Verse. 2297 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

قَالَ سَلٰمٌ عَلَيْكَ۝۰ۚ سَاَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيْ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ بِيْ حَفِيًّا۝۴۷
Qala salamun AAalayka saastaghfiru laka rabbee innahu kana bee hafiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(قال سلام عليك) مني أي لا أصيبك بمكروه (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) من حفي أي بارا فيجيب دعائي وقد أوفى بوعده المذكور في الشعراء "" واغفر لأبي "" وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله كما ذكره في براءة.

47

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيْكَ } منِّي أي لا أصيبك بمكروه {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } من (حَفِيَ): أي بارًّا فيجيب دعائي، وقد أوفى بوعده المذكور في (الشعراء) { أية : وَٱغْفِرْ لأَبِى } تفسير : [86:26] وهذا قبل أن يتبيَّن له أنه { أية : عَدوٌّ لِّلَّهِ } تفسير : [114:9] كما ذكره في (براءة).

ابن عطية

تفسير : قرأ أبو البرهسم "سلاماً عليك" بالنصب، واختلف أهل العلم في معنى تسلميه عليه، فقال بعضهم هي تحية مفارق وجوزوا تحية الكافر وأن يبدأ بها. وقال الجمهور: ذلك التسليم بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية، قال الطبري معناه أمنة مني لك، وهذا قول الجمهور وهم لا يرون ابتداء الكافر بالسلام، وقال النقاش: حليم خاطب سفيهاً كما قال، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، ورفع السلام بالابتداء، وجاز ذلك مع نكرته لأنها نكرة مخصصة فقربت من المعرفة ولأنه في موضع المنصوب الذي هو سلمت سلاماً وهذا كما يجوز ذلك في ما هو في معنى الفاعل كقولهم شراً أهرّ ذا ناب، هذا مقال سيبويه، وقوله تعالى {سأستغفر} معناه سأدعو الله تعالى في أن يهديك فيغفر لك بإيمانك وهذا أظهر من أن يتأول على إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم أنه لم يعلم أن الله لا يغفر لكافر، وقد يجوز أن يكون إبراهيم عليه السلام أول نبي أوحي إليه أن لا يغفر لكافر، لأن هذه العقيدة إنما طريقها السمع، فكانت هذه المقالة منه لأبيه قبل أن يوحى إليه ذلك، وإبراهيم عليه السلام إنما تبين له في أبيه أنه عدو لله بأحد وجهبن إما بموته على الكفر كما روي وإما بأن أوحي إليه تعسف الحتم عليه، وقال مكي عن السدي: أخره بالاستغفار الى السحر، وهذا تعسف، وإنما ذكر ذلك في أمر يعقوب وبنيه وأما هذا فوعد باستغفار كثير مؤتنف فالسين متمكنة. و"الحفي" المبتهل المتلطف وهذا شكر من إبراهيم لنعم الله تعالى عليه، ثم أخبره أنه يعتزلهم أي يصير عنهم بمعزل، ويروى أنهم كانوا بأرض كوثا فرحل إبراهيم عليه السلام حتى نزل الشام وفي سفرته تلك لقي الجبار الذي أخدم هاجر بسارة الحديث بطوله، و {تدعون} بمعنى تعبدون، وقوله {عسى} ترج، في ضمنه خوف شديد، وقوله {فلما اعتزلهم} الى آخر الآية، إخبار من الله تعالى لمحمد عليه السلام أنه لما رحل عن بلد أبيه وقومه عوضه الله من ذلك ابنه {إسحاق} وابنه {يعقوب} وجعل له الولد تسلية وشداً لعضده، و {إسحاق} أصغر من إسماعيل، ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت سارة فحملت بـ {إسحاق} هذا ما روي، وقوله {ووهبنا لهم من رحمتنا} يريد العلم والمنزلة والشرف في الدنيا والنعيم في الأخرة، كل ذلك من رحمة الله، و "لسان الصدق" هو الثناء الباقي عليهم أخر الأبد، قاله ابن عباس. واللسان في كلام العرب المقالة الذائعة كانت في خير أو شر ومنه قول الشاعر: [البسيط]. شعر : إني أتتني لسان لا أسر بها من علو لا كذب فيها ولا سخر تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : "ندمت على لسان فات مني" تفسير : وإبراهيم الخليل وبنوه معظمون في جميع الأمم والملل صلى الله عليهم أجمعين.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَلامٌ} توديع وهجر، أو سلام: إكرام وبر، قابل جفوته بالإحسان رعاية لحق الأبوة وهو أظهر {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ} إن تركت عبادة الأوثان، أو أدعو لك بالهُدى المقتضي للغفران {حَفِيّاً} مقرباً، أو مكرماً، أو رحيماً، أو عليماً، أو متعهداً.

الخازن

تفسير : {قال} يعني إبراهيم {سلام عليك} أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه وذلك لأنه لم يؤمن بقتاله على كفره، وقيل هذا سلام هجران ومفارقة، وقيل هو سلام بر ولطف وهو جواب الحليم للسفيه {سأستغفر لك ربي}، قيل إنه لما أعياه أمره وعده أن يراجع الله فيه فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له، وقيل معناه سأسأل لك ربي توبة تنال بها المغفرة {إنه كان بي حفياً} أي براً لطيفاً والمراد أنه يستجيب لي إذا دعوته لأنه عودني الإجابة لدعائي {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} أي أفارقكم وأفارق ما تعبدون من دون الله وذلك أنه فارقهم وهاجر إلى الأرض المقدسة {وأدعو ربي} أي أعبد ربي الذي خلقني وأنعم علي {عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً} أي أرجو أن لا أشقى بدعاء ربي وعبادته كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام، ففيه التواضع له مع التعريض بشقاوتهم. قوله عز وجل {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله} أي ذهب مهاجراً {وهبنا له} أي بعد الهجرة {إسحاق ويعقوب} أي آنسنا وحشته من فراقهم بأولاد أكرم على الله من أبيه {وكلاًّ جعلنا نبياً} أي أنعمنا عليهما بالنبوة {ووهبنا لهم من رحمتنا} أي مع ما وهبنا لهم من النبوة وهبنا لهم المال والولد وذلك أنه بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق وكثرة الأولاد {وجعلنا لهم لسان صدق علياً} يعني ثناء حسناً رفيعاً في أهل كل دين حتى دعا لهم أهل الأديان كلهم فهم يتولونهم ويثنون عليهم. قوله عز وجل {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً} قرىء بكسر اللام أي أخلص العبادة، والطاعة لله تعالى ولم يراء وقرىء بالفتح أي مختاراً اختاره الله تعالى ثم استخلصه واصطفاه {وكان رسولاً نبياً} فهذان وصفان مختلفان فكل رسول نبي ولا عكس {وناديناه من جانب الطور الأيمن} أي من ناحية يمين موسى، والطور جبل معروف بين مصر ومدين ويقال إن اسمه الزبير، وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار فنودي يا موسى إنى أنا رب العالمين {وقربناه} قال ابن عباس: قربه وكلمه ومعنى التقريب إسماعه كلامه وقيل رفعه على الحجب حتى سمع صرير الأقلام، وقيل معناه رفع قدره ومنزلته أي وشرفناه بالمناجاة وهو قوله تعالى {نجياً} أي مناجياً {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً} وذلك أن موسى دعا ربه فقال واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي فأجاب الله دعوته، وأرسل إلى هارون ولذلك سماه هبة له وكان هارون أكبر من موسى. قوله عز وجل {واذكر في الكتاب إسماعيل} هو إسماعيل بن إبراهيم وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم {إنه كان صادق الوعد} قيل إنه لم يعد شيئاً إلا وفى به وقيل إنه وعد رجلاً أن يقوم مكانه حتى يرجع الرجل فوقف إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد، حتى رجع إليه الرجل وقيل إنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به، فوصفه الله بهذا الخلق الحسن الشريف، سئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاداً إلى أي وقت ينتظر فقال إن وعده نهاراً فكل النهار وإن وعده ليلاً فكل الليل، وسئل بعضهم عن مثل ذلك فقال إن وعده في وقت صلاة ينتظر إلى وقت صلاة أخرى {وكان رسولاً} إلى جرهم، وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا على هاجر أم أسماعيل بوادي مكة حين خلفهم إبراهيم، وجرهم هو جرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ وقحطان أبو قبائل اليمن {نبياً} أي مخبراً عن الله تعالى {وكان يأمر أهله} أي قومه وجميع أمته {بالصلاة والزكاة} قال ابن عباس: يريد الصلاة المفروضة عليهم وهي الحنيفية التي افترضت علينا، وقيل كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاة والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم {وكان عند ربه مرضياً} أي قائماً لله بطاعته وقيل رضيه لنبوته ورسالته وهذا نهاية في المدح لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات. قوله عز وجل {واذكر في الكتاب إدريس} هو جد أبي نوح واسمه أخنوخ، سمي إدريس لكثرة دراسة الكتب وكان خياطاً وهو أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب وليس المخيط وكانوا من قبل يلبسون الجلود وهو أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم الحساب. {إنه كان صديقاً نبياً} وذلك أن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة {ورفعناه مكاناً علياً} قيل هي الرفعة بعلو المرتبة في الدنيا، وقيل إنه رفع إلى السماء. وهو الأصح يدل عليه ما روى أنس بن مالك بن صعصعة "عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج" متفق عليه وكان سبب رفع إدريس إلى السماء الرابعة على ما قاله كعب الأحبار وغيره: أنه سار يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب إني مشيت يوماً فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف فقال يا رب خلقتني لحر الشمس فما الذي قضيت فيه؟ قال إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها، فأجبته قال يا رب فاجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه خلة فأذن له حتى أتى إدريس، فكان إدريس يسأله ما سأله أن قال إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي لعلي ازداد شكراً وعبادة فقال الملك {أية : ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها}تفسير : [المنافقون: 11] وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال له إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، فقال ملك الموت ليس لي ذلك ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه قال نعم فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً. قال وكيف ذلك فقال لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس. قال إني أتيتك وتركته هناك قال انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من عمر إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتاً وقال وهب: كان يرفع لإدريس فاستأذن ربه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى الطعام فأبى أن يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال، فأنكره إدريس وقال له في الليلة الثالثة: إني أريد أن أعلم من أنت قال: أنا ملك الموت، استأذنت ربي أن أصحبك فقال لي إليك حاجة قال وما هي قال تقبض روحي. فأوحى الله إليه أن أقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة فقال له ملك الموت ما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال لأذوق كرب الموت وغمه فأكون أشد استعداداً له. ثم قال له إدريس لي إليك حاجة أخرى. قال وما هي قال ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار فأذن الله له فرفعه فلما قرب من النار قال لي إليك حاجة قال وما هي قال أريد أن أسأل مالكاً أن يرفع أبوابها فأراها. ففعل قال فكما أريتني النار فأرني الجنة. فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتحت أبوابها فأدخله الجنة ثم قال له ملك الموت اخرج لتعود إلى مقرك فتعلق بشجرة، وقال ما أخرج منها فبعث الله إليه ملكاً حكماً بينهما قال له الملك ما لك لا تخرج؟ قال لأن الله تعالى قال {أية : كل نفس ذائقة الموت}تفسير : [الأَنبياء: 35] وقد ذقته ثم قال {أية : وإن منكم إلا واردها}تفسير : [مريم: 71] فأنا وردتها وقال {أية : وما هم منها بمخرجين}تفسير : [الحجر: 48] فلست أخرج فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا يخرج فهو حي هناك فذلك قوله تعالى {ورفعناه مكاناً علياً} واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت. فقال قوم هو ميت واستدل بالأول. وقال قوم هو حي واستدل بهذا. وقالوا أربعة من الأنبياء احياء اثنان في الأرض وهما الخضر وإلياس. واثنان في السماء وهما إدريس وعيسى.

الثعالبي

تفسير : وقولهُ: {قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ} اختُلِف في معنى تَسْلِيمه علىٰ أَبِيهِ، فقال بعضُهم: هي تحيةُ مفارقٍ, وجوَّزوا تحيةَ الكَافِر وأَن يُبْدَأ بها. وقال الجمهورُ: ذلك السلامُ بمعنى المُسَالمةِ، لا بمعنى التَّحِيَّة. وقال الطبريّ: معناه أَمَنَة مِنّي لك؛ وهذا قول الجمهُورِ؛ وهم لا يَروْن ابتداءَ الكافِرِ بالسَّلاَم. وقال النَّقَّاشُ: حليمٌ خاطب سَفِيهاً؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَـٰماً} تفسير : [الفرقان:63]. قوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} معناه: سأَدْعُو اللّه تعالى في أَن يَهْدِيَكَ, فيغفِرَ لك بإيمانك، ولمّا تبيَّن له أَنه عدوٌّ للَّه تبرّأَ منه. والحِفيُّ: المهتبلُ المتلطِّف، وهذا شُكْر من إبراهيمَ لنعم اللّه تعالى عليه، ثم أَخبر إبراهيمُ عليه السلام بأَنه يعتزلهم، أَيْ: يصيرعنهم بمعْزِل, ويروى: أَنهم كانوا بأَرض كُوثَى، فرحل عليه السلام حَتَّىٰ نزل الشامَ، وفي سفرته تلك لقِي الجبَّار الَّذي أَخْدم هاجرَ... الحديثَ الصحيح بطوله، و{تَدْعُونَ} معناه: تعبدون. وقوله: {عَسَىٰ}: تَرَجٍّ في ضمنه خَوْفٌ شديد. وقوله سبحانه: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ...} إلى آخر الآية: إخبار من اللّه تعالى لنبِيّه صلى الله عليه وسلم أَنَّه لما رَحَل إبراهيم عن بلد أَبِيه وقومه، عوّضَهُ اللّهُ تعالى من ذلك ابنَهُ إسحاق، وابنَ ٱبْنِهِ يعقوبَ - على جميعهم السلام - وجعلَ الولدَ له تَسْلِيةً، وشَدًّا لِعَضُدِهِ. وإسحاقُ أَصغر من إسماعيل، ولما حملت هاجرِ بإسْمَاعِيل، غارَتْ سَارَةُ؛ فحملت بإسحاقِ، هكذا فيما روي. وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِّن رَّحْمَتِنَا} يريد: العِلْم، والمنزِلَة، والشَّرَف في الدنيا، والنَّعيم في الآخرة؛ كُلُّ ذلك مِنْ رَحْمة اللّه عز وجل، ولِسَانُ الصَّدْق: هو الثَّناءُ البَاقِي عليهم آخر الأَبد؛ قاله ابنُ عباس وإبراهيمُ الخليل صلى الله عليه وسلم وذريته مُعظَّمة في جميع الأُمم والمِلَل. قال * ص *: و{كُّلاً جَعَلْنَا نَبِيّاً} أَبو البقاء: هو منصوبٌ بـ {جَعَلْنَا} انتهى.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} هذا سلام الاعراض عن الاغيار وتلطف الابرار بالجهال قال تعالى {أية : وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} تفسير : قال ابو بكر بن طاهر لما بدأ منه كلام الجهال من الدعوة الى ألهته والوعيد على ذلك ان خالقه جعل جوابه جواب بجهال بالسّلام لان الله قال اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ثم ان الله سبحانه اخبر عن صديقية ابراهيم من تبرية عما دون الله بقوله {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} العيش الهنى صحبة الابرار مع ترك مصاحبة الاشرار قال ابو تراب النخشى صحبة الاشرار تورث سوء الظن بالاخيار {وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} تكلم من حقائق يقينه انه عند الله على شرف كامل وانه مجاب الدعوة فطمع فى الحق ما طمع من نظهر الى علومه المجهولة الغيبية قال عبد العزيز الملكى كان الخليل عليه السّلام يهاب به ان يدعوه ويذكره ويعظمه ان لا يكون يدعوه بلسان لا يصلح لدعائه استحياء وحشمة وخيفة وهيبة بعدم معرفته بجلاله فلما ترك صحبة المنكر راق الله من نفسه انبياء بقوله {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} من ترك الخليفة فالله خليفته فى كل مراد جعل سبحانه اسحاق ويعقوب واسماعيل ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم اجمعين وموسى ويحيى وجميع الانبياء والرسل بعده عوضا له من ابيه أدم كان عليه السّلام الصدد من مجران ابيه عنه وعن دينه فجعل اخلاقه من الانبياء والمرسلين والاولياء والصديقين عوضا لابيه حتى لا يضيق صدره قال الواسطى عوض الاكابر على مقدار الحدث جعل فهم التلاوة للاحكام وجعل فهم الحقيقة للاسقام قال الله فلما اعتزلهم الاية وقال لموسى ووهبنا من رحمتنا اخاه هارون نبيا ولما اعتزل محمد صلى الله عليه وسلم الاكوان اجمع ولم يزغ البصر فى وقت النظر وما طغى قيل انك لعلى خلق عظيم حيث لم يزاغ غيره حلاه بصفته فقال ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} ابراهيم وهواسئناف بيانى {سلام عليك}[سلام برتو يعنى ميروم ووداع ميكنم] فهو سلام مفارقة لاسلام لطف واحسان لانه ليس بدعاء له كقوله {أية : سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين}تفسير : على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة ودل على جواز متاركة المنصوح اذا اظهر اللجاج. والمعنى سلمت منى لا اصيبك بمكروه بعد ولا اشافهك بما يؤذيك ولكن{أية : سأستغفر لك ربى}تفسير : السين للاستقبال او لمجرد التأكيد اى استدعيه ان يغفر لك بان يوفقك للتوبة ويهديك الى الايمان كما يلوح به تعليل قوله {واغفر لابى} بقوله {انه كان من الضالين} والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبيين انه يموتعلى الكفر مما لا ريب فى جوازه وانما المحظور استدعاؤه له مع بقائه على الكفر فانه مما لا مساغ له عقلا ولا نقلا واما الاستغفار له بعد موته على الكفر فلا يأباه قضية العقل وانما الذى يمنعه السمع ألا يرى الى انه عليه السلام قال لعمه ابى طالب "حديث : لا ازال استغفر لك ما لم أنه عنه"تفسير : فنزل قوله تعالى {أية : ما كان للنبى والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين}تفسير : الآية ولا اشتباه فى ان هذا الوعد من ابراهيم وكذا قوله {لاستغفرن لك} وما ترتب عليهما من قوله {أية : واغفر لابى}تفسير : انما كان قبل انقطاع رجائه عن ايمانه لعدم تبين امره{أية : فلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه}تفسير : {انه كان بى حفيا} اى بليغا فى البر والالطاف يقال حفيت به بالغت وتحفيت فى اكرامه بالغت.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} قابل اساءته فى اللّفظ بالاحسان فيه وودّعه بعدما امره بالهجرة {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} قابل تهديده بالرّجم بالاستغفار من الله وطلب التّوفيق له {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} حال ممّا تدعون وسرّ التّقييد بذلك الاحتراز عن دعاء الخلفاء فانّهم ليسوا من دون الله بل من الله ودعاؤهم ايضاً من الله {وَأَدْعُو رَبِّي} والدّعاء ههنا كناية عن العبادة {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} خائباً ضائع السّعي مثلكم فى دعاء آلهتكم وصدّر الحكم بعسى للتّواضع وهضم النّفس ولانّ الاجابة والاثابة بيد الله وليس الاّ محض التّفضّل وليس للعباد الاّ الرّجاء فانّ الخاتمة غيب، ومعايب العمل مخفيّة، والثّبات على حال العبادة الى آخر العمر غير معلوم.

اطفيش

تفسير : {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} لا أجازيك ولا أصيبك بمكروه. وذلك أنه لم يؤمر بقتاله، وفى ذلك توديع ومتاركة ومقابلة السيئة بالحسنة، وخطابُ حليم لسفيه، كقوله عز وجل: {أية : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين} {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} تفسير : وفيه دليل الهجران والمفارقة. وقيل: ذلك سلام تحية. والجمهور الآن على منع ابتدائك الكافر بالسلام. ويجوز أن يكون تحية كما قال غير الجمهور؛ فإن الدعاء بالسلام ليس بأشد من الاستغفار الذى وعده ووفى به، وقصده بالتحية استمالة قلبه. {سأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى} سأسأل ربى أن يوفقك للتوبة والإيمان فتنال المغفرة وذلك حين أعياه أمره. وقد وفى بوعده بقوله المذكور فى الشعراء: {أية : واغفر لأبى}تفسير : وهذا قبل أن يَبِين لإبراهيم بالوحى، أو بالموت على الكفر أنه عدو لله. وفى الآية دليل على جواز الدعاء بالتوبة، والهداية للكافر ما لم يمت على الكفر، أو ينزل فيه النص على أنه شقى. والمشهور المنع. وأما أن يقال: اللهم اغفر ذنوب فلان الكافر فلا يجوز. قيل: إلا على شريطة التوبة عن الكفر، وذلك ولاية الشرطية، وهى وبراءة الشريطة غير جائزتين عندنا، وهالك من عمل بهما الآن، وأجازهما بعض أصحابنا المشارقة. وقد حمل بعضهم الآية على استغفاره لذنوب أبيه مشترطا لتوبته، كما ترد الأوامر والنواهى على الكفار. والمراد اشتراط الإيمان وكما يؤمر المحدِث بالصلاة ويراد اشتراط الوضوء ويؤمر الفقير بالزكاة ويراد اشتراط النصاب. وقيل: وعده بالاستغفار ووفى؛ لأن عقله يمنع من ذلك. وهذا إيماء إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع فيها على الحل، إلا ما يكون فِعله من مَناكر الأخلاق، وفِعله من محاسنها. ولما ورد الشرع بامتناع الاستغفار للكافر امتنع قال عز وعلا: {أية : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} تفسير : فلو كان إبراهيم قبل شارطا للإيمان لم يكن مستنكَراً ومستثنىً عما وجهت فيه الأسوة. {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً} الباء متعلقة بما بعدها. والحفى: البار. وقيل: البليغ فى البِر والألطاف. وعن الكلبى - الحفى: الرحيم. وقيل: اللطيف. وقيل: ذو المنزلة، أى هو بى حفى فيجيب دعائى ولا يرده، وقد عودنى الإجابة. وفى ذلك شكر من إبراهيم عليه السلام لنعم الله تعالى.

اطفيش

تفسير : {قال} كأنه جواب سؤال عما قال إبراهيم {سلام عليك} سلام موادعة، ومقابلة السيئة بالحسنة، أى لا يصيبك منى ما يؤذيك من دعاء إلى الخير، إذ لم تقبل منى كقوله تعالى: "أية : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين" تفسير : [القصص: 55] إلا أنه هنا ما ذكر الجهل، وقيل تحية مفارقة بناء على جواز أن يبدأ المسلم الكافر بالسلام، وهو مذهب سفيان بن عيينة، مستدلا بقوله تعالى: "أية : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين" تفسير : [الممتحنة: 8] وقوله تعالى: "أية : قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم" تفسير : [الممتحنة: 4] الآية، ويرده أن ذلك مقيد بما فى صحيح مسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام" تفسير : وقد يخالف شرع إبراهيم فى هذا شرعنا. {سأستغفر لك ربى} أن يوفقك إلى التوبة، ووفى بهذا الوعد بعد، كما قال الله عز وجل عنه: "أية : واغفر لأبى إنه كان من الضالين" تفسير : [الشعراء: 86] "أية : وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه" تفسير : [التوبة: 114] أى وعدها لأبيه لا كما قيل وعدها أبوه له أن يؤمن بالله والاستغفار، بمعنى طلب الهداية، ولما تبين له أنه قضى الله أن لا يؤمن، وجب عليه أن لا يطلب له الهداية، إلا أنه إذا كان الاستغفار بمعنى طلب الهداية، فهو جائز لكل غاسق أو مشرك ما لم يمت، ويجىء الوحى أنه لا يؤمن أحاديث: "حديث : اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون" تفسير : ومشهور مذهبنا فى المغاربة منع ذلك. وقد يكون الاستغفار على ظاهره مبنياً على اشتراط الاسلام مثل أن يقول: الله اغفر له على أن يتوب وإما أن تقول فيمن ظهر لك موجب ولايته، اللهم اغفر له إن كان سعيداً أو موجب براءته اللهم العنه، إن كان شقيا، فلا يجوز على المشهور، بل تتول أو تتبر بلا اشتراط لذلك، واتفقوا على أن لا اشتراط فى المنصوص عليه، والمذهب الصحيح أن لا يستغفر للمشرك مطلقاً إلا إن جاء الوحى أنه سيؤمن، وكل من علمت بشركه فقد تبين لك أنه من أصحاب الجحيم بحسب الظاهر لك، ولا تكلف الغيب. {إِنه كانَ بى حفياً} عظيم البر والإكرام لى، وكثيره، والجملة تعليل لما قبلها، وبى متعلق بحفياً، قدم للفاصلة والاهتمام الذى علمه الله من إبراهيم، ولا يخفى ما فى كلام إبراهيم من الرحمة كما هى شأن الأنبياء كلهم، وخصوصا للأقارب، وخصوصاً من الأقارب الأبوين اداء لبعض حقوقهما كما هنا، وإن كان عماً، فالعم كالأب.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف كما سلف {سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ } توديع ومتاركة على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة فإن ترك الإساءة للمسيء إحسان أي لا أصيبك بمكروه بعد ولا أشافهك بما يؤذيك، وهو نظير ما في قوله تعالى: {أية : لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ }تفسير : [القصص: 55] في قوله، وقيل: هو تحية مفارق، وجوز قائل هذا تحية الكافر وأن يبدأ بالسلام المشروع وهو مذهب سفيان بن عيينة مستدلاً بقوله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ } تفسير : [الممتحنة: 8] الآية، وقوله سبحانه: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الممتحنة: 4] الآية، وما استدل به متأول وهو محجوج بما ثبت في «صحيح مسلم»: «حديث : لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام» تفسير : وقرىء {سَلاَماً } بالنصب على المصدرية والرفع على الابتداء. {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } أي أستدعيه سبحانه أن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة ويهديك إلى الإيمان كما يلوح به تعليل قوله: {وَٱغْفِرْ لأَِبِى } بقوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ} تفسير : [الشعراء: 86] كذا قيل فيكون استغفاره في قوة قوله: ربـي اهده إلى الإيمان وأخرجه من الضلال. / والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبين تحتم أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه كما أنه لا ريب في عدم جوازه عند تبين ذلك لما فيه من طلب المحال فإن ما أخبر الله تعالى بعدم وقوعه محال وقوعه ولهذا تبين له عليه السلام بالوحي على أحد القولين المذكورين في سورة التوبة [114] أنه لا يؤمن تركه أشد الترك فالوعد والإنجاز كانا قبل التبين وبذلك فارق استغفاره عليه السلام لأبيه استغفار المؤمنين لأولي قرابتهم من المشركين لأنه كان بعد التبين ولذا لم يؤذنوا بالتأسي به عليه السلام في الاستغفار، قال العلامة الطيبـي: إنه تعالى بين للمؤمنين أن أولئك أعداء الله تعالى بقوله سبحانه: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ }تفسير : [الممتحنة: 1] وأن لا مجال لإظهار المودة بوجه ما ثم بالغ جل شأنه في تفصيل عداوتهم بقوله عز وجل: {أية : إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوء وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } تفسير : [الممتحنة: 2] ثم حرضهم تعالى على قطيعة الأرحام بقوله سبحانه {أية : لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَـٰمُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الممتحنة: 3] ثم سلاهم عز وجل بالتأسي في القطيعة بإبراهيم عليه السلام وقومه بقوله تبارك وتعالى: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بَرَآء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ }تفسير : [الممتحنة: 4] إلى قوله تعالى شأنه: {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تفسير : [الممتحنة: 4] فاستثنى من المذكور ما لم يحتمله المقام كما احتمله ذلك المقام للنص القاطع يعني لكم التأسي بإبراهيم عليه السلام مع هؤلاء الكفار في القطيعة والهجران لا غير فلا تجاملوهم ولاتبدوا لهم الرأفة والرحمة كما أبدى إبراهيم عليه السلام لأبيه في قوله {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} لأنه لم يتبين له حينئذ أنه لا يؤمن كما بدا لكم كفر هؤلاء وعداوتهم انتهى. واعترض بأن ما ذكر ظاهر في أن الاستغفار الذي وقع من المؤمنين لأولي قرابتهم فنهوا عنه لأنه كان بعد التبين كان كاستغفار إبراهيم عليه السلام بمعنى طلب التوفيق للتوبة والهداية للإيمان، والذي اعتمده كثير من العلماء أن قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 113] الآية نزل في استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبـي طالب بعد موته وذلك الاستغفار مما لا يكون بمعنى طلب الهداية أصلاً وكيف تعقل الهداية بعد الموت بل لو فرض أن استغفاره عليه الصلاة والسلام له كان قبل الموت لا يتصور أيضاً أن يكون بهذا المعنى لأن الآية تقتضي أنه كان بعد تبين أنه من أصحاب الجحيم، وإذا فسر بتحتم الموت على الكفر كان ذلك دعاء بالهداية إلى الإيمان مع العلم بتحتم الموت على الكفر ومحاليته إذا كانت معلومة لنا بما مر فهي أظهر شيء عنده صلى الله عليه وسلم بل وعند المقتبسين من مشكاته عليه الصلاة والسلام، وهو اعتراض قوي بحسب الظاهر وعليه يجب أن يكون استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه بذلك المعنى في حياته لعدم تصور ذلك بعد الموت وهو ظاهر. وقد قال الزمخشري في جواب السؤال بأنه كيف جاز له عليه السلام أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك؟ قالوا: أراد اشتراط التوبة عن الكفر وقالوا إنما استغفر له بقوله: {أية : وَٱغْفِرْ لأَِبِى } تفسير : [الشعراء: 86] لأنه وعده أن يؤمن، واستشهدوا بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } تفسير : [التوبة: 114] ثم قال: ولقائل أن يقول: الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأما قضية العقل فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع ويدل على صحته أنه استثنى قول إبراهيم عليه السلام {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} في آية {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الممتحنة: 4] الخ عما وجبت فيه الأسوة ولو كان بشرط الإيمان والتوبة لما صح الاستثناء، وأما كون الوعد من أبيه فيخالف الظاهر الذي يشهد له قراءة الحسن وغيره {وعدها أباه} [التوبة: 114] بالباء الموحدة، قال في «الكشف»: / واعترض الإمام حديث الاستثناء بأن الآية دلت على المنع من التأسي لا أن ذلك كان معصية فجاز أن يكون من خواصه ككثير من المباحات التي اختص بها النبـي صلى الله عليه وسلم وليس بشيء لأن الزمخشري لم يذهب إلى أن ما ارتكبه إبراهيم عليه السلام كان منكراً بل إنما هو منكر علينا لورود السمع. واعترض صاحب «التقريب» بأن نفي اللازم ممنوع فإن الاستثناء عما وجبت فيه الأسوة دل على أنه غير واجب لا على أنه غير جائز فكان ينبغي عما جازت في الأسوة بدل عما وجبت الخ والآية لا دلالة فيها على الوجوب. والجواب أن جعله مستنكراً ومستثنى يدل على أنه منكر لا الاستثناء عما وجبت فيه فقط وإنما أتى الاستنكار لأنه مستثنى عن الأسوة الحسنة فلو اؤتسى به فيه لكان أسوة قبيحة، وأما الدلالة على الوجوب فبينة من قوله تعالى آخراً: {أية : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } تفسير : [الممتحنة: 6] كما تقرر في الأصول. والحاصل أن فعل إبراهيم عليه السلام يدل على أنه ليس منكراً في نفسه وقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ للمُشْركِينَ} تفسير : [التوبة: 113] الخ يدل على أنه الآن منكر سمعاً وأنه كان مستنكراً في زمن إبراهيم عليه السلام أيضاً بعدما كان غير منكر ولذا تبرأ منه وهو ظاهر إلا أن الزمخشري جعل مدرك الجواز قبل النهي العقل وهي مسألة خلافية وكم قائل انه السمع لدخوله تحت بر الوالدين والشفقة على أمة الدعوة بل قيل: إن الأول مذهب المعتزلة وهذا مذهب أهل السنة انتهى مع تغيير يسير. واعترض القول بأنه استنكر في زمن إبراهيم عليه السلام بعدما كان غير منكر بأنه لو كان كذلك لم يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام فعله لعمه أبـي طالب. وأجيب بجواز أنه لم يبلغه إذ فعل عليه الصلاة والسلام، والتحقيق في هذه المسألة أن الاستغفار للكافر الحي المجهول العاقبة بمعنى طلب هدايته للإيمان مما لا محذور فيه عقلاً ونقلاً وطلب ذلك للكافر المعلوم أنه قد طبع على قلبه وأخبر الله تعالى أنه لا يؤمن وعلم أن لا تعليق في أمره أصلاً مما لا مساغ له عقلاً ونقلاً، ومثله طلب المغفرة للكافر مع بقائه على الكفر على ما ذكره بعض المحققين، وكان ذلك على ما قيل لما فيه من إلغاء أمر الكفر الذي لا شيء يعدله من المعاصي وصيرورة التكليف بالإيمان الذي لا شيء يعدله من الطاعات عبثاً مع ما في ذلك مما لا يليق بعظمة الله عز وجل، ويكاد يلحق بذلك فيما ذكر طلب المغفرة لسائر العصاة مع البقاء على المعصية إلا أن يفرق بين الكفر وسائر المعاصي، وأما طلب المغفرة للكافر بعد موته على الكفر فلا تأباه قضية العقل وإنما يمنعه السمع وفرق بينه وبين طلبها للكافر مع بقائه على الكفر بعدم جريان التعليل السابق فيه ويحتاج ذلك إلى تأمل. واستدل على جواز ذلك عقلاً بقوله صلى الله عليه وسلم لعمه: «حديث : لا أزال أستغفر لك ما لم أنه» تفسير : فنزل قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 113] الآية، وحمل قوله تعالى: {أية : مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [التوبة: 113] على معنى من بعدما ظهر لهم أنهم ماتوا كفاراً والتزم القول بنزول قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] بعد ذلك وإلا فلا يتسنى استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه بعد العلم بموته كافراً وتقدم السماع بأن الله تعالى لا يغفر الكفر، وقيل لا حاجة إلى التزام ذلك لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام ولوفور شفقته وشدة رأفته قد حمل الآية على أنه تعالى لا يغفر الشرك إذا لم يشفع فيه أو الشرك الذي تواطأ فيه القلب وسائر الجوارح وعلم من عمه أنه لم يكن شركه كذلك فطلب المغفرة حتى نهى صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك فتأمل، فالمقام / محتاج بعد إلى كلام والله تعالى الموفق. {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } بليغاً في البر والإكرام يقال حفي به إذا اعتنى بإكرامه. والجملة تعليل لمضمون ما قبلها، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل مع الاهتمام.

ابن عاشور

تفسير : سلام عليك سلام توديع ومتاركة. وبادرهُ به قبل الكلام الذي أعقبه به إشارة إلى أنه لا يسوءه ذلك الهجر في ذات الله تعالى ومرضاته. ومن حلم إبراهيم أن كانت متاركتُه أباه مثوبة بالإحسان في معاملته في آخر لحظة. والسّلام: السلامة. و (على) للاستعلاء المجازي وهو التمكن. وهذه كلمة تحية وإكرام، وتقدمت آنفاً عند قوله تعالى: {أية : وسلام عليه يوم ولد}تفسير : [مريم: 15]. وأظهر حرصه على هداه فقال {سأستغفر لك ربي}، أي أطلب منه لك المغفرة من هذا الكفر، بأن يهديه الله إلى التوحيد فيغفر له الشرك الماضي، إذ لم يكن إبراهيم تلقى نهياً من الله عن الاستغفار للمشرك. وهذا ظاهر ما في قوله تعالى: {أية : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه}تفسير : [التوبة: 114]. واستغفاره له هو المحكي في قوله تعالى: {أية : واغفر لأبي إنه كان من الضالين}تفسير : [الشعراء: 86]. وجملة {سأستغفر لك ربي} مستأنفة، وعلامة الاستقبال والفعل المضارع مؤذنان بأنه يكرر الاستغفار في المستقبل. وجملة {إنه كان بي حفيا} تعليل لما يتضمنه الوعد بالاستغفار من رجاء المغفرة استجابة لدعوة إبراهيم بأن يوفق الله أبا إبراهيم للتوحيد ونبذِ الإشراك. والحَفيّ: الشديد البِر والإلطاف. وتقدم في سورة الأعراف (187) عند قوله: {أية : يسألونك كأنك حفي عنها}تفسير : . وجملة وأعتزلكم عطف على جملة {سأستغفر لك ربي}، أي يقع الاستغفار في المستقبل ويقع اعتزالي إياكم الآن، لأن المضارع غالب في الحال. أظهر إبراهيم العزم على اعتزالهم وأنه لا يتوانى في ذلك ولا يأسف له إذا كان في ذات الله تعالى، وهو المحكي بقوله تعالى: {أية : وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين}تفسير : [الصافات: 99]، وقد خرج من بَلد الكلدان عازماً على الالتحاق بالشام حسب أمر الله تعالى. رأى إبراهيم أن هجرانه أباه غير مغن، لأن بقية القوم هم على رأي أبيه فرأى أن يهجرهم جميعاً، ولذلك قال له {وأعتزلكم}. وضمير جماعة المخاطبين عائد إلى أبي إبراهيم وقومه تنزيلاً لهم منزلة الحضور في ذلك المجلس، لأن أباه واحد منهم وأمرهم سواء، أو كان هذا المقال جرى بمحضر جماعة منهم. وعُطف على ضمير القوم أصنامُهم للإشارة إلى عداوته لتلك الأصنام إعلاناً بتغيير المنكر. وعبر عن الأصنام بطريق الموصولية بقوله {ما تدعون من دون الله} للإيماء إلى وجه بناء الخبر وعلّة اعتزاله إياهم وأصنامَهم: بأن تلك الأصنام تعبد من دون الله وأن القوم يعبدونها، فذلك وجه اعتزاله إياهم وأصنامهم. والدعاء: العبادة، لأنها تستلزم دعاء المعبود. وزاد على الإعلان باعتزال أصنامهم الإعلان بأنه يدعو الله احتراساً من أن يحسبوا أنه نوى مجرد اعتزال عبادة أصنامهم فربما اقتنعوا بإمساكه عنهم، ولذا بيّن لهم أنه بعكس ذلك يدعو الله الذي لا يعبدونه. وعبّر عن الله بوصف الربوبية المضاف إلى ضمير نفسه للإشارة إلى انفراده من بينهم بعبادة الله تعالى فهو ربّه وحده من بينهم، فالإضافة هنا تفيد معنى القصر الإضافي، مع ما تتضمنه الإضافة من الاعتزاز بربوبية الله إياه والتشريف لنفسه بذلك. وجملة {وعسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً} في موضع الحال من ضمير {وأدعوا} أي راجياً أن لا أكون بدعاء ربي شقياً. وتقدم معناه عند قوله {أية : ولم أكن بدعائك رب شقياً}تفسير : في هذه السورة (4). وفي إعلانه هذا الرجاء بين ظهرانيهم تعريض بأنهم أشقياء بدعاء آلهتهم.

الواحدي

تفسير : {قال} إبراهيم: {سلام عليك} أَيْ: سلمتَ مني لا أصيبك بمكروه، وهذا جواب الجاهل، كقوله: {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} تفسير : {سأستغفر لك ربي} كان هذا قبل أن نُهي عن استغفاره، وعده ذلك رجاء أن يُجاب فيه {إنه كان بي حفياً} بارَّاً لطيفاً. {وأعتزلكم وما تدعون} أُفارقكم وأُفارق ما تعبدون من أصنامكم {وأدعو ربي} أعبده {عسى أن لا أكون بدعاء ربي} بعبادته {شقياً} كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام. يريد: إنَّه يتقبَّل عبادتي ويُثيبني عليها. {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله} وذهب مهاجراً إلى الشَّام {وهبنا له} بعد الهجرة {إسحق ويعقوب وكلاً} منهما {جعلنا} هُ {نبياً}. {ووهبنا لهم من رحمتنا} يعني: النُّبوَّة والكتاب {وجعلنا لهم لسان صدق علياً} ثناءً حسناً رفيعاً في كلِّ أهل الأديان. {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً} مُوحِّداً قد أخلص دينه لله. {وناديناه من جانب الطور الأيمن} حيث أقبل من مدين يريد مصر، فنودي من الشَّجرة، وكانت في جانب الجبل على يمين موسى {وقرَّبناه نجيَّاً} قرَّبة الله تعالى من السَّموات للمناجاة، حتى سمع صرير القلم يكتب له في الألواح. {ووهبنا له من رحمتنا} من نعمتنا عليه {أخاه هارون نبيَّاً} حين سأل ذلك ربَّه فقال: {أية : واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي...} تفسير : الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَلاَمٌ} (47) - فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ: أَمَّا أَنَا فَلَنْ يَصِلَكَ مِنِّي أَذًى أَوْ مَكْرُوهُ احْتِرَاماً مِنِّي لِمَقَامِ الأُبُوَّةِ، وَسَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لَكَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَهْدِيَكَ، وَيَغْفِرَ لَكَ ذُنُوبَكَ، فَقَدْ كَانَ رَبِّي دَائِمَ الإِكْرَامِ لِي، وَالاهْتِمَامِ بِحَالِي، وَالإِجَابَةِ لِدَعْوَتِي. حَفِيّاً - برّاً لَطِيفاً أَوْ رَحِيماً مُكَرِّماً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكأن إبراهيم - عليه السلام - يريد أنْ يَلفِتَ نظر عمه، ويؤكد له أنه في خطر عظيم يستوجب العذاب من الله، وهذا أمر يُحزِنه ولا يُرضيه، وكيف يترك عمه دون أنْ يأخذَ بيده؟ فقال له أولاً: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ ..} [مريم: 47] أي: سلام مني أنا، سلام أقابل به ما بدر منك فأمْري معك سلام، فلن أقابلَك بمثل ما قُلْت، ولن أُغلِظ لك، ولن ينالك مني أذىً، ولن أقول لك: أُفٍّ. لكن السلام منِّي أنا لا يكفي، فلا بُدَّ أنْ يكونَ لك سلام أيضاً من الله تعالى؛ لأنك وقعت في أمر خطير لا يُغفر ويستوجب العذاب، وأخشى ألاّ يكونَ لك سلام من الله. لذلك قال بعدها: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ ..} [مريم: 47] كأنه يعتذر عن قوله: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ ..} [مريم: 47] فأنا ما قُلْتُ لك: سلام عليك إلا وأنا أنوي أن أستغفرَ لك ربي، حتى يتمّ لك السلام إنْ رجعتَ عن عقيدتك في عبادة الأصنام، وهو بذلك يريد أنْ يُحنِّنه ويستميل قلبه. ثم أخبر عن الاستغفار في المستقبل فلم يقُلْ استغفرتُ، بل {سَأَسْتَغْفِرُ ..} [مريم: 47] يريد أنْ يُبرىء استغفاره لعمه من المجاملة والنفاق والخداع، وربما لو استغفرتُ لك الآن لظنِنتُ أنِّي أجاملك، أما {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ..} [مريم: 47] أي: بعيداً عنك ليكون دعاءً عن ظَهْر غيب، وهو أَرْجَى للقبول عند الله. ثم يقول: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم: 47] يريد أنْ يُطمئِن عمه إلى أن له منزلة عند الله، فإذا استغفر له ربه فإنه تعالى سيقبل منه. وحَفياً: من الفعل حَفِيَ يَحْفىَ كرَضِي يرضى، ويأتي بعده حرف جر يُحدِّد معناها. تقول: حفيٌّ به: أي بالغ في إكرامه إكراماً يستوعب متطلبات سعادته، وقابله بالحفاوة: أي بالإكرام الذي يتناسب مع ما يُحقِّق له السعادة. وهذا أمر نسبيّ يختلف باختلاف الناس، فمنهم مَنْ تكون الحفاوة به مجرد أنْ تستقبلَه ولو على حصيرة، وتُقدِّم له ولو كوباً من الشاي، ومن الناس مَنْ يحتاج إلى الزينات والفُرُش الفاخرة والموائد الفخمة ليشعر بالحفاوة به. ونقول: حَفِيٌّ عنه: أي بالغ في البحث عنه ليعرف أخباره، وبلغ من ذلك مبلغاً شَقَّ عليه وأضناه، وبالعامية يقولون: وصلتُ له بعدما حفيتُ، ومن ذلك قوله تعالى عن الساعة: {أية : يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 187] أي: كأنك معنيٌّ بالساعة، مُغْرم بالبحث عنها، دائم الكلام في شأنها. إذن: فمعنى: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم: 47] أي: أن ربي يبالغ في إكرامي إكراماً يُحقِّق سعادتي، ومن سعادتي أن الله يغفر لك الذنب الكبير الذي تُصِرّ عليه، وكأنه عليه السلام يُضخِّم أمرينْ: يُضخِّم الذنب الذي وقع فيه عمه، وهو الكفر بالله، ويُعظِّم الرب الذي سيستغفر لعمه عنده {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم: 47]. وما دام ربي حَفِيّاً بي فلن يخذلني، كيف وقد جعلني نبياً واحتفى بي، فكُنْ مطمئناً إنْ أنت تُبْتَ مما أنت عليه من المعتقدات الباطلة، إنه سيغفر لك. وكأن إبراهيم عليه السلام يؤكد لعمه على منزلته عند ربه، وما على عمه إلا أنْ يسمع كلامه، ويستجيب لدعوته. وظَلَّ إبراهيم - عليه السلام - يستغفر لعمه كما وعده، إلى أنْ تبيَّن له أنه عدو لله فانصرف عند ذلك، وتبرأ منه، كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ..}تفسير : [التوبة: 114]. ثم يقول الحق سبحانه عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قال لقومه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} الحَفيُ: اللطيفُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَالَ} [مريم: 46] إبراهيم القلب {سَلاَمٌ عَلَيْكَ} [مريم: 47] أي: كن في سلامة من الله {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} أي: سأطلب لك من الله مغفرة ورحمة يزيل بها عند هذا الإعراض عن الحق والتمادي في الباطل {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم: 47] منعماً مكرماً {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم: 48] أي: وما تعبدون {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ} [مريم: 48] من الدنيا والآخرة {وَأَدْعُو رَبِّي} [مريم: 48] ليرحمكم ويهديكم إلى حضرة جلاله {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي} [مريم: 48] في نجاتك ورفع درجاتك {شَقِيّاً} [مريم: 48] لا يسمع دعائي فأشقى. {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ} [مريم: 49] إبراهيم القلب آزر الروح وقومه من النفس والهوى {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [مريم: 49] وأصنامهم من الدنيا وملاذها أنعم الله عليه بقوله: {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} [مريم: 49] أي: إسحاق السر {وَيَعْقُوبَ} [مريم: 49] أي: يعقوب الخفى وهو سر السر {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} [مريم: 49] أي: بلغناهم مقام الأنبياء ينبئهم الحق تعالى بالشواهد والكشوف عن علوم الحقائق والمعارف وهم ينبئون الخلق عن الحق وأسراره {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ} [مريم: 50] لا يتكلمون إلا عن صدق النيات وخلوص الطويات كلاماً {عَلِيّاً} [مريم: 50] عن الرعونات غير مشوب بالآفات. ثم أخبر عن خلاص أهل الإخلاص بقوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ} [مريم: 51] إلى قوله: {أية : هَارُونَ نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 53] وأن في الكتاب موسى {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} [مريم: 51] أي: إنه كان مخلصاً في إرادة شعيب عليه السلام وخدمته وموفياً بعهده متبعاً بدينه، وصار ببركة صحبته ومتابعته {رَسُولاً نَّبِيّاً} [مريم: 51]. ثم اعلم أن الإخلاص في العبودية مقام الأولياء، فلا يكون ولي إلا وهو ولي مخلص، ولا يكون كل مخلص نبياً، ولا يكون رسول إلا وهو نبي، ولا يكون كل نبي رسولاً. * والمخلص بكسر اللام: من أخلص نفسه في العبودية بالتزكية عن أوصاف الإنسانية الحيوانية. * والمخلَص بفتح اللام: من أخلصه الله بعد التزكية بالتحلية بصفات الروحانية الربانية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" أي: من أخلص نفسه بالتزكية في الله، ولله ظهرت؛ أي: أظهر الله بالتحلية ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، وقال تعالى: "الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يبعد فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل"؛ أي: أنا الذي أتولى تحلية قلوب المخلصين بتجلي صفات جمالي وجلالي، وفي الحقيقة لا تكون العبودية مقبولة إلا من المخلصين كقوله: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البينة: 5] ولإخلاص المخلصين مراتب: * أدناها: أن تكون العبودية لله خالصاً؛ ولا تكون لغير الله فيها شركة. وأوسطها: أن يكون العبد مخلصاً في بذل الوجود لله وفي الله. وأعلى درجة المخلصين: أن يخلصهم الله من حبس وجودهم بأن يفنيهم عنهم ويبقيهم بجواره.