Verse. 2321 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

وَاِنْ مِّنْكُمْ اِلَّا وَارِدُہَا۝۰ۚ كَانَ عَلٰي رَبِّكَ حَتْـمًا مَّقْضِيًّا۝۷۱ۚ
Wain minkum illa wariduha kana AAala rabbika hatman maqdiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن» أي ما «منكم» أحد «إلا واردها» أي داخل جهنم «كان على ربك حتما مقضيا» حتمه وقضى به لا يتركه.

71

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما قال من قبل: { أية : فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ } تفسير : [مريم:68] ثم قال: { أية : ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ } تفسير : [مريم: 68] أردفه بقوله: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } يعني جهنم واختلفوا فقال بعضهم المراد من تقدم ذكره من الكفار فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة، قالوا: إنه لا يجوز للمؤمنين أن يردوا النار ويدل عليه أمور: أحدها: قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101] والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها. والثاني: قوله: { أية : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } تفسير : [الأنبياء: 102] ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وثالثها: قوله: { أية : وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ } تفسير : [النحل: 89] وقال الأكثرون: إنه عام في كل مؤمن وكافر لقوله تعالى: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } فلم يخص. وهذا الخطاب مبتدأ مخالف للخطاب الأول، ويدل عليه قوله: {ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } أي من الواردين من اتقى ولا يجوز أن يقال: {ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } إلا والكل واردون والأخبار المروية دالة على هذا القول، ثم هؤلاء اختلفوا في تفسير الورود فقال بعضهم: الورود الدنو من جهنم وأن يصيروا حولها وهو موضع المحاسبة، واحتجوا على أن الورود قد يراد به القرب بقوله تعالى: { أية : فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } تفسير : [يوسف: 19] ومعلوم أن ذلك الوارد ما دخل الماء وقال تعالى: { أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ } تفسير : [القصص: 23] وأراد به القرب. ويقال: وردت القافلة البلدة وإن لم تدخلها فعلى هذا معنى الآية أن الجن والإنس يحضرون حول جهنم: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } [مريم: 71] أي واجباً مفروغاً منه بحكم الوعيد ثم ننجي أي نبعد الذين اتقوا عن جهنم وهو المراد من قوله تعالى: { أية : أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101] ومما يؤكد هذا القول ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية فقالت حفصة: أليس الله يقول: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } فقال عليه السلام فمه ثم ننجي الذين اتقوا »، تفسير : ولو كان الورود عبارة عن الدخول لكان سؤال حفصة لازماً. القول الثاني: أن الورود هو الدخول ويدل عليه الآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: { أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 98] وقال: { أية : فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ المورود } تفسير : [هود: 98] ويدل عليه قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } والمبعد هو الذي لولا التبعيد لكان قريباً فهذا إنما يحصل لو كانوا في النار، ثم إنه تعالى يبعدهم عنها ويدل عليه قوله تعالى: {وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } وهذا يدل على أنهم يبقون في ذلك الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار فلا بد وأن يكونوا قد دخلوا النار، وأما الخبر فهو أن عبد الله بن رواحة قال:« أخبر الله عن الورود ولم يخبر بالصدور، فقال عليه السلام: حديث : يا ابن رواحة اقرأ ما بعدها ثم ننجي الذين اتقوا »، تفسير : وذلك يدل على أن ابن رواحة فهم من الورود الدخول والنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه في ذلك وعن جابر: « حديث : أنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً حتى أن للناس ضجيجاً من بردها ». تفسير : والقائلون بهذا القول يقولون: المؤمنون يدخلون النار من غير خوف وضرر ألبتة بل مع الغبطة والسرور وذلك لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم: { أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103] ولأن الآخرة دار الجزاء لا دار التكليف، وإيصال الغم والحزن إنما يجوز في دار التكليف، ولأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الملائكة تبشر في القبر من كان من أهل الثواب بالجنة حتى يرى مكانه في الجنة ويعلمه » تفسير : . وكذلك القول في حال المعاينة فكيف يجوز أن يردوا القيامة وهم شاكون في أمرهم، وإنما تؤثر هذه الأحوال في أهل النار لأنهم لا يعلمون كونهم من أهل النار والعقاب، ثم اختلفوا في أنه كيف يندفع عنهم ضرر النار، فقال بعضهم: البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، ويكون من المواضع التي يسلك فيها إلى دركات جهنم، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يدخل الكل في جهنم فالمؤمنون يكونون في تلك المواضع الخالية عن النار، والكفار يكونون في وسط النار. وثانيها: أن الله تعالى يخمد النار فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «يردونها كأنها إهالة» وعن جابر بن عبد الله: « حديث : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا بأن نرد النار فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة » تفسير : . وثالثها: أن حرارة النار ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار يجعلها الله عليهم محرقة مؤذية والأجزاء الملاصقة لأبدان المؤمنين يجعلها الله برداً وسلاماً عليهم، كما في حق إبراهيم عليه السلام. وكما أن الكوز الواحد من الماء كان يشربه القبطي فكان يصير دماً ويشربه الإسرائيلي فكان يصير ماء عذباً. واعلم أنه لا بد من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين، فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم النار فما الفائدة في ذلك الدخول؟ قلنا فيه وجوه: أحدها: أن ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وثانيها: أن فيه مزيد غم على أهل النار حيث يرون المؤمنين الذين هم أعداؤهم يتخلصون منها وهم يبقون فيها. وثالثها: أن فيه مزيد غم على أهل النار من حيث تظهر فضيحتهم عند المؤمنين بل وعند الأولياء وعند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إليه. ورابعها: أن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فزاد ذلك غماً للكفار وسروراً للمؤمنين. وخامسها: أن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر ويقيمون عليهم صحة الدلائل فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوا، وأن المكذبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وسادسها: أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار ذلك سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة كما قال الشاعر: شعر : وبضدها تتبين الأشياء تفسير : فأما الذين تمسكوا بقوله تعالى: { أية : أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101] فقد بينا أنه أحد ما يدل على الدخول في جهنم وأيضاً فالمراد عن عذابها وكذا قوله: { أية : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } تفسير : [الأنبياء: 102] فإن قيل: هل ثبت بالأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها إلى الجنة؟ قلنا: ثبت بالأخبار أن المحاسبة تكون في الأرض أو حيث كانت الأرض ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: { أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [إبراهيم: 48] وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء ففي موضع المحاسبة يكون الاجتماع فيدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم ثم يرفع الله أهل الجنة وينجيهم ويدفع أهل النار فيها. أما قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } فالحتم مصدر حتم الأمر إذا أوجبه فسمى المحتوم بالحتم كقولهم: خلق الله وضرب الأسير، واحتج من أوجب العقاب عقلاً فقال: إن قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } يدل على وجوب ما جاء من جهة الوعيد والأخبار لأن كلمة على للوجوب والذي ثبت بمجرد الأخبار لا يسمى واجباً. والجواب أن وعد الله تعالى لما استحال تطرق الخلف إليه جرى مجرى الواجب أما قوله: {ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قرىء ننجي وننجي وينجي على ما لم يسم فاعله، قال القاضي: الآية دالة على قولنا في الوعيد لأن الله تعالى بين أن الكل يردونها ثم بين صفة من ينجو وهم المتقون والفاسق لا يكون متقياً، ثم بين تعالى أن من عدا المتقين يذرهم فيها جثياً فثبت أن الفاسق يبقى في النار أبداً. قال ابن عباس: المتقي هو الذي اتقى الشرك بقول لا إله إلا الله، واعلم أن الذي قاله ابن عباس هو الحق الذي يشهد الدليل بصحته، وذلك لأن من آمن بالله وبرسله صح أن يقال: إنه متق عن الشرك ومن صدق عليه أنه متق عن الشرك صدق عليه أنه متق لأن المتقي جزء من المتقي عن الشرك ومن صدق عليه المركب صدق عليه المفرد، فثبت أن صاحب الكبيرة متق وإذا ثبت ذلك وجب أن يخرج من النار لعموم قوله: {ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } فصارت هذه الآية التي توهموها دليلاً من أقوى الدلائل على فساد قولهم: قال القاضي: وتدل الآية أيضاً، على فساد قول من يقول: إن من المكلفين من لا يكون في الجنة ولا في النار، قلنا: هذا ضعيف لأن الآية تدل على أنه تعالى ينجي الذين اتقوا وليس فيها ما يدل على أنه ينجيهم إلى الجنة، ثم هب أنها تدل على ذلك ولكن الآية تدل على أن المتقين يكونون في الجنة والظالمين يبقون في النار فيبقى ههنا قسم ثالث خارج عن القسمين وهو الذي استوت طاعته ومعصيته فتسقط كل واحدة منهما بالأخرى فيبقى لا مطيعاً ولا عاصياً، فهذا القسم إن بطل فإنما يبطل بشيء سوى هذه الآية فلا تكون هذه الآية دالة على الحصر الذي ادعاه ومن المعتزلة من تمسك في الوعيد بقوله: {وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } ولفظ الظالمين لفظ جمع دخل عليه حرف التعريف فيفيد العموم والكلام على التمسك بصيغ العموم قد تقدم مراراً كثيرة في هذا الكتاب، أما قوله: {جِثِيّاً } قال صاحب «الكشاف» قوله: {وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وأن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد نجاتهم وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين.

البيضاوي

تفسير : {وَإِن مِّنكُمْ} وما منكم التفات إلى الإِنسان ويؤيده أنه قرىء {وَإِن منهم }. {إِلاَّ وَارِدُهَا } إلا واصلها وحاضر دونها يمر بها المؤمنون وهي خامدة وتنهار بغيرهم. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سئل عنه فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة». وأما قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }تفسير : [الأنبياء: 101] فالمراد عن عذابها. وقيل ورودها الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها. {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } كان ورودهم واجباً أوجبه الله على نفسه وقضى به بأن وعد به وعداً لا يمكن خلفه. وقيل أقسم عليه.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا خالد بن سليمان عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله، فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعاً، وقال سليمان بن مرة: يدخلونها جميعاً، وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً؛ كما كانت النار على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثياً» تفسير : غريب ولم يخرجوه. وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية عن بكار بن أبي مروان عن خالد ابن معدان قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة، وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعاً رأسه في حجر امرأته، فبكى فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله عز وجل: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فلا أدري أنجو منها أم لا وفي رواية: وكان مريضاً. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان عن مالك بن مغول عن أبي إسحاق: كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: ياليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أُخبرنا أَنّا واردوها، ولم نُخبَر أنّا صادرون عنها، وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رُئي ضاحكاً حتى لحق بالله. وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول، فقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] وردوا أم لا؟ وقال: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود: 98] أوردها أم لا؟ أما أنا وأنت، فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها؛ بتكذيبك، فضحك نافع. وروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري، وهو نافع بن الأزرق: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا}، فقال ابن عباس: ويلك أمجنون أنت؟ أين قوله: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود: 98] {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم: 86] {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالماً، وأدخلني الجنة غانماً. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أسباط عن عبد الملك عن عبيد الله عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل يقال له: أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}؟ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها، أم لا؟. وقال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: أخبرني عبد الله بن السائب عمن سمع ابن عباس يقرؤها: {وإن منهم إلا واردها} يعني: الكفار، وهكذا روى عمر بن الوليد الشنِّي: أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك {وإن منهم إلا واردها} قال: وهم الظلمة، كذلك كنا نقرؤها، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقال العوفي عن ابن عباس: قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} يعني: البر والفاجر، ألا تسمع إلى قول الله لفرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود: 98] الآية، {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم: 86]؟ فسمى الورود على النار دخولاً، وليس بصادر. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن إسرائيل عن السدي، عن مرة عن عبد الله، هو ابن مسعود: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يرد الناس كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم» تفسير : ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبيد الله عن إسرائيل عن السدي به. ورواه من طريق شعبة عن السدي عن مرة عن ابن مسعود موقوفاً، هكذا وقع هذا الحديث ههنا مرفوعاً. وقد رواه أسباط عن السدي عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس جميعاً الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرّاً رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة، عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس. وذكر تمام الحديث، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم، ولهذا شواهد في "الصحيحين" وغيرهما من رواية أنس وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن الجريري عن أبي السليل عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار الناس كأنها متن إهالة، حتى يستوي عليها أقدام الخلائق: برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي، قال: فتخسف بكل ولي لها، وهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم. قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو شعبتين، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن أم مبشر عن حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية» تفسير : قالت: فقلت: أليس الله يقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}؟ قالت: فسمعته يقول: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}. وقال أحمد أيضاً: حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن أم مبشر امرأة زيد بن حارثة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فقال: «حديث : لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية» تفسير : قالت حفصة: أليس الله يقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} الآية، وفي "الصحيحين" من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار، إلا تحلة القسم».تفسير : وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلَّة القسم» تفسير : يعني: الورود، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» تفسير : قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}. وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من أصحابه وعك، وأنا معه، ثم قال: «حديث : إن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن؛ لتكون حظه من النار في الآخرة» تفسير : غريب، ولم يخرجوه من هذا الوجه. وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصراً في الجنة» تفسير : فقال عمر: إذاً نستكثر يارسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الله أكثر وأطيب» تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ ألف آية في سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً إن شاء الله، ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعاً، لا بأجر سلطان، لم ير النار بعينيه، إلا تحلة القسم»تفسير : . قال تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} وإن الذكر في سبيل الله يضاعف فوق النفقة بسبعمائة ضعف. وفي رواية: بسبعمائة ألف ضعف. وروى أبو داود عن أبي الطاهر عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب، كلاهما عن زبان عن سهل عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف» تفسير : . وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: هو الممر عليها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: ورود المسلمين: المرور على الجسر بين ظهرانيها، وورود المشركين: أن يدخلوها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة دعاؤهم: يا ألله سلم سلم» تفسير : وقال السدي عن مرة عن ابن مسعود في قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} قال: قسماً واجباً. وقال مجاهد: حتماً، قال: قضاء؛ وكذا قال ابن جريج. وقوله: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي: إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقاً كثيراً قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم، وهي مواضع السجود، وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولاً من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار من قال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيراً قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود؛ كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنْ } أي ما {مِّنكُمْ } أحد {إِلاَّ وَارِدُهَا } أي داخل جهنم {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } حَتَمَه وقضى به لا يتركه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِنّ مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فيه قولان: أحدهما: يعني الحمى والمرض، قاله مجاهد. روى أبو هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من أصحْابه فيه وعك وأنا معه، فقال رسول الله: "حديث : أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: هِي نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ" تفسير : أي في الآخرة. الثاني: يعني جهنم. ثم فيه قولان: أحدهما: يعني بذلك الكافرين يردونها دون المؤمن؛ قاله عكرمة ويكون قوله: {وَإِن مِّنْكُمْ} أي منهم كقوله تعالى: {وَسَقَاهُم رَبُّهُم شَرَاباً طَهُوراً} ثم قال: {إِنَّ هذَا كَانَ لَكُم جَزَاءً} أي لهم. الثاني: أنه أراد المؤمن والكافر. روى ابن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : الزَّالُّونَ وَالزَّالاَّت يَومَئذٍ كَثِيرٌ" تفسير : وفي كيفية ورودها قولان: أحدهما: الدخول فيها. قال ابن عباس: ليردنها كل بر وفاجر. لكنها تمس الفاجر دون البر. قال وكان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالماً، وأدخلني الجنة عالماً. والقول الثاني: أن ورود المسلم عليها الوصول إليها ناظراً لها ومسروراً بالنجاة منها، قاله ابن مسعود، وذلك مثل قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآء مَدْيَنَ} تفسير : [القصص: 23] أي وصل. وكقول زهير بن أبي سلمى: شعر : ولما وردن الماء زُرْقاً جِمامُه وضعن عِصيَّ الحاضر المتخيمِ تفسير : ويحتمل قولاً ثالثاً: أن يكون المراد بذلك ورود عرضة القيامة التي تجمع كل بر وفاجر: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} فيه تأويلان: أحدهما: قضاء مقتضياً، قاله مجاهد. الثاني: قسماً واجباً، قاله ابن مسعود.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَارِدُهَا} الحمى والأمراض، عاد الرسول صلى الله عليه وسلم رجلاً ثم قال:"حديث : إن الله ـ تعالى ـ يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة " تفسير : ، أو جهنم يردها الكفار خاصة، انتقل من معاتبتهم إلى خطابهم، أو عامة في المؤمن والكفار يردانها فتمس الكافر دون البر، أو يردها المؤمن بمروره عليها ونظره إليها سروراً بما أنجاه الله ـ تعالى ـ منه {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ}تفسير : [القصص: 23] {حَتْماً} قضاء مقضياً، أو قسماً واجباً.

الثعالبي

تفسير : وقوله عزَّ وجل: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قَسَمٌ، والواو تَقْتَضِيه، ويفسّره قولهُ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ، لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»تفسير : . وقرأ ابن عباس، وجماعَةٌ: «وإنْ مِنْهُمْ» بالهَاءِ على إرَادة الكُفَّار. قال * ع *: ولا شغب في هذه القراءة، وقالت فِرْقَةٌ من الجمهور القارئين «منكم». المعنى: قُلْ لهم يا محمَّدُ، فالخِطَاب بــ {مِنْكُمْ} للكفرةِ، وتأويل هؤلاءِ أَيضاً سَهْلُ التناوُلِ. وقال الأكثرُ: المخاطَبُ العَالَمُ كلّه، ولا بُدّ مِنْ وُرُودِ الجميع، ثم اختلفوا في في كَيْفِيَّةِ ورود المُؤْمِنِينَ، فقال ابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وخالدُ بن مَعْدَانَ، وابنُ جُرَيْجٍ، وغيرُهم: هو ورودُ دخولٍ، لكنَّها لا تعدو عليهم، ثم يُخْرِجَهم اللّهُ عز وجل منها بعدَ مَعْرِفتهم حَقِيقَةَ ما نَجَوْا منه. وروى جابرُ بنُ عبدِ اللّهِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنه قال: «حديث : الوُرُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ الدُّخُولُ»تفسير : ، وقد أَشْفَقَ كَثِيرٌ من العلماء من تحقُّقِ الورودِ مع الجَهْلِ بالصَّدَرِ جعلنا اللّه تعالى من الناجين بفضله ورحمته -، وقالت فِرْقَة: بَلْ هُو ورودُ إشْرَافٍ، واطِّلاعٍ، وقُرْبٍ، كما تقول: وردتُ الماءَ؛ إذا جِئْتَه، وليس يلزم أَن تدخل فيه، قالوا: وحَسْبُ المُؤْمِن بهذا هَوْلاً؛ ومنه قولُه تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} تفسير : [القصص: الآية 23]. وروت فرقة أثراً: أنّ الله تعالى يجعلُ النَّار يوم القيامة جامدةَ الأعلىٰ كأنها إهالةٌ فيأتي الخلقُ كلُّهم؛ برُّهم وفاجرُهم فيقفون عليها, ثم تسوخُ بأهلِها, ويخرجُ المؤمنون الفائزون, لم ينلهم ضرٌّ, قالوا فهذا هو الورودُ. قال المهدوي: وعن قتادةَ قال: يرد النَّاسُ جهنَّمَ وهي سَوْدَاءُ مظلِمةٌ، فأَما المؤْمنُونَ فأَضَاءَتْ لهم حَسَناتُهم، فَنَجَوْا منها، وأما الكفارُ فأوبقتهم سَيِّئَاتُهم، وٱحْتُبسُوا بذنوبهم. [انتهى]. وروت حَفْصَةُ - رضي اللّه عنها - أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَالحُدَيْبِيَةِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّه، وأَيْنَ قَوْلُ اللّهِ تَعَالَىٰ: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُهَا} فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: فَمَهْ، {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقُوا}»تفسير : ورجح الزجاجُ هذا القَوْلَ؛ بقوله تعالى: {أية : إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنَىٰ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء:101]. * ت *: وحديثُ حفصةَ هذا أَخرجهُ مُسْلِم، وفيه: «أَفلم تَسْمَعِيهِ يقولُ: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقُوْا}. وروى ابنُ المبارك في «رُقائقه» أنه لما نزلت هذه الآية {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى: [فَجَاءَتِ ٱمْرَأَتُهُ، فَبَكَتْ]، وَجَاءَتْ الخَادِمُ فَبَكَتْ، وجَاءَ أَهْلُ البَيْتِ فَجَعَلُوا يَبْكُونَ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عَبْرَتُهُ، قَالَ: يَا أَهْلاَهُ، مَا يُبْكِيكُمْ، قَالُوا: لاَ نَدْرِي، وَلَكِنْ رَأَيْنَاكَ بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا، فَقَالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ عَلَىٰ رَسُولِ اللّه صلى الله عليه وسلم يُنْبِئُنِي فِيهَا رَبِّي أَنِي وَارِدُ النَّارَ، وَلَمْ يُنْبِئْنِي أَنِّي صَادِرٌ عَنْهَا، فَذَلِكَ الَّذِي أبْكَانِي. انتهى. وَقال ابنُ مَسْعُودٍ: ورودُهُمْ: هو جَوَازُهُمْ على الصِّراطِ، وذلك أَنَّ الحديث الصَّحيحَ تضمن أَنَّ الصراط مَضْرُوبٌ على مَتْنِ جهنم. والحَتْمُ: الأَمْر المنفدُ المجْزُوم، و {ٱلَّذِينَ ٱتَّقوا}: معناه اتَّقَوْا الكُفْر {ونَذَرُ} دالةٌ على أَنهم كَانُوا فيها. قال أَبُو عُمَر بنُ عَبْدِ البَرِّ في «التمهيد» بعد أَن ذكر روَاية جابِر، وابنِ مَسْعُودٍ في الوُرُودِ، وروي عن كَعْبٍ أَنه تَلاَ؟ {وإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُهَا} فقال: أَتَدْرُونَ مَا وُرُودُهَا؟ إنه يُجَاءُ بجهنَّم فتُمْسكُ للناس كأَنها متْن إهَالَة: يعني: الوَدَك الذي يجمد على القِدْر من المرقَةِ، حَتَّى إذا استقرت عليها أَقدَام الخَلائِق: بَرّهم وفَجارُهم، نَادَى مُنَادٍ: أَنْ خُذِي أَصْحَابِك، وذَرِي أَصْحَابِي، فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، فَلَهِيَ أَعلَمُ بهم مِنَ الوَالِدَة بولَدِهَا، وينجو المُؤْمِنُونَ نَدِيَّة ثيابهم. وروي هذا المعنى عن أَبي نَضْرَةَ، وزاد: وهو معنى قولِه تَعَالَى: {أية : فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يس:66]. انتهى. وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بِيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً...} الآية، هذا افتخارٌ من كفار قريش؛ وأَنه إِنما أَنعم اللّه عليهم؛ لأَجْلِ أَنهم على الحقِّ بزعمهم. والنَّدِيّ، والنَّادِي: المجْلِسُ، ثم رد اللّه تعالى حُجَّتَهم وحقَّر أَمْرهم؛ فقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَـٰثاً وَرِءْياً} أيْ: فلم يُغْن ذلك عنهم شَيْئاً، والأَثَاث: المال العين، والعَرْض والحيوان. وقرأَ نافِعٌ وغيرُه: «ورءيا» بهمزةٍ بعدها ياءٌ؛ من رُؤْية العَيْنِ. قال البخاري: ورءياً: منظراً. وقرأ نافعٌ أيضاً، وأَهل المدينة: «وَرِيّاً» بياء مشددة، فقيل: هي بمعنى القِرَاءةِ الأُولى، وقيل: هي بمعنى الرِّيِّ في السُّقْيَا؛ إذْ أَكْثر النعمة مِنَ الريِّ والمطر. وقرأ ابنُ جُبَيْر، وابنُ عباسٍ، ويزيدُ البريري: «وَزِيّاً» بالزاي المعجمة؛ بمعنى: المَلْبَسَ.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن مّنكُمْ} التفاتٌ لإظهار مزيدِ الاعتناءِ بمضمون الكلامِ، وقيل: هو خطابٌ للناس من غير التفاتٍ إلى المذكور، ويؤيد الأولَ أنه قرىء وإن منهم أي منكم أيها الإنسانُ {إِلاَّ وَارِدُهَا} أي واصلُها وحاضرٌ دونها يمرّ بها المؤمنون وهي خامدةٌ وتنهار بغيرهم. وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال: « حديث : إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قال بعضُهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرِدَ النار؟ فيقال لهم: قد وردتُموها وهي خامدةٌ » تفسير : وأما قولُه تعالى: { أية : أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 101] فالمرادُ الإبعادُ عن عذابها، وقيل: ورودُها الجوازُ على الصراط الممدودِ عليها {كَانَ} أي ورودُهم إياها {عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} أي أمراً محتوماً أوجبه الله عز وجل على ذاته وقضى أنه لا بد من وقوعه البتةَ، وقيل: أقسم عليه. {ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} الكفرَ والمعاصيَ مما كانوا عليه من حال الجُثُوّ على الركب على الوجه الذي سلف فيُساقون إلى الجنة، وقرىء نُنْجي بالتخفيف ويُنْجي، وينجَى على البناء للمفعول، وقرىء ثَمةَ نُنجّي بفتح الثاء أي هناك ننجيهم {وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} بالكفر والمعاصي {فِيهَا جِثِيّاً} منهاراً بهم كما كانوا، قيل: فيه دليلٌ على أن المراد بالورود الجثُوُّ حواليها وأن المؤمنين يفارقون الفجرةَ بعد تجاثيهم حولها ويُلقى الفجرةُ فيها على هيئاتهم. وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} الآية إلى آخرها حكايةٌ لما قالوا عند سماعِ الآياتِ الناعية عليهم فظاعةَ حالِهم ووخامةَ مآلِهم، أي وإذا تتلى على المشركين {ءايَـٰتِنَا} التي من جملتها هاتيك الآياتُ الناطقةُ بحسن حالِ المؤمنين وسوءِ حال الكفرةِ وقوله تعالى: {بَيّنَـٰتٍ} أي مِرتّلاتِ الألفاظ مبـيَّناتِ المعاني بنفسها أو ببـيان الرسول عليه الصلاة والسلام أو بـيِّناتِ الإعجاز، حالٌ مؤكدةٌ من آياتنا {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي قالوا، ووضعُ الموصولِ موضعَ الضمير للتنبـيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادّين له، أو قال الذين مرَدوا منهم على الكفر ومرَنوا على العتوّ والعِناد وهم النضْرُ بنُ الحارثِ وأتباعُه الفجرةُ واللام في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} للتبليغ كما في مثل قوله تعالى: {أية : وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } تفسير : [البقرة: 247] وقيل: لامُ الأجْل كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 11] أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، والأولُ هو الأولى لأن قَبولَهم ليس في حق المؤمنين فقط كما ينطِق به قوله تعالى: {أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ} أيُّ المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا: أينا {خَيْرٌ} نحن أو أنتم {مَقَاماً} أي مكاناً، وقرىء بضم الميم أي موضِعَ إقامةٍ ومنزلٍ {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} أي مجلِساً ومجتمَعاً. يروى أنهم كانوا يرجّلون شعورَهم ويدهنونها ويتطيبون ويتزينون بالزينة الفاخرةِ ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين، يريدون بذلك أن خيريّتَهم حالاً وأحسنيّتَهم مآلاً مما لا يقبل الإنكارَ وأن ذلك لكرامتهم على الله سبحانه وزُلْفاهم عنده، إذ هو العيارُ على الفضل والنقصانِ والرفعة والضَّعة وأن من ضرورته هوانَ المؤمنين عليه تعالى لقصور حظِّهم العاجلِ، وما هذا القياسُ العقيمُ والرأيُ السقيم إلا لكونهم جهَلةً لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وذلك مبلغُهم من العلم فرُدَّ عليهم ذلك من جهته تعالى بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} أي كثيراً من القرون التي كانت أفضلَ منهم فيما يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم من الأمم العاتيةِ قبل هؤلاء أهلكناهم بفنون العذاب، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى، كأنه قيل: فلينتظِرْ هؤلاءِ أيضاً مثلَ ذلك (فكم) مفعولُ أهلكنا و(من قرن) بـيانٌ لإبهامها، وأهلُ كل عصرٍ قَرنٌ لمن بعدهم لأنهم يتقدّمونهم، مأخوذٌ من قَرْن الدابة وهو مقدّمها وقوله تعالى: {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً} في حيز النصبِ على أنه صفةٌ لِكم وأثاثاً تميـيزُ النسبة وهو متاعُ البـيت، وقيل: هو ما جدّ منه، والخُرْثيُّ ما لُبس منه ورثّ والرِئْيُ المنظرُ، فِعْلٌ من الرؤية لما يُرَى، كالطِّحْن لما يُطحَن، وقرىء رِيًّا على قلب الهمزة ياءً وإدغامِها أو على أنه من الرِّيّ وهو النعمةُ والتُّرفةُ، وقرىء ريئاً على القلب ورِيَا بحذف الهمزة وزَيا بالزاي المعجمة من الزَّيّ وهو الجمعُ فإنه عبارةٌ عن المحاسن المجموعة. {قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} لما بـيّن عاقبةَ أمرِ الأمم المهلَكة مع ما كان لهم من التمتع بفنون الحظوظِ العاجلة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب هؤلاء المفتخِرين بما لهم من الحظوظ ببـيان مآلِ أمر الفريقين، إما على وجه كليَ متناولٍ لهم ولغيرهم من المنهمكين في اللَّذة الفانية المبتهجين بها على أن (مَن) على عمومها، وإما على وجه خاصَ بهم على أنهم عبارةٌ عنهم ووصفُهم بالتمكن لذمهم والإشعارِ بعلة الحُكم، أي مَنْ كان مستقراً في الضلالة مغموراً بالجهل والغَفلةِ عن عواقب الأمورِ فليمدُد له الرحمٰنُ أي يمُدّ له ويُمهِله بطول العمُرِ وإعطاءِ المال والتمكينِ من التصرفات، وإخراجُه على صيغة الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحِكمة لقطع المعاذير كما ينبىء عنه قوله عز وجل: { أية : أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} تفسير : [فاطر: 37] أو للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عمران: 178]، وقيل: المرادُ به الدعاءُ بالمد والتنفيس، واعتبارُ الاستقرارِ في الضلال لما أن المد لا يكون إلا للمُصِرّين عليها إذ رُبّ ضالَ يهديه الله عز وجل، والتعرضُ لعنوان الرحمانية لما أن المد من أحكام الرحمة الدنيوية، وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} غايةٌ للمدّ الممتدِّ لا لقول المفتخِرين كما قيل، إذ ليس فيه امتدادٌ بحسب الذات وهو ظاهرٌ ولا استمرارٌ بحسب التكرار لوقوعه في حيّز جوابِ إذا، وجمعُ الضمير في الفعلين باعتبار معنى مَنْ كما أن الإفرادَ في الضميرين الأولين باعتبار لفظِها وقوله تعالى: {إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} تفصيلٌ للموعود بدلٌ منه على سبـيل البدل فإنه إما العذابُ الدنيويُّ بغلَبة المسلمين واستيلائِهم عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسْراً، وإما يومُ القيامة وما لهم فيه من الخزي والنَّكالُ على منع الخلوّ دون منع الجمعِ، فإن العذابَ الأخرويَّ لا ينفك عنهم بحال وقوله تعالى: {فَسَيَعْلَمُونَ} جوابُ الشرط والجملةُ محكيةٌ بعد حتى، أي حتى إذا عاينوا ما يوعَدون من العذاب الدنيويِّ أو الأخرويِّ فقط فسيعلمون حينئذ {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} من الفريقين بأن يشاهدوا الأمرَ على عكس ما كانوا يقدّرونه فيعلمون أنهم شرٌ مكاناً لا خيرٌ مقاماً {وَأَضْعَفُ جُنداً} أي فئةً وأنصاراً لا أحسنُ ندِياً كما كانوا يدّعونه، وليس المرادُ أن له ثمّةَ جنداً ضعفاءَ كلا { أية : وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً} تفسير : [الكهف: 43] وإنما ذُكر ذلك رداً لما كانوا يزعمون أن لهم أعواناً من الأعيان وأنصاراً من الأخيار ويفتخرون بذلك في الأندية والمحافل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [الآية: 71]. قال الواسطى رحمه الله: ما أحد إلا وتورده النار ملاحظات أفعاله ثم ينجى الله منها من أسقط ذلك عنه وأزالها منه بملازمة التوفيق. قوله عز وجل: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} [الآية: 71]. قال الواسطى رحمه الله: بالرجاء يجلب المحتوم وبالخوف يدفع المقضى.

القشيري

تفسير : كلٌّ يَرِدُ النارَ ولكن لا ضيْرَ منها ولا احتباسَ بها لأحدٍ إلا بمقدار ما عليه من (...) والزلل؛ فأشدُّهم انهماكاً أشدهم بالنار اشتعالاً واحتراقاً. وقوم يردونها - كما في الخبر:"حديث : إن للنار عند مرورهم عليها إذوابةً كإذوابةِ اللَّبَن، فيدخلونها ولا يحسون بها، فإذا عبروها قالوا: أو ليس وعدنا جهنم على طريق؟ فيقال لهم. عبرتم وما شعرتم"!.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} هذا القسم من وجوب حق صفة القدم اذ نعته قهر الجبروت فاورد الكل عليها المباشرة ذلك القهر فيهم يعرفوه بجميع معانى صفاته وذلك رحمة كافية اذ لم يعزلهم من رؤية جلال ازليته فى لباس قهره فلكم كشف من الجبروت هناك وكم مشاهدة من عين الملكوت هناك وكم ظهورهم فى وورودهم هناك اين انت من قول سباح قاموس الكبرياء وعنقاء مغرب قاف البقاء وحيث قال وضع الجبار قدمه فى جهنهم هل ترى هذا القدم الا كشف جلال القدم فاذا كان جمال قدمه مصحوبهم فلا بأس بالوقوف فى النيران فان هناك اصل الجنان شعر : اذا انزلت سلمى بواد فماؤها زلال وسلسال وشيحانها ورد تفسير : كان على ربك حتما مقضيا اذ كان وصفه فى الازل اسم من نفسه بجميع الصفات لكونهم عارفين فاذا تم ذلك الكشف وصولا بالحق مع الحق الى جواده وصاله الازلى ولطفه الابدى ولقائه السرمدى الذى بغير امتحان وهذا معنى قوله {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} اتقوا من اليم القطيعة وعذاب الفرقة ومرارة المخالفة قال الواسطى ما ----- وبورده النار ملاحظات افعاله ثم ينجى الله منها من اسقط عنه ذلك اوزالها عنه بملازمة التوفيق وقال فى قوله كان على ربك حتما بالرجاء يطلب المحتوم وبالخوف يدفع المقضى وقال الجنيد فى قوله ثم ينجى الذين اتقوا ما نجا من نجا الا ------ قال الحريرى ما نجا من نجا الا بصدق التقى وقال ابن عطا ما نجا من نجا الا بتصحيح العهد والوفاء وقال هذا العارف الفارسى العياد الربانى الشطاح الملكوتى ما نجا من نجا الا بالاصطفائية الازلية والعناية الابدية والرسم والوسم والاسم عوارضات زايلة وامتحانات عاطلة قال جعفر للصادق لولا مقارنة النفوس لما دخل احد النار فلما قارنهم نفوسهم واردهم النار ------اعراضا عن خبث النفس كان اسرع نجاة من النار الا ترى الله يقول ثم نجى الذين اتقوا ---.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان منكم} اى وما منكم ايها الناس {الا واردها} اى واصل جهنم وداخلها {كان} اى ورودهم اياها {على ربك حتما} مصدر حتم الامر اذا اوجبه فسمى به الموجب كقولهم خلق الله وضرب الامير اى امرا محتوما اوجبه الله على ذاته {مقضيا} حتى انه لا بد من وقوعه البتة.

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وابن عامر "وريا" بغير همز. الباقون بهمز، من همز فمعناه المنظر الحسن (فعيل) من الرؤية، ومن لم يهمز احتمل أن يكون خفف الهمزة كما قالوا في البريئة برية ويحتمل أن يكون مأخوذاً من الري، وهو امتلاء الشباب والنظارة، أي ترى الري فى وجوههم. وقرأ سعيد بن جبير "وريا" جعله من الري وقرئ بالزاي، ومعناه ما يتزيا به. وقرأ ابن كثير "مقاماً" - بضم الميم - الباقون بفحتها. فالمقام - بضم الميم - مصدر الاقامة. وبفتحها المكان، كقوله {أية : مقام إبراهيم} تفسير : وقرأ يعقوب الحضرمي وعاصم والجحدري وابن أبي ليلى وابن عباس {ثم ننجي} بفتح الثاء بمعنى هناك ننجي المتقين. والباقون {ثم} بضم التاء حرف عطف. يقول الله تعالى للمكلفين انه ليس منكم أحد إلا وهو يرد جهنم، فان الكناية في قوله {إلا واردها} راجعة الى جهنم بلا خلاف، إلا قول مجاهد، فانه قال: هي كناية عن الحمى والامراض. وروى في ذلك خبراً عن النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ابي هريره. وقال قوم: هو كناية عن القيامة. واقوى الاقوال الأول، لقوله تعالى {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً} يعني في جهنم. واختلفوا في كيفية ورودهم اليها، فقال قوم - وهو الصحيح -: إن ورودهم هو وصولهم اليها واشرافهم عليها من غير دخول منهم فيها، لأن الورود فى اللغة هو الوصول الى المكان. واصله ورود الماء، وهو خلاف الصدور عنه. ويقال: ورد الخبر بكذا، تشبيها بذلك. ويدل على أن الورود هو الوصول الى الشيء من غير دخول فيه قوله تعالى {ولما ورد ماء مدين} وأراد وصل اليه. وقال زهير: شعر : فلما وردن الماء زرقاً جمامه وضعن عصيّ الحاضر المتخيم تفسير : وقال قتادة وعبد الله بن مسعود: ورودهم اليها، هو ممرهم عليها. وقال عكرمة يردها الكافر دون المؤمن، فخص الآية بالكافرين. وقال قوم شذاذ: ورودهم إليها: دخولهم فيها ولو تحلة القسم. روي ذلك عن ابن عباس وكان من دعائه: اللهم أزحني من النار سالماً وادخلني الجنة غانماً. وهذا الوجه بعيد، لان الله قال {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} تفسير : فبين تعالى أن من سبقت له الحسنى من الله يكون بعيداً من النار، فيكف يكون مبعداً منها مع أنه يدخلها. وذلك متناقض، فاذاً المعني بورودهم أشرافهم عليها، ووصولهم اليها. وقوله {كان على ربك حتماً مقضياً} معناه إن ورودهم الى جهنم على ما فسرناه حتم من الله وقضاء قضاه لا بد من كونه. والحتم القطع بالأمر، وذلك حتم من الله قاطع. والحتم والجزم والقطع بالامر معناه واحد. والمقضي الذي قضى بأنه يكون. ثم قال تعالى {ثم ننجي الذين اتقوا} معاصي الله وفعلوا طاعاته من دخول النار {ونذر الظالمين} أي ندعهم فيها ونقرهم على حالهم {جثياً} باركين على ركبهم {في جهنم}. ثم قال {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} اي إذا قرئت على المشركين أدلة الله الظاهرة وحججه الواضحة {قال الذين كفروا} بوحدانيته وجحدوا أنبياءه للذين صدقوا بذلك مستفهمين لهم وغرضهم الانكار عليهم {أي الفرقين خير مقاماً} أي منزل اقامة فى الجنة او في النار {وأحسن ندياً} اي مجلساً وقيل معناه اوسع مجلسا واحسن نديا، فالندي المجلس الذي قد اجتمع فيه أهله، يقال: ندوت القوم اندوهم ندواً إذا جمعتهم في مجلس. وفلان فى ندى قومه وناديهم بمعنى واحد واصله مجلس الندى وهو الكرم، وقال حاتم: شعر : ودعوت فى اولى النديّ ولم ينظر اليّ بأعين خزر تفسير : والمراد بالفريقين فريق المشركين وفريق المؤمنين، فيفتخرون على المؤمنين بكثرة نعمهم وحسن احوالهم وحال مجلسهم، فقال الله تعالى {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً} والاثاث المتاع والرئي المنظر، وهو قول ابن عباس. وقال ابن الاحمر: واحد الاثاث اثاثة كحمام وحمامة. وقال الفراء: لا واحد له، ويجمع اثة وأثث. ويجوز في {رئيا} ثلاثة اوجه في العربية: رئيا بالهمز قبل الياء، وريئا بياء قبل الهمزة وهو على قولهم راءني علي وزن راعني، وريا بترك الهمزة - فى قول الزجاج - ويجوز أن يكون من الزاي انشد لابن دريد: شعر : اهاجتك الضغائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الاثاث تفسير : ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {قل} يا محمد {من كان في الضلالة} عن الحق والعدول عن اتباعه {فليمدد له الرحمن مداً} أي يمدهم ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة، كما قال {أية : ويمدهم في طغيانهم يعمهون} تفسير : وانما ذكر بلفظ الامر ليكون آكد كأنه ألزم نفسه إلزاماً كما يقول القائل: آمر نفسي، ويقول من زارني فلأكرمه، فيكون الزم من قوله اكرمه. ويجوز أن يكون أراد {فليمدد له الرحمن مداً} فى عذابهم فى النار، كما قال {أية : ونمد له من العذاب مدّاً} تفسير : وقوله {حتى إذا رأوا ما يوعدون} أي شاهدوا ما وعدهم الله به {إما العذاب} والعقوبة على المعاصي "وإما" القيامة والمجازاة لكل أحد على ما يستحقه {فسيعلمون} حينئذ ويتحققون {من هو شر مكاناً وأضعف جنداً} آلكفار أم المؤمنين. وفى ذلك غاية التهديد فى كونهم على ما هم عليه. وقيل العذاب - ها هنا - المراد به ما وعد المؤمنون به من نصرهم على الكفار فيعذبونهم قتلا واسراً، فسيعلمون بالنصر والقتل انهم أضعف جنداً من جند النبي والمسلمين، ويعلمون بمكانهم من جهنم ومكان المؤمنين من الجنة، من هو شر مكاناً.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}. اعلم، انّ دركات الجحيم واقعة فى الآخرة ولا يدخلها الاّ من خرج عن الدّنيا وعن عقبات البرزخ ووصل الى الاعراف وبقى عليه فعليّة مناسبة للنّار، وامّا قبل ذلك فلا يدخل احد النّار وكانت ابواب الجحيم مغلقة ولذلك يقال: حينئذٍ ادخلوا ابواب الجحيم، وقال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر:71] فرتّب فتح الابواب على مجيء اهلها لانّها كانت مغلقةً قبل المجيء واهل الجنّة بعد الوصول الى الاعراف لا يبقى عليهم الاّ فعليّة مناسبة للجنّة فلا يدخلون النّار لكن نقول: الدّنيا انموذجة من الجحيم والاخلاق الذّميمة والاوصاف الرّدّيّة كلّها انموذجة منهما، ومشتهيات النّفس والآلام والاسقام من فوران الجحيم، والبرزخ بوجهٍ هو جحيم الدّنيا كما انّه بوجهٍ هو جنّة الدّنيا، والواردون على الاعراف كلّهم واردون على الجحيم بمعنى انّهم مشاهدون لها وكلّ النّاس مؤمنهم وكافرهم لا بدّ لهم من العبور على الدّنيا والاتّصاف بمشتهياتها والعبور عن الرّذائل والاوصاف الرّدّيّة ومشتهيات النّفس، وقلّما ينفكّ الانسان عن علّةٍ ما او المٍ ما، ولا بدّ للكلّ من العبور على البرزخ اختياراً او اضطراراً لكنّ العبور يتفاوت بتفاوت الاشخاص والاحوال والكلّ واردون على الاعراف وواردون على جحيم الآخرة بمعنى انّهم مشاهدون لها، اذا عرفت ذلك، عرفت وجه الجمع بين الاخبار المتخالفة الواردة فى هذا الباب وعرفت انّ المراد بالنّسخ فيما ورد انّ هذه الآية منسوخة بآية {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء:101] هو النّسخ الجزئىّ الّذى يكون بحسب الاشخاص والاحوال لا النّسخ الكلّىّ فانّ هذا الورود من لوازم وجود الانسان وكيفيّة خلقته ولذلك قال تعالى بعد الاخبار به {كَانَ} ذلك {عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} مؤكّداً بتأكيداتٍ لكن قد يعرض الانسان جذبة من جذبات الرّحمن لا تبقى عليه اثراً من الدّنيا ونيرانها ولا منَ البرزخ وعقباتها، ولا من الاعراف ومشاهداتها فكان الورود المحتوم منسوخاً ومرتفعاً فى حقّه، وما ورد انّ النّار تقول للمؤمن يوم القيامة: جُزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبى؛ كان اشارة الى الدّنيا ومشتهيات النّفس او الاخلاق الرّذيلة او البرازخ، وكذلك قول المعصوم جُزناها وهى خامدة.

اطفيش

تفسير : {وَإنْ} أى ما {مِنْكُمْ} نعت لمحذوف، أى ما أحد منكم. {إلاّ وَارِدُهَا} أى جهنم. وقدر بعضهم القَسم أى والله إنْ منكم إلا واردها، والخطاب للإنسان على طريق الالتفات من الغيبة للخطاب، كما تدل له قراءة ابن عباس وعكرمة وجماعة: وإن منهم. أو يقدر: قل يا محمد. فلا التفات، أو الخطاب للناس بلا التفات. وإذا جعلناه للناس جميعاً أو للإنسان المؤمن والكافر، فمعنى ورود المؤمنين إياها الانتهاء إليها ورؤيتها والعلم بها، من غير دخول، كقوله جل وعلا:{أية : ولما ورد ماء مدين}تفسير : ولم يقل أحد: إنه دخل الماء. وقول زهير: شعر : ولما وردنا الماء زرقا حمامة وضعنا عصا الحاضرِ المتخيِّم تفسير : وقول امرئ القيس: شعر : فأوردها ماء قليلا أنيسه يحاذرنَ عَمْراً صاحب العترات تفسير : وأما ورود الكافر فورود دخول، كذا قال أصحابنا رحمهم الله. وفيه أن الورود إن كان حقيقة فى وصول الشئ أو رؤيته أو علمه كما هو فى الدخول لزم استعمال الكلمة فى معنيين. وقد يحاب بجواز استعمالها فيهما كما هو قول وبأن المراد حقيقة الورود بقطع النظر عن كونه وصولا أو دخولا وإن كان مجازاً فى الوصول أو الرؤية أو العلم لزم استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه وهو ممنوع لكن أجازه مجيزون. وأيضاً يجاب بأَن ذلك من عموم المجاز واستعمال الورود فى العلم أو الرؤية إذا قلنا: إنه مجاز فعلاقته اللزوم لاستلزام الوصول إلى الشئ أو رأيتِه العلمَ به. واستعماله فى الحضور إن قلنا مجاز فعلاقته السببية مع القرب والتجاور؛ فإن حضور الشئ سبب لدخوله، أو اللزوم، فإن حضوره يستلزم دخوله استلزاماً بيانيا. والصحيح أن الورود حقيقة فى الحضور وفى الدخول أيضاً. وإن قلت: لو كان الورود ورودَ حضور أو رؤيةٍ أو علمٍ لا ورودَ دخولٍ لم يقل: ونذر الظالمين. قلت: إذا دخل الظالمون جهنم وتُركوا فيها ورآها المؤمنون من غير دخول فقد نجى الله المؤمنين وترك الظالمين فيها. ولك أن تقول: كل مِن ورود المؤمن والكافر ورود حضور ثم ينجِّى الله المؤمنين من دخولها، ويُدْخِل الكافرين فيها ويتركهم فيها جثيا كما كانوا حولها، ففى ذلك حذف أى ندخلهم ونذرهم. وما تقدم فى الورود مذهب ابن عباس. وروى عنه وعن ابن مسعود وخالد بن معدان وابن جريج والحسن وجابر ابن عبد الله وغيرهم أن الورود ورود دخول ونسب للأكثر، يدخلها المؤمن والكافر خامدة، فيعبرها المؤمنون، ثم تَحِرّ للكافرين. وقيل: يدخلها المؤمن والكافر، باردة للمؤمن حارة للكافر فى حال واحد. حديث : وسأل جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعض لبعض: أليس وعدَنا ربنا أن نرد النار؟ فقال لهم: قد وردتموها وهى خامدةتفسير : . وعن ابن عباس: كأنها إهلة أى رمل. وعن جابر:حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الورود: الدخول لا يبقى بار ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن برداً وسلاما كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتى إن للنار ضجيجا من بردهاتفسير : . والخمود - بالخاء المعجمة والجمود بالجيم - بمعنى واحد هنا وهما مرويان. وعنه صلى الله عليه وسلم:حديث : من له ثلاثة أولاد لم تسمه النار إلا تحَلةَ القَسَمتفسير : . يعنى بتحلة القَسَم {وإن منكم إلا واردها}. وفيه دليل على تقدير القسم كما مر تقديره أو أراد بالقسم ما أخبر الله به؛ فإن إخباره لتحققه كالإقسام. وعن المهدوى عن قتادة: يَرِدُ الناسُ جهنم وهى سوداء مظلمة فأَما المؤمن فتضئ له حسنته فينجو وأما الكافر فتوبقه سيئاته وتحبسه. روت حفصة عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يدخل النارَ أحد من أهل بدر والحديبية قالت: فقلت: يا رسول الله وأين قول الله جل ثناؤه: {وإن منكم إلا واردها}؟ فقال صلى الله عليه وسلم بانتهارٍ: مَهْ أى كفى. أفلم تسمعيه يقول: {ثم ننجى الذين اتقوا}تفسير : فهذا منه إشارة إلى دخول الكل وأن المؤمن يخرج منها بلا ضرر. وقد يقال: إن مراده أن المؤمن لا يدخلها أصلا، وإنه ينجَّى من دخولها. وفى رواية: يقول أهل الجنة: ألم تعدنا يا ربنا أن نَرِد النار؟ فيقال: بلى وقد وردتموها خامدة. وفى الحديث:حديث : تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورُك لهبى . تفسير : وعن نافع بن الأزرق أنه قال لابن عباس: ليس الورود الدخول. فقال ابن عباس: بلى فتلا:{أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون}تفسير : أدخلها هؤلاء أم لا؟ والله أنا وأنت ندخلها، وأرجو أن يخرجنى منها ولا يخرجك لتكذيبك بالآية. وهذا منه زجر لنافع وإلا فنافع غير مكذب بالآية لكن خالفه فى التفسير. وفى رواية: أما أنا وأنت فسندخلها وانظر هل نخرج منها أم لا؟ وإن قلت: فى دخول المؤمنين النار تخويف وزجر فكيف يدخلونها؟ قلت: فإن قال بدخولهم إما أن يقول: يدخلونها وهم لا يشعرون كما هو رواية أو يدخلونها وهم يعلمون ولكن يعلمهم الله أنها لا تضرهم. وأيضاً تقول النار للمؤمن: جز فقد أطفأ نورك لهبى إذا قارَب الدخول وإذا دخلها. كما لا تجد الملائكة ألمها. وفائدة دخولها زيادة سرورهم إذا علموا الخلاص منها وإذا خلصوا، وزيادة غم أهل النار إذا رأوا خلاصهم، وزيادة التذاذ أهل الجنة بنعيم بالجنة إذا شاهدوا بقاء الكفار فيها. وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود مع الجهل بالخروج. ولما نزلت الآية ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى فجاءت امرأته فبكت وجاء الخادم فبكى وجاء أهل البيت فبكوا. فلما انقطع بكاؤه فقال: يا هؤلاء ما يبكيكم؟ قالوا: لا ندرى لكن رأيناك تبكى. قال: آية نزلت يُنبئ فيها ربى أنى وارد النار ولم ينبئ أنى خارج. وفى رواية: ولم ينبئ أنى صادر عنها. فلا دليل فيها على أن الورود الدخول لإمكان إرادته أن يبكى من حضوره حولها أو عدم علمه أنه ينجو أم لا. واحتج أيضاً الذين فسروا بها الدخول بقوله تعالى:{أية : فأوردهم النار}تفسير : قال أبو القاسم البرادى: ولا حجة لهم فيه لأنه يلزم أن يكون فرعون هو الذى أدخل قومه النار. قلت للخصم: إن يَلزم أنه أدخلهم فإنه أضلهم، فهو سبب فى دخولهم. واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}. قال أبو القاسم: وهذا أيضا ساقط؛ فإن مجرور "فى" يصلح أن يكون ضميرا لعرصة القيامة أى أماكنها. والقنطرة: الجسر. قلت: وهذا من أبى القاسم فى هذا المقام إثبات للجسر الذى على النار الذى يقول قومنا: إنه أدق من الشعرة وأمضى من السيف ولا ضير فى ذلك ولو ادعى بعض الأصحاب شرك القائل به أو نفاقه وأنه ليس منا، وفى الشيخ هود مثله كما يأتى - إن شاء الله. واستدل أبو القاسم على أن الورود غير الدخول بقوله سبحانه وتعالى:{أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مُبعدون لا يسمعون حسيسها}، تفسير : وقوله جل وعلا:{أية : ربنا إنك مَن تُدْخِلِ النار فقد أخزيته}تفسير : والمؤمن لا يخزى. قلت: وللخصم أن يقول: المراد مُبعدون عن أن يعذبوا بها لا عن دخولها، كما أحضروا حولها ولم يبعدوا عن الحضور، فليسوا يدخلونها ويعذبون بها ويسمعون حسيسها وهم فى العذاب. وأما دخول النار بلا عذاب فليس بخزى، ولا يحكم على مَن قال بأن الورود هو الدخول بالكفر، ولا بالمعصية، بل روى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : لا يموت لأحد ثلاثةٌ من البنين فتمسَّه النار إلا تحَّلةَ القسمتفسير : . فهما نص فى أن الورود دخول. وفى تفسير الشيخ هود رحمه الله: إذا كان يوم القيامة قال الجبار: {أية : لمن المُلك اليومَ} تفسير : فلا مُجيب فيقول: {أية : لله الواحد القهار اليومَ تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب}تفسير : ثم يأتى عتق من النار يسمع وينظر ويتكلم، فيشرف عليهم فيقول: وُكِّلتُ بثلاثة: من ادعى مع الله إلهاً آخر، ومن ادعى أن الله والد، ومن ادعى لنفسه الربوبية، فتلقطهم التقاط الحمام للسمسم ثم تغوص بهم فتعود وتقول: إنى وُكِّلت بثلاثة: بمن سبَّ الله، وبمن كذب على الله، وبمن آذى الله فهمن سبه فهو الذى قال: إن الله اتخذ صاحبه والكاذب: منكر البعث{أية : وأقسموا بالله جَهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت}تفسير : والذين آذوا: هم المصورون فتلتقطهم كذلك. وذكروا عن ابن مسعود أن الصراط على جسر جهنم مثل حد السيف، والملائكة معهم كلاليب من حديد، كلما وقع رجل منهم اختطفته النار فيمر الصف الأول كالبرق والثانى كالريح والثالث كأجود الخيل والرابع كأجود البهائم والملائكة يقولون: اللهم سلّم سلّم ويمر الرجل ماشيا حافيا، ورجل على بطنه فيقول: يا رب لِمَ أبطأتَ بى؟ فيقول: أبطأ بكل عملك. انتهى كلام الشيخ هود. وقيل: الضمير فى واردها لعرصة القيامة. وقيل: للقنطرة التى على النار وهى رواية عن الحسن وابن مسعود وقتادة. وقيل: امراد بالخطاب الكفار. والورود: الدخول. وعن مجاهد: وورد المؤمن النار: هو مس الحمَّى جسده فى الدنيا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: الحمَّى من فيح جهنم وإن الحمى حظ كل مؤمن من النار فأبردوها بالماء. والفيحْ: الحر. {كَانَ} ورودها. {عَلَى رَبِّكَ حَتْماً} فرضا {مَقْضِيّاً} فضى به اسم مفعول، أصله مقضوى كمضروب، قلبت الواو ياء والضمة كسرة وكان الإدغام. والحتم مصدر يسمى به الواجب، أو بمعنى اسم مفعول أى محتوم. ومعنى كونه عليه حتما مقضيا أنه وعد به وعزم فلا يكون غيره. وقيل: معناه أنه أقسم عليه.

اطفيش

تفسير : {وإِنْ مِنْكُم} ما واحد منكم {إلا وَاردُها} التفات من الغيبة الى الخطاب للتأكيد، كما يدل له قراءة ابن عباس، وإن منهم إلا واردها، ويحتمل أن يكون استئنافاً خطاباً للناس كلهم، وهو واضح لا لمن ذكر قبل خاصة فلا التفات، وها فى واردها للقيامة عند ابن مسعود، والصحيح أنه لجهنم، والورود هنا المرور عليها بلا دخول، كما رواه عبد بن حميد وابن الأنبارى، والبيهقى عن الحسن البصرى، وكذا روى عن قتادة والحضور عام للكافر والمؤمن أو نقول الورود الدخول، أو نقول الخطاب للكفار كما يدل له قراءة ابن عباس رضى الله عنهما، وأن منهم وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أن الورود الحضور، والقرب كما فى قوله تعالى: "أية : ولما ورد ماء مدين" تفسير : [القصص: 23] وكما فسره إدريس لملك الموت فى قصته المذكورة آنفا، واختار بعضهم أن الورود حضورهم جاثين حولها. وأخرج الترمذى والطبرانى، عن يعلى بن أمية، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهيبى"تفسير : ، فنقول تقول ذلك عند مروره عليها، وأخرج ابن أبى شيبة، وعبد ابن حميد، والحكيم عن خالد بن معدان، إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ربنا ألم تعدنا أن نرد النار؟ قال: بلى ولكنكم مررتم عيها وهى خامدة، فهذا مرور حولها إذا لم يقل مررتم فيها، ولم تصح عندنا أحاديث دخول المسلمين فيها، وقولها جز يا مؤمن الخ وأنها برد عليه، وأن لها ضجة من برده، ولا ينافى حضورهم حولها قوله تعالى: "أية : أولئك عنها مبعدون"تفسير : [الأنبياء: 101] لأن المراد إبعادهم عن عذابها، أو إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبا منها، وعن مجاهد، أن ورود المؤمن النار مس الحمى جسده فى الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمى من فيح جهنم" تفسير : ولا دليل فى الحديث هذا على أن مس الحمى هو المراد فى قوله عز وجل: {وإن منكم إلا واردها}. وأخرج ابن جرير عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل موعوك وأنا معه، صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : إن الله تعالى يقول: هى نارى أسلطها على عبدى المؤمن لتكون حظه من النار فى الآخرة تفسير : ، ولا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم فى الدنيا النار فى الآخرة، وغايته أن المؤمن يحفظ من نار الآخرة، وكان عبدالله ابن رواحة يبكى، ويقول: أخبرنى ربى أنى وارد ولم يخبرنى أنى صادر. ويقول بعض الصحابة لبعض: هل أخبرك ربك أنك وارد؟ فيقول: نعم، فيقول هل أخبرك أنك صادر، فيقول لا فيقول ففيم الضحك. {كان} ورودهم إياها {عَلى ربِّك} متعلق بمحذوف خبر كان، والمنصوبان بعد خبران آخران، أو متعلق بكان أو بقوله {حَتْماً} واجباً فيكون الخبر حتما {مَقْضياً} قضى بوقوعه قطعاً خبر آخر، أو نعت لحتماً أو متعلق بمقضياً، ولو كان مقضياً نعتاً للفاصلة، بأن قدم متعلقة على منعوته، أو يعلق بمقضيا إذا لم يكن نعتا ولا واجبا على الله، والمعنى أن ذلك كأنه واجب بأن أوجبه الله على نفسه أو كأنه أوجبه أحد على الله سبحانه، عن كل نقص لكن الكلام مجاز، لا حقيق، والجملة فى معنى القسم أو قوله: {وإن منكم} إلى {مقضياً} ومعنى القسم، واليس قسما نحوياً، ويدل على أنه قسم فى المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم" تفسير : رواه البخارى ومسلم، والترمذى والنسائى وابن ماجه، عن أبى هريرة، يعنى: وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتما مقضياً". وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حرس من وراء المسلمين فى سبيل الله متطوعاً لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم" تفسير : فإن الله تعالى يقول: {وإنْ منكم إلا واردها} رواه أحمد والبخارى والطبرانى، عن معاذ بن أنس، وهذا الحديث يدل على أن المراد بورودها رؤيتها، وفيه بيان أن القسم هو قوله: {وإن منكم إلا واردها} فقط وهو قسم معنوى لا اصطلاحى كما مرَّ إلا أن عطف على جواب القسم الاصطلاحى، وهو قوله: {أية : ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً}تفسير : [مريم: 70] فإنه معطوف على الجواب، والمعطوف على الجواب جواب.

الالوسي

تفسير : {وَإِن مّنكُمْ } التفات إلى خطاب الإنسان سواء أريد منه العموم أو خصوص الكفرة لإظهار مزيد الاعتناء بمضمون الكلام. وقيل: هو خطاب للناس وابتداء كلام منه عز وجل بعدما أتم الغرض من الأول فلا التفات أصلاً. ولعله الأسبق إلى الذهن لكن قيل يؤيد الأول قراءة ابن عباس وعكرمة وجماعة {وإن منهم} أي وما منكم أحد {إِلاَّ وَارِدُهَا } أي داخلها كما ذهب إلى ذلك جمع كثير من سلف المفسرين وأهل السنة، وعلى ذلك قول تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 98]. وقوله تعالى في فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ } تفسير : [هود: 98]. واحتج ابن عباس بما ذكر على ابن الأزرق حين أنكر عليه تفسير الورود بالدخول وهو جار على تقدير عموم الخطاب أيضاً فيدخلها المؤمن إلا أنها لا تضره على ما قيل، فقد أخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وجماعة عن أبـي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال آخر: يدخلونها جميعاً ثم ينجي الله تعالى الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد الله رضي الله تعالى / عنه فذكرت له فقال: وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يبق بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم ثم ينجي الله تعالى الذين اتقوا»تفسير : ، وقد ذكر الإمام الرازي لهذا الدخول عدة فوائد في «تفسيره» فليراجع. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري والبيهقي عن الحسن: الورود المرور عليها من غير دخول، وروي ذلك أيضاً عن قتادة وذلك بالمرور على الصراط الموضوع على متنها على ما رواه جماعة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ويمر المؤمن ولا يشعر بها بناء على ما أخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد والحكيم وغيرهم عن خالد بن معدان قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ربنا ألم تعدنا أن نرد النار قال: بلى ولكنكم مررتم عليها وهي خامدة، ولا ينافي هذا ما أخرجه الترمذي والطبراني وغيرهما عن يعلى ابن أمية عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبـي» تفسير : لجواز أن لا يكون متذكراً هذا القول عند السؤال أو لم يكن سمعه لاشتغاله، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أنه قال في الآية: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها وورود المشركين أن لا يدخلوها، ولا بد على هذا من ارتكاب عموم المجاز عند من لا يرى جواز استعمال اللفظ في معنيين، وعن مجاهد أن ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحمى من فيح جهنم» تفسير : ولا يخفى خفاء الاستدلال به على المطلوب. واستدل بعضهم على ذلك بما أخرجه ابن جرير عن أبـي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من أصحابه وعك وأنا معه فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة» تفسير : وفيه خفاء أيضاً؛ والحق أنه لا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم في الدنيا النار في الآخرة، وقصارى ما يدل عليه أنه يحفظ من ألم النار يوم القيامة، وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أن الورود الحضور والقرب كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } تفسير : [القصص: 23] واختار بعضهم أن المراد حضورهم جاثين حواليها، واستدل عليه بما ستعلمه إن شاء الله تعالى، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى: {أية : أُوْلَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101] لأن المراد مبعدون عن عذابها، وقيل: المراد إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريباً منها. {كَانَ } أي ورودهم إياها {عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً } أمراً واجباً كما روي عن ابن عباس، والمراد بمنزلة الواجب في تحتم الوقوع إذ لا يجب على الله تعالى شيء عند أهل السنة {مَّقْضِيّاً } قضى بوقوعه البتة. وأخرج الخطيب عن عكرمة أن معنى كان حتماً مقضياً كان قسماً واجباً، وروي ذلك أيضاً عن ابن مسعود والحسن وقتادة، قيل: والمراد منه إنشاء القسم، وقيل: قد يقال: إن {عَلَىٰ رَبِّكَ } المقصود منه اليمين كما تقول: لله تعالى عليَّ كذا إذ لا معنى له إلا تأكد اللزوم والقسم لا يذكر إلا لمثله، وعلى ورد في كلامهم كثيراً للقسم كقوله:شعر : عليَّ إذا ما جئت ليلى أزورها زيارة بيت الله رجلان حافياً تفسير : فإن صيغة النذر قد يراد بها اليمين كما صرحوا به، ويجوز أن يكون المراد بهذه الجملة القسم كقولهم: عزمت عليك إلا فعلت كذا انتهى، ويعلم مما ذكر المراد من القسم فيما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يموت لمسلم ثلاثة من / الولد فيلج النار إلا تحلة القسم»تفسير : . وقال أبو عبيدة وابن عطية وتبعهما غير واحد: إن القسم في الخبر إشارة إلى القسم في المبتدأ أعني {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }، وصرح بعضهم أن الواو فيه للقسم، وتعقب ذلك أبو حيان بأنه لا يذهب نحوي إلى أن مثل هذه الواو واو قسم لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار وهو لا يجوز إلا إن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه كما في قوله:شعر : والله ما ليلي ينام صاحبه تفسير : وقال أيضاً: نص النحويون على أنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو بأن وأين ذلك في الآية، وجعل ابن هشام تحلة القسم كناية عن القلة وقد شاع في ذلك، ومنه قوله كعب:شعر : تخذي على يسرات وهي لاحقة ذوابل مسهن الأرض تحليل تفسير : فإن المعنى مسهن الأرض قليل كما يحلف الإنسان على شيء ليفعلنه فيفعل منه اليسير ليتحلل به من قسمه ثم قال: إن فيما قاله جماعة من المفسرين من أن القسم على الأصل وهو إشارة إلى قوله تعالى: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } الخ نظراً لأن الجملة لا قسم فيها إلا إن عطفت على الجمل التي أجيب بها القسم من قوله تعالى: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ}تفسير : [مريم: 68] إلى آخرها وفيه بعد انتهى. والخفاجي جوز الحالية والعطف، وقال: حديث البعد غير مسموع لعدم تخلل الفاصل وهو كما ترى، ولعل الأسلم من القيل والقال جعل ذلك مجازاً عن القلة وهو مجاز مشهور فيما ذكر، ولايعكر على هذا ما أخرجه أحمد والبخاري في «تاريخه» والطبراني وغيرهم عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله تعالى متطوعاً لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم فإن الله تعالى يقول: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }»تفسير : فإن التعليل صحيح مع إرادة القلة من ذلك أيضاً فكأنه قيل: لم ير النار إلا قليلاً لأن الله تعالى أخبر بورود كل أحد إياها ولا بد من وقوع ما أخبر به ولولا ذلك لجاز أن لا يراها أصلاً.

ابن عاشور

تفسير : لمّا ذكر انتزاع الذين هم أولى بالنّار من بقية طوائف الكفر عطف عليه أنّ جميع طوائف الشرك يدخلون النار، دفعاً لتوهم أنّ انتزاع من هو أشد على الرحمان عتياً هو قصارى ما ينال تلك الطوائف من العذاب؛ بأن يحسبوا أنّ كبراءهم يكونون فداء لهم من النّار أو نحو ذلك، أي وذلك الانتزاع لا يصرف بقية الشيع عن النّار فإن الله أوجب على جميعهم النّار. وهذه الجملة معترضة بين جملة{أية : فوربك لنحشرنهم}تفسير : [مريم: 68] الخ وجملة {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا}تفسير : [مريم: 73] الخ... فالخطاب في {وإن منكم} التفات عن الغيبة في قوله {أية : لنحشرنّهم ولنحضرنّهم}تفسير : [مريم: 68]؛ عدل عن الغيبة إلى الخطاب ارتقاء في المواجهة بالتهديد حتى لا يبقى مجال للالتباس المراد من ضمير الغيبة فإن ضمير الخطاب أعرَف من ضمير الغيبة. ومقتضى الظاهر أن يقال: وإن منهم إلا واردها. وعن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ {وإن منهم}. وكذلك قرأ عِكرمة وجماعة. فالمعنى: وما منكم أحد ممن نُزع من كلّ شيعة وغيرِه إلاّ واردُ جهنّم حتماً قضاه الله فلا مبدل لكلماته، أي فلا تحسبوا أن تنفعكم شفاعتهم أو تمنعكم عزّة شِيعكم، أو تُلقون التبعة على سادتكم وعظماء أهل ضلالكم، أو يكونون فداء عنكم من النّار. وهذا نظير قوله تعالى: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنّم لموعدهم أجمعين}تفسير : [الحجر: 42، 43]، أي الغاوين وغيرهم. وحرف (إنْ) للنفي. والورود: حقيقته الوصول إلى الماء للاستقاء. ويطلق على الوصول مطلقاً مجازاً شائعاً، وأما إطلاق الورود على الدخول فلا يُعرف إلا أن يكون مجازاً غير مشهور فلا بد له من قرينة. وجملة {ثمّ ننجي الذين اتّقوا} زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنّهم خالدون في العذاب، فليس ورودهم النّار بموقّت بأجل. و {ثمّ} للترتيب الرتبي تنويهاً بإنجاء الذين اتّقوا وتشويهاً بحال الذين يبقون في جهنم جُثيّاً. فالمعنى: وعلاوة على ذلك ننجي الذين اتّقوا من ورود جهنم. وليس المعنى: ثمّ ينجي المتقين من بينهم بل المعنى أنهم نَجَوْا من الورود إلى النّار. وذكر إنجاء المتقين: أي المؤمنين، إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين. وجملة {ونذر الظالمين فيها جثياً} عطف على جملة {وإن منكم إلاّ واردها}. والظالمون: المشركون. والتعبير بالّذين ظلموا إظهار في مقام الإضمار. والأصل: ونذركم أيها الظالمون. ونذر: نترك، وهو مضارع ليس له ماض من لفظه، أمات العرب ماضي (نذر) استغناء عنه بماضي (ترك)، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} تفسير : في سورة الأنعام (91). فليس الخطاب في قوله {وإن منكم إلاّ واردها} لجميع النّاس مؤمنهم وكافِرِهم على معنى ابتداء كلام؛ بحيث يقتضي أن المؤمنين يردون النّار مع الكافرين ثم يُنْجوَن من عذابها، لأنّ هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق، إذ لا مناسبة بينه وبين سياق الآيات السابقة، ولأنّ فضل الله على المؤمنين بالجنّة وتشريفهم بالمنازل الرفيعة ينافي أن يسوقهم مع المشركين مَساقاً واحداً، كيف وقد صُدّر الكلام بقوله {أية : فوربك لنحشرنهم والشياطين}تفسير : [مريم: 68] وقال تعالى: {أية : يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفداً ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً}تفسير : [مريم: 85، 86]، وهو صريح في اختلاف حشر الفريقين. فموقع هذه الآية هنا كموقع قوله تعالى: {أية : وإن جهنم لموعدهم أجمعين}تفسير : [الحجر: 43] عقب قوله {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}تفسير : [الحجر: 42]. فلا يتوهم أن جهنّم موعد عباد الله المخلصين مع تقدّم ذكره لأنّه ينبو عنه مقام الثناء. وهذه الآية مثار إشكال ومحطّ قيل وقال؛ واتفق جميع المفسرين على أن المتّقين لا تنالهم نار جهنّم، واختلفوا في محل الآية فمنهم من جعل ضمير {منكُم} لجميع المخاطبين بالقرآن، ورووه عن بعض السلف فصدمَهم فساد المعنى ومنافاة حكمة الله والأدلّة الدالة على سلامة المؤمنين يومئذ من لقاء أدنى عذاب، فسلكوا مسالك من التّأويل، فمنهم من تأوّل الورود بالمرور المجرد دون أن يمس المؤمنين أذى، وهذا بُعد عن الاستعمال، فإن الورود إنما يراد به حصول ما هو مودع في المَورد لأنّ أصله من وُرود الحوض. وفي آي القرآن ما جاء إلاّ لمعنى المصير إلى النّار كقوله تعالى: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها}تفسير : [الأنبياء: 98، 99] وقوله {أية : يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود}تفسير : [هود: 98] وقوله {أية : ونسوق المجرمين إلى جهنم وِرداً}تفسير : [مريم: 86]. على أن إيراد المؤمنين إلى النّار لا جدوى له فيكون عبثاً، ولا اعتداد بما ذكره له الفخر ممّا سمّاه فوائد. ومنهم من تأوّل ورود جهنّم بمرورالصراط، وهو جسر على جهنّم، فساقوا الأخبار المروية في مرور الناس على الصراط متفاوتين في سُرعة الاجتياز. وهذا أقل بُعداً من الذي قبله. وروى الطبري وابن كثير في هذين المحملين أحاديث لا تخرج عن مرتبة الضعف مما رواه أحمد في «مسنده» والحكيمُ التّرمذي في «نوادر الأصول». وأصح ما في الباب ما رواه أبو عيسى الترمذي قال: «حديث : يرد النّاس النّار ثمّ يصدرون عنها بأعمالهم»تفسير : الحديث في مرور الصراط. ومن النّاس من لفق تعضيداً لذلك بالحديث الصحيح: أنه «حديث : لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النّار إلاّ تَحلة القسم»تفسير : فتأول تحلة القسم بأنها ما في هذه الآية من قوله تعالى: {وإن منكم إلاَّ واردها} وهذا محمل باطل، إذ ليس في هذه الآية قسم يتحلل، وإنّما معنى الحديث: إن من استحق عذاباً من المؤمنين لأجل معاص فإذا كان قد مات له ثلاثة من الولد كانوا كفارة له فلا يلج النّار إلاّ ولوجاً قليلاً يشبه ما يفعل لأجل تحلة القسم، أي التحلل منه. وذلك أن المقسم على شيء إذا صعب عليه بر قسمه أخذ بأقل ما يتحقق فيه ما حلف عليه، فقوله «تحلة القسم» تمثيل. ويروى عن بعض السلف روايات أنّهم تخوفوا من ظاهر هذه الآية، من ذلك ما نقل عن عبد الله بن رواحة، وعن الحسن البصري، وهو من الوقوف في موقف الخوف من شيء محتمل. وذكر فعل {نَذَرُ} هنا دون غيره للإشعار بالتحقير، أي نتركهم في النار لا نعبأ بهم، لأن في فعل الترك معنى الإهمال. والحتم: أصله مصدر حتمه إذ جعله لازماً، وهو هنا بمعنى المفعول، أي محتوماً على الكافرين، والمقضي: المحكوم به. و{جُثِيّ} تقدم. وقرأ الجمهور {ثمّ نُنَجِّي} بِفَتح النون الثانية وتشديد الجيم، وقرأه الكسائي بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم.

الشنقيطي

تفسير : اختلف العلماء في المراد بورود النار في هذه الآية الكريمة على أقوال: الأول: أن المراد بالورود الدُّخول، ولكن الله يصرفُ أذاها عن عباده المتقين عند ذلك الدخول. الثاني: أن المراد بورود النار المذكور: الجواز على الصراط، لأنه جسر منصوب على متن جهنم. الثالث: أن الورود المذكور هو الإشراف عليها والقرب منها. الرابع: أن حظ المؤمنين من ذلك الورود هو حر الحمى في دار الدنيا. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن فغلبته فيه دليل استقرائي على عدم خروجه من معنى الآية. وقد قدمنا أمثلة لذلك. فإذا علمت ذلك - فاعلم أن ابن عباس رضي الله عنهما استدل على المراد بورود النار في الآية بمثل ذلك الدليل الذي ذكرنا أنه من أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك. وإيضاحه - أن ورود النار جاء في القرآن في آيات متعددة، والمراد في كل واحدة منها الدخول. فاستدل بذلك ابن عباس على أن "الورود في الآية التي فيها النزاع هو الدخول"، لدلالة الآيات الأخرى على ذلك، كقوله تعالى: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ}تفسير : [هود: 98] قال: فهذا ورود دخول، وكقوله: {أية : لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ }تفسير : [الأنبياء: 99] فهو ورود دخول أيضاً، وكقوله: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً}تفسير : [مريم: 86] وقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 98] وبهذا استدل ابن عباس على نافع بن الأزرق في "أن الورود الدخول". واحتج من قال بأن الورود: الإشراف والمقاربة بقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ}تفسير : [القصص: 23] الآية. قال: فهذا ورود مقاربة وإشراف عليه. وكذا قوله تعالى: {أية : فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ}تفسير : [يوسف: 19] الآية. ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: شعر : فلما وردن الماء زرقاً جمامه وضعهن عصي الحاضر المتخيم تفسير : قالوا: والعرب تقول: وردت القافلة البلد وإن لم تدخله، ولكن قربت منه. واحتج من قال بأن الورود في الآية التي نحن بصددها - ليس نفس الدخول بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 101 -102] قالوا: إبعادهم عنها المذكور في هذه الآية يدل على عدم دخولهم فيها؛ فالورود غير الدخول. واحتج من قال: بأن ورود النار في الآية بالنسبة للمؤمنين - حر الحمى في دار الدنيا - بحديث "حديث : الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء"تفسير : وهو حديث متفق عليه من حديث عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وابن عمر ورافع بن خديج رضي الله عنهم. ورواه البخاري أيضاً مرفوعاً عن ابن عباس. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: قد دلت على أن الورود في الآية معناه الدخول - أدلة: الأول - هو ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن جميع ما في القرآن من ورود النار معناه دخولها غير محل النزاع، فدل كذلك على أن محل النزاع كلك، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. الدليل الثاني - هو أن في نفس الآية قرينة دالة على ذلك، وهي أنه تعالى لما خاطب جميع الناس بأنهم سيردون النار برهم وفاجرهم بقوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} بين مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكور بقوله: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا} أي نترك الظالمين فيها- دليل على أن ورودهم لها دخولهم فيها، إذ لو لم يدخلوها لم يقل: ونذر الظالمين فيها. بل يقول: ونُدخل الظالمين، وهذا واضح كما ترى وكذلك قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} دليل على أنهم وقعوا فيما من شأنه أنه هلكة، ولذا عطف على قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}. الدليل الثالث - ما روي من ذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة: أخرج أحمد وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فذكرت له ذلك فقال وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها: فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فِيها جثياً"تفسير : اهـ. وقال ابن حجر في (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف) في هذا الحديث: رواه أحمد وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد قالوا: حدثنا سليمان بن حرب، وأخرجه أبو يعلى والنسائي في الكنى، والبيهقي في الشعب في باب النار، والحكيم في النوادر، كلهم من طريق سليمان قال: حدثنا أبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فسألنا جابراً فذكر الحديث أتم من اللفظ الذي ذكره الزمخشري. وخالفهم كلهم الحاكم فرواه من طريق سليمان بهذا الإسناد فقال عن سمية الأزدية عن عبد الرحمن بن شيبة بدل أبي سمية عن جابر اهـ. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: إنا اختلفنا في الورود فقال: يدخلونها جميعاً. ثم ذكر الحديث المتقدم. ثم قال ابن كثير رحمه الله: غريب ولم يخرجوه. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الإسناد المذكور لا يقل عن درجة الحسن لأن طبقته الأولى سليمان بن حرب، وهو ثقة إمام حافظ مشهور. وطبقته الثانية: أبو صالح أو أبو سلمة غالب بن سليمان العتكي الجهضمي الخراساني أصله من البصرة، وهو ثقة. وطبقته الثالثة: كثير بن زياد أبو سهل البرساني بصري نزل بلخ، وهو ثقة. وطبقته الرابعة: أبو سمية وقد ذكره ابن حبان في الثقات، قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب: وبتوثيق أبي سمية المذكور تتضح صحة الحديث، لأن غيره من رجال هذا الإسناد ثقات معروفون، مع أن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرآن وبالآيات الأخرى التي استدل بها ابن عباس - وآثار جاءت عن علماء السلف رضي الله عنهم كما ذكره ابن كثير عن خالد بن معدان، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وذكره هو وابن جرير عن أبي ميسرة، وذكره ابن كثير عن عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، كلهم يقولون: إنه ورود دخول. وأجاب من قال: بأن الورود في الآية الدخول عن قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 101] بأنهم مبعدون عن عذابها وألمها. فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حر منها كما أوضحناه في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في الكلام على هذه الآية الكريمة. وأجابوا عن الاستدلال بحديث "الحمى من فيح جهنم" بالقول بموجبه، قالوا: الحديث حق صحيح ولكنه لا دليل فيه لمحل النزاع، لأن السياق صريح في أن الكلام في النار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدنيا، لأن أول الكلام قوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً}تفسير : [مريم: 68] - إلى أن قال - {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فدل على أن كل ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى. والقراءة في قوله: {جثيا} كما قدمنا في قوله {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً}. وقوله: {ثم ننجي} قراءة الكسائي بإسكان النون الثانية وتخفيف الجيم، وقرأه الباقون بفتح النون الثانية وتشديد الجيم. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) أن جماعة رووا عن ابن مسعود: "أن ورود النار - المذكور في الآية - هو المرور عليها، لأن الناس تمر على الصراط وهو جسر منصوب على متن جهنم" وأن الحسن وقتادة روي عنهما نحو ذلك أيضاً. وروي عن ابن مسعود أيضاً مرفوعاً: "أنهم يردونها جميعاً ويصدرون عنها بحسب أعمالهم". وعنه أيضاً تفسير "الورود بالوقوف عليها". والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في الآية الكريمة: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} يعني أن ورودهم النار المذكور كان حتماً على ربك مقضياً، أي أمراً واجباً مفعولاً لا محالة، والحتم: الواجب الذي لا محيد عنه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي: شعر : عبادك يخطؤون وأنت رب يكفيك المنايا والحتوم تفسير : فقوله: "والحتوم" جمع حتم، يعنى الأمور الواجبة التي لا بد من وقوعها. وما ذكره جماعة من أهل العلم من أن المراد بقوله: {حتماً مقضياً} قسماً واجباً"، كما روي عن عكرمة وابن مسعود ومجاهد وقتادة وغيرهم - لا يظهر كل الظهور. واستدل من قال: إن في الآية قسماً بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين. قال البخاري في صحيحه: حدثنا علي، حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يموت لمسلم ثلاثة من الولدِ فيلج النار إلا تحلة القسم"تفسير : قال أبو عبد الله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} اهـ. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةُ من الولدِ فتمسه النار إلا تحلة القسم"تفسير : . حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب قالوا. حدثنا سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا عبد بن حميد، وابن رافع، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري بإسناد مالك، وبمعنى حديثه إلا أن في حديث سفيان "فيلج النار إلا تحلة القسم" اهـ. قالوا: المراد بالقسم المذكور في هذا الحديث الصحيح هو قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} وهو معنى ما ذكرنا عن البخاري في قوله: قال أبو عبد الله {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}. واللذين استدلوا بالحديث المذكور، على أن الآية الكريمة قسماً اختلفوا في موضع القسم من الآية، فقال بعضهم: هو مقدر دل عليه الحديث المذكور، أي والله وإن منكم إلا واردها. وقال بعضهم: هو معطوف على القسم قبله، والمعطوف على القسم قسم، والمعنى: فوربِّك لنحشرنهم والشياطين وربك إن منكم إلا واردها، وقال بعضهم: القسم المذكور مستفاد من قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} أي قسماً واجباً كما قدمناه عن ابن مسعود ومجاهد، وعكرمة، وقتادة. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق. فإن قوله تعالى: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} تذييل وتقرير لقوله {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} وهذا بمنزلة القسم في تأكيد الإخبار. بل هذا أبلغ للحصر في الآية بالنفي والإثبات. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن الآية ليس يتعين فيها قسم. لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم. والحكم بتقدير قسم في كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على معنى كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه. وحديث أبي هريرة المذكور المتفق عليه لا يتعين منه أن في الآية قسماً. لأن من أساليب اللغة العربية التعبير بتحلة القسم عن القلة الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلاً.يقولون: ما فعلت كذا إلا تحلة القسم، يعنون إلا فعلاً قليلاً جداً قدر ما يحلل به الحالف قسمه. وهذا أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته: شعر : تخدي على يسرات وهي لاصقة ذوابل مسهن الأرض تحليل تفسير : يعني: أن قوائم ناقته لا تمس الأرض لشدة خفتها إلا قدر تحليل القسم، ومعلوم أنه لا يمين من ناقته أنها تمس الأرض حتى يكون ذلك المس تحليلاً لها كما ترى. وعلى هذا المعنى المعروف: فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : إلا تحلة" تفسير : أي لا يلج النار إلا ولوجاً قليلاً جداً لا ألم فيه ولا حر، كما قدمنا في حديث جابر المرفوع. وأقرب أقوال من قالوا: إن في الآية قسماً قول من قال إنه معطوف على قوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ }تفسير : [مريم: 68] لأن الجمل المذكورة بعده معطوفة عليه، كقوله: {أية : ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ}تفسير : ، وقوله: {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنّ}تفسير : [مريم: 96] وقوله: {أية : ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ}تفسير : [مريم: 70] لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك. أما قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فهو محتمل للعطف أيضاً، ومحتمل للاستئناف. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (71) - وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ يَدْنُو مِنْ نَار جََهَنَّمَ، وَيَصِيرُ حَوْلَها (أَوْ يَدْخُلُهَا فِعْلاً)، وَقَدْ قَضَى اللهُ رَبُّكَ بِذَلِكَ، وَجَعَلَهُ أَمْراً مَحْتُوماً، مَفْرُوغاً مَنْهُ. وَفِي الحَدِيثِ: (حديث : يَرِدُ النَّاسُ كُلُّهُمُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ). تفسير : (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتَّرْمِذِيُّ). (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: حديث : لاَ يَبْقَى بَرٌّ وَلاَ فَاجِرٌ إِلاَ دَخَلَها - أَيْ النَّارَ - فَتَكُونُ عَلَى المُؤْمِنُ بَرْداً وَسَلاماً، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيْجاً مِنْ بَرْدِهِمْ، ثُمَّ يُنَجِّى اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوا، وَيَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً

الثعلبي

تفسير : {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قيل: في الآية اضمار مجازه: والله إنْ منكم يعني ما منكم من أحد ألاّ واردها يعني النار، واختلف الناس في معنى الورود حسب اختلافهم في الوعيد، فأمّا الوعيد فإنّهم قالوا: إنّ من دخلها لم يخرج منها، وقالت المرجئة: لا يدخلها مؤمن، واتّفقوا على أنّ الورود هو الحضور والمرور، فأمّا أهل السنّة فإنّهم قالوا: يجوز أن يعاقب الله سبحانه العصاة من المؤمنين بالنار ثم يخرجهم منها، وقالوا: معنى الورود الدخول، واحتجّوا، بقول الله سبحانه حكاية عن فرعون {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} تفسير : [هود: 98] وقال في الأصنام وعبدتها {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] {أية : لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} تفسير : [الأنبياء: 99] فلو لم يكن الورود في هذه الآيات بمعنى الدخول لوجب أن يدخل الأصنام وعبدتها وفرعون وقومه الجنّة لأن من مرَّ على النار فلابّد له من الجنّة لأنه ليس بعد الدنيا دار إلاّ الجنّة أو النار، والذي يدلّ على أنّ الورود هو الدخول قوله في سياق الآية {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} والنجاة لا تكون إلاّ ممّا دخلت فيه وأنت ملقىً فيه، قال الله سبحانه {أية : وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنبياء: 88] واللغة تشهد لهذا، تقول العرب: ورد كتاب فلان، ووردتُ بلد كذا، لا يريدون جزت عليها وإنّما يريدون دخلتها، ودليلنا أيضاً من السنّة. وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه قال: حدَّثنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدَّثنا محمد بن نصر بن منصور الصائغ الشيخ الصالح قال: حدَّثنا سليمان بن حرب قال: حدَّثنا أبو صالح غالب بن سليمان عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سميّة قال: اختلفنا في الورود ها هنا بالبصرة فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال آخرون: يدخلونها جميعاً، فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فأهوى بإصبعيه إلى أُذنيه وقال: صمّتا إن لم أكن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الورود: الدخول، لا يبقى بّر ولا فاجر إلاّ دخلها فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى أنّ للنار أو لجهنم ضجيجاً لمن تردهم {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} ". تفسير : وأخبرنا شعيب بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدَّثنا روح بن عبدان قال: حدَّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنّ نافع بن الأزرق ما رأى ابن عباس يقول ابن عباس: الورود الدخول ويقول نافع ليس الورود الدخول فتلا ابن عباس {أية : حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] أدخل هؤلاء أم لا؟ {أية : فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} تفسير : [هود: 98] أدخل هؤلاء أم لا؟ والله أنا وأنت فسنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك. وبإسناده عن ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: ما من مسلم يموت له ثلاث من الولد إلاّ لم يلج النار إلاّ تحلّة القَسَم ثم قرأ {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} . وبإسناده عن روح قال: حدَّثنا شعبة قال: أخبرني إسماعيل السدىّ عن مرّة الهمداني عن ابن مسعود في قوله {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: يردونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم. وبه عن روح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، تمرّ الطائفة الأُولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجوَد الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثمّ يمرّون والملائكة يقولون: اللهمّ سلّم سلّم. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الاصبهاني قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الهروي قال: حدَّثنا الحسين بن إدريس قال: حدَّثنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيبنة عن رجل عن الحسن قال: قال رجل لأخيه: أي أخ هل أتاك أنكّ وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنّك خارج منها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك إذاً؟ قال: فما رؤي ضاحكاً حتى مات. وبإسناده عن عبد الله بن المبارك عن مالك بن معول عن أبي إسحاق عن ابن ميسرة أنّه أوى إلى فراشه فقال: يا ليت أُمي لم تلدني، فقالت امرأته: يا أبا ميسرة، إنّ الله سبحانه قد أحسن إليك، هداك إلى الإسلام فقال: أجل، ولكنّ الله قد بيّن لنا أنّا واردو النار ولم يبيّن لنا أنّا صادرون منها، وأنشد في معناه: شعر : لقد أتانا ورود النار ضاحية حقّاً يقيناً ولمّا يأتِّنا الصَّدَرُ تفسير : فإن قيل: فخبّرونا عن الأنبياء هل يدخلون النار؟ يقال لهم: لا تطلق هذه اللفظة بالتخصيص فيهم بل نقول: إنّ الخلق جميعاً يردونها. فإن احتجّوا بقوله {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} تفسير : [القصص: 23] يقال لهم: إنّ موسى لم يمرّ على تلك البئر، وإنّما استقى لابنتي شعيب وروى الأغنام وأقام، وهو معنى الدخول، والعرب تعبر عن الحي وأماكنهم بذكر الماء، فتقول: ماء بني فلان. فإن قيل: فكيف يجوز أن يدخلها من قد أخبر الله سبحانه أنّه لا يسمع حسيسها ولا يدخلها؟ قيل: إن الله سبحانه أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنّهم لا يسمعون حسيسها فيجوز أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة لأن الله سبحانه لم يقل: لم يسمعوا حسيسها ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها إذ الله عزّ وجلّ قادر على ان يجعلها عليهم برداً وسلاماً. وكذلك تأويل قوله لاا يَدْخُلونَ النّارَ أي لا يخلدون فيها، أو لا يتألّمون ويتأذّون بها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا أبو الأزهر قال: حدَّثنا مؤمّل بن إسماعيل عن أبي هلال عن قتادة عن أنس في قول الله سبحانه {أية : إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} تفسير : [آل عمران: 192] فقال: إنّك من تخلّد في النّار فقد أخزيته. والدليل على أنّ الخلق جميعاً يدخلون النار ثمَّ ينجي الله المؤمنين بعضهم سالمين غير آلمين وبعضهم معذّبين معاقبين ثم يدخلهم جميعاً الجنة برحمته، ما أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن حامد الأبيوردي قال: حدَّثنا أبو سعيد عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أُم مبشر حديث : عن حفصة قالت: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: إنّي أرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية قالت: قلت: يا رسول الله أليس قد قال الله سبحانه {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} ؟ قال: أفلم تسمعيه يقول {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} !؟. تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان قال: أخبرنا جبغوية بن محمد قال: أخبرنا صالح بن محمد بن عبد العزيز بن المسيّب عن الربيع بن بدر عن أبي مسعود عن العباس عن كعب أنّه قال في هذه الآية {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: ترفع جهنّم يوم القيامة كأنّها متن اهالة وتستوي أقدام الخلائق عليها، فينادي مناد أن خذي أصحابك ودعي أصحابي، فتخسف بهم وهي أعرف بهم من الوالدة بولدها، ويمرّ أولياء الله عزّ وجلّ بندي ثيابهم، وقال خالد بن معدان: يقول أهل الجنة: ألم يعدنا ربّنا أن نرد النّار؟ فيقال: بلى ولكنّكم مررتم بها وهي خامدة. وروى خالد بن أبي الدريك عن يعلى بن منبّه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تقول النار للمؤمن يوم القيامة جزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدَّثنا محمد بن يعقوب قال: حدَّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي قال: حدَّثنا عبد الرَّحْمن بن أبي حمّاد عن يحيى بن يمان عن عثمان الأسود عن مجاهد في قوله {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برّة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرّة ". تفسير : {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } يعني اتقوا الشرك وهم المؤمنون، وفي مصحف عبد الله: ثَمّ ننجي بفتح الثاء يعني هناك {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ} أي الكافرين {فِيهَا } في النار {جِثِيّاً} جميعاً، وقيل: على الرُّكَب. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدَّثنا داود بن سليمان قال: حدَّثنا عبد بن حميد قال: حدَّثنا سعيد بن عامر عن حشيش أبي محرز قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: هبك ننجو بعد كم ننجو؟ {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني النضر بن الحرث ودونه من قريش {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يعني فقراء أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون يرجّلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون خير ثيابهم فقالوا للمؤمنين: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً} منزلاً ومسكناً، وقرأ أهل مكة مقاماً بالضّم أي إقامة {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} يعني مجلساً، ومثله النادي، ومنه دار الندوة لأنّ المشركين كانوا يجلسون فيها ويتشاورون في أُمورهم، قال الله تعالى مجيباً لهم {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً} أي متاعاً، وقال ابن عباس: هيئة وقال مقاتل: ثياباً. {وَرِءْياً} أي منظراً، وقرأ أُبي: وزّياً بالزاي وهو الهيئة. {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} أي فليدعه في طغيانه ويمهله في كفره {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} من العذاب { إِمَّا ٱلعَذَابَ} في الدنيا {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} يعني القيامة {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} أهم أم المؤمنون. {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى} أي إيماناً ويقيناً يعني المؤمنين، يقال: ويزيد الله الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} عاقبة ومرجعاً {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا}. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدَّثنا أبو معاوية قال: حدَّثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خبّاب بن الأرتّ قال: كان لي دَين على العاص فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد قلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإنّي إذا متّ ثم بعثت جئتني، وسيكون لي ثَمّ مال وولد فأُعطيك، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال الكلبي ومقاتل: كان خبّاب بن الأرتّ قيناً وكان يعمل للعاص بن وائل السهمي وكان العاص يؤخّر حقّه الشيء بعد الشيء إلى الموسم، فكان حسن الطلب فصاغ له بعض الحلي فأتاه يتقاضاه الأجرة فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال له الخباب: لست مفارقك حتى تقضي، فقال له العاص: يا خبّاب مالك؟ ماكنت هكذا وإن كنت حسن الطلب المخالطة، فقال خبّاب: ذلك أنّي كنت على دينك فأمّا اليوم فأنا على الإسلام مفارق لدينك فلا، قال: أفلستم تزعمون أنّ في الجنة ذهباً وفضة وحريراً؟ قال الخبّاب: بلى، قال: فأخرّني حتى أقضيك في الجنة استهزاءً فو الله لئن كان ما تقول حقاً فإنىّ لأفضل فيها نصيباً منك، فأنزل الله سبحانه {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} يعني العاص {وَقَالَ لأُوتَيَنَّ} لأُعطين {مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟ {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} يعني أم قال: لا إله إلا الله، وقال قتادة: يعني عملاً صالحاً قدّمه، وقال الكلبي: عهد إليه أنّه يُدخله الجنة. {كَلاَّ} ردٌّ عليه يعني لم يفعل ذلك {سَنَكْتُبُ} سنحفظ عليه {مَا يَقُولُ} يعني المال والولد. {وَيَأْتِينَا فَرْداً} في الآخرة ليس معه شيء. {وَٱتَّخَذُواْ} يعني مشركي قريش {مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} يعني الأصنام {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} في الآخرة ويتبرأون منهم {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أعداء وقيل: أعواناً. {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} يعني سلّطناهم عليهم وذلك حين قال لإبليس {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}تفسير : [الإسراء: 64] الآية. {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} قال ابن عباس: تزعجهم ازعاجاً من الطاعة إلى المعصية. وقال الضحاك: يأمرهم بالمعاصي أمراً، وقال سعيد بن جبير: تغريهم إغراءً وقال مجاهد: تشليهم أشلاءً وقال الأخفش: توهجهم، وقال المؤرّخ: تحرّكهم، وقال أبو عبيد: تغويهم وتهيجهم، وقال القتيبي: تخرجهم إلى المعاصي، وأصله الحركة والغليان ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ولجوفه أزيز كأزيز المرجل ". تفسير : {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} بالعذاب {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} قال الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور والسنين، وقيل: الأنفاس، يقال: إنّ المأمون كان يقرأ سورة مريم وعنده الفقهاء فلمّا انتهى إلى هذه الآية التفت إلى محمد بن السماك مشيراً عليه بأن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ} يعني الموحّدين {إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} أي جماعات وهو جمع وافد مثل راكب وركب وصاحب وصحب. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن يحيى قال: حدَّثنا............. وهب بن جرير عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن رجل عن أبي هريرة {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: على الإبل، وقال ابن عباس: ركباناً يؤتون بنوق عليها رحال الذهب، وأزمّتها الزبرجد فيحملون عليها، وقال علىّ بن أبي طالب: "ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها ذهب، ونجائب سرجها يواقيت، إن همّوا بها سارت، وإن همّوا بها طارت". أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن شاذان عن صعوبة بن محمد، حدَّثنا صالح ابن محمد عن إبراهيم بن عن صالح بن صدقة "حديث : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الاية {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: قلت: يا رسول الله إني رأيت وفود الملوك فلم أرَ وفداً إلاّ ركبانا فما وفد الله؟ قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم:يا علي إذا كان المنصرف من بين يدي الله تلقّت الملائكة المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزّمتها الذهب، على كلّ مركب حُلّة لا تساويها الدنيا، فيلبس كلّ مؤمن حلّته ثم يستوون على مراكبهم فتهوى بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة تتلقّاهم الملائكة {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] ". تفسير : وقال الربيع: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: يفدون إلى ربهم فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ} يعني الكافرين {إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} قال المفسّرون: عطاشى، مشاة على أرجلهم قد تقطّعت أعناقهم من العطش، والورد جماعة يردون الماء، اسم على لفظ المصدر {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ * إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} يعني لا إله إلاّ الله، ومن في موضع النصب على الاستثناء. قال ابن عباس: يعني لا يشفع إلاّ من شهد أن لا إله إلاّ الله تبرّأ من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله عزّ وجلّ. وقال بعضهم: معناه إلاّ لمن اتخذ، نظيره {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] قال مقاتل {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} يعني اعتقد بالتوحيد. وقال قتادة: عمل بطاعة الله، وروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله علائم يقول لأصحابه ذات يوم: "حديث : أيعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح ومساء عند الله عهداً؟ قالوا: كيف ذاك؟ قال: يقول كلّ صباح ومساء: اللهمّ فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إنّي أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنىّ أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمّداً عبدك ورسولك، وأنّك إن تكلني إلى نفسي تقرّبني من الشرّ وتباعدني من الخير، وإنّي لا أثق إلاّ برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفّينيه يوم القيامة إنّك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرَّحْمن عهدٌ فيدخلون الجنة؟ ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا خطاب عام لجميع الخلْق دون استثناء، بدليل قوله تعالى بعدها: {أية : ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ..}تفسير : [مريم: 72] إذن: فالورود هنا يشمل الأتقياء وغيرهم. فما معنى الورود هنا؟ الورود أن تذهب إلى مصدر الماء للسقيا أي: أخْذ الماء دون أنْ تشرب منه، كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ ..}تفسير : [القصص: 23] أي: وصل إلى الماء. إذن: معنى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ..} [مريم: 71] أي: أنكم جميعاً مُتقون ومجرمون، سترِدُون النار وتروْنها؛ لأن الصراط الذي يمرُّ عليه الجميع مضروب على مَتْن جهنم. وقد ورد في ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فنَاجٍ مُسلَّم، ومخدوش به، ثم ناج ومحتبس به، ومنكوس ومكدوس فيها ". تفسير : فإذا ما رأى المؤمن النار التي نجاه الله منها يحمد الله ويعلم نعمته ورحمته به. ومن العلماء مَنْ يرى أن ورد أي: أتى الماء وشرب منه ويستدلون بقوله تعالى: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ..}تفسير : [هود: 98] أي: أدخلهم. لكن هذا يخالف النسق العربي الذي نزل القرآن به، حيث يقول الشاعر: شعر : وَلَمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمامُه وَضَعْنَا عِصِيَّ الحاضِرِ المتَخَيِّمِ تفسير : أي: حينما وصلوا إلى الماء ضربوا عنده خيامهم، فساعةَ أنْ وصلوا إليه وضربوا عنده خيامهم لم يكونوا شَرِبوا منه، أو أخذوا من مائه، فمعنى الورود أي: الوصول إليه دون الشُّرب من مائه. وأصحاب هذه الرأي الذين يقولون {وَارِدُهَا} [مريم: 71] أي: داخلها يستدلون كذلك بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}تفسير : [مريم: 72] يقولون: لو أن الورود مجرد الوصول إلى موضع الماء دون الشرب منه أو الدخول فيه ما قال تعالى: {أية : وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا}تفسير : [مريم: 72] ولِقَال: ثم يُنجِّي اللهُ الذين اتقوا ويُدخِل الظالمين .. لكن {أية : وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [مريم: 72] فيها الدليل على دخولهم جميعاً النار. فعلى الرأي الأول: الورود بمعنى رؤية النار دون دخولها، تكون الحكمة منه أن الله تعالى يمتنُّ على عباده المؤمنين فيُريهم النار وتسعيرها؛ ليعلموا فضل الله عليهم، وماذا قدَّم لهم الإيمان بالله من النجاة من هذه النار، كما قال تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}تفسير : [آل عمران: 185]. ويمكن فَهْم الآية على المعنى الآخر: الورود بمعنى الدخول؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى خلق الأشياء، وخلق لكل شيء طبيعةً تحكمه، وهو سبحانه وحده القادر على تعطيل هذه الطبيعة وسلبها خصائصها. كما رأينا في قصة إبراهيم عليه السلام، فيكون دخول المؤمنين النارَ كما حدث مع إبراهيم، وجَعْلها الله تعالى عليه بَرْداً وسلاماً، وقد مكَّنكم الله منه، فألقوه في النار، وهي على طبيعتها بقانون الإحراق فيها، ولم يُنزِل مثلاً على النار مطراً يُطفِئها ليوفر لهم كل أسباب الإحراق، ومع ذلك ينجيه منها لتكون المعجزة ماثلةً أمام أعينهم. وكما سلب الله طبيعة الماء في قصة موسى عليه السلام فتجمد وتوقفت سيولته، حتى صار كل فِرْقٍ كالطوْد العظيم، فهو سبحانه القادر على تغيير طبائع الأشياء. إذن: لا مانع من دخول المؤمنين النارَ على طريقة إبراهيم عليه السلام {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69]. ثم يُنجِّي الله المؤمنين، ويترك فيها الكافرين، فيكون ذلك أنْكَى لهم وأغيظ. ثم يقول تعالى: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} [مريم: 71] الحتْم: هو الشيء الذي يقع لا محالةَ، والعبد لا يستطيع أنْ يحكم بالحتمية على أيّ شيء؛ لأنه لا يملك المحتوم ولا المحتوم عليه. فقد تقول لصديقك: أحتم عليك أنْ تزورني غداً، وأنت لا تملك من أسباب تحقيق هذه الزيارة شيئاً، فمَنْ يدريك أن تعيشَ لغد؟ ومَنْ يدريك أن الظروف لن تتغير وتحُول دون حضور هذا الصديق؟ إذن: أنت لا تحتم على شيء، إنما الذي يُحتِّم هو القادر على السيطرة على الأشياء بحيث لا يخرج شيء عن مراده. فإنْ قلتَ: فمَنِ الذي حتَّم على الله؟ حتَّم الله على نفسه تعالى، وليست هناك قوة أخرى حتَّمتْ عليه، كما في قوله تعالى: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}تفسير : [الأنعام: 54]. ثم يؤكد هذا الحتم بقوله: {مَّقْضِيّاً} [مريم: 71] أي: حكم لا رجعةَ فيه، وحُكْم الله لا يُعدِّله أحد، فهو حكم قاطع. فمثلاً: حينما قال كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، يريدون أنْ يتعايش الإيمان والكفر. لكن الحق - تبارك وتعالى - يريد قَطْع العلاقات معهم بصورة نهائية قطعية، لا تعرف هذه الحلول الوسط، فقال سبحانه: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}تفسير : [الكافرون: 1-6]. وقَطْع العلاقات هنا ليس كالذي نراه مثلاً بين دولتين، تقطع كل منهما علاقتها سياسياً بالأخرى، وقد تحكم الأوضاع بعد ذلك بالتصالح بينهما والعودة إلى ما كانا عليه، إنما قَطْع العلاقات مع الكفار قَطْعاً حتمياً ودون رجعة، وكأنه يقول لهم: إياكم أنْ تظنوا أننا قد نعيد العلاقات معكم مرة أخرى؛ لذلك تكرَّر النفي في هذه السورة، حتى ظنّ البعض أنه تكرار؛ ذلك لأنهم يستقبلون القرآن بدون تدبُّر. فالمراد الآن: لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وكذلك في المستقبل: ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد. فلن يُرغمنا أحد على تعديل هذا القرار أو العودة إلى المصالحة. لذلك أتى بعد سورة (الكافرون) سورة الحكم: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1] فلا ثانيَ له يُعدِّل عليه، فكلامه تعالى وحكمه نهائي وحَتْماً مقضياً لا رجعةَ فيه ولا تعديل. ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} الورودُ: الدُّخولُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم عمَّ الخطاب: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} [مريم: 71] وإن منكم من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا وهو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} [مريم: 72] عن الهوى بقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة، وفيه نكتة لطيفة، وإشارة شريفة وهي: إنه تعالى أحال الورود إلى الوارد، وأحال النجاة إلى نفسه تعالى؛ يعني: إن كل وارد يرد بقدم الطبيعة في هاوية الهوى إن شاء وإن أبى ولو التجى إلى طبيعة لا ينجو منها أبداً، ولكن ما نجا من نجا إلا بإنجاء الله تعالى إياه، ثم قال: {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} [مريم: 72] أي: ومن خلد في جهنم طبيعةً بقي فيها مكباً على وجهه متوجهاً إلى أسفل السافلين. ثم أخبر عن الطريقة للفريقين بقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ} [مريم: 73] إلى قوله: {مَّرَدّاً} [مريم: 76]، بقوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ} [مريم: 73]. يشير إلى أن أهل النار الإنكار وأهل العزة بالله إذا تتلى عليهم آياتنا بينات من الحقائق والأسرار {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [مريم: 73] أي: ستروا الحق بالإنكار والاستهزاء. {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [مريم: 73] من أهل التحقيق إذا رأوهم مرتاضين مجاهدين مع أنفسهم، متحملين متواضعين متذللين متخاشعين، وهم متنعمون متمولون متكبرون مبتغون شهوات نفوسهم ضاحكون مستبشرون {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ} [مريم: 73] منا ومنكم {خَيْرٌ مَّقَاماً} [مريم: 73] منزلة ومرتبة في الدنيا، ووجاهة عند الناس، وتوسعاً في المعيشة {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73] مجلساً ومنصباً وحكماً، كما قال تعالى جواباً لهم: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} [مريم: 74] أي: أهلكناهم بحب الدنيا ونعيمها إذا أغرقناهم في بحر شهواتها، واستيفاء لذاتها، والتعزز بمناصبها {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} [مريم: 74] أي: هم أحسن استعداد واستحقاق للكمالات الدينية منكم كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا" تفسير : {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ} [مريم: 75] ضلالة الإنكار واتباع الهوى {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} [مريم: 75] أي: فليهمله في غروره وحسبانه، ويدعه في غفلة عن أحوال أرباب القلوب وملوك الدين {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ} [مريم: 75] وهو أن يميتهم الله على ما عاشوا فيه من الإنكار والغرور والغفلة {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} [مريم: 75] وهي أن يميتهم عن صفات نفوسهم بصواعق جذبات العناية، ويقيم عليهم قيامة الشوق والمحبة، ويحييهم حياة طيبة بنور الإيمان {فَسَيَعْلَمُونَ} [مريم: 75] في كلتي الحالتين. {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} من الفريقين {وَأَضْعَفُ جُنداً} [مريم: 75] حين تحقق لهم أن فريقاً منهم هم حزب الله في الآخرة وحزب الشيطان {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ} [مريم: 76] والذين جاهدوا في طلب الهداية وسعوا، يزيد الله في هدايتهم بالإيمان {هُدًى} [مريم: 76] بالإيقان بل بالعيان لا بالبرهان {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} [مريم: 76] وهي الأعمال الصالحات التي هي من نتائج الواردات الإلهية التي ترد من عند الله إلى قلوب أهل العيوب؛ أعني: كل عمل يصدر من عند نفس العبد من نتائج طبعه وعقله ما يكون من الباقيات، وإن كان من الصالحات؛ أي: على وفق الشرع، وما يكون من عند الله؛ أي: من نتائج مواهب الحق تعالى فهو من الباقيات الصالحات يدل عليه قوله تعالى: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} تفسير : [النحل: 96].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا خطاب لسائر الخلائق، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، أنه ما منهم من أحد، إلا سيرد النار، حكما حتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد من نفوذه، ولا محيد عن وقوعه. واختلف في معنى الورود، فقيل: ورودها، حضورها للخلائق كلهم، حتى يحصل الانزعاج من كل أحد، ثم بعد، ينجي الله المتقين. وقيل: ورودها، دخولها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما. وقيل: الورود، هو المرور على الصراط، الذي هو على متن جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، وكالريح، وكأجاويد الخيل، وكأجاويد الركاب، ومنهم من يسعى، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف فيلقى في النار، كل بحسب تقواه، ولهذا قال: { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا } الله تعالى بفعل المأمور، واجتناب المحظور { وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ } أنفسهم بالكفر والمعاصي { فِيهَا جِثِيًّا } وهذا بسبب ظلمهم وكفرهم، وجب لهم الخلود، وحق عليهم العذاب، وتقطعت بهم الأسباب.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [71] 340 - أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هُريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم/ قال:"حديث : ما أحدٌ يموتُ له ثلاثةٌ من الولد فيلج النار إلاَّ تحلَّةَ القسمِ ".

همام الصنعاني

تفسير : 1777- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادةن في قوله تعالى: {وَارِدُهَا}: [الآية: 71]، قال: هو الممرّ عَلَيْها. 1778- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ماتَ له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النَّارُ إلاّ تحلة القسم يعني الوُرُود ". تفسير : 1779- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنَة، عن إسماعيل، عن قيس، قال: كان عبد الله بن رواحة واضعاً رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته، فقال: ما يُبكِيكِ، قال: رأيتك تبكي فبكيت. فقال إني ذكرت قول الله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [الآية: 71]، فلا نَدْرِي أننجو منها أم لا؟ 1780- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني من سَمِعَ ابن عباس، يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود الدخول، وقال نافع: لا، قال: فقرأ ابن عباس: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] أوَرَدَ هؤلاء أم لا؟ وقرأ {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود: 98]، أورد هؤلاء أم لا. أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج مِنْها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها لتدذيبك، قال: فضحك نافع، فقال ابن عباس، ففيم الضحك إذاً؟