١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
54
Tafseer
الرازي
تفسير : (القصة الخامسة قصة إسمعيل عليه السلام) اعلم أن إسمعيل هذا هو إسمعيل بن إبراهيم عليهما السلام، واعلم أن الله تعالى وصف إسماعيل عليه السلام بأشياء: أولها: قوله: {إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ } وهذا الوعد يمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الله تعالى ويمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الناس. أما الأول: فهو أن يكون المراد أنه كان لا يخالف شيئاً مما يؤمر به من طاعة ربه وذلك لأن الله تعالى إذا أرسل الملك إلى الأنبياء وأمرهم بتأدية الشرع فلا بد من ظهور وعد منهم يقتضي القيام بذلك ويدل على القيام بسائر ما يخصه من العبادة. وأما الثاني: فهو أنه عليه السلام كان إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده فالله تعالى وصفه بهذا الخلق الشريف وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه وعد صاحباً له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة، وأيضاً وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى به حيث قال: { أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [الصافات: 102] ويروى أن عيسى عليه السلام قال له رجل: انتظرني حتى آتيك فقال عيسى عليه السلام: نعم وانطلق الرجل ونسي الميعاد فجاء لحاجة إلى ذلك المكان وعيسى عليه السلام هنالك للميعاد، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس » تفسير : . وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاداً إلى أي وقت ينتظره فقال: إن واعده نهاراً فكل النهار وإن واعده ليلاً فكل الليل، وسئل إبراهيم بن زيد عن ذلك فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى. وثانيها: قوله: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } وقد مر تفسيره. وثالثها: قوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ } والأقرب في الأهل أن المراد به من يلزمه أن يؤدي إليه الشرع فيدخل فيه كل أمته من حيث لزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة، هذا إذا حمل الأمر على المفروض من الصلاة والزكاة فإن حمل على الندب فيهما كان المراد أنه كما كان يتهجد بالليل يأمر أهله أي من كان في داره في ذلك الوقت بذلك وكان نظره لهم في الدين يغلب على شفقته عليهم في الدنيا بخلاف ما عليه أكثر الناس، وقيل: كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم كما قال تعالى: { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] { أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا } تفسير : [طه: 132] { أية : قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } تفسير : [التحريم: 6] وأيضاً فهم أحق أن يتصدق عليهم فوجب أن يكونوا بالإحسان الديني أولى، فأما الزكاة فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها طاعة الله تعالى والاخلاص فكأنه تأوله على ما يزكو به الفاعل عند ربه والظاهر أنه إذا قرنت الزكاة إلى الصلاة أن يراد بها الصدقات الواجبة وكان يعرف من خاصة أهله أن يلزمهم الزكاة فيأمرهم بذلك أو يأمرهم أن يتبرعوا بالصدقات على الفقراء. ورابعها: قوله؛ {وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً } وهو في نهاية المدح لأن المرضى عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} اختلف فيه؛ فقيل: هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضي بثوابه، وفوض أمرهم إليه في عفوه وعقوبته. والجمهور أنه إسماعيل الذبيح أبو العرب بن إبراهيم. وقد قيل: إن الذبيح إسحاق؛ والأول أظهر على ما تقدّم ويأتي في «والصافات» إن شاء الله تعالى. وخصه الله تعالى بصدق الوعد وإن كان موجوداً في غيره من الأنبياء تشريفاً له وإكراماً، كالتلقيب بنحو الحليم والأواه والصدّيق؛ ولأنه المشهور المتواصف من خصاله. الثانية: صدق الوعد محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضدّه وهو الخلف مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين على ما تقدّم بيانه في «براءة». وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد. واختلف في ذلك؛ فقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فدي. هذا في قول من يرى أنه الذبيح. وقيل: وعد رجلاً أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه وليلته، فلما كان في اليوم الآخر جاء؛ فقال له؛ ما زلت هاهنا في انتظارك منذ أمس. وقيل: انتظره ثلاثة أيام. وقد فعل مثله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثه؛ ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره عن عبد الله بن أبي الحَمْساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام، فجئت فإذا هو في مكانه؛ فقال: «حديث : يا فتى لقد شققت عليّ أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» تفسير : لفظ أبي داود. وقال يزيد الرقاشي: انتظره إسماعيل اثنين وعشرين يوماً؛ ذكره الماورديّ. وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة. وذكره الزمخشري عن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة. وذكره القشيري قال: فلم يبرح من مكانه سنة حتى أتاه جبريل عليه السلام؛ فقال: إن التاجر الذي سألك أن تقعد له حتى يعود هو إبليس فلا تقعد ولا كرامة له. وهذا بعيد ولا يصح. وقد قيل: إن إسماعيل لم يَعِد شيئاً إلا وَفَّى به، وهذا قول صحيح، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية؛ والله أعلم. الثالثة: من هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العِدة دَيْن»تفسير : . وفي الأثر «وأي المؤمن واجب» أي في أخلاق المؤمنين. وإنما قلنا إن ذلك ليس بواجب فرضاً لإجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر أن من وعد بمال ما كان ليَضْرِب به مع الغرماء؛ فلذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن مع المروءة، ولا يقضى به. والعرب تمتدح بالوفاء، وتذم بالخلف والغدر، وكذلك سائر الأمم، ولقد أحسن القائل: شعر : متى ما يقلْ حُرٌّ لصاحبِ حاجةٍ نَعَمْ يقضِها والحرُّ لِلوايِ ضامن تفسير : ولا خلاف أن الوفاء يستحق صاحبه الحمد والشكر، وعلى الخلف الذم. وقد أثنى الله تبارك وتعالى على من صدق وعده، ووفى بنذره؛ وكفى بهذا مدحاً وثناء، وبما خالفه ذماً. الرابعة: قال مالك: إذا سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه. قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان. وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعيّ والشافعي وسائر الفقهاء: إن العِدة لا يلزم منها شيء لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. وفي البخاري {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ}؛ وقضى ابن أَشْوَع بالوعد وذكر ذلك عن سَمُرة بن جُنْدب. قال البخاري: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أَشْوَع. الخامسة: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} قيل: أرسل إسماعيل إلى جُرْهم. وكل الأنبياء كانوا إذا وعدوا صدقوا، وخص إسماعيل بالذكر تشريفاً له. والله أعلم. السادسة: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ} قال الحسن: يعني أمته. وفي حرف ابن مسعود «وكان يأمر أهله جُرْهم وولده بالصلاة والزكاة». {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} أي رضياً زاكياً صالحاً. قال الكسائي والفراء: من قال مرضيّ بناه على رضيت؛ قالا. وأهل الحجاز يقولون: مرضوّ. وقال الكسائي والفراء: من العرب من يقول رِضَوَان ورِضَيَان فِرضوان على مرضوّ، ورِضيان على مرضيّ ولا يجيز البصريون أن يقولوا إلا رِضوان وربوان. قال أبو جعفر النحاس: سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: يخطئون في الخط فيكتبون ربا بالياء ثم يخطئون فيما هو أشدّ من هذا فيقولون رِبيان ولا يجوز إلا رِبوَان ورِضَوَان؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الروم: 39].
البيضاوي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ} ذكره بذلك لأنه المشهور به والموصوف بأشياء في هذا الباب لم تعهد من غيره، وناهيك أنه وعد الصبر على الذبح فقال: {أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [الصافات: 102] فوفى. {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } يدل على أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته.
ابن كثير
تفسير : هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، وهو والد عرب الحجاز كلهم، بأنه كان صادق الوعد. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، يعني: ما التزم عبادة قط بنذر، إلا قام بها ووفاها حقها. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن سهل بن عقيل حدثه: أن إسماعيل النبي عليه السلام وعد رجلاً مكاناً أن يأتيه فيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل، وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت، قال: لم أكن أبرح حتى تأتيني، فلذلك {كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ} وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولاً حتى جاءه. وقال ابن شوذب: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكناً. وقد روى أبو داود في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه "مكارم الأخلاق"، من طريق إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم، يعني: ابن عبد الله بن شقيق، عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: «حديث : يا فتى لقد شققت عليّ، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك» تفسير : لفظ الخرائطي، وساق آثاراً حسنة في ذلك، ورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب "معرفة الصحابة" بإسناده عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم به. وقال بعضهم: إنما قيل له: {صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ} لأنه قال لأبيه: {أية : سَتَجِدُنِىۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102] فصدق في ذلك، فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خلفه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: {أية : 1649يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } تفسير : [الصف: 2 -3] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» تفسير : ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق الوعد أيضاً، لا يعد أحداً شيئاً إلا وفى له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب، فقال: «حديث : حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي» تفسير : ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاء جابر بن عبد الله، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو قد جاء مال البحرين، أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا» تفسير : يعني: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين، أمر الصديق جابراً، فغرف بيديه من المال، ثم أمره بعده، فإذا هو خمسمائة درهم، فأعطاه مثليها معها. وقوله: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في "صحيح مسلم" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل» تفسير : وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه. وقوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} هذا أيضاً من الثناء الجميل والصفة الحميدة، والخلة السديدة، حيث كان مثابراً على طاعة ربه عز وجل، آمراً بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} تفسير : [طـه: 132] الآية، وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6] أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملاً؛ فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» تفسير : أخرجه أبو داود وابن ماجه. وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا استيقظ الرجل من الليل، وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات» تفسير : ، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، واللفظ له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِسْمَٰعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ } لم يعد شيئاً إلا وفى به، وانتظر مَنْ وعده ثلاثة أيام أو حولاً حتى رجع إليه في مكانه {وَكَانَ رَسُولاً } إلى جُرهم {نَبِيّاً }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} وصفه بصدق الوعد لأنه وعد رجلاً أن ينتظره، قال ابن عباس: حولاً حتى أتاه. وقال يزيد الرقاشي: انتظره اثنين وعشرين يوماً. وقال مقاتل: انتظره ثلاثة أيام. {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ} فيه وجهان: أحدهما: يأمر قومه فسماهم أهله. الثاني: أنه بدأ بأهله قبل قومه. وفي الصلاة والزكاة ما قدمناه. وهو على قوله الجمهور: إسماعيل بن إبراهيم. وزعم بعض المفسرين أنه ليس بإسماعيل بن إبراهيم لأن إسماعيل مات قبل إبراهيم، وإن هذا هو إسماعيل بن حزقيل بعثه الله إل قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم فاستعفاه ورضي بثوابه وفوض أمرهم إليه في عفوه أو عقوبته.
ابن عبد السلام
تفسير : {صَادِقَ الْوَعْدِ} وعد رجلاً أن ينتظره فانتظره ثلاثة أيام أو اثنين وعشرين يوماً أو حولاً كاملاً قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ} هو أيضاً من لسانِ الصِّدْقِ المضمون بقاؤه على إبراهيمَ عليه السلام وإسماعيلُ عليه السلام: هو أَبو العربِ اليومَ؛ وذلك أَنَّ اليَمَنِية والمُضَرِية ترجع إلى ولد إسماعيل، وهو الذِّبِيحُ في قول الجمهُور. وهو الرَّاجِحُ؛ من وجوهٍ: منها قولُه تعالى: {أية : وَمِنْ وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود:71]. فَوَلَدٌ بُشِّر أَبواه بأن سَيَكُونُ منه ولدٌ كيف يُؤْمَرُ بذبحه؟!. ومنها أَن أَمْرَ الذبح كان بِمِنًى بلا خِلاَفٍ، وما روي قَطُّ أَن إسحاقَ دخل تلك البلاد، وإسماعيلُ بها نَشَأ، وكان أَبوه يزُورُه مِرَاراً كَثِيرةً يأْتي من الشام، ويرجِعُ من يَوْمِهِ على البُرَاق؛ وهو مركَبُ الأَنْبياء. ومنها قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَنَا ٱبْنُ الذَّبِيحَيْنِ» تفسير : وهو أَبُوهُ عبدُ اللّهِ، والذَّبِيحُ الثَّانِي هو إسْماعِيلُ. ومنها [تَرْتِيبُ] آيات سورة «والصَّافَّاتِ» يكاد ينصُّ على أَنَّ الذبيح غيرُ إسحاق، ووصفه اللّهُ تعالىٰ بصِدْق الوَعْد؛ لأَنه كان مُبَالِغاً في ذلك؛ وروي أَنَّه وعد رَجُلاً أَنْ يلقاه في مَوْضِعٍ، فبقي في انْتِظاره يَوْمَهُ ولَيلَتَهُ، فلما كان في اليوْمِ الآخر جاء الرجُلُ، فقال له إسماعيلُ: ما زِلْتُ هنا في ٱنتِظارِكَ منذ أَمْسِ، وقد فعل مِثْلَهُ نبيُّنَا محمدٌ صلى الله عليه وسلم قبل مَبْعَثِه، خرَّجه التّرمِذِيّ وغيرُه. قال سُفْيان بن عُيَيْنَةَ: أَسْوَأُ الكَذِبِ إخْلاَفُ المِيعَادِ، ورَمْي الأَبْرِيَاءِ بالتُّهِمِ. و {أَهْلَهُ} المرادُ بهم قومه، وأُمَّته؛ قاله الحسنُ. وفي مُصْحَف ابنِ مَسْعُود: «وكَانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ». وإدْريسُ عليه السلام من أَجْدَاد نُوح عليه السلام. و{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قالت فرقةٌ من العلماء: رُفِع إلى السماءِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: كان ذلك بأَمْرِ اللّه تعالى. وقوله: {وَبُكِيّاً} قالت فرقةٌ: جمع بَاكٍ، وقالت فرقةٌ: هو مَصْدَرٌ بمعنى البُكَاء؛ التقديرُ: وبَكُوا بُكِيّاً. واحتجَّ الطَّبِرِيُّ، ومَكّي لهذا القول؛ بأَن عُمَر رضي اللّه عنه قرأ سُورةٍ مريم، فسجد ثُمَّ قال: هذا السُّجُودُ، فأَيْنَ البُكَى؟ يَعْنِي: البُكَاء. قال * ع *: ويحتمل أَن يريد عُمر رضي اللّه عنه فأَين البَاكُون؟ وهذا الذي ذكروه عن عُمَر، ذكره أَبُو حَاتِمٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم من طريق سمرة عن كعب قال: كان إسماعيل نبي الله الذي سماه صادق الوعد، وكان رجلاً فيه حدة مجاهداً أعداء الله، ويعطيه الله النصر عليهم، والظفر، وكان شديد الحرب على الكفار، لا يخاف في الله لومة لائم، صغير الرأس، غليظ العنق، طويل اليدين والرجلين، يضرب بيديه ركبتيه وهو قائم، صغير العينين، طويل الأنف، عريض الكتف، طويل الأصابع، بارز الخلق، قوي شديد عنيف على الكفار، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكانت زكاته القربات إلى الله من أموالهم، وكان لا يعد أحداً شيئاً إلا أنجزه، فسماه الله {صادق الوعد}. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {إنه كان صادق الوعد} قال: لم يعد ربه عدة قط إلا أنفذها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري قال: بلغني أن إسماعيل وصاحباً له أتيا قرية، فقال له صاحبه: إما أن أجلس وتدخل فتشتري طعاماً زادنا، وإما أن أدخل فاكفيك ذلك، فقال له إسماعيل: بل ادخل أنت وأنا أجلس أنتظرك، فدخل ثم نسي فخرج، فأقام مكانه حتى كان الحول من ذلك اليوم، فمر به الرجل، فقال له: أنت ههنا حتى الساعة؟ قال: قلت لك لا أبرح حتى تجيء، فقال تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد}. وأخرج ابن جرير، عن سهل بن سعد قال: أن إسماعيل عليه السلام وعد رجلاً أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل، وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا، قال: إني نسيت، قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني. ولذلك {كان صادق الوعد}. وأخرج مسلم عن واثلة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا سيد الخلائق يوم القيامة في اثني عشر نبياً منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ". تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: أول من نطق بالعربية ووضع الكتاب على لفظه ومنطقه ثم جعله كتاباً واحداً - مثل بسم الله الرحمن الرحيم - الوصول - حتى فرق بينه ولده إسماعيل. وأخرج ابن سعد، عن عقبة بن بشير، أنه سأل محمد بن علي من أول من تكلم بالعربية؟ قال: إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن ثلاثة عشرة سنة. قلت: فما كان كلام الناس قبل ذلك؟ قال العبرانية. وأخرج ابن سعد، عن الواقدي، عن غير واحد من أهل العلم، أن إسماعيل ألهم من يوم ولد لسان العرب، وولد إبراهيم أجمعون على لسان إبراهيم. وأخرج ابن سعد، عن علي بن رباح اللخمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل العرب من ولد إسماعيل ". تفسير : وأخرج ابن سعد، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: قبر أم إسماعيل تحت الميزاب، بين الركن والبيت.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} [الآية: 54]. قال ابن عطاء: وعد لأبيه من نفسه الصبر فوفى به وذلك فى قوله: {أية : سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102]. وقال الجنيد رحمه الله: لم يعد إسماعيل لله من نفسه شيئًا إلا صدقه، ووفى به وقام عند مراد الله فيه فسماه صادق الوعد. قال الحسين: الصادق هو المتكلف فى حاله يجرى بين استقامةٍ وذلَّةٍ، والصديق هو المستقيم فى جميع أحواله.
القشيري
تفسير : كان صادق الوعد إذ وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه، وصبر على ذلك إلى أن ظهر الفِداء. وصدق الوعد لأنه حفظ العهد. وكان يأمر أهله بالصلاة - بأمر الله أياه - وبالزكاة، ويشتمل هذا على أمره إياهم بالعيادة البدنية والمالية حيثما وكيفما كان. {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} وكان هذا أشرفَ خِصاله وأَجلَّ صفاته.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} اى اذكر ظرافة اسماعيل وشمائله وموقع شرفه عندنا فمن خلقه الرضا بالقضاء والصبر في البلاء والكمال في ---- وصدق الوعد بنعت الوفاء قال الحسين الصادق هو المتكلف فى حاله يجرى بين استقامة وذلك تلك من هو المستقيم فى جميع احواله وقال ابن عطا وعد لابيه من نفسه الصبر فوفى به فى قوله ستجدنى إنشاء الله من الصابرين.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكر فى الكتاب اسماعيل} فصل ذكره عن ذكر ابيه واخيه لابراز كمال الاعتناء بامره بايراده مستقلا اى واتل على قومك يا محمد فى القرآن قصة جدك اسماعيل وبلغها اليهم {انه كان صادقا الوعد} فيما بينه وبين الله وكذا بين الناس. قال فى التأويلات النجمية فما وعد الله باداء العبودية انتهى. والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها وايراده بهذا الوصف لكمال شهرته به واتصاله باشياء فى هذا الباب لم تعهد من غيره. عن ابن عباس رضى الله عنهما ان اسماعيل عليه السلام وعد صاحبا له ان ينتظره فى مكان فانتظره سنة شعر : نيست بر مردم صاحب نظر صورتى از صدق ووفا خوبتر تفسير : وناهيك انه وعد الصبر على الذبح فوفى حيث قال {أية : ستجدنى ان شاء الله من الصابرين}تفسير : وفيه حث على صدق الوعد والوفاء به والاصل فيه نيته لقوله عليه السلام "حديث : اذا وعد الرجل اخاه ومن نيته ان يفى فلم يف ولم يجيئ للميعاد فلا اثم عليه " تفسير : واعلم ان الله تعالى اثنى على اسماعيل بكونه صادق الوعد اشارة الى ان الثناء انما يتحقق بصدق الوعد واتيان الوعد بالموعود لا بصدق الوعيد واتيان المتوعد بما توعد به اذ لا يثنى عقلا وعرفا على من يصدر منه الآفات والمضرات بل على من يصدر منه الخيرات والمبرات ومن هذا ذهب بعض العلماء الى ان الخلف فى الوعيد جائز على الله تعالى دون الوعد صرحه الامام الواحدى فى الوسيط فى قوله تعالى فى سورة النساء {حديث : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم}تفسير : الآية وفى الحديث "حديث : من وعد لاحد على عمله ثوابا فهو منجز له ومن اوعده على عمله عقابا فهو بالخيار"تفسير : والعرب لا تعد عيبا ولا خلفا ان يعد احد شرائم لا يفعله بل ترى ذلك كرما وفضلا كما قيل شعر : وانى اذا اوعدته او وعدته لمخلف ايعادى ومنجز موعدى تفسير : وقيل شعر : اذا وعد السرّاء نجر وعده وان اوعد الضرّاء فالعقل مانعه تفسير : واحسن يحيى بن معاذ فى هذا المعنى حيث قال الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على ما ضمن لهم اذا فعلوا ذلك ان يعطيهم كذا ومن اولى بالوفاء من الله والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فاعذبكم ففعلوا فان شاء عفا وان شاء آخذ لانه حقه واولاهما العفو والكرم لانه غفور رحيم كذا فى شرح العضد للجلال الدوانى {وكان رسولا} ارسله الله تعالى الى جزهم والى العماليق والى قبائل اليمن فى زمن ابيه ابراهيم عليهما السلام. قال فى القاموس جرهم كقنفذ حى من اليمن تزوج فيهم اسماعيل {نبيا} يخبر عن الله وكان على سريعة ابيه ابراهيم ولم يكن له كتاب انزل اليه باجماع العلماء وكذا لوط واسحاق ويعقوب.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {واذكر في الكتاب إِسماعيل}، فصل ذكره عن أبيه وأخيه؛ لإبراز كمال الاعتناء بأمره، لإيراده مستقلاً بترجمته، {إِنه كان صادق الوعد}، هذا تعليل لموجب الأمر بذكره. وإيراده عليه السلام بهذا الوصف؛ لكمال شهوته به. رُوِيَ أنه واعد رجلاً أن يلقاه في موضع، فجاء إسماعيل، وانتظر الرجلَ يومه وليلته - وقيل: ثلاثة أيام - فلما كان في اليوم الآخر، جاء الرجل، فقال له إسماعيل: ما زلتُ هنا من أمس. وقال الكلبي: انتظره سنة، وهو بعيد. قال ابن عطية: وقد فعل مثل هذا نبيُنا صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، ذكره النقاش وأخرجه الترمذي وغيره، وذلك في مبايعة وتجارة هـ. وقال القشيري: وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه، فصبر على ذلك، إلى أن ظهر الفداء، وصِدق الوعد دلالة حفظ العهد. هـ. وقال ابن عطاء: وعد لأبيه من نفسه الصبر، فوفى به، في قوله: {أية : سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصَّافات: 102]. هـ. وهذا مبني على أنه الذبيح، وسيأتي تحقيق المسألة إن شاء الله. {وكان رسولاً نبيًّا} أي: رسولاً لجرْهُم ومن والاهم، مخبرًا لهم بغيب الوحي، وكان أولاده على شريعته، حتى غيرها عَمرو بن لحي الخزاعي، فأدخل الأصنام مكة. فما زالت تُعبَد حتى محاها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بشريعته المطهرة. {وكان} إسماعيل {يأمر أهله بالصلاة والزكاة}، قدَّم الأهل اشتغالاً بالأهم، وهو أن يُقبل بالتكميل على نفسه، ومن هو أقرب الناس إليه، قال تعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشُّعَرَاء: 214]، {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ} تفسير : [طه: 132]، {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}تفسير : [التّحْريم: 6]، وقصد إلى تكميل الكل بتكميلهم؛ لأنهم قدوة يُؤتَسى بهم. وقيل: أهله: أمته؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - آباء الأمم. {وكان عند ربه مَرْضِيًّا}؛ لاتصافه بالنعوت الجليلة التي من جملتها ما ذكر من الخصال الحميدة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد وصف الحق - جل جلاله - نبيه إسماعيل بثلاث خصال، بها كان عند ربه مرضيًا، فمن اتصف بها كان مرضيًا مقربًا: الوفاء بالوعد، والصدق في الحديث؛ لأنه مستلزم له، وأمر الناس بالخير. أما الوفاء بالعهد فهو من شيم الأبرار، قد مدح الله تعالى أهله، ورغَّب فيه وأمر به، قال تعالى: {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ}تفسير : [البَقَرَة: 177]. وقال تعالى: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} تفسير : [النّحل: 91]، فإخلاف الوعد من علامة النفاق، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" تفسير : وخلف الوعد إنما يضر إذا كان نيته ذلك عند عقده، أو فرط فيه، وأما إن كان نيته الوفاء، ثم غلبته المقادير، فلا يضر، لا سيما في حق أهل الفناء، فإنهم لا حكم لهم على أنفسهم في عقد ولا حل، بل هم مفعول بهم، زمامهم بيد غيرهم، كل ساعة ينظرون ما يفعل الله بهم، فمثل هؤلاء لا ميزان عليهم في عقد ولا حل. فمثلهم مع الحق كمثل الأطفال المحجر عليهم في التصرف، ولذلك قالوا: (الصوفية أطفال في تربية الحق تعالى). فإياك أن تطعن على أولياء الله إذا رأيت منهم شيئًا من ذلك، والتمس أحسن المخارج، وهو ما ذكرته لك، فإنه عن تجربة وذوق. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر نبيه إدريس عليه السلام
الجنابذي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} بن ابراهيم (ع) {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} لانّه كما فى الخبر وعد رجلاً وانتظره سنةً لانّ الرّجل نسى، ونقل انّه انتظره ثلاثة ايّامٍ وقيل: انّ اسماعيل بن ابراهيم (ع) مات قبل ابراهيم (ع) وهذا اسماعيل بن حزقيل بعثه الله الى قومه فأخذوه فسلخوا فرقة رأسه ووجهه فأتاه ملك فقال: انّ الله جلّ جلاله بعثنى اليك فمرنى بما شئت فقال: لى اسوة بالانبياء (ع) او بالحسين بن علىٍّ (ع) {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ} قد مضى فى اوّل البقرة تحقيق الصّلٰوة والزّكٰوة ولمّا كان الاهتمام بامر من كان تحت اليد امراً مهتمّاً به مرغوباً فيه مندوباً شرّفه بذكر هذه الخصلة ولشرافة هذه الخصلة عقّبه بقوله {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} كأنّه قال ولذلك كان عند ربّه مرضيّاً.
الأعقم
تفسير : {واذكر في الكتاب إسماعيل} هو أكبر ولد إبراهيم، ذكر إسماعيل (عليه السلام) بصدق الوعد وإن كان موجوداً في سائر الأنبياء تشريفاً له، وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً أنه ينتظره في مكان فانتظره سنة {وكان يأمر أهله بالصلاة}، قيل: كان يأمر أمته بالصلاة والزكاة، وقيل: يأمر أهله بصلاة الليل وصدقة النهار، وقيل: الزكاة ما يزكيهم ويقربهم إلى الله {وكان رسولاً نبيّاً}، قيل: جمع بينهما تأكيداً {وكان عند ربه مرضياً}، قيل: صالحاً زكياً (رضي الله عنه) فحصل له عنده المنزلة العظيمة، وقيل: رضي عمله {واذكر في الكتاب} القرآن {ادريس} هو جدّ أب أب نوح، وقيل: اسمه اخنوخ وليس نبي لأنه تعالى سمَّاه إدريس {إنه كان صديقاً نبياً} كثير الصدق، وقيل: أنزل إليه عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود {ورفعناه مكاناً علياً}، قيل: إلى الجنة ولا بناء أعلى من الجنة، وقيل: إلى السماء السادسة، وقيل: إلى السماء الرابعة، وروي أنه حي لم يمت، وروي أن الله رفعه إلى السماء ثم قبض روحه، وقيل: العلا شرف النبوة والزلفى عند الله، ولما فصل ذكر النبيين وذكر كل أحد بخصلة جمعهم في المدح فقال سبحانه: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين} بالنبوة، وقيل: سائر الثواب {من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح} وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جدّ أبي نوح وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ولد سام بن نوح، وإسماعيل من ذرية إبراهيم، وموسى وهارون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل، وكذلك عيسى ابن مريم ذريته {وممن هدينا} من الأمم {واجتبينا} أي اخترناهم للرسالة {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سُجّداً وبكياً} قال جار الله: يعني وقعوا في السجود لله تعالى باكين، والبكاء جمع باك كالسجود والقعود جمع ساجد وقاعد، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" تفسير : وعن صالح المري: قرأت القرآن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام فقال لي: "يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبكِ عين أحدكم فليبك قلبه، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أن القرآن نزل محزن فإذا قرأتموه فتحازنوا" تفسير : وقالوا: ندعو في سجدة التلاوة بما يليق بآياتها فإن قرأ آية تنزيل السجدة، قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين، وإذا قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين لك، وإن قرأ هذه قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهتدين الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك {فخلف من بعدهم خلف} يعني قوم بعد النبيين المذكورين، قيل: هم اليهود ومن معهم تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب، وقيل: هم في هذه الأمة والله أعلم {فسوف يلقون غياً} عذاباً أو غياً عن طريق الجنة، وقيل: غيا واد في جهنم تستعيذ منها أوديتها {إلاَّ من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً} أي لا ينقصون حقهم، {جنات عدن} جنات إقامة، لا تزول الجنة ولا سكانها {التي وعد الرحمن عباده} المؤمنين {بالغيب} يعني غائب عنهم لم يروها {إنه كان وعده مأتياً} {لا يسمعون فيها لغواً} مثل الخنا والفحش والأباطيل، وقيل: يميناً كاذبة، وقيل: مآثماً {إلاَّ سلاماً} وهو تسليم الله عليهم، وقيل: أراد تسليم الملائكة {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} يعني مقدار طرفي النهار، وقيل: أراد إدرار الرزق عليهم في أي وقت شاؤوا {تلك الجنة} ما وصفت {التي نورث من عبادنا} وقرئ نورث استعارة أي نبقي الرزق عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث، وقيل: لكل مكلف موضع في الجنة فإذا عصى دفع إلى غيره فلذلك سماه إرثا.
اطفيش
تفسير : {وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إسْمَاعيلَ إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} وكل الأنبياء كذلك، لكن إسماعيل أبلغ فى الصدق فيما قيل. والصدق أشهر أوصافه، لم يَعِدْ شيئا إلا وَفّى به واحتاط. وقيل: لقّبه بصادق الوعد تشريفا وتكريما. روى أنه وعد صاحبا له فانتظره إلى ثلاثة أيام. وعن ابن عباس: انتظره فى مكان الوعد سنة حتى جاءه فى المكان. وقيل: انتظره يوما وليلة فجاء الرجل. وقد انتظر نبينا صلى الله عليه وسلم له فى الوعد يوما وليلة قبل البعثة. وروى أنه قال: لو لم تأْت لكان حَشْرى من ها هنا. ومن شدة صدقه فى الوعد أَنه وَعد الصبر للذبح فوفّى. وسُئل الشعبى عن رجل وعد ميعادا إلى أى وقت ينتظر. فقال: إن وعد نهارا فكل النهار، أو ليلا فكل الليل. وسُئل بعض فقال: من ذلك الوقت إلى مثله غدا. قيل: أسوأ الكذب خلف الوعد، ورمى البرئ. {وَكَانَ رَسُولاً} إلى جُرهم وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا على هاجَر أم إسماعيل بوادى مكة وهو جرهم بن يعرب بن قحطان بن عامر بن سابح وقحطان أبو قبائل اليمن. وقيل: لا عربيةَ إلا من إسماعيل. وهو أبو العرب واليمنية والمضرية ترجع إليه. وهو الذبيح فى قول الجمهور الراجح؛ لقوله: {أية : ومِن وراء إسحاق يعقوب}تفسير : كيف يؤمن بذبح ولد بُشِّر أبوه بأن سيكون منه ولد ولأن أمر الذبح كان بمعنى وإسحاق دخل البلد ورجع وإسماعيل نشأ به وكان أبوه إبراهيم يزوره على البراق من الشام ويرجع من يومه، وهو مركب الأنبياء. وإسماعيل جد نبينا صلى الله عليه وسلم قال: أنا ابن الذبيحين أجلْ هما أبواه: عبد الله نذر أبوه: إن رزقه الله عشرة أولاد ذبح لله واحداً فخرجت القرعة على عبد الله والآخر إسماعيل عليه السلام {نَبِيّاً} ولزم من ذلك أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة؛ فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته.
اطفيش
تفسير : {واذْكُر فى الكتاب إسماعيل} هو ابن ابراهيم على الصحيح، وهو الحق، وهو مذهب الجمهور، وقيل المراد هنا اسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله فيما شاء من عذابهم، فاستعفى ورضى بثوابه، وفوض أمرهم إلى الله تعالى فى الصفو والعقوبة، رواه الإمامية، ولعله لا يصح. {إِنَّه كان صادِق الوَعْد} تعليل جملى، وكذا نظائره مما مر، أو يأتى وصفه الله بصدق الوعد لمبالغته عليه السلام فى صدقه، كما روى أنه وعد رجلا أن يقيم له فى موضع، فغاب عنه حولا ولما جاء قال ما برحت مكانك؟ قال: نعم، والله ما كنت لأخلف موعدى، وقيل غاب عنه اثنى عشر يوماً، وعن مقاتل ثلاثة أيام، وعن سهل بن سعيد يوما وليلة، والمشهور الأول، وعن سعيد بن المسيب إذا أطلق الوعد فإلى آخر اليوم، إن كان نهاراً وآخر الليل إن كان ليلاً، وقيل إلى آخر وقت صلاة كان فيه. والحق أن القول قبل هذا للشعبى لا السعيد بن المسيب، ومن صدق وعده أنه وعد أباه أن يصبر للذبح فصبر "أية : ستجدنى إن شاء الله من الصابرين"تفسير : [الصافات: 102]. {وكان رسُولا نبياً} بشريعة أبيه، بعث بها إلى جرهم بن قحطان ابن عابر بن شالح، وقحطان أبو قبائل اليمن من العرب، نزل جرهم على هاجر وابنها إسماعيل فى وادى مكة، إذ تركهما إبراهيم فيه، ولا يشترط فى النبى أن يكون له كتاب، ولا أن تكون له شريعة مخصوصة، بل يبعثون بشريعة من قبلهم، وكتابه كغالب أنبياء بنى إسرائيل، وقدم الرسول مع أه أخص للفاصلة، ولو كانت الواو تغنى ردفاً عن الياء وبالعكس، لأن الأصل مقابلة الياء بالياء، والواو بالواو، أو قدم الرسول لأنه أعم باعتبار الرسالة لغة، لأن الإِنسان ولو كان غير نبى يرسل إلى غيره.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ } الظاهر أنه ابن إبراهيم عليهما السلام كما ذهب إليه الجمهور وهو الحق، وفصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه عليهم السلام لإبراز كمال الاعتناء بأمره بإيراده مستقلاً، وقيل: إنه إسماعيل بن حزقيل بعثه الله تعالى إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم فاستعفاه ورضي بثوابه سبحانه وفوض أمرهم إليه عز وجل في العفو والعقوبة وروى ذلك الإمامية عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه وغالب الظن أنه لا يصح عنه. {إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ } تعليل لموجب الأمر، وإيراده عليه السلام بهذا الوصف لكمال شهرته بذلك. وقد جاء في بعض الأخبار أنه وعد رجلاً أن يقيم له بمكان فغاب عنه حولاً فلما جاءه قال له: ما برحت من مكانك فقال: لا والله ما كنت لأخلف موعدي، وقيل: غاب عنه اثني عشر يوماً، وعن مقاتل ثلاثة أيام، وعن سهل بن سعد يوماً وليلة والأول أشهر ورواه الإمامية أيضاً عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه؛ وإذا كان هو الذبيح فناهيك في صدقه أنه وعد أباه الصبر على الذبح بقوله: {أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [الصافات: 102] فوفى. وقال بعض الأذكياء طال بقاؤه: لا يبعد أن يكون ذلك إشارة إلى هذا الوعد والصدق فيه من أعظم ما يتصور. {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } الكلام فيه كالكلام في السابق بيد أنهم قالوا هنا: إن فيه دلالة على أن الرسول لا يجب / أن يكون صاحب شريعة مستقلة فإن أولاد إبراهيم عليهم السلام كانوا على شريعته وقد اشتهر خلافه بل اشترط بعضهم فيه أن يكون صاحب كتاب أيضاً والحق أنه ليس بلازم، وقيل: إن المراد بكونه صاحب شريعة أن يكون له شريعة بالنسبة إلى المبعوث إليهم وإسماعيل عليه السلام كذلك لأنه بعث إلى جرهم بشريعة أبيه ولم يبعث إبراهيم عليه السلام إليهم ولا يخفى ما فيه.
ابن عاشور
تفسير : خصّ إسماعيل بالذكر هنا تنبيهاً على جدارته بالاستقلال بالذكر عقب ذكر إبراهيم وابنه إسحاق، لأن إسماعيل صار جدّ أمة مستقلة قبل أن يصير يعقوب جدّ أمة، ولأن إسماعيل هو الابن البكر لإبراهيم وشريكُه في بناء الكعبة. وتقدم ذكر إسماعيل عند قوله تعالى: {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} تفسير : في سورة البقرة (127). وخصه بوصف صدق الوعد لأنه اشتهر به وتركه خُلقاً في ذريته. وأعظم وعْدٍ صدقَه وعدُه إياه إبراهيم بأن يجده صابراً على الذبح فقال {أية : ستجدني إن شاء الله من الصابرين}تفسير : [الصافات: 102]. وجعله الله نبياً ورسولاً إلى قومه، وهم يومئذ لا يعدون أهله أمه وبنيه وأصهاره من جُرهم. فلذلك قال الله تعالى: {وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة} ثم إن أمة العرب نشأت من ذريته فهم أهله أيضاً، وقد كان من شريعته الصلاة والزّكاة وشؤون الحنيفية ملة أبيه إبراهيم. ورضى الله عنه: إنعامه عليه نعماً كثيرة، إذ باركه وأنمى نسله وجعل أشرف الأنبياء من ذريته، وجعل الشريعة العظمى على لسان رسول من ذريته. وتقدم اختلاف القراء في قراءة نبيئاً بالهمز أو بالياء المشددة. وتقدم توجيه الجمع بين وصف رسول ونبيء عند ذكر موسى عليه السلام آنفاً.
الشنقيطي
تفسير : أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة - أن يذكر في الكتاب وهو هذا القرآن العظيم (جده إسماعيل)، وأثنى عليه أعني إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً. ومما يبين من القرآن شدة صدقه في وعده: أنه وعد أباه بصبره له على ذبحه ثم وفى بهذا الوعد. ومن وفى بوعده في تسليم نفسه للذبح فإن ذلك من أعظم الأدلة على عظيم صدقه في وعده. قال تعالى: {أية : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [الصافات: 102] فهذا وعده. وقد بين تعالى وفاءه به في قوله: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ }تفسير : [الصافات: 103] الآية. والتحقيق أن الذبيح هو إسماعيل. وقد دلت على ذلك آيتان من كتاب الله تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها. وسنوضح ذلك إن شاء الله غاية الإيضاح في سورة "الصافات". وثناؤه جل وعلا في هذه الآية الكريمة على نبيه إسماعيل بصدق الوعد يفهم من دليل خطابه - أعني مفهوم مخالفته - أن إخلاف الوعد مذموم. وهذا المفهوم قد جاء مبيناً في مواضع أخر من كتاب الله تعالى. كقوله تعالى: {أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} تفسير : [التوبة: 77] وقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 2-3] إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: "حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ". تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ}. قد بين في مواضع أخر - أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك الذي أثنى الله به على جده إسماعيل، كقوله تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا}تفسير : [طه: 132].. الآية. ومعلوم أنه امتثل هذا الأمر. وكقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}تفسير : [التحريم: 6] الآية. ويدخل في ذلك أمرهم أهليهم بالصلاة والزكاة. إلى غير ذلك من الآيات. مسألة اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد. فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقاً. وقال بعضهم: لا يلزم مطلقا. وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطة لزم الوفاء به، وإلا فلا. ومثاله - ما لو قال له: تزوج. فقال له: ليس عندي ما أصدق به الزوجة. فقال: تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفعه عنك، فتزوج على هذا الأساس، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام الصداق. واحتج من قال يلزمه: بأدلة منها آيات من كتاب الله دلت بظواهر عمومها على ذلك وبأحاديث. فالآيات كقوله تعالى: {أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}تفسير : [الإسراء: 34]، وقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}تفسير : [المائدة: 1] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}تفسير : [النحل: 91] الآية، وقوله هنا: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} [مريم: 54] الآية، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث كحديث "العدة دين" فجعلها ديناً دليل على لزومها. قال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: "العدة دين"، رواه الطبراني في الأوسط والقضاعي وغيرهما عن ابن مسعود بلفظ قال: لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : العدة دين"تفسير : ورواه أبو نعيم عنه بلفظ: إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر بلفظ "عطية" ورواه البخاري في الأدب المفرد موقوفاً، ورواه الطبراني والديلمي عن علي مرفوعاً بلفظ: العدة دين. ويل لم وعد ثم أخلف. ويل له.." ورواه القضاعي بلفظ الترجمة فقط. والديلمي أيضاً بلفظ: "حديث : الوعد بالعدة مثل الدين أو أشد"تفسير : أي وعد الواعد.وفي لفظ له "حديث : عدة المؤمن دين. وعدة المؤمن كالأخذ باليد"تفسير : . وللطبراني في الأوسط عن قياث بن أشيم الليثي مرفوعاً: "العدة عطية". وللخرائطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلاً: "حديث : ان امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فلم تجد عنده، فقالت: عدني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العدة عطية"تفسير : . وهو في مراسيل أبي داود. وكذا في الصمت لابن أبي الدنيا عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العدة عطية". وفي رواية لهما عن الحسن أنه قال: سأل رجل النَّبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقال: "حديث : ما عندي ما أعطيك"تفسير : قال: في المقاصد بعد ذكر الحديث وطرقه: وقد أفردته مع ما يلائمه بجزء - انتهى منه. وقد علم في الجامع الصغير على هذا الحديث من رواية علي عند الديلمي في مسند الفردوس بالضعف. وقال شارحه المناوي: وفيه دارم بن قبيصة، قال الذهبي: لا يعرف اهـ. ولكن قد مر لك أن طرقه متعددة. وقد روي عن غير علي من الصحابة كما قدمنا روايته عن ابن مسعود، وقياث بن أشيم الكناني الليثي رضي الله عنهما. وسيأتي في هذا المبحث إن شاء الله أحاديث صحيحة، دالة على الوفاء بالوعد. واحتج من قال: بأن الوعد لا يلزم الوفاء به بالإجماع - على أن من وعد رجلاً بمال إذا فلس الواعد لا يضرب للموعود بالوعد مع الغرماء، ولا يكون مثل ديونهم اللازمة بغير الوعد، حكى الإجماع على هذا ابن عبد البر. كما نقله عنه القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفيه مناقشة. وحجة من فرق بين إدخاله إياه في ورطة بالوعد فيلزم. وبين عدم إدخاله إياه فيها فلا يلزم أنه إذا أدخله في ورطة بالوعد ثم رجع في الوعد وتركه في الورطة التي أدخله فيها. فقد أضر به. وليس للمسلم أن يضر بأخيه، الحديث "حديث : لا ضرر ولا ضرار ". تفسير : وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: قال مالك: إذا سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له نعم ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال نعم، وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي وسائر الفقهاء إن العدة لا يلزم منها شيء، لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. وفي البخاري: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} [مريم: 54] وقضى ابن أشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب، قال البخاري: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع اهـ كلام القرطبي. وكلام البخاري الذي ذكر القرطبي بعضه، هو قوله في آخر كتاب "الشهادات": باب من أمر بإنجاز الوعد، وفعله الحسن وذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد، وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة وقال المسور بن مخرمة: سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم، وذكر صهراً له، قال وعدني فوفى لي، قال أبو عبد الله: ورايت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع: حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره قال أخبرني أبو سفيان: أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم. فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف"تفسير : . حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال: لما مات النَّبي صلى الله عليه وسلم جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر: من كان له على النَّبي صلى الله عليه وسلم دين، أو كانت له قبله عدة فليأتنا. قال جابر: فقلت وعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة. حدثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير: قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، قال: قضى أكثرهما وأطيبهما. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل - انتهى من صحيح البخاري. وقوله في ترجمة الباب المذكور "وفعله الحسن" يعني الأمر بإنجاز الوعد. ووجه احتجاجه بآية {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} [مريم: 54] أن الثناء عليه بصدق الوعد يفهم منه أن إخلافه مذموم فاعله، فلا يجوز. وابن الأشوع المذكور هو سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي، كان قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القصري على العراق، وقد وقع بيان روايته المذكورة عن سمرة بن جنب في تفسير إسحاق بن راهوية وهو إسحاق بن إبراهيم الذي ذكر البخاري أنه رآه يحتج بحديث ابن أشوع، كما قاله ابن حجر في "الفتح". والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد. وصهر النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي أثنى عليه بوفائه له بالوعد هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أسره المسلمون يوم بدر كافراً، وقد وعده برد ابنته زينب إليه وردها إليه. خلافاً لمن زعم أن الصهر المذكور أبو بكر رضي الله عنه. وقد ذكر البخاري في الباب المذكور أربعة أحاديث في كل واحد منها دليل على الوفاء بإنجاز الوعد. الأول - حديث أبي سفيان بن حرب في قصة هرقل وهو طرف من حديث صحيح مشهور. ووجه الدلالة منه في قوله: "فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة" فإن جميع المذكورات في هذا الحديث مع الوفاء بالعهد كلها واجبة، وهي الصلاة والصدق والعفاف وأداء الأمانة. وقد ذكر بعد ذلك أن هذه الأمور صفة نبي والاقتداء بالأنبياء واجب. الثاني - حديث أبي هريرة في آية المنافق. ومحل الدليل منه قوله "وإذا وعد أخلف" فكون إخلاف الوعد من علامات المنافق يدل على أن المسلم لا يجوز له أن يتسم بسمات المنافقين. الثالث - حديث جابر في قصته مع أبي بكر. ووجه الدلالة منه أن أبا بكر قال: من كان له على النَّبي صلى الله عليه وسلم دين أو كانت له قبله عدة.. الحديث. فجعل العدة كالدين، وأنجز لجابر ما وعده النَّبي صلى الله عليه وسلم من المال: فدل ذلك على الوجوب. الرابع - حديث ابن عباس في أي الأجلين قضى موسى: ووجه الدلالة منه أنه قضى أطيبهما وأكثرهما، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل. فعلى المؤمنين الاقتداء بالرسل، وأن يفعلوا إذا قالوا. وفي الاستدلال بهذه الأحاديث مناقشات من المخالفين. ومن أقوى الأدلة في الوفاء بالعهد قوله تعالى:{أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }تفسير : [الصف: 3] لأن المقت الكبير من الله على عدم الوفاء بالقول يدل على التحريم الشديد في عدم الوفاء به. وقال ابن حجر في "الفتح" في الكلام على ترجمة الباب المذكورة قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض: لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء اهـ. ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل: وقال ابن عبد البر وابن العربي أجل من قال به عمر بن العزيز - انتهى محل الغرض من كلام الحافظ في الفتح، وقال أيضاً وخرج بعضهم الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في الهبة، هل تملك بالقبض أو قبله. فإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة. وما استدل به كل فريق منهم - فاعلم أن الذي يظهر لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم: أن إخلاف الوعد لا يجوز، لكونه من علامات المنافقين، ولأن الله يقول: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبراً. بل يؤمر به ولا يجبرعليه. لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء به لأنه وعد بمعروف محض. والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {واذكر في الكتاب إسماعيل إنَّه كان صادق الوعد} إذا وعد وفَّى، وانتظر إنساناً في مكانٍ وعده عنده حتى حال الحول عليه. {وكان رسولاً نبيَّاً} قد بُعث إلى جرهم. {وكان يأمر أهله} يعني: قومه {بالصلاة والزكاة} المفروضة عليهم {وكان عند ربِّه مرضياً} لأنَّه قام بطاعته. {واذكر في الكتاب} القرآن {إدريس} وقصَّته {إنَّه كان صديقاً نبيَّاً}. {ورفعناه مكاناً علياً} رُفع إلى السَّماء الرَّابعة. وقيل: إلى الجنَّة. {أولئك الذين} يعني: الذين ذكرهم من الأنبياء كانوا {من ذريَّة آدم وممن حملنا مع نوح} ومن ذريَّة مَنْ حملنا مع نوح في سفينته {ومن ذرية إبراهيم} يعني: إسحاق وإسماعيل ويعقوب {وإسرائيل} يعني: موسى وهارون {وممَّن هدينا} أرشدنا {واجتبينا} اصطفينا {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرُّوا سجداً وبكياً} [جمع باكٍ] أخبر الله سبحانه أنَّ هؤلاء الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سبحانه سجدوا وبكوا من خشية الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 54- واتل - أيها الرسول - على الناس ما فى القرآن من قصة إسماعيل، إنه كان يصدق فى وعده، وقد وعد أباه بالصبر على ذبحه له، وَوَفَّى بوعده، ففداه الله وشرفه بالرسالة والنبوة. 55- وكان يأمر أهله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكان فى المقام الكريم من رضا ربه. 56- واتل - أيها الرسول - على الناس ما فى القرآن من قصة إدريس، إنه كان شأنه الصدق قولا وفعلا وعملا. وقد منحه الله شرف النبوة. 57- وقد رفعه الله بذلك مكاناً سامياً. 58- أولئك الذين سلف ذكرهم، ممن أنعم الله عليهم من النبيين بنعم الدنيا والآخرة من ذرية آدم ومن ذرية من نجاه الله مع نوح فى السفينة، ومن ذرية إبراهيم كإسماعيل، ومن ذرية يعقوب كأنبياء بنى إسرائيل، وممن هديناهم إلى الحق، واخترناهم لإعلاء كلمة الله. هؤلاء إذا سمعوا آيات الله تُتْلى عليهم خشعوا وخروا ساجدين لله متضرعين له. 59- ثم جاء بعد هؤلاء الأخيار أجيال على غير هدْيهم تركوا الصلاة، وأهملوا الانتفاع بِهدْيها، وانهمكوا فى المعاصى، وسيلقى هؤلاء جزاء غيهم وضلالهم فى الدنيا والآخرة. 60- لكن من تداركوا أنفسهم بالتوبة، وصدق الإيمان، والعمل الصالح، فإن الله يقبل توبتهم، ويدخلهم الجنة، ويوفيهم أجورهم. 61- هذه الجنات دار خلود، وعد الرحمن بها عباده التائبين، فآمنوا بها بالغيب، فهم داخلوها لا محالة، فإن وعد الله لا يتخلف.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واذكر في الكتاب إسماعيل: أي اذكر في القرآن تشريفاً وتعظيماً إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام. صادق الوعد: لم يخلف وعد قط. بالصلاة والزكاة: أي بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. مرضيا: أي رضى الله تعالى قوله وعمله ليقينه وإخلاصه. إدريس: هو جد أبي نوح عليه السلام. ورفعناه مكاناً عليا: إلى السماء الرابعة. إسرائيل: أي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وممن هدينا واجتبينا: أي من جملة من هديناهم لطريقنا واجتبيناهم بنبوتنا. إذا تتلى عليهم آيات الرحمن: أي تقرأ عليهم وهم يستمعون إليها. سجداً وبكيا: جمع ساجد وباك أي ساجدين وهم يبكون. معنى الآيات: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما ذكرت من ذكرت من مريم وابنها وإبراهيم وموسى اذكر كذلك إسماعيل فإنه {كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} لم يخلف وعداً قط وكان ينتظر الموعود الليالي حتى يجئ وهو قائم في مكانه ينتظره، {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} نبأة تعالى بمكة المكرمة إذ عاش بها وأرسله إلى قبيلة جرهم العربية ومنها تزوج وأنجب وكان من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ} المراد من الأهل أسرته وقومه من قبيلة جرهم والمراد من الصلاة إقامتها ومن الزكاة أداؤها، وهذا مما أعلى شأنه ورفع قدره فاستحق ذكره في القرآن العظيم، وقوله: {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} موجب آخر لإِكرامه والإِنعام عليه بذكره في القرآن الكريم في سلسلة الأنبياء والمرسلين، ومعنى {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} أي أقواله وأفعاله كلها كانت مقبولة مرضية فكان بذلك هو مرضياً من قبل ربه عزوجل. وقوله تعالى {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ} وهو جد أبي نوح واستوجب الذكر في القرآن لأنه {كَانَ صِدِّيقاً} كثير الصدق مبالغا فيه حتى إنه لم يجر على لسانه كذب قط، وصديقاً في أفعاله وما يأتيه فلم يعرف غير الصدق في قول ولا عمل وكان نبيا من أنبياء الله، وقوله {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} إلى السماء الرابعة في حياته كما رفع تعالى عيسى ورفع محمد إلى ما فوق السماء السابعة. وقوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ} كإدريس، {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} أي في الفلك كإبراهيم، {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ} كإسحاق وإسماعيل، {وَإِسْرَائِيلَ} أي ومن ذرية إسرائيل كموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى، {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} لمعرفتنا وطريقنا الموصل إلى رضانا وذلك بعبادتنا والاخلاص لنا فيها {وَٱجْتَبَيْنَآ} لوحينا وحمل رسالتنا. وقوله {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} أي أولئك الذين هديناهم واجتبينا من اجتبينا منهم. والاجتباء الأختبار والاصطفاء بأخذ الصفوة {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} الحاملة للعظات والعبر والدلائل والحجج {خَرُّواْ سُجَّداً} لله ربهم {وَبُكِيّاً} عما يرون من التقصير أو التفريط في جنب ربهم جل وعظم سلطانه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة إذ الذي نبأ هؤلاء وأرسلهم لا ينكر عليه أن ينبئ محمداً ويرسله. 2- فضيلة الأمر بالصلاة والزكاة. 3- فضيلة الوفاء بالوعد والصدق في القول والعمل. 4- سُنية السجود لمن تلا هذه الآية أو تليت وهو يستمع إليها. {خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} 5- فضيلة البكاء حال السجود فقد كان عمر إذا تلا هذه الآية سجد ثم يقول هذا السجود فأين البكيُّ يعني البكاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {إِسْمَاعِيلَ} (54) - وَاتْلُ يَا مُحَمَّدُ عَلَى قَوْمِكَ صِفَاتِ أَبِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ عَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ، وَيَتَخَلَّقُونَ بِأَخْلاَقِهِ. وَإِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَيَصِفُهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ، مَا التَزَمَ بِعِبَادَةٍ قَطُّ إِلاَّ قَامَ بِهَا. ثُمَّ وَصَفَهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ كَانَ رَسُولاً، وَكَانَ نَبِيّاً، بَيْنَمَا وَصَفَ إسْحَاقَ بِأَنَّهُ كَانَ نَبِيّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ..} [مريم: 54] ما الميزة هنا وكل الرسل كانوا صادقي الوعد؟ قالوا: لأن هناك صفة تبرز في شخص ويتميز بها، وإن كانت موجودة في غيره، فالذي يصدُق في وعد أعطاه، أو كلمة قالها صدق في أمر يملكه ويتعلق به. أما إسماعيل - عليه السلام - فكان صادق الوعد في أمر حياة أو موت، أمر يتعلق بنفسه، حين قال لأبيه: {أية : يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [الصافات: 102]. وليت الأمر جاء مباشرة، إنما رآه غيره، وربما كانت المسألة أيسَر لو أن الولد هو الذي رأى أباه يذبحه، لكنها رُؤْيا رآها الأب، والرؤيا لا يثبت بها حكم إلا عند الأنبياء. فكان إسماعيل دقيقاً في إجابته حينما أخبره أبوه كأنه يأخذ رأيه في هذا الأمر: {أية : إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ..}تفسير : [الصافات: 102]. فخاف إبراهيم عليه السلام أن يُقبل على ذَبْح ولده دون أن يخبره حتى لا تأتي عليه فترة يمتلىء غيظاً من أبيه إذا كان لا يعرف السبب، فأحبَّ إبراهيم أن يكون استسلامُ ولده للذبح قُرْبَى منه لله، له أجْرُها وثوابها. قال إسماعيل عليه السلام لأبيه إبراهيم: {أية : يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ..}تفسير : [الصافات: 102]. والوعد الذي صدق فيه قوله: {أية : سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [الصافات: 102] وصدق إسماعيل في وعده، واستسلم للذبح، ولم يتردد ولم يتراجع؛ لذلك استحق أنْ يميزه ربه بهذه الصفة {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ..} [مريم: 54]. فلما رأى الحق - تبارك وتعالى - استسلام إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - لقضاء الله رفع عنه قضاءه وناداه: {أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الصافات: 104-107] فكانت نتيجة الصبر على هذا الابتلاء أنْ فدى الله الذبيح، وخلَّصه من الذبح، ثم أكرم إبراهيم فوق الولد بولد آخر: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ..}تفسير : [الأنعام: 84]. وهذه لقطة قرآنية تُعلِّمنا أن المسلم إذا استسلم لقضاء الله، ورَضِي بقدره فسوف يجني ثمار هذا الاستسلام، والذي يطيل أمد القضاء على الناس أنهم لا يرضون به، والحق تبارك وتعالى لا يجبره أحد، فالقضاء نافذ نافذ، رضيتَ به أم لم تَرْضَ. وحين تسلم لله وترضى بقضائه يرفعه عنك، أو يُبيّن لك وجه الخير فيه. إذن: عليك أن تحترم القدر وترضى به؛ لأنه من ربك الخالق الحكيم، ولا يُرفع قضاء الله عن الخلق حتى يرضوا به. وكثيراً ما نرى اعتراض الناس على قضاء الله خاصة عند موت الطفل الصغير، فنراهم يُكثِرون عليه البكاء والعويل، يقول أحدهم: إنه لم يتمتع بشبابه. ونعجب من مثل هذه الجهالات: أيّ شباب؟ وأيَّة متعة هذه؟ وقد فارق في صِغَره دنيا باطلة زائلة، ومتعة موقوتة إلى دار باقية ومتعة دائمة؟ كيف وقد فارق العيش مع المخلوق، وذهب إلى رحاب الخالق سبحانه؟ إنه في نعيم لو عرفتَه لتمنيتَ أن تكون مكانه، ويكفي أن هؤلاء الأطفال لا يُسألون ولا يُحاسبون، وليس لهم مسكن خاص في الجنة؛ لأنهم طلقاء فيها يمرحون كما يشاؤون؛ لذلك يسمونهم (دعاميص الجنة). وآخر يعترض لأن زميله في العمل رُقِّي حتى صار رئيساً له، فإذا به يحقد عليه ويحقره، وتشتعل نفسه عليه غضباً، وكان عليه أن يتساءل قبل هذا كله: أأخذ زميله شيئاً من مُلْك الله دون قضائه وقدره، إذن: فعليك إذا لم تحترم هذا الزميل أن تحترم قدر الله فيه، فما أخذَ شيئاً غصباً عن الله. لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اسمعوا وأطيعوا، ولو وُلِّى عليكم عبد حبشيّ، كأنّ رأسَه زبيبة ". تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: واذكر في القرآن الكريم، هذا النبي العظيم، الذي خرج منه الشعب العربي، أفضل الشعوب وأجلها، الذي منهم سيد ولد آدم. { إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ } أي: لا يعد وعدا إلا وفى به. وهذا شامل للوعد الذي يعقده مع الله أو مع العباد، ولهذا لما وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه [له] وقال: {أية : سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } تفسير : وفى بذلك ومكن أباه من الذبح، الذي هو أكبر مصيبة تصيب الإنسان، ثم وصفه بالرسالة والنبوة، التي [هي] أكبر منن الله على عبده، وأهلها من الطبقة العليا من الخلق. { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ } أي: كان مقيما لأمر الله على أهله، فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود، وبالزكاة المتضمنة للإحسان إلى العبيد، فكمل نفسه، وكمل غيره، وخصوصا أخص الناس عنده وهم أهله، لأنهم أحق بدعوته من غيرهم. { وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } وذلك بسبب امتثاله لمراضي ربه واجتهاده فيما يرضيه، ارتضاه الله وجعله من خواص عباده وأوليائه المقربين، فرضي الله عنه، ورضي [هو] عن ربه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):