١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ } تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو } أعبد {رَبِّى عَسَىٰ أ} ن {لا أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى } بعبادته {شَقِيّاً } كما شقيتم بعبادة الأصنام.
النسفي
تفسير : {وَأَعْتَزِلُكُمْ} أراد بالاعتزال المهاجرة من أرض بابل إلى الشام {وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي ما تعبدون من أصنامكم {وَٱدْعُواْ } وأعبد {رَبّى } ثم قال تواضعاً وهضماً للنفس ومعرضاً بشقاوتهم بدعاء آلهتهم {عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } أي كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فلما اعتزل الكفار ومعبودهم {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ } ولداً {وَيَعْقُوبَ } نافلة ليستأنس بهما {وَكُلاًّ } كل واحد منهما {جَعَلْنَا نَبِيّاً } أي لما ترك الكفار الفجار لوجهه عوضه أولاداً مؤمنين أنبياء {وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا } هي المال والولد {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ } ثناء حسناً وهو الصلاة على إبراهيم وآل إبراهيم في الصلوات، وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية {عَلِيّاً } رفيعاً مشهوراً. {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } كوفي: غير المفضل، أي أخلصه الله واصطفاه، و{مخلِصا} بالكسر غيرهم أي أخلص هو العبادة لله تعالى فهو مخلص بماله من السعادة بأصل الفطرة، ومخلص فيما عليه من العبادة بصدق الهمة {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب كيوشع {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ } دعوناه وكلمناه ليلة الجمعة {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ } هو جبل بين مصر ومدين {ٱلأيْمَـنَ } من اليمين أي من ناحية اليمين، والجمهور على أن المراد أيمن موسى عليه السلام لأن الجبل لا يمين له، والمعنى أنه حين أقبل من مدين يريد مصر نودي من الشجرة وكانت في جانب الجبل على يمين موسى عليه السلام {وَقَرَّبْنَاهُ } تقريب منزلة ومكانة لا منزل ومكان {نَجِيّاً } حال أي مناجياً كنديم بمعنى منادم.
ابو السعود
تفسير : {وَأَعْتَزِلُكُمْ} أي أتباعد عنك وعن قومك {وَمَا تَدْعُون مِن دُونِ ٱللَّهِ} بالمهاجَرة بديني حيث لم تؤثّرْ فيكم نصائحي. {وَأَدْعُو رَبّى} أعبدُه وحده، وقد جُوّز أن يراد به دعاؤُه المذكورُ في تفسير سورةِ الشعراء، ولا أن يبعُد أ يُرادَ به استدعاءُ الولد أيضاً بقوله: { أية : رَبّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ} تفسير : [الصافات: 100] حسبما يساعده السباق والسياق {عَسَىٰ أَن لا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا} أي خائباً ضائعَ السعي، وفيه تعريضٌ بشقائهم في عبادة آلهتِهم، وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضعِ ومراعاة حسنِ الأدب والتنبـيهِ على حقيقة الحقِّ من أن الإجابةَ والإثابةَ بطريق التفضل منه عز وجل لا بطريق الوجوبِ، وأن العبرةَ بالخاتمة وذلك من الغيوب المختصّةِ بالعليم الخبـير ما لا يخفى. {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} بالمهاجرة إلى الشام {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} بدلَ مَنْ فارقهم من أقربائه الكفرة لكن لا عَقيبَ المهاجرة فإن المشهورَ أن الموهوبَ حينئذ إسماعيلُ عليه السلام لقوله تعالى: { أية : فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ} تفسير : [الصافات: 101] إثرَ دعائِه بقولِه: {رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ} ولعل ترتيبَ هِبتهما على اعتزاله هٰهنا لبـيان كمالِ عِظَم النّعم التي أعطاها الله تعالى إياه بمقابلة مَن اعتزلهم من الأهل والأقرباء فإنهما شجرتا الأنبـياء لهما أولادٌ وأحفادٌ أوُلو شأنٍ خطير وذوو عددٍ كثير. هاذ وقد روي أنه عليه السلام لما قصد الشام أتى أولاً حَرّان وتزوج بسارةَ وولدت له إسحاقَ ووُلد لإسحاقَ يعقوبُ والأولُ هو الأقربُ الأظهر {وَكُلاًّ} أي كلَّ واحد منهما أو منهم وهو مفعولٌ أولٌ لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا نَبِيّاً} لا بعضَهم دون بعض. {وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا} هي النبوةُ، وذكرُها بعد ذكر جعلِهم نبـياً للإيذان بأنها من باب الرحمةِ، وقيل: هي المالُ والأولادُ وما بُسط لهم من سَعة الرزقِ، وقيل: هو الكتابُ والأظهر أنها عامةٌ لكل خير ديني ودنيويَ أُوتوه مما لم يُؤتَه أحدٌ من العالمين {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} يفتخر بهم الناسُ ويثنون عليهم استجابةً لدعوته بقوله: { أية : ٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 84] والمرادُ باللسان ما يوجد به من الكلام ولسانُ العرب لغتُهم، وإضافتُه إلى الصدق ووصفُه بالعلو للدلالة على أنهم أحِقّاءُ بما يثنون عليهم وأن محامِدَهم لا تخفى على تباعد الأعصارِ وتبدُّل الدول وتحوُّل المِلل والنِحَل. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰ} قُدّم ذكرُه على ذكر إسماعيلَ لئلا ينفصِل عن يعقوبَ عليهما السلام {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} موحّداً أخلصَ عبادتِه عن الشرك والرياء، أو أسلم وجهَه لله تعالى وأخلص نفسَه عما سواه، وقرىء مخلَصاً على أن الله تعالى أخلصه {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك قُدّم رسولاً مع كونه أخلصَ وأعلى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الآية: 48]. قال القاسم: من أراد السلامة فى الدنيا والآخرة ظاهرًا وباطنًا فليعتزل قرناء السوء وإخوان السوء لا يمكنه ذلك إلا بالالتجاء والتضرع إلى ربه فى ذلك ليوفقه لمفارقتهم فإن المرء مع من أحب، وقيل: إن القرين بالمقارن مقتدى. وقال أبو تراب النخشبى: صحبة الأشرار تورث (سوء الظن) بالأخيار. قوله تعالى: {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} [الآية: 48]. قال عبد العزيز المكى: كان الخليل عليه السلام يهاب ربه أن يدعوه، ويذكره، ويعظمه ألا يكون يدعوه بلسان لا يصلح لدعاءه فدعا على استحياء وحتمة وخيفة وهيبة بعد معرفته بجلالته فقال: وأدعو ربى عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيًا: والله أعلم أن ربى يعذرنى بدعائى إياه، وإن كنت لا أصلح لذكره ودعائه ثم لا أشقى بدعائه بعد أن يعذرنى.
اسماعيل حقي
تفسير : {واعتزلكم} اى اتباعد عنك وعن قومك بالمهاجرة بدينى حيث لم يؤثر فيكم نصائحى {وما تدعون من دون الله} اى تعبدون {وادعو ربى} اى اعبده وحده {عسى أن لا اكون بدعاء ربى شقيا} اى بدعائى اياه خائبا ضائع السعى وفيه تعريض لشقائهم فى عبادتهم آلهتهم شعر : حاجت زكسى خواه كه محتاجانرا بى بهره نكرداند از انعام عميم تفسير : وفى تصدير الكلام بعسى اظهار التواضع ومراعاة حسن الادب.
الهواري
تفسير : قوله: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} يعني أصنامهم {وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} أي: عسى أن أسعد به. قوله عز وجل: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيّاً} أي إبراهيم وإسحاق ويعقوب. {وَوَهَبْنَا لَهُم مِّنْ رَّحْمَتِنَا} أي: النبوة {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} أي: سنة يَقتدي بها من بعدهم، ويثني عليهم من بعدهم. كقوله عز وجل: (أية : وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأَخَرِينَ) تفسير : [الشعراء: 84] أي: الثناء الحسن، وهو قوله: (أية : وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) تفسير : [العنكبوت: 27] أي: أبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين. قوله: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مُوسَى} [يقول اذْكُرْ لأَهْلِ مَكَّةَ أَمْرَ مُوسَى]، أي: اقرأه عليهم. {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ} أي: أيمن الجبل، وهو كقوله: (أية : فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) تفسير : [سورة طه: 11-12] قوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} أي: حين كلّمه الله. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} أي: جعله الله وزيراً وأشركه معه في الرسالة. قوله عز وجل: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} أي: اقرأ عليهم أمر إسماعيل ابن إبراهيم {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} ذكروا أن إسماعيل وعد رجلاً موعداً فجاء الموعد فلم يجد الرجل، فأقام في ذلك الموضع حولاً ينتظره.
اطفيش
تفسير : {وَأعْتَزِلُكُمْ} من أرض كوثا إلى الشام مهاجراً بدينى. {وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} أى ما تعبدون من دون الله. والدعاء: العبادة لأنه منها ومن وسائطها قال صلى الله عليه وسلم: حديث : الدعاء هو العبادةتفسير : . ويدل له قوله: {فلما اعتزلهم وما يعبدون}. ويجوز أن يريد الدعاء الذى فى الشعراء. {وَأَدْعُوا رَبِّى} أعبده. {عَسَى ألاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّى شَقِيّاً} خائباً ضائع السعى فى العبادة مثلكم فى دعاء آلهتكم. ومراده عسى أن أسعد وأنجو من العذاب اللازم لكم، ولكنه عرّض لهم بشقاوتهم بدعاء آلهتكم. وعبَّر بعسى تواضعاً وهضما للنفس وتنبيهاً على أن إجابة الدعاء وقبول العبادة والإثابة عليها غير واجبة وأن مِلاك الأمر خاتمته.
اطفيش
تفسير : {وأعْتزلكُم} عطف على استغفر بالسين مسلطة عليه أيضاً، كما سلطت على استغفر أو عطف على سأستغفر فلا معنى للسنين فيه، والاعتزال بالبدن بمعنى أتباعد عنك وعن قومك، وإن قلنا الاعتزال بالقلب، والاعتقاد على خلاف الظاهر، ولا يعطف على مدخول السين، لأن اعتزاله بذلك غير مستقبل، بل ماض مستمر، أخبرهم بحاله إلا أن الظاهر بالبدن، فقد هاجر إذ لم تؤثر فيهم نصائحه من أرضه نحو كوثى إلى الشام، أو إلى حران، وفى هجرته هذه تزوج سارة، ولقى الجبار، وأعطاه هاجر لخدمة سارة. {وما تدعون من دون الله} عطف على الكاف {وأدْعُوا ربِّى} أعبده وحده، عبر بالدعاء أولا لمناسبة قوله: "أية : أراغب أنت" تفسير : [مريم: 46] الخ مع قوله: "أية : لم تعبد" تفسير : [مريم: 42] الخ وثانياً بالعبادة، لأنه أظهر فى الإقبال المقابل للاعتزال، أو أراد مطلق الدعاء فى مصالحه الدينية والدنيوية، أو فى هبة الحكم والإلحاق بالصالحين كما قال: "أية : رب هب لى حكماً وألحقنى بالصالحين" تفسير : [الشعراء: 83] وفى طلب الولد كما قال: "أية : رب هب لى من الصالحين" تفسير : [الصافات: 100] أو كل ذلك. {عسى ألا أكون بدعاء ربى شقياً} خائباً ضائع السعى تعريضاً بهم إذ غابوا، وضاع سعيهم فى عبادة غير الله، وعسى تواضع ومراعاة للأدب، وتلويح بأن إجابة الدعاء وقبول السعى تفضل من الله لا واجب على الله، وأن العبرة بالخاتمة، والغيب لله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {وَأَعْتَزِلُكُمْ } الظاهر أنه عطف على {أية : سَأَسْتَغْفِرُ } تفسير : [مريم: 47] والمراد أتباعد عنك وعن قومك {وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } بالمهاجرة بديني حيث لم تؤثر فيكم نصائحي. يروى أنه عليه السلام هاجر إلى الشام، وقيل إلى حران وهو قريب من ذلك وكانوا بأرض كوثى وفي هجرته هذه تزوج سارة ولقي الجبار الذي أخدم سارة هاجر، وجوز حمل الاعتزال على الاعتزال بالقلب والاعتقاد وهو خلاف الظاهر المأثور {وَأَدْعُواْ رَبِّي } أي أعبده سبحانه وحده كما يفهم من اجتناب غيره تعالى من المعبودات وللتغاير بين العبادتين غوير بين العبارتين، وذكر بعضهم أنه عبر بالعبادة أولاً لأن ذلك أوفق بقول أبيه {أية : أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى } تفسير : [مريم: 46] مع قوله فيما سبق: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ } تفسير : [مريم: 42] الخ، وعبر ثانياً بالدعاء لأنه أظهر في الإقبال المقابل للاعتزال. وجوز أن يراد بذلك الدعاء مطلقاً أو ما حكاه سبحانه في سورة الشعراء [83] وهو قوله: {أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : وقيل لا يبعد أن يراد استدعاء الولد أيضاً بقوله: {أية : رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } تفسير : [الصافات: 100] حسبما يساعده السياق والسباق. {عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } خائباً ضائع السعي. وفيه تعريض بشقاوتهم في عبادة آلهتهم. وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع ومراعاة حسن الأدب والتنبيه على حقيقة الحق من أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل منه عز وجل لا بطريق الوجوب وأن العبرة بالخاتمة وذلك الغيوب المختصة بالعليم الخبير ما لا يخفى.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَأَدْعُو} (48) - وَسَأَجْتَنِبُكُمْ وَأَتَبَرّأُ مِنْكُمْ وَمِنْ آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِنْ دُونِ اللهِ، وَسَأَعْبُدُ رَبِّي وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ رَاجِياً أَنْ يُكْرِمَنِي رَبِّي بِسَبَبِ هذِهِ العِبَادَةِ، وَهَذَا الدُّعَاءِ، وَأَلاَّ يَجْعَلَنِي شَقِيّاً، كَمَا شَقِيتُمْ أَنْتُمْ بِعِبَادَةِ تِلْكَ الأَصْنَامِ. شَقِيّاً - خَائِباً ضَائِعَ السَّعْيِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : اعتزل: ترك صحبة إلى خير منها ولو في اعتقاده، وهنا يلفتنا الحق سبحانه إلى أن الإنسان حين يجادل في قضية، ويرى عند خَصْمه لدداً وعناداً في الباطل، لا يطيل معه الكلام حتى لا يُؤصِّل فيه العناد، ويدعوه إلى كبرياء الغَلَبة ولو بالباطل. لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - يُعلِّم المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنْ أرادوا البحث في أمره صِدْقاً أو كذباً والعياذ بالله، أنْ يبحثوه مَثْنى أو فُرَادى، ولا يبحثوه بَحْثاً جماهيرياً غوغائياً؛ لأن العمل الغوغائي بعيد عن الموضوعية يستتر فيه الواحد في الجماعة، وقد يحدث ما لا تُحمد عُقباه ولا يعرفه أحد. والغوغائية لا يحكمها عقل ولا منطق، والجمهور كما يقولون: عقله في أذنيه. وسبق أن قلنا: إن كليوباترا حين هُزِمت وحليفها صَوّروا هذه الهزيمة على أنها نصر، كما حدث كثيراً على مَرِّ التاريخ، وفيها يقول الشاعر: شعر : أسْمَعُ الشَّعْب دُيُونُ كيْفَ يُوحُونَ إليْه مَلأَ الجوَّ هِتافاً بحياتيْ قاتِليْه أثَّر البُهتانُ فيه وَانْطلَى الزُّورُ عليْه يَالَهُ مِنْ بَبَّغَاءٍ عقلُه في أُذُنيْه تفسير : إذن: فالجمهرة لا تُبدي رأياً، ولا تصل إلى صواب. يقول الحق سبحانه للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ..}تفسير : [سبأ: 46]. فبَحْث مثل هذا الأمر يحتاج إلى فرديْن يتبادلان النظر والفِكْر والدليل ويتقصَّيان المسألة، فإنْ تغلّب أحدهما على الآخر كان الأمر بينهما دون ثالث يمكن أنْ يشمتَ في المغلوب، أو يبحثه فرد واحد بينه وبين نفسه فينظر في شخص رسول الله، وما هو عليه من أدب وخُلق، وكيف يكون مع هذا مجنوناً؟ وهل رأينا عليه أمارات الجنون؟ والذين قالوا عنه: ساحر لماذا لم يسحرهم كما سحر التابعين له؟ إذن: لو أدار الشخص الواحد هذه الحقائق على ذِهْنه، واستعرض الآراء المختلفة لاهتدى وحده إلى الصواب، فالاعتزال أمر مطلوب إنْ وجد الإنسان البيئة غير صالحة لنقاش الباطل مع الحق لا نُؤصِّل الجدل والعناد في نفس الخَصْم. لذلك يقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..}تفسير : [النساء: 97]. أي: كانت الفرصة أمامكم لتتركوا هذه البُقْعة إلى غيرها من أرض الله الواسعة، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يُلفت نظرنا إلى أن الأرض كلها أرض الله، فأرض الله الواسعة ليست هي مصر أو سوريا أو ألمانيا، بل الأرض كلها بلا حواجز هي أرض الله، فمَنْ ضاق به مكانٌ ذهب إلى غيره لا يمنعه مانع، وهل يوجد هذا الآن؟ هل تستطيع أن تخترق هذه الحواجز ودونها نظم وقوانين ما أنزل الله بها من سلطان. لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ}تفسير : [الرحمن: 10]. أي: الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام وهذا من المبادىء التي جعلها الخالق سبحانه للإنسانية، فلما استحدثَ الإنسانُ الحواجز والحدود، وأقام الأسوار والأسلاك ومنع الأنام من الحركة في أرض الله نشأ في الكون فساد كبير، فإنْ ضاق بك موضع لا تجد بديلاً عنه في غيره، وإنْ عِشْتَ في بيئة غير مستقيمة التكوين كتب عليك أنْ تشقى بها طوال حياتك. وقلنا: إن هذه الحدود وتلك الحواجز أفرزتْ أرضاً بلا رجال، ورجالاً بلا أرض، ولو تكاملتْ هذه الطاقات لاستقامتْ الدنيا. ومسألة الاعتزال هذه، أو الهجرة من أرض الباطل، أو من بيئة لا ينتصر فيها الحق وردتْ في نصوص عِدَّة بالنسبة لسيدنا إبراهيم - عليه السلام - منها قوله تعالى: {أية : قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 68-71]. فترك إبراهيم الأرض التي استعصتْ على منهج الله إلى أرض أخرى، وهاجر بدعوته إلى بيئة صالحة لها من أرض الشام. نعود إلى اعتزال إبراهيم عليه السلام للقوم، لا لطلب الرزق وسَعة العيش، بل الاعتزال من أجل الله وفي سبيل مبدأ إيماني يدعو إليه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} [مريم: 48] وأول ما نلحظ أن في هذه النص عدولاً، حيث كان الكلام عن العبادة: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ ..}تفسير : [مريم: 42]، {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ..}تفسير : [مريم: 44]. والقياس يقتضي أن يقول: وأعتزلكم وما تعبدون.. وأدعو ربي. أي: أعبده، إلا أنه عدل عن العبادة هنا وقال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ ..} [مريم: 48] فلماذا؟ قالوا: لأن الإنسان لا ينصرف عن ربه وعن وحدانيته تعالى إلا حين يستغني، فإنْ ألجأتْهُ الأحداث واضطرته الظروف لا يجد ملجأ إلا إلى الله فيدعو. إذن: فالعبادة ستصل قَطْعاً إلى الدعاء، وما دُمْتَ ستضطر إلى الدعاء فليكُنْ من بداية الأمر: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} [مريم: 48]. إذن: استخدم الدعاء بدل العبادة؛ لأنني أعبد الله في الرخاء، فإنْ حدثتْ لي شِدَّةٌ لا أجد إلا هو أدعوه. وقوله: {وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} [مريم: 48] أي: عسى ألاَّ أكون شقياً بسبب دعائي لربي؛ لأنه تبارك وتعالى لا يُشقي مَنْ عبده ودعاه، فإنْ أردتَ المقابل فَقُلْ: الشقيُّ مَنْ لا يعبد الله ولا يدعوه. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):