أو هجرا مليا، أى طويلا. وقيل: اهجرنى مليّاً بالذهاب عنى. وقيل: اهجرنى سالماً. ويجوز تقدير القول أى وقال: اهجرنى. ويجوز العطف على القول قبله. فافهم.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل فماذا قال أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائح الواجبة القبول؟ فقيل قال مصراً على عناده مقابلاً الاستعطاف واللطف بالفظاظة والغلظة: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ} اختار الزمخشري كون {راغب} خبراً مقدماً و{أَنتَ } مبتدأ وفيه توجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجيب. وذهب أبو البقاء وابن مالك وغيرهما إلى أن {أَنتَ } فاعل الصفة لتقدم الاستفهام وهو مغن عن الخبر وذلك لئلا يلزم الفصل بين {أَرَاغِبٌ } ومعموله وهو {عَنْ آلِهَتِي} بأجنبـي هو المبتدأ وأجيب بأن {عَنْ } متعلق بمقدر بعد {أَنتَ} يدل عليه {أَرَاغِبٌ }. وقال «صاحب الكشف»: المبتدأ ليس أجنبياً من كل وجه لا سيما والمفصول ظرف والمقدم في نية التأخير والبليغ يلتفت لفت المعنى بعد أن كان لما يرتكبه وجه مساغ في العربية وإن كان مرجوحاً. ولعل سلوك هذا الأسلوب قريب من ترجيح الاستحسان لقوة أثره على القياس، ولا خفاء أن زيادة الإنكار إنما نشأ من تقديم الخبر كأنه قيل أراغب أنت عنها لا طالب لها راغب فيها منبهاً له على الخطأ في صدوفه ذلك ولو قيل: أترغب لم يكن / من هذا الباب في شيء انتهى، ورجح أبو حيان إعراب أبـي البقاء ومن معه بعدم لزوم الفصل فيه وبسلامة الكلام عليه عن خلاف الأصل في التقديم والتأخير، وتوقف البدر الدماميني في جواز ابتدائية المؤخر في مثل هذا التركيب وإن خلا عن فصل أو محذور آخر كما في أطالع الشمس وذلك نحو أقائم زيد للزوم التباس المبتدأ بالفاعل كما في ضرب زيد فإنه لا يجوز فيه ابتدائية زيد. وأجاب الشمني بأن زيداً في الأول يحتمل أمرين كل منهما بخلاف الأصل وذلك إجمال لا لبس بخلافه في الثاني فتأمل. {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ } تهديد وتحذير عما كان عليه من العظة والتذكير أي والله لئن لم تنته عما أنت عليه من النهي عن عبادتها والدعوة إلى ما دعوتني إليه لأرجمنك بالحجارة على ما روي عن الحسن، وقيل: باللسان والمراد لأشتمنك وروي ذلك عن ابن عباس وعن السدي والضحاك وابن جريج، وقدر بعضهم متعلق النهي الرغبة عن الآلهة أي لئن لم تنته عن الرغبة عن آلهتي لأرجمنك وليس بذاك. {وَٱهْجُرْنِى } عطف على محذوف يدل عليه التهديد أي فاحذرني واتركني وإلى ذلك ذهب الزمخشري. ولعل الداعي لذلك وعدم اعتبار العطف على المذكور أنه لا يصح أو لا يحسن التخالف بين المتعاطفين إنشائية وإخبارية، وجواب القسم غير الاستعطافي لا يكون إنشاء وليست الفاء في فاحذرني عاطفة حتى يعود المحذور. ومن الناس من عطف على الجملة السابقة بناء على تجويز سيبويه العطف مع التخالف في الإخبار والإنشاء والتقدير أوقع في النفس {مَلِيّاً } أي دهراً طويلاً عن الحسن ومجاهد وجماعة، وقال السدي: أبداً وكأنه المراد، وأصله على ما قيل من الإملاء أي الإمداد وكذا الملاوة بتثليث الميم وهي بمعناه ومن ذلك الملوان الليل والنهار ونصبه على الظرفية كما في قول مهلهل:شعر : فتصدعت صم الجبال لموته وبكت عليه المرملات ملياً تفسير : وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه فسره بطويلاً ولم يذكر الموصوف فقيل هو نصب على المصدرية أي هجراً ملياً، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن المعنى سالماً سوياً والمراد قادراً على الهجر مطيقاً له وهو حينئذ حال من فاعل {اهجرني} أي اهجرني ملياً بالهجران والذهاب عني قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح، وكأنه على هذا من تملى بكذا تمتع به ملاوة من الدهر.
ابن عاشور
تفسير : فصلت جملة: {قال...} لوقوعها في المحاورة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : في سورة البقرة (30). والاستفهام للإنكار إنكاراً لتجافي إبراهيم عن عبادة أصنامهم. وإضافة الآلهة إلى ضمير نفسه إضافة ولاية وانتساب إلى المضاف لقصد تشريف المضاف إليه. وقد جاء في جوابه دعوة ابنه بمنتهى الجفاء والعُنجهية بعكسِ ما في كلام إبراهيم من الليّن والرقة، فدلّ ذلك على أنه كان قاسيَ القلب، بعيد الفهم، شديد التصلّب في الكفر. وجملة أراغب أنت جملة اسمية مركبة من مبتدأ وفاعل سدّ مسدّ الخبر على اصطلاح النحاة طرداً لقواعد التركيب اللفظي، ولكنهم لما اعتبروا الاسم الواقع ثانياً بعد الوصف فاعلاً سادّاً مسدّ الخبر فقد أثبتوا لذلك الاسم حكم المسند إليه وصار للوصف المبتدأ حكم المُسند. فمن أجل ذلك كان المصير إلى مثل هذا النظم في نظر البلغاء هو مقتضى كون المقام يتطلّب جملة اسمية للدلالة على ثباتٍ المسند إليه، ويتطلّب الاهتمام بالوصف دون الاسم لغرض يوجب الاهتمام به، فيلتجىء البليغ إلى الإتيان بالوصف أولاً والإتيان بالاسم ثانياً. ولمّا كان الوصف له عملُ فعله تعين على النحاة اعتبار الوصف مبتدأ لأن للمبتدأ عراقةً في الأسماء، واعتباره مع ذلك متطلّباً فاعلاً، وجعلوا فاعله سادّاً مسدّ الخبر، فصار للتركيب شبهان. والتحقيقُ أنه في قوّة خبر مقدم ومبتدأ مؤخر. ولهذا نظر الزمخشري في الكشاف إلى هذا المقصد فقال: قُدم الخبر على المبتدأ في قوله: أراغب أنت عن آلهتي لأنه كان أهمّ عنده وهو به أعنى اهـ. ولله دره، وإن ضاع بين أكثر الناظرين دُرُّه. فدل النظم في هذه الآية على أن أبا إبراهيم ينكر على إبراهيم تمكن الرغبة عن آلهتهم من نفسه، ويهتم بأمر الرغبة عن الآلهة لأنها موضع عَجب. والنداء في قوله يا إبراهيم تكملة لجملة الإنكار والتعجب، لأنّ المتعجب من فعله مع حضوره يقصد بندائه تنبيهه على سوء فعله، كأنه في غيبة عن إدراك فعله، فالمتكلم ينزله منزلة الغائب فيناديه لإرجاع رشده إليه، فينبغي الوقف على قوله يا إبراهيم. وجملة {لئن لم تنته لأرجمنّك} مستأنفة. واللام موطئة للقسم تأكيداً لكونه راجمهُ إن لم ينته عن كفره بآلهتهم. والرجم: الرمي بالحجارة، وهو كناية مشهورة في معنى القتل بذلك الرمي. وإسنادُ أبي إبراهيم ذلك إلى نفسه يحتمل الحقيقة؛ إما لأنه كان من عادتهم أن الوالد يتحكم في عقوبة ابنه، وإما لأنه كان حاكماً في قومه. ويحتمل المجاز العقلي إذ لعله كان كبيراً في دينهم فيرجم قومُه إبراهيمَ استناداً لحكمه بمروقه عن دينهم. وجملة واهجرني مليا عطف على جملة لئن لم تنته لأرجمنك؛ وذلك أنه هدّده بعقوبة آجلة إن لم يقلع عن كفره بآلهتهم، وبعقوبة عاجلة وهي طردهُ من معاشرته وقطع مكالمته. والهجر: قطع المكالمة وقطع المعاشرة، وإنما أمر أبو إبراهيم ابنَه بهجرانه ولم يخبره بأنه هو يهجره ليدلّ على أن هذا الهجران في معنى الطرد والخَلْع إشعاراً بتحقيره. و{مَليا}: طويلاً، وهو فعيل، ولا يعرف له فعل مجرد ولا مصدر. فمليّ مشتق من مصدر مُمات، وهو فعيل بمعنى فاعل لأنه يقال: أملى له، إذا أطال له المدة، فيأتون بهمزة التعدية، فـ{مليا} صفة لمصدر محذوف منصوب على المفعولية المطلقة، أي هجراً مَليّاً، ومنه الملاوة من الدهر للمدة المديدة من الزمان، وهذه المادة تدلّ على كثرة الشيء. ويجوز أن ينتصب على الصفة لظرف محذوف، أي زماناً طويلاً، بناء على أن المَلا مقصوراً غالب في الزمان فذكره يغني عن ذكر موصوفه كقوله تعالى: {أية : وحملناه على ذات ألواح}تفسير : [القمر: 13]، أي سفينة ذات ألواح.
الشنقيطي
تفسير : بين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: إن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر. ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان- خاطبه هذا الخطاب العنيف، وسماه باسمه ولم يقل له يا بني في مقابلة قوله له يا أبت. وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان أي معرض عنها لا يريدها. لأنه لا يعبد إلا الله وحده جل وعلا. وهدده جل وعلا. وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه (قيل بالحجارة وقيل باللسان شتماً) والأول أظهر. ثم أمره بهجره ملياً أي زماناً طويلاً، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضاً جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} الآية. وخطاب إبراهيم لأبيه الجاهل بقوله {سَلاَمٌ عَلَيْكَ} قد بين جل وعلا أنه خطاب عباده المؤمنين للجهال إذا خاطبوهم، كما قال تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]، وقال تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [القصص: 55] وما ذكره تعالى هنا من أن إبراهيم لما أقنع أباه بالحجة القاطعة، قابله أبوه بالعنف والشدة - بين في مواضع أخر أنه هو عادة الكفار المتعصبين لأصنامهم، كلما أفحموا بالحجة القاطعة لجؤوا إلى استعمال القوة، كقوله تعالى عن إبراهيم لما قال له الكفار عن أصنامهم: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ}تفسير : [الأنبياء: 65] قال {أية : أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 67] فلما أفحمهم بهذه الحجة لجؤوا إلى القوة، كما قال تعالى عنهم: {أية : قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 68]. ونظيره قوله تعالى عن قوم إبراهيم: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [العنكبوت: 24] الآية، وقوله عن قوم لوط لما أفحمهم بالحجة: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ}تفسير : [النمل: 56] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ} يعني لا ينالك مني أذى ولا مكروه، بل ستسلم مني فلا أوذيك. وقوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} وعد من إبراهيم لأبيه باستغفاره له، وقد وفى بذلك الوعد، كما قال تعالى عنه {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الشعراء: 86]، وكما قال تعالى عنه: {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}تفسير : [إبراهيم: 41]. ولكن الله بين له أنه عدو لله تبرأ منه، ولم يستغفر له بعد ذلك، كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}تفسير : [التوبة: 114]، وقد قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاه }تفسير : [التوبة: 114] والموعدة المذكورة هي قوله هنا {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} الآية. ولما اقتدى المؤمنون بإبراهيم فاستغفروا لموتاهم المشركين، واستغفر النَّبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب - أنزل الله فيهم {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [التوبة: 113]. ثم قال: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} الآية. وبين في سورة "الممتحنة" أن الاستغفار للمشركين مستثنى من الأسوة بإبراهيم، والأسوة الإقتداء، وذلك في قوله تعالى {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا }تفسير : [الممتحنة: 4] - إلى قوله - {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ }تفسير : [الممتحنة: 4] الآية، أي فلا أسوة لكم في إبراهيم في ذلك. ولما ندم المسلمون على استغفارهم للمشركين حين قال فيهم: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 113] الآية - بيَّن الله تعالى أنهم معذورون في ذلك. لأنه لم يبين لهم منع ذلك قبل فعله، وذلك في قوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ}تفسير : [التوبة:115 ]. وقوله في هذه الآية: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي} يجوز فيه أن يكون "راغب" خبراً مقدماً، و"أنت" مبتدأ مؤخراً، وأن يكون "أراغب" مبتدأ و"أنت" فاعل سد مسد الخبر. ويترجح هذا الإعراب الأخير على الأول من وجهين: الأول - أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير. والأصل في الخبر التأخير كما هو معلوم. الوجه الثاني - هو ألا يكون فصل بين العامل الذي هو "أراغب" وبين معموله الذي هو "عن آلهتي" بما ليس بمعمول للعامل. لأن الخبر ليس هو عاملاً في المبتدأ، بخلاف كون "أنت" فاعلاً. فإنه معمول "أراغب" فلم يفصل بين "أراغب" وبين "عن آلهتي" بأجنبي، وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره. والرغبة عن الشيء: تركه عمداً للزهد فيه، وعدم الحاجة إليه، وقد قدمنا في سورة "النساء" الفرق بين قولهم: رغب عنه، وقولهم: رغب فيه في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}تفسير : [النساء: 127] الآية. والتحقيق في قوله "ملياً" أن المراد به الزمن الطويل ومنه قول مهلهل: شعر : فتصدعت صم الجبال لموته وبكت عليه المرملات مليا تفسير : وأصله واوي اللام. لأنه من الملاوة وهي مدة العيش. ومن ذلك قيل لليل والنهار. الملوان: ومنه قول ابن مقبل: شعر : إلا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلي الملوان تفسير : وقول الآخر: شعر : نهار وليل دائم ملواهما على كل حال المرء يختلفان تفسير : وقيل الملوان في بيت ابن مقبل: طرفا النهار. وقوله {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي لطيفاً بي. كثير الإحسان إلي. وجملة {وَٱهْجُرْنِي} [مريم: 46] عطف على جملة {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} [مريم: 46] وذلك دليل على جواز عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية، ونظير ذلك من كلام العرب قول امرىء القيس: شعر : وإن شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معول تفسير : فجملة "وإن شفائي" خبرية، وجملة "وهل عند رسم" الخ إنشائية معطوفة عليها. وقول الآخر أيضاً: شعر : تناغى غزالا عند باب ابن عامر وكحل مآقيك الحسان بإثمد تفسير : وهذا هو الظاهر كما قال أبو حيان عن سيبويه. وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: علام عطف {وَٱهْجُرْنِي} قلت على معطوف عليه محذوف يدل عليه "لأرجمنك" أي فاحذرني واهجرني. لأن {لأَرْجُمَنَّكََ} تهديد وتقريع اهـ.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 46- قال الأب لإبراهيم منكراً عليه، مهدداً له: كيف تنصرف عن آلهتى يا إبراهيم وتدعونى إلى عبادة إلهك؟ لئن لم تكف عن شتم الأصنام لأضربنك بالحجارة، فاحذرنى واتركنى زماناً طويلا، حتى تهدأ ثائرتى عنك. 47- تلطف إبراهيم مع أبيه وودعه قائلا: سلام عليك منى، وسأدعو لك ربى بالهداية والمغفرة، وقد عوَّدنى ربى أن يكون رحيماً بى قريباً منى. 48- وهاأنذا أهجركم وأبتعد عما تعبدون من دون الله، وأعبد ربى - وحده - راجياً أن يقبل طاعتى ولا يخيب رجائى. 49- فلما فارق إبراهيم أباه وقومه وآلهتهم، أكرمه الله بالذرية الصالحة على يأس منه، إذ بلغ هو وزوجه حد الكبر الذى لا ينجب، فوهب له إسحاق، ورزقه من إسحاق يعقوب، وجعلناهما نبيين. 50- وأعطيناهم فوق منزلة النبوة كثيراً من خيْرى الدين والدنيا برحمتنا، وأورثناهم فى الدنيا ذكرى طيبة خالدة، بلسان صدق علىٍّ يتحدث بذكرهم. 51- واتل - أيها الرسول - على الناس ما فى القرآن من قصة موسى، إنه كان خالصاً بنفسه وقلبه وجسمه لله، وقد اصطفاه الله للنبوة والرسالة. 52- وكرمناه فناديناه عند جبل الطور، وسمع موسى النداء الإلهى من الجهة اليمنى، وقرَّبناه تقْريب تشريف واصطفيناه لمناجاتنا. 53- ومنحناه من رحمتنا ونعمنا، واخترنا معه أخاه هارون نبيا، يعاونه فى تبليغ الرسالة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لئن لم تنته: أي عن التعرض لها وعيبها. لأرجمنك: بالحجارة أو بالقول القبيح فاحذرني. واهجرني مليا: أي سليما من عقوبتي. سلام عليك: أي أمنةٌ مني لك أن أعاودك فيما كرهت مني. إنه كان بي حفيا: أي لطيفاً بي مكرماً لي يجيبني لما أدعوه له. عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا: بل يجيب دعائي ويعطني مسألتي. فلما اعتزلهم: بأن هاجر إلى أرض القدس وتركهم. وهبنا له إسحاق ويعقوب: أي وهبنا له ولدين يأنس بهما مجازاة منا له على هجرته قومه. ووهبنا لهم من رحمتنا: خيراً كثيراً المال والولد بعد النبوة والعلم. لسان صدق عليا: أي رفيعاً بأن يُثنى عليهم ويذكرون بأطيب الخصال. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة إبراهيم مع أبيه آزر إنه بعد تلك الدعوة الرحيمة بالألفاظ الطيبة الكريمة التي وجهها إبراهيم لأبيه آزر ليؤمن ويوحد فينجو ويسعد قال آزر راداً عليه بعبارات خالية من الرحمة والأدب بل ملؤها الغلظة والفظاظة والوعيد والتهديد وهي ما أخبر به تعالى عنه في قوله: في الآية [46] {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ} أي أكاره لها تعيبها، {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} أي عن التعرض لها بأي سوء {لأَرْجُمَنَّكَ} بأبشع الألفاظ وأقبحها، {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} أي وابعد عني ما دمت معافى سليم البدن سويه قبل أن ينالك مني ما تكره. كان هذا رد آزر الكافر المشرك. فيما أجاب إبراهيم المؤمن الموحد أجاب بما أخبر تعالى به عنه في قوله في آية [47] {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} أي أمان لك مني يا أبتاه فلا أعاودك فيما كرهت مني قط وسأقابل إساءتك بإحسان {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} أي أطلب منه أن يهديك للإِيمان والتوحيد فتتوب فيغفر لك {إِنَّهُ كَانَ} سبحانه وتعالى {بِي حَفِيّاً} لطيفاً بي مكرماً لي لا يخيبني فيما أدعوه فيه. وقوله تعالى حكاية عن قيل إبراهيم: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي أذهب بعيداً عنكم تاركاً لكم ولما تعبدون من دون الله من أصنام وأوثان، {وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} أي رجائي في ربي كبير أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام. قال تعالى مخبراً عنه فلما حقق ما واعدهم به من هجرته لديارهم إلى ديار القدس تاركاً أباه وأهله وداره كافأناه بأحسن حيث أعطيناه ولدين يأنس بهما في وحشته وهما إسحاق ويعقوب وكلا منهما جعلناه نبيا رسولاً، ووهبنا لجميعهم وهم ثلاثة الوالد إبراهيم وولداه إسحاق ويعقوب بن إسحاق عليهم السلام من رحمتنا الخير العظيم من المال والولد والرزق الحسن هذا معنى قوله تعالى: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} وهو ابن ولده إسحاق {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا}. وقوله تعالى عنهم {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} هذا إنعام آخر مقابل الهجرة في سبيل الله حيث جعل الله تعالى لهم لسان الصدق في الآخرة فسائر أهل الأديان الإلهية يثنون على إبراهيم وذريته بأطيب الثناء وأحسنه وهو لسان الصدق العلي الرفيع الذي حظى به إبراهيم وولديه إكراماً من الله تعالى وإنعاماً عليهم جزاء صدق إبراهيم وصبره وبالتالي هجرته للأصنام وعابديها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان الفرق بين ما يخرج من فم المؤمن الموحد من طيب القول وسلامة اللفظ ولين الجانب والكلام، وبين ما يخرج من فم الكافر المشرك من سوء القول وقبح اللفظ وقسوة الجانب وفظاظة الكلام. 2- مشروعية المتاركة والموادعة وهو أن يقال للسيء من الناس سلام عليك وهو لا يريد بذلك تحيته ولكن تركه وما هو فيه. 3- مشروعية الهجرة وبيان فضلها وهجرة إبراهيم هذه أول هجرة كانت في الأرض. 4- الترغيب في حسن الأحدوثة بأن يكون للمرء حسن ثناء بين الناس لما يقدم من جميل وما يورث من خير وإفضال.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَتِي} {يٰإِبْرَاهِيمُ} {لَئِنْ} (46) - فَأَجَابَهُ أَبُوهُ قَائِلاً: أَتَرْفُضُ عِبَادَةَ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنْ مُطَالَبَتِي بِالاقْلاَعِ عَنْ عِبَادَتِهَا، وَعِبَادَةِ إِلهكَ وَحْدَهُ، لأَرْجُمَنَّكَ بِالْحِجَارَةِ، فَاحْذَرْنِي، وَابْتَعِدْ عَنِّي وَفَارِقْنِي دَهْراً طَويلاً، حَتَّى تَهْدَأَ ثَائِرَتِي. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ (مَلِيّاً) أَيْ اهْجُرْنِي وَأَنْتَ سَوِّيٌّ سَالِمٌ، قَبْلَ أَنْ تَنَالَكَ عُقُوبَتِي). وَاهْجُرْنِي مَلِياً - فَارِقْنِي وَقْتاً طَوِيلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الفعل (رغب) يحمل المعنى وضده حَسْب حرف الجر بعده، نقول: رغب في كذا. أي: أحبه وذهب إليه، ورَغب عن كذا أي: كرهه واعتزله، فمعنى {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ ..} [مريم: 46] أي: تاركها إلى غيرها، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ..}تفسير : [البقرة: 130] أي: تركها إلى مِلَّة أخرى. ونلاحظ أن الفعل رَغِب لم يأْتِ مقترناً بعده بفي إلا مرة واحدة، وإنْ كانت (في) مُقدَّرة بعد الفعل، وهذا في قوله تعالى عن نكاح يتامى النساء: {أية : وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ..}تفسير : [النساء: 127]. والرغبة في الشيء تعني حُبه وعِشْقه، والرغبة في الطريق الموصّل إليه، إلا أنك لم تسلك هذا الطريق بالفعل، ولم تأخذ بالأسباب التي تُوصّلك إلى ما ترغب فيه، وهذا المعنى واضح في قصة أصحاب الجنة في سورة (ن) حيث يقول تعالى: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}تفسير : [القلم: 17-20]. فقد اتفقوا على قَطْف ثمار بستانهم في الصباح، ولم يقولوا: إن شاء الله، فدمّرها الله وأهلكها وهم نائمون، وفي الصباح انطلقوا إلى جنتهم وهم يقولون فيما بينهم: {أية : لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ}تفسير : [القلم: 24]. وهكذا قطعوا الطريق على أنفسهم حينما حَرَمُوا المسكين {أية : فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}تفسير : [القلم: 26-27] ثم تنبهوا إلى ما وقعوا فيه من خطأ، وعادوا إلى صوابهم فقالوا: {أية : عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ}تفسير : [القلم: 32]. أي: راغبون في الطريق الموصّل إليه تعالى، فقبل أنْ تقول: أنا راغب في الله. قل: أنا راغب إلى الله، فالمسألة ليست حُباً فقط بل حُباً بثمن وسَعْي وعَمل يُوصِّلك إلى ما تحب. إذن: قبل أنْ تكونوا راغبين في ربكم ارغبوا إليه أولاً. وفي موضع آخر يقول تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ ..}تفسير : [التوبة: 58] أي: يعيبك في توزيعها {أية : فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}تفسير : [التوبة: 58] فهم - إذن - لا يحبون الله، وإنما يحبون العطاء والعَرَض الزائل، بدليل أنهم لما مُنِعُوا سخطوا وصرفوا نظرهم عن دين الله كمَنْ قال الله فيهم: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ..}تفسير : [الحج: 11]. لذلك يُعدِّل لهم الحق سبحانه سلوكهم، ويرشدهم إلى المنهج القويم: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ}تفسير : [التوبة: 59] أي: آخذين الوسيلة الموصِّلة إليه، فالذي يرغب في حب الله عليه أنْ يرغبَ في الطريق الموصّل إليه. ثم يقول أبو إبراهيم: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ ..} [مريم: 46] أي: تترك هذه المسألة التي تدعو إليها. والرجْم: هو الرمي بالحجارة، ويبدو أن عملية الرجم كانت طريقة للتعذيب الشديد، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ..}تفسير : [الكهف: 20]. {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} [مريم: 46] أي: ابتعد عني وفارقني {مَلِيّاً} [مريم: 46] المليّ: البُرْهة الطويلة من الزمن. ومنها الملاوة: الفترة الطويلة من الزمن، والملوَان: الليل والنهار. فماذا قال نبي الله إبراهيم لعمه بعد هذه القسوة؟ لم يخرج إبراهيم عن سَمْته العادل، ولم يتعدَّ أدب الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. قال: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} معناه دهرٌ. وقال: حينٌ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 573 : 25 : 8 - سفين عن أبي حصين عن عكرمة في قوله {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} قال، دهرا. [الآية 46].
همام الصنعاني
تفسير : 1767- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} [الآية: 46]، قالَ: زماناً طويلاً. 1768- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، قال قتادة: {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} قال: سالماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):