Verse. 2299 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

فَلَمَّا اعْتَزَلَہُمْ وَمَا يَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اؘ۝۰ۙ وَہَبْنَا لَہٗۗ اِسْحٰقَ وَيَعْقُوْبَ۝۰ۭ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا۝۴۹
Falamma iAAtazalahum wama yaAAbudoona min dooni Allahi wahabna lahu ishaqa wayaAAqooba wakullan jaAAalna nabiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله» بأن ذهب إلى الأرض المقدسة «وهبنا له» ابنين يأنس بهما «إسحاق ويعقوب وكلا» منهما «جعلنا نبيا».

49

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم عليه السلام لما اعتزلهم في دينهم وفي بلدهم واختار الهجرة إلى ربه إلى حيث أمره لم يضره ذلك ديناً ودنيا، بل نفعه فعوضه أولاداً أنبياء ولا حالة في الدين والدنيا للبشر أرفع من أن يجعل الله له رسولاً إلى خلقه ويلزم الخلق طاعته والانقياد له مع ما يحصل فيه من عظيم المنزلة في الآخرة فصار جعله تعالى إياهم أنبياء من أعظم النعم في الدنيا والآخرة، ثم بين تعالى أنه مع ذلك وهب لهم من رحمته أي وهب لهم من النبوة ما وهب ويدخل فيه المال والجاه والأتباع والنسل الطاهر والذرية الطيبة ثم قال: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } ولسان الصدق الثناء الحسن وعبر باللسان عما يوجد باللسان، كما عبر باليد عما يعطي باليد وهو العطية، واستجاب الله دعوته في قوله: { أية : وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 84] فصيره قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم وقال عز وجل: { أية : مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الحج: 78] { أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [النحل: 123] قال بعضهم: إن الخليل اعتزل عن الخلق على ما قال: { أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [مريم: 48] فلا جرم بارك الله في أولاده فقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً }. وثانيها: أنه تبرأ من أبيه في الله تعالى على ما قال: { أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } تفسير : [التوبة: 114] لا جرم أن الله سماه أباً للمسلمين فقال: {أية : مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الحج:78]. وثالثها: تل ولده للجبين ليذبحه على ما قال: { أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } تفسير : [الصافات: 103] لا جرم فداه الله تعالى على ما قال: { أية : وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } تفسير : [الصافات: 107]. ورابعها: أسلم نفسه فقال: { أية : أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 131] فجعل الله تعالى النار عليه برداً وسلاماً فقال: { أية : قُلْنَا يا نَّارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الأنبياء: 69]. وخامسها: أشفق على هذه الأمة فقال: { أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } تفسير : [البقرة: 129] لا جرم أشركه الله تعالى في الصلوات الخمس، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. وسادسها: في حق سارة في قوله: { أية : وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } تفسير : [النجم: 37] لا جرم جعل موطىء قدميه مباركاً: { أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } تفسير : [البقرة: 125]. وسابعها: عادى كل الخلق في الله فقال: { أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 77] لا جرم اتخذه الله خليلاً على ما قال: { أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } تفسير : [النساء: 125] ليعلم صحة قولنا أنه ما خسر على الله أحد.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني: ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} تفسير : [الأنبياء: 72] وقال: {أية : وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71] ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَآئِكَ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ} تفسير : [البقرة: 133] ولهذا إنما ذكر ههنا إسحاق ويعقوب، أي: جعلنا له نسلاً وعقباً أنبياء أقر الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} فلو لم يكن يعقوب عليه السلام قد نبىء في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضاً؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته حين سئل عن خير الناس، فقال: «حديث : يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله»تفسير : ، وفي اللفظ الآخر: «حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»تفسير : . وقوله: {وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: الثناء الحسن، وكذا قال السدي ومالك بن أنس، وقال ابن جرير: إنما قال: علياً؛ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } بأن ذهب إلى الأرض المقدّسة {وَهَبْنَا لَهُ } ابنين يأنس بهما {إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ } منهما {جَعَلْنَا نَبِيّاً }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {... وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} فيه وجهان: أحدهما: جعلنا لهم ذكراً جميلاً وثناءً حسناً، قاله ابن عباس، وذلك أن جمع الملك بحسن الثناء عليه. الثاني: جعلناهم رسلاً لله كراماً على الله، ويكون اللسان بمعنى الرسالة: قال الشاعر: شعر : أتتني لسان بني عامر أحاديثهما بعد قول ونكر. تفسير : ويحتمل قولاً [ثالثاً] أن يكون الوفاء بالمواعيد والعهود.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [الآية: 49]. قال الواسطى رحمه الله: عوض الأكابر على مقدار الحرب جعل فهم التلاوة للأحكام، وجعل فهم الحقيقة للأسقام. قال الله جل ذكره: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ} وقال لموسى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} [الآية: 53]. ولما اعتزل محمد صلى الله عليه وسلم الأكوان أجمع ولم يزغ البصر فى وقت النظرة وما طغى. قيل: {أية : إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]. لم تزغ غير ما حلاه بصفته. وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]. قال أبو محمد البلاذرى: ما خر أحد على ربه فى شئ من أسبابه وما ترك أحد له سببًا. إلا عوضه الله عليه خيرًا منه. قول الله تعالى: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً}. لما أَيِسَ من أصلِه آنسَه اللَّهُ بما أكرمه من نَسْلِه، فأنبتهم نباتاً حسناً، ورزقهم النبوةَ، ولسان الصدق بالذكر لهم على الدوام فقال: {وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً}.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله} بالمهاجرة الى الشام. قال فى تفسير الشيخ فارتحل من كونى الى الارض المقدس {وهبنا له اسحاق ويعقوب} ابن اسحاق بدل من فارقه من اقربائه الكفرة لا عقيب المجاوزة والمهاجرة فان المشهور ان الموهوب حينئذ اسماعيل لقوله {فبشرناه بغلام عليم} اثر دعائه بقوله{رب هب لى من الصالحين} ولعل تخصيصها بالذكر لانهما شجرة الانبياء او لانه اراد ان يذكر اسماعيل بفضل على انفراد {وكلا جعلنا نبيا} اى كل واحد منهم جعلناه نبيا لا بعضهم دون بعض فكلا مفعول اول لجعلنا قدم عليه للتخصيص لكن لا بالنسبة الى من عداهم بل بالنسبة الى بعضهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وكُلاًّ}: مفعول أول لجعلنا، و {عَلِيًّا}: حال من اللسان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فلما اعتزلهم} أي: اعتزل إبراهيمُ قومَه {وما يعبدون من دون الله} بأن خرج من "كوثى" بأرض العراق، مهاجرًا إلى الشام واستقر بها، {وهبنا له إسحاق} ولده {ويعقوبَ} حفيده، بعد أن وهب له إسماعيل من أمَته هاجر، التي وُهبت لزوجه سارة، ثم وهبتها له، فوُلد له منها إسماعيل، ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت منها سارة، فخرج بها مع ولدها إسماعيل حتى أنزلهما مكة، فكان سبب عمارتها. ثم حملت سارة بإسحاق، ثم نشأ عنه يعقوب، وإنما خصهما بالذكر لأنهما كانا معه في بلده، وإسحاق كان متصِلاً به يسعى معه في مآربه، فكانت النعمة بهما أعظم. ولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله ها هنا لبيان كمال عِظم النعمة التي أعطاها الله تعالى إياهُ، في مقابلة من اعتزلهم من الأهل والأقارب، فإنهما شجرة الأنبياء، لهما أولاد وأحفاد، لكل واحد منهم شأن خطير وعدد كثير. {وكُلاًّ جعلنا نبيًّا} أي: وكل واحد منهما أو منهم جعلناه نبيًا ورسولاً. {ووهبنا لهم من رحمتنا} هي النبوة، وذكرها بعد ذكر جعلهم أنبياء؛ للإيذان بأنها من باب الرحمة والفضل. وقيل: الرحمة: المال والأولاد، وما بسط لهم من سعة الرزق، وقيل: إنزال الكتاب، والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي. {وجعلنا لهم لسانَ صدقٍ عليًّا}: رفيعًا في أهل الأديان، فكل أهل دين يتلونهم، ويثنُون عليهم، ويفتخرون بهم؛ استجابة لدعوته بقوله: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 84]. والمراد باللسان: ما يوجد به الكلام في لسان العرب ولغتهم، وإضافته إلى الصدق، ووصفه بالعلو؛ للدلالة على أنهم أحقاء لما يثنون عليهم، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار، وتبدل الدول، وتحول الملل والنحل. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من اعتزل عن الخلق وانفرد بالملك الحق، طلبًا في الوصول إلى مشاهدة الحق، لا بد أن تفيض عليه المواهب القدسية والأسرار الوهبية والعلوم اللدنية، وهي نتائج فكرة القلوب الصافية، وفي الحكم: "ما نفع القلب شيءٌ مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة". قال الجنيد رضي الله عنه: أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (ثمار العزلة: الظفر بمواهب المنة، وهي أربعة: كشف الغِطاء، وتنزل الرحمة، وتحقق المحبة، ولسان الصدق في الكلمة، قال الله تعالى: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له} الآية). وقال بعض الحكماء: من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راءاهم، ومن راءاهم وقع فيما وقعوا، فهلك كما هلكوا. وقال بعض الصوفية: قلت لبعض الأبدال المنقطعين إلى الله: كيف الطريق إلى التحقيق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق، فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم، فإن كلامهم قسوة، قلت: لا بد لي، قال: لا تعاملهم، فإن معاملتهم خسران ووحشة، قلت: أنا بين أظهرهم، لا بد لي من معاملتهم، قال: لا تسكن إليهم، فإن السكون إليهم هلكة، قلت: هذا لعله يكون، قال: يا هذا أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة وقلبك مع الله؟! هيهات... هذا لا يكون أبدًا، ثم غاب عني. وقال القشيري رضي الله عنه: فأرباب المجاهدات، إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى المستحسنات - أي: من الدنيا -. قال: وهذا أصل كبير لهم في المجاهدات في أحوال الرياضة. هـ. وقال في "القوت": ولا يكون المريد صادقًا حتى يجد في الخلوة من الحلاوة والنشاط والقوة ما لا يجده في العلانية، وحتى يكون أُنسه في الوحدة، وروحه في الخلوة، وأحسن أعماله في السر. هـ. قلت: العزلة عن الخلق والفرار منهم شرط في بداية المريد، فإذا تمكن من الشهود، وأَنس قلبه بالملك الودود، واتصل بحلاوة المعاني، ينبغي له أن يختلط بالخلق ويربي فكرته؛ لأنهم حينئذ يزيدون في معرفته ويتسع بهم؛ لأنه يراهم حينئذ أنوارًا من تجليات الحق، ونوارًا يرعى فيهم، فيجتني حلاوة الشهود، وفي ذلك يقول شيخ شيوخنا المجذوب: شعر : الخَلْقُ نَوارٌ وَأَنا رَعَيْتُ فِيهِمُ هُمُ الحجَابُ الأكْبَرُ والمَدْخَلُ فيهِمُ تفسير : وفي مقطعات الششتري: شعر : عين الزحام هم الوصول لحيِّنا تفسير : وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر قصة موسى عليه السلام

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} بالهجرة الباطنيّة عن مقام النّفس الّتى هى كانت موافقةً لهم او بالهجرة الى الشّام {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} بدل من فارقهم لم يذكر اسماعيل (ع) لتشريفه بذكره فيما بعد مستقّلاً، او لانّ تشريف ابراهيم (ع) فى انظارهم كان باسحاق ويعقوب (ع) لانّ انبياء (ع) بنى اسرائيل كانوا منهما {وَكُلاًّ} منهما {جَعَلْنَا نَبِيّاً وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا} ما يمكن ان يوهب للانسان او من رحمتنا بنفسه مفعول لكون من التّبعيضيّة اسماً او قائماً مقام المفعول الموصوف لقوّة معنى البعضيّة فيه، او المفعول محذوف اى وهبنا لهم من رحمتنا محمّداً (ص)، حذفه لظهوره فى المقام او لادّعاء ظهوره {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} لسان الصّدق عبارة عن الثّناء الجميل على لسان الخلق، والمراد بالعلىّ الثّناء البالغ المرتفع، او المراد بالعلىّ علىّ بن ابى طالب (ع) فانّه كان لسان صدقٍ له فى الآخرين لم يكن لسان صدق اشرف منه، والتّعبير باللّسان عن الثّناء لكونه صادراً منه وجارياً عليه، نسب الى علىّ (ع) انّه قال: لسان الصّدق للمرء يجعله الله فى النّاس خير من المال يأكله ويورّثه.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} ولديْن له، يأنس بهما من وحشة فراق وطنه وقومه، وشد عضده بهما. أما إسحاق فابنه، وأما يعقوب فابن ابنه. وإسحاق أصغر من إسماعيل. روى أن هاجر حملت بإسماعيل فغارت سارة فحملت بإسحاق، أى مالت للحمل وتسببت فيه فانظره. {وَكُلاًّ} من إسحاق ويعقوب أو منهما ومن إبراهيم. {جَعَلْنَا نَبِيّاً} تفضلا منا.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا اعْتزلَهم وما يعْبُدون من دُون الله} كما وعد {وَهَبْنا له إِسْحَاق ويعقوب} بعد الاعتزال بمدة بدلا من مفارقة أبيه وقومه وأقاربه الكفرة، وهب الله له تعالى أولا اسماعيل لقوله تعالى: "أية : فبشرناه بغلام حليم" تفسير : [الصافات: 101] بعد قوله: "أية : رب هب لى من الصالحين" تفسير : [الصافات: 100] وكان من هاجر فغارت سارة فحملت بإسحاق عليه السلام، ولما كبر ولد له يعقوب، وذكرهما الله بعد ذكر الاعتزال، لأن أكثر الأنبياء منهما، وهما شجرتان للأبناء وذوى شرف شأن والجنود الكثيرة، وذكر إسماعيل على الانفراد، وروى أنه أتى حران تزوج سارة، تولدت له إسحاق، وولد لإسحاق يعقوب، وبعد ولادة إسحاق ولد إسماعيل، والمشهور الأول وهو أظهر وأقرب.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } بالمهاجرة إلى ما تقدم {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } بدل من فارقهم من أبيه وقومه الكفرة لكن لا عقيب المهاجرة. والمشهور أن أول ما وهب له عليه السلام من الأولاد إسماعيل عليه السلام لقوله تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ } تفسير : [الصافات: 101] إثر دعائه بقوله: {أية : رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } تفسير : [الصافات: 100] وكان من هاجر فغارت سارة فحملت بإسحٰق عليه السلام فلما كبر ولد له يعقوب عليه السلام. ولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله هٰهنا لبيان كمال عظم النعم التي أعطاها الله تعالى إياه بمقابلة من اعتزلهم من الأهل والأقرباء فإنهما شجرتا الأنبياء ولهما أولاد وأحفاد أُوْلُو شأن خطير وذوو عدد كثير مع أنه سبحانه أراد أن يذكر إسماعيل عليه السلام بفضله على الانفراد. وروي أنه عليه السلام لما قصد الشام أتى أولاً حران وتزوج سارة وولدت له إسحٰق وولد لاسحٰق يعقوب. والأول هو الأقرب الأظهر. {وَكُلاًّ } أي كل واحد من إسحٰق ويعقوب أو منهما ومن إبراهيم عليه السلام وهو مفعول أول لقوله تعالى: {جَعَلْنَا نَبِيّاً } قدم عليه للتخصيص لكن لا بالنسبة إلى من عداهم بل بالنسبة إلى بعضهم أي كل واحد منهم جعلنا نبِياً لا بعضهم دون بعض، ولا يظهر في هذا الترتيب على الوجه الثاني في {كَلاَّ } كون إبراهيم عليه السلام نبياً قبل الاعتزال.

ابن عاشور

تفسير : طُوي ذكر اعتزاله إياهم بعد أن ذكر عزمه عليه إيجازاً في الكلام للعلم بأنّ مثله لا يعزم أمراً إلاّ نفذ عزمه، واكتفاءً بذكر ما ترتّب عليه من جعل عزمه حدثاً واقعاً قد حصل جزاؤه عليه من ربّه، فإنه لما اعتزل أباه وقومه واستوحش بذلك الفراق وهبه الله ذرية يأنس بهم إذْ وهبه إسحاق ابنه، ويعقوب ابن ابنه، وجعلهما نبيئين. وحسبك بهذه مكرمة له عند ربّه. وليس مجازاة الله إبراهيم مقصورة على أن وهبه إسحاق ويعقوب، إذ ليس في الكلام ما يقتضي الانحصار، فإنه قد وهبه إسماعيل أيضاً، وظهرت موهبته إياه قبل ظهور موهبة إسحاق، وكل ذلك بعد أن اعتزل قومَه. وإنما اقتُصر على ذكر إسحاق ويعقوب دون ذكر إسماعيل فلم يقل: وهبنا له إسماعيل وإسحاق ويعقوب، لأن إبراهيم لما اعتزل قومه خرج بزوجه سارة قريبته، فهي قد اعتزلت قومها أيضاً إرضاء لربها ولزوجها، فذكر الله الموهبة الشاملة لإبراهيم ولزوجه، وهي أن وهب لهما إسحاق وبعده يعقوب؛ ولأن هذه الموهبة لما كانت كِفاء لإبراهيم على مفارقته أباه وقومه كانت موهِبةَ من يعاشر إبراهيم ويؤنسه وهما إسحاق ويعقوب. أما إسماعيل فقد أراد الله أن يكون بعيداً عن إبراهيم في مكة ليكون جارَ بيت الله. وإنه لجوار أعظم من جوار إسحاق ويعقوب أباهما. وقد خصّ إسماعيل بالذكر استقلالاً عقب ذلك، ومِثلُه قوله تعالى: {أية : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب}تفسير : [ص: 45] ثم قال: {أية : واذكر إسماعيل} تفسير : في سورة ص (48)، وقد قال في آية الصافات (99 - 101) {أية : وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم} تفسير : إلى أن قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} فذكر هنالك إسماعيل عقب قوله: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} إذ هو المراد بالغلام الحليم. والمراد بالهبة هنا: تقدير ما في الأزل عند الله لأن ازدياد إسحاق ويعقوب كان بعد خروج إبراهيم بمدة بعد أن سَكَن أرض كنعان وبعد أن اجتاز بمصر ورجع منها. وكذلك ازدياد إسماعيل كان بعد خروجه بمدة وبعد أن اجتاز بمصر كما ورد في الحديث وفي التوراة، أو أُريد حكاية هبة إسحاق ويعقوب فيما مضى بالنسبة إلى زمن نزول القرآن تنبيهاً بأن ذلك جزاؤه على إخلاصه. والنكتة في ذكر يعقوب أن إبراهيم رآه حفيداً وسُرّ به، فقد ولد يعقوب قبل موت إبراهيم بخمس عشرة سنة، وأن من يعقوب نشأت أمّة عظيمة. وحرف (لمّا) حرف وجودٍ لوجودٍ، أي يقتضي وجود جوابه لأجل وجود شرطه فتقتضي جملتين، والأكثر أن يكون وجود جوابها عند وجود شرطها، وقد تكون بينهما فترة فتدل على مجرد الجزائية، أي التعليل دون توقيت، وذلك كما هنا. وضمير {لهم} عائد إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام -. و (من) في قوله {أية : ومن ذريتهما محسن}تفسير : [الصافات: 113] إما حرف تبعيض صفة لمحذوف دلّ عليه {وهبنا}، أي موهوباً من رحمتنا. وإما اسم بمعنى بَعض بتأويل، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} تفسير : في سورة البقرة (8). وإن كان النحاة لم يثبتوا لكلمة (مِن) استعمالها اسماً كما أثبتوا ذلك لكلمات (الكاف) و (عن) و (على) لكن بعض موارد الاستعمال تقتضيه، كما قاله التفتزاني في حاشية الكشاف، وأقرّه عبْد الحكيم. وعلى هذا تكون (مِن) في موضع نصب على المفعول به لفعل {وهبنا}، أي وهبنا لهم بعضَ رحمتنا، وهي النبوءة، لأنها رحمة لهم ولمن أرسلوا إليهم. واللسان: مجاز في الذكر والثناء. ووصف {لسان} بـ{صدق} وصفاً بالمصدر. الصدق: بلوغ كمال نوعه، كما تقدم آنفاً، فلسان الصدق ثناء الخير والتبجيل، ووصف بالعلوّ مجازاً لشرف ذلك الثناء. وقد رتّب جزاء الله إبراهيم على نبذه أهل الشرك ترتيباً بديعاً إذ جوزي بنعمة الدنيا وهي العقب الشريف، ونعمة الآخرة وهي الرحمة، وبأثر تينك النعمتين وهو لسان الصدق، إذ لا يذكر به إلا من حصل النعمتين. وتقدم اختلاف القراء في نبياً عند ذكر إبراهيم - عليه السلام -.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِسْحَاقَ} (49) - فَلَمَّا اعْتَزَلَ إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ وَقَوْمَهُ، وَهَاجَرَ مِنْ أَرْضِهِمْ أَبْدَلَهُ اللهُ خَيْراً مِنْهُمْ، وَجَعَلَ لَهُ نَسْلاً مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَوَهَبَ لَهُ ابْنَهُ إِسْحَاقَ، وَوَهَبَ لإِسْحَاقَ ابْنَهُ يَعْقُوبَ فِي حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكُلاًّ مِنْهُمْ قَدْ جَعَلَهُ اللهُ نَبِيّاً مُبَارَكاً، وَجَعَلَ لَهُمْ نَسْلاً مِنَ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [مريم: 49] لم يذكر هنا إسماعيل؛ لأن إسحاق جاء جزاءً من الله لإبراهيم على صبره في مسألة ذَبْح إسماعيل، وما حدث من تفويضهما الأمر لله تعالى، والتسليم لقضائه وقَدرهِ، كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا ..}تفسير : [الصافات: 103] أي: إبراهيم وإسماعيل {أية : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الصافات: 103-107]. ولم يقتصر الأمر على الفداء، بل {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ..}تفسير : [الصافات: 112] فلما امتثل لأمر الله في الولد الأول وهبنا له الثاني. وفي آية أخرى يقول تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ}تفسير : [الأنبياء: 72]. كأن الحفيد نافلة وزيادة في عطاء الذرية، ومبالغة في الإكرام. ثم يمتنُّ الله على الجميع بأن يجعلَهم أنبياء {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} [مريم: 49] فليس الامتنان بأنْ وهب له إسحاق ومن بعده يعقوب، بل بأنْ جعلهم أنبياء، وهذه جاءت بشرى لإبراهيم، وكان حظّه أنْ يرعى دعوة الله حياً، ويطمع أنْ تكونَ في ذريته من بعده، وكانت هذه هي فكرة زكريا - عليه السلام - فكلهم يحرصون على الذرية لا للعزوة والتكاثر وميراث عَرَضِ الدنيا، بل لحمل منهج الله وامتداد الدعوة فيهم والقيام بواجبها. انظر إلى قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ..}تفسير : [البقرة: 124] أي: حَمَّله تشريعات فقام بها على أتمِّ وجه وأدّاها على وجهها الصحيح، فلما علم الله منه عِشْقه للتكليف أتمها عليه: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124] فتثور مسألة الإمامة في نفس إبراهيم، ويطمع أنْ تكونَ في ذريته من بعده فيقول: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِي ..}تفسير : [البقرة: 124] لذلك يُعدِّل الحق سبحانه فكرة إبراهيم عن الإمامة، ويضع المبدأ العام لها، فهي ليستْ ميراثاً، إنها تكليف له شروط: {أية : قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 124]. فالظالمون لا يصلحون لهذه المهمة. فوعي إبراهيم عليه السلام هذا الدرس، وأخذ هذا المبدأ، وأراد أنْ يحتاط به في سؤاله لربه بعد ذلك، فلما دعا ربه: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ ..}تفسير : [البقرة: 126] فاحتاط لأنْ يكونَ في بلده ظالمون، فقال: {أية : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ..}تفسير : [البقرة: 126]. لكن جاء قياس إبراهيم هنا في غير محله، فعدَّل الله له المسألة؛ لأنه يتكلم في أمر خاص بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمنَ والكافر، والطائعَ والعاصي، فقد ضمن الله الرزق للجميع فلا داعي للاحتياط في عطاء الربوبية؛ لذلك أجابه ربه: {أية : قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [البقرة: 126]. إذن: فهناك فارق بين العطاءين: عطاء الربوبية وعطاء الألوهية، والإمامية في منهج الله، فعطاء الربوبية رِزْق يُسَاق للجميع وخاضع للأسباب، فمَنْ أخذ بأسبابه نال منه ما يريد، أما عطاء الألوهية فتكليف وطاعة وعبادة. يقول تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا ...}.