Verse. 2331 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

وَاتَّخَذُوْا مِنْ دُوْنِ اللہِ اٰلِہَۃً لِّيَكُوْنُوْا لَہُمْ عِزًّا۝۸۱ۙ
Waittakhathoo min dooni Allahi alihatan liyakoonoo lahum AAizzan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واتخذوا» أي كفار مكة «من دون الله» الأوثان «آلهة» يعبدونهم «ليكونوا لهم عزا» شفعاء عند الله بألا يعذبوا.

81

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما تكلم في مسألة الحشر والنشر، تكلم الآن في الرد على عباد الأصنام فحكى عنهم أنهم إنما اتخذوا آلهة لأنفسهم ليكونوا لهم عزاً، حيث يكونون لهم عند الله شفعاء وأنصاراً، ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله تعالى بقوله: {كَلاَّ } وهو ردع لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة، وقرأ ابن نهيك: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ } أي كلهم سيكفرون بعبادة هذه الأوثان وفي محتسب ابن جني كلا بفتح الكاف والتنوين وزعم أن معناه كل هذا الاعتقاد والرأي كلا، قال صاحب الكشاف: إن صحت هذه الرواية فهي كلا التي هي للردع قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قواريرا واختلفوا في أن الضمير في قوله: {سَيَكْفُرُونَ } يعود إلى المعبود أو إلى العابد فمنهم من قال إنه يعود إلى المعبود، ثم قال بعضهم: أراد بذلك الملائكة لأنهم في الآخرة يكفرون بعبادتهم ويتبرءون منهم ويخاصمونهم وهو المراد من قوله: { أية : أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تفسير : [سبأ: 40] وقال آخرون: إن الله تعالى يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبخوا عبادهم ويتبرؤا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم ومن الناس من قال الضمير يرجع إلى العباد أي أن هؤلاء المشركين يوم القيامة ينكرون أنهم عبدوا الأصنام ثم قال تعالى: { أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] أما قوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } فذكر ذلك في مقابلة قوله: {لَهُمْ عِزّاً } [مريم: 81] والمراد ضد العز وهو الذل والهوان أن يكونون عليهم ضداً لما قصدوه وأرادوه كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلالهم لا عزاً أو يكونون عليهم عوناً والضد العون، يقال من أضدادكم أي من أعوانكم وكأن العون يسمى ضداً لأنه يضاد عدوك وينافيه بإعانته لك عليه، فإن قيل: ولم وحد؟ قلنا: وحد توحيد قوله عليه السلام: « حديث : وهم يد على من سواهم » تفسير : لاتفاق كلمتهم فإنهم كشيء واحد لفرط انتظامهم وتوافقهم، ومعنى كون الآلهة عوناً عليهم أنهم وقود النار وحصب جهنم ولأنهم عذبوا بسبب عبادتها واعلم أنه تعالى لما ذكر حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة ذكر بعده حالهم مع الشياطين في الدنيا فإنهم يسألونهم وينقادون لهم فقال: {أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات فقالوا قول القائل: أرسلت فلاناً على فلان موضوع في اللغة لإفادة أنه سلطه عليه لإرادة أن يستولي عليه. قال عليه السلام: سم الله وأرسل كلبك عليه إذا ثبت هذا فقوله: {أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } يفيد أنه تعالى سلطهم عليهم لإرادة أن يستولوا عليهم وذلك يفيد المقصود ثم يتأكد هذا بقوله: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } فإن معناه إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين لتؤزهم أزاً ويتأكد بقوله: { أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ } تفسير : [الإسراء: 64] قال القاضي: حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار كما أرسل الأنبياء بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم فلا يجوز في تلك الرسالة إلا ما أرسل عليه الشياطين من الإغواء فكان يجب في الكفار أن يكونوا بقبولهم من الشياطين مطيعين وذلك كفر من قائله، ولأن من العجب تعلق المجبرة بذلك لأن عندهم أن ضلال الكفار من قبله تعالى بأن خلق فيهم الكفر وقدر الكفر فلا تأثير لما يكون من الشيطان وإذا بطل حمل اللفظ في ظاهره فلا بد من التأويل فنحمله على أنه تعالى خلى بين الشياطين وبين الكفار وما منعهم من إغوائهم وهذه التخلية تسمى إرسالاً في سعة اللغة. كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال: أرسل كلبه عليه وإن لم يرد أذى الناس، وهذه التخلية وإن كان فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون من أن لا يقبلوا منهم ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 22] هذا تمام كلامه ونقول لا نسلم أنه لا يمكن حمله على ظاهره فإن قوله: {أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ } لو أرسلهم الله إلى الكفار لكان الكفار مطيعين له بقبول قول الشياطين، قلنا الله تعالى ما أرسل الشياطين إلى الكفار بل أرسلها عليهم والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير مستولياً عليه، فأين هذا من الإرسال إليهم، قوله: ضلال الكافر من قبل الله تعالى فأي تأثير للشيطان فيه؟ قلنا: لم لا يجوز أن يقال: إن إسماع الشيطان إياه تلك الوسوسة يوجب في قلبه ذلك الضلال بشرط سلامة فهم السامع لأن كلام الشيطان من خلق الله تعالى فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسباً إلى الشيطان وإلى الله تعالى من هذين الوجهين، قوله لم لا يجوز أن يكون المراد بالإرسال التخلية قلنا: كما خلى بين الشيطان والكفرة فقد خلى بينهم وبين الأنبياء ثم إنه تعالى خص الكافر بأنه أرسل الشيطان عليه فلا بد من فائدة زائدة ههنا ولأن قوله: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } أي تحركهم تحريكاً شديداً كالغرض من ذلك الإرسال فوجب أن يكون الأز مراداً لله تعالى ويحصل المقصود منه فهذا ما في هذا الموضع، والله أعلم. المسألة الثانية: قال ابن عباس: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } أي تزعجهم في المعاصي إزعاجاً نزلت في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط قال صاحب الكشاف: الأز والهز والاستفزاز أخوات في معنى التهييج وشدة الإزعاج أي تغريهم على المعاصي وتحثهم وتهيجهم لها بالوساس والتسويلات، أما قوله تعالى: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجلته به أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا أو يبيدوا حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ } تفسير : [الأحقاف: 35] عن ابن عباس أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد دخول قبرك، آخر العدد فراق أهلك. وعن ابن السماك رحمه الله أنه كان عند المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد. وذكروا في قوله: {نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } وجهين آخرين: الأول: نعد أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها. والثاني: نعد الأوقات إلى وقت الأجل المعين لكل أحد الذي لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان، ثم بين سبحانه ما سيظهر في ذلك اليوم من الفصل بين المتقين وبين المجرمين في كيفية الحشر فقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } قال صاحب الكشاف: نصب يوم بمضمر أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف أو اذكر يوم نحشر ويجوز أن ينتصب بلا يملكون عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : والذي نفسي بيده إن المتقين إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب » تفسير : ثم تلا هذه الآية. وفيها مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي هذه الآية أحد ما يدل على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فهم آمنون من الخوف فكيف يجوز أن تنالهم الأهوال؟ المسألة الثانية: المشبهة احتجوا بالآية وقالوا قوله: {إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ } يفيد أن انتهاء حركتهم يكون عند الرحمن وأهل التوحيد يقولون المعنى يوم نحشر المتقين إلى محل كرامة الرحمن. المسألة الثالثة: طعن الملحد فيه فقال قوله: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } هذا إنما يستقيم أن لو كان الحاشر غير الرحمن أما إذا كان الحاشر هو الرحمن فهذا الكلام لا ينتظم، أجاب المسلمون بأن التقدير يوم نحشر المتقين إلى كرامة الرحمن أما قوله: {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ورداً} فقوله: {نَسُوقُ } يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء، والورد اسم للعطاش، لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش. وحقيقة الورود السير إلى الماء فسمي به الواردون أما قوله: {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ } أي فليس لهم والظاهر أن المراد شفاعتهم لغيرهم أو شفاعة غيرهم لهم فلذلك اختلفوا، وقال بعضهم: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون وقال بعضهم: بل المراد لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم وهذا الثاني أولى لأن حمل الآية على الأول يجري مجرى إيضاع الواضحات وإذا ثبت ذلك دلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر لأنه قال عقيبه: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } والتقدير أن هؤلاء لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا قد اتخذوا عند الرحمن عهداً التوحيد والنبوة فوجب أن يكون داخلاً تحته ومما يؤكد قولنا: ما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال لأصحابه ذات يوم: « حديث : أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً؟ قالوا؛ وكيف ذلك؟ قال: يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتبعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة » تفسير : ، فظهر بهذا الحديث أن المراد من العهد كلمة الشهادة وظهر وجه دلالة الآية على أن الشفاعة لأهل الكبائر وقال القاضي: الآية دالة على مذهبه وقد ظهر أن الآية قوية في الدلالة على قولنا، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} يعني مشركي قريش. و«عِزًّا» معناه أعواناً ومنعة؛ يعني أولاداً. والعِزّ المطر الجُودُ أيضاً؛ قاله الهروي. وظاهر الكلام أن «عِزًّا» راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله. ووحد لأنه بمعنى المصدر؛ أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله؛ فقال الله تعالى: {كَلاَّ} أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا بل يكفرون بعبادتهم؛ أي ينكرون أنهم عبدوا الأصنام، أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها؛ كما قال: {أية : تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} تفسير : [القصص: 63]. وذلك أن الأصنام جمادات لا تعلم العبادة. {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي أعواناً في خصومتهم وتكذيبهم. عن مجاهد والضحاك: يكونون لهم أعداء. ابن زيد: يكونون عليهم بلاء فتحشر آلهتهم، وتركب لهم عقول فتنطق، وتقول: يا رب عذِّبْ هؤلاء الذين عبدونا من دونك. و«كلا» هنا يحتمل أن تكون بمعنى لا، ويحتمل أن تكون بمعنى حقًّا؛ أي حقاً «سيكفرون بِعِبادتهِم». وقرأ أبو نهيك: «كَلاًّ سيكفرون» بالتنوين. وروي عنه مع ذلك ضم الكاف وفتحها. قال المهدوي: «كلا» ردع وزجر وتنبيه ورد لكلام متقدم، وقد تقع لتحقيق ما بعدها والتنبيه عليه كقوله: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ } تفسير : [العلق: 6] فلا يوقف عليها على هذا، ويوقف عليها في المعنى الأول؛ فإن صلح فيها المعنيَان جميعاً جاز الوقف عليها والابتداء بها. فمن نوّن «كلا» من قوله: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} مع فتح الكاف فهو مصدر كَلَّ؛ ونصبه بفعل مضمر؛ والمعنى كَلَّ هذا الرأي والاعتقاد كَلاًّ، يعني اتخاذهم الآلهة «لِيكونوا لهم عِزا» فيوقف على هذا على «عِزا» وعلى «كَلاًّ». وكذلك في قراءة الجماعة، لأنها تصلح للرد لما قبلها، والتحقيق لما بعدها. ومن روى ضم الكاف مع التنوين، فهو منصوب أيضاً بفعل مضمر، كأنه قال: سيكفرون «كُلاًّ سيكفرون بِعِبادتهِم» يعني الآلهة. قلت: فتحصل في «كلاّ» أربعة معان: التحقيق وهو أن تكون بمعنى حقاً، والنفي، والتنبيه، وصلة للقسم، ولا يوقف منها إلا على الأول. وقال الكسائي: «لا» تنفي فحسب، و«كلا» تنفي شيئاً وتثبت شيئاً، فإذا قيل: أكلت تمراً، قلت: كلا إني أكلت عسلاً لا تمراً، ففي هذه الكلمة نفي ما قبلها، وتحقق ما بعدها. والضد يكون واحداً ويكون جمعاً، كالعدوّ والرسول. وقيل: وقع الضد موقع المصدر؛ أي ويكونون عليهم عوناً؛ فلهذا لم يجمع، وهذا في مقابلة قوله: «لِيكونوا لهم عِزاً» والعز مصدر، فكذلك ما وقع في مقابلته. ثم قيل: الآية في عبدة الأصنام، فأجرى الأصنام مجرى من يعقل؛ جرياً على توهم الكفرة. وقيل: فيمن عبد المسيح أو الملائكة أو الجن أو الشياطين؛ فالله تعالى أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} ليتعززوا بهم حيث يكونون لهم وصلة إلى الله وشفعاء عنده.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الآلهة {عِزّاً} يعتزون بها ويستنصرونها، ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ} أي: يوم القيامة {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي: بخلاف ما ظنوا فيهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 5 - 6] وقرأ أبو نهيك: (كلٌّ سيكفرون بعبادتهم). وقال السدي: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ} أي: بعبادة الأوثان. وقوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي: بخلاف ما رجوا منهم. وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} قال: أعواناً. قال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}، قال: قرناء. وقال قتادة: قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويكفر بعضهم ببعض. وقال السدي: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} قال: الخصماء الأشداء في الخصومة. وقال الضحاك: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} قال: أعداء. وقال ابن زيد: الضد: البلاء، وقال عكرمة: الضد: الحسرة. وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: تغويهم إغواء، وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال مجاهد: تشليهم إشلاء وقال قتادة: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله، وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالاً. وقال السدي: تطغيهم طغياناً. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } تفسير : [الزخرف: 36] وقوله: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله. وقال: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} تفسير : [إبراهيم: 42] الآية، {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} تفسير : [الطارق: 17] {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عمران: 178] {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تفسير : [لقمان: 24] {أية : قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 30] وقال السدي: إنما نعد لهم عداً: السنين والشهور والأيام والساعات. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ } أي كفار مكة {مِن دُونِ ٱللَّهِ } الأوثان {ءَالِهَةً } يعبدونهم {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } شفعاء عن الله بأن لا يعذبوا.

الشوكاني

تفسير : حكى سبحانه ما كان عليه هؤلاء الكفار الذين تمنوا ما لا يستحقونه، وتألوا على الله سبحانه من اتخاذهم الآلهة من دون الله لأجل يتعززون بذلك. قال الهروّي: معنى {لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً}: ليكونوا لهم أعواناً. قال الفراء: معناه: ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة. وقيل: معناه ليتعززوا بهم من عذاب الله ويمتنعوا بها. {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ } أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا، والضمير في الفعل إما للآلهة أي ستجحد هذه الأصنام عبادة الكفار لها يوم ينطقها الله سبحانه، لأنها عند أن عبدوها جمادات لا تعقل ذلك، وإما للمشركين، أي سيجحد المشركون أنهم عبدوا الأصنام، ويدل على الوجه الأوّل قوله تعالى: {أية : مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ }تفسير : [القصص: 63] وقوله: {أية : فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [النحل: 86] ويدلّ على الوجه الثاني قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [الأنعام: 23] وقرأ ابن أبي نهيك: "كلا" بالتنوين، وروي عنه مع ذلك ضمّ الكاف وفتحها، فعلى الضم هي بمعنى جميعاً، وانتصابها بفعل مضمر، كأنه قال: سيكفرون كلا سيكفرون بعبادهم، وعلى الفتح يكون مصدراً لفعل محذوف تقديره: كل هذا الرأي كلا، وقراءة الجمهور هي الصواب، وهي حرف ردع وزجر {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } أي تكون هذه الآلهة التي ظنوها عزّاً لهم ضدّاً عليهم، أي ضدّاً للعزّ وضدّ العزّ: الذلّ، هذا على الوجه الأوّل، وأما على الوجه الثاني فيكون المشركون للآلهة ضدّاً وأعداء يكفرون بها بعد أن كانوا يحبونها ويؤمنون بها. {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } ذكر الزجاج في معنى هذا وجهين: أحدهما: أن معناه: خلينا بين الكافرين وبين الشياطين فلم نعصمهم منهم ولم نعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الإسراء: 65]. الوجه الثاني: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم قال: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً } تفسير : [الزخرف: 36] فمعنى الإرسال ها هنا: التسليط ومن ذلك قوله سبحانه لإبليس {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } تفسير : [الإسراء: 64] ويؤيد الوجه الثاني تمام الآية، وهو {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } فإن الأزّ والهزّ والاستفزاز معناها: التحريك والتهييج والإزعاج، فأخبر الله سبحانه أن الشياطين تحرّك الكافرين وتهيجهم وتغويهم، وذلك هو التسليط لها عليهم، وقيل: معنى الأزّ: الاستعجال، وهو مقارب لما ذكرنا لأن الاستعجال تحريك وتهييج واستفزاز وإزعاج، وسياق هذه الآية لتعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حالهم، وللتنبيه له على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم، وجملة: {تؤزهم أزّاً} في محل نصب على الحال، أو مستأنفة على تقدير سؤال يدل عليه المقام، كأنه قيل: ماذا تفعل الشياطين بهم؟ {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ } بأن تطلب من الله إهلاكهم بسبب تصميمهم على الكفر، وعنادهم للحق، وتمرّدهم عن داعي الله سبحانه. ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } يعني نعدّ الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمارهم إلى انتهاء آجالهم. وقيل: نعدّ أنفاسهم. وقيل خطواتهم. وقيل: لحظاتهم. وقيل: الساعات. وقال قطرب: نعدّ أعمالهم. وقيل: المعنى: لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثماً. ثم لما قرّر سبحانه أمر الحشر وأجاب عن شبهة منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين حينئذٍ، فقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } الظرف منصوب بفعل مقدّر، أي اذكر يا محمد يوم الحشر. وقيل: منصوب بالفعل الذي بعده، ومعنى حشرهم إلى الرحمٰن: حشرهم إلى جنته ودار كرامته، كقوله: {أية : إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى } تفسير : [الصافات: 99] والوفد جمع وافد، كالركب جمع راكب، وصحب جمع صاحب، يقال: وفد يفد وفداً إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير كذا قال الجوهري. {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } السوق: الحثّ على السير، والورد: العطاش قاله الأخفش وغيره. وقال الفراء وابن الأعرابي: هم المشاة، وقال الأزهري: هم المشاة العطاش، كالإبل ترد الماء. وقيل: {وردا} أي: للورد، كقولك: جئتك إكراماً، أي للإكرام، وقيل: أفراداً. قيل: ولا تناقض بين هذه الأقوال فهم يساقون مشاة عطاشاً أفراداً، وأصل الورد: الجماعة التي ترد الماء من طير أو إبل أو قوم أو غير ذلك. والورد الماء الذي يورد. وجملة: {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ } مستأنفة لبيان بعض ما يكون في ذلك اليوم من الأمور، والضمير في {يملكون} راجع إلى الفريقين. وقيل: للمتقين خاصة. وقيل: للمجرمين خاصة، والأوّل أولى. ومعنى {لا يملكون الشفاعة}: أنهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم. وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفع لهم، والأوّل أولى {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } هذا الاستثناء متصل على الوجه الأوّل أي لا يملك الفريقان المذكوران الشفاعة إلا من استعدّ لذلك بما يصير به من جملة الشافعين لغيرهم بأن يكون مؤمناً متقياً، فهذا معنى اتخاذ العهد عند الله. وقيل: معنى اتخاذ العهد أن الله أمره بذلك كقولهم: عهد الأمير إلى فلان إذا أمره به. وقيل: معنى اتخاذ العهد: شهادة أن لا إلٰه إلا الله. وقيل: غير ذلك. وعلى الاتصال في هذا الاستثناء يكون محل "من" في {من اتخذ} الرفع على البدل، أو النصب على أصل الاستثناء. وأما على الوجه الثاني فالاستثناء منقطع؛ لأن التقدير: لا يملك المجرمون الشفاعة {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } وهم المسلمون. وقيل: هو متصل على هذا الوجه أيضاً، والتقدير: لا يملك المجرمون الشفاعة إلا من كان منهم مسلماً. {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } قرأ يحيـى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: "ولداً" بضم الواو وإسكان اللام، وقرأ الباقون في الأربعة المواضع الأربعة في هذه السورة بفتح الواو واللام، وقد قدّمنا الفرق بين القراءتين. والجملة مستأنفة لبيان قول اليهود والنصارى ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، وفي قوله: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } التفات من الغيبة إلى الخطاب، وفيه ردّ لهذه المقالة الشنعاء، والإدّ كما قال الجوهري: الداهية والأمر الفظيع، وكذلك الأدّة، وجمع الأدّة أدد، يقال: أدّت فلاناً الداهية تؤدّه أدا بالفتح. وقرأ أبو عبد الرحمٰن السلمي: "أدّاً" بفتح الهمزة، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرأ ابن عباس وأبو العالية "آدّاً" مثل مادّاً، وهي مأخوذة من الثقل، يقال: أدّه الحمل يؤده: إذا أثقله. قال الواحدي: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } أي عظيماً في قول الجميع، ومعنى الآية: قلتم قولاً عظيماً. وقيل: الإدّ: العجب، والإدّة: الشدّة، والمعنى متقارب، والتركيب يدور على الشدّة والثقل. {يَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } قرأ نافع والكسائي وحفص ويحيـى بن وثاب "يكاد" بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية وقرأ نافع وابن كثير وحفص "يتفطرن" بالتاء الفوقية، وقرأ حمزة وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر والمفضل {يتفطرن} بالتحتية من الانفطار، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } تفسير : [الإنفطار: 1]، وقوله: {أية : السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } تفسير : [المزمل: 18] وقرأ ابن مسعود: "يتصدّعن" والانفطار والتفطر: التشقق {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ} أي وتكاد أن تنشق الأرض، وكرر الفعل للتأكيد لأن تتفطرن وتنشق معناهما واحد {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ } أي تسقط وتنهدم، وانتصاب {هَدّاً } على أنه مصدر مؤكد؛ لأن الخرور في معناه، أو هو مصدر لفعل مقدّر، أي وتنهد هدّاً، أو على الحال أي مهدودة، أو على أنه مفعول له، أي لأنها تنهد. قال الهروي: يقال هدني الأمر وهدّ ركني، أي كسرني وبلغ مني. قال الجوهري: هدّ البناء يهدّه هدّاً كسره وضعضعه، وهدّته المصيبة أوهنت ركنه، وانهدّ الجبل، أي انكسر، والهدّة: صوت وقع الحائط، كما قال ابن الأعرابي، ومحل {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } الجرّ بدلاً من الضمير في {منه}. وقال الفراء: في محل نصب بمعنى لأن دعوا. وقال الكسائي: هو في محل خفض بتقدير الخافض. وقيل: في محل رفع على أنه فاعل {هدّاً}. والدعاء بمعنى التسمية، أي سموا للرحمٰن ولداً، أو بمعنى النسبة أي نسبوا له ولداً. {وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } أي لا يصلح له ولا يليق به لاستحالة ذلك عليه؛ لأن الولد يقتضي الجنسية والحدوث، والجملة في محل نصب على الحال، أي قالوا اتخذ الرحمٰن ولداً، أو أن دعوا للرحمٰن ولداً، والحال أنه ما يليق به سبحانه ذلك. {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي ما كل من في السمٰوات والأرض {إِلا } وهو {آتِي} الله يوم القيامة مقرّاً بالعبودية خاضعاً ذليلاً كما قال: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ } تفسير : [النمل: 87] أي صاغرين. والمعنى: أن الخلق كلهم عبيده فكيف يكون واحد منهم ولداً له؟ وقرى "آتٍ" على الأصل. {لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ } أي حصرهم وعلم عددهم {وَعَدَّهُمْ عَدّاً } أي عدّ أشخاصهم بعد أن حصرهم فلا يخفى عليه أحد منهم. {وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً } أي كل واحد منهم يأتيه يوم القيامة فرداً لا ناصر له ولا مال معه، كما قال سبحانه {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } تفسير : [الشعراء: 88]. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } قال: أعواناً. وأخرج عبد بن حميد عنه {ضِدّاً } قال: حسرة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً }: تغويهم إغواءً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } قال: تحرّض المشركين على محمد وأصحابه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس: {وَفْداً } قال: ركباناً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة {وَفْداً } قال: على الإبل. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا»تفسير : . والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس: {وِرْداً } قال: عطاشاً. وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } قال: شهادة أن لا إلٰه إلا الله، وتبرأ من الحول والقوّة، ولا يرجو إلا الله. وأخرج ابن مردويه عنه في الآية قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } قال: إن الله يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فليقم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا، قولوا: اللّهم فاطر السمٰوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشرّ وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إليّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرّني، ومن سرّني فقد اتخذ عند الرحمٰن عهداً، ومن اتخذ عند الرحمٰن عهداً فلا تمسه النار، إن الله لا يخلف الميعاد»تفسير : . وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جاءنا بالصلوات الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منهم شيئاً فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } قال: قولاً عظيماً، وفي قوله: {يَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } قال: إن الشرك فزعت منه السمٰوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت تزول منه لعظمة الله سبحانه، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك يرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وفي قوله: {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } قال: هدماً. وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والطبراني والبيهقي في الشعب من طريق عون عن ابن مسعود قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه، يا فلان، هل مرّ بك اليوم أحد ذكر الله؟ فإذا قال: نعم، استبشر. قال عون: أفيسمعن الزور إذا قيل ولا يسمعن الخير؟ هنّ للخير أسمع، وقرأ: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } الآيات.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: سيجحدون أن يكونوا عبدوها لما شاهدوا من سوء عاقبتها. الثاني: سيكفرون بمعبوداتهم ويكذبونهم. {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أعواناً في خصومتهم، قاله مجاهد. الثاني: قرناء في النار يلعنونهم، قاله قتادة. الثالث: يكونون لهم أعداء، قاله الضحاك. الرابع: بلاء عليهم، قاله ابن زيد. الخامس: أنهم يكذبون على ضد ما قدروه فيهم وأمّلوه منهم، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تزعجهم إزعاجاً حتى توقعهم في المعاصي، قاله قتادة. الثاني:تغويهم إغواء، قاله الضحاك. الثالث: تغريهم إغراء بالشر: إمض إمض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار، قاله ابن عباس. قوله عز وجل: {... إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نعد أعمالهم عداً، قاله قطرب. الثاني: نعد أيام حياتهم، قاله الكلبي. الثالث: نعد مدة إنظارهم إلى وقت الإِنتقام منهم بالسيف والجهاد، قاله مقاتل.

ابن عطية

تفسير : اتخذ افتعل من أخذ لكنه يتضمن إعداداً من المتخذ وليس ذلك في أخذ، والضمير في {اتخذوا} لعبادة الأوثان والآلهة الأصنام، وكل ما عبد من دون الله، ومعنى قوله {عزاً} العموم في النصرة والمنفعة وغير ذلك من وجوه الخير، وقوله {كلا} زجر، وردع، وهذا المعنى لازم لـ {كلا} فإن كان القول المردود منصوصاً عليه بأن المعنى، وإن لم يكن منصوصاً عليه فلا بد من أمر مردود يتضمنه القول كقوله عز وجل {أية : كلا إن الإنسان ليطغى} تفسير : [العلق: 6] فإن قوله {أية : علم الإنسان ما لم يعلم} تفسير : [العلق: 5] يتضمن مع ما قبله أن الإنسان يزعم من نفسه ويرى أن له حولاً ما ولا يتفكر جداً في أن الله علمه ما لم يعلم وأنعم عليه بذلك وإلا كان معمور جهل، وقرأ الجمهور "كلا" على ما فسرناه، وقرأ أبو نهيك "كَلاً" بفتح الكاف والتنوين حكاه عنه أبو الفتح وهو نعت لـ {آلهة} وحكى عنه أبو عمرو الداني "كُلاً" بضم الكاف والتنوين وهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه سيكفرون تقديره يرفضون أو ينكرون أو يجحدون أو نحوه، واختلف المفسرون في الضمير الذي في {سيكفرون} وفي {بعبادتهم} فقالت فرقة: الأول للكفار والثاني للمعبودين والمعنى أنه سيجيء يوم القيامة من الهول على الكفار والشدة ما يدفعهم الى جحد الكفر وعبادة الأوثان، وذلك كقوله تعالى حكاية عنهم {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23] وقالت فرقة: الأول للمعبودين والثاني للكفار والمعنى أن الله تعالى يجعل للأصنام حياة تنكر بها ومعها عبادة الكفار وأن يكون لها من ذلك ذنب، وأما المعبود من الملائكة وغيرهم فهذا منهم بين. وقوله {ضداً} معناه يجيئهم منهم خلاف ما كانوا أملوه فيؤول ذلك بهم الى ذلة ضد ما أملوه من العز وهذه الصفة عامة، وقال قتادة {ضداً} معناه قرناء، وقال ابن عباس: معناه أعواناً، وقال الضحاك: أعداء، وقال ابن زيد: بلاء، وقيل غير هذا مما لفظ القرآن أعم منه وأجمع للمعنى المقصود، والضد هنا مصدر وصف به الجمع كما يوصف به الواحد، وحكى الطبري عن أبي نهيك أنه قرأ "كل" بالرفع ورفعها بالابتداء، وقوله {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين} الآية، الرؤية في الآية رؤية القلب، و {أرسلنا} معناه سلطنا أو لم نحل بينهم وبينهم فكله تسليط وهو مثل قوله نقيض له شيطان وتعديته بـ {على} دال على أن تسليط، و {تؤزهم} معناه تغليهم وتحركهم الى الكفر والضلال قال قتادة تزعجهم إزعاجاً، قال ابن زيد: تشليهم أشلاء ومنه أزيز القدر وهو غليانه وحركته ومنه الحديث أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم "فوجدته يصلي وهو يبكي ولصدره أزيز كأزيز المرجل" وقوله {فلا تعجل عليهم} أي لا تستبطىء عذابهم وتحب تعجيله، وقوله {نعد لهم عداً} أي مدة نعمتهم وقبيح أعمالهم لنصيرهم إلى العذاب إما في الدنيا وإلا ففي الأخرة، قال ابن عباس: نعد أنفاسهم. قال القاضي أبو محمد: وما تضمنته هذه الألفاظ من الوعيد بعذاب الآخرة هو العامل في قوله {يوم} ويحتمل أن يعمل فيه لفظ مقدر تقديره واذكر أو احذر ونحو هذا، و"الحشر" الجمع، وقد صار في عرف ألفاظ الشرع البعث من القبور، وقرأ الحسن يوم "يحشر المتقون ويساق المجرمون"، وروي عنه "ويسوق المجرمين" بالياء. و"المتقون" هم المؤمنون الذين غفر لهم، وظاهر هذه الوفادة أنها بعد انقضاء الحساب، وإنما هي النهوض الى الجنة، وكذلك سوق المجرمين إنما هو لدخول النار. و {وفداً} قال المفسرون معناه ركباناً وهي عادة الوفود لأنهم سراة الناس وأحسنهم شكلاً فشبه أهل الجنة بأولئك لا أنهم في معنى الوفادة إذ هو مضمن الانصراف، وإنما المراد تشبيههم بالوفد هيئة وكرامة، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنهم يجيئون ركباناً على النوق المحلاة بحلية الجنة خطمها من ياقوت وزبرجد ونحو هذا، وروي عن عمر بن قيس الملائي أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة هي في غاية الحسن، وروي "أنهم يركب كل أحد منهم ما أحب فمنهم من يركب الإبل ومن يركب الخيل ومن يركب السفن فتجيء عائمة بهم"، وقد ورد في الضحايا أنها مطاياكم إلى الجنة، وفي أكثرها بعد، لكن ذكرناه بحسب الجمع للأقوال و"السوق" يتضمن هواناً لأنهم يحفزون من ورائهم، و "الورد" العطاش قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن، وهم القوم الذين يحتفزون من عطشهم لورود لماء، ويحتمل أن يكون المصدر المعنى نوردهم {ورداً} وهكذا يجعله من رأى في القرآن أربعة أوراد في النار وقد تقدم ذكر ذلك في هذه السورة، واختلف المتأولون في الضمير في قوله {يملكون} فقالت فرقة: هو عائد على المجرمين، أي {لا يملكون} أن يشفع لهم ولا سبيل لهم إليها، وعلى هذا التأويل فهم المشركون خاصة، ويكون قوله {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} استثناء منقطعاً، أي لكن من اتخذ عهداً يشفع له، والعهد على هذا الإيمان قال ابن عباس: العهد لا إله إلا الله. وفي الحديث "حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة من كان له عندي عهد فليقم" تفسير : وفي الحديث "حديث : خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن تامة كان له عند الله عهد أن يدخل الجنة"تفسير : . والعهد أيضاً الإيمان وبه فسر قوله {أية : لا ينال عهدي الظالمين} تفسير : [البقرة: 124] ويحتمل أن يكون "المجرمون" يعم الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم {لا يملكون الشفاعة} إلا العصاة المؤمنون فإنهم يشفع فيهم فيكون الإستثناء متصلاً، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله" تفسير : فيقول يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي. وقالت فرقة: الضمير في قوله {لا يملكون} للمتقين، قوله {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} أي إلا من كان له عمل صالح مبرز يحصل به في حيز من يشفع وقد تظاهرت الأحاديث بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيشفعون، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن في أمتي رجلاً يدخل الله بشفاعته الجنة اكثر من بني تميم" تفسير : ، قال قتادة: وكنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين، وقال بعض هذه الفرقة معنى الكلام {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} أي لا يملك المتقون الشفاعة إلا لهذه الصنيفة فيجيء {من} في التأويل الواحد للشافعين، وفي الثاني للمشفوع فيهم، وتحتمل الآية أن يراد بـ {من} محمد عليه السلام وبالشفاعة الخاصة لمحمد العامة للناس، ويكون الضمير في {يملكون} لجميع أهل المواقف، ألا ترى أن سائر الأنبياء يتدافعون الشفاعة حتى تصير إليه فيقوم إليها مدلاً، فالعهد على هذا النص على أمر الشفاعة، وقوله تعالى: {أية : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} تفسير : [الأسراء: 79].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ} [الآية: 81-82]. قال بعضهم: كيف تظفر بالعز وأنت تطلبه فى محل الذل ومكانه أذللت نفسك بسؤال الخلق، ولو كنت موفقًا لأعززت نفسك بسؤال الحق أو بذكره، أو بالرضا لما يرد عليك منه تكون عزيزًا فى كل حال دنيا وآخرة.

القشيري

تفسير : حكموا بظنهم الفاسدِ أنَّ أصنامَهم تمنعهم، وأنَّ ما عبدوه من دون الله تعالى توجِبُ عبادتهم لهم عند الله تعالى وسيلةً... وهيهات! هيهات أن تكون لمغاليط حسبانهم تحقيق، بل إذا حُشِرُوا وحُشِرَتْ أصنامُهم تَبَرَّأَتْ أصنامُهم منهم، وما أمَّلُوا نفعاً منها عاد ضرراً عليهم. ويقال طلبوا العِزَّ في أماكن الذل، فأخفقوا في الطلب، ونُفُوا عن المراد.

البقلي

تفسير : كل ما دون الله اذا اقبلت اليه بنعت الحاجة والافتقار فهو الهك وطلب العز فى غير الله غير ممكن لان الاكوان تحت قهره ذليلة واذا اردتّ العز اقبل الى الله فلله العزة جميعا قال بعضهم كيف تظفر بالعز وانت تطلب من محل الذل.

اسماعيل حقي

تفسير : {واتخذوا} اى مشركوا قريش {من دون الله آلهة} اى اتخذوا الاصنام آلهة متجاوزين الله تعالى {ليكونوا لهم عزا} اى ليتعززوا بهم بان يكونوا لهم وصلة اليه تعالى وشفعاء عنده وانصارا ينجون بهم من عذاب الله. قال بعضهم كيف تظفر بالعز وانت تطلبه فى محل الذل ومكانه اذا ذللت نفسك بسؤال الخلق ولو كنت موفقا لاعززت نفسك بسؤال الحق او بذكره او بالرضى لما يرد عليك منه فتكون عزيزا فى كل حال دنيا وآخرة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: واتخذ المشركون الأصنام {آلهةً} يعبدونها من دون الله {ليكونوا لهم عِزًّا} يوم القيامة، ووصلة عنده يشفعون لهم، {كلا} لا يكون ذلك أبدًا، فهو ردع لهم عن ذلك الاعتقاد الباطل، وإنكارٌ لوقوع ما علَّقوا به أطماعَهم، {سيكفرون بعبادتهم} أي: تجحد الآلهة عبادتَهم لها، بأن يُنطقهم الله تعالى وتقول ما عبدتمونا، أو: سيكفر الكفرة عبادتهم لها حين شاهدوا سوء عاقبة عبادتهم لها، كقوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعَام: 23]، {ويكونون عليهم ضِدًا} أي: تكون الآلهة، التي كانوا يرجون أن تكون لهم عزًا، ضدًا للعز، أي: ذلاً وهوانًا؛ لأنهم تعززوا بمخلوق بسخط الخالق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من طلب رضا المخلوق بمعصية الخالق عاد حامده من الناس ذامًّا"تفسير : . وتكون عونًا عليهم، وآلة لعذابهم، حيث تجعل وقود النار وحَصَب جهنم، أو تكون الكفرة ضدًا وأعداء للآلهة، كافرين بها، بعد أن كانوا يُحبونها كحب الله، ويعبدونها من دون الله، وتوحيد الضد؛ لتوحيد المعنى الذي عليه تدور مضادتهم، فإنهم بذلك كشيء واحد، كقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ". تفسير : وسبب عبادتهم للأصنام تزيين الشيطان، وَفَاء بقوله: {أية : لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحِجر: 39]، كما قال تعالى: {ألم تَرَ أنا أرسلنا الشياطينَ على الكافرين} أي: سلطهم عليهم ومكنهم من إغوائهم، بقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} تفسير : [الإسرَاء: 64] الآية. وهذا تعجيب لرسوله صلى الله عليه وسلم مما نطقت به الآيات الكريمة عن هؤلاء الكفرة، العتاة المردة، من فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل، والتمادي في الغي، والانهماك في الضلال، والتصميم على الكفر، من غير صارف يلويهم، ولا عاطف يثنيهم، وإجماعهم على مدافعة الحق بعد اتّضاحه، وتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم، لا أن له مسوغًا في الجملة، أي: ألم تر ما فعلت الشياطين بالكفرة حتى صدر منهم ما صدر من تلك القبائح والعظائم، وليس المراد تعجيبه عليه السلام من مطلق إرسال الشياطين عليهم، كما يوهمه تقليل الرؤية، بل عما صدر عنهم من حيث إنها من آثار إغواء الشياطين، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {تَؤُزهُم أزًّا} أي: تغريهم وتهيجهم على المعاصي تهييجًا شديدًا، بأنواع الوساوس والتسويلات. فالأز والاستفزاز أخوان، معناهما: شدة الانزعاج، وجملة {تؤزّهم}: حال مقدرة من الشياطين، أو استئناف وقع جوابًا عن صدر الكلام، كأنه قيل: ماذا تفعل بهم الشياطين؟ قال: {تؤزّهم أزًّا}. {فلا تعجل عليهم} بأن يهلكوا حسبما تقتضي جناياتهم ويبيدوا عن آخرهم، وتطهرُ الأرض من فسادهم، {إِنما نعدّ لهم عَدًّا} أي: لا تستعجل بهلاكهم، فإنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس قلائل نعدها عدًا، ثم نأخذهم أخذًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من اتخذ شيئًا يتعزز به من دون الله وطاعته انقلب عليه ذُلاً وهوانًا، ولذلك قيل: "من تعزز بمخلوق مات عزه". فإن أردت عزًا لا يفنى فلا تتعزز بعز يفنى، وهو التعزز بالمال أو الجاه، أو غير ذلك مما يفنى، وسيأتي عند قوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} تفسير : [فاطر: 10]. {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنَافِقون: 8] زيادة بيان. وكما أرسل الحق تعالى الشياطين على الكافرين تزعجهم إلى المعاصي أرسل الملائكة والواردات الإلهية إلى المؤمنين تنهضهم إلى طاعة الله، وتزعجهم إلى السير لمعرفة الله. فالملائكة تحرك العبد إلى الطاعة، والواردات تزعجه إلى الحضرة، تخرجه عن عوائده وتدمغ له مِن علائقه، وعوائقه، حتى ينفرد لحضرة الحق: وفي الحكم: "الوارد يأتي من حضرة قهار، لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه؛ {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}. وقال أيضًا: "متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك؛ "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها". وقال القشيري على قوله: {تؤزهم أزًّا}: أي: تزعجهم إزعاجًا، فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وظلمة، وخاطر الحقِّ يكون بَروْحٍ وسكون، وهذه إحدى الفوارق بينهما. هـ. قلت: ومن الفوارق أيضًا: أن خاطر الحق لا يأمر إلا بالخير مع برودة وانشراح في القلب وسكون وأناة... وفي الحديث: "حديث : العجلة من الشيطان، والآناة من الرحمن"تفسير : . هـ. بخلاف خاطر الشيطان؛ فإنه لا يأمر إلا بالشر، وقد يأمر بالخير إذا كان يجرُّ به إلى الشر، وعلامته أن يكون فيه ظلمة ودَخن وعجلة وبطش، وقد استوفى الكلام عليهم في النصيحة الكافية. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر قال فريق الإيمان وفريق الضلال

الطوسي

تفسير : قرأ ابن نهيك {كلا سيكفرون} - بضم الكاف - بمعنى جميعاً سيكفرون. الباقون بفتح الكاف. اخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم ووصفهم بأنهم {اتخذوا من دون الله آلهة} عبدوها ووجهوا عبادتهم نحوها {ليكونوا لهم عزّاً} والاتخاذ اعداد الشيء ليأتيه في العاقبة، فهؤلاء اتخذوا الآلهة ليصيروا الى العز فصاروا بذلك الى الذل، فسخط الله عليهم وأذلهم. والعز الامتناع من الضيم عزّ يعزّ عزاً، فهو عزيز أي منيع من أن ينال بسوء. فقال الله تعالى {كلا سيكفرون بعبادتهم} أي حقاً ليس الأمر على ما قالوه بل سيكفرون بعبادتهم. وقيل فى معناه قولان: احدهما - إن معناه سيجحدون أن يكونوا عبدوها، لما يرون من سوء عاقبتها. وهذا جواب من اجاز وقوع القبائح والكذب من أهل الآخرة. الثاني - سيكفرو ما اتخذوه آلهة بعبادة المشركين لها، كما قال الله تعالى {أية : تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} تفسير : أي بأمرنا وإرادتنا {ويكونون عليهم ضدّاً} وقيل في معناه قولان: احدهما - قال مجاهد: يكونون عوناً في خصومتهم وتكذيبهم. الثاني - قال قتادة يكونون قرناء هم فى النار يلعنونهم ويتبرؤن منهم. ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {ألم تر} يا محمد {أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} أي لما سلط الكفار الشياطين على نفوسهم وقبلوا منهم واتبعوهم خلينا بينهم وبينهم حتى اغووهم، ولم نحل بينهم بالالجاء، ولا بالمنع، وعبر عن ذلك بالارسال على ضرب من المجاز. ومثله قوله {أية : فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} تفسير : ويحتمل ان يكون أراد به يرسل الشياطين عليهم في النار بعد موتهم يعذبوهم ويلعنونهم، كما قال {أية : فوربك لنحشرنهم والشياطين} تفسير : ويقال أرسلت الباز والكلب على الصيد إذا خليت بينه وبينه. وقوله {تؤزهم أزاً} أي تزعجهم ازعاجاً. والاز الازعاج الى الامر، أزه أزاً وأزيزاً إذا هزه بالازعاج الى أمر من الأمور. ثم قال تعالى {فلا تعجل} على هؤلاء الكفار {إنما نعد لهم عدّا} الايام والسنين. وقيل الانفاس. وقوله {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} أي اذكر يوم نحشر الذين اتقوا معاصي الله وفعلوا طاعاته الى الرحمن وفداً اي ركباناً فى قدومهم، ووحد لأنه مصدر وفد، ويجمع وفوداً، تقول: وفدت أفد وفداً فأنا وافد. وقيل: انهم يؤتون بنوق لم ير مثلها، عليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يصيروا الى ابواب الجنة - في قول ابن عباس - وقيل: معناه يحشرهم الله جماعة جماعة.

الجنابذي

تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} عطف على قال لاوتينّ او على كفر بآياتنا، وجمع ضميره باعتبار المعنى فانّ المراد من الّذى كفر هو الجنس لا الفرد المخصوص {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} اى ليكون الآلهة للّذين كفروا سبب عزٍّ فانّ العزّ والعزّة بكسرهما والعزازة بالفتح مصدر عزّ بمعنى صار عزيزاً، او ليكون الكفّار لاجل الآلهة اعزّاء.

اطفيش

تفسير : شرفا حيث يشفعون لهم.

اطفيش

تفسير : {واتَّخذُوا من دون الله آلهةً} من الجن والملائكة والجماد، وهذا ذكر لكفر عامتهم بعد ذكر كفر خاصتهم {ليكُونُوا لهُم عزاً} واسطة عز بأن يشفعوا لهم عند الله.

الالوسي

تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً } حكاية لجناية عامة للكل مستتبعة لضد ما يرجون ترتبه عليها إثر حكاية مقالة الكافر المعهود واستتباعها لنقيض مضمونها أي اتخذ الكفرة الظالمون الأصنام أو ما يعمهم وسائر المعبودات الباطلة آلهة متجاوزين الله تعالى: {لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } أي ليتعززوا بهم بأن يكونوا لهم وصلة إليه عز وجل وشفعاء عنده.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة{أية : ويقول الإنسان أإذا ما مت}تفسير : [مريم: 66] فضمير {اتخذوا} عائد إلى الذين أشركوا لأنّ الكلام جرى على بعض منهم. والاتخاذ: جعل الشخص الشيءَ لنفسه، فجعل الاتخاذ هنا الاعتقاد والعبادة. وفي فعل الاتخاذ إيماء إلى أن عقيدتهم في تلك الآلهة شيء مصطلح عليه مختلق لم يأمر الله به كما قال تعالى عن إبراهيم: {أية : قال أتعبدون ما تنحتون}تفسير : [الصافات: 95]. وفي قوله {من دون الله} إيماء إلى أن الحق يقتضي أن يتّخذوا الله إلهاً، إذ بذلك تقرّر الاعتقاد الحق من مبدأ الخليقة، وعليه دلّت العقول الراجحة. ومعنى {ليكون لهم عزاً} ليكونوا مُعزّين لهم، أي ناصرين، فأخبر عن الآلهة بالمصدر لتصوير اعتقاد المشركين في آلهتهم أنّهم نفس العزّ، أي إن مجرد الانتماء لها يكسبهم عزّاً. وأجرى على الآلهة ضمير العاقل لأنّ المشركين الذين اتخذوهم توهموهم عقلاء مدبرين. والضميران في قوله: {سيكفرون - ويَكونون} يجوز أن يَكونا عائدين إلى آلهة، أي سينكر الآلهةُ عبادةَ المشركين إيّاهم، فعبر عن الجحود والإنكار بالكفر، وستكون الآلهة ذُلاّ ضد العزّ. والأظهر أن ضمير {سيكفرون} عائد إلى المشركين، أي سيكفر المشركون بعبادة الآلهة فيكون مقابل قوله {واتخذوا من دون الله آلهة}. وفيه تمام المقابلة، أي بَعد أن تكلفوا جعلهم آلهةً لهم سيكفرون بعبادتهم، فالتعبير بفعل {سيكفرون} يرجح هذا الحمل لأن الكفر شائع في الإنكار الاعتقادي لا في مطلق الجحود، وأن ضمير {يكونون} للآلهة وفيه تشتيت الضمائر. ولا ضير في ذلك إذ كان السياق يُرجع كلاً إلى ما يناسبه، كقول عباس بن مرداس:شعر : عُدنا ولولا نحن أحدق جمعهم بالمسلمين وأحرزوا ما جَمّعوا تفسير : أي: وأحرز جَمْع المشركين ما جمّعه المسلمون من الغنائم. ويجوز أن يكون ضميرا {سيكفرون - ويكونون} راجعين إلى المشركين. وأن حرف الاستقبال للحصول قريباً، أي سيكفر المشركون بعبادة الأصنام ويدخلون في الإسلام ويكونون ضداً على الأصنام يهدمون هياكلها ويلعنونها، فهو بشارة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن دينه سيظهر على دين الكفر. وفي هذه المقابلة طباق مرتين. والضد: اسم مصدر، وهو خلاف الشيء في الماهية أو المعاملة. ومن الثاني تسمية العدو ضدّاً. ولكونه في معنى المصدر لزم في حال الوصف به حالة واحدة بحيث لا يطابق موصوفه.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار المتقدم ذكرهم في قوله: {أية : وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}تفسير : [مريم: 72] اتخذوا من دون الله آلهة أي معبوداتٍ من أصنام وغيرها يعبدونها من دون الله، وأنهم عبدوهم لأجل أن يكونوا لهم عزاً أي أنصاراً وشفعاء ينقذونهم من عذاب الله. كما أوضح تعالى مرادهم ذلك في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر: 3] فتقريبهم إياهم إلى الله زلفى في زعمهم هو عزهم الذي أملوه بهم. وكقوله تعالى عنهم: {أية : وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [يونس: 18] الآية. فالشفاعة عند الله عز لهم بهم يزعمونه كذباً وافتراءً على الله. كما بينه بقوله تعالى: {أية : قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [يونس: 18]. وقوله في هذه الآية الكريمة {كلا} زجر وردع لهم عن ذلك الظن الفاسد الباطل. أي ليس الأمر كذلك! لا تكون المعبودات التي عبدتم من دون الله عزاً لكم، بل تكون بعكس ذلك. فيكون عليكم ضداً، أي أعواناً عليكم في خصومتكم وتكذيبكم والتبرؤ منكم. وأقوال العلماء في الآية تدور حول هذا الذي ذكرنا. كقول ابن عباس {ضداً} أي أعواناً وقول الضحاك {ضداً} أي أعداء.. وقول قتادة {ضِداً} أي قرناء في النار يلعن بعضهم بعضاً، وكقول ابن عطية {ضداً} يجيئهم منهم خلاف ما أملوه فيؤول بهم ذلك إلى الذل والهوان، ضد ما أملوه من العز. وهذا المعنى الذي ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: بينه أيضاً في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}تفسير : [الأحقاف: 5-6]، وقوله تعالى: {أية : ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}تفسير : [فاطر: 13-14] إلى غير ذلك من الآيات. وضمير الفاعل في قوله: {سيكفرون} فيه وجهان للعلماء، وكلاهما يشهد له قرآن. إلا أن لأحدهما قرينة ترجحة على الآخر. الأول - أن واو الفاعل في قوله: {سيكفرون} راجعة إلى المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون الله. أما العاقل منها فلا إشكال فيه. وأما غير العاقل بالله قادر على أن يخلق له إدراكاً يخاطب به من عبده ويكفر به بعبادته إياه. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى عنهم: {أية : تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}تفسير : [القصص: 63]، وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [النحل: 86] وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}تفسير : [يونس: 28-29]، إلى غير ذلك من الآيات. الوجه الثاني - أن العابدين هم الذين يكفرون بعبادتهم شركاءهم وينكرونها ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23]، وقوله عنهم: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، وقوله عنهم {أية : بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً}تفسير : [غافر: 74] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والقرينة المرجحة للوجه الأول - أن الضمير في قوله {وَيكُونُونَ} راجع للمعبودات. وعليه فرجوع الضمير في {يكْفُرونَ} للمعبودات أظهر. لانسجام الضمائر بعضها مع بعض. أما على القول الثاني - فإنه يكون ضمير {يكفرون} للعابدين، وضمير {يكونون} للمعبودين، وتفريق الضمائر خلاف الظاهر. والعلم عند الله تعالى. وقول من قال من العلماء. إن {كلا} في هذه الآية متعلقة بما بعدها لا بما قبلها، وأن المعنى: كلا سيكفرون أي حقاُ سيكفرون بعبادتهم محتمل، ولكن الأول أظهر منه وأرجح، وقائله أكثر. والعلم عند الله تعالى، وفي قوله {كلا} قراءات شاذة تركنا الكلام عليها لشذوذها. ووقوله في هذه الآية: {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} أفرد فيه العز مع أن المراد الجمع. لأن أصله مصدر على حد قوله في الخلاصة: شعر : ونعتوا بمصدر كثير فالتزموا الإفراد والتذكيرا تفسير : والإخبار بالمصدر يجري على حكم النعت به. وقوله {ضداً} مفرداً أيضاً أريد به الجمع. قال ابن عطية: لأنه مصدر في الأصل. حكاه عنه أبو حيان في البحر. وقال الزمخشري: الضد العون، وحد توحيد قوله عليه السلام: "حديث : هم يد على من سواهم"تفسير : لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ليكونوا لهم عزاً: أي منعة لهم وقوة يشفعون لهم عند الله حتى لا يعذبوا. سيكفرون بعبادتهم: أي يوم القيامة يجحدون أنهم كانوا يعبدونهم. ضداً: أي أعداء لهم وأعواناً عليهم. تؤزهم أزاً: أي تزعجهم إزعاجاً وتحركهم حراكاً شديداً نحو الشهوات والمعاصي. وفدا: أي راكبين على النُّجُب تحوطهم الملائكة حتى ينتهوا إلى ربهم فيكرمهم. إلى جهنم ورداً: أي يُساق المجرمون كما تساق البهائم مشاة عطاشاً. عهداً: هو شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. معنى الآيات: يخبر تعالى مندداً المشركين فيقول: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} أي معبودات من الأصنام فعبدوها بأنواع من العبادات، {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ} - في نظرهم الفاسد - {عِزّاً} أي شفعاء لهم عندنا يعزون بواسطتهم ولا يُهانون، {كَلاَّ} أي ليس الأمر كما يظنون {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} وذلك يوم القيامة حيث ينكرون أنهم أمروهم بعبادتهم، {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي خصوماً، ومن ذلك قولهم. {أية : وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}.تفسير : [يونس: 28] وقولهم. {أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 41]. وقوله تعالى في الآية الثانية [83] {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} يقول تعالى لرسوله ألم ينته إلى علمك يا رسولنا أنا أرسلنا الشياطين أي شياطين الجن والإِنس على الكافرين بنا وبآياتنا ورسولنا ولقائنا تؤزهم أزا أي تحركهم بشدة نجو الشهوات والجرائم والمفاسد، وتزعجهم إلى ذلك بالإِغراء إزعاجاً كبيراً. أي فلا تعجب من حال مسارعتهم إلى الشر والفساد ولا تعجل عليهم بمطالبتنا بهلاكهم إنما نعد لهم كل أعمالهم ونحصيها عليهم حتى أنفاسهم على كل ذلك ونجزيهم به. هذا معنى قوله تعالى: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً}. وقوله تعالى في الآية [85] {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي أذكر يا رسولنا نحشر المتقين {إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}. والمتقون هم أهل الإِيمان بالله وطاعته وتوحيده ومحبته وخشيته وطاعة رسوله ومحبته وفداً أي راكبين على النجائب من النوق عليها رِحال الذهب إلى الرحمن إلى جوار الرحمن عز وجل في دار المتقين الجنة دار الأبرار والسلام. وقوله تعالى: {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً}: أي ونسوق المجرمين على أنفسهم بالشرك والمعاصي مشاة على أرجلهم عطاشاً يُساقون سوق البهائم إلى جهنم وبئس الورد المورود جهنم. وقوله تعالى {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} أخبر تعالى أن المشركين المجرمين على أنفسهم بالشرك والمعاصي فدسوها لا يملكون الشفاعة يوم القيامة لا يشفع بعضهم في بعض كالمتقين ولا يشفع لهم أحد أبداً لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإِيمان به وبطاعته بأداء الفرائض وترك المحرمات يملك إن شاء الله الشفاعة بأن يشفعه الله في غيره إكراماً له أو يشفع فيه غيره إكراماً للشافع أيضاً وإنعاما على المشفوع له. كما أن أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله المتبرئين من حولهم وقوتهم إلى الله الراجين ربهم يمكلون الشفاعة إن دخلوا النار بذنوبهم فيخرجون منها شفاعة من أراد الله أن يشفعه فيهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- براءة سائر المعبودات من دون الله من عابديها يوم القيامة خزياً لهم وإحقاقاً للعذاب عليهم. 2- لا عجب مما يشاهد من مسارعة الكافرين إلى الشر والفساد والشهوات لوجود شياطين تحركهم بعنف إلى ذلك وتدفعهم إليه. 3- لا ينبغي طلب العذاب العاجل لأهل الظلم لأنهم كلما ازدادوا ظلما ازداد عذابهم شدة يوم القيامة إذ كل شيء محصىً عليهم حتى أنفاسهم محاسبون عليه ومجزيون به. 4- بيان كرامة المتقين، ومهانة المجرمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلِهَةً} (81) - وَاتَّخَذَ المُشْرِكُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللهِ لِتَكُونَ لَهُمْ عِزّاً يَعْتَزُّونَ بِهَا، وَيَسْتَنْصِرُونَها، وَيَجْعَلُونَهَا شُفَعَاءَ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. عِزّاً - أَنْصَاراً وَشُفَعَاءَ يَتَعَزَّزُونَ بِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : آلهة: جمع إله، وهو المعبود والرب الذي أوجدك من عَدَم، وأمدّك من عُدْم، وتولاّك بالتربية، فعطاء الألوهية تكليف وعبادة، وعطاء الربوبية نِعَم وهِبَات. إذن: فمَنْ أَوْلى بعبادتك ومَنْ أحقّ بطاعتك؟ هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله آلهة من شمس، أو قمر، أو حجر، أو شجر، بماذا تعبَّدتكم هذه الآلهة؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكُم؟ وبماذا أنعمتْ عليك؟ وأين كانت وأنت جنين في بطن أمك؟ إن أباك الذي رباك وأنت صغير وتكفَّل بكل حاجياتك، وأمك التي حملتْك في بطنها وسهرتْ على راحتك، هما أوْلَى الناس بطاعتك، ولا ينبغي أنْ تُقدِّم على أمرهما أمراً. أما أنْ يستحوذَ عليك آخرون، ويكون لهم طاعتك وولاؤك دون أبويْك فهذا لا يجوز وأنت في رَيْعان شبابك وأَوْج قوتك. لذلك، من أصول التربية أنْ يُربّي الآباء أبناءهم على السمع والطاعة لهم، ونُحذِّرهم من طاعة الآخرين خاصة غير المؤتمنين على التربية، من العامة في الشارع، أو أصدقاء السُّوء الذين يجرُّون الأبناء على مَا لا تُحمد عُقباه. والآن نُحذّر أبناءنا من السَّيْر مع شخص مجهول، أو قبول طعام، أو شراب منه. وما نراه في عصرنا الحاضر يُغني عن الإطالة في هذه المسألة. هذه - إذن - مناعة يجب أنْ تُعطَى للأبناء، كالمناعة ضد الأمراض تماماً. وهكذا الحالُ فيمَنْ اتخذوا من دون الله آلهة وارتاحوا إلى إله لا تكليفَ له ولا مشقةَ في عبادته، إله يتركهم يعبدونه كما يحلو لهم، إنهم أخذوا عطاء الربوبية فتمتّعوا بنعمة الله، وتركوا عطاء الألوهية فلم يعبدوه سبحانه وتعالى. ولما كان الإنسان متديناً بطبعه فقد اختار هؤلاء ديناً على وَفْق أهوائهم وشهواتهم، واتخذوا آلهة لا أمرَ لها ولا تكليفَ. ومن ذلك ما نراه من كثير من المثقفين الذين يأخذون دين الله على هواهم، ويطيعون أعداء الله في قضايا بعيدة كل البُعْد عن دين الله، وهم أصحاب ثقافة وعقول ناضجة، ومع ذلك يُقنعون أنفسهم أنهم على دين وأنهم على الحق. ثم يقول تعالى: {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81] العز: هو الغَلَبة والامتناع من الغير، بحيث لا ينال أحد منه شيئاً، يقولون: فلان عزيز أي: لا يُغلب. ولنا أن نسأل: ما العزة في عبادة هذه الآلهة؟ وما الذي سيعود عليكم من عبادتها؟ لذلك يردُّ عليهم الحق تبارك وتعالى: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ ...}.