Verse. 2325 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلٰلَۃِ فَلْيَمْدُدْ لَہُ الرَّحْمٰنُ مَدًّا۝۰ۥۚ حَتّٰۗي اِذَا رَاَوْا مَا يُوْعَدُوْنَ اِمَّا الْعَذَابَ وَاِمَّا السَّاعَۃَ۝۰ۭ فَسَيَعْلَمُوْنَ مَنْ ہُوَشَرٌّ مَّكَانًا وَّاَضْعَفُ جُنْدًا۝۷۵
Qul man kana fee alddalalati falyamdud lahu alrrahmanu maddan hatta itha raaw ma yooAAadoona imma alAAathaba waimma alssaAAata fasayaAAlamoona man huwa sharrun makanan waadAAafu jundan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل من كان في الضلالة» شرط جوابه «فليمدد» بمعنى الخبر أي يمد «له الرحمن مدا» في الدنيا يستدرجه «حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب» كالقتل والأسر «وإما الساعة» المشتملة على جهنم فيدخلونها «فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا» أعوانا أهم أم المؤمنون وجندهم الشياطين وجند المؤمنين عليهم الملائكة.

75

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا الجواب الثاني عن تلك الشبهة وتقريره لنفرض أن هذا الضال المتنعم في الدنيا قد مد الله في أجله وأمهله مدة مديدة حتى ينضم إلى النعمة العظيمة المدة الطويلة، فلا بد وأن ينتهي إلى عذاب في الدنيا أو عذاب في الآخرة بعد ذلك سيعلمون أن نعم الدنيا ما تنقذهم من ذلك العذاب فقوله: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً } مذكور في مقابلة قولهم: { أية : خَيْرٌ مَّقَاماً } تفسير : [مريم: 73] {وَأَضْعَفُ جُنداً } في مقابلة قولهم: { أية : أَحْسَنُ نَدِيّاً } تفسير : [مريم: 73] فبين تعالى أنهم وإن ظنوا في الحال أن منزلتهم أفضل من حيث فضلهم الله تعالى بالمقام والندى فسيعلمون من بعد أن الأمر بالضد من ذلك وأنهم شر مكاناً فإنه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب. {وَأَضْعَفُ جُنداً } فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أن اجتماعهم ينفع فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه. بقي البحث عن الألفاظ وهو من وجوه: أحدها: مد له الرحمن أي أمهله وأملى له في العمر فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور الممتثل ليقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: { أية : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } تفسير : [فاطر: 37] وكقولهم: { أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178] وثانيها: أن قوله: {إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } يدل على أن المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة لأن قوله {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } المراد منه يوم القيامة ثم العذاب الذي يحصل قبل يوم القيامة يمكن أن يكون هو عذاب القبر ويمكن أن يكون هو العذاب الذي سيكون عند المعاينة لأنهم عند ذلك يعلمون ما يستحقون، ويمكن أيضاً أن يكون المراد تغير أحوالهم في الدنيا من العز إلى الذل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف، ويمكن أن يكون المراد تسليط المؤمنين عليهم، ويمكن أيضاً أن يكون المراد ما نالهم يوم بدر، وكل هذه الوجوه مذكورة، واعلم أنه تعالى بين بعد ذلك أنه كما يعامل الكفار بما ذكره فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى، واعلم أنا نبين إمكان ذلك بحسب العقل، فنقول: إنه لا يبعد أن يكون بعض أنواع الاهتداء مشروطاً بالبعض فإن حاصل الاهتداء يرجع إلى العلم ولا امتناع في كون بعض العلم مشروطاً بالبعض، فمن اهتدى بالهداية التي هي الشرط صار بحيث لا يمتنع أن يعطي الهداية التي هي المشروط، فصح قوله: {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } مثاله الإيمان هدى والإخلاص في الإيمان زيادة هدى ولا يمكن تحصيل الإخلاص إلا بعد تحصيل الإيمان فمن اهتدى بالإيمان زاده الله الهداية بالإخلاص، هذا إذا أجرينا لفظ الهداية على ظاهره ومن الناس من حمل الزيادة في الهدى على الثواب أي ويزيد الله الذين اهتدوا ثواباً على ذلك الاهتداء ومنهم من فسر هذه الزيادة بالعبادات المترتبة على الإيمان، قال صاحب «الكشاف»: يزيد معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر وتقديره من كان في الضلالة يمد له الرحمن مداً ويزيد أي يزيد في ضلال الضلال بخذلانه بذلك المد ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه، ثم إنه تعالى بين أن ما عليه المهتدون هو الذي ينفع في العاقبة فقال: {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } وذلك لأن ما عليه المهتدون ضرر قليل متناه يعقبه نفع عظيم غير متناه، والذي عليه الضالون نفع قليل متناه يعقبه ضرر عظيم غير متناه، وكل أحد يعلم بالضرورة أن الأول أولى، وبهذا الطريق تسقط الشبهة التي عولوا عليها واختلفوا في المراد بالباقيات الصالحات فقال المحققون إنها الإيمان والأعمال الصالحة سماها باقية لأن نفعها يدوم ولا يبطل ومنهم من قال المراد بها بعض العبادات ولعلهم ذكروا ما هو أعظم ثواباً فبعضهم ذكر الصلوات وبعضهم ذكر التسبيح وروي عن أبي الدرداء قال: «حديث : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأخذ عوداً يابساً فأزال الورق عنه ثم قال: إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله يحط الخطايا حطاً كما يحط ورق هذه الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن هن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة، وكان أبو الدرداء يقول: لأعلمن ذلك ولأكثرن منه حتى إذا رآني جاهل حسب أني مجنون». تفسير : والقول الأول أولى لأنه تعالى إنما وصفها بالباقيات الصالحات من حيث يدوم ثوابها ولا ينقطع فبعض العبادات وإن كان أنقص ثواباً من البعض فهي مشتركة في الدوام فهي بأسرها باقية صالحة نظراً إلى آثارها التي هي الثواب ثم إنه تعالى أخبر أنها: {خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } ولا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره فالمراد إذن أنها خير مما ظنه الكفار بقولهم: { أية : خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } تفسير : [مريم: 73].

البيضاوي

تفسير : {قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } فيمده ويمهله بطول العمر والتمتع به، وإنما أخرجه على لفظ الأمر إيذاناً بأن إمهاله مما ينبغي أن يفعله استدراجاً وقطعاً لمعاذيره كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }تفسير : [آل عمران: 178] وكقوله {أية : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ }تفسير : [فاطر: 37] {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } غاية المد. وقيل غاية قول الذين كفروا للذين آمنوا أي قالوا أي الفريقين حتى إذا رأوا ما يوعدون. {إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } تفصيل للموعود فإنه إما العذاب في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسراً وإما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال. {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً } من الفريقين بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدروه وعاد ما متعوا به خذلاناً ووبالاً عليهم، وهو جواب الشرط والجملة محكية بعد {حَتَّىٰ }. {وَأَضْعَفُ جُنْداً} أي فئة وأنصاراً قابل به أحسن ندياً من حيث إن حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، المدعين أنهم على حق، وأنكم على باطل: {مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ} أي: منا ومنكم {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه، وينقضي أجله، {إِمَّا ٱلعَذَابَ} يصيبه {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} بغتة تأتيه {فَسَيَعْلَمُونَ} حينئذ {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندى. قال مجاهد في قوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} فليدعه الله في طغيانه، وهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير رحمه الله، وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه؛ كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الجمعة: 6] أي: ادعوا بالموت على المبطل منا أو منكم، إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطاً، ولله الحمد، وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد ذكر الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال تعالى بعد ذلك: {أية : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ} تفسير : [آل عمران: 61] فنكلوا أيضاً عن ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : { قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَٰلَةِ } شرط جوابه {فَلْيَمْدُدْ } فجوابه بمعنى الخبر أي يمدّ {لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ مَدّاً } في الدنيا يستدرجه {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ } كالقتل والأسر {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } المشتملة على جهنم فيدخلونها {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً } أعواناً أهُم أم المؤمنون؟ وجندهم الشياطين، وجند المؤمنين عليهم الملائكة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوُاْ هُدىً} فيه وجهان: أحدهما: يزيدهم هدى بالمعونة في طاعته والتوفيق لمرضاته. الثاني: الإِيمان بالناسخ والمنسوخ، قاله الكلبي ومقاتل، فيكون معناه: ويزيد الله الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ. ويحتمل ثالثاً: ويزيد الله الذين اهتدوا إلى طاعته هدى إلى الجنة.

الثعالبي

تفسير : قوله سبحانه: {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً}، فيحتمل أَنْ يكون بمعنى الدُّعَاءِ والاِبْتِهَال؛ كأَنه يقولُ: الأَضَلّ مِنّا ومنكم مد اللّه له، أَيْ: أَمْلَىٰ له؛ حَتَّى يؤول ذلك إلَى عذابِه، ويحتمل أَنْ يكون بمعنى الخبر؛ أنه سبحانه هذه عَادَتُه: الإمْلاَءُ للضَّالِينْ: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ}، أَيْ: في الدنيا بنصر اللّه لِلْمُؤْمِنينَ عليهم، {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} فيصيرون إلى النارِ، والجندُ النَّاصِرُون: القَائِمُون بأَمْر الحرب، و {شَرٌّ مَّكَاناً} بإزاء قَوْلهِم {خَيْرٌ مَّقَاماً} و {أَضْعَفُ جُنداً} بإزاء قولهم: {أَحْسَنُ نَدِيّاً} ولما ذكر سبحانه ضَلاَلَةَ الكَفَرةِ وافتخارَهُم بنِعَم الدنيا عَقَّبَ ذلك بذكر نِعْمة اللّه على المؤْمِنينَ في أَنه يزيدهم هُدَىً في الارْتِبَاط بالأَعمالِ الصَّالحة، والمعرفة بالدَّلائل الوَاضِحَة، «حديث : وقد تقدَّم تَفْسِيرُ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «وأنها: سُبْحَانَ اللّهِ، والحمُدْ لِلَّهِ وَلاَ إلٰهَ إلاَّ اللّهُ واللّهُ أَكْبَرُ» وقد قال صلى الله عليه وسلم لأَبِي الدَّرْدَاءِ: «خُذْهُنَّ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ، وَبَيْنَهُنَّ؛ فَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ»»تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ: «حديث : خُذُوا جُنَّتِكُم، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قَالَ: مِنَ النَّارِ، قَالُوا: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللّهِ، والحمُدْ لِلَّهِ وَلاَ إلٰهَ إلاَّ اللّهُ واللّهُ أَكْبَرُ، وَهُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ».تفسير : وكَان أَبو الدرداء يقولُ إذَا ذكر هذا الحدِيثَ: لأُهَلِّلنّ، ولأُكَبِّرنَّ اللّهَ، ولأُسَبِّحَنَّهُ حَتَّى إذَا رَآنِي الجَاهِلُ ظنِّنِي مَجْنُوناً. * ت *: ولو ذكرنا ما ورد مِنْ صَحِيح الأَحادِيث في هذا الباب، لخرجنا بالإطالة عن مقصُودِ الكتاب.

القشيري

تفسير : إن الله تعالى يُمْهِلُ الكفارَ ليركنوا إلى أباطيل ظنونهم، ويَغْترُّوا بسلامةِ أحوالهم، فينسونه في غفلة الإمهال والاغترار بسلامة أحوالهم، ثم يغشاهم التقدير بما يستوجب حسبانهم. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ...} أي يحل بهم موعودُ العقوبة عاجلاً أو قيام الساعة آجلاً، فعند ذلك يتضح لهم ما تعامَوْا عنه من شدة الانتقام، وسيعلمون عند ذلك ما فاتهم وما أصابهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} للمفتخرين بالمال والمنال {من} شطرية والمعنى بالفارسية [هركه] {كان} مستقرا {فى الضلالة} [دركمر اهى ودر دورى ازراه حق] مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الامور {فليمدد له الرحمن مدا} اى يمد له ويمهله بطول العمر واعطاه المال والتمكين من التصرفات واخراجه على صيغة الامر للايذان بان ذلك مما ينبغى ان يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير او للاستدراج واعتبار الاستقرار فى الضلالة لما ان المد لا يكون الا للمصرين عليها اذ رب ضال يهديه الله والتعرض لعنوان الرحمانية لما ان المد من احكام الرحمة الدنيوية. قال شيخى وسندى قدس سره فى بعض تحريراته {فليمدد له الرحمن مدا} اى فليستدرجه الرحمن استدراجا بمد عمره وتوسيع ماله وتكثير ولده او فليمهله الرحمن امهالا بمد راحته على الطغيان وايصال نعمته على وجه الاحسان حتى يقع فى العقاب والعذاب على سبيل التدريج لا التعجيل فيكون عقابه وعذابه اكمل واشمل اثرا والما لان الاخذ على طريق التدريج والنعمة اشد منه على طريق التعجيل والنقمة مع ان مبدأ المد مطلقا هو الرحمن دون القهار او لجبار لان كلا منهما مبدأ الشدة ولذلك عبر به لا بغيره هذا هو الخاطر ببالى فى وجه التعبير بالرحمن وان كانت اشدية عقاب الرحمن وجها لكن وجه اشدية عقابه ما ذكرنا لانه اذا اراد العقاب يأتى به على وجه الرحمة والنعمة فيكون كدرا بعد الصفا والمار بعد الراحة وشدة بعد الرخاء فهذا اقوى اثرا والحاصل لا يتصور وقوع المد المذكور الا من الرحمن لانه اصله ومنشأه انتهى كلامه روح الله روحه {حتى اذا رأوا ما يوعدون}[تاوقتى كه ببينند آنجه بيم كرده شده اند بدان] غاية للمد الممتد وجمع الضمير فى الفعلين باعتبار معنى من كما ان الافراد الضميرين الاولين باعتبار لفظها {اما العذاب واما الساعة} تفصيل للموعود على سبيل البدل فانه اما العذاب الدنيوى بغلبة المسلمين واستيلائهم عليهم وتعذيبهم اياهم قتلا واسرا واما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الحزن والنكال على طريقة منع الخلو دون الجمع فان العذاب الاخروى لا ينفك عنهم بحال. قال الامام اى لو فرض ان هذا الضال المتنعم قد مد له فى اجله أليس انه ينتهى الى عذاب فى الدنيا او فى الآخرة فسيعلم ان النعم لا تنفعه كما قال تعالى {أية : فسيعلمون}تفسير : جواب الشرط والجملة محكية بعد حتى فانها هى التى تحكى بعدها الجملة ولذا وقع بعد الجملة الشرطية اى حتى اذا عاينوا ما يوعدون من العذاب الدنيوى او الاخروى فقط فسيعلمون حينئذ {من هو شر مكانا} من الفريقين بان يشاهدوا الامر على عكس ما كانوا يقدرونه فيعلمون انهم شر مكانا لا خير مقاما. قال الكاشفى [بس بدانند آنرا كه بدترست از هر دو كروه ازجهت مكان جه جاى مؤمنان درجات جنان باشد ومأواى ايشان دركات نيران]. شعر : افتخار از رنك وبو واز مكان هست شادى وفريب كودكان تفسير : قال فى بحر العلوم جعلت الشرارة للمكان ليفيد اثباتها لاهله لانه اذا ثبت الامر فى مكان الرجل فقد ثبت له كما فى قولهم المجد بين ثوبيه والكرام بين برديه {واضعف جندا} اى فئة وانصارا لا احسن نديا كما كانوا يدعونه. قال فى تفسير الجلالين وذلك انهم ان قتلوا ونصر المؤمنون عليهم علموا انهم اضعف جندا ضعفاء كلا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا وانما ذكر ذلك ردا لما كانوا يزعمون ان لهم اعوانا من الاعيان وانصارا من الاخيار ويفتخرون بذلك فى الاندية والمحافل.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ويزيد}: عطف على {فليَمدُد}؛ لأنه في معنى الخبر، أي: من كان في الضلالة يمده الله فيها، ويزيد في هداية الذين اهتدوا مددًا لهدايتهم، أو عطف على {فسيعلمون}، وجمع الضمير في {رَأَوا} وما بعدها؛ باعتبار معنى {مَنْ}، وأفرد أولاً باعتبار لفظها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قُلْ} يا محمد {مَنْ كان} مستقرًا {في الضلالة} مغمورًا في الجهل والغفلة عن عواقب الأمور، مشتغلاً بالحظوظ الفانية، {فليَمْدُدْ له الرحمنُ مَدَّا } أي: يمد له بطول العمر وتيسير الحظوظ، إما استدراجًا، كما نطق به قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عِمرَان: 178]، أو قطعًا للمعاذير كما نطق به قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّر} تفسير : [فاطر: 37]، أو: {فليمدد له}: يدعه في ضلاله، ويمهله في كفره وطغيانه، كقوله تعالى:{أية : وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأنعام: 110]. والتعرّض لعنوان الرحمانية؛ لبيان أن أفعالهم من مقتضيات الرحمة مع استحقاقهم تعجيل الهلاك. وكأنه جلّ جلاله لما بيَّن عاقبة الأمم المهلَكة، مع ما كان لهم من التمتع بفنون الحظوظ العاجلة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لَهُم من الحظوظ بمآل أمر الفريقين، وهو استدراج أهل الضلالة ثم أخذهم، وزيادة هداية أهل الإيمان ثم إكرامهم، كما بيَّن ذلك بقوله: {حتى إِذا رَأوا ما يُوعدون} ، فهو غاية للحد الممتد، أي: نمد لهم في الحياة وفنون الحظوظ حتى ينزل بهم ما يوعدون؛ {إِمَّا العذاب} الدنيوي بالقتل، والأسر، وغلبة أهل الإيمان عليهم، {وإِمَّا الساعةَ}، وهو يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والهوان، و "إما" هنا: لمنع الخُلو، لا لمنع الجمع؛ فإن العذاب الأخروي لا ينفك عنهم بحال. {فسيعلمون} حينئذ {مَن هو شرٌّ مكانًا} من الفريقين، بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يُقدّرون، فيعلمون أنهم شر مكانًا، لا خير مقامًا، {و} يعلمون أنهم {أضعفُ جندًا} أي: جماعة وأنصارًا، لا أحسن نَدِيًّا، كما كانوا يدعونه، وليس المراد أن لهم يوم القيامة جندًا سيَضعف، وما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وإنما ذكر ذلك ردًّا لما كانوا يزعمون أن لهم أعوانًا وأنصارًا، يفتخرون في الأندية والمحافل، فردَّ ذلك بأنه باطل وظل آفل، ليس تحته طائل. ثم ذكر فريق أهل الإيمان فقال: {ويزيدُ اللهُ الذينَ اهتدوا هُدَىً} أي: كما يمد لأهل الضلالة؛ زيادة في ضلالهم، كذلك يزاد في هداية أهل الهداية؛ ثوابًا على طاعتهم؛ لأن كلا يجزى بوصفه، فلا تزال الهداية تنمو في قلوبهم حتى يردوا موارد الكرم، أمَّا في الدنيا فبكشف الحجاب وانقشاع السحاب حتى يشاهدوا رب الأرباب، فما كانوا يؤمنون به غيبًا صار عيانًا، وأمَّا في الآخرة فبنعيم الحور والقصور، ورؤية الحليم الغفور. فقد بيَّن الحق تعالى حال المهتدين إثر بيان حال الضالين، وأن إمهال الكافر وتمتيعه بالحظوظ ليس لفضله، وإن منع المؤمن من تلك الحظوظ ليس لنقصه، بل قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا الفانية، وقوم ادخرت لهم طيباتهم للحياة الباقية، قال تعالى: {والباقياتُ الصالحاتُ}؛ كأنواع الطاعات، {خيرٌ عند ربك}؛ لبقاء فوائدها ودوام عوائدها... وقد تقدم تفسيرها. والتعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه، أي: فهي أفضل {ثوابًا} أي: عائدة مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية، التي يفتخرون بها؛ لأن مآلها الحسرة السرمدية والعذاب الأليم، ومآل الباقيات الصالحات النعيم المقيم في دار الدوام، كما أشير إليه بقوله: {وخيرٌ مَرَدًّا} أي: مرجعًا وعاقبة، وتكرير الخير لمزيد الاعتناء بشأن الخيرية وتأكيد لها في التفضيل، مع أن ما للكفرة بمعزل من أن يكون له خيرية في العاقبة، ففيه نوع تهكم بهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحق - جلّ جلاله - يرزق العبد على قدر نيته، ويمده على قدر همته، فمن كانت همته في الحظوظ العاجلة والشهوات الفانية، أمده الله فيها، ومتعه بها ما شاء، على حسب القسمة، ثم أعقبه الندم والحسرة، ومن كانت همته الآخرة، أمده سبحانه في الأعمال التي تُوصله إلى نعيمها، كصلاة وصيام وصدقة وتدريس علم، وأذاقه من حلاوتها ما يُهون عليه مرارتها، ثم أعقبه النعيم الدائم من القصور والحور، وأنواع الطيبات، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ومن كانت همته الله - أي: الوصول إلى حضرته دون شيء سواه - أمده الله في الأعمال التي توصله إليه، وهي أعمال القلوب؛ من التخلية والتحلية، كالتخلية من الرزائل والتحلية بالفضائل، وكقطع المقامات بأنواع المجاهدات، ورأس ذلك أن يُوصله إلى شيخ كامل جامع بين الحقيقة والشريعة، بين الجذب والسلوك، قد سلك الطريق على شيخ كامل، فإذا وصله إليه وكشف له عن سر خصوصيته فليستبشر بحصول المطلب وبلوغ الأمل. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر بعض من مدَّ له في الضلاله

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} لهم ردّاً على زعمهم انّ حسن الحال فى الدّنيا جالبة لحسن الحال فى الآخرة {مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} ادّاه بصيغة الامر للاشعار بانّ هذا امر كأنّه واجب على الله لا تخلّف عنه فلا تغترّوا بامداد الله فى الدّنيا واجتماع اسباب التّنعّم لكم فانّه استدراج ومورث للهلاكة ابداً {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ} بالقتل والاسر والنّهب والاجلاء والبلايا الواردة من الله من الاسقام والآلام البدنيّة والنّفسانيّة {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} ساعة الموت وعذابها {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} فانّه وقت العذاب لا ينفع مال ولا بنون، ولا يدفع جند ولا الاقربون، ووقت الموت ينقطع كلّ موصول ولا يدفع كلّ دافع ولا ينفع الاّ الله، فمن انقطع عن الكلّ واتّصل بالله بالبيعة الولويّة مع خلفائه كان حينئذٍ احسن نديّاً فانّ مجتمعه كان من جند الله، ومن لا ينقطع عن الغير ولا يتّصل بالله بالبيعة مع علىّ (ع) كان اردء نديّاً لانقطاع كلّ ممّن كان فى مجتمعه عنه وعن مجتمعه.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ} أي: هذا الذي يموت على ضلالته {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدّاً} [هذا دعاء] أي: مدّ له الرحمن مداً. أمر الله النبي عليه السلام أن يدعو بهذا. وقال مجاهد: فيدعه الرحمن في طغيانه. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ} في الدنيا قبل عذاب الآخرة {وَإِمَّا السَّاعَةَ} وإما عذابه في الآخرة، وهو العذاب الأكبر. ولم يبعث الله نبياً إلا وهو يحذر أمته عذاب الله في الدنيا وعذابه في الآخرة إن لم يؤمنوا. قال تعالى: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً} أي: في النصرة والمنعة. أي: ليس لهم أحد يمنعهم من عذاب الله. قوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللهُ الذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً} أي: إيماناً {وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} قال الحسن: الفرائض. وقال ابن عباس: الصلوات الخمس وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقال علي بن أبي طالب: الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوماً: "حديث : خذوا جُنَّتكم [قالوا: يا رسول الله، أمن عدوّ حضر؟ قال: خذوا جنتكم] من النار. قالوا: يا رسول الله، وما جُنّتنا؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدِّمات ومجنِّبات ومعقِّبات وهن الباقيات الصالحات ". تفسير : قوله تعالى: {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً} أي: أجراً في الآخرة {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} أي: خير عاقبة من أعمال الكفار.

اطفيش

تفسير : {قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضّلاَلَةِ} وقوله: {فَلْيُمْدُدْ} لفظه أمر ومعناه إخبار ولكن عبر بلفظ الأمر إيذانا بوقوع المد لا محالة، كالشئ المأمور به الذى يجب امثتاله، أو جاء على طريق الدعاء، كقولك: مَدَّ له الرحمن، أى امدد له يا رحمن أو أمْرُ. تنبيه بالدعاء. {لَهُ الرَّحْمنُ مَدّاً} يمهله بطول العمر والتمتع، ليزداد إثماً ويقطع عذره، ويقول لهم: {أية : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} تفسير : فليس المد بما ذكر إكراماً. {حَتَّى} غاية للمد أو غاية لقولهم: {أى الفريقين خير} أى يبرحون مفتخرين بذلك حتى الخ. ومن أجاز إخراج إذا عن الظرفية أجاز كون حتى جارة. {إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إمَّا الْعَذَابَ} فى الدنيا كالقتل والأسر على أيدى المؤمنين. العذاب بدل كل باعتبار ما عطف عليه. {وَإمَّا السَّاعَةَ} فينالهم خزى وعذاب فى الحشر والمحشر والنار. {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً} من الفريقين بأَن عاينوا الأمر بعكس ما قدّروا، وأنّ ما متعوا به استدراج لهم. والجملة جواب إذا، إذا جُعلت حتى ابتدائية وهو الصحيح. وقوله: {من هو شر مكانا} قابل له قولَهم: نحن خير مقاما. وقابل قولَهم: {وأحسن نديا} بقوله: {وَأَضْعَفُ جُنْداً} من حيث إن حسن النَّدِىّ إنما هو باجتماع وجوه القوم وأعيانهم، وظهور قوتهم. والجند: الأنصار والأعوان جنَّدهم الشياطين الجنية والإنسية. وجند المؤمنين: الملائكة.

اطفيش

تفسير : {قُل} يا محمد للكفرة {من كان} بماله ودنياه {فى الضلالة} منكم، أو من غيركم ممن يبتهج بالمال {فليَمْدد له الرَّحْمن مداً} فى ماله وعمره، مع تمكنه فى الضلال، أو لتمكنه فيه إخبار بصورة الأمر إشارة الى أن المد حكمة لقطع العذر كقوله تعالى: "أية : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" تفسير : [فاطر: 37] فيكون أبعد فى العذر، كما أنه أطال له المدة أو حكمة للاستدراج كقوله تعالى: "أية : إنما نملى لهم ليزدادوا إثماً" تفسير : [آل عمران: 178] أى من عادته أن يمد له استدراجاً، أو ذلك على طريق الدعاء لعدم بقاء عذر لهم مع البيان الكامل على طريقة ليضلوا عن سبيلك إذا حمل على الدعاء. {حتَّى إِذا رأوا ما يُوعَدُون} من أوعد بالهمزة المتعدية الى مفعول آخر محذوف رابط، أى ما يوعدونه، والواو أول ناب عن الفاعل، ولا تجعل ما مصدرية، لأن هذا المصدر يحتاج الى عنى ما الاسمية، فيحمل الكلام عليه من أول والواو، لمعنى من كما أن ضمير كان والهاء للفظها {إِمَّا العذابُ وإِمَّا السَّاعة} بدل من ما أو من الرابط، أو من المقدر بواسطة العاطف فى الثانى، وهو الواو وذلك لمنع الخلو، لأن العذاب عذاب الدنيا باستيلاء المؤمنين بالقتل ونحوه، أو غير ذلك كأنه قيل: إما عذاب الدنيا وإما عذاب الساعة، فحذف المضاف لا لمنع الجمع، لجواز أن يعذبوا دنيا وأخرى، والساعة يَوم القيامة، ولم يذكر عذاب القبر إيذاناً بأنه بالنسبة الى عذاب يوم القيامة، كلا عذاب، أو لأن الساعة بمعنى ذهابهم الى الآخرة، فذلك من حين الموت الى مالا نهاية له إلا البرزخ، أو لاعتبار القبر من الدنيا، لأنه فى الدنيا، وقيل قيام الساعة، وليست حتى للغاية، بل للتفريع، وإن جعلت للغاية جارة كما قال ابن مالك، أو نزل التفريع منزلة الغاية كان من تصل الغاية بالمغيا لوجود الفصل، إلا أن الدنيا لسرعة انقضائها كلا فاصل، فذلك كأحد أوجه فى قوله تعالى: "حديث : أغرقوا فأدخلوا نارا ". تفسير : {فسيعلمون} جواب إذا، وعلى قول ابن مالك لا جواب لها، لأنها خارجة عنده عن الشرط والظرفية، فالجملة تفريغ على مدخولها {مَنْ} مفعول يعلمون بمعنى يعرفون وهو موصول أو استفهامية مبتدأ لما بعده، أو خبر له، علقت يعلم عن مفعول بمعنى يعرف أو عن مفعوليه إن بقى على ظاهره {هُو} {مِن الفريقين شرٌّ مكاناً} عبر هنا بالمكان لا بالمقام مبالغة فى اظهار حالهم {وأضعف جُنْداً} أنصاراً يتبين لهم عكس ما يزعمون أنهم شر مكاناً، وأضعف جنداً، والمؤمنين خير مكاناً وأقوى جنداً، والاسمان خارجان عن التفضيل، لأنه لا شر للمؤمنين ولا ضعف البتة ولا جند البتة للكفرة يوم القيامة، قال الله عز وجل: "أية : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً" تفسير : [الكهف: 43] وذلك رد عليهم فى دعواهم إن لهم إعانة مما يعبدونه من الأوثان أو غيرها، وقد يعتبر أن للكفار يوم القيامة جنداً ضعيفاً يزعمونه فى الدنيا أنه جند، أو يصفون أيضاً فى الآخرة أنه جند ينفع وهو أذل من ذلك، وهو ما يعبدون ويكون هو ضمير فصل، لأنه وقع بين معرفتين لأن شراً فى معنى أل أى من هو الأشر. وأجاز بعض أن يكون قوله: {حتى إذا رأوا} الخ راجعاً الى قولهم، أى الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً، وما بينهما معترض للإنكار عليهم، أى يستمرون على قولهم، أى الفريقين الخ، حتى إذا عاينوا العذاب أو الساعة، وهو بعيد لكثرة الفصل فى التلاوة، وللفصل بموتهم عن يوم القيامة فى أحد الأوجه.

الالوسي

تفسير : {قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ } الخ أمر منه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية على المؤمنين ببيان مآل أمر الفريقين إما على وجه كلي متناول لهم ولغيرهم من المنهمكين في اللذة الفانية المبتهجين بها على أن (من) على عمومها، وإما على وجه خاص بهم على أنها عبارة عنهم. ووصفهم بالتمكن في الضلالة لذمهم والإشعار بعلة الحكم أي من كان مستقراً في الضلالة مغموراً بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } أي يمد سبحانه له ويمهله بطول العمر وإعطاء المال والتمكن من التصرفات فالطلب في معنى الخبر، واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } تفسير : [فاطر: 37] فيكون حاصل / المعنى من كان في الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له مداً، وجوز أن يكون ذلك للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178] وحاصل المعنى من كان في الضلالة فعادة الله تعالى أن يمد له ويستدرجه ليزداد إثماً، وقيل: المراد الدعاء بالمد إظهاراً لعدم بقاء عذر بعد هذا البيان الواضح فهو على أسلوب {أية : رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } تفسير : [يونس: 88] إن حمل على الدعاء، قال في «الكشف»: الوجه الأول أوفق بهذا المقام، والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المد من أحكامها. {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } إلى آخرها غاية للمد وجمع الضمير في الفعلين باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضميرين الأولين باعتبار لفظها، وما اسم موصول والجملة بعده صلة والعائد محذوف أي الذي يوعدونه، واعتبار ما مصدرية خلاف الظاهر. وقوله تعالى: {إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } بدل من {مَا } وتفصيل للموعود على طريقة منع الخلو، والمراد بالعذاب الدنيوي بغلبة المؤمنين واستيلائهم عليهم، والمراد بالساعة قيل: يوم القيامة وهو الظاهر. وقيل: ما يشمل حين الموت ومعاينة العذاب ومن مات فقد قامت قيامته وذلك لتتصل الغاية بالمغيا فإن المد لا يتصل بيوم القيامة، وأجيب بأن أمر الفاصل سهل لأن أمور هذه الدنيا لزوالها وتقضيها لا تعد فاصلة كما قيل ذلك في قوله تعالى: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } تفسير : [نوح: 25]. وقوله تعالى: {فَسَيَعْلَمُونَ } جواب الشرط وهما في الحقيقة الغاية إن قلنا: إن المجموع هو الكلام أو مفهومه فقط إن قلنا: إنه هو الكلام والشرط قيد له، و {حَتَّىٰ } عند ابن مالك جارة وهي لمجرد الغاية لا جارة ولا عاطفة عند الجمهور وهكذا هي كلما دخلت على إذا الشرطية وهي منصوبة بالشرط أو الجزاء على الخلاف المشهور، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والمراد حتى إذا عاينوا ما يوعدون من العذاب الدنيوي أو الأخروي فقط فسيعلمون حينئذ {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً } من الفريقين بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يقدرونه فيعلمون أنهم شر مكاناً لا خير مقاماً، وفي التعبير بالمكان هنا دون المقام المعبر به هناك مبالغة في إظهار سوء حالهم {وَأَضْعَفُ جُنداً } أي فئة وأنصاراً لا أحسن ندياً، ووجه التقابل أن حسن الندى باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم. وقيل: إن المراد من الندى هناك من فيه كما يقال المجلس العالي للتعظيم وليس المراد أن له ثمة جنداً ضعيفاً كلا {أية : وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } تفسير : [الكهف: 43] وإنما ذكر ذلك رداً لما كانوا يزعمونه من أن لهم أعواناً من شركائهم، والظاهر أن من موصولة وهي في محل نصب مفعول {يَعْلَمُونَ } وتعدى إلى واحد لأن العلم بمعنى المعرفة، وجملة {هُوَ شَرٌّ } صلة الموصول. وجوز أبو حيان كونها استفهامية والعلم على بابه والجملة في موضع نصب سادة مسد المفعولين وهو عند أبـي البقاء فصل لا مبتدأ. وجوز الزمخشري وظاهر صنيعه اختياره أن يكون ما تقدم غاية لقول الكفرة {أية : أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ } تفسير : [مريم: 73] الخ. وقوله تعالى: {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا } تفسير : [مريم: 74] الخ {وَقُلْ مَن كَانَ } الخ جملتان معترضتان للإنكار عليهم أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين إما العذاب في الدنيا بأيدي المؤمنين وإما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال فحينئذ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وتعقبه في «البحر» بأنه في غاية البعد لطول الفصل بين الغاية والمغيا مع أن الفصل بجملتي اعتراض فيه / خلاف أبـي علي فإنه لا يجيزه، وأنت تعلم أيضاً بعد إصلاح أمر انقطاع القول حين الموت وعدم امتداده إلى يوم القيامة أن اعتبار استمرار القول وتكرره لا يتم بدون اعتبار استمرار التلاوة لوقوع القول في حيز جواب إذا وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : هذا جواب قولهم {أية : أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نَدِيّاً}تفسير : [مريم: 73]. لقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - كشف مغالطتهم أو شبهتهم؛ فأعلمهم بأن ما هم فيه من نعمة الدنيا إنما هو إمهال من الله إيّاهم، لأنّ ملاذ الكافر استدراج. فمعيار التفرقة بين النّعمة الناشئة عن رضى الله تعالى على عبده وبين النعمة التي هي استدراج لمن كفر به هو النظر إلى حال من هو في نعمة بين حال هدى وحال ضلال. قال تعالى في شأن الأولين: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97]. وقال في شأن الآخرين {أية : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون}تفسير : [المؤمنون: 55، 56]. والمعنى: أن من كان منغمساً في الضلالة اغترّ بإمهال الله له فركبه الغرور كما ركبهم إذ قالوا {أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً}. واللاّم في قوله {فليمدد له الرّحمان مداً} لام الأمر أو الدعاء، استعملت مجازاً في لازم معنى الأمر، أي التحقيق، أي فسيمدّ له الرحمان مداً، أي إن ذلك واقع لا محالة على سنّة الله في إمهال الضُّلال، إعذاراً لهم، كما قال تعالى: {أية : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر}تفسير : [فاطر: 37]، وتنبيهاً للمسلمين أن لا يغتروا بإنعام الله على الضُّلال حتى أنّ المؤمنين يَدْعُون الله به لعدم اكتراثهم بطول مدة نعيم الكفّار. فإن كان المقصود من {قُل} أن يقول النبي ذلك للكفّار فلام الأمر مجرد مجاز في التحقيق، وإن كان المقصود أن يبلّغ النبيءُ ذلك عَن الله أنه قال ذلك فلامُ الأمر مجاز أيضاً وتجريد بحيث إنّ الله تعالى يأمر نفسه بأن يمد لهم. والمدّ: حقيقته إرخاء الحبل وإطالته، ويستعمل مجازاً في الإمهال كما هنا، وفي الإطالة كما في قولهم: مدّ الله في عمرك. و{مَدّاً} مفعول مطلق مؤكد لعامله، أي فليمدد له المدّ الشديد، فسينتهي ذلك. و{حتى} لغاية المد، وهي ابتدائية، أي يمدّ له الرحمان إني أن يَروا ما يوعدون، أي لا محيص لهم عن رؤية ما أوعدوا من العذاب ولا يدفعه عنه طول مدّتهم في النّعمة. فتكون الغاية مضمون الجملة التي بعدها {حتى} لا لفظاً مفرداً. والتقدير: يمدّ لهم الرحمان حتى يروا العذاب فيعلموا من هو أسعد ومن هو أشقى. وحرف الاستقبال لتوكيد حصول العلم لهم حينئذ وليس للدّلالة على الاستقبال لأنّ الاستقبال استفيد من الغاية. و{إمّا} حرف تفصيل لــــ{ما يوعدون}، أي ما أوعدوا من العذاب إما عذاب الدنيا وإما عذاب الآخرة، فإن كلّ واحد منهم لا يعدو أن يرى أحد العذابين أو كليهما. وانتصب لفظ {العذاب} على المفعولية لــــ{يَروْا}. وحرف (إما) غير عاطف، وهو معترض بين العامل ومعموله، كما في قول تأبّط شراً:شعر : هما خطتّا إمّا إسارٍ ومِنّةٍ وإما دمٍ والموت بالحر أجدر تفسير : بجرّ (إسار، ومنّة، ودم). وقوله {شرّ مكاناً وأضعف جنداً} مقابل قولهم {أية : خيرٌ مقاماً وأحسن نديّاً}تفسير : [مريم: 73] فالمكان يرادف المقام، والجند الأعوان، لأنّ الندي أريد به أهله كما تقدم، فقوبل {خيرٌ نديّاً} بــــ{أضعفُ جنداً}. وجملة {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} معطوفة على جملة {من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدّاً} لما تضمنه ذلك من الإمهال المفضي إلى الاستمرار في الضلال، والاستمرار: الزيادة. فالمعنى على الاحتباك، أي فليمدد له الرحمان مداً فيزدَدْ ضلالاً، ويمدّ للذين اهتدوا فيزدادوا هدىً. وجملة {والباقيات الصالحات خير} عطف على جملة {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى}. وهو ارتقاء من بشارتهم بالنجاة إلى بشارتهم برفع الدرجات، أي الباقيات الصالحات خير من السلامة من العذاب التي اقتضاها قوله تعالى: {فسيعلمون من هو شرّ مكاناً وأضعفُ جنداً}، أي فسيظهر أن ما كان فيه الكفرة من النعمة والعزّة هو أقلّ مما كان عليه المسلمون من الشظف والضعف باعتبار المآلين، إذ كان مآل الكفرة العذاب ومَآل المؤمنين السلامة من العذاب وبعدُ فللمؤمنين الثواب. والباقيات الصالحات: صفتان لمحذوف معلوم من المقام، أي الأعمال الباقي نعيمها وخيرها، والصالحات لأصحابها هي خير عند الله من نعمة النجاة من العذاب. وقد تقدّم وجه تقديم الباقيات على الصالحات عند الكلام على نظيره في أثناء سورة الكهف. والمردّ، المرجع. والمراد به عاقبة الأمر.

الشنقيطي

تفسير : في معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، وكلاهما يشهد له قرآن: الأول - أن الله جل وعلا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول هذه الكلمات كدعاء المباهلة بينه وبين المشركين. وإيضاح معناه: قل يا نبي الله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء المشركين الذين ادعوا أنهم خير منكم، وأن الدليل على ذلك أنهم خير منكم مقاماً وأحسن منكم ندياً - من كان منا ومنكم في الضلالة أي كفر والضلال عن طريق الحق فليمدد له الرحمن مداً، أي فأملها الرحمن إمهالاً فيما هو فيه حتى يستدرجه بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه، بل يستمر على ذلك حتى يرى ما يوعده الله، وهو: إما عذاب في الدنيا بأيدي المسلمين، كقوله {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [التوبة: 14] أبو بغير ذلك. وإما عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر. وعلى ذلك التفسير فصيغة الطلب المدلول عليها باللام في قوله {فليمدد} على بابها. وعليه فهي لام الدعاء بالإمهال في الضلال على الضال من الفريقين، حتى يرى ما يوعده من الشر وهو على أقبح حال من الكفر والضلال. واقتصر على هذا التفسير ابن كثير وابن جرير، وهو الظاهر من صيغة الطلب في قوله {فليمدد} ونظير هذا المعنى في القرآن قوله تعالى: {أية : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ}تفسير : [آل عمران: 61] لأنه على ذلك التفسير يكون في كلتا الآيتين دعاء بالشر على الضال من الطائفتين. وكذلك قوله تعالى في اليهود: {أية : فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [البقرة: 94] في "البقرة والجمعة" عند من يقول: إن المراد بالتمني الدعاء بالموت على الكاذبين من الطائفتين، وهو اختيار ابن كثير. وظاهر الآية لا يساعد عليه. الوجه الثاني - أن صيغة الطلب في قوله {فليمدد} يراد بها الإخبار عن سنة الله في الضالين. وعليه فالمعنى: أن الله أجرى العادة بأنه يمهل الضال ويملي له فيستدرجه بذلك حتى يرى ما يوعده، وهو في غفلة وكفر وضلال. وتشهد لهذا الوجه آيات كثيرة، كقوله: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً}تفسير : [آل عمران: 178] الآية، وقوله: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}تفسير : [الأنعام: 44] الآية، كما قدمنا قريباً بعض الآيات الدالة عليه. ومما يؤيد هذا الوجه ما أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حبيب بن أبي ثابت قال: في حرف أبي: "قل من كان في الضلالة فإنه يزيده الله ضلالة" اهـ قاله صاحب الدر المنثور. ومثل هذا من جنس التفسير لا من جنس القراءة. فإن قيل على هذا الوجه. ما النكتة في إطلاق صيغة الطلب في معنى الخبر؟ فالجواب - أن الزمخشري أجاب في كشافه عن ذلك. قال في تفسير قوله تعالى:{فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} أي مد له الرحمن، يعنى أمهله وأملى له في العمر. فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل لتنقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}تفسير : [فاطر: 37] اهـ محل الغرض منه. وأظهر الأقوال عندي في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} أنه متعلق بما قبله يليه، والمعنى: فليمدد له الرحمن مداً حتى إذا رأى ما يوعد علم أن الأمر على خلاف ما كان يظن. وقال الزمخشري: إن {حتى} في هذه الآية هي التي تحكي بعدها الجمل. واستدل على ذلك بمجيء الجملة الشرطية بعدها. وقوله {ما يوعدون} لفظة {ما} مفعول به لـ {رَأَوْاْ}. وقوله. {إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} بدل من المفعول به الذي هو {ما} ولفظة {من} من قوله {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ} الآية، قال بعض العلماء: هي موصولة في محل نصب على المفعول به ليعلمون. وعليه فعلم هنا عرفانية تتعدى إلى مفعول واحد. وقال بعض أهل العلم: {من} استفهامية والفعل القلبي الذي هو يعلمون معلق بالاستفهام. وهذا أظهر عندي. وقوله: {شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} في مقابلة قولهم: {أية : خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}تفسير : [مريم: 73] لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم. والندي: المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم وأنصارهم. والجند هو الأنصار والأعوان، فالمقابلة المذكورة ظاهرة. وقد دلت آية من كتاب الله على إطلاق {شَرٌّ مَّكَاناً}. والمراد اتصاف الشخص بالشر لا المكان. وهو قوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً}تفسير : [يوسف: 77] فتفضيل المكان في الشر ها هنا الظاهر أن المراد به تفضيله إخوته في الشر على نفسه فيما نسبوا إليه من شر السرقة لا نفس المكان. اللهم إلا أن يراد بذلك المكان المعنوي: أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى. وقوله في هذه الآيات المذكورة مقاماً، وندِياً، وأثاثاً، ومكاناً وجُنداً كل واحد منها تمييز محول عن الفاعل، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلاً كأنت أعلى منزلا

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلضَّلاَلَةِ} (75) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ المُتَفَاخِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ أَحْسَنُ مَتَاعاً وَمَنْظَراً وَنَادِياً، فَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ، وَالمُدَّعِينَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقًٍّ، وَأَنَّكُمْ عَلَى بَاطِلٍ: إِنَّ مَا افْتَخَرْتُمْ بِهِ مِنْ زُخْرُفِ الدُّنْيا وَزِينَتِهَا لاَ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الحَالِ فِي الآخِرَةِ، فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ بِأَنَّ مَنْ كَانُوا مُنْهَمِكِينَ فِي الضَّلاَلَةِ، مُسْتَرْسِلِينَ فِي ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، فَإِنَّهُ يَبْسُطُ لَهُمْ نَعِيمُ الدُّنْيَا، وَيُطَيِّبُ عَيْشَهُمْ فِيهَا، وَلاَ يَزَالُ يُمْهِلُهُم اسْتِدْرَاجاً لَهُمْ إِلَى أَنْ يُشَاهِدُوا مَا وُعِدُوا بِهِ رَأْيَ العَيْنِ: إِمَا عَذَاباً فِي الدُّنْيا، كَمَا حَصَلَ لَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِمَا قِيَامَ السَّاعَةِ، وَهُمْ مُكَذِّبُونَ بِهَا. وَإِذْ ذَاكَ يَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرُّ الفَرِيقَيْنِ مَكَاناً، وَمَنْ هُوَ الأَضْعَفُ نَاصِراً وَجُنْداً. إِنَّهُمْ بِلاَ شَكٍّ سَيَجِدُونَ الأَمْرَ عَلَى عَكْسِ مَا كَانُوا يُقَدِّرُونَ. فَلْيَمْدُدْ لَهُ - يُمْهِلُهُ اسْتِدْرَاجاً. أَضْعَفُ جُنْداً - أَقَلُّ أَعْوَاناً وَأَنْصَاراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: (قل) أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم: {مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} [مريم: 75] أي: يُمهله ويستدرجه؛ لأنه رَبٌّ للجميع، وبحكم ربوبيته يعطي المؤمن والكافر، وكما يعين المؤمن بالنصر، كذلك يعين الكافر بمراده، كما في قوله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}تفسير : [البقرة: 10]. لأنهم ارتاحوا إليه، ورَضُوا به، وطلبوا منه المزيد. {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} [مريم: 75] أي: في الدنيا وزينتها، كما قال: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]. وفي موضع آخر يقول: إياك أنْ تعجبك أموالهم وأولادهم؛ لأنها فتنة لهم، يُعذِّبهم بها في الدنيا بالسَّعْي في جمع الأموال وتربية الأولاد، ثم الحسرة على فقدهما، ثم يُعذِّبهم بسببها في الآخرة: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}تفسير : [التوبة: 55]. ثم يقول تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ ..} [مريم: 75]. العذاب: عذاب الدنيا. أي: بنصر المؤمنين على الكافرين وإهانتهم وإذلالهم {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} [مريم: 75] أي: ما ينتظرهم من عذابها، وعند ذلك: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} [مريم: 75] لكنه عِلْم لا يُجدي، فقد فات أوانه، فالموقف في الآخرة حيث لا استئناف للإيمان، فالنكاية هنا أعظم والحسرة أشدّ. لكن، ما مناسبة ذكر الجند هنا والكلام عن الآخرة؟ وماذا يُغني الجند في مثل هذا اليوم؟ قالوا: هذا تهكُّم بهم كما في قوله تعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 22-23]، فهل أَخْذهم إلى النار هداية؟ ثم يلتفت إليهم: {أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ}تفسير : [الصافات: 25-30]. أي: لم نُجبركم على شيء، مجرد أنْ أشَرْنَا لكم أطعتمونا. لذلك، سيقولون في موضع آخر: {أية : رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ}تفسير : [فصلت: 29].

الأندلسي

تفسير : {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ} الآية فليمدد يحتمل أن يكون على معناه من الطلب ويكون دعاء وكان الأصل منا ومنكم مد الله له أي أملى له حتى يؤول إلى عذابه وكان الدعاء على صيغة الطلب لأنه الأصل ويحتمل أن يكون خبراً في المعنى وصورته صورة الأمر تقديره فيمد له كما جاء في الأمر يراد به الخبر في قول الشاعر: شعر : وكوني بالمكارم ذكريني تفسير : أي تذكرينني فأوقع الأمر وأراد به الخبر وحتى غاية لما قبله وجمع الضمير في رأوا حملاً على معنى من بعد حمله مفرداً في كان وفي له إما العذاب في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسراً وإظهار الله تعالى دينه على الدين كله على أيديهم وأما يوم القيامة وما ينالهم من العذاب والنكال فيحينئذٍ يعلمون عند المعاينة أن الأمر على عكس ما قدروه وأنهم شر مكاناً وأضعف جنداً لا خير مقاماً وأحسن ندياً وان المؤمنين على خلاف صفتهم * ولما ذكر امداد الضلال لهم في ضلالاتهم وارتباكهم في الافتخار بنعم الدنيا عقب ذكر ذلك بزيادة هدى للمتقين المهتدين وبذكر الباقيات الصالحات التي هي بدل من تنعيمهم في الدنيا التي تضمحل ولا تثبت * وقال الزمخشري: ويزيد معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر تقديره من كان في الضلالة مداً ويمد له الرحمن ويزيد أي يزيد في ضلال الضلال بخذلانه ويزيد المهتدي هداية بتوفيقه "انتهى" لا يجوز أن يكون ويزيد معطوفاً على موضع فليمدد سواء كان دعاء أم خبراً بصورة الأمر لأنه في موضع الخبر ان كانت من موصولة أو في موضع الجواب إن كانت من شرطية وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله: ويزيد الله الذين اهتدوا عارية من ضمير يعود على من يربط جملة الخبر بالمبتدأ وجملة الشرط بالجزاء الذي هو فليمدد وما عطف عليه لأن المعطوف على جملة الجزاء جزاء وإذا كانت أداة الشرط إسماً لا ظرفاً تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميراً أو ما يقوم مقامه وكذا في الجملة المعطوف عليها أي مرجعاً وتقدم تفسيره في الباقيات الصالحات في الكهف. {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} الآية قيل نزلت في العاص بن وائل عمل له خباب بن الأرت وكان قيناً أي حداداً فاجتمع له عنده دين فتقاضاه فقال لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقال خباب: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ويبعثك، فقال العاص: أو مبعوث أنا بعد الموت فقال خباب: نعم، قال فإِنه إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك والهمزة في أطلع للإِستفهام ولذلك عادلتها أم ومفعول أرأيت الأول الذي كفر والمفعول الثاني جملة الاستفهام التي هي أطلع وما بعدها وتقدم الكلام على أرأيت في الأنعام عند الرحمن عهداً أي: له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول وكلا حرف ردع وزجر وتنبيه على الخطأ أي فهو مخطىء فيما يصوره لنفسه ويتمناه فليرتدع عنه ولم يجيء كلاً فيما تقدم تفسيره من القرآن. {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} كني بالكتابة عما يترتب عليها من الجزاء فلذلك دخلت السين التي للاستقبال أي سنجازيه على ما يقوله: {وَنَمُدُّ لَهُ} أي نطول له من العذاب الذي يعذب به المستهزؤون أي نزيده من العذاب ونضاعف له من المد. {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي نسلبه المال والولد فيكون كالوارث له. {وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي بلا مال ولا ولد واللام في ليكونوا لام كي، يكونوا الآلهة لهم عزاً يتعززون بها في النصرة والمنعة والإِنقاذ من العذاب والظاهر أن الضمير في سيكفرون عائد على أقرب مذكور محدث عنه فالمعنى أن الآلهة سيجحدون عبادة هؤلاء إياهم ويحتمل أن يكون الضمير للمشركين ينكرون لسوء العاقبة إن يكونوا كما قالوا {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. {ضِدّاً} قال ابن عباس: أعوانا. {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} الآية أرسلنا معناه سلطنا ولذلك عداه بعلى ومعنى تؤزهم أي تحركهم إلى الكفر. {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى لا تعجل عليهم بأن يهلكوا. {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} أياماً محصورة وأنفاساً معدودة كأنها في سرعة تقضيها تعدو عدي نحشر بإِلى الرحمن تعظيماً لهم وتشريفاً وذكر صفة الرحمانية التي حضهم بها كرامة إذ لفظ الحشر فيه جمع من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة على سبيل القهر فجاءت لفظة الرحمن مؤذنة بأنهم يحشرون إلى من يرحمهم ولفظة الوفد مشعرة بالإِكرام والتبجيل كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين للكرامة عندهم ولفظة السوق فيه إزعاج وهو أن، وعدي بإِلى جهنم تفظيعاً لهم وتشنيعاً لحال مقرهم والورد مصدر ورد أي سار إلى الماء كما قال الشاعر: شعر : ردي ورد قطاة صما كدرية أعجبها ورد ألماً تفسير : وأطلق الورد على العطاش تسمية للشىء بسببه إذ لا يرد الماء إلا من كان عطشاناً * والضمير في لا يملكون عائد على الخلق الدال عليهم ذكر المتقين والمجرمين إذ هم قسماه والاستثناء متصل ومن بدل من ذلك الضمير * وقال الزمخشري: ويجوز أن تكون يعني الواو في لا يملكون علامة للجمع كالتي في أكلوني البراغيث والفاعل من اتخذ لأنه في معنى الجمع "انتهى" * لا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح جعل الواو ضميراً وذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنه لغة ضعيفة وأيضاً قالوا والألف والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلا بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف إما أن يأتي بلفظ مفرد يطلق على جمع أو على مثنى فيحتاج في إثبات ذلك إلى نقل عن العرب وأما عود الضمائر مثناة ومجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر ولكن الأحوط أن لا يقال ذلك إلا بسماع * والعهد هنا قال ابن عباس: لا إله إلا الله محمد رسول الله. {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} الضمير في قالوا عائد على بعض اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله وبعض النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله وبعض مشركي العرب حيث قالوا الملائكة بنات الله. {لَّقَدْ جِئْتُمْ} فيه التفات من ضمير الغيبة في قالوا: إلى ضمير الخطاب في جئتم زيادة تسجيل عليهم بالجراءة على الله والتعرض لسخطه وتنبيه على عظيم ما قالوا: {شَيْئاً إِدّاً} الاد بفتح الهمزة والاد بكسرها العجب وقيل العظيم المنكر والادة الشدة وآدني الأمر أثقلني وعظم علي وقرىء: يكاد بالياء وبالتاء وقرىء: * يتفطرون وينفطرون ومعنى ينفطرن بتشققن منه أي من نسبة الولد إلى الله * وهدّا منصوب على الحال ومعناه هدماً وسقوطاً. {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} أن مع الفعل بتأويل المصدر وهو تعليل للأفعال قبله من الانفطار والانشقاق والخرور * قال الزمخشري: يجوز في أن دعوا ثلاثة أوجه أن يكون مجروراً بدلاً من الهاء في منه كقوله: شعر : على حالة لو أن في البحر حاتماً على جوده لضنّ بالماء حاتم تفسير : ومنصوباً بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي هذا لأن دعوا علل الخرور بالهد والهد بدعاء الولد ومرفوعاً بأنه فاعل هدا أي هدها دعاء الولد للرحمن "انتهى" الأول فيه بعد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه بجملتين والثاني أيضاً فيه بعد لأن الظاهر أن هذا لا يكون مفعولاً له بل مصدر من معنى وتخر أو في موضع الحال والثالث أيضاً بعيد لأن ظاهر هدا أن يكون مصدراً توكيد يا والمصدر التوكيدي لا يعمل ولو فرضناه غير توكيدي لم يعمل بقياس إلا إن كان أمراً أو مستفهماً عنه نحو ضربا زيدا واضربا زيداً على خلاف فيه وأما أن كان خبراً كما قدره الزمخشري أي هدها دعاء الولد للرحمن فلا يقاس بل ما جاء من ذلك فهو نادر كقول امرىء القيس: شعر : وقوفاً بها صحبى على مطيهم تفسير : أي وقف صحبي ومعنى دعوا نسبوا لله الولد وينبغي مطاوع لبغي بمعنى طلب أي وما يتأتى له اتخاذ الولد لأن الولد مستحيل وينبغي من الأفعال التي تتصرف وسمع فيها الماضي قالوا ابتغي وقد عدّها ابن مالك في التسهيل من الأفعال التي لا تتصرف وهو غلط * وكل مبتدأ مضافة إلى من الموصولة أي وكل الذي والخبر قوله: الا آتى وقال الزمخشري: من موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة وقوعها بعد رب في قوله: * رب من انفجت غيظاً صدره *. "انتهى" * الأولى جعلها موصولة لأن كونها موصوفة بالنسبة إلى الموصولة قليل * وانتصب عبداً على الحال ثم ذكر تعالى أنه أحصاهم وأحاط بهم وحصرهم بالعدد فلم يفته أحد منهم وانتصب فرداً على الحال أي منفرداً ليس معه أحد ممن جعلوه شريكاً له وخبر كلهم آتيه فرداً وكل إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم وكل الناس فالمنقول أنه يجوز أن يعود الضمير مفرداً على لفظ كل فتقول كلكم ذاهب ويجوز أن يعود جمعاً مراعاة للمعنى فتقول كلكم ذاهبون * والسين في سيجعل للاستقبال فاحتمل أن يكون هذا الجعل في الدنيا وهي بأداة الاستقبال لأن المؤمنين كانوا بمكة حال نزول هذه السورة وكانوا ممقوتين من الكفرة فوعدهم الله بذلك إذا ظهر الإِسلام وفشا واحتمل أن يكون ذلك في الدنيا لا على الإِطلاق ومعنى ودّا أي: محبة والضمير في يسرناه عائد على القرآن أي أنزلناه عليك ميسراً سهلاً بلسانك، أي: بلغتك وهو اللسان العربي المبين. {لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} أي تخبرهم بما يسرهم وبما يكون لهم من الثواب على تقواهم * واللدّ جمع ألدّ لدّا وهو الشديد الخصومة في الباطل. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا} تخويف لهم وإنذار بالاهلاك بالعذاب والضمير في قبلهم عائد على قوماً لدّا وهل تحس استفهام معناه النفي وكم خبرية بأهلكنا أي كثيراً أهلكنا ومن أحد مفعول بتحس ومن زائدة. والركز قال ابن عباس: الصوت الخفي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر دليلهم الباطل، الدال على شدة عنادهم، وقوة ضلالهم، أخبر هنا، أن من كان في الضلالة، بأن رضيها لنفسه، وسعى فيها، فإن الله يمده منها، ويزيده فيها حبا، عقوبة له على اختيارها على الهدى، قال تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }. تفسير : { حَتَّى إِذَا رَأَوْا } أي: القائلون: {أية : أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } تفسير : { مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ } بقتل أو غيره { وَإِمَّا السَّاعَةَ } التي هي باب الجزاء على الأعمال { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا } أي: فحينئذ يتبين لهم بطلان دعواهم، وأنها دعوى مضمحلة، ويتيقنون أنهم أهل الشر، { وَأَضْعَفُ جُنْدًا } ولكن لا يفيدهم هذا العلم شيئا، لأنه لا يمكنهم الرجوع إلى الدنيا، فيعملون غير عملهم الأول.