Verse. 2323 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

وَاِذَا تُتْلٰى عَلَيْہِمْ اٰيٰتُنَا بَيِّنٰتٍ قَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لِلَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا۝۰ۙ اَيُّ الْفَرِيْقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَّاَحْسَنُ نَدِيًّا۝۷۳
Waitha tutla AAalayhim ayatuna bayyinatin qala allatheena kafaroo lillatheena amanoo ayyu alfareeqayni khayrun maqaman waahsanu nadiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا تتلى عليهم» أي المؤمنين والكافرين «آياتنا» من القرآن «بينات» واضحات حال «قال الذين كفروا للذين آمنوا أيُّ الفريقين» نحن وأنتم «خير مقاما» منزلا ومسكنا بالفتح من قام وبالضم من أقام «وأحسن نديا» بمعنى النادي وهو مجتمع القوم يتحدثون فيه، يعنون نحن فنكون خيرا منكم قال تعالى:

73

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على مشركي قريش المنكرين للبعث أتبعه بالوعيد على ما تقدم ذكره عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام فقالوا: لو كنتم أنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا، لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في العذاب والذل وأعداءه المعروضين عن خدمته في العز والراحة، ولما كان الأمر بالعكس فإن الكفار كانوا في النعمة والراحة والاستعلاء، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والذل دل على أن الحق ليس مع المؤمنين، هذا حاصل شبهتهم في هذا الباب ونظيره قوله تعالى: { أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 11] ويروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون بالزينة الفاخرة ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم. بقي بحثان: الأول: قوله: {آياتنا بَيّنَـٰتٍ } يحتمل وجوهاً: أحدها: أنها مرتلات الألفاظ مبينات المعاني إما محكمات أو متشابهات فقد تبعها البيان بالمحكمات أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً. وثانيها: أنها ظاهرات الإعجاز تحدى بها فما قدروا على معارضتها. وثالثها: المراد بكونها آيات بينات أي دلائل ظاهرة واضحة لا يتوجه عليها سؤال ولا اعتراض مثل قوله تعالى في إثبات صحة الحشر: { أية : أَوْ لاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 67]. البحث الثاني: قرأ ابن كثير: {مَقَاماً } بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل، والباقون بالفتح وهو موضع القيام، والمراد والندى المجلس يقال: ندى وناد، والجمع الأندية، ومنه قوله: { أية : وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ } تفسير : [العنكبوت: 29] وقال: { أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } تفسير : [العلق: 17] ويقال: ندوت القوم أندوهم إذا جمعتهم في المجلس، ومنه دار الندوة بمكة وكانت مجتمع القوم. ثم أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ} أي على الكفار الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى: {أية : أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 66]. وقال فيهم: {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} أي هؤلاء إذا قرىء عليهم القرآن تَعزَّزوا بالدنيا، وقالوا: فما بالنا ـ إن كنا على باطل ـ أكثر أموالاً وأعز نفراً. وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحقّ في دينه، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيراً ولا في المسلمين غنياً، ولم يعلموا أن الله تعالى نَحَّى أولياءه عن الاغترار بالدنيا، وفرط الميل إليها. و«بيناتٍ» معناه مرتَّلات الألفاظ، ملخصة المعاني، مبينات المقاصد؛ إما محكمات، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً. أو ظاهرات الإعجاز تُحدّي بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججاً وبراهين. والوجه أن تكون حالاً مؤكدة؛ كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً} تفسير : [البقرة: 91] لأن آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججاً. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يريد مشركي قريش النضر بن الحارث وأصحابه. {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة؛ وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويدهنون رؤوسهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا: للمؤمنين: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}. قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد «مُقَاماً» بضم الميم وهو موضع الإقامة. ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الإقامة. الباقون «مَقَاماً» بالفتح، أي منزلاً ومسكناً وقيل: المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة؛أي أيّ الفريقين أكثر جاهاً وأنصاراً. «وَأَحْسَنُ نَدِيًّا» أي مجلساً؛ عن ابن عباس. وعنه أيضاً المنظر وهو المجلس في اللغة وهو النادي. ومنه دار الندوة لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم. وناداه جالسه في النادي قال:شعر : أنادي به آل الوليد وجعفرَا تفسير : والنديّ على فعيل مجلس القوم ومتحدَّثهم، وكذلك الندوة والنادي (والمُنْتَدى) والمُنَتَدَّى، فإن تفرق القوم فليس بنديّ؛ قاله الجوهري. قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي من أمة وجماعة. {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً} أي متاعاً كثيراً؛ قال:شعر : وفَرْعٍ يَزينُ المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ أَثِيثٍ كقِنْوِ النَّخلَةِ المُتَعَثْكِلِ تفسير : والأثاث متاع البيت. وقيل: هو ما جدّ من الفَرْش والخُرْثيّ ما لُبس منها، وأنشد الحسن بن عليّ الطوسي فقال: شعر : تقادم العهد من أم الوليد بنا دهراً وصار أثاث البيت خُرْثِيّا تفسير : وقال ابن عباس: هيئة. مقاتل: ثيابا. {وَرِءْياً } أي منظَراً حسناً. وفيه خمس قراءات: قرأ أهل المدينة «ورِيًّا» بغير همز. وقرأ أهل الكوفة «ورِئيا» بالهمز. وحكى يعقوب أن طلحة قرأ «وَرِياً» بياء واحدة مخففة. وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: «هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وزِيًّا» بالزاي؛ فهذه أربع قراءات. قال أبو إسحاق: ويجوز «هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وريْئا» بياء بعدها همزة. النحاس: وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة وفيها تقريران: أحدهما: أن تكون من رأيت ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء، وأدغمت الياء في الياء. وكان هذا حسناً لتتفق رؤوس الآيات لأنها غير مهموزات. وعلى هذا قال ابن عباس: الرئي المنظر؛ فالمعنى: هم أحسن أثاثاً ولباساً. والوجه الثاني: أن جلودهم مرتوية من النعمة؛ فلا يجوز الهمز على هذا. وفي رواية ورش عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر «ورئيا» بالهمز تكون على الوجه الأوّل. وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل. وقراءة طلحة بن مُصَرِّف «ورِياً» بياء واحدة مخففة أحسبها غلطاً. وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها الهمز فقلبت الهمزة ياء، ثم حذفت إحدى اليائين. المهدوي: ويجوز أن يكون «رِيْئاً» فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت. وقد قرأ بعضهم «ورِياً» على القلب وهي القراءة الخامسة. وحكى سيبويه رَاءَ بمعنى رأى. الجوهري: من همزه جعله من المنظر من رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة. وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي فقال: شعر : أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذِي الرِّئي الجميلِ من الأثاث تفسير : ومن لم يهمز إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رَوِيت ألوانهم وجلودهم رِيًّا؛ أي امتلأت وحسنت. وأما قراءة ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكي ويزيد البربري «وزِيا» بالزاي فهو الهيئة والحسن. ويجوز أن يكون من زَوَيتُ أي جمعت، فيكون أصلها زِويا فقلبت الواو ياء. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : زُويت لي الأرض» تفسير : أي جمعت؛ أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله تعالى؛ فليعش هؤلاء ما شاؤوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عُمِّروا؛ أو العذاب العاجل يأخذهم الله تعالى به. قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ} أي في الكفر {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} أي فليدعه في طغيان جهله وكفره؛ فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر؛ أي من كان في الضلالة مدّه الرحمن مداً حتى يطول اغتراره فيكون ذلك أشدّ لعقابه. نظيره: {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عمران: 178] وقوله: {أية : وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 110] ومثله كثير؛ أي فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر؛ فمصيره إلى الموت والعقاب. وهذا غاية في التهديد والوعيد. وقيل: هذا دعاء أمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ تقول: من سرق مالي فليقطع الله تعالى يده؛ فهو دعاء على السارق. وهو جواب الشرط. وعلى هذا فليس قوله: «فليمدد» خبراً. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} قال: «رأوا» لأن لفظ «من» يصلح للواحد والجمع. و«إذا» مع الماضي بمعنى المستقبل؛ أي حتى يروا ما يوعدون. والعذاب هنا إما أن يكون بنصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر؛ وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار. {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} أي تنكشف حينئذٍ الحقائق. وهذا رد لقولهم: «أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نديا».

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَاتٍ} مرتلات الألفاظ مبينات المعاني بنفسها أو ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم وواضحات الإِعجاز. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } لأجلهم أو معهم. {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ} المؤمنين والكافرين. {خَيْرٌ مَّقَاماً } موضع قيام أو مكاناً. وقرأ ابن كثير بالضم أي موضع إقامة ومنزل. {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } مجلساً ومجتمعاً والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم عند الله تعالى، لقصور نظرهم على الحال وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا فرد عليهم ذلك أيضاً مع التهديد نقضاً بقوله:

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك، ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم، ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم {خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} أي: أحسن منازل، وأرفع دوراً، وأحسن ندياً، وهو مجتمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمر وأكثر وارداً وطارقاً، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبراً عنهم: {أية : &#1649وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11] وقال قوم نوح: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 111] وقال تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ} تفسير : [الأنعام: 53] ولهذا قال تعالى راداً على شبهتهم: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي: وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالاً ومناظر وأشكالاً وأمتعة. قال الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: {خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر، وقال العوفي عن ابن عباس: المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص شأنهم في القرآن: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} تفسير : [الدخان: 25 - 26] فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال تعالى فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط: {أية : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} تفسير : [العنكبوت: 29] والعرب تسمي المجلس النادي، وقال قتادة: لما رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فعرض أهل الشرك ما تسمعون: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} وكذا قال مجاهد والضحاك. ومنهم من قال في الأثاث: هو المال، ومنهم من قال: الثياب، ومنهم من قال المتاع، والرئي: المنظر؛ كما قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وقال الحسن البصري: يعني: الصور. وكذا قال مالك: {أَثَاثاً وَرِءْياً}: أكثر أموالاً، وأحسن صوراً، والكل متقارب صحيح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } أي المؤمنين والكافرين {ءَايَٰتُنَا } من القرآن {بَيِّنَٰتٍ } واضحات حال {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ } نحن وأنتم {خَيْرٌ مَّقَاماً } منزلاً ومسكناً: بالفتح من قام، وبالضم من أقام {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } بمعنى النادي وهو مجتمع القوم يتحدثون فيه، يعنون: نحن فنكون خيراً منكم.

الشوكاني

تفسير : الضمير في {عَلَيْهِمْ } راجع إلى الكفار الذين سبق ذكرهم في قوله: {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} أي: هؤلاء إذا قرىء عليهم القرآن تعذروا بالدنيا، وقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا، ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعزّ أعداءه، ومعنى البينات: الواضحات التي لا تلتبس معانيها. وقيل: ظاهرات الإعجاز. وقيل: إنها حجج وبراهين، والأوّل أولى. وهي حال مؤكدة لأن آيات الله لا تكون إلا واضحة، ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } للإشعار بأن كفرهم هو السبب لصدور هذا القول عنهم. وقيل: المراد بالذين كفروا هنا: هم المتمردّون المصرّون منهم، ومعنى قالوا {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } قالوا: لأجلهم. وقيل: هذه اللام هي لام التبليغ كما في قوله: {أية : وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ }تفسير : [البقرة: 247] أي خاطبوهم بذلك وبلغوا القول إليهم {أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً } المراد بالفريقين: المؤمنون والكافرون، كأنهم قالوا: أفريقنا خير أم فريقكم؟ قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد "مقاماً" بضم الميم، وهو موضع الإقامة، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الإقامة، وقرأ الباقون بالفتح أي منزلاً ومسكناً. وقيل: المقام: الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة، والمعنى: أي الفريقين أكبر جاهاً وأكثر أنصاراً وأعواناً، والنديّ والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم، ومنه قوله تعالى: {أية : وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ } تفسير : [العنكبوت: 29]. وناداه جالسه في النادي، ومنه دار الندوة، لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم، ومنه أيضاً قول الشاعر:شعر : أنادي به آل الوليد جعفرا تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } القرن: الأمة والجماعة {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا} الأثاث: المال أجمع، الإبل والغنم والبقر والعبيد والمتاع. وقيل: هو متاع البيت خاصة. وقيل: هو الجديد من الفرش. وقيل: اللباس خاصة. واختلفت القراءات في: {ورئياً} فقرأ أهل المدينة وابن ذكوان "ورياً" بياء مشدّدة، وفي ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون من رأيت ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء وأدغمت الياء في الياء والمعنى على هذه القراءة: هم أحسن منظراً وبه قول جمهور المفسرين، وحسن المنظر يكون من جهة حسن اللباس، أو حسن الأبدان وتنعمها، أو مجموع الأمرين. وقرأ أهل الكوفة وأبو عمرو وابن كثير: "ورئياً" بالهمز، وحكاها ورش عن نافع، وهشام عن ابن عامر، ومعناها معنى القراءة الأولى. قال الجوهري: من همز جعله من المنظر من رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي:شعر : أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذي الرئي الجميل من الأثاث تفسير : ومن لم يهمز: إما أن يكون من تخفيف الهمزة، أو يكون من رويت ألوانهم أو جلودهم رياً، أي امتلأت وحسنت. وقد ذكر الزجاج معنى هذا كما حكاه عنه الواحدي. وحكى يعقوب أن طلحة بن مصرف قرأ بياء واحدة خفيفة، فقيل: إن هذه القراءة غلط، ووجهها بعض النحويين أنه كان أصلها الهمزة فقلبت ياء ثم حذفت إحدى الياءين، وروي عن ابن عباس أنه قرأ بالزاي مكان الراء، وروي مثل ذلك عن أبيّ بن كعب وسعيد بن جبير والأعصم المكي واليزيدي. والزيّ: الهيئة والحسن. قيل: ويجوز أن يكون من زويت أي: جمعت، فيكون أصلها زوياً فقلبت الواو ياء، والزيّ محاسن مجموعة. {قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ } أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب على هؤلاء المفتخرين بحظوظهم الدنيوية، أي من كان مستقرّاً في الضلالة {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } هذا وإن كان على صيغة الأمر، فالمراد به الخبر، وإنما خرج مخرج الأمر لبيان الإمهال منه سبحانه للعصاة، وأن ذلك كائن لا محالة لتنقطع معاذير أهل الضلال، ويقال لهم يوم القيامة: {أية : أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } تفسير : [فاطر: 37]. أو للاستدراج كقوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178] وقيل: المراد بالآية الدعاء بالمد والتنفيس. قال الزجاج: تأويله أن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه ويمدّه فيها، لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر كأن المتكلم يقول: أفعل ذلك وآمر به نفسي {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } يعني: الذين مدّ لهم في الضلالة، وجاء بضمير الجماعة اعتباراً بمعنى من، كما أن قوله: {كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ } اعتبار بلفظها، وهذه غاية للمدّ، لا لقول المفتخرين إذ ليس فيه امتداد {إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } هذا تفصيل لقوله: {ما يوعدون} أي هذا الذي توعدون هو أحد أمرين: إما العذاب في الدنيا بالقتل والأسر، وإما يوم القيامة وما يحلّ بهم حينئذٍ من العذاب الأخروي {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً } هذا جواب الشرط، وهو جواب على المفتخرين، أيّ هؤلاء القائلون: {أيّ الفريقين خير مقاماً} إذا عاينوا ما يوعدون به من العذاب الدنيوي بأيدي المؤمنين، أو الأخروي، فسيعلمون عند ذلك من هو شرّ مكاناً من الفريقين، وأضعف جنداً منهما، أي أنصاراً وأعواناً. والمعنى: أنهم سيعلمون عند ذلك أنهم شرّ مكاناً لا خير مكاناً، وأضعف جنداً لا أقوى ولا أحسن من فريق المؤمنين؛ وليس المراد أن للمفتخرين هنالك جنداً ضعفاء، بل لا جند لهم أصلاً كما في قوله سبحانه: {أية : وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } تفسير : [الكهف: 43]. ثم لما أخبر سبحانه عن حال أهل الضلالة، أراد أن يبين حال أهل الهداية فقال: {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } وذلك أن بعض الهدى يجرّ إلى البعض الآخر، والخير يدعو إلى الخير وقيل: المراد بالزيادة: العبادة من المؤمنين، والواو في {ويزيد} للاستئناف، والجملة مستأنفة لبيان حال المهتدين وقيل: الواو للعطف على {فليمدد} وقيل: للعطف على جملة {من كان في الضلالة}. قال الزجاج: المعنى أن الله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقيناً كما جعل جزاء الكافرين أن يمدّهم في ضلالتهم {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } هي الطاعات المؤدية إلى السعادة الأبدية، ومعنى كونها خيراً عند الله ثواباً: أنها أنفع عائدة مما يتمتع به الكفار من النعم الدنيوية {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } المردّ ها هنا مصدر كالردّ، والمعنى: وخير مردّاً للثواب على فاعلها ليست كأعمال الكفار التي خسروا فيها، والمردّ: المرجع والعاقبة والتفضل للتهكم بهم للقطع بأن أعمال الكفار لا خير فيها أصلاً. ثم أردف سبحانه مقالة أولئك المفتخرين بأخرى مثلها على سبيل التعجب فقال: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـئَايَـٰتِنَا } أي أخبرني بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقب حديث أولئك، وإنما استعملوا أرأيت بمعنى أخبر، لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه، والآيات تعمّ كل آية ومن جملتها آية البعث، والفاء للعطف على مقدّر يدل عليه المقام، أي أنظرت فرأيت، واللام في {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } هي الموطئة للقسم، كأنه قال: والله لأوتينّ في الآخرة مالاً وولداً، أي أنظر إلى حال هذا الكافر وتعجب من كلامه وتأليه على الله مع كفره به وتكذيبه بآياته. ثم أجاب سبحانه عن قول هذا الكافر بما يدفعه ويبطله، فقال: {أَطَّلَعَ } على {ٱلْغَيْبَ } أي أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أنه في الجنة {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } بذلك، فإنه لا يتوصل إلى العلم إلا بإحدى هاتين الطريقتين وقيل: المعنى: أنظر في اللوح المحفوظ؟ أم اتخذ عند الرحمٰن عهداً؛ وقيل: معنى {أم اتخذ عند الرحمن عهداً} أم قال: لا إلٰه إلا الله فأرحمه بها. وقيل: المعنى أم قدّم عملاً صالحاً فهو يرجوه. واطلع مأخوذ من قولهم: اطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه. وقرأ حمزة والكسائي ويحيـى بن وثاب والأعمش: "وولداً" بضم الواو، والباقون بفتحها، فقيل: هما لغتان معناهما واحد، يقال: ولد وولد كما يقال: عدم وعُدم، قال الحارث بن حلزّة:شعر : ولقد رأيت معاشرا قد ثمروا مالاً وولداً تفسير : وقال آخر:شعر : فليت فلاناً كان في بطن أمه وليت فلاناً كان ولد حمار تفسير : وقيل: الولد بالضم للجمع وبالفتح للواحد. وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا الكافر أراد بقوله: {لأوتينّ مالاً وولداً} أنه يؤتى ذلك في الدنيا. وقال جماعة: في الجنة، وقيل: المعنى: إن أقمت على دين آبائي لأوتين. وقيل: المعنى: لو كنت على باطل لما أوتيت مالاً وولداً. {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ }: "كلا" حرف ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما قال هذا الكافر من أنه يؤتى المال والولد، سيكتب ما يقول أي سنحفظ عليه ما يقوله فنجاز به في الآخرة، أو سنظهر ما يقول، أو سننتقم منه انتقام من كتبت معصيته {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً } أي نزيده عذاباً فوق عذابه مكان ما يدّعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد، أو نطوّل له من العذاب ما يستحقه وهو عذاب من جمع بين الكفر والاستهزاء. {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أي نميته فنرثه المال والولد الذي يقول إنه يؤتاه. والمعنى: مسمى ما يقول ومصداقه. وقيل: المعنى نحرمه ما تمناه ونعطيه غيره. {وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي يوم القيامة لا مال له ولا ولد، بل نسلبه ذلك، فكيف يطمع في أن نؤتيه. وقيل: المراد بما يقول: نفس القول لا مسماه، والمعنى: إنما يقول هذا القول ما دام حياً، فإذا أمتناه حلنا بينه وبين أن يقوله ويأتينا رافضاً له منفرداً عنه، والأوّل أولى. وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً } قال: قريش تقوله لها ولأصحاب محمد. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {خَيْرٌ مَّقَاماً } قال: المنازل {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } قال: المجالس، وفي قوله: {أَحْسَنُ أَثَاثاً } قال: المتاع والمال {ورئياً} قال: المنظر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً }: فليدعه الله في طغيانه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب بن أبي ثابت قال في حرف أبيّ: «قل من كان في الضلالة فإنه يزيده الله ضلالة». وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما في قوله: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ } من حديث خباب بن الأرت قال: كنت رجلاً قيناً وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإني إذا متّ ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك، فأنزل الله فيه هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } قال: لا إلٰه إلا الله يرجو بها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } قال: ماله وولده.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً} فيه وجهان: أحدهما: منزل إقامة في الجنة أو النار. والثاني: يعني كلام قائم بجدل واحتجاج أي: أمّن فلجت حجته بالطاعة خير أم من دحضت حجته بالمعصية، وشاهده قول لبيد: شعر : ومقام ضيق فرجتهْ بلساني وحسامي وجدل تفسير : {وَأحْسَنُ نَدِيّاً} فيه وجهان: أحدهما: أفضل مجلساً. الثاني: أوسع عيشاً. ويحتمل ثالثاً: أيهما خير مقاماً في موقف العرض، من قضى له بالثواب أو العقاب؟ {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} منزل إقامة في الجنة أو في النار، وقال ثعلب: المقام بضم الميم: الإِقامة، وبفتحها المجلس. قوله تعالى: {أَثَاثاً وَرِءْيَاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الأثاث: المتاع، والرئي: المنظر، قاله ابن عباس. قال الشاعر: شعر : أشاقت الظعائن يوم ولوا بذي الرئي الجميل من الأثاث. تفسير : الثاني: أن الأثاث ما كان جديداً من ثياب البيت، والرئي الارتواء من النعمة. الثالث: الأثاث ما لا يراه الناس. والرئي ما يراه الناس. الرابع: معناه أكثر أموالاً وأحسن صوراً. ويحتمل خامساً: أن الأثاث ما يعد للاستعمال، والرئي ما يعد للجمال.

ابن عطية

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـنُ مَدّاً}. قرأ الأعرج وابن محيصن وأبو حيوة "يتلى" بالياء، من تحت، وسبب هذه الآية أن كفار قريش لما كان الرجل منهم يكلم المؤمن في معنى الدين فيقرأ عليه القرآن ويبهره بآيات النبي عليه السلام، كان الكافر منهم يقول إن الله إنما يحسن لأحب الخلق إليه وإنما ينعم على أهل الحق ونحن قد أنعم الله علينا دونكم فنحن أغنياء وأنتم فقراء ونحن أحسن مجلساً وأجمل شارة فهذا المعنى ونحوه هو المقصود بالتوقيف في قوله {أي الفريقين}، وقرأ نافع وابن عامر "مَقاماً" بفتح الميم {أية : ولا مَقام لكم} تفسير : [الأحزاب: 13] بالفتح أيضاً، وهو المصدر من قام أو الظرف منه أي موضع القيام، وهذا يقتضي لفظ المقام إلا أن المعني في هذه الآية يحرز أنه واقع على الظرف فقط، وقرأ أبيّ {أية : في مُقام أمين} تفسير : [الدخان: 51] بضم الميم، وقرأ ابن كثير "مُقاماً" بضم الميم وهو ظرف من أقام وكذلك أيضاً يجيء المصدر منه مثل {أية : مجراها ومرساها} تفسير : [هود: 41] وقرأ {أية : في مَقام أمين} تفسير : [الدخان: 51] {أية : ولا مَقام لكم} تفسير : [الأحزاب: 13] بالفتح، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم جميعهن بالفتح، وروى حفص عن عاصم "لا مُقام لكم" بالضم. و"الندي" والنادي المجلس فيه الجماعة ومن قول حاتم الطائي: شعر : فدعيت في أولى الندي ولم ينظر إليَّ بأعين خزر تفسير : وقوله {وكم} مخاطبة من الله تعالى لمحمد خبر يتضمن كسر حجتهم واحتقار أمرهم لأن التقدير: هذا الذي افتخروا به لا قدر له عند الله وليس بمنج لهم فكم أهلك الله من الأمم لما كفروا وهو أشد من هؤلاء وأكثر أموالاً وأجمل منظراً. و"القرن" الأمة يجمعها العصر الواحد، واختلف الناس في قدر المدة التي اذا اجتمعت لأمة سميت تلك الامة قرناً، فقيل مائة سنة، وقيل ثمانون، وقيل سبعون، وقد تقدم القول في هذا غير مرة، و"الأثاث" المال العين والعرض والحيوان وهو اسم عام واختلف هل هو جمع أو إفراد. فقال الفراء: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالمتاع، وقال خلف الأحمر: هو جمع واحدة أثاثة كحمامة وحمام ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاث تفسير : وأنشد أبو العباس: [الوافر] شعر : لقد علمت عرينة حيث كانت بأنا نحن أكثرهم أثاثاً تفسير : وقرأ نافع بخلاف وأهل المدينة "وريّاً" بياء مشددة، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه وطلحة "وريا" بياء مخففة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي "ورءياً" بهمزة بعدها ياء على وزن رعياً، ورويت عن نافع وابن عامر رواها أشهب عن نافع وقرأ أبو بكر عن عاصم "وريئاً" بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب وزنه فلعاً وكأنه من راع وقال الشاعر: [الطويل] شعر : وكل خليل راءني فهو قائل من اجلك هذا هامة اليوم أو غد تفسير : فأما القراءتان المهموزتان فهما من رؤية العين الرئي اسم المرئي والظاهر للعين كالطحن والسقي، قال ابن عباس الرئي المنظر قال الحسن "ورياً" معناه صوراً وأما المشددة الياء فقيل هي بمعنى المهموزة إلا أن الهمزة خففت لتستوي رؤوس الآي، وذكر منذر بن سعيد عن بعض أهل العلم أنه من "الري" في السقي كأنه أراد أنهم خير منهم بلاداً وأطيب أرضاً وأكثر نعماً إذ جملة النعم إنما هي من الري والمطر، وأما القراءة المخففة الياء فضعيفة الوجه، وقد قيل هي لحن، وقرأ سعيد بن جبير ويزيد البربري وابن عباس أيضاً "وزياً" بالزاي وهو بمعنى الملبس وهيئته تقول زييت بمعنى زينت، وأما قوله {قل من كان الضلالة} الآية فقول يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون بمعنى الدعاء والابتهال كأنه يقول الأضل منا أو منكم "مد" الله له أي أملى له حتى يؤول ذلك إلى عذابه، والمعنى الأخر أن يكون بمعنى الخبر كأنه يقول من كان ضالاً من الأمم فعادة الله فيه أنه "يمد" له ولا يعاجله حتى يفضي ذلك إلى عذابه في الآخرة، فاللام في قوله {فليمدد} على المعنى الأول لام رغبة في صيغة الأمر، وعلى المعنى الثاني لام أمر دخلت في معنى الخبر ليكون أوكد وأقوى وهذا موجود في كلام العرب وفصاحتها. {حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْاْ هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـنِ عَهْداً كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً} {حتى} في هذه الآية حرف ابتداء دخلت على جملة وفيها معنى الغاية، و {إذا} شرط، وجوابها في قوله {فسيعلمون} والرؤية رؤية العين، و {العذاب} و {الساعة} بدل من {ما} التي وقعت عليها {رأوا} و {إما} هي المدخلة للشك في أول الكلام والثانية عطف عليها، و {العذاب} يريد به عذاب الدنيا ونصرة المؤمنين عليهم، و"الجند" النصرة والقائمون بأمر الحرب، و {شر مكاناً} بإزاء قولهم {أية : خير مقاماً} تفسير : [مريم: 73] {وأضعف جنداً} بإزاء قولهم {أية : أحسن ندياً} تفسير : [مريم:72] ولما ذكر ضلالة الكفرة وارتباكهم في الافتخار بنعم الدنيا وعماهم عن الطريق المستقيم عقب ذلك بذكر نعمته على المؤمنين في أنهم يزيدهم {هدى} في الارتباط إلى الأعمال الصالحة والمعرفة بالدلائل الواضحة وزيادة العلم دأباً. قال الطبري عن بعضهم المعنى بناسخ القرآن ومنسوخه ع: وهذا مثال وقوله {والباقيات الصالحات} إشارة الى ذلك الهدى الذي يزيدهم الله تعالى أي وهذه النعم على هؤلاء {خير} عند الله {ثواباً} وخير مرجعاً. والقول في زيادة الهدى سهل بين الوجوه، وأما {الباقيات الصالحات} فقال بعض العلماء هو كل عمل صالح يرفع الله به درجة عامله، وقال الحسن هي "الفرائض"، وقال ابن عباس هي "الصلوات الخمس" وروي عن النبي عليه السلام "حديث : أنها الكلمات المشهورات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" تفسير : .وقد قال رسول الله عليه السلام لأبي الدرداء "حديث : خذهن يا أبا الدرداء، قبل أن يحال بينك وبينهن فهن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة" تفسير : .وروي عنه عليه السلام أنه قال يوماً "حديث : خذوا جنتكم، قالوا يا رسول الله أمن عدو حضر قال: من النار، قالوا ما هي يا رسول الله، قال: سبحان الله، ولا إله الا الله، والله أكبر، وهن الباقيات الصالحات" تفسير : . وكان أبو الدرداء يقول إذا ذكر هذا الحديث: لأهللن، ولأكبرن الله، ولأسبحنه حتى إذا رآني الجاهل ظنني مجنوناً، وقوله {أفرأيت الذي كفر} الآية، الفاء في قوله {أفرأيت} عاطفة بعد ألف الأستفهام وهي عاطفة جملة على جملة، و {الذي كفر} يعني به العاصي بن وائل السمهي، قاله جمهور المفسرين، وكان خبره أن خباب بن الأرت كان قيناً في الجاهلية فعمل له عملاً واجتمع له عنده فجاءه يتقاضاه فقال له العاصي لا أنصفك حتى تكفر بمحمد، فقال خباب: لا أكفر بمحمد حتى يمييتك الله ثم يبعثك، قال العاصي: أو مبعوث أنا بعد الموت؟ قال خباب نعم، قال: فإنه إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك، فنزلت الآية في ذلك، وقال الحسن نزلت الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي وقد كانت للوليد أيضاً أقوال تشبه هذا الغرض، وقرأ ابن كثير وابو عمرو "وولَداً" على معنى اسم الجنس بفتح الواو واللام وكذلك في سائر ما في القرآن إلا في سورة نوح {أية : ماله وولده} تفسير : [نوح: 21] فإنما قرأ بضم الواو وسكون اللام، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كل القرآن، وقرأ حمزة والكسائي "ووُلْداً" بضم الواو وسكون اللام وكذلك في جميع القرآن، وقرأ ابن مسعود "وِلْداً" بكسر الواو وسكون اللام، واختلف مع ضم الواو فقال بعضهم: هو جمع "ولد كأسد وأسد" واحتجوا بقول الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : فلقد رأيت معاشراً قد ثمروا مالاً وولداً تفسير : وقال بعضهم هو بمعنى الولد واحتجوا بقول الشاعر: [الطويل] شعر : فليت فلاناً كان في بطن أمه وليت فلاناً كان ولد حمار تفسير : قال أبو علي في قراءة حمزة والكسائي ما كان منه مفرداً قصد به المفرد، وما كان منه جمعاً قصد الجمع، وقال الأخفش: الولد الابن والابنة، والولد الأهل والوالد وقال غيره: والولد بطن الذي هو منه، حكاه أبو علي في الحجة، وقوله {أطلع الغيب} توقيف والألف للاستفهام وحذفت ألف الوصل للاستغاء عنها، واتخاذ العهد معناه بالإيمان والأعمال الصالحة، و {كلا} زجر ورد، ثم أخبر تعالى أن قول هذا الكافر سيكتب على معنى حفظه عليه ومعاقبته به. وقرأ "سنكتب" بالنون أبو عمرو والحسن وعيسى، وقرأ عاصم والأعمش "سيُكتب" بياء مضمومة، ومد العذاب هو إطالته وتعظيمه وقوله {ما يقول} أي هذه الأشياء التي سمى أنه يؤتاها في الآخرة يرث الله ما له منها في الدنيا فإهلاكه وتركه لها، فالوراثة مستعارة ويحتمل أن يكون خيبته في الآخرة كوراثة ما أمل. وفي حرف ابن مسعود "ونرثه ما عنده"، وقال النحاس {نرثه ما يقول} معناه نحفظه عليه لنعاقبه، ومنه قول النبي عليه السلام "حديث : العلماء ورثة الأنبياء" تفسير : أي حفظة ما قالوا فكأن هذا المجرم يورث هذا المقالة. وقوله {فرداً} يتضمن ذلته وقلة انتصاره.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّقَاماً} منزل إقامة في الجنة أو النار، أو كلاماً قائماً بحجة معناه، من فلجت حجته خير أم من دحضت حجته. {نَدِيّاً} أفضل مجلساً أو أوسع عيشاً.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي دلائل واضحات {قال الذين كفروا} يعني النضر بن الحارث ومن دونه من كفار قريش {للذين آمنوا} يعني فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون أفخر ثيابهم {أي الفريقين خير مقاماً} أي منزلاً ومسكناً وهو موضع الإقامة {وأحسن ندياً} أي مجلساً فأجابهم الله تعالى بقوله {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً} أي متاعاً وأموالاً وقيل أحسن ثياباً ولباساً {ورئياً} أي منظراً من الرؤية {قل من كان في ضلالة فليمدد له الرحمن مداً} هذا أمر بمعنى الخبر معناه يدعه في طغيانه ويمهله في كفره {حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب} أي الأسر والقتل في الدنيا {وإما الساعة} يعني القيامة فيدخلون النار {فسيعلمون} أي عند ذلك {من هو شر مكاناً} أي منزلاً {وأضعف جنداً} أي أقل ناصراً والمعنى فسيعلمون أهم خير وهم في النار أم المؤمنون وهم في الجنة وهذا رد عليهم في قولهم أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً، قوله تعالى {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} أي إيماناً وإيقاناً على يقينهم {والباقيات الصالحات} أي الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها {خير عند ربك ثواباً وخير مرداً} أي عاقبة ومرجعاً. قوله تعالى {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} الآية، (ق) عن خباب بن الأرت قال كنت رجلاً قيناً في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل السهمي دين فأتيته أتقاضاه، وفي رواية فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفاً فجئته أتقاضاه، فقال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد. فقلت لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث. قال وإني لميت ثم مبعوث. قلت بلى دعني حتى أموت وأبعث فسأوتي مالاً وولداً فأقضيك. فنزلت {أفرأيت الذي كفر بآياتنا}.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} الآية. لما أقام الحجة، على مشركي قريش المنكرين للبعث، وأتبعه بالوعيد حكى عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام، فقالوا: لو كنتم أنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن من حالنا، لأنَّ الحكيمَ لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة، وإنما كان الأمر بالعكس، فإنَّ الكفار في النعمة والراحة والاستعلاء، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والقلة، فدل على أنَّ الحق ليس من المؤمنين، هذا حاصل شبهتهم. وقوله: {ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي: واضحات، وقيل: مرتلات، وقيل: ظاهرات الإعجاز. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني النضر بن الحارث وذويه من قريش {لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ} يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونةٌ، وفي ثيابهم رثاثةٌ، وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً} منزلاً ومسكناً، وهو موضع الإقامة، "وأحْسَنُ نديًّا" أي: مجلساً، ومثله النادي. قوله: "مَقَاماً". قرأ ابن كثير "مُقَاماً" بالضم. ورُويَتْ عن أبي عمرو، وهي قراءة ابن محيصن وهو موضع الإقامة والمنزل. والباقون بالفتح وفي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مكان "أو اسم مصدر من قَامَ ثلاثياً، أو من أقَامَ أي: خير مكان" قياماً أو إقَامَة. فصل قالوا: زيْدٌ خيرٌ من عمروٍ، وشرٌّ من بكر، ولم يقولوا: أخير منه، ولا أشرّ منه، لأنَّ هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما، ولم يثبتا إلا في فعل التعجب، "فقالوا: أخير بزيدٍ وأشرر بعمرو، وما أخْيَر زيْداً ومَا أشرَّ عَمْراً. والعلة في إثباتها في فعلي التعجب أنَّ" استعمال هاتين اللفظتين اسماً أكثرُ من استعمالهما فعلاً، فحذفت الهمزةُ في موضع "الكثرة، وبقيتْ على أصلها في موضع" القلة ثابتة. والنَّديّ فعيل، أصله: نَدِيو، لأنَّ لامه واو، يقال: ندوتُهُمْ أندوهم، أي: أتَيْتُ نَاديَهُمْ والنَّادِي، مثله، ومنه: {أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} تفسير : [العلق:17] أي: أهل ناديه. والنَّدِيِّ والنَّادي مجلس القوم ومحدثهم. وقيل: هو مشتق من النَّدى، وهو الكرم، لأنَّ الكرماء يجتمعون فيه. وانْتَديْتُ المكان والمنتدى كذلك، "وقال حاتم": شعر : 3619- ودُعِيتُ في أولَى النَّديِّ ولَمْ يُنْظَر "إليّ بأ" عْيُنٍ خُزْرِ تفسير : والمصدر النَّدو. و "مَقَاماً" و "نَدِيًّا" منصوبان على التمييز من أفعل. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن "يُتْلَى" بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق. واللام في "اللَّذينَ" يحتمل أن تكون للتبليغ، وهو الظاهر، وأن تكون للتعليل. قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا}. "كَمْ" مفعول مقدم، واجب التقديم، لأنَّ له مصدر الكلام، لأنها إمَّا استفهامية أو خبرية، وهي محمولة على الاستفهامية. و "أهْلَكْنَا" متسلط على "كَمْ"، أي: كثير من القرون أهلكنا. و "مِنْ قَرْنٍ" تمييز لـ "كَمْ" مبين لها. قوله: "هُمْ أحْسَنُ" في هذه الجملة وجهان: أحدهما: وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء: أنَّه في محل نصب صفة لـ "كَمْ" قال الزمخشري: ألا ترى أنك لو أسقطت "هُمْ" لم يكن بُدّ من نصب "أحْسَنُ" على الوصفية. وفي هذا نظرٌ، لأنَّ النحويين نصوا على أنَّ "كَمْ" الاستفهامية والخبرية لا تُوصف ولا يُوصف بها. الثاني: أنها في محل جرّ صفة لـ "قَرْن"، ولا محذور في هذا. وإنما جمع في قوله: "هُمْ"، لأنَّ "قَرْنٍ" "وإنْ كَانَ لَفظهُ" مفرداً فمعناه جمع، فـ "قَرْن" كلفظ "جَمِيع"، و "جَمِيع" يجوز مراعاة لفظه تارة فيفرد كقوله تعالى {أية : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} تفسير : [القمر: 44]، ومراعاة معناه أخرى فيجمع كقوله: {أية : لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : [يس: 32]. فصل لمَّا ذكروا شبهتهم أجاب الله عنها بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} أي: متاعاً وأموالاً. قوله: "ورئيا" الجمهور على "رِئْياً" بهمزة ساكنة بعدها ياء صريحة وصلاً ووقفاً. وحمزة إذا وقف يبدل هذه الهمزة ياء على أصله في تخفيف الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإظهار اعتباراً بالأصل، والإدغام اعتباراً باللفظ. وفي الإظهار صعوبة لا تَخْفَى، وفي الإدغام إيهام أنَّها مادة أخرى، وهو الريُّ الذي هو بمعنى الامتلاء والنضارة، ولذلك ترك أبو عمرو أصله في تخفيف الهمزة. وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر "ورِيًّا" بياء مشددة بعد الراء. فقيل: هي مهموزة الأصل، ثم أبدلتِ الهمزةُ ياء، وأدغمتْ. والرِئْيُ بالهمز قيل: من رؤية العين، وفعلٌ فيه معنى مفعول أي: مَرْئِيٌّ. وقيل: من الرواء وحسن المنظر. وقيل: بل هو من الريّ ضد العطش، وليس مهموز الأصل، والمعنى: أحسن منظراً، لأنَّ الريّ والامتلاء أحسن من ضديهما، ومعناه الارتواء من النعمة، فإنَّ المُنْعَم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير يظهر عليه ذبول الفقر. وقرأ حميد وأبو بكر عن عاصم في رواية الأعمش "وَرِيْئَا" بياء ساكنة بعدها همزة وهو مقلوب من "رِئْياً" في قراءة العامة، ووزنه "فِلْع"، وهو من راءه يراؤه كقول الشاعر: شعر : 3620- وكُلُّ خليلٍ رَاءَنِي فَهُوَ قَائِلٌ من أجْلِكِ هذا هامةُ اليَوْمِ أوْ غَدِ تفسير : وفي القلب من القلب ما فيه. وروى اليزيدي قراءة "ورَيَاء" بياء بعدها ألف "بعدها همزة"، وهي المراءاة، أي: يرى بعضهم حسن بعض، ثم خفف الهمزة الأولى بقلبها ياء، وهو تخفيف قياسي. "وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة "وَرِياً" بياء فقط مخففة، ولها وجهان: أحدهما: أن يكون" أصلها كقراءة قالون، ثم خففت الكلمة بحذف إحدى الياءين، وهي الثانية، لأنَّ بها حصل الثقل، ولأنها لام الكلمة، والأواخر أحرى بالتغيير. والثاني: أن يكون أصلها كقراءة حميد "وَرَيْئاً" بالقلب، ثم نقل حركة الهمزة إلى الياء قبلها، وحذف الهمزة على قاعدة تخفيف الهمزة بالنقل، فصار "وَرِياً" كما ترى. وتجاسر بعضهم فجعل هذه القراءة لحناً، وليس اللاحن غيره، لخفاء توجيهها عليه. وقرأ ابن عباس - أيضاً - وابن جبير وجماعة "وَزِيّاً" بزاي وياء مشددة. والزِّيّ: البِزَّةُ الحسنة والآلات المجتمعة، لأنه من زَوَى كذا يَزْويهِ، أي: يجمعه، والمتزين يجمع الأشياء التي تزينه وتظهر زيَّه. قوله: {مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ}. "مَنْ" يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر، لما تضمنه الموصول من معنى الشرط. وقوله: "فَلْيَمْدُدْ" فيه وجهان: أحدهما: أنه طلب على بابه، ومعناه الدعاء. والثاني: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر. قال الزمخشري: أي: مدَّ له الرحمن بمعنى أمهلهُ "وأمْلَى له في العمر" فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك... أو فيمد له في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته. قوله: "حتَّى إذَا" في "حتَّى" هذه ما تقدم في نظائرها من كونها حرف جر أو حرف ابتداء، وإنَّما الشأن فيما هي غاية له في كلا القولين. فقال الزمخشري: وفي هذه الآية وجهان: الأول: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي: قالوا: {أي الفَريقَيْنِ خيرٌ مَقَاماً وأحْسَنُ نديًّا}، {حتَّى إذَا رَأوْا مَا يُوعَدُون}، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول، ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعد رأي العين. فقوله: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} مذكور في مقابلة قوله "خَيْرٌ مَقَاماً"، و"أضْعَفُ جُنْداً" في مقابلة قولهم: "وأحْسَنُ نَدِيًّا". فبين تعالى أنَّهم إن ظنوا في الحال أنَّ منزلتهم أفضل من حيث فضلهم الله بالمقام والندي، فسيعلمون من بعد أنَّ الأمر بالضد من ذلك وأنَّهم شر مكاناً، فإنَّه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب، "وأضْعَفُ جُنْداً" فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أنَّ اجتماعهم ينفع، فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه. "ثم قال:" والثاني: أن تتصل بما يليها، والمعنى أنَّ الذين في الضلالة ممدود لهم، ثم ذكر كلاماً كثيراً، ثم قال: إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين، أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها، فإن قلت: "حتَّى" هذه ما هي؟ قلتُ: هي التي تُحْكى بعدها الجمل، ألا ترى أنَّ الجملة الشرطية واقعة بعدها، وهي {إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون فَسَيعْلمُونَ} قال أبو حيان: مستبعداً الوجه الأول، وهو في غاية البعد، لطول الفصل بين قوله: "أيُّ الفَرِيقَيْنِ" وبين الغاية، وفيه الفصل بجملتي اعتراض، ولا يجيزه أبو علي. وهذا الاستبعاد قريب. وقال أبو البقاء: "حتَّى" تَحكي ما بعدها ههنا، وليست متعلقة بفعل. قوله: {إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} تقدم الكلام في "إمَّا" من كونها حرف عطف أو لا، ولا خلاف أنَّ أحد معانيها التفصيل كما في الآية الكريمة. و "العَذَابَ" و "السَّاعَةَ" بدلاً من قوله: "مَا يُوعَدُون" المنصوبة بـ "رَأوْا"، و "فَسَيعْلَمُونَ" جواب الشرط. {مَنْ هُو شرٌّ مكاناً} يجوز أن تكون "مَنْ" موصولة بمعنى "الَّذي"، ويكون مفعولاً لـ "يَعْلَمُونَ" ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء، و "هُوَ" مبتدأ ثان، و "شرٌّ" خبره، والمبتدأ والخبر خبر الأول، ويجوز أن تكون الجملة معلقة لفعل الرؤية، فالجملة في محل نصب على التعليق. فصل قال المفسرون: مَدَّ له الرحمن، أي: أمهله، وأملى له في الأمر، فأخرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: يدعه في طغيانه، ويمهله في كفره {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ} وهو الأسر، والقتل في الدنيا، و "إمَّا السَّاعةَ" يعني القيامة، فيدخلون النار. وقوله: "وإمَّا السَّاعة" يدلُّ على أنَّ المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة، فيحتمل أن يكون المراد به الأسر والقتل كما تقدم، ويحتمل أن يكون عذاب القبر، ويمكن أن يكون تغير أحوالهم من العز إلى الذُّل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف. "فَسَيَعْلمُونَ" عند ذلك {مَنْ هُو شرٌّ مكاناً} منزلاً، "وأضْعَفُ جُنْداً" أقل ناصراً، لأنَّهم في النار والمؤمنون في الجنة، وهذا ردٌّ عليهم في قولهم: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}. قوله: "ويَزِيدُ الله" في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنَّها لا محل لها، لاستئنافها، فإنها سيقت للإخبار بذلك. وقال الزمخشري: إنَّها معطوفة على موضع "فَلْيَمْدُدْ" لأنه واقع موقع الخبر، تقديره من كل في الضلالة يمُدُّ له الرحمن مدًّا ويزيدُ، أي: في ضلالهم بذلك المَدّ. قال أبو حيان: ولا يصح أن يكون "ويزيد" معطوفاً على "فَليَمْدِدْ" سواء كان دعاء أو خبراً بصورة الأمر؛ لأنه في موضع الخبر إن كانت "مَنْ" موصولة، أو في موضع الجواب إن كانت "مَنْ" شرطية، وعلى كلا التقديرين فالجملةُ من قوله {ويزيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى} عارية من ضميرٍ يعود على "مَنْ" يربط جملة الخبر بالمبتدأ، أو جملة الشرط بالجزاء، "الذي هو "فَلْيَمْدُدْ"، وما عطف عليه، لأن المعطوفَ على الخبر خبر، والمعطوف على جملة الجزاء" جزاء، وإذا كانت أداةُ الشرط اسماً لا ظرفاً تعيَّن أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقوم مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها. وذكره أبو البقاء - أيضاً - كما ذكر الزمخشري. قال شهاب الدين: وقد يجاب عمَّا قالاه بأنا نختار على هذا التقدير أن تكون "مَنْ" شرطية. وقوله: "ولا بد من ضمير يعود على اسم الشرط غير الظرف" ممنوع، لأنه فيه خلافاً تقدَّم تحقيقه، ودليله في سورة البقرة فيكون الزمخشري وأبو البقاء من القائلين بأنه لا يشترط. فصل اعلم أنه - تعالى - لمَّا بين أنه يعامل الكفار "بعد ذلك" بما ذكره، فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدًى، أي إيماناً وإيقاناً على يقينهم. ومن الناس من حمل زيادة الهدى على الثواب، أي: يزيدهم ثواباً على ذلك الاهتداء ومنهم من فسَّر الزيادة بالعبادة المرتبة على الإيمان. ثم قال: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً}. قال المحققون: هي الإيمان، والأعمال الصالحة تبقى لصاحبها وبعضهم قال: الصَّلواتُ، وبعضهم قال: التسبيح وقد تقدم. ثم قال: {خَيْرٌ عند ربِّك ثواباً وخيرٌ مردًّا} عاقبة ومرجعاً. ولا يجوز أن يقال: هذا خيرٌ إلا والمراد أنه خيرٌ من غيره، فالمراد إذاً: أنه خيرٌ مما ظنَّه الكفار بقولهم: {خَيْرٌ مقاماً وأحسَنُ نديًّا}.

القشيري

تفسير : يعني إذا قُرِئَتْ عليهم آياتُ القرآن قابلوها بالردِّ والجحد والعتو والزيغ، ويَدَّعُون أنهم على حقٍ، ولا يعتمدون في ذلك إلا على الحَدْسِ والظَّنِّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا تتلى}[وجون خوانده شود]{عليهم} الى على المشركين {آياتنا} القرآنية {بينات} واضحات الاعجاز والمعانى وهى حال مؤكدة فان آيات الله لا ينفك عنها الوضوح {قال}[كويند]{الذين كفروا} كنضر بن الحارث واصحابه {للذين آمنوا} اى لفقراء المؤمنين واللام للتبليغ كما فى مثل قوله تعالى {أية : وقال لهم نبيهم} تفسير : او لام الاجل اى لاجلهم فى حقهم {أيّ الفريقين} اى المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا اينا {خير} نحن او انتم {مقاما} مكانا ومسكنا يعنى [مارا منازل نزه است وهمه اسباب معيشت]{واحسن نديا} اى مجلسا ومجتمعا. قال بعض المفسرين الندى المجلس الجامع لوجوه قومهم واعوانهم وانصارهم يعنى [در مجمع ما همه صناديد قريش واشراف عرب اند ودر مجلس او همه موالى وضعفا] - روى - انهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة فاذا سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها قالوا مفتخرين بالحظوظ الدنيوية على فقراء المؤمنين لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم فى الدنيا احسن لان الحكيم لا يليق به ان يوقع اولياءه فى العذاب والذل واعداءه فى العز والراحة لكن الامر بالعكس وقصدهم بهذا الكلام صرفهم عن دينهم فرد الله عليهم بقوله {وكم اهلكنا قبلهم من قرن} كم مفعول اهلكنا ومن قرن بيان لابهامها واهل عصر قرن لمن بعدهم لانهم يتقدمونهم مأخوذ من قرن الدابة وهو مقدمها. وقال الكاشفى [من قرن: كروهى را مجتمع بودند در زمان واحد] انتهى كأنه اخذه من الاقتران{هم احسن} فى محل النصب على انه صفة لكم {اثاثا} تمييز عن النسبة وهو متابع البيت يعنى [نيكوتر ازجهت امتعه بيت كه آرايش منازل بدان باشد] {ورئيا} هو المنظر والهيئة فعل من الرؤية لما يرى كالطحن لما يطحن والمعنى كثيرا من القرون التى كانوا افضل منهم فيما يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية كعاد وثمود واضرابهم من الامم العاتية قبل هؤلاء اى كفار قريش اهلكناهم بفنون العذاب لو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا. وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى كأنه قيل فلينظر هؤلاء ايضا مثل ذلك. قال الكاشفى [نه آن مال هلاك از ايشان دفع كرد ونه آن جمال عذاب از ايشان باز داشت]. شعر : برمال وجمال خويشتن تكيه مكن كانرا بشبى برند وآنرا بتبى تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان اهل الانكار واهل العزة بالله {واذا تتلى عليهم آيتنا بينات} من الحقائق والاسرار {قال الذين كفروا} ستروا الحق بالانكار والاستهزاء {للذين آمنوا} من اهل التحقيق اذا رأوهم مرتاضين مجاهدين مع انفسهم متحملين متواضعين متذللين متخاشعين وهم متنعمون متمولون متكبرون متبعوا شهوات انفسهم ضاحكون مستبشرون {أى الفريقين} منا ومنكم {خير مقاما} منزلة ومرتبة فى الدنيا ووجاهة عند الناس وتوسعا فى المعيشة {واحسن نديا} مجلسا ومنصبا وحكما فقال تعالى فى جوابهم {وكم اهلكنا قبلهم من قرن} اى اهلكناهم بحب الدنيا ونعيمها اذا غرقناهم فى بحر شهواتها واستيفاء لذاتها والتعزز بمناصبها {هم احسن اثاثا ورئيا} استعدادا واستحقاقا فى الكمالات الدينية منكم كما قال عليه السلام "حديث : خياركم فى الاسلام خياركم فى الجاهلية اذا فقهوا "

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {هم أحسن}: صفة لِكَمْ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِذا تُتلى عليهم}؛ على الكفرة {آياتُنا} الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم، والناطقة بحسن عاقبة المؤمنين، حال كونها {بيناتٍ}: واضحات في نفسها، أو بينات الإعجاز، أو بينات المعاني، {قال الذين كفروا} أي: قالوا، ووضع الموصول موضع الضمير؛ للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يُتلى عليهم رادين له، أو: قال الذين تمرَّدوا في الكفر والعتو؛ وهم النضر بن الحارث وأتباعه، قالوا {للذين آمنوا}، اللام للتبليغ، أي: قالوا مبلغين الكلام لهم، وقيل: لام الأجل، كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11] أي: لأجلهم وفي حقهم، والأول أولى؛ لأن الكلام هنا كان معهم بدليل قوله: {أيُّ الفريقين} أي: المؤمنين والكفار، {خيرٌ} كأنهم قالوا: أينا {خيرٌ مقامًا} أي: مكانًا: نحن أو أنتم، وقرئ بالضم، أي: موضع إقامة ومنزل، {وأحسنُ نَدِيًّا}؛ مجلسًا ومجتمعًا، أو: أينا خير منزلاً ومسكنًا، وأحسن مجلسًا؟ يُروَى أنهم كانوا يُرجلون شعورهم ويدهنونها، ويتزينون بالزينة الفاخرة، ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين، يريدون بذلك أن خيريتهم، حالاً، وأحسنيتهم، مقالاً، مما لا يقبل الإنكار، وأنَّ ذلك لكرامتهم على الله سبحانه وزلفاهم عنده، وأنَّ الحال التي عليها المؤمنون، من الضرورة والفاقة ورَثَاثَةِ الحال؛ لقصور حظهم عند الله. وما هذا القياس العقيم والرأي السقيم إلا لكونهم جَهلةً لا يعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، وذلك مبلغهم من العلم، فردَّ عليهم بقوله: {وكم أهلكنا قبلهم من قَرْنٍ هم أحسنُ أثاثًا}: مالاً ومتاعًا {ورِءْيًا}؛ منظرًا، أي: كثيرًا من القرون التي كانوا أفضل منهم، فيما يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية، كعاد وثمود وأضرابهم العاتية قبل هؤلاء، أهلكناهم بفنون العذاب، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا، لما فعلنا بهم ما فعلنا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى، كأنه قيل: فلينتظر هؤلاء أيضًا مثل ذلك. و {أثاثًا}: تمييز، وهو متاع البيت، أو ما جد منه، و {رِءْيًا}: كذلك، فِعْل من الرؤية بمعنى المنظر، قال ابن عزيز: "رءيا" بهمزة ساكنة: ما رأيت عليه من شارة حسنة وهيئة، وبغير همز: يجوز أن يكون على معنى الأول، ويجوز أن يكون من الريّ. أي: منظرهم مُرتو من النعمة. وَزِيًّا، بالزاي المعجمة، في قراءة ابن عباس، يعني هيئة ومنظرًا. هـ. الإشارة: رفعة القدر والمقام لا تكون بالتظاهر بمفاخر اللباس والطعام، ولا بحسن الهيئة ومنظر الأجسام، وإنما يكون باحتظاء القلوب بمعرفة الله، وتمكين اليقين من القلوب، واطلاعها على أسرار الغيوب، مع القيام بوظائف العبودية، أدبًا مع عظمة الربوبية، ونسيان النفوس والاشتغال عنها بالعكوف في حضرة القدوس، فأهل القلوب لا يعبأُون بظواهر الأشباح، وإنما يعتنون بحياة الأرواح. شعر : كمل حقيقتك التي لم تَكْمُلِ والجسم دعه في الحضيض الأسفل تفسير : فقوت قلوبهم التواجد والأذكار، وحياة أرواحهم العلوم والأسرار، وأنشدوا: شعر : بالقوت إحياءُ الجسوم وذكره تحيا به الألباب والأرواح هو عيشهم ووجودهم وحياتهم حقًا ورَوْح نفوسهم والرَّاح تفسير : وأما من عَظُمَ جهلُه، وكَثُفَ حجابه، فإنما ينظر إلى بهجة الظواهر وتزيينها بأنواع المفاخر، أو إلى من عظم جاهه وكثرت أتباعه، وهذه نزعة جاهلية، حيث قالوا حين يُتلى عليهم الوعظ والتذكير: (أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا)، {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}تفسير : [الرُّوم: 7]. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر الحق تعالى مرد الفريقيين

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} الآية نزلت في النضر بن الحارث وجماعة من قريش لما نافروا فقراء المؤمنين {قال الذين كفروا للذين آمنوا أيُّ الفريقين} يعني فريق الكفار وفريق المؤمنين {خير مقاماً} أي مجلسا وموضع إبانة {وأحسن نديّاً} أي مجلساً دائماً تفاخروا بالمال وزينة الدنيا ولم يتفكروا في العاقبة، ثم بيَّن تعالى ما لهم وما أوتوا من أسباب الدنيا لا يغني عنهم شيئاً فقال سبحانه: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} أي جماعة، قيل: هؤلاء الكافرين {هم أحسن أثاثاً} أي أمتعة وزينة {ورِءْيا} أي هيئة عن ابن عباس: وقيل: منظراً حسناً، وقيل: الأثاث متاع البيت، يعني كما لم يغني عنهم مالهم كذلك هؤلاء الكفرة {قل} يا محمد {من كان في الضلالة} عن الدين {فليمدد له الرحمن مداً} يعني أن عادة الله تعالى الافضال عليهم بالامهال إبلاغاً في الحجة {حتى إذا رأوا ما يوعدون إمَّا العذاب} قيل: عذاب الاستئصال، وقيل: عذاب وقت اليأس، وقيل: عذاب القبر {وإما الساعة} يعني إما عذاب الاستئصال في الدنيا، وإما القيامة {فسيعلمون} حين يرون العذاب {من هو شر مكاناً وأضعف جنداً} أي أقل ناصراً {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} أي يزيد المؤمنين الذين اهتدوا إلى الحق {والباقيات الصالحات} أعمال الآخرة كلها، وقيل: الصلوات الخمس، وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أي: {هو خير عند ربك ثواباً} من مفاخرة الكفار {وخير مردّاً} أي مرجعاً {أفرأيت الذين كفر بآياتنا} الآية نزلت في العاص، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وقيل: هو عام {وقال لأوتيّن مالاً وولداً} أي سأُعطى مالاً وولداً {أَطلّع الغيب}، قيل: أنظر في اللوح المحفوظ، وقيل أعلم الغيب أو قد بلغ من شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار، والمعنى أن ما ادعاه أن يؤتاه ويأتي عليه لا يتوصل عليه إلا بأحد هذين الطريقين إما علم الغيب وإما عهد من عالم الغيب، فبأيهما توصل إلى ذلك؟ أو يكون العهد توحيداً وعملاً صالحاً قدمه، قيل: وعده وعداً مؤكداً أن يعطيه المال والولد، فأجابه الله سبحانه بوجهين: أحدهما: انهم قالوا ما لم يعلموا، والثاني: انهم اعتقدوا ما جهلوا وهو نيل الثواب مع الكفر والعصيان، وروي أن الآية في الوليد والمشهور أنها في العاص بن وائل قيل: ضاع له خباب حلياً فاقتضاه الأجرة فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضَّة وحريراً فأنا أقضيك، ثم فإني أوتى مالاً وولداً، فنزلت الآية {كلا} ردع وتنبيه على الخطأ أي هو مخطئ فيما تصور لنفسه {سنكتب ما يقول} سنحفظ {ما يقول} ليجازى به يوم القيامة {ونمدّ له من العذاب مدّاً} أي نطول له من العذاب ما يستاهله ويزاد له عذاباً فوق العذاب، وقرأ علي (عليه السلام): "ويمد له" {ونرثه ما يقول} أي نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد {ويأتينا فرداً} غداً بلا مال ولا ولد، ثم بيَّن تعالى ما اتخذوه من الآلهة فقال سبحانه: {واتخذوا من دون الله آلهة} وهي الأصنام {ليكونوا لهم عزّاً} ليكونوا لهم شفعاء يوم القيامة، أو يريد بذلك العز في الدنيا {كلا} أي لا يكون ما ظنوا ردع لهم وإنكار {سيكفرون}، قالوا: الضمير في سيكفرون للآلهة أي سيجحدون عبادتهم وينكرونها ويقولون والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون كقولهم: {أية : تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون}تفسير : [القصص: 63]، وقيل: هذا في الأصنام، وقيل: في الملائكة، وقيل: أراد هؤلاء المشركين سيجحدون أن يكونوا عبدوها عندما يرون سوء عاقبتهم {والله ربنا ما كنا مشركين}، والوجه الأول {ويكونون عليهم ضداً}، قيل: أعداء، وقيل: أعواناً، والمراد ضد العز وهو الذل والهوان.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} حال من الآيات أى واضحات الإعجاز أو ظاهرات الألفاظ والمعانى بنفسها وبتوضيح رسول الله صلى الله عليه وسلم والحال مؤكدة فإن آيات الله لا تكون إلا واضحة ومعجزة. والضمير المجرور بعلى عائد على المؤمنين والكافرين فقط. وعليه فقد أقيم الظاهر مقام المضمر فى قوله: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا} قيل: اللام للتبليغ أو للتعليل أو المعية. {أىُّ الْفَرِيقَيْنِ} المؤمنين والكافرين. {خَبْرٌ مَقَاماً} مكان القيام. وقرأ ابن كثير بضم الميم أى موضع إقامة ونزول. وكذا المراد فى قراءة الفتح. {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} بمعنى النادى، وهو مجتمع القوم للتحدث. وذلك منهم افتخار بأن مقامنا وندّينا أحسن، إذا سمعوا الآيات وعجزوا عن معارضتها وهم: النضر بن الحارث وكفار قريش. وكانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها، ويلبسون أفخر ثيابهم، والمسلمون فى خشونة عيش وملبس، وفى شعث. أخذوا يفتخرن بذلك، لقصور نظرهم، وعدم علمهم إلا بظاهر من الحياة الدنيا. وردَّ عليهم بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أثَاثاً وَرِءْياً} كم مفعول لأهلكنا، وهى للتكثير ولا شك أن {مِن قَرْن} بيان لِكَم فهو نعت لها مع قولهم: إن كم الخبرية والاستفهامية لا تصفان ولا توصفان. ومع ردهما على من قال: جملة {هم أحسن} نعت كم بأَن لا توصف. ولعل المراد أنها لا توصف بغير مِن البيانية ومجرورها. والظاهر منع الحالية، حيث منعت الوصفية؛ فإن الغالب أن حكمهما واحد ويضعف كون {مِن قَرن} بيان لضمير مقدر بعد أهلكنا أى أهلكناهم، والجملة خبركم، وكم مبتدأ. و{من قرن} حال من الضمير. وأما {هم أحسن} فالواضح أنه نعنت قرن، باعتبار معناه، باشتماله على أفراد. وكل أهل عصر قرن لمن بعده؛ لأنهم يتقدمونهم. وأثاثاً تمييز نسبة، بمعنى متاع البيت. وقيل: المال: العين والعروض والحيوان. وقيل: اللباس. والرِّئْى - بكسر الراء وإسكان الهمزة بعدها ياء - هو من الرؤية، وهو ما يُرى، كالطُحن - بكسر فإسكان - لما يُطحن والمراد: ما ينظر إليه لحُسنه. وقيل: الأثاث: ما هو جديد من متاع البيت والخُرْثى - بضم فإسكان -: ما بُلى منه. وقيل: الأثاث: ما هو جديد من الفرش. والخرثى: ما بلى منه. وذلك قراءة نافع. وقرأه ابن عامر ريا بكسر الراء وقلب الهمزة ياء وإدغامها. وقيل: هذه قراءة نافع وأهل المدينة أيضا. ومعناها كمعنى القراءة الأولى. وقيل: معناها: كثرة النعم لكثرة الماء. وقرأ أبو بكر رِيئاً بكسر الراء بعدها ياء ساكنة وبعد الياء همزة، على القلب، كقولهم فى رأى: راءَ. وقرئ ريا بكسر الراء بعدها ياء خفيفة، أصلهُ رِئ براء مكسورة فياء ساكنة فهمزة، فنقلت حركة الهمزة للياء فحذفت الهمزة. وقرأ ابن جبير وابن عباس ويزيد البربرى زِيا بزاى معجمة وياء مشددة من الزى وهو الجمع؛ لأن الزى محاسن مجموعة. وقيل: بمعنى الملبس.

اطفيش

تفسير : {وإذا تُتْلى عليهم آياتنا بينات} ظاهرات المعانى والإعجاز، وما تشابه بينته الآية الأخرى، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما بقى على إبهامه كأوائل السور على وجه ابقائه لم يضر السامع، ولم يوقعه فى لبس. {قال الذِين كفَرُوا} الآية مستأنفة فلا حاجة الى أنها فيمن قبلها حتى يقال وضع الظاهر موضع المضمر، لينعى عليهم بذكر الكفر المتقدم منهم، وأنه الموجب لكفرهم، وهذا نقوله مع الاستئناف كما شهر أنها نزلت فى النضر بن الحارث وأتباعه الفجرة {للَّذين آمنُوا} اللام للتبليغ أى خاطبُو المؤمنين بما قال الله عز وجل عنهم: {أى الفريقيْن} المؤمن والكافر {خيرٌ مقاماً وأحْسن ندياً} كقوله تعالى قالت أولادهم لأخراهم، فما كان لكم علينا من فضل، أو بمعنى فى على معنى أنهم قالوا فى شأن الذين آمنوا بلا خطاب لهم، أو بخطاب ولم يذكر الله الخطاب، كما قال الله عز وجل: "أية : قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا" تفسير : [الأعراف: 38] بلا خطاب، ويصح التعليل، ولا يمنعه كما زعم بعض أن المقول ليس فى حق المؤمنين خاصة. والمعنى قالوا لأجل المؤمنين معهم، إذ لولا المؤمنون لم يكن فريقان، والمقام فى الأصل موضع القيام أو زمانه أو نفسه، والأنسب هنا الأول لكن قصد به المكان بمعنى الشرف. والندى موضع الاجتماع، أو مخصوص بموضع يجتمع فيه لحادث أو مشورة، أو بموضع يجتمع فيه أهل الندى، أى الكرم، ويروى أنهم كانوا يدهنون شعورهم، ويرجلونها، ويتطيبون ويلبسون اللباس الفاخر، ويقولون لفقراء الذين آمنوا لو كنا أعداء الله وكنتم أولياء الله، لما فعل الله هذا بنا، وأفقركم، والحكيم لا يهين أولياء، فكذلك إن كان البعث نكون خيراً منكم حالا، وهو قياس عقيم من قلب سقيم، فإنهم رووا كثيراً من المؤمنين أغنياء، وكثيراً من الكفار فقراء، ورد الله عليهم بقوله عز وجل: {وكَمْ} مفعول به لقوله {أهْلكنا قبلهُم مِنْ قَرنْ هُم أحْسَن أثاثاً ورِئياً} كم للتكثير كما هو الظاهر، ويجوز أن تكون للاستفهام التعجيبى، أو التقريرى إضراباً عن ذكر الكثرة لشهرتها، والإذعان إليها الى حملهم على التعجب أو الإقرار، وفى الآية على كل حال الرد عليهم، والتهديد بالإهلاك، كما أهلك من قبلهم ممن هو أكثر مالا، وأحسن مالا وزينة، وأحسنية الأثاث تدل على كثرة المال على الغالب، وفى الجملة، ومن قرن نعت لكم لا كما قيل إنها لا تنعت وينبغى أن يكون الخلاف فى نعتها بغير من ومجرورها اللَّذين لبيانها، مثل قوله: {هم أحسن} فهذه الجملة نعت لقرن، كما هو واضح لا لكم، وضمير الجمع لاشتمال القرن على أفراد، والقرن مائة عام، وقيل غير ذلك، والأثاث المتاع جداً وبلى والخرثى ما بلى منه، والرأى المنظر نضارة اللوز وحسنه من الرؤية البصرية، وهو بشد الياء قلبت الهمزة ياء، وأدغمت أو من الرى ضد العطش مراد به النضارة، والحسن أو هو رئيا بهمزة فياء، وكلتا هما عن نافع.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } الآية إلى آخرها حكاية لما قالوا عند سماع الآيات الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم أي وإذا تتلى على المشركين {ءايَـٰتُنَا } التي من جملتها الآيات السابقة {بَيّنَـٰتٍ } أي ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على معارضتها أو مرتلات الألفاظ ملخصات المعنى مبينات المقاصد إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً، والوجه كما في «الكشاف» أن يكون {بَيّنَـٰتٍ } حالاً مؤكدة لمضمون الجملة وإن لم يكن عقدها من اسمين لأن المعنى عليه. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن {وإذا يتلىٰ} بالياء التحية لأن المرفوع مجازي التأنيث مع وجود الفاصل. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي قالوا. ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له أو قال الذين مردوا منهم على الكفر وأصروا على العتو والعناد وهم النضر بن الحرث وأتباعه الفجرة فإن الآية نزلت فيهم. واللام في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } للتبليغ كما في قلت له كذا إذا خاطبته به، وقيل لام الأجل أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، ورجح الأول بأن قولهم ليس في / حق المؤمنين فقط كما ينطق به قوله تعالى: {أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ } أي المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا: أينا {خَيْرٌ } نحن أو أنتم {مَقَاماً } أي مكاناً ومنزلاً، وأصله موضع القيام ثم استعمل لمطلق المكان. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد والجعفي وأبو حاتم عن أبـي عمرو {مَقَاماً } بضم الميم وأصله موضع الإقامة، والمراد به أيضاً المنزل والمكان فتتوافق القراءتان. وجوز في «البحر» احتمال المفتوح والمضمون للمصدرية على أن الأصل مصدر قام يقوم، والثاني مصدر أقام يقيم، ورأيت في بعض المجموعات كلاماً ينسب لأبـي السعود عليه الرحمة في الفرق بين المقام بالفتح والمقام بالضم وقد سأله بعضهم عن ذلك بقوله:شعر : يا وحيد الدهر يا شيخ الأنام نبتغي فرق المقام والمقام تفسير : وهو أن الأول يعني المفتوح الميم موضع قيام الشيء أعم من أن يكون قيامه فيه بنفسه أو بإقامة غيره ومن أن يكون ذلك بطريق المكث فيه أو بدونه، والثاني موضع إقامة الغير إياه أو موضع قيامه بنفسه قياماً ممتداً، فإن كان الفعل الناصب ثلاثياً فمقتضى المقام هو الأول، وكذا إن كان رباعياً ولم يقصد بيان كون المقام موضع قيام المضاف إليه بإقامة غيره أو موضع قيامه الممتد، وأما إذا قصد ذلك فمقتضاه الثاني كما إذا قلت: أقيمت تاء القسم مقام الواو تنبيهاً على أنها خلف عن الباء التي هي الأصل من أحرف القسم. ومقامات الكلمات كلها وإن كانت منوطة بوضع الواضع لكن مقامها المنوط بأصل الوضع لكونه مقاماً أصلياً لها قد نزل منزلة موضع قيامها بأنفسها وجعل مقامها المنوط بالاستعمال الطارىء جارياً مجرى المقام الاضطراري لذوات الاختيار، هذا إذا كان المقام ظرفاً أو إذا كان مصدراً ميمياً والفعل الناصب رباعي فحقه ضم الميم انتهى المراد منه. وأنت تعلم أنه في هذا المقام ليس منصوباً على الظرفية ولا على المصدرية بل منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ على ما قيل: أي أي الفريقين مقامه خير {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } أي مجلساً ومجتمعاً، وفي «البحر» هو المجلس الذي يجتمع فيه لحادثة أو مشورة. وقيل: مجلس أهل الندى أي الكرم وكذا النادي يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ويتطيبون ويلبسون مفاخر الملابس ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين الذين لا يقدرون على ذلك إذا تليت عليهم الآيات، قال الإمام: ومرادهم من ذلك معارضة المؤمنين كأنهم قالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل كان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في العذاب والذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة لكن الكفار كانوا في النعمة والراحة والمؤمنين كانوا بعكس ذلك فعلم أن الحق ليس مع المؤمنين، وهذا مع ظهور أنه قياس عقيم ناشيء من رأي سقيم نقضه الله تعالى وأبطله بقوله سبحانه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ ...}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله {أية : ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً}تفسير : [مريم: 66] وهذا صنف آخر من غرور المشركين بالدنيا وإناطتهم دلالة على السعادة بأحوال طيب العيش في الدنيا فكان المشركون يتشففون على المؤمنين ويرون أنفسهم أسعد منهم. والتّلاوة: القراءة. وقد تقدمت عند قوله تعالى: {أية : واتبعوا ما تتلو الشياطين على مُلك سليمان}تفسير : في البقرة (102)، وقوله: {أية : وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} تفسير : في أول الأنفال (2). كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ على المشركين القرآن فيسمعون آيات النعي عليهم وإنذارهم بسوء المصير، وآيات البشارة للمؤمنين بحسن العاقبة، فكان المشركون يكذّبون بذلك ويقولون: لو كان للمؤمنين خير لعُجل لهم، فنحن في نعمة وأهل سيادة، وأتباع محمّد من عامة الناس، وكيف يفوقوننا بل كيف يستوون معنا، ولو كنا عند الله كما يقول محمّد لمنّ على المؤمنين برفاهية العيش فإنّهم في حالة ضنك ولا يساووننا فلو أقصاهم محمد عن مجلسه لاتّبعناه، قال تعالى: {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين}تفسير : [الأنعام: 52، 53]، وقال تعالى: {أية : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه}تفسير : [الأحقاف: 11]. فلأجل كون المشركين كانوا يقيسون هذا القياس الفاسد ويغالطون به جعل قولهم به معلّقاً بزمان تلاوة آيات القرآن عليهم. فالمراد بالآيات البيّنات: آيات القرآن، ومعنى كونها بيّنات: أنّها واضحات الحجّة عليهم ومفعمة بالأدلّة المقنعة. واللاّم في قوله {للّذين آمنوا} يجوز كونها للتّعليل، أي قالوا لأجل الذين آمنوا، أي من أجل شأنهم، فيكون هذا قول المشركين فيما بينهم. ويجوز كونها متعلقة بفعل {قَالَ} لتعديته إلى متعلّقه، فيكون قولهم خطاباً منهم للمؤمنين. والاستفهام في قولهم {أيُّ الفريقين} تقريريّ. وقرأ من عدا ابن كثير {مَقاماً} ــــ بفتح الميم ــــ على أنه اسم مكان مِن قام، أطلق مجازاً على الحظ والرفعة، كما في قوله تعالى: {أية : ولمن خاف مقام ربّه جنتان}تفسير : [الرحمن: 46]، فهو مأخوذ من القيام المستعمل مجازاً في الظهور والمقدرة. وقرأه ابن كثير ــــ بضم الميم ــــ من أقام بالمكان، وهو مستعمل في الكون في الدنيا. والمعنى: خيرٌ حياةً. وجملة {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} خطاب من الله لرسوله. وقد أهلك الله أهل قرون كثيرة كانوا أرفه من مشركي العرب متاعاً وأجمل منهم منظراً. فهذه الجملة معترضة بين حكاية قولهم وبين تلقين النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يجيبهم به عن قولهم، وموقعها التهديد وما بعدها هو الجواب. والأثاث: متاع البيوت الذي يُتزين به، و {رئياً} قرأه الجمهور بهمزة بعد الراء وبعد الهمزة ياء على وزن فِعْل بمعنى مفعول كذبِح، من الرؤية، أي أحسن مَرِئيّاً، أي منظراً وهيئة. وقرأه قالون عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر «رِيّاً» ــــ بتشديد الياء بلا همزة ــــ إما على أنّه من قلب الهمزة ياء وإدغامها في الياء الأخرى، وإما على أنّه من الرِيّ الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: ريّان من النّعيم. وأصله من الريّ ضد العطش، لأنّ الريّ يستعار للتنعم كما يستعار التلهّف للتألّم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {خير مقاماً} قرأه ابن كثير بضم الميم. والباقون بفتحها. وقوله: {ورئْيا} قرأه قالون وابن ذكوان "ورياً" بتشديد الياء من غير همز. وقرأه الباقون بهمزة ساكنة بعد الراء وبعدها ياء مخففة. ومعنى الآية الكريمة: أن كفار قريش كانوا إذا يتلوا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه آيات هذا القرآن، في حال كونها بينات أي مرتلات الألفاظ، واضحات المعاني، بينات المقاصد، إما محكمات جاءت واضحة، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدي بها فلم يقدر على معارضتها - أو حججا وبراهين. والظاهر أن قوله: {بيِّناتٍ} حال مؤكدة. لأن آيات الله لا تكون إلا كذلك. و نظير ذلك قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً}تفسير : [البقرة: 91] أي إذا تتلى عليهم آيات الله في حال كونها متصفة بما ذكرنا عارضوها واحتجوا على بطلانها، وأن الحق معهم لا مع من يتلوها بشبهة ساقطة لا يحتج بها إلا من لا عقل له. ومضمون شبهتهم المذكورة: أنهم يقولون لهم: نحن أوفر منكم حظاً في الدنيا، فنحن أحسن منكم منازل، وأحسن منكم متاعاً، وأحسن منكم منظراً، فلولا أننا أفضل عند الله منكم لما آثرنا عليكم في الحياة الدنيا، وأعطانا من نعيمها وزينتها ما لم يعطكم. فقوله: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً} أي نحن وأنتم أينا خير مقاماً. والمقام على قراءة ابن كثير بضم الميم محل الإقامة، وهو المنازل والأمكنة التي يسكنونها. وعلى قراءة الجمهور فالمقام بفتح الميم مكان القيام وهو موضع قيامهم وهو مساكنهم ومنازلهم. وقيل: وهو موضع القيام بالأمور الجليلة، والأول هو الصواب. وقوله: {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} أي مجلساً ومجتمعاً. والاستفهام في قوله: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ} الظاهر أنه استفهام تقرير. ليحملوا به ضعفاء المسلمين الذين هم في تقشف ورثاثة هيئة على أن يقولوا أنتم خير مقاماً وأحسن ندياً منا. وعلى كل حال فلا خلاف أن مقصودهم بالاستفهام المذكور أنهم - أي كفار قريش - خير مقاماً وأحسن ندياً من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك هو دليلهم على أنهم على الحق، وأنهم أكرم على الله من المسلمين. وما في التلخيص وشروحه من أن السؤال بـ "أي" في الآية التي نحن بصددها سؤال بها عما يميز أحد المشتركين في أمر يعمُّهما كالعادة في أي غلط منهم. لأنهم فسروا الآية الكريمة بغير معناها الصحيح. والصواب ما ذكرناه إن شاء الله تعالى. واستدلالهم هذا بحظهم في الحياة الدنيا على حظهم يوم القيامة، وأن الله ما أعطاهم في الدنيا إلا لمكانتهم عنده، واستحقاقهم لذلك لسخافة عقولهم - ذكره الله تعالى في مواضع من كتابه. كقوله تعالى عنهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ}تفسير : [الأحقاف: 11]، وقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ}تفسير : [الأنعام: 53]، وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}تفسير : [سبأ: 35]، وقوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 55-56]، وقوله {أية : أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}تفسير : [مريم: 77]، وقوله {أية : قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً}تفسير : [الكهف: 35-36]، وقوله: {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ}تفسير : [فصلت: 50]، إلى غير ذلك من الآيات. فكل هذه الآيات دالة على أنهم لجهلهم يظنون أن الله لم يعطهم نصيباً من الدنيا إلا لرضاه عنهم، ومكانتهم عنده، وأن الأمر في الآخرة سيكون كذلك. وقد أبطل الله تعالى دعواهم هذه في آيات كثيرة من كتابه كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} والمعنى: أهلكنا قرونا كثيرة، أي أمماً كانت قبلهم وهو أكثر نصيباً في الدنيا منهم، فما معهم ما كان عندهم من زينة الدنيا ومتاعها من إهلاك الله إياهم لما عصوا وكذبوا رسله، فلو كان الحظ والنصيب في الدنيا يدل على رضا الله والمكانة عنده لما أهلك الذين من قبلكم، الذين هم أحسن أثاثاً ورئياً منكم. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وكم} هي الخبرية، ومعناها الإخبار بعدد كثير، وهي في حمل نصب على المفعول به لأهلكنا، أي أهلكنا كثيراً. {ومن} مبينة لـ {كم} وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. قيل: سموا قرناً لاقترانهم في الوجود. والأثاث: متاع البيت. وقيل هو الجديد من الفرش. وغير الجديد منها يسمى "الخرثي" بضم الخاء وسكون الراء والثاء المثلثة بعدها ياء مشددة. وأنشد لهذا التفصيل الحسن بن علي الطُّوسي قول الشاعر: شعر : تقادم العهد من أم الوليد بنا دهراً وصار أثاث البيت خرثيا تفسير : والإطلاق المشهور في العربية هو إطلاق الأثاث على متاع البيت مطلقاً. قال الفراء: لا واحد له. ويطلق الأثاث على المال أجمع: الإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع. والواحد أثاثة. وتأثث فلان: إذا أصاب رياشاً، قاله الجوهري عن أبي زيد. وقوله {ورئْيا} على قراءة الجمهور مهموزاً، أي أحسن منظراً وهيئة، وهو فعل بمعنى مفعول من رأى البصرية. والمراد به الذي تراه العين من هيأتهم الحسنة ومتاعهم الحسن. وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي في هذا المعنى قوله: شعر : أشافتك الظغائن يوم بانوا بذي الرئي الجميل من الأثاث تفسير : وعلى قراءة قالون وابن ذكوان بتشديد الياء من غير همز. فقال بعض العلماء: معناه معنى القراءة الأولى، إلا أن الهمزة أبدلت ياءً فأدغمت في الياء. وقال بعضهم: لا همز على قراءتهما أصلاً بل عليها فهو من الري الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: هو ريان من النعيم، وهي رياً منه. وعلى هذا فالمعنى أحسن نعمة وترفها. والأول أظهر عندي. والله تعالى أعلم. والآيات التي أبطل الله بها دعواهم هذه كثيرة. كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [آل عمران: 178]، وقوله: {أية : وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}تفسير : [سبأ: 37]. وقوله: {أية : فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}تفسير : [القلم: 44-45]، وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}تفسير : [الأنعام: 44]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وقد قدمنا شيئاً من ذلك. وقول الكفار الذي حكاه الله عنهم في هذه الآية الكريمة {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} الظاهر فيه أن وجه ذكرهم للمقام والندي: أن المقام هو محل السكنى الخاص لكل واحد منهم. والندي محل اجتماع بعضهم ببعض، فإذا كان كل منهما للكفار أحسن من نظيره عند المسلمين دل ذلك على أن نصيبهم في الدنيا أوفر من نصيب أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر: شعر : يومان يوم مقاماتٍ وأنديةٍ ويوم سيرٍ إلى الأعداء تأويب تفسير : والمقامات: جمع مقامة بمعنى المقام. والأندية: جمع نادٍ بمعنى الندى وهو مجلس القوم، ومنه قوله تعالى: {وتأْتون في نادِيكم المنكر} فالنادي والندي يطلقان على المجلس، وعلى القوم الجالسين فيه. وكذلك المجلس يطلق على القوم الجالسين، ومن إطلاق الندي على المكان قول الفرزدق: شعر : وما قام منا قائم في ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرفُ تفسير : وقوله تعالى هنا: {وأحسن ندياً}. ومن إطلاقه على القوم قوله: {أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ}تفسير : [العلق: 17-18]. ومن إطلاق المجلس على القوم الجالسين فيه قول ذي الرمة: شعر : لهم مجلس صهب السبال أذلة سواسية أحرارها وعبيدها تفسير : والجملة في قوله: {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً}: قال الزمخشري: هي في محل نصب صفة لقوله: {كم} ألا ترى أنك لو تركت لفظة {هم} لم يكن لك بد من نصب {أحسن} على الوصفية اهـ - وتابع الزمخشري أبو البقاء على ذلك. وتعقبه أبو حيان في البحر بأن بعض علماء النحو نصوا على أن "كم" سواءً كانت استفهامية أو خبرية لا توصف ولا يوصف بها. قال: وعلى هذا يكون {هم أحسن} في موضع الصفة لـ {قرن} وجمع نعت القرن اعتباراً لمعنى القرن، وهذا هو الصواب عندي لا ما ذكره الزمخشري وأبو البقاء. وصيغة التفضيل في قوله: {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} تلزمها "من" لتجردها من الإضافة والتعريف، إلا أنها محذوفة لدلالة المقام عليها. والتقدير: هم أحسن أثاثاً ورئِياً منهم، على حد قوله في الخلاصة: شعر : وأفعل التفضيل صِله أبداً تقديراً أو لفظاً بِمن إن جردا تفسير : فإن قيل: أين مرجع الضمير في هذه الآية الكريمة في قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية؟ فالجواب - أنه راجع إلى الكفار المذكورين في قوله: {أية : وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ}تفسير : [مريم: 66] الآية، وقوله: {أية : وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}تفسير : [مريم: 72] قاله القرطبي. والله تعالى أعلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آياتنا بينات: أي آيات القرآن البينات الدلائل الواضحات الحجج. خير مقاماً: نحن أم أنتم والمقام المنزل ومحل الإِقامة والمراد هنا المنزلة. وأحسن ندياً: أي ناديا وهو مجتمع الكرام ومحل المشورة وتبادل الآراء. أحسن أثاثاً ورئيا: أي مالا ومتاعا ومنظراً. إما العذاب وإما الساعة: أي بالقتل والأسر وأما الساعة القيامة المشتملة على نار جهنم. من هو شر مكانا: أي منزلة. وأضعف جنداً: أي أقل أعواناً. وخير مرداً: أي ما يرد إليه ويرجع وهو نعيم الجنة. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير النبوة والتوحيد والبعث الآخر يقول تعالى {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ} أي وإذا قرئت على كفار قريش المنكرين للتوحيد والنبوة المحمدية والبعث والجزاء يوم القيامة إذا قرأ عليهم رسول الله أو أحد المؤمنين من أصحابه بعض الآيات من القرآن البينات في معانيها ودلائلها على التوحيد والنبوة والبعث {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}، وقولهم هذا هو رد فعل لا غير، إذ أنهم لما يسمعون الآيات تحمل الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين مثلهم لا يجدون ما يخففون به ألم نفوسهم فيقولون هذا الذي أخبر تعالى به عنهم {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ} أي فريق المؤمنين أو فريق الكافرين خير مقاماً أي منزلاً ومسكناً وأحسن نديا أي ناديا ومجتمعا يجتمع فيه، لأنهم يقارنون بين منازل فقراء المؤمنين ودار الأرقم بن أبي الأرقم التي يجتمع فيها الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وبين دور ومنازل أبي سفيان وأغنياء مكة ونادي قريش وهو مجلس شوراهم فرد تعالى عليهم بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} أي لا ينبغي أن يغرهم هذا الذين يتبجحون به ويتطاولون فإنه لا يدوم لهم ما داموا يحاربون دعوة الحق والقائمين عليها فكم من أهل قرون أهلكناهم لما ظلموا وكانوا أحسن من هؤلاء مالا ومتاعا ومناظر حسنة جميلة. وقوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} أي اذكر لهم سنتنا في عبادنا يا رسولنا وهي أن من كان في ضلالة الشرك والظلم والمكابرة والعناد فإن سنة الرحمن فيه أن يمد له بمعنى يمهله ويملي له استدراجا حتى إذا انتهوا إلى ما حدد لهم من زمن يؤخذون فيه بالعذاب جزاء كفرهم وظلمهم وعنادهم وهو إما عذاب دنيوي بالقتل والأسر ونحوهما أو عذاب الآخرة بقيام الساعة حيث يحشرون إلى جهنم عميا وبكما وصما جزاء التعالي والتبجح بالكلام وهو معنى قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} أي شر منزلة وأقل ناصراً أهم الكافرون أم المؤمنون، ولكن حين لا ينفع العلم. إذ التدارك أصبح غير ممكن وإنما هي الحسرة والندامة لا غير. وقوله تعالى: {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى} أي إذا كان تلاوة الآيات البينات تحمل المشركين على العناد والمكابرة وذلك لظلمة كفرهم فيزدادون كفراً وعناداً فإن المؤمنين المهتدين يزدادون بها هداية لأنها تحمل لهم الهدى في كل جملة وكلمة منها وهم لإِشراق نفوسهم بالإِيمان يرون ما تحمل الآيات من الدلائل والحجج والبراهين فيزداد إيمانهم وتزداد هدايتهم في السير في طريق السعادة والكمال بأداء الفرائض واجتناب المناهي. وقوله تعالى: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ} أيها الرسول {ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} في هذه الآية تسلية للرسول والمؤمنين بأن ما يتبجح به المشركون من المال والمتاع وحسن الحال لا يساوي شيئاً أمام الإِيمان وصالح الأعمال لأن المال فانٍ، والصالحات باقية فثواب الباقيات الصالحات من العبادات والطاعات خير من كل متاع الدنيا وخير مرداً أي مردوداً على صاحبها إذ هو الجنة دار السلام والتكريم والإِنعام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الكشف عن نفسيات الكافرين وهي الإِعتزاز بالمال والقوة إذا اعتز المؤمنون بالإِيمان وثمراته في الدنيا والآخرة من حسن العاقبة. 2- بيان سنة الله تعالى في إمهال الظلمة والإملاء لهم استدراجاً لهم حتى يهلكوا خاسرين. 3- بيان سنة الله تعالى في زيادة إيمان الؤمنين عند سماع القرآن الكريم، أو مشاهدة أخذ الله تعالى للظالمين. 4- بيان فضيلة الباقيات الصالحات ومنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

القطان

تفسير : بينات: ظاهرات الإعجاز. مقاما: مكانا، منزلا. نديا: مجلسا، النديّ والنادي والمنتدَى بمعنى، وكذلك الندوة. القرن: أهل كل عصر، واصبح في العرف الآن مائة عام. الأثاث: متاع البيت وفرشه وكل ما يحتاج اليه، لا واحد له. رئِيا: منظرا، ونضارة وحسنا. فليمدُد له: فليمهله. جندا: انصارا. مردّا: مرجعا وعاقبة. بعد ان أقام الله تعالى الحجة على مشركي قريش المنكِرين للبعث بعد الفناء، أتبعه هنا بذكر شبهةٍ أخرى، حيث قال بعض زعمائهم (وهم النضر بن الحارث وأبو جهل والوليد بن المغيرة وغيرهم) عندما كانت تتلى عليهم آيات الله واضحةَ الدلالة: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}... أعرضوا عنها وقالوا للمؤمنين: لستم مثلَنا حظّاً في الدنيا، فنحنُ خيرٌ منكم منزلاً ومجلسا، فكذلك سيكون حظّنا في الآخرة. انظروا الى المؤمنين الذين حول محمد، مثل بِلال وعمّار وخَبَّاب وغيرِهم من الفقراء المعدِمين، فأيُّ الفريقَين منا ومنكم أوسعُ عيشاً وأنعم بالا!؟. فردّ الله عليهم شُبْهَتَهم بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً}. كان على هؤلاء المتكبّرين الجاحدين ان يتَعِظوا بمن سبقَهم، وكانوا أحسنَ منهم حظاً في الدنيا، وأكثر متاعا، فأهلكناهم بكفرهم، ولم ينفعْهم أثاثهم ورياشهم، ولم يعصِمْهم شيءٌ من الله حين كتب عليهم الهلاك. ثم أمَرَ سبحانه نبيّه الكريم ان يُجيب هؤلاء المفتخِرين بما عندهم بقوله: {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً.... }. قل ايها الرسول لهؤلاء المدّعين أنهم على الحق، وأنكم على الباطل: من كان في الضلالة والكفر أمهلَهُ اللهُ، وأملى له العُمُر، ليزدادَ طغياناً وضلالا، ثم يأخذُه أخْذَ عزيز مقتدر، إما بعذاب الدنيا، وإما بعذاب الآخرة. سيعلمون أنهم شَرٌّ مكاناً واضعفُ جُنْدا وأقلُّ ناصراً من المؤمنين. وعند ذلك يظهر من هو خيرٌ مقاما واحسنُ نَدِيّا. اما المؤمنون بآيات الله فإن الله تعالى يزيدهم هدى وتوفيقا، ذلك ان الطاعاتِ التي يبقى ثوابها لأهلها خير عند ربهم جزاءً، وأبقى عند الله ثواباً وعاقبة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُنَا} {بَيِّنَٰتٍ} {آمَنُوۤاْ} (73) - وَحِيْنَ تُتْلَى آيَاتُ اللهِ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ، وَهِيَ ظَاهِرَةُ الدَّلاَلَةِ وَاضِحَةُ البُرْهَانِ، يَصُدُّونَ عَنْهَا، وَيُعْرِضُونَ، وَيَقُولُونَ مُفْتَخِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ بِالبَاطِلِ: إِنَّهُمْ أَحْسَنُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْزِلاً، وَأَرْفَعُ دَوْراً (خَيْرٌ مَقَاماً)، وَإِنَّ نَادِيَهُمْ أَعْمَرُ وَأَكْثَرُ رُوَّاداً وَطَارِقاً (أَحْسَنُ نَدِيّاً)، مِنْ دَارِالأَرْقَمِ، الَّتِي كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَمِعُونَ فِيهَا مُسْتَخْفِينَ. وَفِي ظَنِّ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ أَنَّ الأَمْرَ مَا دَامَ كَذَلِكَ فِي الدُّنْيا، فَإِنَّهُم سَيَكُونُونَ أَحْسَنَ حَالاً مِنْهُمْ فِي الآخِرَةِ، إِذْ كَيْفَ يَكُونُونَ هُمْ عَلَى بَاطِلٍ وَضَلاَلٍ، وَفُقَرَاءُ المُسْلِمِينَ المُسْتَخَفِيْنَ فِي دَارِ الأَرْقَمِ المُتَوَاضِعَةِ عَلَى حَقٍّ. خَيْرٌ مَقَاماً - مَنْزِلاً وَسَكَناً. أَحْسَنُ نَدِيّاً - مَجْلِساً وَمُجْتَمعاً (نَادِياً).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا حوار دار بين المؤمنين والكافرين، المؤمنين وكانوا عادةً هم الضعفاء الذين لا يقدرون حتى على حماية أنفسهم، وليس لهم جاه ولا سيادة يحافظون عليها، وجاء منهج الله في صالحهم يُسوِّي بين الناس جميعاً: السادة والعبيد، والقوي والضعيف. فطبيعي أنْ يُقابلَ هذا الدين بالتكذيب من كفار مكة، أهل الجاه والسيادة، وأهل القوة الذين يأخذون خَيْر الناس من حولهم، أما الضعفاء فقد آمنُوا بدين الله في وقت لم يكن لديهم القوة الكافية لحماية أنفسهم، فعندما نزل قَوْل الحق - تبارك وتعالى -: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. قال عمر - رضي الله عنه - وما أدراك مَنْ هو عمر؟ قال: أيّ جمع هذا؟ وأيُّ هزيمة، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ وفي هذه الآونة، يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين المستضعفين بالهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة. فلما جاء نصر الله للمؤمنين، وتأييده لهم في بدر. قال عمر: صدق الله: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. وفي هذا الحوار يُعيِّر الكفار المؤمنين بالله: ماذا أفادكم الإيمان بالله وها أنتم على حال من الضعف والهوان والذِّلَّة وضيق العيش؟ أيرضى رَبٌّ أن يكون المؤمنون به على هذه الحال، وأعداؤه والكافرون به هم أهل الجاه والسيادة وسَعة الرزق؟ وهكذا فتَن الله بعضهم ببعض، كما قال سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}تفسير : [الأنعام: 53]. فالمؤمن والكافر، والغني والفقير، والصحيح والمريض، كُلٌّ منهم فتنة للآخر لِيُمحِّص الله الإيمان، ويختبر اليقين في قلوب المؤمنين؛ لأن الله تعالى يعدهم لحمل رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا كلها في جميع أزمنتها وأماكنها، فلا بُدَّ أن يختار لهذه المهمة أقوياء الإيمان الذين يدخلون الإسلام، ليس لمغنم دنيوي، بل لحمل رسالته والقيام بأعبائه، فهذا هو المؤمن المؤتمن على حَمْل منهج الله. ومن ذلك ما نراه من أن مناهج الباطل في الدنيا مَنْ يدعو إليها يرشو المدعو ويعطيه، أمّا منهج الله فيأخذ منه ليختبره وليُمحصه. فكيف يكون الغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني؟ الغني مفتون بالفقير حيث هو في سَعَة من العيش والفقير في ضيق، الغني يأكل حتى التُّخمة والفقير جائع، ويرتدي الغني الفاخر من الثياب والفقير عريان. فهل سيعرف نعمة الله عليه ويؤدي حقها؟ والفقير مفتون بالغني حين يراه على هذه الحال، فهل سيصبر على هذه الشدة؟ أم سيعترض على ما قدَّره الله له، ويحقد على الغنيّ؟ ولو علم الفقير أن الفقر درس تدريبي أُجْرِي لجنود الحق الذين يحملون منهج الله إلى خَلْق الله في كل زمان ومكان، وأن هذه قسمة الله بين خَلْقه لَمَا اعترض على قسمة الله، ولَمَا حقد على صاحب الغني. وكذلك يُفتَن الصحيح بالمريض والمريض بالصحيح، فالصحيح يعيش مع نعمة الله بالعافية، أما المريض فيعيش مع المنعم سبحانه، كما جاء في الحديث القدسي: "حديث : يا ابْن آدم، مرضْتُ فَلِم تعُدْني. فيقول: وكيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمتَ أن عبدي فلاناً مرض فلم تَعُدْه؟ أما علمت أنك لو عُدَّته لوجدتني عنده ". تفسير : لذلك ترى أهل الأمراض من المؤمنين يتألم زُوَّارهم من أمراضهم، في حين أنهم في أُنْس بالله يشغلهم عن أمراضهم وعن آلامهم، ومَنِ الذي يزهد في معية الله؟ إذن: لو حقد المريض على السليم فهو مفتون به، وكان يجب عليه أن يعلم: إنْ كان الصحيح في معية النعمة فهو في معية المنعِم سبحانه وتعالى. وسيدنا نوح - عليه السلام - بعد أن لبث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً كان جواب قومه: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ..}تفسير : [هود: 27] فكان أتباع نوح في نظرهم حثالة القوم، ثم حاولوا أنْ يُغروه بهم ليطردهم، فهم ضِعاف لا جاهَ لهم ولا سلطان، فما كان منه إلا أنْ قال: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ}تفسير : [هود: 29]. وقال في آية أخرى: {أية : وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [هود: 31]. فعلى مَرِّ الأزمان واختلاف الرسالات كان الكفار تزدري أعينهم الفقراء والضعفاء المؤمنين، ويحاولون طردهم وإخراجهم من ديارهم، ألم يقل الحق - تبارك وتعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 52]. وهكذا جاءت اللقطة التي معنا: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73]. قوله: {آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ} [مريم: 73] الآيات: جمع آية وهي الشيء العجيب الذي يتحدث به، وتُطلق - كما قلنا - على الآيات الكونية التي تثبت قدرة الله تعالى، وتلفتنا إلى بديع صُنْعه كآيات الليل والنهار والشمس والقمر، وتُطلق على المعجزات التي تُثبت صِدْق الرسول، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 90-93]. كما تُطلق الآيات على آيات القرآن التي تحمل الأحكام، وهذه هي المرادة هنا؛ لأن آيات القرآن تنطوي فيها كل الآيات. وقوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ ..} [مريم: 73] أي: لقد ارتضينا حكمكم في هذه المسألة: نحن الكفار في سَعَة، وأنتم يا أهلَ الإيمان في ضيق، فأيّ الفريقين خير مقاماً؟ والله بمقاييسكم أنتم. فأنتم خير، أمّا بمقياس الأعلى والأبقى فنحن. والمقام - بفتح الميم: اسم لمكان قيامك من الفعل: قام. أما "مُقام" بضم الميم، فمِنْ أقام. والمراد هنا {خَيْرٌ مَّقَاماً} [مريم: 73] أي: مكاناً يقوم فيه على الآخر أي: بيت كبير وأثاث ومجلس يتباهى به على غيره. {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73] الإنسان عادةً له بيت يَأويه، وله مجلس يَأوي إليه، ويجلس فيه مع أصحابه وأحبابه يُسمُّونه "حجرة الجلوس" أو "المندرة"، وفيها يجلس كبير القوم ومن حوله أهله وأتباعه، كما نقول في العامية: (عامل قعر مجلس)؛ لذلك إذا قام أنفضَّ المجلس كله؛ لأنهم تابعون له، كما قال الشاعر: شعر : وانفضَّ بَعْدَكَ يَا كُليْبُ المجلِسُ تفسير : وهناك النادي، وهو المكان الذي يجتمع فيه عظماء القوم والأعيان، بدل أنْ يكون لكل منهم مجلسه الخاص، كما نرى الآن: نادي الرياضيين ونادي القضاة.. إلخ إذن: فالنادي دليلٌ على أنهم متفقون ومتكاتفون ومتكتلون ضد الإسلام وضد الحق. ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ}تفسير : [العلق: 17] ومن ذلك ما كان يُسمَّى قبل الإسلام "دار الندوة"، و كانوا يجتمعون فيها ليدبروا المكائد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن النادي ما كان مأخوذاً لعمل المنكر والفاحشة والعياذ بالله، فيجتمعون فيه لكُلِّ ما هو خبيث من شُرْب الخمر والرقص والفواحش، كما في قَوْل الحق - تبارك وتعالى -: {أية : .. وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ ..}تفسير : [العنكبوت: 29]. وفي هذا دليل على شيوع الفاحشة والقِحَةِ بين القادرين والمجاهرة بها، فلم يكونوا يقترفونها سِرّاً، بل في جَمْع من رُوَّاد هذه الأماكن. والنادي أو المنتدَى مأخوذ من النَّدَى أي: الكرم، ولما مدحَتْ المرأة العربية زوجها قالت: رَفيع العِماد، كثير الرماد، قريب البيت من الناد. والمعنى: أن بيته أقرب البيوت إلى النادي، فهو مَقْصد الناس في قضاء حاجياتهم. إذن: كان قول الكفار للمؤمنين: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73] موضع فتنة للفريقين، فقال المؤمنون: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ}تفسير : [الأحقاف: 11] وقال الكفار: ما دام أن الله حبانا في الدنيا وهو الرزاق، فلا بد أنْ يَحْبُوَنَا في الآخرة، لكن لم تتعرض الآيات للقول المقابل من المؤمنين، إنما جاء الرد عليهم من طريق آخر، فقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} معناه مَجلسٌ. والنَّدى والنَّادي واحدٌ. والجمعُ أنديةٌ. والمَقامُ: المَساكنُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وإذا تتلى على هؤلاء الكفار آياتنا بينات، أي: واضحات الدلالة على وحدانية الله وصدق رسله، توجب لمن سمعها صدق الإيمان وشدة الإيقان، قابلوها بضد ما يجب لها، واستهزءوا بها وبمن آمن بها، واستدلوا بحسن حالهم في الدنيا، على أنهم خير من المؤمنين، فقالوا معارضين للحق: { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ } أي: نحن والمؤمنون { خَيْرٌ مَقَامًا } أي: في الدنيا، من كثرة الأموال والأولاد، وتوفر الشهوات { وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } أي مجلسا. أي: فاستنتجوا من هذه المقدمة الفاسدة، أنهم أكثر مالا وأولادا، وقد حصلت لهم أكثر مطالبهم من الدنيا، ومجالسهم وأنديتهم مزخرفة مزوقة. والمؤمنون بخلاف هذه الحال، فهم خير من المؤمنين، وهذا دليل في غاية الفساد، وهو من باب قلب الحقائق، وإلا فكثرة الأموال والأولاد، وحسن المنظر، كثيرا ما يكون سببا لهلاك صاحبه، وشقائه، وشره، ولهذا قال تعالى: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا } أي: متاعا، من أوان وفرش، وبيوت، وزخارف، وأحسن رئيا، أي: أحسن مرأى ومنظرا، من غضارة العيش، وسرور اللذات، وحسن الصور، فإذا كان هؤلاء المهلكون أحسن منهم أثاثا ورئيا، ولم يمنعهم ذلك من حلول العقاب بهم، فكيف يكون هؤلاء، وهم أقل منهم وأذل، معتصمين من العذاب {أية : أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ } تفسير : ؟ وعلم من هذا، أن الاستدلال على خير الآخرة بخير الدنيا من أفسد الأدلة، وأنه من طرق الكفار.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 583 : 35 : 26 - سفين عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس في قوله {خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} قال، المنازل. والندي المجالس. [الآية 73]. 584 : 36 : 27 - سفين قال، من قرأها {خير مُقاماً} فإِنما يعني مقامه الذي يقيم فيه الدهر. والذي يقرأها {خَيْرٌ مَّقَاماً} فإِنما يعني المقامة التي يقيم فيها.

همام الصنعاني

تفسير : 1781- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [الآية: 73] قال: خير مكاناً، وأحْسَنُ مَجْلساً.