١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} من ناحيته اليمنى من اليمين، وهي التي تلي يمين موسى من جانبه الميمون من اليمن بأن تمثل له الكلام من تلك الجهة. {وَقَرَّبْنَاهُ } تقريب تشريف شبهه بمن قربه الملك لمناجاته. {نَجِيّاً } مناجياً حال من أحد الضميرين. وقيل مرتفعاً من النجوة وهو الارتفاع. لما روي أنه رفع فوق السموات حتى سمع صرير القلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنَٰدَيْنَٰهُ } بقول: ياموسى إِنى أَنا الله {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ } اسم الجبل {ٱلأَيْمَنِ } أي الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين {وَقَرَّبْنَٰهُ نَجِيّاً } مناجياً بأن أسمعه الله تعالى كلامه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الطُّورِ الأَيْمَنِ} جبل بالشام نودي من يمين الجبل، أو من يمين موسى {وَقَرِّبْنَاهُ نَجِيّاً} قرب من المكان الذي شرفه فيه وعظمه ليسمع كلامه، أو قربه من أعلى الحجب حتى سمع صريف القلم، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ وقال غيره سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة، أو قربه باصطفائه واجتبائه {نَجِيّاً} ناجاه من النجوى التي لا يكون إلا في خلوة، أو رفعه بعد التقريب من النجوة وهي الارتفاع، أو نجاه بصدقه مأخوذ من النجاة، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ لم يبلِّغ موسى من الكلام الذي ناجاه به شيئاً.
ابو السعود
تفسير : {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} الطورُ جبلٌ بـين مصرَ ومدْيَنَ، والأيمنُ صفةٌ للجانب أي ناديناه من ناحيته اليُمنى من اليمين وهي التي تلي يمينَ موسى عليه السلام، أو من جانبه الميمونِ من اليُمن ومعنى ندائِه منه أنْ تمثّل له الكلامُ من تلك الجهة {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} تقريبَ تشريفٍ، مُثّل حالُه عليه السلام بحال من قرّبه الملِكُ لمناجاته واصطفاه لمصاحبته ونجياً أي مناجياً حالٌ من أحد الضميرين في ناديناه أو قربناه، وقيل: مرتفعاً لما روي أنه عليه السلام رُفع في السموات حتى سمع صَريفَ القلم. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا} أي من أجل رحمتِنا ورأفتِنا له أو بعضِ رحمتنا {أَخَاهُ} أي معاضَدةَ أخيه ومؤازرَتَه إجابةً لدعوته بقوله: { أية : وَٱجْعَل لّي وَزِيراً مّنْ أَهْلِي هَـٰرُونَ أَخِي} تفسير : [طه: 29-30] لا نفسَه لأنه كان أكبرَ منه عليهما السلام، وهو على الأول مفعولٌ لوهبنا وعلى الثاني بدلٌ وقوله تعالى: {هَـٰرُونَ} عطف بـيان له وقوله تعالى: {نَبِيّاً} حال منه. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ} فُصّل ذكره عن ذكر أبـيه وأخيه لإبراز كمال الاعتناءِ بأمره بإيراده مستقلاً وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ} تعليلٌ لموجب الأمر، وإيرادُه عليه السلام بهذا الوصف لكمال شهرتِه به وناهيك أنه وعَدَ الصبرَ على الذبح بقوله: {أية : سَتَجِدُنِي إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [الصافات: 102] فوفّى {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} فيه دِلالةٌ على أن الرسولَ لا يجب أن يكون صاحبَ شريعةٍ، فإن أولادَ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام كانوا على شريعته. {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ} اشتغالاً بالأهم وهو أن يُقْبل الرجلُ بالتكميل على نفسه مَنْ هو أقربُ الناس إليه قال تعالى: { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214] { أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ} تفسير : [طه: 132] { أية : قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} تفسير : [التحريم: 6] وقصد إلى تكميل الكل بتكميلهم لأنهم قدوةٌ يؤتسىٰ بهم، وقيل: أهلُه أمتُه فإن الأنبـياءَ عليهم السلام آباءُ الأمم {وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً} لاتصافه بالنعوت الجليلةِ التي من جملتها ما ذكر من خصاله الحميدة. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ} وهو سِبطُ شَيْثٍ وجدُّ أبـي نوحٍ فإنه نوحُ بنُ لمك بن متوشلح بنِ أُخنوخ وهو إدريسُ عليه السلام، واشتقاقُه من الدّرس يُرده منعُ صرفِه. نعم لا يبعُد أن يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك فلُقّب به لكثرة دراسته. روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفةً وأنه أولُ من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب {إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً} ملازماً للصدق في جميع أحوالِه {نَبِيّاً} خبرٌ آخرُ لكان مخصّصٌ للأول، إذ ليس كلُّ صدّيق نبـياً.
التستري
تفسير : قوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}[52] أي مناجياً للمكاشفة التي لا تخفى من الحق على القلوب محادثة ووداً.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: وقربناه نجيًا: خص الله سادات الأنبياء كل واحد منهم بخاصية فكانت خلافة لآدم {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30]. والقربة لموسى بقوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}، والإمامة لإبراهيم بقوله: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} تفسير : [البقرة: 124]، والمحبة لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أنا سيد ولد آدم" تفسير : بلا جهد، ولا اكتساب إلا أن المحبة أوجبت له السيادة على الخلق أجمع والقسم بحياته بقوله: "لعمرك يا محمد". وقال جعفر: للمقرب من الله ثلاث علامات إذا أفاده الله علمًا رزقه العمل به، وإذا وفقه للعمل به أعطاه الإخلاص فى عمله وإذا أقامه لصحبة المسلمين رزقه فى قلبه حرمةً لهم ويعلم أن حرمة المؤمن من حرمة الله تعالى. قال الجنيد رحمه الله فى قوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}. قال: جعلناه من العالمين بنا والمخبرين عنا بالصدق والحقيقة. وقال رويم: كشفنا عن سره ما كان مغطى عليه من أنواع القرب والزلف، وأَذِنَّا له فى الإخبار عنا.
القشيري
تفسير : للنجوى مزية على النداء، فجمع له الوصفَيْن: النداءَ في بدايته، والسماعَ والنجوى في نهايته؛ فوقَفَه الحقُّ وناداه، وفي جميع الحالين تولاّه. {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ}: ترجع إلى موسى فموسى كان بجانب الطور.
اسماعيل حقي
تفسير : {وناديناه من جانب الطور الايمن} الطور جبل بين مصر ومدين والايمن فىالاصل خلاف الايسر اى جانب اليمن وهو صفة للجانب اى ناديناه من ناحيته اليمنى وهى التى تلى يمين موسى ازلا يمين للجبل ولا شمال او من جانبه الميمون من اليمن ومعنى ندائه منه انه تمثل له الكلام من تلك الجهة. وقال فى الجلالين اقبل من مدين يريد مصر فنودى من الشجرة وكانت فى جانب الجبل على يمين موسى {وقربناه نجيا} تقريب تشريف مثل حاله بحال من قربه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته حيث كلمة بغير واسطة ملك ونجيا اى مناجيا حال من احد الضميرين فى ناديناه والمناجاة [راز كفتن] كما فى التهذيب يقال ناجاه مناجاة ساره كما فى القاموس.
الجنابذي
تفسير : {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} وصف للجانب فانّ المراد بحسب التّأويل من الطّور هو الصّدر المنشرح بالاسلام، وجانبه الايمن هو الجهة الّتى تلى العقل والغيب {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} حال عن الفاعل او المفعول او كليهما فانّ النّجىّ مصدر ووصف مطلق على المفرد والاكثر من المفرد.
اطفيش
تفسير : {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ} من جهة جبل بين مصر ومدْين يسمى الطور. وذلك حين أقبل من مدين، ورأى النار {الأَيْمَنِ} نعت لجانب. ويجوز كونه نعتا للطور. والواضح الأول أى ناديناه من جهته اليمنى. وهى أيضا جهة يمنى لموسى. وذلك أنها كانت جهة يمينه إلى الطور، وإلا فالجهل نفسه لا يمين له ولا يسار. ويجوز أن يكون الأيمن من اليُمن وهو البركة، فلا إشكال فى جواز كونه نعتا للطور، بل هو أولى فيما قيل. {وَقَربْنَاهُ} أى شرفناه. فالتقريب تقريب تشريف كمن قرَّبه عظيم للمناجاة حيث كلمه بلا واسطة ملك. قال أبو العالية: قرَّبه حتى سمع صرير القلم الذى كتبت به التوراة، خلق له كلاما فى الهواء أو فى الشجرة أو غيرها فسمعه. {نَجيّاً} مناجيا، حال من إحدى الهاءين أو مِن نا، وإنما صلح لذلك لأنه مصدر بمعنى اسم فاعل، فيقدر بمناجيا، إذا جعل حالا من نا. وقيل: معناه مرتفعا، من النجو، وهو الارتفاع، فهو وصف لا مصدر، فيكون حال من إحدى الهاءين لا غير. روى أنه رفع فوق السماوات حتى سمع صرير القلم. ويحتمل أن هذا من آراء أبى العالية.
اطفيش
تفسير : {ونَاديناه من جانب الطُّورِ الأَيْمَنِ} نعت لجانب بدليل أنه لما نصب جانب فى الآية الأخرى نصب، وذلك هو الناحية التى تلى يمين موسى، لأن الطور وهو الجبل المعروف بين مصر ومدين، لا يمين له ولا يسار، ويجوز أن يكون اليمين من اليمن، وهو البركة، وهو نعت لجانب لا للطور، ولا دليل على أنه نعت له، وأن النصب فى الآية الأخرى على القطع، والنداء ظاهر فى اللفظى، فموسى عليه السلام سمع الصوت المخلوق فى الهواء أو الشجرة أو الجبل فى ذلك الموضع، وقد قيل جاءه الصوت من تلك الجهة، فسمعه من جميع جسده، لا من يسمعه فقط، وقيل نداء بلا صوت، سمعه بجسده كله، وكذلك يسمعه بجسده كله، ولو وضع له فى الشجرة أو الجبل أو الهواء أو الأرض أو الملك، وبذلك يزداد يقيناً أنه من الله. {وقربناه نجياً} تقريب تشريف كما يقرب السلطان رجلا يختصر به للمناجاة، وهى المسارة والإخفاء عن الغير، ونجينا فعيل بمعنى مفاعل بضم الميم كجليس بمعنى مجالس. ونديم بمعنى منادم، وهو حال من هاء قربناه، أو هاء ناديناه، ووجه الأول أنه متصل بقربناه، ووجه الثانى أن يعتبر أن العمدة النداء، وذر التقريب تبع له، والأول أولى وقيل: نجياً مرتفعاً من النجوة، روى سعيد ابن منصور، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، عن سعيد بن جبير والحاكم، وصححه وغيره عن ابن عباس: "أن جبريل عليه السلام أردف موسى حتى سمع صرير القلم والتوراة تكتب له" أى كتابة ثانية، لأن فى الحديث الصحيح الوارد فى فى شأن محاجة آدم موسى عليهما السلام: "حديث : أن التوراة كتبت قبل آدم بأربعين عاماً" تفسير : فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خص بالمعراج الأكمل لا بالمعراج مطلقاً، وقيل نجياً بمعنى ناجياً عن المهالك بصدقه، روى عن قتادة وهو بعيد.
الالوسي
تفسير : {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ } الطور جبل بين مصر ومدين والأيمن صفة لجانب لقوله تعالى في آية أخرى: {أية : جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ } تفسير : [طه: 80] بالنصب أي ناديناه من ناحيته اليمنى من اليمين المقابل لليسار. والمراد به يمين موسى عليه السلام أي الناحية التي تلي يمينه إذ الجبل نفسه لا ميمنة له ولا ميسرة. ويجوز أن يكون الأيمن من اليمن وهو البركة وهو صفة لجانب أيضاً أي من جانبه الميمون المبارك. وجوز على هذا أن يكون صفة للطور والأول أولى، والمراد من ندائه من ذلك ظهور كلامه تعالى من تلك الجهة، والظاهر أنه عليه السلام إنما سمع الكلام اللفظي، وقال بعض: إن الذي سمعه كان بلا حرف ولا / صوت وأنه عليه السلام سمعه بجميع أعضائه من جميع الجهات وبذلك يتيقن أن المنادي هو الله تعالى، ومن هنا قيل: إن المراد ناديناه مقبلاً من جانب الطور المبارك وهو طور ما وراء طور العقل، وفي الأخبار ما ينادي على خلافه. {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } تقريب تشريف مثل حاله عليه السلام بحال من قربه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته ورفع الوسائط بينه وبينه، و {نجيا} فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجالس ونديم بمعنى منادم من المناجاة المسارة بالكلام ونصبه على الحالية من أحد ضميري موسى عليه السلام في {نَـٰدَيْنَـٰهُ} و{قَرَّبْنَاهُ} أي ناديناه أو قربناه حال كونه مناجياً، وقال غير واحد مرتفعاً على أنه من النجو وهو الارتفاع. فقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير أن جبرائيل عليه السلام أردفه حتى سمع صرير القلم والتوراة تكتب له أي كتابة ثانية وإلا ففي الحديث الصحيح الوارد في شأن محاجة آدم وموسى عليهما السلام أنها كتبت قبل خلق آدم عليه السلام بأربعين سنة، وخبر رفعه عليه السلام إلى السماء حتى سمع صرير القلم رواه غير واحد وصححه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعلى ذلك لا يكون المعراج مطلقاً مختصاً بنبينا صلى الله عليه وسلم بل المعراج الأكمل، وقيل معنى {نَجِيّاً } بصدقه وروي ذلك عن قتادة ولا يخفى بعده.
الشنقيطي
تفسير : قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل. ويعني بالأيمن يمين موسى. لأن الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال: قام عن يمين القبلة وعن شمالها، وهذه القصة جاءت مبينة في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى. وذلك أن موسى لما قضى الأجل الذي بينه وبين صهره، وسار بأهله راجعاً من مدين إلى مصر آنس من جانب الطور ناراً، فذهب إلى تلك النار ليجد عندها من يدله على الطريق، وليأتي بجذوة منها ليوقد بها النار لأهله ليصطلوا بها. فناداه الله وأرسله إلى فرعون، وشفعه في أخيه هارون فأرسله معه، وأراه في ذلك الوقت معجزة العصا واليد ليستأنس بذلك قبل حضوره عند فرعون. لأنه لما رأى العصا في المرة الأولى صارت ثعباناً ولى مدبراً ولم يعقب. فلو فعل ذلك عندما انقلبت ثعباناً لما طالبه فرعون وقومه بآية لكان غير ذلك لائق، ولأجل هذا مرن عليها في أول مرة ليكون مستأنساً غير خائف منها حين تصير ثعباناً مبيناً قال تعالى في سورة "طه": {أية : وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}تفسير : [طه 9-14]، وقوله: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} هو معنى قوله في "طه": {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّك}. وقوله {بقبس} أي شهاب. بدليل قوله في "النمل": {أية : أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلِونَ}تفسير : [النمل: 7] وذلك هو المراد بالجذوة في قوله: {أية : أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [القصص:29]، وقوله: {أية : أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى}تفسير : [طه: 10] أي من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها. لأنهم كانوا ضلوا الطريق، والزمن زمن برد، وقوله: {أية : آنَسْتُ نَاراً}تفسير : [طه: 10] أي أبصرتها. وقوله: {أية : فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ}تفسير : [طه: 12] قال بعض العلماء: لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي، ويروى هذا عن كعب وعكرمة وقتادة، نقله عنهم القرطبي وغيره. وروي أيضاً عن علي والحسن والزهري كما رواه عنهم صاحب الدر المنثور، ونقله ابن كثير عن علي وأبي أيوب وغير واحد من السلف. ويروى هذا القول عن غير من ذكر. وجاء فيه حديث مرفوع من حديث عبد الله بن مسعود رواه الترمذي وغيره ولا يصح. وفيه أقوال أخر للعلماء غير ذلك. وأظهرها عندي والله تعالى أعلم: أن الله امره بخلع نعليه أي نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم، يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع. والله تعالى أعلم. وقول من قال: إنه أمر بخلعهما احتراماً للبقعة يدل له أنه أتبع أمره بخلعهما بقوله: {أية : إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى}تفسير : [طه: 12] وقد تقرر في (مسك الإيماء والتنبيه): أن "إن" من حروف التعليل. وأظهر الأقوال في قوله "طوى": أنه اسم للوادي، فهو بدل من الوادي أو عطف بيان. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ}تفسير : [طه: 13] أي اصطفيتك برسالتي، كقوله: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي}تفسير : [الأعراف: 144] ومعنى الاستعلاء في قوله: {أية : عَلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [طه: 10] أن المصطلين بالنار يستعلون المكان القريب منها. ونظير ذلك من كلام العرب قول الأعشى: تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق قال تعالى في سورة "النمل": {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلِونَ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [النمل: 6-9] فقوله في "النمل": {فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ} هو معنى قوله في "مريم": {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} [مريم: 52]. وقوله في "طه": {أية : فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه:11] الآية، وقوله: {أية : سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ}تفسير : [النمل:7]هو معنى قوله في "طه": {أية : أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى}تفسير : [طه: 10] أي من يدلني على الطريق فيخبرني عنها فآتيكم بخبره عنها. وقال تعالى في سورة "القصص": {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ}تفسير : [القصص: 29-30] الآية. فالنداء في هذه الآية هو المذكور في "مريم"، وطه. و"النمل" وقد بيَّن هنا أنه نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة. فدلت الآيات على أن الشجرة التي رأى فيها النار عن يمين الجبل الذي هو الطور، وفي يمين الوادي المقدس الذي هو طوى على القول بأن طوى اسم له. وقد قدمنا قول ابن جرير: أن المراد يمين موسى. لأن الجبل ومثله الوادي لا يمين له ولا شمال. وقال ابن كثير في قوله {نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ} أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب. كما قال تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ}تفسير : [القصص: 44] فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة والجبل الغربي عن يمينه اهـ منه - وهو معنى قوله: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} [مريم: 52] الآية، وقوله: {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا}تفسير : [القصص: 46] الآية. والنداء المذكور في جميع الآيات المذكورة - نداء الله له. فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى. ولا يعقل أنه كلام مخلوق، ولا كلام خلقه الله في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة. إذ لا يمكن أن يقول غير الله: {أية : إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [النمل: 9]، ولا أن يقول: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي}تفسير : [طه: 14] ولو فرض أن الكلام المذكور قاله مخلوق افتراء على الله، كقول فرعون {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات:24] على سبيل فرض المحال- فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حق وصواب. فقوله: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي}، وقوله: {أية : إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [النمل: 9] - صريح في أن الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك. كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام. وقوله تعالى: {أية : مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ}تفسير : [القصص: 30] قال الزمخشري في الكشاف: "من" الأولى والثانية لابتداء الغاية. أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة و {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} بدل من قوله {مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي} بدل اشتمال. لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء. كقوله: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ}تفسير : [الزخرف: 33]. وقال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ} الآية: قال المهدوي: وكلم الله تعالى موسى عليه السلام من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء - انتهى منه. وشاطىء الوادي جانبه. وقال بعض أهل العلم: معنى "الأيمن" في قوله: {مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ}. وقوله: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} [مريم: 52] من اليمن وهو البركة. لأن تلك البلاد بارك الله فيها. وأكثر أهل العلم على أن النار التي رآها موسى "نور" وهو يظنها ناراً. وفي قصته أنه رأى النار تشتعل فيها وهي لا تزداد إلا خضرة وحسناً. قيل هي شجرة عوسج. وقيل شجرة عليق. وقيل شجرة عناب. وقيل سمرة. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في سورة "النمل": {أية : فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}تفسير : [النمل: 8] اختلفت عبارات المفسرين في المراد بـ {من في النار} في هذه الآية في سورة "النمل" فقال بعضهم: هو الله جل وعلا، وممن روي عنه هذا القول: ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب قالوا: "بورك من في النار" أي تقدس الله وتعالى. وقالوا: كان نور رب العالمين في الشجرة. واستدل من قال بهذا القول بحديث أبي موسى الثابت في الصحيح: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". تفسير : قال مقيدة عفا الله عنه: وهذا القول بعيد من ظاهر القرآن. ولا ينبغي أن يطلق على الله أنه في النار التي في الشجرة. سواء قلنا: إنها نار أو نور، سبحانه جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله! وتأويل ذلك بـ {أية : مَن فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [النمل: 8] سلطانه وقدرته لا يصح. لأن صرف كتاب الله عن ظاهره المتبادر منه لا يجوز إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم - وبه تعلم أن قول أبي حيان في "البحر المحيط": قال ابن عباس، وابن جبير، والحسن وغيرهم: أراد بمن في النار ذاته. وعبر بعضهم بعبارات شنيعة مردودة بالنسبة إلى الله تعالى. وإذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول على حذف. أي بورك من قدرته وسلطانه في النار اهـ أنه أصاب في تنزيهه لله عن تلك العبارات، ولم يصب فيما ذكر من التأويل. والله أعلم. وقال بعضهم: إن معنى {بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ} أي بوركت النار لأنها نور. وبعده عن ظاهر القرآن واضح كما ترى. وقال بعضهم: أن {بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ} أي بوركت الشجرة التي تتقد فيها النار. وبعده عن ظاهر القرآن أيضاً واضح كما ترى. وإطلاق لفظة "من" على الشجرة وعلى ما في النار من أمر الله غير مستقيم في لغة العرب التي نزل بها القرآن العظيم كما ترى. وأقرب الأقوال في معنى الآية إلى ظاهر القرآن العظيم - قول من قال: إن في النار التي هي نور الملائكة وحولها ملائكة وموسى. وأن معنى {أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّار} أي الملائكة الذين هم في ذلك النور ومن حولها. أي وبورك الملائكة الذين هم حولها، وبورك موسى لأنه حولها معهم. وممن يروى عنه هذا: السدي. وقال الزمخشري (في الكشاف): ومعنى أن {أية : بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}تفسير : [النمل: 8] بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت فيها، وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: {أية : نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ}تفسير : [القصص: 30] وتدل عليه قراءة أبي "أن تباركت النار ومن حولها". وعنه "بوركت النار". وقال القرطبي رحمه الله في قوله {أّن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ}: وهذا تحية من الله لموسى، وتكرمة له كما حيَّا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا إليه قال: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. وقوله {مَن فِي ٱلنَّارِ} نائب فاعل "بورك" والعرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وباركك لك. فهي أربع لغات. قال الشاعر: شعر : فبوركت مولوداً وبوركت ناشئا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب تفسير : وقال أبو طالب بن عبد المطلب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية: شعر : ليت شعري مسافر بن أبي عمـ رو وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما بورك نبع الرمان والزيتون تفسير : وقال آخر: شعر : فبورك في بنيك وفي بنيهم إذا ذكروا ونحن لك للفداء تفسير : والآيات في هذه القصة الدالة على أنه أراه آية اليد والعصا ليتمرن على ذلك قبل حضوره عند فرعون وقومه، وأنه ولى مدبراً خوفاً منها في المرة الأولى لما صارت ثعباناً - جاءت في مواضع متعددة. كقوله تعالى في سورة "طه": {أية : قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ آيَةً أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 19-22]. فقوله {وَلاَ تَخَف} يدل على أنه فزع منها لما صارت ثعباناً مبيناً. كما جاء مبيناً في "النمل والقصص". وقوله في آية "طه" هذه {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي من غير برص. وفيه ما يسميه البلاغيون احتراساً، وكقوله تعالى في سورة "النمل": {أية : يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}تفسير : [النمل: 9-12] الآية. وقوله في "القصص": {أية : وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ}تفسير : [القصص: 31-32]. والبرهانان المشار إليهما بقوله {فذانك برهانان} هما اليد والعصا. فلما تمرن موسى على البرهانين المذكورين، وبلغ الرسالة هو وأخوه إلى فرعون وملئه طالبوه بآية تدل على صدقه - فجاءهم بالبرهانين المذكورين، ولم يخف من الثعبان الذي صارت العصا إياه كما قال تعالى: {أية : قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ}تفسير : [الشعراء: 30-33] ونحوها من الآيات. وقوله في "النمل، والقصص": {ولم يعقب} أي لم يرجع من فراره منها. يقال: عقب الفارس إذا كر بعد الفرار. ومنه قوله: شعر : فما عقبوا إذ قيل هل من معقب ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} أي قرَّب الله موسى في حال كونه نجياً. أي مناجياً لربه. وإتيان الفعيل بمعنى الفاعل كثير كالعقيد والجليس. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: روى ابن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى هو القطان، حدثنا سفيان عن عطاء بن يسار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال: أدنى حتى سمع صريف القلم. وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال: أدخل في السماء فكلم. وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال نجيا بصدقه - اهـ محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وقوله تعالى في طه: {أية : ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}تفسير : [طه: 31] أي قوني به. والأزر: القوة. وآزره: أي قواه. وقوله في القصص: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ}تفسير : [القصص: 35] أي سنقويك به. وذلك لأن العضد هو قوام اليد، وبشدتها تشتد اليد، قال طرفة: شعر : أبني لبيني لستمو بيد إلا يداً ليست لها عضد تفسير : وقوله {أية : رِدْءاً}تفسير : [القصص: 34] أي معيناً، لأن الردء اسم لكل ما يعان به، ويقال ردأته أي أعنته.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَنَادَيْنَاهُ} {وَقَرَّبْنَاهُ} (52) - وَحِينَمَا كَانَ مُوسَى سَائِراً بِأَهْلِهِ مِنْ مَدْيَنَ إِلَى مِصْرَ، وَصَلَ إِلَى وَادِي الطُّورِ، فَلَمَحَ نَاراً عَنْ بُعْدٍ، وَهُوَ فِي الَّليْلِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا لَعَلِّي آتِيكُمْ بِقَبسٍ مِنَ النَّارِ، أَوْ أَسْأَلُ مَنْ هُنَاكَ عِنْدَ النَّارِ لِيَهْدُونِي إِلَى الطَّرِيقِ، فَوَجَدَ النَّارَ عَنْ يَمِينِهِ، فَنَادَاهُ اللهُ تَعَالَى وَقَرَّبَهُ وَنَاجَاهُ، وَأَنْبَأَهُ بِأَنَّهُ اخْتَارَهُ لِيَكُونَ رَسُولَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ. قَرَّبْنَاهُ نَجِياً - مُنَاجِياً لَنَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ ..} [مريم: 52] أيمن الطور، أَمْ أيمن موسى؟ أيّ مكان لا يُقال له أيمن ولا أيسر، إنما الأيمن والأيسر بالنسبة لك أو لغيرك، فالذي تعتبره أنت يميناً يعتبره غيرُك يساراً، ولا يُقال للمكان أيمن ولا أيسر إلا إذا قِسْته إلى شيء ثابت كالقِبْلة مثلاً فتقول: أيمن القبلة، وأيسر القبلة، وخلف القِبْلة، وأمام القِبْلة. إذن: فقوله: {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ ..} [مريم: 52] أي: أيمن موسى، وهو مُقبل على الجبل، وهذه لقطة مختصرة من القصة جاءت مُفصَّلة في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً ..}تفسير : [القصص: 29]. وقوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} [مريم: 52] أي: قرَّبْناه لِنُنَاجيه بكلام. والنجيّ: هو المنَاجِي الذي يُسِرُّ القول إلى صاحبه، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ اثنان دون الآخر، فإن ذلك يُحزِنه ". تفسير : وقد قرَّب الله تعالى موسى ليناجيه؛ لأن هذه خصوصية لموسى عليه السلام، فكلام الله لموسى خاصٌّ به وحده لا يسمعه أحد غيره، فإنْ قلتَ: فكيف يكلّمه الله بكلام، ويسمى مناجاة؟ قالوا: لأنه تعالى أسمعه موسى، وأخفاه عن غيره، فصار مناجاة كما يتناجى اثنان سِراً. وهذا من طلاقة قدرته تعالى أن يُسمع هذا، ولا يُسمع ذاك. وبعض المفسرين يرى أن (الأيمن) ليس من اليمين، ولكن من اليُمْن والبركة. و{وَقَرَّبْنَاهُ ..} [مريم: 52] أي: من حضرة الحق تبارك وتعالى. لكن هل حضرة الحق قُرْب منه، أم موسى هو الذي قَرُب من حضرة الحق سبحانه؟ كيف نقول إن الله قرب منه وهو سبحانه أقرب إليه من حبل الوريد، فالتقريب إذن لموسى عليه السلام. وهكذا جمع الحق - تبارك وتعالى - لموسى عدةٍ خصال، حيث جعله مخلَصاً ورسولاً ونبياً، وخَصَّه بالكلام والمناجاة، ثم يزيده هِبةً أخرى في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} معناهُ اختَرناهُ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} لكمال إخلاصه ومزيد اختصاصه بنا {نَادَيْنَاهُ} بعد المجاهدة الكثيرة والرياضات البليغة {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} أي: ذي اليُمْنِ والبركة وأنواع السعادة لموسى {وَ} بعدما انكشف بالنداء بما انكشف وشهد ما شهد {قَرَّبْنَاهُ} بنا إلى أن صار {نَجِيّاً} [مريم: 52] مناجياً بنا متكلماً معنا؛ إذ كنا حينئذٍ سمعه وبصره وجميع قواه، فينا يسمع، وبنا يبصر، وبنا يتكلم. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن} كمال {رَّحْمَتِنَآ} وفضلنا إياه تأييداً له وتعضيداً {أَخَاهُ هَارُونَ} ليؤيده ويقويه في تنفيذ أحكام النبوة والرسالة {نَبِيّاً} [مريم: 53] ليكون أيضاً على عزيمةٍ صادقةٍ وقصدٍ خالصٍ في إجراء الأحكام الإلهية. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ} أيضاً جدك {إِسْمَاعِيلَ} ذبيح الله الراضي بجميع ما جرى عليه من قضائه {إِنَّهُ} من كمال وثوقه واعتماده على الله وتفويضه الأمور كلها إليه {كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} والعهد عند الله وافياً لميثاقه، صابراً على مصائبه وبلائه، شاكراً لآلائه ونعمائه {وَكَانَ} أيضاً كأبيه وإخوته {رَسُولاً نَّبِيّاً} [مريم: 54] وإن لم ينزل عليه الشرع؛ إذ بعض أولاد إبراهيم. صلوات الرحمن عليه وعليهم. كانوا أنبياء مرسلين جارين على ملة أبيهم وشرعه. {وَ} من خصائله الحميدة أنه {كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ} أولاً؛ لأنهم أولى بالإرشاد والتكميل وأحق من غيرهم {بِٱلصَّـلاَةِ} التي هي التوجه نحو الحق بجميع الجوارح والأركان، والتقرب نحوه عن ظهر القلب ومحض الجنان {وَٱلزَّكَـاةِ} التي هي تصفية النية وتخلية الطوية عن الميل إلى مزخرفات الدنيا وحطامها الزائلة، {وَكَانَ} من كمال تنزهه عن العلائق والعوائق العائقة عن التوجه الخالص نحو الحق {عِندَ رَبِّهِ} الذي ربَّاه على كمال الرضا والتسليم {مَرْضِيّاً} [مريم: 55] لوفائه الوعد، واستقامته فيه، وصبره على ما جرى عليه من البلوى. {وَٱذْكُرْ} يا أكمل الرسل {فِي ٱلْكِتَابِ} أيضاً {إِدْرِيسَ} صاحب دراسة التوحيد والعرفان، وقالع أهوية النفس وأمانيها بشدائد الرياضات والمجاهدات في مسالك التصديق والإيقان {إِنَّهُ} من كمال رشده وحكمته {كَانَ صِدِّيقاً} مبالغاً في التصديق والتحقيق {نَّبِيَّاً} [مريم: 56] مبعوثاً إلى الناس كسائر الأنبياء للهداية والتكميل. {وَ} لعلو شأه وسموّ برهانه وكمال تصفيته، وتزكيته عن لوازم البشرية {رَفَعْنَاهُ} تلطفاً إياه {مَكَاناً عَلِيّاً} [مريم: 57] هو أعلى درجات المعرفة والتوحيد. وقيل: إلى السماء الرابعة أو السادسة. {أُولَـٰئِكَ} المذكورون من زكريا إلى إدريس كلهم أنبياء الله، وأُمناؤه في أرضه؛ لأنهم {ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} بأنواع النعم الظاهرة والباطنة، واصطفاهم من بين البرية للهداية والتكميل، وهم {مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} المنتشئين {مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} في السفينة حين ظهر الطوفان على وجه الأرض {وَ} بعضهم {مِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَ} ابنه يعقوب الملقب من عند الله {إِسْرَائِيلَ وَ} وكلٌ منهم {مِمَّنْ هَدَيْنَا} إلى توحيدنا {وَٱجْتَبَيْنَآ} من بين البرايا للتكميل والتشريع، ووضع الأحكام بين الأنام كلهم من كمال يقينهم وعرفانهم وتمكنهم في مقر التوحيد {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} ودلائل توحيده وتجريده {خَرُّواْ} خرورَ تواضعٍ ورهبةٍ {سُجَّداً} متذللين واضعين جباههم على ترابِ المذلة والهوان، راجعين من سعة رحمته على مقتضى لطفه وجماله {وَبُكِيّاً} [مريم: 58] باكين خائفين من خشية الله بمقتضى قهره وجلاله، فإن المؤمن لا بدَّ أن يكون في جميع حالاته بين الخوف والرجاء. ثما لما ظهر على الأرض التي هي محل الشرور والفتن وأنواع الفسادات ما ظهر من أنواع المكروهات والمنكرات، وهم عند ظهورها واشتهارها بذلوا جهدهم في تنفيذ الأحكام الشرعية المنزلة على مقتضى زمان كلٍ منهم، فكلموا وأرشدوا مقدار جهدهم وطاقتهم. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} واستعقبهم {خَلْفٌ} سوءٌ. بالسكن. لا خلَف جيد صدق بالحركة. قد {أَضَاعُواْ} وأبطلوا {ٱلصَّلَٰوةَ} المقربة نحو الحق مع أنها من أقوى أسباب الإيمان {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ} النفسانية المبعدة عنه الجالبة لأنواع العذاب النكال، وأباحوها لنفوسهم وأصروا على إباحتها {فَسَوْفَ يَلْقَونَ} في النشأة الأولى {غَيّاً} [مريم: 59] شراً وخسراناً أو عذاباً ونيراناً يترتب على شهواتهم ولذاتهم الفانية. {إِلاَّ مَن تَابَ} ورجع عنها نادماً ولم يرجع إليها أصلاً {وَآمَنَ} أي: صدق جرمتها {وَ} بعد التوبة والرجوع {عَمِلَ صَالِحاً} ليصلح ما أفسد بمتابعة الهوى {فَأُوْلَـٰئِكَ} التائبون الآيبون النادمون عما صدر عنهم من متابعة الهوى بإغواء الشيطان وإغرائه {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} لسائر المؤمنين المطيعين {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} [مريم: 60] أي: لا يُنقصون شيئاً من درجات المؤمنين الغير العاصين، إذن كانت توبتهم على وجه الإخلاص والندامة الكاملة، بل لهم كسائر عباد الله. {جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ} تفضلاً عليهم وجزاءً لأعمالهم وإيمانهم {بِٱلْغَيْبِ} أي: بلوح القضاء ومضي العلم يصلون إليها ويتمكنون فيها {إِنَّهُ} من كمال عطفه ورحمته لعباده {كَانَ وَعْدُهُ} الذي وعده إياهم {مَأْتِيّاً} [مريم: 61] أي: حاصلاً بلا ريبٍ وترددٍ. ومتى دخلوا في دار السلام {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا} من أحدٍ {لَغْواً} فضولاً من الكلام {إِلاَّ سَلاَماً} من كل جانبٍ تحيةً وتكريماً وترحيباً {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ} الصوري المعنوي معداً مهيأ {فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62] أي: مستوعباً لجميع الأوقات؛ إذ أكلها دائم. {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ} الموصوفة الموعودة {ٱلَّتِي نُورِثُ} أي: نوطن ونمكن {مِنْ عِبَادِنَا} فيها {مَن كَانَ} منهم {تَقِيّاً} [مريم: 63] متصفاً بالتقوى حَذِراً عن الهوى خائفاً. {وَ} بعدما أبطأ الوحي على رسول الله حي سأله المشركون من قصة أصحاب الكهف وأمر الروح وقصة ذي القرنين، فوعد لهم الجواب ولم يستثنِ، وانقطع الوحي خمسة عشر يوماً. وقيل: أربعين. حتى عيّروه واستهزءوا معه؛ حيث قالوا: ودّعه ربه وقلاه. ثم لما نزل جحبريل عليه السلام استبطأ نزولَه وشكا، قال جبريل عليه السلام في جوابه: نحن معاشر الملائكة {مَا نَتَنَزَّلُ} ونوحي إلى أحدٍ {إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} وإنزاله وإرساله؛ إذ التصرف {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} أي: عندنا وفي علننا {وَمَا خَلْفَنَا} أي: في سرنا واستعدادنا، وما غاب عنا وخفي علينا {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} الطرفين المذكورينن، وبالجملة: مستوعبُ بنا، محيطُ لجميع أحوالنا بلا فوت شيءٍ وغيبته عنه، بل الكل حاضرُ عنده {وَ} حينئذٍ {مَا كَانَ رَبُّكَ} تعالى شأنه {نَسِيّاً} [مريم: 64] حتى يُنسب إبطاء الوحي إلى نسيانه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} [مريم: 52] يشير إلى أنا سمعنا موسى القلب من جانب طور الروح، فإن طور الروح على جانب أيمن موسى القلب، ووادي النفس على أيسره {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} [مريم: 52] بجذبات العناية إلى أعلى درجات طور الروح، ويشير بقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} [مريم: 53] إلى أن النبوة ليست كسبية، بل هي من مواهب الحق تعالى يهب لمن يشاء النبوة، ويهب لمن يشاء الرسالة من رحمته وفضله لا من كسبهم واجتهادهم على أن يكون توفيق الكسب والاجتهاد أيضاً من مواهب الحق تعالى، وفيه إشارة إلى أن لموسى عليه السلام اختصاصاً بالقربة والقبول عند الله عز وجل حتى يهب أخاه هارون النبوة والرسالة بشفاعته، والعجب أن الله تعالى يهب النبوة والرسالة بشفاعة موسى عليه السلام وأنه يهب الأنبياء والرسل بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: "حديث : الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم عليه السلام ". تفسير : ثم أخبر عن الصادق في وعده والصديق من بعده بقوله: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} [مريم: 54] إلى قوله: {مَكَاناً عَلِيّاً} [مريم: 57] الإشارة: إن بالألوهية يشير إلى الربوبية. {وَٱذْكُرْ} ذكراً أزلياً {فِي ٱلْكِتَابِ} أي: في كتاب العلم الأزلي {إِسْمَاعِيلَ} إنه كان في علم الله بتقديره {صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} [مريم: 54] فيما وعد الله بأداء العبودية {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} [مريم: 54] أي: وكان مستعداً للنبوة والرسالة. وبقوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ} [مريم: 55] يشير إلى أن استعداده المقدر الأزلي اقتضى أن يأمر أهله الخاص والعام؛ أمَّا الخاص: فالجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة؛ أي: يتوجه كل واحد منهم توجهاً يليق بحاله {وَٱلزَّكَـاةِ} [مريم: 55] أي: بتزكية كل واحد منهم عن أخلاق ذميمة وأوصاف ردية، وأمّا العام: فأهله وأمته وقومه يأمرهم بالصلاة الجسمانية والمعنوية وكذا الزكاة {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ} [مريم: 55] في الأزل {مَرْضِيّاً} [مريم: 55] في الأعمال والأحوال. ثم قال: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ} [مريم: 56] أي: كما ذكرت إسماعيل {إِنَّهُ كَانَ} [مريم: 56] في العلم القديم {صِدِّيقاً نَّبِيَّاً} [مريم: 56] أي: مستعداً لكمال الصدق والنبوة {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} [مريم: 57] في التقدير الأزلي والمكان العلي ما يكون فوق المكونات عند المكون {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55]. ثم أخبر عن أهل الإنعام من الخواص بقوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} [مريم: 58] إلى قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} [مريم: 60]، قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} [مريم: 58] من النبيين؛ يعني: الذين ذكرناهم والذين ما ذكرناهم من الأنبياء {مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [مريم: 58] من الأولياء والمؤمنين {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} [مريم: 58] يعني: من الأولياء والمؤمنين {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ} [مريم: 58] للهداية إلى حضرتنا من الأولياء خواص المؤمنين {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} [مريم: 58] آياتنا؛ أي: من نتائج الهداية إلى الحضرة والاجتباء إياهم؛ أي: إذا تتلى عليهم آياتنا {خَرُّواْ} [مريم: 58] بقلوبهم على عتبة العبودية {سُجَّداً} [مريم: 58] بالتسليم للأحكام الأزلية {وَبُكِيّاً} [مريم: 58] بكاء السمع بذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 574 : 26 : 25 - سفين عن عطآء بن السايب عن سعيد بن جبير عن بن عباس {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال. سمع صريف القلم في الألواح. [الآية 52].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} [52] 338 - أنا عُبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، أنا موسى بن إسماعيل، نا حمادُ بنُ سلمة عن حُميدٍ، عن الحسن، عن جُندبٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَقِي آدمُ موسى، فقال موسى: يا آدمُ أنت الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكتهُ وأسكنك جنته ونفخ فيك من روحه؟ قال آدمُ: يا موسى أنت الذي اصطفاك اللهُ برسالاتِهِ وآتاك التوراة، وكلمك وقربك نجيّاً؟ فأنا أقدمُ أم الذكر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى ".
همام الصنعاني
تفسير : 1769- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {جَانِبِ ٱلطُّورِ} [الآية: 52]، قال: جانب الجبل. 1770- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}، [الآية: 52]، قال: نجا بصدقه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):