١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
74
Tafseer
الرازي
تفسير : وتقرير هذا الجواب أن يقال: إن من كان أعظم نعمة منكم في الدنيا قد أهلكهم الله تعالى وأبادهم، فلو دل حصول نعم الدنيا للإنسان على كونه حبيباً لله تعالى لوجب في حبيب الله أن لا يوصل إليه غماً في الدنيا ووجب عليه أن لا يهلك أحداً من المنعمين في دار الدنيا وحيث أهلكهم دل إما على فساد المقدمة الأولى وهي أن من وجد الدنيا كان حبيباً لله تعالى، أو على فساد المقدمة الثانية وهي أن حبيب الله لا يوصل الله إليه غماً، وعلى كلا التقديرين فيفسد ما ذكرتموه من الشبهة، بقي البحث عن تفسير الألفاظ فنقول: أهل كل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم (وهم أحسن) في محل النصب صفة (لكم)، ألا ترى أنك لو تركت (هم) لم يكن لك بد من نصب أحسن على الوصفية، والأثاث متاع البيت، أما رئياً فقرىء على خمسة أوجه لأنها إما أن تقرأ بالراء التي ليس فوقها نقطة، أو بالزاي التي فوقها نقطة فأما الأول، فإما أن يجمع بين الهمزة والياء أو يكتفي بالياء. أما إذا جمع بين الهمزة والياء ففيه وجهان: أحدهما: بهمزة ساكنة بعدها ياء وهو المنظر والهيئة فعل بمعنى مفعول من رأيت رئياً. والثاني: ريئاً على القلب كقولهم راء في رأى، أما إن اكتفينا بالياء فتارة بالياء المشددة على قلب الهمزة ياء، والإدغام، أو من الري الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: ريان من النعيم. والثاني: بالياء على حذف الهمزة رأساً ووجهه أن يخفف المقلوب وهو ريئاً بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها، وأما بالزاي المنقطة من فوق زياً فاشتقاقه من الزي وهو الجمع، لأن الزي محاسن مجموعة، والمعنى أحسن من هؤلاء، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} و {كَمْ} مفعول {أَهْلَكْنَا} و {مّن قَرْنٍ } بيانه، وإنما سمي أهل كل عصر قرناً أي مقدماً من قرن الدابة. وهو مقدمها لأنه يتقدم من بعده، وهم أحسن صفة لكم وأثاثاً تمييز عن النسبة وهو متاع البيت. وقيل هو ما جد منه والخرثي ما رث والرئي المنظر فعل من الرؤية لما يرى كالطحن والخبز، وقرأ نافع وابن عامر «ريا» على قلب الهمزة وإدغامها أو على أنه من الري الذي هو النعمة، وقرأ أبو بكر «رييا» على القلب، وقرىء «ريا» بحذف الهمزة و «زيا» من الزي وهو الجمع فإنه محاسن مجموعة، ثم بين أن تمتيعهم استدراج وليس بإكرام وإنما العيار على الفضل والنقص ما يكون في الآخرة بقوله:
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى: {وَكَمْ } أي كثيراً {أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ } أي أمّة من الأمم الماضية {هُمْ أَحْسَنُ أَثَٰثاً } مالاً ومتاعاً {وَرِءْياً} منظراً، من الرؤية، فكما أهلكناهم لكفرهم نُهْلِكُ هؤلاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَثَاثَاً} متاعاً {وَرِءْياً} منظراً "ع" أو الجديد من ثياب البيت، والريّ الارتواء من النعمة، أو ما لا يراه الناس والرئي ما يرونه، أو أكثر أموالاً وأحسن صوراً.
النسفي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } فـ {كم} مفعول {أهلكنا} و{من} تبيين لإبهامها أي كثيراً من القرون أهلكنا وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم {هُمْ أَحْسَنُ } في محل النصب صفة لـ {كم} ألا ترى أنك لو تركت {هم} كان أحسن نصباً على الوصفية {أَثَاثاً } هو متاع البيت أو ماجد من الفرش {وَرِئياً} منظراً وهيئة فعل بمعنى مفعول من رأيت و{رياً} بغير همز مشدداً: نافع وابن عامر على قلب الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم الإدغام، أو من الري الذي هو النعمة {قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ } الكفر {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } جواب {من} لأنها شرطية وهذا الأمر بمعنى الخبر أي من كفر مد له الرحمن يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغياناً وضلالاً كقوله تعالى {أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً}تفسير : [آل عمران: 178] وإنما أخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل ليقطع معاذير الضلال. {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } هي متصلة بقوله {خير مقاماً وأحسن ندياً} وما بينهما اعتراض أي لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين {إِمَّا ٱلعَذَابَ } في الدنيا وهو تعذيب المسلمين إياهم بالقتل والأسر {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } أي القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال فهما بدلان مما يوعدون {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً } منزلاً {وَأَضْعَفُ جُنداً } أعواناً وأنصاراً أي فحينئذٍ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وأنهم شر مكاناً وأضعف جنداً لا خير مقاماً وأحسن ندياً، وأن المؤمنين على خلاف صفتهم. وجاز أن تتصل بما يليها، والمعنى إن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم لا ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة. وحتى هي التي يحكي بعدها الجمل ألا ترى أن الجملة الشرطية واقعة بعدها وهي قوله {إذا رأوا ما يوعدون. فسيعلمون} {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } معطوف على موضع {فليمدد} لوقوعه موضع الخبر تقديره: من كان في الضلالة مد أو يمد له الرحمن ويزيد أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه، ويزيد المهتدين أي المؤمنين هدى ثباتاً على الاهتداء أو يقينا وبصيرة بتوفيقه {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ } أعمال الآخرة كلها أو الصلوات الخمس أو سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر {خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } مما يفتحر به الكافر {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } أي مرجعاً وعاقبة تهكم بالكفار لأنهم قالوا للمؤمنين {أي الفرقين خير مقاماً وأحسن ندياً}.
القشيري
تفسير : أي إن هؤلاء ينخرطون في سِلْكِ مَنْ تَقَدَّمهم، كما سلكوا في الريب منهاجهم، وسَيَلْقَوْن ما يستوجبونه على سوء أعمالهم.
الجنابذي
تفسير : قرئ رِءْياً بكسر الرّاء المهملة وسكون الهمزة ورِيّاً بكسر الرّاء وتشديد الياء ورِيّاً بكسر الرّاء وتخفيف الياء وزيّاً بكسر الزّاء المعجمة وتشديد الياء، والكلّ بمعنى المنظر او ما يتجمّل به.
الالوسي
تفسير : وحاصله أن كثيراً ممن كان أعظم نعمة منكم في الدنيا كعاد وثمود وأضرابهم من الأمم العاتية قد أهلكهم الله تعالى فلو دل حصول نعمة الدنيا للإنسان على كونه مكرماً عند الله تعالى وجب أن لا يهلك أحداً من المتنعمين في الدنيا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى كأنه قيل فلينظر هؤلاء أيضاً مثل ذلك، و {كَمْ } خبرية للتكثير مفعول / {أَهْلَكْنَا }، وقدمت لصدارتها، وقيل: استفهامية والأول هو الظاهر و {مّن قَرْنٍ } بيان لإبهامها. والقرن أهل كل عصر، وقد اختلف في مدته وهو من قرن الدابة سمي به لتقدمه، ومنه قرن الشمس لأول ما يطلع منها. و {هُمْ أَحْسَنُ } في حيز النصب على ما ذهب إليه الزمخشري وتبعه أبو البقاء صفة لكم ورده أبو حيان بأنه قد صرح الأصحاب بأن كم سواء كان خبرية أو استفهامية لا توصف ولا يوصف بها، وجعله صفة {قَرْنٍ } وضمير الجمع لاشتمال القرن على أفراد كثيرة ولو أفرد الضمير لكان عربياً أيضاً. ولا يرد عليه كما قال الخفاجي: كم من رجل قام وكم من قرية هلكت بناء على أن الجار والمجرور يتعين تعلقه بمحذوف هو صفة لكم كما ادعى بعضهم أن الرضي أشار إليه لأنه يجوز في الجار والمجرور أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف والجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب فما ادعى غير مسلم عنده. و {أَثَاثاً } تمييز وهو متاع البيت من الفرش والثياب وغيرها واحدها أثاثة، وقيل: لا واحد لها وقيل: الأثاث ما جد من المتاع والخرثى ما قدم وبلي، وأنشد الحسن بن علي الطوسي:شعر : تقادم العهد من أم الوليد بنا دهراً وصار أثاث البيت خُريثاً تفسير : والرئى المنظر كما قال ابن عباس وغيره، وهو فعل بمعنى مفعول من الرؤية كالطحن والسقي. وقرأ الزهري وأبو جعفر وشيبة وطلحة في رواية الهمداني وأيوب وابن سعدان وابن ذكوان وقالون {ريا} بتشديد الياء من غير همز فاحتمل أن يكون من ذلك على قلب الهمزة ياء وإدغامها. واحتمل أن يكون من الري ضد العطش والمراد به النضارة والحسن. وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش {ريئا} بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب ووزنه فلعا، وقرىء {رياء} بياء بعدها ألف بعدها همزة حكاها اليزيدي. ومعناها كما في «الدر المصون» مراءاة بعضهم بعضاً. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {ريا} بحذف الهمزة والقصر فتجاسر بعض الناس وقال: هي لحن، وليس كذلك بل خرجت على وجهين أحدهما أن يكون الأصل {ريا} بتشديد الياء فخفف بحذف إحدى الياءين وهي الثانية لأنها التي حصل بها الثقل ولأن الآخر محل التغيير وذلك كما حذفت في لا سيما. والثاني أن يكون الأصل {ريئا} بياء ساكنة بعدها همزة فنقلت حركة الهمزة إلى الياء ثم حذفت على القاعدة المعروفة. وقرأ ابن عباس أيضاً وابن جبير ويزيد البربري والأعصم المكي {زيا} بالزاي وتشديد الياء وهو المحاسن المجموعة يقال: زواه زيا بالفتح أي جمعه، ويراد منه الأثاث أيضاً كما ذكره المبرد في قول الثقفي:شعر : أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاث تفسير : والظاهر في الآية المعنى الأولى.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَثَاثاً} {وَرِءْياً} (74) - وَكَمْ مِنْ أُمَّةٍ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ قَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ، وَكَانُوا أَحْسَنَ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ أَمْوَالاً وَأَمْتِعَةً وَهَيْئَاتٍ وَمَنَاظِرَ ... فَعَلَى هؤُلاَءِ أَنْ يَتَّعِظُوا بِمَا حَلَّ بِمَنْ سَبَقَهُمْ مِنْ الكَفَرَةِ الْمُكَذِّبِينَ، فَمَا كَانُوا أَحْسَنَ حَالاً، وَلاَ أَكْثَرَ قُوَّةً وَمَالاً. الرِّئْيُ - المَنْظَرُ وَالهَيْئَةُ. الأَثَاثُ - المَتَاعُ وَالثِّيَابُ. قَرْنٍ - أُمَّةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كم: خبرية تدل على الكثرة التي لا تُحصَى، وأن المقول بعدها وقع كثيراً، كأن يقول لك صاحبك: أنت ما عملتَ معي معروفاً أبداً، فتُعدِّد له صنائع المعروف التي أسديتها إليه، فتقول: كم فعلتُ معك كذا، وكم فعلتُ كذا. والقرن: هم الجماعة المتعايشون زماناً. بحيث تتداخل بينهم الأجيال، فترى الجدَّ والأب والابن والحفيد معاً، وقد قدَّروا القرن بمائة عام. كما يُطلَق القرن على الجماعة الذين يجتمعون على مُلك واحد، أو رسالة واحدة مهما طال زمنهم كقوم نوح مثلاً. والأثاث: هو فراش البيت، وهذا أمر يتناسب وإمكانات صاحبه. والرِّئْى: على وزن فِعْل، ويراد به المفعول أي: المرئي، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الصافات: 107] فذبْح بمعنى: مذبوح. وورد في قراءة أخرى: (أحْسَنُ أثَاثاً وزِيّاً) وهي غير بعيدة عن المعنى الأول: لأن الزيّ أيضاً من المرئي، إلا أنه يتكوّن من الزي والذي يرتديه، والمراد هنا جمال الشكل والهيئة ونضارة الشخص وهندامه، وقد افتخر الكفار بذلك، في حين كان المؤمنون شُعْثاً غُبْراً يرتدون المرقَّع والبالي من الثياب. وقد جاء الاختلاف في بعض ألفاظ القرآن من قراءة لأخرى؛ لأن القرآن الكريم دُوِّن أول ما دُوِّن غير منقوط ولا مشكول اعتماداً على مَلَكَة العربي وفصاحته التي تُمكِّنه من توجيه الحرف حَسْب المعنى المناسب للسياق، وظل كذلك إلى أن وضع له العلماء النقاط فوق الحروف في العصر الأموي. فمثلاً النَّبْرة في كلمةٍ دون نقط يحتمل أنْ تُقرأ من أعلى: نون أو تاء أو ثاء. ومن أسفل تقرأ: باء أو ياء. والعربي لمعرفته بمواقع الألفاظ يستطيع تحديد الحرف المراد، فكلمة (رئْيَا) تقرأ (زيا) والمعنى غير بعيد. ومن ذلك كلمة {أية : فَتَبَيَّنُواْ}تفسير : [النساء: 94] قرأها بعضهم (فتثبتوا) وكلمة {أية : صِبْغَةَ}تفسير : [البقرة: 138] قرأها بعضهم (صنعة)، ودليل فصاحتهم أن الاختلاف في مثل هذه الحروف لا يؤدي إلى اختلاف المعنى. لذلك، كان العربي قديماً يغضب إنْ كُتِب إليه كتاب مُشَكل، لأن تشكيل الكلام كأنه اتهام له بالغباء وعدم معرفته باللغة. ومن هنا وجدنا العلماء الذين وضعوا قواعد اللغة ليسوا من العرب؛ لأن العربي في هذا الوقت كان يستنكف أن يضع للغة قواعد، فهي بالنسبة له مَلَكَة معروفة لا تحتاج إلى دراسة أو تعليم. أما الأعاجم فلما دخلوا الإسلام ما كان لهم أنْ يتعلَّموا لغته إلا بهذه الدراسة لقواعدها. والحق تبارك وتعالى يقول هنا: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} [مريم: 74] لأنهم قالوا: {أية : أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}تفسير : [مريم: 73] يريد أنْ يُدلِّل على أنهم حَمْقَى لا ينظرون إلى واقع الحياة ليروا عاقبة مَنْ كانوا أعزَّ منهم مكاناً ومكانة، وكيف صار الأمر إليهم؟ الحق - تبارك وتعالى - يردُّ على الكفار ادعاءهم الخيرية على المؤمنين، فهذه الخيرية ليستْ بذاتيتكم، بل هي عطاء من الله وفِتْنة، حتى إذا أخذكم أخذكم عن عِزَّة وجاهٍ؛ ليكون أنكى لهم وأشدَّ وأغَيظ، أما إنْ أخذهم على حال ذِلَّة وهَوَان لم يكن لأخذه هذا الأثر فيهم. فالحق سبحانه يُملي لهم بنعمه ليستشرفوا الخير ثم يأخذهم، على حَدِّ قول الشاعر: شعر : كَمَا أبرقَتْ قَوْماً عِطَاشاً غَمامَةً فَلمَّا رأوْهَا أَقْشَعَتْ وتجلَّتِ تفسير : فأطمعهم في البداية، ثم أخذهم وخيَّب آمالهم في النهاية. وضربنا لذلك مثلاً بالأسير الذي بلغ به العطش مَبْلغاً، فطلب الماء، فجاءه الحارس بالماء حتى كان على فِيهِ، واستشرف الريَّ منعه وحرمه لتكون حسرته أشد، وألمهُ أعظم، ولو لم يأتِه بالماء لكان أهونَ عليه. إذن: حينما تُجرون مُقارنة بينكم وبين المؤمنين وتُعيِّرونهم بما معكم من زينة الدنيا، فقد قارنتم الوسائل وطرحتُم الغايات، ومن الغباء أنْ نهتم بالوسائل وننسى الغايات، فلكي تكون المقارنةُ صحيحة فقارنوا حالكم بحال المؤمنين، بداية ونهاية. ومثال ذلك: فلاح مجتهد في زراعته يعتني بها ويُعفِّر نفسه من تراب أرضه كل يوم، وآخر ينعَم بالثياب النظيفة والجلوس على المقهى والتسكع هنا وهناك، وينظر إلى صاحبه الذي أجهده العمل، ويرى نفسه أفضل منه، فإذا ما جاء وقت الحصاد وجد الأولُ ثمرة تعبه ونتيجة مجهوده، وجلس الآخر حزيناً محروماً. فلا بُدَّ أن تأخذ في الاعتبار عند المقارنة الوسائل مع الغايات. لذلك وُفِّق الشاعر حين قال: شعر : ألاَ مَنْ يُرِينِي غَايتِي قَبْل مذْهَبِي ومِنْ أيْنَ والغَايَاتُ بَعْد المذَاهِبِ؟ تفسير : وقد عزل الكفار الوسيلة في الدنيا عن الغاية في الآخرة، فتباهوا وعَيَّروا المؤمنين: {أية : أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}تفسير : [مريم: 73]. وفي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام -: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ}تفسير : [العنكبوت: 24]. وهكذا اتفقوا على الإحراق، ونجَّى الله نبيه وخيَّب سَعْيهم، ثم كانت الغاية في الآخرة: {أية : وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}تفسير : [العنكبوت: 25]. فكان عليهم ألاَّ ينظروا إلى الوسيلة منفصلةً عن غايتها. وهنا يردُّ الحق - تبارك وتعالى - على هؤلاء المغترِّين بنعمة الله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} [مريم: 74] وكما قال في آيات أخرى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ}تفسير : [الفجر: 6-10]. وهلاك هؤلاء وأمثالهم سَهْل لا يكلف الحق سبحانه إلا أنْ تهُبَّ عليهم عواصف الرمال، فتطمس حضارتهم، وتجعلهم أثراً بعد عَيْن. فدعاهم إلى النظر في التاريخ، والتأمّل في عاقبة أمثالهم من الكفرة والمكذبين، وما عساه أنْ يُغني عنهم من المقام والندىّ الذي يتباهون به، وهل وسائل الدنيا هذه تدفع عنهم الغاية التي تنتظرهم في الآخرة؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى - لا يردّ عليهم بكلام نظري يقول: إن عاقبتكم كذا وكذا من العذاب، بل يعطيهم مثالاً من الواقع. ويخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ}تفسير : [غافر: 77] أي: من القهر والهزيمة والانكسار {أية : أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}تفسير : [غافر: 77] فمَنْ أفلت من عذاب الدنيا، فلن يفلت من عذاب الآخرة. والقرآن حين يدعوهم إلى النظر في عاقبة من قبلهم {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} [مريم: 74] فإنما يحثُّهم على أخْذ العِبْرة والعِظَة ممَّنْ سبقوهم، ويستدل بواقع شيء حاضر على صِدْق غيْبٍ آت، فالحضارات التي سبقتهم والتي لم يوجد مثلها في البلاد، وكان من صفاتها كذا وكذا، ماذا حدث لهم؟ فهل أنتم أشدّ منهم قوة؟ وهل تمنعون عن أنفسكم ما نزل بغيركم من المكذِّبين؟ هذا من ناحية الواقع، أما الغيب فيعرض له القرآن في مشهد آخر، حيث يقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}تفسير : [المطففين: 29-33]. هذا المشهد في الدنيا، فما بالهم في الآخرة؟ : {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}تفسير : [المطففين: 34-35]. ثم يخاطب الحق - سبحانه وتعالى - المؤمنين فيقول: {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففين: 36]. يعني: بعد ما رأيتموه من عذابهم، هل قدرنا أنْ نُجازيهم عَمَّا فعلوه بكم من استهزاء في الدنيا؟ وعلى كُلٍّ فإن استهزاءهم بكم في الدنيا موقوت الأجل، أما ضِحْككم الآن عليهم فأمر أبديّ لا نهايةَ له. فأيُّ الفريقين خَيْر إذن؟ فإياكم أنْ تغرّكم ظواهر الأشياء، أو تخدعكم بَرقات النعيم وانظروا إلى الغايات والنهايات؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}تفسير : [الكهف: 46]. وفي سورة الأعراف لقطة أخرى من مواقف القيامة، حيث يقول أصحاب الأعراف لأهل النار: {أية : مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 48] ثم يلتفتون إلى المؤمنين في الجنة: {أية : أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ}تفسير : [الأعراف: 49] فأين أنتم منهم الآن؟
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَثَاثاً} قال: يعني الزينة. {وَرِءْياً}. فيما يرى الناس [الآية: 74]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ} يعني في الكفر {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} [الآية: 75]. يقول: وهو العاص بن وائل. يقول: فليدعه الله في طغيانه. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} [الآية: 80] يعني ماله وولده وهو العاص بن وائل. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} [الآية: 82]. يقول: يكونون عوناً عليهم. يعني: أَوثانهم تخاصمهم وتكذبهم بيوم القيامة في النار.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 585 : 37 : 28 - سفين عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس في قوله {أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} قال، الأثاث المال، والري المنظر. [الآية 74]. 586 : 36 : 29 - سفيان عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن بن عباس في مثله.
همام الصنعاني
تفسير : 1782- عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} الآية 74] قال: أكْثَر أمْوالاً وأحسن صوراً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):