١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
68
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } أقسم باسمه تعالى مضافاً إلى نبيه تحقيقاً للأمر وتفخيماً لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَٱلشَّيَـٰطِينَ } عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة، وهذا وإن كان مخصوصاً بهم ساغ نسبته إلى الجنس بأسره، فإنهم إذا حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا جميعاً معهم. {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ } ليرى السعداء ما نجاهم الله منه فيزدادوا غبطة وسروراً، وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم عدة ويزدادوا غيظاً من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم عليهم {جِثِيّاً } على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع، أو لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب، وأهل الموقف جاثون لقوله تعالى {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } تفسير : [الجاثية: 28] على المعتاد في مواقف التقاول، وإن كان المراد بالإِنسان الكفرة فلعلهم يساقون جثاة من الموقف إلى شاطىء جهنم إهانة بهم، أو لعجزهم عن القيام لما عراهم من الشدة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {جِثِيّاً} بكسر الجيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } أي المنكرين للبعث {وَٱلشَّيَٰطِينَ } أي نجمع كلاً منهم وشيطانه في سلسلة {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ } من خارجها {جِثِيّاً } على الركب: جمع (جاث)، وأصله: (جِثَوُو) أو (جِثَوِي) من (جثا) (يجثو) أو (يجثي) لغتان.
ابن عبد السلام
تفسير : {جَهَنَّمَ} اسم للنار أو لأعمق موضع فيها كالفردوس اسم لأعلى الجنة {جِثِيّاً} جماعات، أو بروكاً على الركب.
ابو السعود
تفسير : {فَوَرَبّكَ} إقسامُه باسمه ـ عزّت أسماؤه مضافاً إلى ضميره عليه السلام ـ لتحقيق الأمرِ بالإشعار بعلّيته وتفخيمِ شأنِه عليه الصلاة والسلام ورفع منزلتِه {لَنَحْشُرَنَّهُمْ} لنجمعَن القائلين بالسَّوق إلى المحشر بعد ما أخرجناهم من الأرض أحياءً، ففيه إثباتٌ للبعث بالطريق البرهانيّ على أبلغ وجهٍ وآكَدِه كأنه أمرٌ واضحٌ غنيٌّ عن التصريح به، وإنما المحتاجُ إلى البـيان ما بعد ذلك من الأهوال {وَٱلشَّيَـٰطِينَ} معطوفٌ على الضمير المنصوبِ أو مفعول معه. روي أن الكفرةَ يُحشرون مع قرنائهم من الشياطين التي كانت تُغْويهم، كلٌّ منهم مع شيطانه في سلسلة، وهذا وإن كان مختصاً بهم لكن ساغ نسبتُه إلى الجنس باعتبار أنهم لما حُشروا وفيهم الكفرةُ مقرونين بالشياطين فقد حشروا معهم جميعاً كما ساغ نسبةُ القولِ إلى المحكيّ إليه مع كون القائل بعضَ أفراده {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} ليرى السعداءُ ما نجاهم الله تعالى منه فيزدادوا غِبطةً وسروراً وينالَ الأشقياءُ ما ادخّروا لِمَعادهم عُدّةً ويزدادوا غيظاً من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتِهم بهم، والجِثيُّ جمع جاثٍ من جثا إذا قعد على ركبتيه، وأصلُه جُثُوْوٌ بواوين فاستُثقل اجتماعُهما بعد ضمتين فكسرت الثاءُ للتخفيف فانقلبت الواوُ ياءً وأُدغمت فيها الياء الأولى وكُسرت الجيم إتباعاً لما بعدها وقرىء بضمها، ونصبُه على الحالية من الضمير البارز أي لنُحضرنهم حول جهنم جاثين على رُكَبهم لما يدهَمُهم من هول المطلَعِ أو لأنه من توابع التواقُفِ للحساب قبل التواصُل إلى الثواب والعقاب، فإن أهلَ الموقف جاثون كما ينطِق به قوله تعالى: { أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} تفسير : [الجاثية: 28] على ما هو المعتادُ في مواقف التقاول، وإن كان المرادُ بالإنسان الكفرةَ فلعلهم يساقون من الموقف إلى شاطىء جهنم جُثاةً إهانةً بهم أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من الشدة. {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ} أي من كل أمةٍ شايعت ديناً من الأديان {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} أي مَنْ كان منهم أعصى وأعتى فنطرَحهم فيها، وفي ذكر الأشدّ تنبـيهٌ على أنه تعالى يعفو عن بعضٍ من أهل العصيان. وعلى تقدير تفسير الإنسانِ بالكفرة فالمعنى إنا نميز من كل طائفةٍ منهم أعصاهم فأعصاهم وأعتاهم فأعتاهم فنطرحهم في النار على الترتيب أو نُدخل كلاًّ منهم طبقتَها اللائقةَ به. وأيُّهم مبنيٌّ على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يُبنى كسائر الموصولاتِ لكنه أُعرب حملاً على كلٍ وبعض للزوم الإضافة، وإذا حُذف صدرُ صلتِه زاد نقصُه فعاد إلى حقه، وهو منصوبُ المحل بننزعنّ ولذلك قرىء منصوباً، ومرفوعٌ عند غيره بالابتداء على أنه استفهاميٌّ وخبرُه أشدُّ والجملةُ محكيةٌ، والتقديرُ لننزعَنّ من كل شيعةٍ الذين يقال لهم أيُّهم أشدُّ، أو مُعلّقٌ عنها لننزعن لتضمّنه معنى التميـيزِ اللازمِ للعلم، أو مستأنفةٌ والفعل واقعٌ على كل شيعة كقوله تعالى: { أية : وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا} تفسير : [مريم: 50] و(على) للبـيان فيتعلق بمحذوف كأنّ سائلاً قال: على مَنْ عتَوا؟ فقيل: على الرحمٰن، أو متعلقٌ بأفعل وكذا الباءُ في قوله تعالى {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} أي هم أولى بالنار وهم المنتزَعون، ويجوز أن يراد بهم وبأشدِّهم عِتيًّا رؤساءُ الشِيَع فإن عذابَهم مضاعفٌ لضلالهم وإضلالهم، والصِّليُّ كالعِتيّ صيغةً وإعلالاً وقرىء بضم الصاد.
القشيري
تفسير : نحشرهم جميعاً فيجتمعون في العَرْصَةِ ثم يختلف مُنْقَلَبُهم؛ فيصير قومٌ إلى النار ثم إلى دَرَكاتٍ بعضها أسفل من بعض - واسمُ جهنم يجمع أماكنهم. ويصير قومٌ إلى الجنة ثم هي دَرَجَاتٌ بعضها أعلى رتبةً ودرجةً من بعض - واسمُ الجنة يشتمل على جميع مساكنهم. ويقال التفاوتُ في الجنةِ بين الدرجاتِ أكثرُ من التفاوت بين أهل الدارين.
اسماعيل حقي
تفسير : {فوربك} الواو للقسم. والمعنى بالفارسية [بس بحق بروردكار توكه بوقت قيامت] {لنحشرنهم} لنجمعن القائلين بالسوق الى المحشر بعد ما اخرجناهم من الارض احياء {والشياطين} معهم وهم الذين اغووهم اذ كل كافر سيحشر مع شيطانه فى سلسلة {ثم لنحضرنهم حول جهنم} حال كونهم {جثيا} جمع جاث من جثا يجثو ويجثى وجثيا فيهما جلس على ركبتيه كما فى القاموس اى جالسين على الركب لما يعرضهم من شدة الامر التى لا يطيقون معها القيام على ارجلهم. وعن ابن عباس رضى الله عنها جثيا جماعات جمع جثوة وهى الجماعة واختاره فى تفسير الجلالين.
الجنابذي
تفسير : {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ} الموكّلة عليهم، لمّا كان الكلام ملقىً على المنكر اكّده بتأكيداتٍ، وروى انّ الكفرة تحشرون مع قرنائهم من الشّياطين الّذين اغووهم كلّ مع شيطانه. اعلم، انّ الانسان الّذى هو عالم صغير اذا هبط آدم (ع) وحواء (ع) من الجنّة فيه وتوالدا وأتى لواحدٍ من ولديهما بحوريّةٍ وللآخر بجنّيّة وتوالدوا فى العالم الصّغير كان ما تولّد من الحوريّة سنخاً للملائكة وبتلك السّنخيّة يجذب الملك، وما تولّد من الجنّيّة كان سنخاً للجنّة والشّياطين، وبتلك السّنخيّة يجذب الشّيطان الى عالمه الصّغير من العالم الكبير، وما ورد انّ لكلّ انسانٍ ملكاً يزجره وشيطاناً يغويه اشارة الى ما ذكر، ولكلّ من الملك والشّيطان المجذوبين اليه جنود واعوان فيصير الملك الموكّل مع جنوده ملائكةً كثيرةً والشّيطان المنجذب شياطين عديدةً، واذا حشر الانسان حشر معه كلّ شيطان كان معه، او المعنى لنحشرنّهم والشّياطين من غير نظرٍ الى الشّياطين الموكّلة بخصوصهم {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} ضمير المفعول فى لنحضرنّهم وفى نحشرنّهم راجع الى مطلق البشر المؤمنين والكافرين، وحضور المؤمنين حول جهنّم مثل ورودهم عليها، او راجع الى الكافرين، والجثّى جمع الجاثى اصله جثو، وقرئ بضمّ الجيم وكسرها.
اطفيش
تفسير : {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} منكرى البعث. {وَالشّيَاطِينَ} كل وشيطانه الذى أغواه فى سلسلة. فالواو للمعية، ويجوز كونها عاطفة. وأضيف الرب للكاف تشريفاً لنبينا صلى الله عليه وسلم، والهاء للإنسان على أنه الجنس، وإما على أنه الفرد. فالهاء له ولأمثاله الذين دل عليهم. وإذا قلنا: الإنسان مراد به المؤمن والكافر. ومعنى حشره مع الشياطين كمعنى حشرة مع الكافرين؛ فإن الحشر عم الجميع وضمهم؛ فإنهم مختلطون فى الطريق إلى المحشر وفى المحشر. {ثُمَّ لَنحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنّمَ} السعداء والأشقياء. أما السعداء فليشاهدوا الحالة التى نجاهم الله منها فيزدادوا فرحا ويشمتوا بأعدائهم، وأما الأشقياء فلتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم. {جِثِيّاً} جمع جاث من جثا يجثى. أصله جُثُوًّا وكشهود أدغمت الواو فى الواو وقلبت الواو المشددة ياء أو من جثى يجثى أصله جثوى كشهود قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء. وعلى الوجهين قلبت الضمة كسرة. والمعنى: قاعدين على ركبهم لما يدهمهم من الهول حتى لا يستطيعوا القعود والوقوف؛ ولأن ذلك من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والمقاب كما يبقى الفارغ من أمر شق هنيهة على حاله التى هو عليها قبل الفراغ وهى حال مقدَّرة؛ فإن قعودهم جاثين بعد الإحضار لا فى حال الإحضار. وإن رجعنا الهاء إلى الكفار صح أن يكون المعنى أنهم يساقون من المحشر بعنف وهم على حالهم التى كانوا عليها فى المحشر من قعودهم على ركبهم غير مشاة على الأقدام يَحْبُون حَبْواً إهانة وعجزاً للهول، فالحال مقارنة. وقال ابن زيد: الجُثِئُّ: الجالسون. وقال ابن عباس: الجماعات.
اطفيش
تفسير : {فوربَّك} أقسم بلفظى الرب مضافاً الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعاً لشأنه، وتحقيقاً للأمر {لنحشرنَّهُم} لنجمعن القائلين: أئذا ما مت الخ الى جهنم، واختار أبو حيان أن الضمير للناس كافريهم ومؤمنيهم وإن منكم إلا واردها، وترى كل أمة جاثية، والأول أولى، لكن يقال: الأول مفرد وهو الإنسان، فكيف يرد إليه ضمير الجمع، فأما على أن الإنسان جماعة بالأوجه السابقة، فلا اشكال، وأما على أن المراد واحد، فلأنه مشعر بأن له أتباعاً، فرجع الضمير إليه معهم، وفى ذكر الحشر دون البعث مع أنه بعد البعث تلويح، بأن البعث أمر واضح لا يحتاج الى التصريح به، وإنما يحتاج الى ذكر ما بعده، ويجوز أن يراد بالحشر البعث. {والشياطين} عطف على الهاء، أو مفعول معه والمراد أنهم يحشرون هم والشياطن الذين أغووهم، فينتقم منهم جيمعاً، ويزداد تحسرهم باتباعهم، أو المراد يقرنون كل إنسان وشيطانه فى سلسلة، ويضعف التفسير بحشر الناس كلهم مؤمنيهم وكافريهم، المؤمن مع شيطانه، بلا قرن فى سلسلة، والكافر مع شيطانه مقروناً معه فى سلسلة، وهذا وارد فى الحديث، لكن لا تفسر به الآية. روى البخارى ومسلم، عن ابن مسعود رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن" قالوا وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياى إلاَّ أن الله تعالى غلبنى عليه"" تفسير : ويروى أعاننى عليه، فأسلم ولا يأمرنى إلا بخير. {ثمَّ لنُحضِرنَّهم حَوْل جهنَّم} وأما عموم الجثو فى قوله تعالى: "أية : كل أمة جاثية" تفسير : [الجاثية: 28] فليس فى خصوص حول جهنم {جثياً} باركين على الركب جمع جاث، كشاهد وشهود، أصله جثو بواو مشددة، قلبت ياء مشددة، وكسر ما قبلها لثقل واوين بعد ضمتين، وثقل ياءين بعد كسر دون ذلك الثقل، ولو كان فيه الانتقال من ضم إلى كسر، وزعم بعض أنه كسرت الثاء فقلبت الواو والأولى ياء، فاجتمعت ياء واو، وسكن السابق فقلبت ياء، وأدغمت فيها الياء، وقيل مصدر بوزن قعود، فلحقه الإعلال، فأول بالوصف أو تقدير مضاف، وقيل الحساب حول جهنم، فيبحثون للخصام، ثم يتبرأ بعض من بعض. وقيل: يجثون لضيق المقام بهم، وقيل لما دهاهم حتى لا يطيقون القيام من هول المطلع، وقيل الجثو للمجموع لا للجميع فمنهم من لا يجثون وهو حال مقدرة، لأن بروكهم حولها عقب الإحضار لا مقترن بالاحضار وبعد الحساب، وبعد وجودهم فى المقام ضيقاً، وفى إحضارهم كذلك إهانة لهم، ولكن إن رد الضمير للناس كلهم فالمؤمن لا تلحقه إهانة، اللهم إلا صورتها من شدة الهول، وفى جمعهم حول جهنم فوت الصراط المدود، الذى يرويه قومنا، وما صراط الجحيم إلا طريقهم الى حولها، وذلك حسن وحكمة لك زيادة الحسرة على الكافر، وزيادة الفرج للمؤمن إذا رأى ما نجاه الله منه، وأهلك به عدوه، وقيل يجثون باخيتارهم تذللا لله، ولات حين عمل، وعن ابن عباس: جثياً جماعات على أنه جمع جثوة وهو المجموع من تراب أو حجارة، أو تمر، أو غير ذلك.
الالوسي
تفسير : {فَوَرَبّكَ } إقسامه باسمه عزت أسماؤه مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتحقيق الأمر بالإشعار بعلته وتفخيم شأنه عليه الصلاة والسلام ورفع منزلته {لَنَحْشُرَنَّهُمْ } أي لنجمعن القائلين ما تقدم بالسوق إلى المحشر بعد ما أخرجناهم أحياء، وفي القسم على ذلك دون البعث إثبات له على أبلغ وجه وآكده كأنه أمر واضح غني عن التصريح به بعد بيان إمكانه بما تقدم من الحجة البالغة وإنما المحتاج إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال، وكون الضمير للكفرة القائلين هو الظاهر نظراً إلى السياق وإليه ذهب ابن عطية وجماعة. ولا ينافي ذلك إرادة الواحد من الإنسان كما لا يخفى. واستظهر أبو حيان أنه للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم {وَٱلشَّيَـٰطِينَ } معطوف على الضمير المنصوب أو مفعول معه. روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين كانوا يغوونهم كل منهم مع شيطانه في سلسلة، ووجه ذلك على تقدير عود الضمير للناس أنهم لما حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا معهم جميعاً على طرز ما قيل في نسبة القول إلى الجنس، وقيل: يحشر كل واحد من الناس مؤمنهم وكافرهم مع قرينه من الشياطين ولا يختص الكافر بذلك. وقد يستأنس له بما في «الصحيحين» عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً «حديث : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن قالوا: وإياك يا رسول الله قال: وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» تفسير : . {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً } باركين على الركب، وأصله جثوو بواوين فاستثقل اجتماعهما بعد ضمتين فكسرت الثاء للتخفيف فانقلبت الواو الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فاجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فأدغمت الياء في الياء وكسرت الجيم اتباعاً لما بعدها. وقرأ غير واحد من السبعة بضمها وهو جمع جاث في القراءتين، وجوز الراغب كونه مصدراً نظير ما قيل في بكى وقد مر، ولعل إحضار الكفرة بهذه الحال إهانة لهم أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من الشدة. / وقال بعضهم: إن المحاسبة تكون حول جهنم فيجثون لمخاصمة بعضهم بعضاً ثم يتبرأ بعضهم من بعض، وقال السدي: يجثون لضيق المكان بهم فالحال على القولين مقدرة بخلافه على ما تقدم. وقيل: إنها عليه مقدرة أيضاً لأن المراد الجثي حول جهنم، ومن جعل الضمير للكفرة وغيرهم قال: إنه يحضر السعداء والأشقياء حول جهنم ليرى السعداء ما نجاهم الله تعالى منه فيزدادوا غبطة وسروراً وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم ويزدادوا غيظاً من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم بهم ويجثون كلهم ثم لما يدهمهم من هول المطلق أو لضيق المكان أو لأن ذلك من توابع التواقف للحساب والتقاول قبل الوصول إلى الثواب والعقاب، وقيل: إنهم يجثون على ركبهم إظهاراً للذل في ذلك الموطن العظيم، ويدل على جثي جميع أهل الموقف ظاهر قوله تعالى: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } تفسير : [الجاثية: 28] لكن سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما هو ظاهر في عدم جثي الجميع من الأخبار والله تعالى أعلم، والحال قيل: مقدرة، وقيل: غيره مقدرة إلا أنه أسند ما للبعض إلى الكل، وجعلها مقدرة بالنسبة إلى السعداء وغير مقدرة بالنسبة إلى الأشقياء لا يصح، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر {جِثِيّاً } بجماعات على أنه جمع جثوة وهو المجموع من التراب والحجارة أي لنحضرنهم جماعات.
ابن عاشور
تفسير : الفاء تفريع على جملة {أية : أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل}تفسير : [مريم: 67]، باعتبار ما تضمنته من التهديد. وواو القسم لتحقيق الوعيد. والقسم بالرب مضافاً إلى ضمير المخاطب وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - إدماج لتشريف قدره. وضمير {لنحشرنهم} عائد إلى {أية : الإنسان}تفسير : [مريم: 66] المراد به الجنس المفيد للاستغراق العرفي كما تقدم، أي لنحشرن المشركين. وعطف الشياطين على ضمير المشركين لقصد تحقيرهم بأنهم يحشرون مع أحقر جنس وأفسده، وللإشارة إلى أن الشياطين هم سبب ضلالهم الموجب لهم هذه الحالة، فحشرهم مع الشياطين إنذار لهم بأن مصيرهم هو مصير الشياطين وهو محقق عند الناس كلهم. فلذلك عطف عليه جملة {ثم لنُحضِرنّهم حول جهنّم جثيّاً}، والضميرُ للجميع. وهذا إعداد آخر للتقريب من العذاب فهو إنذار على إنذار وتدرج في إلقاء الرّعب في قلوبهم. فحرف {ثم} للترتيب الرتبي لا للمهلة إذ ليست المهلة مقصودة وإنما المقصود أنهم ينقلون من حالة عذاب إلى أشد. و {جثيّاً} حال من ضمير {لنحضرنهم}، والجُثيّ: جمع جَاثٍ. ووزنه فُعول مثل: قاعد وقُعود وجالس وجُلوس، وهو وزن سماعيّ في جمع فاعل. وتقدّم نظيره {أية : خروا سجداً وبكياً}تفسير : [مريم: 58]، فأصل جُثي جُثُوو ــــ بواوَين ــــ لأن فعله واوي، يقال: جثا يَجثو إذا بَرك على ركبتيه وهي هيئة الخاضع الذليل، فلمّا اجتمع في جثووٌ واوان استثقلا بعد ضمّة الثاء فصير إلى تخفيفه بإزالة سبب الثقل السابق وهو الضمة فعوضت بكسر الثاء، فلمّا كسرت الثاء تعين قلب الواو الموالية لها ياءً للمناسبة فاجتمع الواو والياء وسبق أحدهما بالسكون فقلبت الواو الأخرى ياء وأدغمتا فصار جثي. وقرى حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف ــــ بكسر الجيم ــــ وهو كسر إتباع لحركة الثاء. وهذا الجثو هو غير جثوّ الناس في الحشر المحكيّ بقوله تعالى: {أية : وترى كل أمّة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها}تفسير : [الجاثية: 28] فإن ذلك جثوّ خضوع لله، وهذا الجثوّ حول جهنّم جثوّ مذلّة. والقول في عطف جملة {ثمّ لننزعنّ من كلّ شيعة} كالقول في جملة {ثمّ لنحضرنهم}. وهذه حالة أخرى من الرّعب أشدّ من اللتين قبلها وهي حالة تمييزهم للإلقاء في دركات الجحيم على حسب مراتب غلوّهم في الكفر. والنزع: إخراج شيء من غيره، ومنه نزع الماء من البئر. والشيعة: الطائفة التي شاعت أحداً، أي اتّبعته، فهي على رأي واحد. وتقدم في قوله تعالى: {أية : ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين} تفسير : في سورة الحِجر (10). والمراد هنا شيع أهل الكفر، أي من كلّ شيعة منهم. أي ممن أحضرناهم حول جهنّم. والعُتِيّ: العصيان والتجبّر، فهو مصدر بوزن فُعول مثل: خروج وجلوس، فقلبت الواو ياء. وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف بكسر العين إتباعاً لحركة التاء كما تقدّم في {جثياً}. والمعنى: لنميزنّ من كلّ فرقة تجمعها محلة خاصة من دين الضلال من هو من تلك الشيعة أشدّ عصياناً لله وتجبّراً عليه. وهذا تهديد لعظماء المشركين مثل أبي جهل وأميّة بن خلف ونظرائهم. و (أيّ) اسم موصول بمعنى (ما) و (من). والغالب أن يحذف صدر صلتها فتبنى على الضم. وأصل التركيب: أيّهم هو أشدّ عتياً على الرحمان. وذكر صفة الرحمان هنا لتفظيع عتوّهم، لأنّ شديد الرّحمة بالخلق حقيق بالشكر له والإحسان لا بالكفر به والطغيان. ولمّا كان هذا النّزع والتمييز مجملاً، فقد يزعم كل فريق أن غيره أشدّ عصياناً، أعلم الله تعالى أنّه يعلم من هو أولى منهم بمقدار صُلي النّار فإنّها دركات متفاوتة. والصُلْيُ: مصدر صَلِيَ النار كرضي، وهو مصدر سماعي بوزن فعول. وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف بكسر الصاد اتباعاً لحركة اللاّم، كما تقدم في {جثيّاً}. وحرفا الجر يتعلقان بأفعلي التفضيل.
الشنقيطي
تفسير : لما أقام الله جل وعلا البرهان على البعث بقوله: {أية : أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 67] أقسم جل وعلا بنفسه الكريمة، أنه يحشرهم أي الكافرين المنكرين للبعث وغيرهم من الناس، ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جثياً. وهذان الأمران اللذان ذكرهما في هذه الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع. أما حشره لهم ولشياطينهم فقد أشار إليه في قوله: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 22-23] على أحد التفسيرات. وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ}تفسير : [الزخرف: 38]. وأما إحضارهم حول جهنم جثياً فقد أشار له في قوله: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الجاثية: 28]، وقوله في هذه الآية الكريمة {جِثياً} جمع جاث. والجاثي اسم فاعل جثا يجثوا جثواً. وجثى يجثي جثياً: إذا جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه. والعادة عند العرب: أنهم إذا كانوا في موقف ضَنكٍ وأمر شديد، جثواْ على ركَبِهم، ومنه قول بعضهم: شعر : فمن للحماةِ ومن للكماةِ إذا ما الكماةُ جثواْ للرُّكَبْ إذا قيل مات أبو مالكٍ فتى المكرمات قريع العربْ تفسير : وكون معنى قوله {جِثياً} في هذه الآية، وقوله {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} الآية - أنه جثيهم على ركبهم هو الظاهر، وهو قول الأكثر، وهو الإطلاق المشهور في اللغة؛ ومنه قول الكميت: شعر : هم تركوا سراتهم جثياً وهم دون السراة مقرنينا تفسير : وعن ابن عباس في قوله في هذه الآية الكريمة {جِثياً} أن معناه جماعات. وعن مقاتل {جِثياً}: أي جمعاً جمعاً، وهو على هذا القول جمع "جثوة" مثلثة الجيم، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع. فأهل الخمر يحضرون حول جهنم على حدة، وأهل الزِّنى على حدة؛ وأهل السرقة على حدة..؛ وهكذا. ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد في معلقته: شعر : ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد تفسير : هكذا قال بعض أهل العلم: ولكنه يرد عليه أن فعلة كجثوة لم يعهد جمعها على فعول كجثى. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائى وحفص {جِثياً} بكسر الجيم إتباعاً للكسرة بعده وقرأ الباقون {جثياً} بضم الجيم على الأصل.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلشَّيَاطِينَ} (68) - يُقْسِمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِذَاتِهِ الكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَحْشُرَهُمْ جَمِيعاً، وَشَيَاطِيْنَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، ثُمَّ يُحْضِرُهُمْ جَمِيعاً حَوْلَ جَهَنَّمَ قُعُوداً عَلَى رُكَبِهِمْ، تَعْبِيراً عَنِ الإِهَانَةِ وَالتَّحْقِيرِ لَهُمْ. جِثِيّاً - جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الهُوْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ..} [مريم: 68] الحشر: أن يبعثهم الله من قبورهم، ثم يسوقهم مجتمعين إلى النار هم والشياطين الذين كانوا يُغْرونهم بالمعصية ويُزينونها لهم. {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} [مريم: 68] يقال: جثا يجثو فهو جَاثٍ. أي: ينزل على ركبتيه، وهي دلالة على الذِّلَّة والانكسار والمهانة التي لا يَقْوى معها على القيام.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} جمعُ جَاثٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أقسم الله تعالى وهو أصدق القائلين - بربوبيته، ليحشرن هؤلاء المنكرين للبعث، هم وشياطينهم فيجمعهم لميقات يوم معلوم، { ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا } أي: جاثين على ركبهم من شدة الأهوال، وكثرة الزلزال، وفظاعة الأحوال، منتظرين لحكم الكبير المتعال، ولهذا ذكر حكمه فيهم فقال: { ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا } أي: ثم لننزعن من كل طائفة وفرقة من الظالمين المشتركين في الظلم والكفر والعتو أشدهم عتوا، وأعظمهم ظلما، وأكبرهم كفرا، فيقدمهم إلى العذاب، ثم هكذا يقدم إلى العذاب، الأغلظ إثما، فالأغلظ وهم في تلك الحال متلاعنون، يلعن بعضهم بعضا، ويقول أخراهم لأولاهم: {أية : رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ } تفسير : وكل هذا تابع لعدله وحكمته وعلمه الواسع ولهذا قال { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا } أي علمنا محيط بمن هو أولى صليا بالنار قد علمناهم وعلمنا أعمالهم واستحقاقها وقسطها من العذاب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):