١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : (القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام) اعلم أنه تعالى وصف موسى عليه السلام بأمور: أحدها: أنه كان مخلصاً فإذا قرىء بفتح اللام فهو من الاصطفاء والاختباء كأن الله تعالى اصطفاه واستخلصه وإذا قرىء بالكسر فمعناه أخلص لله في التوحيد في العبادة والإخلاص هو القصد في العبادة إلى أن يعبد المعبود بها وحده، ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل واحدة منهما ثابت مقطوع به، فجعل الله تعالى من صفة موسى عليه السلام كلا الأمرين. وثانيها: كونه رسولاً نبياً ولا شك أنهما وصفان مختلفان لكن المعتزلة زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نبي وكل نبي رسول ومن الناس من أنكر ذلك وقد بينا الكلام فيه في سورة الحج في قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ } تفسير : [الحج: 52]. وثالثها: قوله تعالى: {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ } من اليمين أي من ناحية اليمين والأيمن صفة الطور أو الجانب. ورابعها: قوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } ولما ذكر كونه رسولاً قال: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } وفي قوله: {قربناه} قولان: أحدهما: المراد قرب المكان عن أبي العالية قربه حتى سمع صرير القلم حيث كتبت التوراة في الألواح. والثاني: قرب المنزلة أي رفعنا قدره وشرفناه بالمناجاة، قال القاضي: وهذا أقرب لأن استعمال القرب في الله قد صار بالتعارف لا يراد به إلا المنزلة وعلى هذا الوجه يقال في العبادة تقرب، ويقال في الملائكة عليهم السلام إنهم مقربون وأما {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } فقيل فيه أنجيناه من أعدائه وقيل هو من المناجاة في المخاطبة وهو أولى. وخامسها: قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً } قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان هرون عليه السلام أكبر من موسى عليهما السلام، وإنما وهب الله له نبوته لا شخصه وأخوته وذلك إجابة لدعائه في قوله: { أية : وَٱجْعَل لّى وَزِيراً مّنْ أَهْلِى هَـٰرُونَ أَخِى ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِى } تفسير : [طه: 29-32] فأجابه الله تعالى إليه بقوله: { أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] وقوله: { أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} تفسير : [القصص:35].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ} أي واقرأ عليهم من القرآن قصة موسى. {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} في عبادته غير مرائي. وقرأ أهل الكوفة بفتح اللام؛ أي أخلصناه فجعلناه مختاراً. {وَنَادَيْنَاهُ} أي كلمناه ليلة الجمعة. {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} أي يمين موسى، وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر؛ قاله الطبري وغيره؛ فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال. {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} نصب على الحال؛ أي كلمناه من غير وحي. وقيل: أدنيناه لتقريب المنزلة حتى كلمناه. وذكر وكيع وقبِيصة عن سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} أي أدني حتى سمع صريف الأقلام. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} وذلك حين سأل فقال: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَرُونَ أَخِي}.
البيضاوي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } موحداً أخلص عبادته عن الشرك والرياء، أو أسلم وجهه لله وأخلص نفسه عما سواه، وقرأ الكوفيون بالفتح على أن الله أخلصه. {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } أرسله الله إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك قدم {رَسُولاً } مع أنه أخلص وأعلى.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} قرأ بعضهم بكسر اللام، من الإخلاص في العبادة. قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي لبابة قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن المخلص لله؟ قال: الذي يعمل لله، لا يحب أن يحمده الناس، وقرأ الآخرون بفتحها، بمعنى أنه كان مصطفى، كما قال تعالى: {أية : إِنْي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأعراف: 144] {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} جمع الله له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين. وقوله: {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ} أي: الجبل {ٱلأَيْمَنِ} من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة، فرآها تلوح، فقصدها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه غربية عند شاطىء الوادي، فكلمه الله تعالى وناداه، وقربه فناجاه. روى ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، هو القطان، حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال: أدني حتى سمع صريف القلم، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم، يعنون: صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال: أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال: نجا بصدقه. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي واصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى نجياً بطور سيناء قال: يا موسى إذا خلقت لك قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئاً، ومن أخزن عنه هذا، فلم أفتح له من الخير شيئاً، وقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً} أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبياً، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} تفسير : [القصص: 34] وقال: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 36] وقال: {أية : فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } تفسير : [الشعراء: 13 - 14] ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبياً، قال الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً} قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً} قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوته، وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقاً عن يعقوب، وهو ابن إبراهيم الدّورقي به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } بكسر اللام وفتحها، من أخلص في عبادته وخلصه الله من الدنس {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً }.
الشوكاني
تفسير : قفّى سبحانه قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلاه في الشرف. وقدّمه على إسماعيل لئلا يفصل بينه وبين ذكر يعقوب، أي واقرأ عليهم من القرآن قصة موسى {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } قرأ أهل الكوفة بفتح اللام، أي جعلناه مختاراً وأخلصناه، وقرأ الباقون بكسرها، أي أخلص العبادة والتوحيد لله غير مراء للعباد {إِنَّهُ كَانَ رَسُولاً نبياً} أي أرسله الله إلى عباده فأنبأهم عن الله بشرائعه التي شرعها لهم، فهذا وجه ذكر النبيّ بعد الرسول مع استلزام الرسالة للنبوّة، فكأنه أراد بالرسول معناه اللغوي لا الشرعي، والله أعلم. وقال النيسابوري: الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء، والنبيّ الذي ينبىء عن الله عزّ وجلّ وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعمّ قبل الأخص، إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه: {أية : ٱ رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } تفسير : [طه: 70] انتهى. {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأيْمَنِ} أي كلمناه من جانب الطور، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير، ومعنى الأيمن: أنه كان ذلك الجانب عن يمين موسى، فإن الشجرة كانت في ذلك الجانب والنداء وقع منها، وليس المراد: يمين الجبل نفسه. فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال؛ وقيل: معنى الأيمن: الميمون، ومعنى النداء: أنه تمثل له الكلام من ذلك الجانب {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } أي أدنيناه بتقريب المنزلة حتى كلمناه، والنجيّ بمعنى المناجي كالجليس والنديم، فالتقريب هنا هو تقريب التشريف والإكرام، مثلت حاله بحال من قرّبه الملك لمناجاته. قال الزجاج: قربه منه في المنزلة حتى سمع مناجاته وقيل: إن الله سبحانه رفعه حتى سمع صريف القلم. روي هذا عن بعض السلف. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا } أي من نعمتنا، وقيل: من أجل رحمتنا، و {هَـٰرُونَ } عطف بيان، و {نَبِيّاً } حال منه، وذلك حين سأل ربه قال: {أية : وَٱجْعَل لّي وَزِيراً مّنْ أَهْلِى * هَـٰرُونَ أَخِي } تفسير : [طه: 29 ــ 30]. ووصف الله سبحانه إسماعيل بصدق الوعد مع كونه جميع الأنبياء كذلك، لأنه كان مشهوراً بذلك مبالغاً فيه، وناهيك بأنه وعد الصبر من نفسه على الذبح فوفى بذلك، وكان ينتظر لمن وعده بوعد الأيام والليالي، حتى قيل: إنه انتظر لبعض من وعده حولاً. والمراد بإسماعيل هنا: هو إسماعيل بن إبراهيم، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتدّ به فقال: هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضي بثوابه، وقد استدل بقوله تعالى في إسماعيل: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } على أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته. وقيل: إنه وصفه بالرسالة لكون إبراهيم أرسله إلى جرهم {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ } قيل: المراد بأهله هنا أمته. وقيل: جرهم، وقيل: عشيرته كما في قوله: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] والمراد بالصلاة والزكاة هنا: هما العبادتان الشرعيتان ويجوز أن يراد معناهما اللغوي {وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً } أي رضياً زاكياً صالحاً. قال الكسائي والفراء: من قال مرضيّ بنى على رضيت، قالا: وأهل الحجاز يقولون. مرضوّ. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ } اسم إدريس أخنوخ، قيل: هو جدّ نوح، فإن نوحاً هو ابن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وعلى هذا فيكون جد أبي نوح. ذكره الثعلبي وغيره، وقد قيل: إن هذا خطأ، وامتناع إدريس للعجمة والعلمية. وهو أوّل من خط بالقلم ونظر في النجوم والحساب، وأوّل من خاط الثياب. قيل: وهو أوّل من أعطي النبوّة من بني آدم. وقد اختلف في معنى قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } فقيل: إن الله رفعه إلى السماء الرابعة. وقيل: إلى السادسة. وقيل: إلى الثانية. وقد روى البخاري في صحيحه من حديث الإسراء وفيه: ومنهم إدريس في الثانية، وهو غلط من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر. والصحيح أنه في السماء الرابعة كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن المراد برفعه مكاناً علياً: ما أعطيه من شرف النبوّة. وقيل: إنه رفع إلى الجنة. {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ } الإشارة إلى المذكورين من أوّل السورة إلى هنا، والموصول صفته، و{من النبيين} بيان للموصول، و {مِن ذُرّيَّةِ * ءادَمَ } بدل منه بإعادة الخافض. وقيل: إن "من" في {من ذرية} آدم للتبعيض {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي: من ذرية من حملنا معه وهم من عدا إدريس، فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح {وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ } وهم الباقون {وَإِسْرٰءِيلَ} أي ومن ذرية إسرائيل، ومنهم موسى وهارون ويحيـى وعيسى. وقيل: إنه أراد بقوله: {مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ } إدريس وحده، وأراد بقوله: {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } إبراهيم وحده، وأراد بقوله: {وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ } إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وأراد بقوله: {وَمِن ذُرّيَّةِ إِسْرٰءيلَ} موسى وهارون وزكريا ويحيـى وعيسى {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا } أي: من جملة من هدينا إلى الإسلام {وَٱجْتَبَيْنَا } بالإيمان {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً} وهذا خبر لأولئك، ويجوز أن يكون الخبر هو {الذين أنعم الله عليهم} وهذا استئناف لبيان خشوعهم لله وخشيتهم منه. وقد تقدّم في سبحان بيان معنى خرّوا سجداً: يقال: بكى يبكي بكاءً وبكياً. قال الخليل: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن، أي ليس معه صوت، ومنه قول الشاعر:شعر : بكت عيني وحقّ لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل تفسير : و{سجدا} منصوب على الحال. قال الزجاج: قد بيّن الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله بكوا وسجدوا، وقد استدلّ بهذه الآية على مشروعية سجود التلاوة. ولما مدح هؤلاء الأنبياء بهذه الأوصاف ترغيباً لغيرهم في الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم ذكر أضدادهم تنفيراً للناس عن طريقتهم فقال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } أي عقب سوء. قال أهل اللغة: يقال لعقب الخير: خلف بفتح اللام، ولعقب الشر خلف بسكون اللام، وقد قدّمنا الكلام على هذا في آخر الأعراف {أضاعوا الصلاة} قال الأكثر: معنى ذلك أنهم أخروها عن وقتها وقيل: أضاعوا الوقت وقيل: كفروا بها وجحدوا وجوبها وقيل: لم يأتوا بها على الوجه المشروع. والظاهر أن من أخر الصلاة عن وقتها أو ترك فرضاً من فروضها أو شرطاً من شروطها أو ركناً من أركانها فقد أضاعها، ويدخل تحت الإضاعة من تركها بالمرّة أو أحدها دخولاً أوّلياً. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟ فقيل: في اليهود وقيل: في النصارى وقيل: في قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأتون في آخر الزمان، ومعنى {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ } أي فعلوا ما تشتهيه أنفسهم وترغب إليه من المحرمات كشرب الخمر والزنا {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } الغيّ: هو الشرّ عند أهل اللغة، كما أن الخير: هو الرشاد، والمعنى: أنهم سيلقون شرّاً لا خيراً. وقيل: الغيّ الضلال، وقيل: الخيبة. وقيل: هو اسم وادٍ في جهنم وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: سيلقون جزاء الغيّ، كذا قال الزجاج، ومثله قوله سبحانه: {أية : يَلْقَ أَثَاماً } تفسير : [الفرقان: 68]. أي جزاء أثام. {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } أي تاب مما فرط منه من تضييع الصلوات و اتباع الشهوات فرجع إلى طاعة الله وآمن به وعمل عملاً صالحاً، وفي هذا الاستثناء دليل على أن الآية في الكفرة لا في المسلمين {فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } قرأ أبو جعفر وشيبة وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر "يدخلون" بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الخاء {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } أي لا ينقص من أجورهم شيء وإن كان قليلاً، فإن الله سبحانه يوفي إليهم أجورهم. وانتصاب {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } على البدل من الجنة، بدل البعض لكون جنات عدن بعض من الجنة. قال الزجاج: ويجوز "جنات عدن" بالرفع على الابتداء، وقرىء كذلك. قال أبو حاتم: ولولا الخط لكان جنة عدن، يعني: بالإفراد، مكان الجمع وليس هذا بشيء، فإن الجنة اسم لمجموع الجنات التي هي بمنزلة الأنواع للجنس. وقرىء بنصب الجنات على المدح، وقد قرىء جنة بالإفراد {ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ } هذه الجملة صفة لجنات عدن، و{بالغيب} في محل نصب على الحال من الجنات، أو من عباده، أي متلبسة، أو متلبسين بالغيب، وقرىء: بصرف عدن، ومنعها على أنها علم لمعنى العدن وهو الإقامة، أو علم لأرض الجنة {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } أي: موعوده على العموم، فتدخل فيه الجنات دخولاً أوّلياً. قال الفراء: لم يقل آتياً، لأن كل ما أتاك فقد أتيته، وكذا قال الزجاج. {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } هو الهذر من الكلام الذي يلغى ولا طائل تحته، وهو كناية عن عدم صدور اللغو منهم؛ وقيل: اللغو: كل ما لم يكن فيه ذكر الله {إِلاَّ سَلَـٰماً } هو استثناء منقطع: أي سلام بعضهم على بعض، أو سلام الملائكة عليهم. وقال الزجاج: السلام اسم جامع للخير، لأنه يتضمن السلامة، والمعنى: أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤلمهم وإنما يسمعون ما يسلمهم {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } قال المفسرون: ليس في الجنة بكرة ولا عشية، ولكنهم يؤتون رزقهم على مقدار ما يعرفون من الغداء والعشاء {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } أي هذه الجنة التي وصفنا أحوالها نورثها من كان من أهل التقوى كما يبقى على الوارث مال موروثه. قرأ يعقوب "نورّث" بفتح الواو وتشديد الراء، وقرأ الباقون بالتخفيف. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: نورّث من كان تقياً من عبادنا. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } قال: النبي الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل. ولفظ ابن أبي حاتم: الأنبياء الذين ليسوا برسل يوحى إلى أحدهم ولا يرسل إلى أحد. والرسل: الأنبياء الذين يوحى إليهم ويرسلون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأيْمَنِ} قال: جانب الجبل الأيمن {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } قال: نجا بصدقه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: قربه حتى سمع صريف القلم، وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في الآية قال: حتى سمع صريف القلم يكتب في اللوح. وأخرجه الديلمي عنه مرفوعاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَـٰرُونَ } قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن إنما وهب له نبوّته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } قال: كان إدريس خياطاً، وكان لا يغرز غرزة إلا قال: سبحان الله، وكان يمسي حين يمسي وليس على الأرض أفضل عملاً منه، فاستأذن ملك من الملائكة ربه فقال: يا ربّ ائذن لي فأهبط إلى إدريس، فأذن له فأتى إدريس فقال: إني جئتك لأخدمك، قال: كيف تخدمني وأنت ملك وأنا إنسان؟ ثم قال إدريس: هل بينك وبين ملك الموت شيء؟ قال الملك: ذاك أخي من الملائكة، قال: هل تستطيع أن تنفعني؟ قال: أما يؤخر شيئاً أو يقدّمه فلا، ولكن سأكلمه لك فيرفق بك عند الموت، فقال: اركب بين جناحيّ، فركب إدريس فصعد إلى السماء العليا فلقي ملك الموت وإدريس بين جناحيه، فقال له الملك: إن لي إليك حاجة، قال: علمت حاجتك تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة فلم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين، فمات إدريس بين جناحي الملك. وأخرج ابن أبي شيبة في الصنف، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سألت كعباً فذكر نحوه، فهذا هو من الإسرائيليات التي يرويها كعب. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: «رفع إدريس إلى السماء السادسة». وأخرج الترمذي وصححه، وابن المنذر وابن مردويه قال: حدثنا أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: رفع إدريس كما رفع عيسى ولم يمت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إدريس هو إلياس. وحسنه السيوطي. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } إلى آخره، قال: هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم؛ أما من ذرية آدم: فإدريس ونوح؛ وأما من حمل مع نوح فإبراهيم، وأما ذرية إبراهيم: فإسماعيل، وإسحاق ويعقوب؛ وأما ذرية إسرائيل: فموسى، وهارون، وزكريا، ويحيـى، وعيسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } قال: هم اليهود والنصارى. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في الآية قال: هم من هذه الأمة يتراكبون في الطرق كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله: {أضاعوا الصلاة} قال: ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها: إذا لم يصلها لوقتها. وأخرج أحمد، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا هذه الآية {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ } الآية قال: "حديث : يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً }، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر"تفسير : وأخرج أحمد، والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللبن، قلت: يا رسول الله ما أهل الكتاب؟ قال: "حديث : قوم يتعلمون الكتاب يجادلون به الذين آمنوا"تفسير : ، قلت: ما أهل اللبن؟ قال: "حديث : قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات"تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، والحاكم وصححه عن عائشة، أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : هم الخلف الذين قال الله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ }»تفسير : . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } قال: خسراً. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث من طرق عن ابن مسعود في قوله: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } قال: الغيّ نهر، أو وادٍ في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم، يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات. وقد قال بأنه وادٍ في جهنم البراء بن عازب. وروى ذلك عنه ابن المنذر والطبراني. وأخرج ابن جرير والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن صخرة زنة عشر عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً، ثم تنتهي إلى غيّ وأثام"تفسير : قلت: وما غيّ وأثام؟ قال: "حديث : نهران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً} [الفرقان: 68]" تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الغيّ وادٍ في جهنم»تفسير : . وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } قال: باطلاً. وأخرج سعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {بُكْرَةً وَعَشِيّاً } قال: يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟ قال: "حديث : وما هيجك على هذا"تفسير : ؟ قال: سمعت الله يذكر في الكتاب: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } فقلت: الليل من البكرة والعشي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء ونور، يرد الغدوّ على الرواح والرواح على الغدوّ، تأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة"تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلى أنه يزف إلى وليّ الله فيها زوجة من الحور العين وأدناهنّ التي خلقت من الزعفران»تفسير : قال بعد إخراجه: قال أبو محمد: هذا حديث منكر.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَنَادَينَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ} والطور جبل بالشام ناداه الله من ناحيته اليمنى. وفيه وجهان: أحدهما: من يمين موسى. الثاني: من يمين الجبل، قاله مقاتل. {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قربه من الموضع الذي شرفه وعظمه بسماع كلامه. الثاني: أنه قربه من أعلى الحجب حتى سمع صريف القلم، قاله ابن عباس، وقال غيره: حتى سمع صرير القلم الذي كتب به التوراة. الثالث: أنه قربه تقريب كرامة واصطفاء لا تقريب اجتذاب وإدناء لأنه لا يوصف بالحلول في مكان دون مكان فيقرب من بعد أو يبعد من قرب، قاله ابن بحر. وفي قوله: {نَجِيّاً} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مأخوذ من النجوى، والنجوى لا تكون إلا في الخلوة، قاله قطرب. الثاني: نجاه لصدقه مأخوذ من النجاة. الثالث: رفعه بعد التقريب مأخوذ من النجوة وهو الإِرتفاع، قال الحسن لم يبلغ موسى من الكلام الذي ناجاه به شيئاً.
ابن عطية
تفسير : هذا أمر من الله عز وجل بذكر {موسى} بن عمران عليه السلام على جهة التشريف، له وأعلمه بـ {إنه كان مخلصاً}، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "مخلِصاً" بكسر اللام وهي قراءة الجمهور أي أخلص نفسه لله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم "مخلَصاً" بفتح اللام وهي قراءة أبي رزين ويحيى وقتادة أي أخْلَصَهُ الله للنبوءة والعبادة كما قال تعالى {أية : إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار} تفسير : [ص:46]. و"الرسول" من الأنبياء الذي يكلف تبليغ أمة، وقد يكون نبياً غير رسول، وقوله {وناديناه} هو تكليم الله تعالى، و {الطور} الجبل المشهور في الشام، وقوله {الأيمن} صفة للجانب، وكانت على يمين موسى بحسب وقوفه فيه، وإلا فالجبل نفسه لا يمنة له ولا يسرة ولا يوصف بشيء من ذلك إلا بالاضافة الى ذي يمين ويسار، ويحتمل أن يكون قوله {الأيمن} مأخوذاً من اليمن كأنه قال الأبرك والأسعد، فيصح على هذا أن يكون صفة للجانب وللجبل بجملته، وقوله، {وقربناه نجياً} قال الجمهور هو تقريب التشريف بالكلام والنبوءة، وقال ابن عباس: بل أدني موسى من الملكوت ورفعت له الحجب حتى سمع صريف الأقلام وقاله ميسرة، وقال سعيد: أردفه جبريل، و"النجي"، فعيل من المناجاة وهي المسارّة بالقول، وقال قتادة {نجياً} معناه نجا بصدقة وهذا مختل، وإنما "النجي" المنفرد بالمناجاة، وكان {هارون} عليه السلام أسن من موسى وطلب من الله أن يشد أزره بنبوته ومعونته فأجابه الله تعالى إلى ذلك وعدها في نعمه عليه، وقوله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل}، وهو أيضاً من لسان الصدق والشرف المضمون بقاؤه على آل إبراهيم عليه السلام، و {إسماعيل} هو أبو العرب اليوم وذلك أن اليمينة والمضرية ترجع الى ولد {إسماعيل} وهو الذي أسكنه أبوه بواد غير ذي زرع وهو الذبيح في قوله الجمهور وقالت فرقة الذبيح إسحاق. قال القاضي أبو محمد: والأول يترجح بجهات منها قول الله تبارك وتعالى، ومن وراء إسحاق يعقوب فولد قد بشر أبواه أنه سيكون منه ولد هو حفيد لهم كيف يؤمر بعد ذلك بذبحه وهذه العدة قد تقدمت وجهة أخرى وهي أن أمر الذبح لا خلاف بين العلماء أنه كان بمنى عند مكة وما روي قط أن إسحاق دخل تلك البلاد، وإسماعيل بها نشأ وكان أبوه يزور مراراً كثيرة يأتي من الشام ويرجع من يومه على البراق وهو مركب الأنبياء، وجهة أخرى وهي قول النبي عليه السلام "حديث : أنا ابن الذبيحين" تفسير : وهو أبوه عبدالله لأنه فدي بالإبل من الذبح، والذبيح الثاني هو أبوه إسماعيل، وجهة أخرى وهي الآيات في سورة الصافات وذلك أنه لما فرغ من ذكر الذبح وحاله، قال {أية : وبشرناه بإسحاق} تفسير : [الصافات:112]، فترتيب تلك الآيات يكاد ينص على أن الذبيح غير إسحاق، ووصفه الله تعالى بـ "صِدق الوعد" لأنه كان مبالغاً في ذلك، روي أنه وعد رجلاً أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه وليلته فلما كان في اليوم الآخر جاء الرجل فقال له ما زلت هنا في انتظارك منذ أمس، وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة وهذا بعيد غير صحيح والأول أصح، وقد فعل مثله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل ان يبعث، ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره، وذلك في مبايعة وتجارة وقيل وصفه بـ"صدق الوعد" لوفائه بنفسه في أمر الذبح أذ قال {أية : ستجدني إن شاء الله صابراً} تفسير : [الكهف: 69] وقال سفيان بن عيينة: أسوأ الكذب إخلاف الميعاد ورمي الأبرياء بالتهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : العدة دين فناهيك بفضيلة الصدق" تفسير : في هذا و {أهله}، يريد بهم قومه وأمته، قاله الحسن، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "وكان يأمر قومه". وقوله {مرضياً} أصله مرضوياً لقيت الواو وهي ساكنة الياء فأبدلت ياء وأدغمت ثم كسرت الضاد للتناسب في الحركات، وقرأ ابن أبي عبلة "وكان عند ربه مرضواً".
الثعالبي
تفسير : وقوله عزَّ وجل: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ}، أي: على جهة التَّشْرِيف له، {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ} هو تَكْلِيمُ اللّه له، والأَيْمن: صفةُ لجَانِب، وكان على يَمِينِ مُوسَىٰ، وإلا فالجبل نفسُه لاَ يَمْنةً له ولا يَسْرة، ويحتمل أَن يكون الأَمن مأْخُوذاً من الأَيمن {وَقَرَّبْنَـٰهُ}، أَيْ: تقريب تَشْرِيف، والنِّجِيّ: من المُنَاجَاةِ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَٰبِ مُوسَىٰ} قرأ أهلُ الكوفة مخلصاً، بفتح اللام، أي: مختاراً اختاره الله تعالى، واصطفاه. وقيل: أخلصه الله من الدَّنس. والباقون بالكسر، ومعناه: أخلص التَّوحيد لله والعبادة، ومتى ورد القرآنُ بقراءتين، فكلٌّ منهما ثابتٌ مقطوعٌ به، فجعل الله تعالى من صفة موسى - صلوات الله عليه - كلا الأمرين. ثم قال عزَّ وجلَّ: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} وهذان وصفان مختلفان، لكنَّ المعتزلة زعمُوا كونهما متلازمين؛ فكلُّ رسول نبيٌّ، وكلُّ نبيٍّ رسولٌ، ومن الناس من أنكر ذلك، ويأتي الكلامُ عليه - إن شاء الله تعالى - في سورة الحج عند قوله تعالى {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} تفسير : [الحج: 52] ثم قال: تفسير : {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ} يعني: يمين موسى، والظاهر أنَّ الأيمن صفة للجانب؛ بدليل أنه تبعه في قوله تعالى: {أية : وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} تفسير : [طه: 80] وقيل: إنه صفة للطُّور، إذ اشتقاقهُ من اليُمْن والبركة، والطُّور: جبلٌ بين مصر ومدين، ويقالُ: إنَّ اسمه الزُّبير، وذلك حين أقبل من مدين، ورأى النَّار، فنودي {أية : يَٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [القصص: 30] قوله تعالى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}، أي: مناجياً، والنجيُّ: المناجي؛ كما يقالُ: جليسٌ ونديمٌ، و "نجيًّا": حالٌ من مفعول "قرَّبناهُ" وأصله "نجيواً" لأنه من نجل يَنْجو قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنه - معناهُ: قرَّبه وكلَّمه. وقيل: أنجيناه من أعدائه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامهُ. وقيل: رفعه على الحُجُب؛ حتَّى سمع صرير القلم؛ حيث تكتبُ التوراةُ في الألواح، وهو قولُ أبي العالية. قال القاضي: المرادُ بالقرب: أنَّه رفع قدره، وشرَّفه بالمُنَاجاة؛ لأنَّ استعمال القُرْب في الله، قد صار في التعارف لا يرادُ به إلا المنزلةُ؛ كما يقالُ في العبادة: تقرُّب، وفي الملائكة - عليهم السلام -: إنَّهم مقرَّبُون. قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ}: في "مِنْ" هذه وجهان: أحدهما: أنها تعليليةٌ، أي: من أجل رحمتنا، و "أخَاهُ" على هذا مفعولٌ به، و "هَارُون" بدلٌ، أو عطف بيانٍ، أو منصوبٌ بإضمار أعني، و "نبيًّا" حالٌ. والثاني: أنها تبعيضيةٌ، أي: بعض رحمتنا، قال الزمخشريُّ: "وأخاه" على هذا بدلٌ، و "هَارُون" عطف بيان. قال أبو حيان: "الظاهرُ أنَّ "أخَاهُ" مفعولُ "وهَبْنَا" ولا ترادفُ "مِنْ" بعضاً، فتبدل "أخاه" منها". فصل في نبوة هارون قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: كان هارونُ أكبر من موسى - صلوات الله عليه - وإنما وهب الله تعالى له نُبُوَّته، لا شخصه وأخُوَّته، وذلك إجابة لدعائه في قوله: {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} تفسير : [طه: 29- 31] فأجابه الله تعالى بقوله: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 36] وقوله: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ} تفسير : [القصص: 35]. قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَٰبِ إِسْمَاعِيلَ}. وهو إسماعيلُ بن إبراهيم جدُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ}. قال مجاهدٌ لم يعد شيئاً إلاَّ وفَّى به. ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنه [واعد] صاحباً له أن ينتظره في مكانٍ، فانتظره سنة. وأيضاً: وعد من نفسه الصَّبْرَ على الذَّبْح، فوفَّى حيث قال: {أية : سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102] ويُروى أنَّ عيسى - صلوات الله عليه - قال له رجلٌ: انتظرني؛ حتى آتيك، فقال عيسى: نعم، وانطلق الرجلُ، ونَسِيَ الميعاد، فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان، وعيسى - صلوات الله عليه - هناك للميعاد. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه واعد رجُلاً، [ونَسِيَ ذلك الرَّجلُ]، فانتظرهُ من الضُّحى إلى قريبٍ [مِنْ] غروب الشمس، وسُئِل الشعبيُّ عن الرجل يعدُ ميعاداً: إلى أيَّ وقتٍ ينتظرُ؟ قال: إن واعدهُ نهاراً، فكُلَّ النَّهارِ، وإن واعدهُ ليلاً، فكُلَّ اللَّيْلِ. وسُئِلَ إبراهيمُ بنُ زيدٍ عن ذلك، فقال: إذا وعدتهُ في وقتِ الصَّلاةِ، فانتظرهُ إلى وقت صلاةٍ أخرى، ثم قال: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} وقد مرَّ تفسيرهُ، {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَٰوةِ وَٱلزَّكَٰوةِ}، والمرادُ بالأهل: قومهُ. وقيل: أهله جميع أمَّتِهِ. قال المفسِّرون: إنه كان رسُولاً إلى "جُرْهُم". والمراد بالصلاة هناك [قال] ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: يريد التي افترضها الله عليهم، وهي الحنيفيَّة التي افترضها علينا. قيل: كان يبدأُ بأهله في الأمر للعبادة، ليجعلهم قُدوة لمن سواهُم؛ كما قال تعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214] {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَٰوةِ} تفسير : [طه: 132] {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ} تفسير : [التحريم: 6]، وأمَّا الزكاةُ، فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - أنَّها طاعةُ الله، والإخلاصُ؛ فكأنَّه تأوَّله على ما يزكُو به الفاعلُ عند ربِّه، والظاهرُ: أنَّه إذا قُرنتِ الصَّلاة بالزَّكاة: أن يُرَادَ بها [الصدقات] الواجبةُ. قوله تعالى: {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} قائماً بطاعته. وقيل: رضيه لنبوته ورسالته. والعامَّةُ على قراءته كذلك معتلاًّ وأصله مَرْضُووٌ، بواوين: الأولى زائدةٌ؛ كهي في مضروبٍ: والثانية: لام الكلمة؛ لأنه من الرِّضوان، فأعلَّ بقلب الواو [ياءً، وأدغمت] الأخيرةُ ياءً، واجتمعت الياءُ والواوُ، فقلبت الواوُ ياءً، وأدغمت، ويجوز النطقُ بالأصلِ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا. وقرأ ابن أبي عبلة بهذا الأصل، وهو الأكثرُ؛ ومن الإعلالِ قوله: [الطويل] شعر : 3609- لقَدْ عَلِمَتْ عرسِي مُلَيْكَةُ أنَّنِي أنَا المرءُ مَعْدِيًّا عليْهِ وعَاديَا تفسير : وقالوا: أرضٌ مسنيَّةٌ، ومسنُوَّةٌ، أي: مسقاةٌ بالسَّانيةِ. قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ} الآية إدريسُ هو جدُّ أبي نُوحٍ - صلوات الله عيله وسلامه - وهو نوحُ بنُ لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس - عليه السلام -. قيل: سُمِّي "إدريسَ" لكثرة دراسة الكُتُب، وكان خيَّاطاً، وهو أوَّلُ من خطَّ بالقلم، وخاط الثِّياب، ولبس المخيطَ، وكان قبلهُ يلبسُون الجُلُود، وأوَّل من اتَّخذ السِّلاح، وقاتل الكُفَّار، وأوَّلُ من نظر في علم الحساب {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}. {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}. قيل: يعني في الجنَّةِ، وقيل: هي الرِّفعة بعُلُوِّ الرُّتْبَة في الدُّنيا؛ كقوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} تفسير : [الشرح: 4] وقيل: إنَّه رفع إلى السماءِ؛ روى أنسُ بن مالكٍ - رضي الله عنه - عن مالك بن صعصعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه رأى إدريسَ - صلوات الله عليه - في السماءِ الرَّابعةِ، ليلة المعراج وكان سببُ رفع إدريس على ما قاله "كَعْبٌ" وغيرُه - أنَّهُ [سَارَ] ذات يومٍ في حاجةٍ، فأصابه وهج الشمس؛ فقال: يا ربِّ، أنا مشيتُ يوماً فيها؛ فأصابني المشقةُ الشديدة من وهجِ الشمس، وأضرَّني حرُّها ضرراً بليغاً - فكيف يحملُها مسيرة خمسائةِ عامٍ في يومٍ واحدٍ؟! اللَّهُمَّ، خفِّف عنه من ثقلها، وحرِّها، فلمَّا أصبح الملكُ، وجد من خفَّة الشَّمس، وحرها ما لا يعرف؛ فقال: يا ربِّ، ما الذي قضيت فيه؟ قال: إنَّ عبدي إدريس سألني أنَّ أخفِّف عنك حملها، وحرَّها؛ فأجبته، فقال: ربِّ، اجعل بيني وبينهُ خُلَّة، فأذن له؛ حتى أتى إدريسَ، فكان يسألُه إدريسُ، فقال له: إنِّي أخبرتُ أنَّك أكرمُ الملائكةِ، وأمكنُهم عن ملكِ الموتِ؛ فاشفعْ لي إليه؛ ليُؤخِّر أجلِي؛ فأزداد شكراً وعبادة، فقال الملكُ: يُؤخِّرُ الله نفساً، إذا جاء أجلها، وأنا مُكَلِّمُهُ، فرفعهُ إلى السَّماءِ، ووضعهُ عند مطلع الشَّمس، ثُمَّ أتى ملك الموتِ، فقال: حاجةٌ لي إليك؛ صديقٌ لي مِنْ بني آدم، تشفَّع بي إليك؛ لتُؤخِّر أجله، قال: ليس ذلك إليّ، ولكن إن أحببت، أعلمته أجله؛ فيتقدَّمُ في نفسه، قال: نَعَم، فنظر في ديوانه، فقال: إنَّك كلَّمتني في إنسانٍ، ما أراه أن يموت أبداً، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموتُ إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتَيْتُكَ، وتركته هناك: قال: انطلقْ، فلا أرَاكَ تجده إلاَّ وقد مات؛ فواللهِ، ما بقي من أجلِ إدريسَ شيءٌ؛ فرجع الملكُ، فوجده ميتاً. واختلفُوا في أنَّه حيٌّ في السماء، أم مَيِّتٌ؛ فقيل: هو ميتٌ، وقيل: حيٌّ، وقيل: أربعةٌ من الأنبياء أحياءٌ، اثنان في الأرض؛ "الخَضِرُ، وإلياسُ" واثنان في السماءِ "إدريسُ، وعيسَى" صلواتُ الله عليهم.
البقاعي
تفسير : ولما كان موسى أول من نوه الله بأسمائهم، على لسانه في التوراة، وأظهر محامدهم، وشهر مناقبهم، وتوارث ذلك أبناؤهم منه حتى شاع أمرهم وذاع، وملأ الأسماع، وطار في الأقطار، حتى عم البراري والبحار، عقب ذكرهم بذكره فقال: {واذكر في الكتاب} أي الذي لا كتاب مثله في الكمال {موسى} أي الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من العبودية والذل ختى تمكنوا من آثار آبائهم، وكان موافقاً لأبيه إبراهيم عليهم السلام في أن كلاً منهما أراد ملك زمانه الذي ادعى الربوبية قتله خوفاً على ملكه منه، فأنجاه الله منه، وأمر موسى أعجب لأنه سبحانه أنجاه من الذبح بالذباح، ثم علل ذكره له بقوله: {إنه كان} أي كوناً عريقاً فيه {مخلصاً} لله تعالى في توحيده وجميع أعماله كما أشارت إليه قراءة الجمهور - من غير كلفة في شيء، في ذلك لأن الله أخلصه له كما في قراءة الكوفيين بالفتح {وكان رسولاً} إلى بني إسرائيل والقبط {نبياً *} ينبئه الله بما يريد من وحيه لينبىء به المرسل إليهم، فيرفع بذلك قدره، فصار الإخبار بالنبوة عنه مرتين: إحداهما في ضمن { رسولاً} والأخرى صريحاً مع إفهام العلو باشتقاقه من النبوة، وبكون النبأ لا يطلق عليه غالباً إلا على خبر عظيم، فصار المراد: رسولاً عالياً مقداره ويخبر بالأخبار الجليلة، وفيه دفع لما يتوهم من أنه رسول عن بعض رسله كما في أصحاب يس؛ وعطف على ذلك دليله الدال على ما صدرت به السورة من الرحمة، فرحمه بتأنيس وحشته وتأهيل غربته بتلذيذه بالخطاب وإعطائه الكتاب فقال: {وناديناه} أي بما لنا من العظمة {من جانب الطور} أي الجانب {الأيمن} فأنبأناه هنالك - حين كان متوجهاً إلى مصر - بأنه رسولنا، ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون، فكان لبني إسرائيل به من العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب، والإلذاذ بالخطاب، من جوف السحاب، وفي إماتتهم لما طلبوا الرؤية، ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف على ما هو مذكور في التوراة، وتقدم كثير منه في هذا الكتاب {وقربناه} بما لنا من العظمة تقريب تشريف حال كونه {نجيّاً *} نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين الاثنين كالسر، والتشاور كما في يوسف ويأتي في المجادلة {ووهبنا له} أي هبة تليق بعظمتنا {من رحمتنا} له لما سألنا {أخاه} أي معاضدة أخيه وبينه بقوله: {هارون} حال كونه {نبياً *} أو هو بدل أي نبوته شددنا به أزره، وقوينا به أمره، وكان يخلفه من قومه عند ذهابه إلى ساحة المناجاة، ومع ذلك فأشركوا بي صورة عجل، فلا تعجب من غرورهم للعرب مع مباشرتهم لهذه العظائم. ولما كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذي ساعد أباه إبراهيم عليه السلام في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله بها ذكره، وشهر أمره وكان موافقاً لموسى عليه السلام في ظهور آية الماء الذي به حياة كل شيء وإن كانت آية موسى عليه السلام انقضت بانقضائه، وآيته هو باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي التي كانت سبب حياته وماؤها ببركته أفضل مياه الأرض، وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من الجن والإنس والوحش وسائر المفسدين، إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد صلى الله عليه وسلم الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن اصطفاه برسالته، فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه - ما لم يحي بغيره، ويجعله قطب الوجود كما خصه - من بين آل إبراهيم عليه السلام - بالبيت الذي هو كذلك قطب الوجود، ويشفي به من داء الجهل، ويغني به من مرير الفقر، كما جعل ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم، وكان صلى الله عليه وسلم آخر من شيد قدرهم، وأعظم من أعلى ذكرهم، عقب ذكره بذلك فقال: {واذكر في الكتاب} أباك الأقرب {إسماعيل} ابن إبراهيم عليهما السلام الذي هم معترفون بنبوته، ومفتخرون برسالته وأبوته، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك من البشر، ثم علل ذكره والتنويه بقدره بقوله معلماً بصعوبة الوفاء بالتأكيد: {إنه كان} جبلة وطبعاً {صادق الوعد} في حق الله وغيره لمعونة الله له على ذلك، بسبب أنه لا يعد وعداً إلا مقروناً بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه { ستجدني إن شاء الله من الصابرين} فكن أبي كذلك ولا تقولن لشي إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله، وخصه بالمدح به - وإن كان الأنبياء كلهم كذلك - لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله {وكان رسولاً نبياً} نبأه الله بأخباره، وأرسله إلى قومه جرهم قاله الأصبهاني. وأتى أهل البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فأحياها الله بنور الإيمان الناشىء عن روح العلم ووصفه بالرسالة زيادة على وصف أخيه إسحاق عليهما السلام وتقدم في أمر موسى عليه السلام سر الجمع بين الوصفين؛ وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي - عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه حديث : أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه السلامتفسير : . وفي رواية الترمذيحديث : أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيلتفسير : . {وكان يأمر أهله بالصلاة} التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون على جميع المآرب {والزكاة} التي هي طهرة المال، كما أوصى الله بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقدم في هذه السورة أنه سبحانه وتعالى أوصى بذلك عيسى عليه السلام {وكان عند ربه} لعبادته على حسب ما أقامته ربوبيته {مرضياً *} فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك، لتجمع بين طهارة القول والبدن والمال، فتنال رتبة الرضا.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {إنه كان مخلصاً} بنصب اللام. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وكان رسولاً نبياً} قال: النبي وحده الذي تكلم، وينزل عليه ولا يرسل، ولفظ ابن أبي حاتم الأنبياء الذين ليسوا برسل يوحى إلى أحدهم، ولا يرسل إلى أحدهم، والرسل الأنبياء الذين يوحى إليهم ويرسلون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {جانب الطور الأيمن} قال: جانب الجبل الأيمن {وقربناه نجيا} قال: نجا بصدقه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية في قوله: {وقربناه نجياً} قال: قربه حتى سمع صرير القلم. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر، عن ميسرة {وقربناه نجياً} قال: أدني حتى سمع صرير القلم في الألواح وهو يكتب التوراة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير {وقربناه نجياً} قال: أردفه جبريل، حتى سمع صرير القلم والتوراة تكتب له. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {وقربناه نجياً} قال: ادخل في السماء فكلم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد في قوله: {وقربناه نجياً} قال بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة، حجاب نور وحجاب ظلمة، حجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال موسى يقرب حتى كان بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم {أية : قال رب أرني أنظر إليك} تفسير : [الأعراف: 143]. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وهناد في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس {وقربناه نجياً} حتى سمع صريف القلم يكتب في اللوح. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى نجياً بطور سينا قال: يا موسى، إذا خلقت لك قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئاً، ومن أخزن عنه هذا، فلم أفتح له من الخير شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً} قال: كان هرون أكبر من موسى ولكن إنما وهب له نبوّته.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} [الآية: 51]. قال الترمذى: المخلص على الحقيقة مثل موسى ذهب إلى الخضر صلى الله عليهما ليتأدب به فلم يسامحه فى شىء ظهر له منه ومما كان يفعله حتى أوقعه على العذر فيه وهذا من تمام إخلاصه.
القشيري
تفسير : مُخْلَصاً خالصاً لله، ولم يكن لغيرِه بوجهٍ؛ فلم تأخذه في الله لومةُ لائم، ولم يستفزه طمع نحو إيثار حظٍ، ولم يُغْضِ في اللَّهِ على شيءٍ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} اى اذكر ما بينى وبين كليمى من سماع الكلام ومشاهدة التجلىّ وشوقه ومحبته واخلاصه في عبوديته واخلاصه كان في البحر عند وقوع الامتحان قوله كلا ان معى ربى قال الترميذى المخلص على حقيقة مثل موسى ذهب الى الخضر ليتادب به ولم يسامحه فى شئ فظهر له منه ومما كان يفعله حتى اوقفه على الغدر فيه وهذا من تمام اخلاصه ثم اخبر سبحانه عما بينه وبين كليمه من الاسرار والمناجاة بقوله {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} ناداه بوسائط الطور والشجرة في البداية وقربه ناجيا من رؤية جلاله واسمعه كلامه الصرف بلا واسطة وكان التجلى ايضا في الابتداء بواسطة الشجرة والطور فلما قربه من بساط المجد والكبرياء ارى وجهه جل جلاله روحه وقلبه وسره وجميع وجوده بنعت الشهود والمكاشفة الندءا بداية والنجوى نهاية النداء مقام الشوق والنجوى مقام كشف السر وقال الجنيد فى قوله وقربناه نجيا جعلناه من العالمين بنا والمخبرين عما بالصدق والحقيقة وقال دويم كشفنا عن عسره ما كان مغطى عليه من انواع القرب والزلف وَاَذِ نّاله في الاخبار عنا وقال بعضهم ناديناه للمحادثة والمكالمة والمناجاة وقال الاستاذ للنجوى مزية على النداء فجمع له الوصفين النداء فى بدايته وقت السماع والنجوى فى نهايته فوقفه الحق وناداه ثم قربه وناجا وفي جميع الحالتين تولاه ثم من كمال كرمه وهب لموسى اخاه لهارون بقوله {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} علم الحق سبحانه ان جميع الخلق لم يحتملوا ما فى صدر موسى من عظيم صفاته وذاته وملكه وملكوته فجعل لهارون موضع سر موسى حتى لا يكون ذائبا تحت اثقال تلك الاسرار وهذا رحمة من الله عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكر فى الكتاب موسى} قدم ذكره على اسماعيل لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب {انه كان مخلصا} اخلصه الله من الادناس والنقائص ومما سواه وهو معنى الفتح الموافق للصديق فان اهل الاشارة قالوا ان الصادق والمخلص بالكسر من باب واحد وهو التخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقا والصديق والمخلص بالفتح من باب واحد وهو التخلص ايضا من شوائب الغيرية. قال فى التأويلات النجمية اعلم ان الاخلاص فى العبودية مقام الاولياء فلا يكون ولى الا وهو مخلص ولا يكون كل مخلص نبيا ولا يكون رسولا الا وهو نبى ولا يكون كل نبى رسولا والمخلص بكسر اللام من اخلص نفسه فى العبودية بالتزكية عن الاوصاف النفسانية الحيوانية والمخلص بكسر الام من اخلصه الله بعد التزكية بالتحلية بالصفات الروحانية الربانية كما قال النبى عليه السلام "حديث : من اخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"تفسير : وقال تعالى "حديث : الاخلاص سرّ بينى وبين عبدى لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل انا الذى اتولى تحلية قلوب المخلصين بتجلى صفات جمالى وجلالى لهم"تفسير : وفى الحقيقة لا تكون العبودية مقبولة الامن المخلصين لقوله تعالى {أية : وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}تفسير : ولا خلاص المخلصين مراتب ادناها ان تكون العبودية لله خالصة لا يكون لغير الله فيها شركة واوسطها ان يكون العبد مخلصا فى بذل الوجود لله الى الله واعلى درجة المخلصين ان يخلصهم من حبس وجودهم بان يفنيهم عنهم ويبقيهم بوجود {وكان رسولا نبيا} ارسله الله الى الخلق فانبأهم عنه ولذلك قدم رسولا مع كونه اخص واعلى. يقول الفقير تأخير نبيا لاجل الفواصل.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {نَجِيًّا}: حال من أحد الضميرين في {ناديناه} أو {قربناه}، وهو أحسن. و {هارون}: عطف بيان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واذكر في الكتاب موسى}، قدَّم ذكره على ذكر إسماعيل لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب؛ لأنه من نسله، {إِنه كان مُخْلِصًا}: موحدًا، أخلص عبادته من الشرك والرياء، وأسلم وجهه لله تعالى، وأخلص نفسه عما سواه. وقرئ بالفتح، على أن الله تعالى أخلصه من الدنس. قال القشيري أي: خلصًا لله، لم يكن لغيره بوجهٍ. ثم قال: ولم يُغْضِ في اللهِ على شيءٍ. هـ. {وكان رسولاً نبيًّا} أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه، ولذلك قدَّم رسولاً مع كونه أخص وأعلى، {وناديناه من جانب الطور الأيمن}، الطور: جبل بين مصر ومدين، أي: ناديناه من ناحيته اليمنى، وهي التي تلي يمين موسى عليه السلام، فكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى، أو من أيمن، أي: من جانبه الميمون، ومعنى ندائه منه: أنه سمع الكلام من تلك الناحية، {وقربناه نجيًّا} أي: مناجيًا لنا نُكلمه بلا واسطة، فالتقريب: تقريبُ تكرمة وتشريف، مَثَّلَ حاله عليه السلام بحال من قرّبه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته. وقيل: {نجيًا} من النجو، وهو العلو والارتفاع، أي: رفعناه من سماء إلى سماء، حتى سمع صريف القلم يكتب له في الألواح. {ووهبنا له من رحمتنا} أي: من أجل رحمتنا ورأفتنا به، أو من بعض رحمتنا {أخاه هارون}، أي: وهبنا له مؤازرة أخيه ومعاضدته، إجابةً لدعوته: {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي} تفسير : [طه: 29، 30] لا نفسه؛ لأنه كان أكبر منه، وُجد قبله، حَال كونه {نبيًّا} : رسولاً مُشْركًا معه في الرسالة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما وصف الحق تعالى خليله بالصديقية وصف كليمه بالإخلاص، وكلاهما شرط في حصول سر الخصوصية، سواء كانت خصوصية النبوة أو الولاية، فمن لا تصديق عنده لا سير له، ومن لا إخلاص له لا وصول له. وحقيقة الإخلاص: إخراج الخلق من معاملة الحق، وهي ثلاث طبقات؛ سفلى، ووسطى، وعليا. فالسفلى: أن يفعل العبادة لله تعالى، طالبًا لعوض دنيوي، كسعة الأرزاق، وحفظ الأموال والبدن، فهذا إخلاص العوام، وإنما كان إخلاصًا لأنهم لم يلاحظوا مخلوقًا في عملهم. والوسطى: أن يعبد الله مخلصًا، طالبًا لعوض أخروي، كالحور والقصور. والعليا: أن يفعل العبادة قيامًا برسم العبودية، وأدبًا مع عظمة الربوبية، غير ملتفت لجنة ولا نار، ولا دنيا ولا آخرة، مع تعظيم نعيم الجنان، لأنه محل اتصال الرؤية؛ كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : ليس شوقي من الجنان نعيمًا غير أني أُريدها لأراكَ تفسير : فإذا تحقق للعبد مقام الإخلاص الكامل، صار مقربًا نجيًا في محل المشاهدة والمكالمة. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر نبيه اسماعيل فقال: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ...}
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر {مخلصاً} - بفتح اللام - بمعنى اخلصه الله للنبوة. الباقون - بالكسر - بمعنى أخلص هو العبادة لله. يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {واذكر} موسى {في الكتاب} الذي هو القرآن. وسماه كتاباً لما ذكرناه: أنه يكتب. واخبر أن موسى كان مخلصاً بطاعاته وجه الله تعالى دون رياء الناس، وانه لم يشرك فى عبادته سواه. ومن فتح اللام أراد ان الله اخلصه لطاعته بمعنى أن لطف له ما اختار عنده اخلاص الطاعة. وانه لم يشب ذلك بمعصيته له، وأنه مع ذلك كان رسولا لله تعالى الى خلقه، قد حمله رسالة يؤديها اليهم {وكان نبياً} وهو العلي برسالة الله الى خلقه، وبما نصب له من المعجزة الدالة على تعظيمه وتبجيله، وعظم منزلته. وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر بالأمر العظيم. ثم اخبر الله تعالى انه ناداه {من جانب الطور الأيمن} فانه قال له {إني أنا الله رب العالمين} والطور جبل بالشام ناداه من ناحيته اليمنى، وهو يمين موسى (ع). وقوله {وقربناه نجياً} معناه قربناه من الموضع الذي شرفناه وعظمناه بالحصول فيه ليسمع كلامه تعالى. وقال ابن عباس ومجاهد قرب من اهل الحجب حتى سمع صريف القلم. وقيل معناه إن محله منا محل من قربه مولاه من مجلس كرامته. وقيل قربه حتى سمع صرير القلم الذي كتب به التوراة. وقوله {نجياً} معناه انه اختصه بكلامه بحيث لم يسمع غيره، يقال: ناجاه يناجيه مناجاة إذا اختصه بالقاء كلامه اليه. واصل النجوة الارتفاع عن الهلكة، ومنه النجاة ايضاً، والنجاء السرعة، لأنه ارتفاع فى السير، ومنه المناجاة. وقال الحسن: لم يبلغ موسى (ع) من الكلام الذي ناجاه شيئاً قط. ثم اخبر تعالى انه وهب له من رحمته ونعمته عليه اخاه هارون نبياً، شد أزره كما سأله. ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {واذكر في الكتاب} الذي هو القرآن أيضاً {إسماعيل} ابن ابراهيم وأخبر {إنه كان صادق الوعد} بمعنى إذا وعد بشيء وفى به، ولم يخلف {وكان} مع ذلك {رسولاً} من قبل الله الى خلقه {نبياً} معظماً بالاعلام المعجزة. وأنه {كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة} قال الحسن: أراد بأهله أمته، والمفهوم من الأهل في الظاهر اقرب أقاربه. و {كان} مع هذه الاوصاف {عند ربه مرضياً} قد رضي اعماله لانها كلها طاعات لم يكن فيها قبائح. وانما أراد بذلك افعاله الواجبات والمندوبات دون المباحات، لان المباحات لا يرضاها الله ولا يسخطها. واصل (مرضي) مرضو فقلبت الضمة كسرة والواو ياء وادغمت في الياء.
الجنابذي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} قرئ بكسر الّلام وفتحها يعنى انّه اخلص عبادته عن الاشراك، او اخلصه الله لعبادته او لنفسه {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} تكرار كان للاشارة الى انّ كّلاً شرف له بنفسه والمراد بالنّبىّ الرّفعة او النّبوّة وكان تأكيداً للرّسول فانّ الرّسول متضمّن للنّبوّة ومستلزم للرّفعة وقد سبق الفرق بين الرّسول والنّبىّ والامام والمحدّث عند قوله {أية : وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} تفسير : [البقرة:219] وذكر هناك معنى حديث انّ الرّسول يسمع الصّوت ويرى فى المنام ويعاين الملك فى اليقظة، والنّبىّ هو الذّى يرى فى المنام ويسمع الصّوت ولا يعاين الملك، والمحدّث هو الّذى لا يرى ولا يعاين ويسمع الصّوت.
اطفيش
تفسير : {وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مُوسَى} تشريفا {إنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً} موحداً لله، أخلص عبادته عن الشرك والرياء، وأخلص نفسه له، وأسلم وجهه لله. وفتح الكوفيون اللام، أى أخلصه الله من الدنس واصطفاه. {وَكَانَ رَسُولاً} إلى الخلق. {نَبِيّاً} قيل: المعنى: أرسله إليهم فأنبأهم عنه. ولذلك قدم الصفة الخاصة، وهى الرسالة، وأخر العامة؛ فإن الرسول: من أوحى إليه، وأُمر بالتبليغ ولو لم يكن معه كتاب. والنبى: مَن أُوحى إليه ولو لم يؤمر. وقيل: الرسول: الذى معه كتاب من الأنبياء، وأن النبى من لم يكن معه كتاب كيوشع.
اطفيش
تفسير : {واذكُر فى الكتاب موسى} قدمه على اسماعيل لئلا ينفصل عن ذكر جديه، يعقوب وإسحاق، وليستعجل ما يجلب أهل الكتاب بعد ذكر ما فيه جلب العرب، وهو ابراهيم وشأنه، وقيل اسماعيل الآتى غير ابن ابراهيم {إِنَّهُ كانَ مُخلصاً} يعبد الله وحده، عبادة خالصة عن الشرك والرياء، وكل ما ينقصها أو لا اشتغال له بغير الله جل جلاله، {وَكَانَ رسُولاً نبياً} قدم رسولا مع أنه أخص للفاصلة، كل رسول نبى وليس كل نبى رسولا، أو لاعتبار أنه أعم من النبى، لأن الرسالة تكون نبوة، وتكون بهدية ووصية وأخبار وغير ذلك، أو اعتبر نبياً بمعنى مخبر، أو مخبر، وذلك غير مفهوم الرسالة، أو هو بمعنى الطريق كما قال الكسائى النبى الطريق والأنبياء عليهم السلام طرق الهدى أو باعتبار كما أن الله جل وعلا أرسله إلى الخلق فأنبأهم، أو المراد معنيا هما اللغويان، وتوزع تلك المعانى على لفظ نبى فى هذه الفواصل، فيفسر كل بغير ما فسر به الآخر، أو قصد بتكريرها ما قصد بتكرير تكذبان فى سورة الرحمن.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰ } قيل قدم ذكره على إسمٰعيل عليهما السلام لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب عليه السلام. وقيل: تعجيل لاستجلاب أهل الكتاب بعدما فيه استجلاب العرب. {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً } موحداً أخلص عبادته عن الشرك والرياء أو أسلم وجهه لله عز وجل وأخلص عن سواه. وقرأ الكوفيون وأبو رزين ويحيـى وقتادة {مُخْلَصاً } بفتح اللام على أن الله تعالى أخلصه {وَكَانَ رَسُولاً } مرسلاً من جهة الله تعالى إلى الخلق بتبليغ ما يشاء من الأحكام {نَبِيّاً } رفيع القدر على كثير الرسل عليهم السلام أو على سائر الناس الذين أرسل إليهم فالنبـي من النبوة بمعنى الرفعة. ويجوز أن يكون من النبأ وأصله نبىء أي المنبىء عن الله تعالى بالتوحيد والشرائع ورجح الأول بأنه أبلغ قيل ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لست بنبـيء الله تعالى بالهمزة ولكن نبـي الله تعالى» تفسير : لمن خاطبه بالهمز وأراد أن يغض منه. والذي ذكره الجوهري أن القائل أراد أنه عليه الصلاة والسلام أخرجه قومه من نبأ فأجابه صلى الله عليه وسلم بما يدفع ذلك الاحتمال. ووجه الإتيان بالنبـي بعد الرسول على الأول ظاهر ووجه ذلك على الثاني موافقة الواقع بناء على أن المراد أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأَهم عنه سبحانه. واختار بعضهم أن المراد من كلا اللفظين معناهما اللغوي وأن ذكر النبـي بعد الرسول لما أنه ليس كل مرسل نبياً لأنه قد يرسل بعطية أو مكتوب أو نحوهما.
ابن عاشور
تفسير : أفضت مناسبة ذكر إبراهيم ويعقوب إلى أن يذكر موسى في هذا الموضع لأنه أشرف نبي من ذرية إسحاق ويعقوب. والقول في جملة {واذكر} وجملة إنه كان كالقول في نظيريهما في ذكر إبراهيم عدا أن الجملة هنا غير معترضة بل مجرد استئناف. وقرأ الجمهور {مخلصاً} بكسر اللام من أخلص القاصر إذا كان الإخلاص صفته. والإخلاص في أمر ما: الإتيانُ به غير مشوب بتقصير ولا تفريط ولا هوادة، مشتق من الخلوص، وهو التمحض وعدم الخلط. والمراد هنا: الإخلاص فيما هو شأنه، وهو الرسالة بقرينة المقام. وقرأه حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف بفتح اللام من أخلصه، إذا اصطفاه. وخُص موسى بعنوان (المخلص) على الوجهين لأن ذلك مزيته، فإنه أخلص في الدعوة إلى الله فاستخف بأعظم جبار وهو فرعون، وجادله مجادلة الأكفاء، كما حكى الله عنه في قوله تعالى في سورة الشعراء (18، 19): {أية : قال ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} تفسير : إلى قوله: {أية : قال أولو جئتك بشيء مبين}تفسير : [الشعراء: 30]. وكذلك ما حكاه الله عنه بقوله: {أية : قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين}تفسير : [القصص: 17]، فكان الإخلاص في أداء أمانة الله تعالى ميزته. ولأن الله اصطفاه لكلامه مباشرة قبل أن يرسل إليه المَلك بالوحي، فكان مخلَصاً بذلك، أي مصطفى، لأن ذلك مزيته قال تعالى {أية : واصطنعتك لنفسي}تفسير : [طه: 41]. والجمع بين وصف موسى لأنه رسول ونبيء. وعطف {نبياً} على {رسولاً} مع أن الرسول بالمعنى الشرعي أخص من النبي، فلأن الرسول هو المرسلَ بوحي من الله ليبلغ إلى الناس فلا يكون الرسول إلا نبياً، وأما النبي فهو المنبّأ بوحي من الله وإن لم يؤمر بتبليغه، فإذا لم يؤمر بالتبليغ فهو نبيء وليس رسولاً، فالجمع بينهما هنا لتأكيد الوصف، إشارة إلى أن رسالته بلغت مبلغاً قوياً، فقوله {نبياً} تأكيد لوصف {رسولاً}. وتقدم اختلاف القراء في لفظ نبياً عند ذكر إبراهيم. وجملة وناديناه عطف على جملة {إنه كان مخلصاً} فهي مثلها مستأنفة. والنداء: الكلام الدال على طلب الإقبال، وأصله: جهر الصوت لإسماع البعيد، فأطلق على طلب إقبال أحد مجازاً مرسَلاً، ومنه {أية : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}تفسير : [الجمعة: 9]، وهو مشتق من الندى ــــ بفتح النون وبالقصر ــــ وهو بُعد الصوت. ولم يسمع فعله إلاّ بصيغة المفاعلة، وليست بحصول فعل من جانبين بل المفاعلة للمبالغة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} تفسير : في سورة البقرة (171)، وعند قوله: {أية : ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان} تفسير : في سورة آل عمران (193). وهذا النداء هو الكلام الموجه إليه من جانب الله تعالى. قال تعالى: {أية : إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي} تفسير : في سورة الأعراف (144)، وتقدم تحقيق صفته هناك، وعند قوله تعالى: {أية : حتى يسمع كلام اللَّه} تفسير : في سورة براءة (6). والطّور: الجبل الواقع بين بلاد الشام ومصر، ويقال له: طور سيناء. وجانبه: ناحيته السفلى، ووصفه بالأيمن لأنه الذي على يمين مستقبل مشرق الشمس، لأن جهة مشرق الشمس هي الجهة التي يضبط بها البشر النواحي. والتقريب: أصله الجعل بمكان القرب، وهو الدنو وهو ضد البعد. وأريد هنا القرب المجازي وهو الوحي. فقوله: {نَجِيّاً} حال من ضمير {مُوسَىٰ}، وهي حال مؤكدة لمعنى التقريب. ونجّي: فعيل بمعنى مفعول من المناجاة. وهي المحادثة السرية؛ شُبّه الكلام الذي لم يكلم بمثله أحداً ولا أطْلَع عليه أحداً بالمناجاة. وفعيل بمعنى مفعول، يجيء من الفعل المزيد المجرد بحذف حرف الزيادة، مثل جليس ونديم ورضيع. ومعنى هبة أخيه له: أن الله عزّزه به وأعانه به، إذ جعله نبياً وأمره أن يرافقه في الدعوة، لأن في لسان موسى حُبسة، وكان هارون فصيح اللسان، فكان يتكلم عن موسى بما يريد إبلاغه، وكان يستخلفه في مهمات الأمة. وإنما جعلت تلك الهبة من رحمة الله لأن الله رحم موسى إذ يسّر له أخاً فصيح اللسان، وأكمله بالإنباء حتى يعلم مراد موسى مما يبلغه عن الله تعالى. ولم يوصف هارون بأنه رسول إذ لم يرسله الله تعالى، وإنما جعله مبلّغاً عن موسى. وأما قوله تعالى: {أية : فقولا إنا رسولا ربك}تفسير : [طه: 47] فهو من التغليب.
الشنقيطي
تفسير : اعلم أن في قوله "مخلصاً" قراءتين سبعيتين: قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام بصيغة اسم المفعول، والمعنى على هذه القراءة أن الله استخلصه واصطفاه: ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي}تفسير : [الأعراف: 144] الآية. ومما يماثل هذه القراءة في القرآن قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ}تفسير : [ص: 46] فالذين أخلصهم الله هم المخلصون بفتح اللام، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "مخلصاً" بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل. كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5]، وقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي}تفسير : [الزمر: 14] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واذكر في الكتاب: أي في القرآن تشريفاً وتعظيماً. موسى: أي ابن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام. مخلصاً: أي مختاراً مصطفى على قراءة فتح اللام "مخلصاً" وموحداً لربه مفرداً إياه بعبادته بالغا في ذلك أعلى المقامات على قراءة كسر اللام. جانب الطور: الطور جبل بسيناء بين مدين ومصر. وقربناه نجيا: أي أدنيناه إدناء تشريف وتكريم مناجياً لنا مكلما من قبلنا. أخاه هارون نبيا: إذ سأل ربه لأخيه الرسالة فأعطاه فنبَّأهُ وأرسله معه إلى فرعون. معنى الآيات: هذا موجز قصة موسى عليه السلام قال تعالى في ذلك وهو يخاطب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱذْكُرْ} في هذه السلسلة الذهبية من عباد الله الصالحين أهل التوحيد واليقين موسى ابن عمران أنه جدير بالذكر في القرآن وعلة ذلك في قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} أي مختاراً مصطفى للإِبلاغ عنا عبادنا ما خلقناهم لأجله وهو ذكرنا وشكرنا ذكرنا بالسنتهم وقلوبهم وشكرهم لنا بجوارحهم وذلك بعبادتنا وحدنا دون مَن سوانا، وكان موسى كذلك، وقوله تعالى: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} أي ومن افضالنا عليه وإكرامنا له أن جعلناه نبياً رسولاً نبأناه وأرسلناه إلى فرعون وملائه، {وَنَادَيْنَاهُ} وهو في طريقه من مدين إلى مصر في جانب الطور الأيمن حيث نبأناه وأرسلناه وبذلك {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} فصار يناجينا فنُسمعه كلامنا ونسمع كلامه وأعظم بهذا التكريم من تكريم، وقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} هذا إنعام آخر من الله تعالى على موسى النبي إذ سأل ربه أن يرسل معه أخاه هارون إلى فرعون فبرحمة من الله تعالى استجاب له ونبأ هارون وأرسله معه رسولاً وما كان هذا إلا برحمة خاصة إذ النبوة لا تطلب ولا يتوصل إليها بالاجتهاد في العبادة ولا بالدعاء والصراعة إذ هي هبة إلهية خاصة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضيلة الإِخلاص، وهو إرادة الله تعالى بالعبادة ظاهراً وباطناً. 2- إثبات صفة الكلام والمناجاة لله تعالى. 3- بيان إكرام الله تعالى وإنعامه على موسى إذ أعطاه ما لم يعط أحداً من العالمين باستجابة دعائه بأن جعل أخاه هارون رسولاً نبياً. 4- تقرير أن كل رسول نبياً والعكس لا أي ليس كل نبي رسولا.
القطان
تفسير : مخلَصا: بفتح اللام، مختارا. الطور: الجبل. وقرّبناه نجيّا: قربناه تقريب تشريف وتكريم، ونجيّاً: مناجيا ومكلِّما بلا واسطة. واجتبيناه: اصطفيناه. اتلُ أيها الرسول على الناس ما في القرآن من قصة موسى، وما اتصف به من صفاتٍ حميدة، واذكُر أن الله أخلَصَه واصطفاه للنبوة والرسالة. وكرّمناه فناديناه من الجانب الأيمن للطور في سيناء، وقرّبناه تقريب تشريف وتكريم، حين مناجاته لنا. فَقَرُب من ربّه وارتقت نفسُه حتى بلغت أقصى مناها. ثم إننا وهبنا له من رحمتِنا مؤازرةَ أخيه هارونَ نبيّا، ليعاونَه في تبليغ الرسالة. وقد جاء في سورة طه {وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي}. وقد استجاب له ربه فقال: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ}. قراءات: قرأ الكوفيون الا ابا بكر: مخلصا بفتح اللام بمعنى اخلصه الله للنبوة. والباقون: مخلصا بكسر اللام بمعنى اخلص هو العبادة لله. واتل عليهم أيها الرسول ما جاء في القرآن من قصة إسماعيل أبِ العرب، ومن أخصِّ صفاته صدقُ الوعد والوفاءُ به، حتى إنه وعد أباه بالصبر على الذبح ووفى به: {أية : قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [الصافات:103]. ففداه الله وشرّفه بالرسالة والنبوة. وكان اسماعيل يأمر أهلَه بالصلاةِ وإيتاء الزكاة، {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} في جميع أعماله، محموداً فيما كلفه به، مستقيماً في أقواله وافعاله. واتل أيها الرسولُ على الناس ما في القرآن من قصة إدريسَ إنه كان من الصدِّيقين ونبيّا ذا مكانة عالية عند الله. وهذا معنى {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} أي رفعنا ذِكره في الملأ. كما خاطب الله تعالى الرسول الكريم بقوله: {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}تفسير : [الانشراح:4]. وقد نُسجت حول إدريس خرافات وأساطير، ونُسب إليه انه مصدر لجميع العلوم، واول من خطَّ بالقلم، وأولُ من بنى الهاكل ومجّد الله فيها، واول من نظر في علم الطب، وألَّف لأهلِ زمانه قصائد موزونة في الأشياءِ الأرضية والسماوية، وغير ذلك كثير جدا. وكلّها أخبار لم تؤيد بنقل صحيح، ولم يسنِدها نصٌّ قاطع، ومن أراد الاطّلاع عليها فعليه الرجوعُ الى كتاب: قصص الانبياء، للمرحوم عبد الوهاب النجار. وبعد أن ذكَر الله تعالى هؤلاء الرسلَ الكرام وهم عَشَرة، وأثنى عليهم بما هو جديرٌ بهم، أردفَه بذِكر بعض ما جزاهم به من النعم. فقد هداهم إلى سُبل الخير واصطفاهم من سائر خلقه. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ.... }. بنعم الدنيا والآخِرة من ذريّة آدم وذرية من نجّاه الله مع نوح في السفينة، ومن ذرية إبراهيمَ ويعقوب، وممَّن هديناهم إلى الحق، واخترناهم لإعلاء كلمةِ الله. واذا تتلى عليهم آياتُنا خَرُّوا الله سجَّدا، وهم باكون خشية منه، وحَذَرا من عقابه. وهنا موضع سجدة عند قوله: خروا سجّدا وبُكِياً.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} (51) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ ثَنَّى بِذِكْرِ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى كَانَ مُخْلِصاً فِي عِبَادَتِهِ (بِكَسْرِ اللامِ)، وَقَرَأَهَا آخَرُونَ بِفَتْحِ الّلامِ (أَيْ مُصْطَفَى) فَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : فَكَانَ رَسُولاً مِنْ أُولِي العَزْمِ، وَكَانَ نَبِيّاً دَاعِياً إِلى الخَيْرِ، وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِلْخَلْقِ. مُخْلِصاً - بِكَسْرِ الَّلامِ - يَعْنِي صَادِقاً فِي عِبَادَتِهِ. مُخْلَصاً - بِفَتْحِ الَّلامِ - يَعْنِي أَخْلَصَهُ اللهُ وَاصْطَفَاهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا أيضاً ركْب من ركْب النبوات، وقد أخذت قصة موسى عليه السلام حَيِّزاً كبيراً من كتاب الله لم تأخذه قصة نبي آخر، مما دعا الناس إلى التساؤل عن سبب ذلك، حتى بنو إسرائيل يُفضّلون أنفسهم على الناس بأنهم أكثر الأمم أنبياءً، وهذا من غبائهم؛ لأن هذه تُحسَب عليهم لا لهم، فكثرة الأنبياء فيهم دليل على عنادهم وغطرستهم مع أنبيائهم. فما من أمة حيَّرتْ الأنبياء، وآذتْهم كبني إسرائيل؛ لذلك كَثُرَ أنبياؤهم، والأنبياء أطباء القِيَم وأُسَاة أمراضها، فكثرتهم دليل تفشِّي المرض، وأنه أصبح مرضاً عُضَالاً يحتاج في علاجه لا لطبيب واحد، بل لفريق من الأطباء. والبعض يظن أن قصة موسى في القرآن مجرد حكاية تاريخ، كما نقول نحن ونقصُّ: كان يا ما كان حدث كذا وكذا، ولو كانت قصة موسى في القرآن مجرد حكاية تاريخ لجاءتْ مرة واحدة. لكنها ليست كذلك؛ لأن الحكمة من قَصَّها على رسول الله كما قال تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [هود: 120]. إذن: فالهدف من هذا القَصَص تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لقومه؛ لأنه سيتعرض لمواقف وشدائد كثيرة يحتاج فيها إلى تثبيت ومواساة وتسلية، فكلما جَدَّ بينه وبين قومه أمر قال له ربه: اذكر موسى حين فعل كذا وكذا، وأنت خاتم الرسل، وأنت التاج بينهم، فلا بُدَّ لك أنْ تتحمَّل وتصبر. أما لو نزلت مثل هذه القصة مرة واحدة لكان التثبيت بها مرة واحدة، وما أكثر الأحداث التي تحتاج إلى تثبيت في حياة الدعوة. لذلك نجد خصوم الإسلام يتهمون القرآن بالتكرار في قصة موسى عليه السلام، وهذا دليلٌ على قصورهم في فَهْم القرآن، فهذه المواضع التي يروْنَ فيها تكراراً ما هي إلا لقطات مختلفة لموضوع واحد، لكن لكل لقطة منها موقع وميلاد، فإذا جاء موقعها وحان ميلادها نزلتْ. ومما رأوا فيه تكراراً، وليس كذلك قوله تعالى عن موسى عليه السلام طفلاً: {أية : عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ..}تفسير : [طه: 39] ونتساءل: متى تستعر العداوة بين عدوين؟ إنْ كانت العداوة من طرف واحد فإن الطرف الآخر يقابلها بموضوعية ودون لَدَدٍ في الخصومة إلى أنْ تهدأ العداوة بينهما، فهو عدو دون عداوة، فحينما يراه صاحب العداوة على هذا الخُلق يصرف ما في نفسه من عداوة له، كما قال تعالى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}تفسير : [فصلت: 34]. أمّا إنْ كانت العداوة بين عدوَّيْن حقيقيين: هذا عدو وهذا عدو، هنا تستعر العداوة، وتزكو نارها، ويحتدم بينهما صراع، ولا بُدَّ أنْ يصرَع أحدهما الآخر. والحق تبارك وتعالى حينما تكلّم عن موسى وفرعون، جعل العداوة مرة من موسى في قوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ..}تفسير : [القصص: 8]. فالعداوة هنا من موسى ليفضح الله أمر فرعون، فها هو يأخذ موسى ويُربِّيه، وهو لا يعلم أنه عدو له، وعلى يديْه ستكون نهايته غريقاً، فالمقاييس عنده خاطئة، وهو يدَّعِي الألوهية. ومرة أخرى يُثبت العداوة من فرعون في قوله تعالى: {أية : يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ..}تفسير : [طه: 39]. فالعداوة هنا من فرعون: إذن: فالعداوة من الطرفين، لذلك فالمعركة بينهما كانت حامية. كذلك من المواضع التي ظنوا بها تكراراً قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7]. وفي آية أخرى يقول تبارك وتعالى: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ..}تفسير : [طه: 38-39]. والمستشرقون أحدثوا ضجة حول هذه الآيات: لأنهم لا يفهمون أسلوب القرآن، وليست لديهم الملَكَة العربية للتلقِّي عن الله، فهناك فَرْق بين السياقين، فالكلام الأول: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ..}تفسير : [القصص: 7] هذه أحداث لم تقع بعد، إنها ستحدث في المستقبل، والكلام مجرد إعداد أم موسى للأحداث قبل أنْ تقعَ. أمّا المعنى الثاني فهو مباشر للأحداث وقت وقوعها؛ لذلك جاء في عبارات مختصرة كأنها برقيات حاسمة لتناسب واقع الأحداث: {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ ..}تفسير : [طه: 39]. كما أن الآية الأولى ذكرت: {أية : فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ..}تفسير : [القصص: 7] ولم تذكر التابوت كما في الآية الأخرى: {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ ..}تفسير : [طه: 39]. إذن: ليس في المسألة تكرار كما يدَّعي المغرضون؛ فكل منهما تتحدث عن حال معين ومرحلة من مراحل القصة. ثم يقول تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً ..} [مريم: 51] من خَلّصَ شيئاً من أشياء، أي: استخرج شيئاً من أشياء كانت مختلطة به، كما نستخلص مثلاً العطور من الزهور، فقد أخذت الجيد وتركت الرديء، وبالنسبة للإنسان نقول: فلان مُخلص لأن الإنسان مركب من ملكات متعددة لتخدم كل حركة في الحياة، وكل مَلَكَة من ملَكَاته، أو جهاز من أجهزته له مهمة يؤديها، إلا أنها قد تدخل عليها أشياء ليست من مهمته، أو تخرج عن غاياتها فتحدث فيه بعض الشوائب، فيحتاج الإنسان لأنْ يُخلِّص نفسه من هذه الشوائب. فمثلاً، الحق - تبارك وتعالى - جعل التقاء الرجل والمرأة لهدف محدد، وهو بقاء النوع؛ لذلك تجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا بالعقل والاختيار إذا أدى كُلٌّ من الذكر والأنثى هذه المهمة لا يمكن أنْ تُمكِّن الأنثى الذكر منها، وكذلك الذكر لا يأتي الأنثى إذا علم من رائحتها أنها حامل. إذن: وقف الحيوان بهذه الغريزة عند مهمتها، وهي حفظ النوع، لكن الإنسان لم يقف بهذه الغريزة عند حدودها، بل جعلها مُتعةً شخصية يأتي حِفْظ النوع تابعاً لها. وكذلك الحال في غريزة الطعام، فالإنسان إذا جاع يحتاج بغريزته إلى أنْ يأكلَ، والحكمة من ذلك استبقاء الحياة، لا الامتلاء باللحم والشحم. فالحيوان يقف بهذه الغريزة عند حَدِّها، فإذا شبع لا يمكن أنْ تُجبره على عود برسيم واحد فوق ما أكل. أما في الإنسان فالأمر مختلف تماماً، فيأكل الإنسان حتى الشِّبَع، ثم حتى التُّخْمة، ولا مانع بعد ذلك من الحلو والمشروبات وخلافه؛ لذلك وضع لنا الخالق سبحانه وتعالى المنهج الذي يُنظّم لنا هذه الغريزة، فقال تعالى: {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ..}تفسير : [الأعراف: 31]. وفي الحديث الشريف: "حديث : بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صُلْبه، فإن كان ولا بُدَّ فاعلاً، فثُلث لطعامه، وثُلث لشرابه، وثُلث لنفَسِه ". تفسير : ومن الغرائز أيضاً غريزة حب الاستطلاع، فالإنسان يحب أن يعرف ما عند الآخر ليحدث بين الناس الترقي اللازم لحركة الحياة، ومعرفة أسرار الله في الكون، وهذا هو الحد المقبول أما أن يتحول حب الاستطلاع إلى التجسس وتتبّع عورات الآخرين، فهذا لا يُقبل ويُعَدُّ من شوائب النفوس، يحتاج إلى أنْ نُخلِّص أنفسنا منه. إذن: لكل غريزة حكمة ومهمة يجب ألاَّ نخرج عنها، والمُخْلَص هو الذي يقف بغرائزه عند حَدِّها لا يتعدَّاها ويخلصها من الشوائب التي تحوط بها. وهذه الصفة إمّا أنْ يكرم الله بها العبد فيُخلِّصه من البداية من هذه الشوائب، أو يجتهد هو ليُخلّص نفسه من شوائبها باتباعه لمنهج الله. هذا هو المُخْلَص: أي الذي خلص نفسه. لذلك، يقولون: من الناس مَنْ يصِل بطاعة الله إلى كرامة الله، ومن الناس مَنْ يصل بكرامة الله إلى طاعة الله. وقد جعل الله تعالى الأنبياء مخْلَصين من بدايتهم، ليكونوا جاهزين لهداية الناس، ولا يُضيِّعون أوقاتهم في تخليص أنفسهم من شوائب الحياة وتجاربها. ألم يستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين سنة يُعلِّم الناس كيف يُخِلصون أنفسهم؟ فكيف إنْ كان النبي نفسه في حاجة لأنْ يُخلص نفسه؟ ولمكانة هؤلاء المخْلَصين ومنزلتهم تأدَّب إبليس وراعى هذه المنزلة حين قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 82-83]. لأن هؤلاء لا يقدر إبليس على غوايتهم. ثم يقول تعالى: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} [مريم: 51] لأن من عباد الله مَنْ يكون مخْلَصاً دون أن يكون نبياً أو رسولاً كالعبد الصالح مثلاً؛ لذلك أخبر تعالى عن موسى - عليه السلام - أنه جمع له كل هذه الصفات. والرسول: مَنْ أُوحي إليه بشرع يعمل به ويُؤْمَر بتبليغه لقومه، أما النبي، فهو مَنْ أُوحِي إليه بشرع يعمل به لكن لم يُؤْمَر بتبليغه. إذن: فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً؛ لأن النبي يعيش على منهج الرسول الذي يعاصره أو يسبقه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: واذكر في هذا القرآن العظيم موسى بن عمران، على وجه التبجيل له والتعظيم، والتعريف بمقامه الكريم، وأخلاقه الكاملة، { إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا } قرئ بفتح اللام، على معنى أن الله تعالى اختاره واستخلصه، واصطفاه على العالمين. وقرئ بكسرها، على معنى أنه كان مخلص لله تعالى، في جميع أعماله، وأقواله، ونياته، فوصفه الإخلاص في جميع أحواله، والمعنيان متلازمان، فإن الله أخلصه لإخلاصه، وإخلاصه، موجب لاستخلاصه، وأجل حالة يوصف بها العبد، الإخلاص منه، والاستخلاص من ربه. { وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا } أي: جمع الله له بين الرسالة والنبوة، فالرسالة تقتضي تبليغ كلام المرسل، وتبليغ جميع ما جاء به من الشرع، دقه وجله. والنبوة تقتضي إيحاء الله إليه وتخصيصه بإنزال الوحي إليه، فالنبوة بينه وبين ربه، والرسالة بينه وبين الخلق، بل خصه الله من أنواع الوحي، بأجل أنواعه وأفضلها، وهو: تكليمه تعالى وتقريبه مناجيا لله تعالى، وبهذا اختص من بين الأنبياء، بأنه كليم الرحمن، ولهذا قال: { وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ } أي: الأيمن من موسى في وقت.مسيره، أو الأيمن: أي: الأبرك من اليمن والبركة. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } تفسير : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } والفرق بين النداء والنجاء، أن النداء هو الصوت الرفيع، والنجاء ما دون ذلك، وفي هذه إثبات الكلام لله تعالى وأنواعه، من النداء، والنجاء، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا لمن أنكر ذلك، من الجهمية، والمعتزلة، ومن نحا نحوهم. وقوله: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } هذا من أكبر فضائل موسى وإحسانه، ونصحه لأخيه هارون، أنه سأل ربه أن يشركه في أمره، وأن يجعله رسولا مثله، فاستجاب الله له ذلك، ووهب له من رحمته أخاه هارون نبيا. فنبوة هارون تابعة لنبوة موسى عليهما السلام، فساعده على أمره، وأعانه عليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):