١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي سلطناهم عليهم بالإغواء، وذلك حين قال لإبليس: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}تفسير : [الإسراء: 64]. وقيل: «أرسلنا» أي خلينا؛ يقال: أرسلت البعير أي خليته، أي خلينا الشياطين وإياهم ولم نعصمهم من القبول منهم. الزجاج: قَيَّضنا. {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} قال ابن عباس: تزعجهم إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية. وعنه: تغريهم إغراء بالشر: امض امض في هذا الأمر، حتى توقعهم في النار. حكى الأول الثعلبي، والثاني الماوردي، والمعنى واحد. الضحاك: تغويهم إغواء. مجاهد: تشليهم إشلاء، وأصله الحركة والغَلَيان، ومنه الخبر المرويّ «حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قام إلى الصلاة ولجوفه أزيز كأزيز المِرْجل من البكاء»»تفسير : . وائتزت القِدر ائتزازاً اشتد غليانها. والأَزُّ التّهييج والإغراء، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} أي تغريهم على المعاصي. والأز الاختلاط. وقد أززت الشيء أؤزّه أزًّا أي ضممتُ بعضه إلى بعض. قاله الجوهري. قوله تعالى: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} أي تطلب العذاب لهم. {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} قال الكلبي: آجالهم؛ يعني الأيام والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء أجل العذاب. وقال الضحاك: الأنفاس. ابن عباس: أي نعدّ أنفاسهم في الدنيا كما نعدّ سنيهم. وقيل: الخطوات. وقيل: اللذات. وقيل: اللحظات. وقيل: الساعات. وقال قطرب: تعدّ أعمالهم عدًّا. وقيل: لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثماً. روي: أن المأمون قرأ هذه السورة، فمرّ بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء، فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. وقيل في هذا المعنى:شعر : حياتُك أنفاسٌ تُعدّ فكلّما مَضَى نَفَسٌ منك انتقصت به جُزْءَا يميتك ما يحييك في كل ليلة ويَحدُوك حَادٍ ما يُريد به الهُزءا تفسير : ويقال: إن أنفاس ابن آدم بين اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس: اثنا عشر ألف نفس في اليوم، واثنا عشر ألفاً في الليلة ـ والله أعلم ـ فهي تعد وتحصى إحصاء، ولها عدد معلوم، وليس لها مدد، فما أسرع ما تنفد. قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} في الكلام حذف، أي إلى جنة الرحمن، ودار كرامته. كقوله: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99] وكما في الخبر: «حديث : من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»تفسير : . والوفد اسم للوافدين، كما يقال: صَوْم وفَطْر وزَوْر؛ فهو جمع الوافد، مثل رَكْب وراكب وصَحْب وصاحب، وهو من وفد يفد وَفْداً ووفوداً ووفِادة، إذا خرج إلى ملك في فتح أو أمر خطير. الجوهري: يقال وفد فلان على الأمير، أي ورد رسولاً فهو وافد، والجمع وفد مثل صاحب وصَحْب، وجمع الوفد وِفاد ووفود، والاسم الوِفادة وأوفدته أنا إلى الأمير، أي أرسلته. وفي التفسير: «وفداً» أي ركباناً على نجائب طاعتهم. وهذا لأن الوافد في الغالب يكون راكباً، والوفد الركبان ووحد؛ لأنه مصدر. ابن جريج: وفدا على النجائب. وقال عمرو بن قيس الْمُلاَئي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا ـ إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك. فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم، وتلا {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا ـ إلا أن الله قد قبح صورتك وأنتن ريحك. فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا أنا عملك السّييء طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك. وتلا {أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 31]. ولا يصح من قِبل إسناده. قاله ابن العربي في «سراج المريدين». وذكر هذا الخبر في تفسيره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، عن ابن عباس بلفظه ومعناه. وقال أيضاً عن ابن عباس: من كان يحب ركوب الخيل وفد إلى الله تعالى على خيل لا تَرُوث ولا تَبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر، ومن الدر الأبيض، وسروجها من السندس والاستبرق، ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نجائب لا تَبْعَر ولا تبول، أزمتها من الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من زبرجد وياقوت، قد أمنوا الغرق، وأمنوا الأهوال. وقال أيضاً عن علي رضي الله عنه: ولما نزلت الآية قال علي رضي الله عنه: يا رسول اللهٰ إني قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أر وفداً إلا ركباناً فما وفد الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إنهم لا يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقاً ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم ينظر الخلائق إلى مثلها رحالها الذهب وزمامها الزبرجد فيركبونها حتى يقرعوا باب الجنة»تفسير : . ولفظ الثعلبي في هذا الخبر عن عليّ أبين. وقال عليّ لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله! إني رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفداً إلا ركباناً. قال: «حديث : يا عليّ إذا كان المنصرَف من بين يدي الله تعالى تلقت الملائكة المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزمتها الذهب على كل مركب حلة لا تساويها الدنيا فيلبس كل مؤمن حلة ثم تسير بهم مراكبهم فتهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} ».تفسير : قلت: وهذا الخبر ينص على أنهم لا يركبون ولا يلبسون إلا من الموقف، وأما إذا خرجوا من القبور فمشاةً حُفاةً عُراة غُرلاً إلى الموقف؛ بدليل حديث ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «حديث : يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله ـ تعالى ـ حُفَاةً عُرَاة غُرْلاً» تفسير : الحديث. خرجه البخاري ومسلم، وسيأتي بكماله في سورة «المؤمنون» إن شاء الله تعالى. وتقدّم في «آل عمران» من حديث عبد الله بن أنيس بمعناه والحمد لله تعالى. ولا يبعد أن تحصل الحالتان للسعداء، فيكون حديث ابن عباس مخصوصاً؛ والله أعلم. وقال أبو هريرة: «وفداً» على الإبل. ابن عباس: ركباناً يؤتون بنوق من الجنة؛ عليها رحائل من الذهب وسروجها وأزمتها من الزبرجد فيحشرون عليها. وقال عليّ: ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رحالها من ذهب، ونجب سروجها يواقيت، إن هَمُّوا بها سارت وإن حركوها طارت. وقيل: يفدون على ما يحبون من إبل أو خيل أو سفن، على ما تقدّم عن ابن عباس. والله أعلم. وقيل: إنما قال «وفداً» لأن من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبِشارات، وينتظرون الجوائز، فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب. {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} السوق الحثّ على السير. و«وِردا» عِطاشا؛ قاله ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما والحسن. والأخفش والفراء وابن الأعرابي: حفاة مشاة. وقيل: أفراداً. وقال الأزهري: أي مشاة عِطاشا، كالإبل ترد الماء؛ فيقال: جاء وِرد بني فلان. القشيري: وقوله: «وِرداً» يدل على العطش؛ لأن الماء إنما يورد في الغالب للعطش. وفي «التفسير»: مشاة عِطاشاً تتقطع أعناقهم من العطش، وإذا كان سوق المجرمين إلى النار فحشر المتقين إلى الجنة. وقيل: «وِردا» أي الورود؛ كقولك: جئتك إكراماً لك أي لإكرامك، أي نسوقهم لورود النار. قلت: ولا تناقض بين هذه الأقوال، فيساقون عِطاشاً حفاة مشاة أفراداً. قال ابن عرفة: الوِرد القوم يردون الماء، فسمي العطاش ورداً لطلبهم ورود الماء؛ كما تقول: قوم صَوْم أي صيام، وقوم زَوْر أي زوّار، فهو اسم على لفظ المصدر، واحدهم وارد. والوِرد أيضاً الجماعة التي ترد الماء من طير وإبل. والورد الماء الذي يوردُ. وهذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء. والورد الجزء (من القرآن) يقال: قرأت وِردي. والوِرد يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت. فظاهره لفظ مشترك. وقال الشاعر يصف قَلِيبا:شعر : يَطْمو إذا الوِرْدُ عليه الْتَكَّا تفسير : أي الورّاد الذين يريدون الماء. قوله تعالى: {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ} أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} وهم المسلمون فيملكون الشفاعة، فهو استثناء الشيء من غير جنسه؛ أي لكن «من اتخذ عِند الرحمنِ عهداً» يشفع؛ فـ«ـمن» في موضع نصب على هذا. وقيل: هو في موضع رفع على البدل من الواو في «يملكون»؛ أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} فإنه يملك؛ وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً. و«المجرمين» في قوله: {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } يعم الكفرة والعصاة، ثم أخبر أنهم لا يملكون الشفاعة إلا العصاة المؤمنون، فإنهم يملكونها بأن يشفع فيهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني فيمن قال لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله فيقول: يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي» تفسير : خرجه مسلم بمعناه، وقد تقدّم. وتظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيُشفَّعون؛ وعلى القول الأول يكون الكلام متصلاً بقوله: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } فلا تقبل غداً شفاعة عبدة الأصنام لأحد، ولا شفاعة الأصنام لأحد، ولا يملكون شفاعة أحد لهم؛ أي لا تنفعهم شفاعة؛ كما قال: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ } تفسير : [المدثر: 48]. وقيل: أي نحشر المتقين والمجرمين ولا يملك أحد شفاعة {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} أي إذا أذن له الله في الشفاعة. كما قال: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255]. وهذ العهد هو الذي قال «أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً» وهو لفظ جامع للإيمان وجميع الأعمال الصالحة التي يصل بها صاحبها إلى حيز من يشفع. وقال ابن عباس: العهد لا إلٰه إلا الله. وقال مقاتل وابن عباس أيضاً: لا يشفع إلا من شهد أن لا إلٰه إلا الله، وتبرأ من الحول والقوَّة لله، ولا يرجو إلا الله تعالى. وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: «حديث : أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً» قيل: يا رسول الله وما ذاك؟ قال: «يقول عند كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني أشهد أن لا إلٰه إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك (فلا تكلني إلى نفسي) فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقرِّبني من الشر وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعاً ووضعها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد فيقوم فيدخل الجنة
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} بأن سلطناهم عليهم أو قيضنا لهم قرناء. {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} تهزهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات، والمراد تعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقاويل الكفرة وتماديهم في الغي وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآيات المتقدمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ } سلطانهم {عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ } تهيجهم إلى المعاصي {أَزّاً }.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَؤُزُّهُمْ} تزعجهم إلى المعاصي، أو تغويهم أو تغريهم بالشر.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا} الآية. لمَّا ذكر حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة ذكر بعده حالهم مع الشياطين في الدنيا، وأنهم يتولونهم وينقادون لهم، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّٰاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} احتج أهل السنة بهذه الآية على أنَّ الله - تعالى - سلَّطهم عليهم لإرادة أن يستولوا عليهم، ويتأكد هذا بقوله "تؤزُّهُم أزًّا" فإن معناه لتؤزُّهُمْ أزاً، ويتأكد بقوله: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ} تفسير : [الإسراء: 64]. قال القاضي: حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار كما أرسل الأنبياء، بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم، ولا يجوز في تلك الرسالة إلا ما أرسل عليه الشياطين من الإغواء، فكان يجب في الكفار أن يكونوا بقبولهم من الشياطين مطيعين، وذلك كفر من قائله، ولأن من العجب تعلق المجبرة بذلك، لأن عندهم أن ضلالهم من قبله - تعالى - خلق فيهم الكفر وقدر الكفر، فلا تأثير لما لا يكون من الشياطين. وإذا بطل حمل اللفظ على ظاهره فلا بد من التأويل، فنحمله على أنه - تعالى - خلَّى بين الشياطين وبين الكفار، وما منعهم من إغوائهم، وهذه التخلية تسمى إرسالاً في سعة اللغة، كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال: أرسل كلبه علينا، وإن لم يرد أذى الناس. وهذه التخلية وإن لم يكن فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون بأن لا يقبلوا منهم، ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُم}تفسير : [إبراهيم:22]. قال ابن الخطيب: وهذا لا يمكن حمله على ظاهره، فإنَّ قوله: الشياطين لو أرسلهم الله - تعالى - إلى الكفار "لكان الكفار مطيعين له بقبول قول الشياطين. قلنا: الله - تعالى - ما أرسل الشياطين إلى الكفار" بل أرسلهم عليهم، والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير مستولياً عليه، فأين هذا من الإرسال إليهم. وقوله: ضلال الكافر من قبل الله - تعالى -، فأي تأثير للشياطين فيه. قلنا: لِمَ لا يجوز أن سماع الشياطين إياه تلك الوسوسة يوجب في قلبه الضلال بشرط سلامة فهم السامع، لأن كلام الشياطين "من خلق الله - تعالى - فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسباً إلى الشيطان، وإلى الله - تعالى - من هذين الوجهين. وقوله: لِمَ لا يجوز أن يكون بالإرسال التخلية. قلنا: كما خلَّى بين الشياطين والكفرة" فقد خلَّى بينهم وبين الأنبياء، ثم إنه - تعالى - خص الكافر بأنه أرسل الشياطين عليه، فلا بد من فائدة زائدة ههنا. ولأن قوله "تؤزُّهُمْ أزًّا" أي: تحركهم تحريكاً شديداً، فالغرض من ذلك الإرسال موجب أن يكون ذلك الأزُّ مراداً لله - تعالى - إذ يحصل المقصود منه. قوله: "أزًّا" مصدر مؤكد. والأزُّ، والأزيزُ، والاستفزاز. قال الزمخشري: أخوات وهو التهيج وشدة الإزعاج، أي: تغريهم على المعاصي، وتهيجهم لها بالوساوس. قال ابن عباس: "تَؤزُّهُمْ أزًّا" أي: تزعجهم في المعاصي إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية. والأزُّ أيضاً: شدة الصوت، ومنه: أزَّ المِرْجَلُ أزًّا وأزيزاً، أي: غلا واشتد غليانه حتى سمع له صوت، وفي الحديث "فكَانَ له أزيزٌ" أي للجذع حين فارقه النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} أي: لا تعجل بطلب عقوبتهم، يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجلت منه "إنِّا نعدُّ لهُمْ عدًّا". قال الكلبي: يعنى الليالي والأيام والشهور والأعوام. وقيل: الأنفاس التي يتنفّسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجِّل لعذابهم. وقيل: نَعُدُّ أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها. وقيل: نَعُدُّ الأوقات، أي: الوقت الأجل المعين "لكل أحد" الذي لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان. قوله: "يَوْم نَحْشُرُ" منصوب بـ "سَيَكْفُرونَ"، أو بـ "يَكونُونَ "عليْهِمْ ضدًّا" أو بـ "نَعُد" " لأن "نَعُدُّ" تضمن معنى المجازاة، أو بقوله: "لا يَمْلِكُونَ" الذي بعده، أو بمضمر وهو "اذكُرْ" أو "احْذَرْ". وقيل: هو معمول لجواب سؤال مقدر كأنه قيل: "متى يكون ذلك؟ فقيل": يكون يوم نحشر. وقيل: تقديره: يوم نحشر ونسوق: نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. قوله: "وفداً" نصب على الحال، وكذا "ورْداً". والوَفْدُ: الجماعة الوافدون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ وَفْداً ووفوداً ووفَادَةً، أي: قدم على سبيل التكرمة، فهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الأشخاص كالضيف. وقال أبو البقاء: وفد جمع وافد مثل راكب ورَكْب، وصاحب وصَحْب. وهذا الذي قاله ليس مذهب سيبويه، لأن فاعلاً لا يجمع على فعل عند سيبويه. وأجازه الأخفش. فأمَّا رَكْب وصَحْب فاسما جمع لا جمع بدليل تصغيرها على ألفاظها، قال: شعر : 3625- أخْْشَى رجَيْلاً وَرُكَيْباً عَادِيَا تفسير : فإن قيل: لعل أبا البقاء أراد الجمع اللغوي. فالجواب: أنه قال بعد قوله هذا: والوِرْد اسم لجمع وارد. فدل على أنه قصد الجمع صناعة المقابل لاسم الجمع. والوِرْد اسم للجماعة العطاش الواردين للماء، وهو أيضاً في الأصل مصدر أطلق على الأشخاص، يقال: وَرَد الماء يردُه وِرْداً وورُوداً، قال الشاعر: شعر : 3626- رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطَاةٍ صَمَّا كَدريَّةٍ أعْجَبْهَا بَرْدُ الْمَا تفسير : وقال أبو البقاء: هو اسم لجمع وارد، "وقيل: هو بمعنى وارد" وقيل: هو محذوف من وراد، وهو بعيد. يعني أنه يجوز أن يكون صفة على فَعْل. وقرأ الحسن والجحدري "يُحْشَرُ المتَّقُونَ" "ويُسَاقُُ المُجْرِمُون" على ما لم يسم فاعله. فصل قال المفسرون: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى الرحمن إلى جنته وفْداً، أي جماعات، جمع وافد مثل راكب ورَكْب وصاحب وصَحْب. وقال ابن عباس: رُكْبَاناً: وقال أبو هريرة: على الإبل. وقال علي بن أبي طالب - "رضي الله عنه" -: ما يُحْشَرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رجالها الذهب، ونجائب سروجها ياقوت إن هموا بها سارت وإنْ همُّوا طارت. {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} أي: مُشاة، وقيل: عطاشاً قد تقطعت أعناقهم من العطش. وقوله "ونَسُوقُ المجرمينَ" يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم عطاش تساق إلى الماء، والوِرْدُ للعطاش وحقيقة الوِرْد الميسرُ إلى الماء، فسمي به "الواردون". فصل طعن الملاحدة في قوله: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ} فقالوا: هذا إنما يستقيم أن لو كان الحشر عند غير الرحمن، أما إذا كان الحشر عند الرحمن، فهذا الكلام لا ينتظم. وأجاب المسلمون: بأنَّ التقدير: يوم نحشُر المتَّقين إلى محلِّ كرامةِ الرحمن. قوله: "لا يَمْلِكُونَ" في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. والثاني: أنَّها في محل نصب على الحال مما تقدم. وفي هذه الواو قولان: أحدهما: أنها علامة للجمع ليست ضميراً ألبتة، وإنما هي علامة، كهي في لغة أكلُوني البراغيثُ والفاعل "من اتَّخَذَ" لأنه في معنى الجمع قاله الزمخشري وفيه بعدٌ، وكأنه قيل: لا يملكُون الشفاعةَ إلاَّ المتَّخِذُون عَهْداً. قال أبو حيَّان: ولا ينبغي حملُ القرآن على هذه اللغة القليلة، مع وضوح جعل الواو ضميراً. وقد قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: إنَّها لغةٌ ضعيفة. قال شهابُ الدين: قد قالوا ذلك في قوله: {أية : عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 71] {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [الأنبياء: 3] فلهذا الموضع بهما أسوة. ثم قال أبو حيان: وأيضاً فالألف، والواو، والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلا بصريح الجمع، وصريح التثنية، "أو العطف"، أما أن يأتي بلفظ مفرد ويطلق على جمع أو مثنى، فيحتاج في إثبات مثل ذلك إلى نقل، وأما عودُ الضمائر مثناة أو مجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب، على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر ولكن الأحوط أن لا يقال إلا بسماع. والثاني: أن الواو ضميرٌ، وفيما يعود عليه حينئذ أربعة أوجه: أحدها: أنها تعود على الخلق جميعهم، لدلالة ذكر الفريقين المتقين والمجرمين عليهم، إذ هما قسماه. والثاني: أنه يعود على المتقين والمجرمين، وهذا لا يظهر مخالفته للأول أصلاً. لأن هذين القسمين الخلقُ كلُّه. والثالث: أنَّه يعود على المتقين فقط، أو المجرمين فقط، وهو تحكُّم. قوله: {إلاَّ من اتَّخَذَ} هذا الاستثناء يترتب على عود الواو على ماذا؟ فإن قيل بأنها تعود على الخلق، أو على الفريقين المذكورين "أو على المتقين فقط". فالاستثناء حينئذ متصل، وفي محل المستثنى الوجهان المشهوران إما الرفع على البدل، وإما النصب على أصل الاستثناء. وإن قيل: إنه يعود على المجرمين فقط كان استثناء منقطعاً، وفيه حينئذ اللغتان المشهورتان: لغةُ الحجاز التزام النصب، ولغةُ تميم جوازه مع جواز البدل "كالمتصل". وجعل الزمخشري هذا الاستثناء من الشفاعة على وجهي البدل وأصل الاستثناء نحو: ما رأيت أحداً إلا زَيْداً. وقال بعضهم: إن المستثنى منه محذوف، والتقدير: لا يملكون الشفاعة لأحدٍ إلاَّ اتَّخذ عن الرحمن عهداً، فحذف المسثنى "منه للعلم" به، فهو كقول الآخر: شعر : 3627- نَجَا سَالِمٌ والنَّفْسُ مِنْهُ بِشدقهِ ولَمْ يَنْجُ إلاَّ جَفْنَ سَيْفٍ ومِئزَرا تفسير : أي: ولَمْ يَنْجُ بشَيْءٍ. وجعل ابنُ عطية الاستثناء متصلاً، وإن عاد الضمير في "لا يَمْلِكُونَ" على المجرمين فقط على أن يراد بالمجرمين الكفرة والعصاة من المسلمين. قال أبو حيان: وحمل المجرمين على الكفار والعصاة بعيد. قال شهاب الدين: ولا بعد فيه، وكما استبعد إطلاق المجرمين على العصاة كذلك يستبعد غيره إطلاق المتقين على العصاة، بل إطلاق المجرم على العاصي أشهر من إطلاق المتقي عليه. فصل قال بعضهم: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون. وقال آخرون: لا يملك غيرهم أن يشفع لهم. وهذا أولى، لأن الأول يجري مجرى إيضاح الواضح. وإذا ثبت ذلك دلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر. لأنه قال عقيبه {إلاَّ من اتَّخذَ عندَ الرَّحمن عَهْداً}، والتقدير: لا يشفع الشافعون إلا لمن اتَّخذَ عند الرَّحمن عهداً، يعني للمؤمنين، كقوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً، وهو التوحيد، فوجب دخوله تحته، ويؤكده ما روى ابن مسعود أنه - عليه السلام - حديث : قال لأصحابه يوماً: "أيَعْجَزُ أحدكُمْ أن يتَّخذ عندَ كُلِّ صباح ومساء "عند الرَّحمن عهداً" قالوا: وكيف ذلك؟ قال: "يقُولُ عِنْدَ كُلِّ صباحٍ ومساء": اللَّهُمَّ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ عالمِ الغَيْبِ والشَّهادة إنِّي أعْهَدُ إليكَ بأنِّي أشْهَدُ أنَّ لا إله إلاَّ أنْتَ وحْدَكَ لا شرِيكَ لَكَ، وأنَّ مُحَمَّداً عبدُكَ ورسُولُكَ، فإنَّك إنْ تكلني إلى نفسِي تُقرِّبْنِي من الشَّر، وتُباعدني من الخَيْر، وإنِّي لا أثقُ إلاَّ برحْمتكَ، فاجْعَلْ لي عهداً تُوفنيه يَوْمَ القيامة إنَّك لا تُخْلِفُ الميعَاد. فإذا قال ذلِكَ طُبعَ عليه بطابعٍ وَوُضع تحت العرش، فإذا كان يومُ القيامةِ نادَى مُنَادٍ: أيْنَ الذين لهُم عِندَ الرَّحمن عهد؟ فيَدْخُلونَ الجنَّة" . تفسير : فظهر أن المراد من العهد كلمة الشهادة، وظهر وجه الدلالة على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر. قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} تقدم خلافُ القراء في قوله "ولداً" بفتح اللام وسكونها، وأنهما لغتان مثل العَرَب والعُرْب والعَجَم والعُجْم. واعلم أنَّه لمَّا ردَّ على عبدة الأوثان عاد إلى الردِّ على من أثبت له ولداً. فقالت اليهود: عزيزٌ ابنُ الله، وقالت النصارى: المسيحُ ابن الله، وقالت العرب: الملائكةُ بناتُ الله. وههنا الرد على الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وهم العرب الذين يعبدون الأوثان، لأن الرد على النصارى تقدم أول السورة. قوله: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً}. العامة على كسر الهمزة من "إدَّا"، وهو الأمر العظيم المنكر المتعجب منه. قاله ابن عباس. "وقال مجاهد: عظيماً" وقرأ أمير المؤمنين والسلمي بفتحها. وخرَّجُوه على حذف مضاف، أي شيئاً ذا أَدّ "لأنَّ الأدَّ - بالفتح - يقال: أدَّ الأمر وأدَّني يؤدُّنِي أدًّا. أي: أثقلني. وكان أبو حيان ذكر: أنَّ الأدَّ والإدّ - بفتح الهمزة وكسرها - هو العجب، وقيل:". هو العظيم المنكر، والإدَّة: الشدَّة. وعلى قوله: إنَّ الأدّ والإدّ بمعنى واحد ينبغي أن لا يحتاج إلى حذف مضاف "إلا أن يريد أنَّه أراد بكونهما بمعنى العجب في المعنى لا في المصدرية وعدمها، والإدَد في كلام العرب الدواهي. قوله: "تَكَادُ". قرأ نافع والكسائي بالياء من تحت. والباقون بالتاء من فوق وهما واضحتان، إذ التأنيث مجازي. وكذا في سورة الشورى. وقرأ أبو عمرو: وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة "يَنْفَطرن" مضارع انفطرَ، لقوله تعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الانفطار:1] والباقون: "يتَفَطّرْن" "مضارع تفطَّر" بالتشديد في هذه السورة، وأما التي في الشورى فقرأها حمزة وابن عامر بالياء والتاء وتشديد الطاء. والباقون على أصولهم في هذه السورة. فتلخص من ذلك أن أبا بكر وأبا عمرو يقرآن بالياء والنون في السورتين. وأن نافعاً وابن كثير والكسائي وحفصاً عن عاصم يقرءون بالياء والتاء وتشديد الطاء فيهما، وأن حمزة وابن عامر في هذه السورة بالياء والنون، وفي الشورى بالياء والتاء وتشديد الطاء" فالانفطار من فطرهُ إذا شقه، "والتفطُّر من فطَّره إذا شقَّقهُ"، وكرر فيه الفعل. قال أبو البقاء: وهو هنا أشبه بالمعنى، أي: التشديد. و "يَتَفَطَّرْنَ" في محل نصب "خبراً لـ "كَانَ" " وزعم الأخفش أنها هنا بمعنى الإرادة، وأنشد: شعر : 3628- كَادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرَادةٍ لَوْ عَادَ مِنْ زمنٍ الصَّبابةِ مَا مَضَى تفسير : فصل يقال: انفطر الشيء وتفطَّر أي تشقَّق. وقرأ ابن مسعود "يتَصدَّعْنَ". و "تَنْشَقُّ الأرْضُ" أي تخسفُ بهم، والانفطار في السماء، أي: تسقط عليهم. {وتخُرُّ الجِبَالُ هدّاً} أي: تُهَدَّ هَداً، بمعنى: تنطبق عليهم. فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ فالجوابُ من وجوه: "الأول: أنَّ الله - تعالى - يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود" هذه الكلمة غضباً منِّي على من تفوَّه بها، لولا حلمي، وإني لا أعجِّل بالعقوبة، كقوله - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} تفسير : [فاطر: 41]. الثاني: أن يكون استعظاماً للكلمة، وتهويلاً من فظاعتها، وهدمها لأركان الدين وقواعده. الثالث: أنَّ السمواتِ والأرضِ والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول، وهذا تأويل أبي مسلم. الرابع: أنَّ السموات والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب، فلما تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت العيوب فيها. قوله: "هدًّا" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه مصدر وفي مضع الحال، أي: مهدودة، وذلك على أن يكون هذا المصدر من هدَّ زيدٌ الحائط يهدُّه هدًّا، أي: "هدمهُ". والثاني: وهو قول أبي جعفر: أنه مصدر على غير المصدر لما كان في معناه، لأن الخرور: السقوطُ والهدمُ، وهذا على أن يكون من هدَّ الحائطُ يَهِدُّ - بالكسر - انهدم، فيكون لازماً. الثالث: أن يكون مفعولاً من أجله، قال الزمخشري: أي: لأنها تهد. قوله: "أنْ دَعَواْ" في محله خمسة أوجه: أحدها: أنه في محل نصب على المفعول من أجله، قاله أبو البقاء، والحوفي، ولم يُبيِّنَا ما العامل فيه، ويجوز أن يكون العامل "تَكَادُ"، أو "تَخُرُّ"، أو "هَدًّا"، أي: تَهُدُّ لأن دعوا، ولكن شرطُ النصب هنا مفقود، وهو اتحاد "الفاعل في المفعول له والعامل فيه، فإن عنيا على أنه على إسقاط اللام مطرد في "أنْ" فقريب". وقال الزمخشري: وأن يكون منصوباً بتقدير سقوط اللام "وإفضاء الفعل، أي هدًّا لأن دعوا"، علل الخرور بالهدِّ، والهدُّ بدعاء الولد للرحمن. فهذا تصريح منه على أنه بإسقاط الخافض. "وليس مفعولاً له صريحاً. الوجه الثاني: أن يكون مجروراً بعد إسقاط الخافض" كما هو مذهب الخليل والكسائي. والثالث: أنه بدل من الضمير في "مِنْهُ" كقوله: شعر : 3629- عَلَى حَالةٍ لوْ أنَّ في القَوْمِ حَاتِماً عَلى جُودهِ لضن بالمَاءِ حاتمِ تفسير : بجر "حاتم" الأخير بدلاً من الهاء في "جوده". قال أبو حيان: وهو بعيد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه بجملتين. الوجه الرابع: أن يكون مرفوعاً بـ "هَدًّا". قال الزمخشري: أي هدَّهَا دعاءُ الولدِ للرحمن. قال أبو حيان: وفيه بعدٌ، لأن الظاهر في "هَدًّا" أن يكون مصدراً توكيدياً، والمصدر التوكيدي لا يعمل، ولو فرضناه غير توكيدي لم يعمل بقياس إلا إذا كان أمراً، أو مستفهماً عنه نحو ضرباً زيداً، وأضربا زيداً؟ على خلاف فيه، وأما إن كان خبراً كما قدَّره الزمخشري، أي: هدَّها دعاء الولد للرحمن. فلا ينقاس، بل ما جاء من ذلك هو نادر كقول امرىء القيس: شعر : 3630- وقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيُّهُمْ يقُولُونَ لا تَهْلَكْ أسًى وتجمَّلِ تفسير : أي: وقَفَ صَحْبِي. الخامس: أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: الموجب لذلك دعاؤهم. كذا قدره أبو البقاء. و "دَعَا" يجوز أن يكون بمعنى سمَّى، فيتعدى لاثنين، ويجوز جر ثانيهما بالباء، قال الشاعر: شعر : 3631- دَعَتْنِي أخَاهَا أمُّ عَمْرٍو ولمْ أكُنْ أخَاهَا ولَمْ أرْضَعْ لهَا بِلبَانِ دَعَتْنِي أخَاهَا "بَعْدمَا كَانَ بَيْنَنَا مِنَ الفِعْلِ ما لا يفعلُ الأخوانِ" تفسير : وقول الآخر: شعر : 3632- ألا رُبَّ مَنْ يُدْعَى نَصِيحاً وإن تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍِ مِنْكَ غَيْرَ نَصِيحِ تفسير : وأولهما في الآية محذوف، قال الزمخشري: طلباً للعموم والإحاطة بكل ما يدعى له ولد، ويجوز أن يكون من "دَعَا" بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله - عليه السلام -: "حديث : مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ موالِيهِ"تفسير : ، وقول الشاعر: شعر : 3633- إنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لأب عَنْهُ ولا هُوَ بالأبْنَاءِ يَشْرِينَا تفسير : أي: لا ننتَسِبُ إليه. "يَنْبَغي" مضارع انْبَغَى، وانْبَغَى مطاوعٌ لبغى، أي: طلب، و "أنْ يتَّخِذَ" فاعله. وقد عد ابن مالك "يَنْبَغِي" في الأفعال التي لا تتصرف. وهو مردودٌ عليه، لأنه قد سُمِع فيه الماضي قالوا: انْبَغَى. وكرَّر لفظ "الرَّحْمَنِ" تنبيهاً على أنه - تعالى - هو الرحمنُ وحدهُ، لأن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه. فصل قال ابن عباس وكعب: فَزِعَت السَّمواتُ والأرضُ والجبالُ وجميعُ الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكةُ، واستعرت جهنم حين قالوا: لله ولدٌ، ثم نفى الله - تعالى - عن نفسه فقال: {وما يَنْبَغِي للرَّحمنِ أن يتَّخذَ ولداً} أي: ما يليق به "اتِّخَاذُ الولد"، لأنة ذلك محال؛ أما الولادة المعروفة فلا مقالة في امتناعها، وأما التبني، فلأن الولد لا بد وأن يكون شبيهاً بالوالد، ولا شبيه لله - تعالى -، ولأن اتخاذ الولد إنَّما يكون لأغراض إما لسرور، أو استعانةٍ، أو ذكرٍ جميلٍ، وكلُّ ذلك لا يصح في الله - تعالى -. قوله: {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. يجوز في "مَنْ" أن تكون نكرة موصوفة، وصفتها الجار بعدها، ولم يذكر أبو البقاء غير ذلك، وكذا الزمخشري إلا أن ظاهر عبارته تقتضي أنه لا يجوز غير ذلك، فإنه قال: "مَنْ" موصوفة فإنها وقعت بعد "كُل" "نكرة أشبهت وقوعها بعد "رُبَّ" في قوله: شعر : 3634- ربَّ مَنْ أنْضَجَتْ غَيْظاً صَدْرَهُ تفسير : انتهى". ويجوز أن تكون موصولة. قال أبو حيان: ما كُل الذي في السموات، و "كلُّ" تدخل على الذي، لأنها تأتي للجنس كقوله - تعالى -: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} تفسير : [الزمر: 33] ونحوه: شعر : 3635- "وكُلُّ الذي" حَمَّلْتَنِي أتحَمَّلُ تفسير : يعني أنه لا بد "من تأويل" الموصول بالعموم حتى تصح إضافة "كُل" إليه، ومتى أريد به معهود بعينه لشخص استحال إضافة "كُلّ" إليه. و "آتِ الرَّحْمَنِ" خبر "كل" جعل مفرداً حملاً على لفظها، ولو جمع لجاز، وقد تقدم أول الكتاب: أنها متى أضيفت لمعرفة جاز الوجهان. وقد تكلم السهيلي في ذلك فقال: "كُلُّ" إذا ابتدئت وكانت مضافة لفظاً يعني لمعرفة فلا يحسن إلا إفراد الخبر حملاً على المعنى، تقول: كُلكم ذاهب، أي: كل واحد منكم ذاهب، هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح. فإن قلت في قوله: {وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ}: إنما هو حمل على اللفظ، لأنه اسم مفرد. قلنا: بل هو اسم للجمع، واسم الجمع لا يخبر عنه بإفراد، تقول: القوم ذاهبُون، ولا تقول: ذاهب، وإن كان لفظ "القَوْم" لفظ المفرد، وإنما حسن "كُلكُم ذاهِبٌ" لأنهم يقولون: كل واحد منكم ذاهب، فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى. قال أبو حيان: ويحتاج "كُلكُمْ ذاهِبُون" ونحوه إلى سماع ونقل عن العرب. قال شهاب الدين: وتسمية الإفراد حملاً على المعنى غير الاصطلاح بل ذلك حمل على اللفظ والجمع هو الحمل على المعنى. وقال أبو البقاء: ووحد "آتِي" حملاً على لفظ "كُل"، وقد جمع في موضع آخر حملاً على معناها. قال شهاب الدين: قوله: في موضع آخر. إن عنى في القرآن فلم يأت الجمع إلا و "كُل" مقطوعة عن الإضافة نحو {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 33] {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} تفسير : [النمل: 87]، وإن عنى في غيره فيحتاج إلى سماع عن العرب كما تقدم. والجمهور على إضافة "آتي" إلى "الرَّحْمَن". وقرأ عبد الله بن الزبير وأبو حيوة وطلحة وجماعة بتنوينه ونصب "الرَّحْمَن" وانتصب "عَبْداً" و "فَرْداً" على الحال. فصل المعنى: أن كل معبود من الملائكة في السموات وفي الأرض من الناس إلا يأتي الرحمن يلتجىء إلى ربوبيته عبداً منقاداً مطيعاً ذليلاً خاضعاً كما يفعل العبيد. ومنهم من حمله على يوم القيامة خاصة. والأول أولى، لأنه لا تخصيص فيه. {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً} أي: عدَّ أنفاسهم وأيامهم وآثارهم، فكلهم تحت تدبيره وقهره محيط بهم لا يخفى عليه شيء من أمورهم، {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ} أي: كل واحد منهم يأتيه {يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَرْداً} وحيداً ليس معه من الدنيا شيء "ويبرأ المشركون منهم". قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} إلى آخر السورة. لمَّا ردَّ على الكفرة، وشرح أقوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين. قوله: "وُدَّا" العامة على ضم الواو. وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتحها، وجناح بن حبيش بكسرها. فيحتمل أن يكون المفتوح مصدراً، والمكسور والمضموم اسمين. قال المفسرون: سَيجْعَلُ لهُم الرَّحمنُ محبةً، قال مجاهد: يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا أحبَّ اللهُ العبد قال لجبريل - عليه السلام -: "قَدْ أحببتُ فلاناً فأحِبَّه، فيُحبُّهُ جبريلُ، ثم ينادي في أهْلِ السَّماءِ: إنَّ الله - تعالى - قد أحبَّ فلاناً فأحبُّوه، فيحبه أهلُ السَّماء، ثُمَّ يوضعُ لهُ القبُولُ في الأرضِ، وإذا أبغضَ العبد" تفسير : قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك. والسِّين في "سَيَجْعلُ" إما لأن السورة مكية، وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة، فوعدهم الله ذلك إذا جاء الإسلام. والمعنى: سَيُحْدِثُ لهم في القلوب مودة. وإمَّا أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يظهر من حسناتهم. روي عن كعب قال: مكتوب في التوراة لا محبَّة في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله - تعالى - ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض. وتصديق ذلك في القرآن قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}. وقال أبو مسلم: معناه يهبُ لهم ما يحبون. والوُدُّ والمحبَّةُ سواء، يقال: آتيتُ فلاناً محبته، وجعلت له ودَّه، ومن كلامهم: يوَدُّ لو كان كذا، "ووددتُ أن لو كان كذا أي أحببتُ"، فالمعنى: سيعطيهم الرحمن ودَّهم، أي: محبوبهم في الجنة. والقول الأول أولى، لتفسير الرسول - عليه السلام -، ولأن حمل المحبة على المحبوب مجاز، "ولأن رسول الله قرأ هذه الآية وفسَّرها بذلك فكانت أولى". قال أبو مسلم: القول الثاني أولى لوجوه: أحدها: كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم التقي يبغضه الكفار، وقد يبغضه كثير من المسلمين. وثانيها: أنَّ مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر، فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين؟. وثالثها: أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أنَّ الله - تعالى - فعله، فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. وأجيب عن الأول: بأن المراد يجعل له محبة عند الملائكة والأنبياء. وعن الثاني: ما روي عنه - عليه السلام -: حديث : أنه حكى عن ربه - سبحانه وتعالى - أنه قال: "وإذا ذكرِني عَبْدي في نفسه ذكرتُهُ (في نَفْسِي، وإنْ ذَكرنِي) في ملأ ذكرتهُ في ملأ أطيب منهم وأفضل"تفسير : والكافر والفاسق ليسا كذلك. وعن الثالث: أنه محمول على فعل الألطاف، وخلق داعية إكرامه في قلوبهم. قوله: "بِلِسَانِكَ" يجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال، واللسان هنا اللغة، أي: أنزلناه كائناً بلسانِكَ. وقيل: هي بمعنى "على"، وهذا لا حاجة إليه، بل لا يظهر له معنى، "و "لُدَّا" جمع "ألَدَّ"، وهو الشديد الخصومة كالحُمْر جمع أحْمَرٍ. قال أهل اللغة: اللُّدُّ جمع الألَدّ، وهو المعوج في المناظرة الرواغ من الحق الميال عنه، وفي الحديث "حديث : إنَّ أبغضَ الرِّجال إلى الله الخَصْمُ الألَدُّ" تفسير : أي المعوج" قوله: "يَسَّرْنَاهُ" سهلناهُ يعني القرآن "بلسانِكَ" يا محمد "لِنُبشَّر به المُتَّقين" يعني المؤمنين، وهذا كلام مستأنف "بيَّن به عظيم" موقعِ هذه السورة لما فيها من ذكر التوحيد والنبوة والحشر، والرد على فرق المبطلين، فبين - تعالى - أنَّه يسَّر ذلك بلسانه، ليبشر وينذر، ولولا أنه - تعالى - نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسَّر ذلك على الرسول. وكما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من هو في مخالفة التقوى أبلغ، وهو الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه فقال: "ويُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا"، وهو جمع الألد، "وهو الشديد الخصومة. وقال مجاهد: هو الظالم الذي لا يستقيم. وقال أبو عبيدة الألد" الذي لا يقبل الحقَّ ويدَّعي الباطل. وقال الحسن: الألد الأصم عن الحق. ثم ختم السورة بموعظةٍ بليغة فقال: {وكمْ أهْلكْنَا قبلهُمْ مِنْ قرنٍ} لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا، وأنه لا بد فيها من الموت خافوا سوء العاقبة في الآخرة فكانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب، ثم أكد تعالى ذلك فقال: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ}. قرأ الناس بضم التاء وكسر الحاء من أحسَّ. وقرأ أبو حيوة، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة "نَحُسُّ" "بفتح التاء وضم الحاء" وقرأ بعضهم: "تَحِس" بالفتح والكسر، من حسَّه: أي شعر به، ومنه الحواس الخمس. و"مِنْهُم" حال من "أحَد"، إذ هو في الأصل صفة له. و "مِنْ أحَد" مفعول زيدت فيه "مِنْ. وقرأ حنظلة "تُسْمَعُ" بضم التاء وفتح الميم مبنياً للمفعول. و "رِكْزاً" مفعول على كلتا القراءتين، إلا أنه مفعول ثان في القراءة "الشاذة". والرَِّكْزُ: الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم، "ومنه ركز الرمح" أي غيب طرفه في الأرض وأخفاه، ومنه الرِّكاز، وهو المال المدفون لخفائه واستتاره، وأنشدوا: شعر : 3636- فَتَوجَّسَتْ رَكْزَ الأنيسِ فَراعهَا عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ، والأنيسُ سَقامُهَا تفسير : فصل قال المفسرون: "هَلْ تُحِسُّ" هل ترى، وقيل: هل تجد. {مِنْهُم مِنْ أحَدٍ}، لأنَّ الرسول - عليه السلام - إذا لم يحسّ منهم أحداً برؤية وإدراك ووجدان، ولا يسمع لهم ركزا، أي: صوتاً خفياً دلَّ ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية. قال الحسن: بادوا جميعاً، فلم يبق عين ولا أثر. روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر بعدد من صدق بزكريا، ويحيى، وعيسى، وموسى، وهارون، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولداً، وبعدد من لم يدع له ولداً ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً} قال: تغويهم إغواء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {تؤزهم} قال: تحرض المشركين على محمد وأصحابه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {تؤزهم أزاً} تشليهم أشلاء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {تؤزهم أزاً} قال: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً} قال: كقوله: {أية : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً} تفسير : [الزخرف: 36]. وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {تؤزهم أزاً} قال: توقدهم وقوداً. قال فيه الشاعر: شعر : حكيم أمين لا يبالي بخلبة إذا أزه الأقوام لم يترمرم تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إنما نعد لهم عداً} يقول: أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة، كسنهم وآجالهم. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله: {إنما نعد لهم عداً} قال: كل شيء حتى النفس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} قال: ركباناً. وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي هريرة {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} قال: على الإبل. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي سعيد رضي الله عنه {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} قال: على نجائب رواحلها من زمرد وياقوت، ومن أي لون شاء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} قال: إلى الجنة. وأخرج عبد بن حميد، عن الربيع {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} قال: يفدون إلى ربهم، فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون. وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن علي، حديث : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} قال: أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون من الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها: رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها، حتى يقرعوا باب الجنة . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد وفي زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} فقال: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يطرقوا باب الجنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، حديث : عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} قلت: يا رسول الله، هل الوفد إلا الركب؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مثل مد البصر، وينتهون إلى باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء، على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان، فإذا شربوا من إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فلو سمعت طنين الحلقة يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتستخفها العجلة، فتبعث قيمها فيفتح له الباب، فإذا رآه خر له ساجداً، فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت، حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي، وأنا حبك وأنا الراضية، فلا أسخط أبداً، وأنا الناعمة فلا أبأس أبداً، وأنا الخالدة فلا أموت أبداً، وأنا المقيمة فلا أظعن أبداً، فيدخل بيتاً من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر، وطرائق خضر، وطرائق صفر، ما منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً، عليها سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه، تجري من تحتهم الأنهار؛ أنهار مطردة {أنهار من ماء غير آسن} [محمد: 15] صاف ليس فيه كدور {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} [محمد: 15] ولم يخرج من ضروع الماشية. {وأنهار من خمر لذة للشاربين} [محمد: 15] لما يعصرها الرجال بأقدامها. {وأنهار من عسل مصفى} [محمد: 15] لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائماً، وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً، فيشتهي الطعام فيأتيه طير بيض أجنحتها فيأكل من جنوبها، أي لون شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: {سلام عليكم} [الزمر: 73] {تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الأعراف: 43] . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق مسلم بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري: أن علياً قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور تلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة، ينبع من أصلها عينان، فيشربون من احداهما، فيغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم، ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم، فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفحة، فيسمع لها طنين فيبلغ كل حوراء: أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خر له ساجداً فيقول: ارفع رأسك إنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد: {أنهار من ماء غير آسن} [محمد: 15] قال: صاف لا كدر فيه، {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} [محمد: 15] قال: لم يخرج من ضروع الماشية، {وأنهار من خمر لذة للشاربين} [محمد: 15] قال: لم تعصرها الرجال بأقدامها، {وأنهار من عسل مصفى} [محمد: 15] قال: لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائماً وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً. ثم تلا {ودانية عليهم ظلالها} [الإنسان:14] الآية. فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال: أخضر، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول: {سلام عليكم} {تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله: {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} قال: عطاشاً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} قال: ظماء إلى النار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد: {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} قال: متقطعة أعناقهم من العطش. وأخرج ابن المنذر، عن أبي هريرة: {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} قال: عطاشاً. وأخرج هناد، عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وتبرأ من الحول والقوّة، ولا يرجو إلا الله. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} قال: المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مقاتل بن حيان {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} قال: العهد الصلاح. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهداً، ومن اتخذ عند الرحمن عهداً فلا تمسه النار. إن الله لا يخلف الميعاد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود أنه قرأ {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} قال: إن الله يقول يوم القيامة: "حديث : من كان له عندي عهد فليقم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا. قولوا اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا إنك أن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة - قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً - جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منهن شيئاً، فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال في دبر كل صلاة - بعدما سلم - هؤلاء الكلمات: كتبه ملك في رق فختم بخاتم، ثم دفعها إليّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبد من قبره، جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي: أين أهل العهود؟ حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم - إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عهداً عندك تؤديه إلي يوم القيامة: إنك لا تخلف الميعاد" تفسير : وعن طاوس: أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما نطَقت به الآياتُ الكريمةُ السالفةُ وحكتْه عن هؤلاء الكفرةِ الغُواة والمَرَدةِ العُتاةِ من فنون القبائِح من الأقاويل والأفاعيلِ، والتمادي في الغي، والانهماكِ في الضلال، والإفراطِ في العِناد، والتصميمِ على الكفر من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يثنيهم، والإجماعِ على مدافعة الحقّ بعد اتضاحِه وانتفاءِ الشك عنه بالكلية، وتنبـيهٌ على أن جميعَ ذلك منهم بإضلال الشياطينِ وإغوائِهم لا لأن مسوِّغاً ما في الجملة، ومعنى إرسالِ الشياطينِ عليهم إما تسليطُهم عليهم وتمكينُهم من إضلالهم وإما تقيـيضُهم لهم، وليس المرادُ تعجيبَه عليه السلام من إرسالهم عليهم كما يوهمه تعليقُ الرؤية به، بل مما ذُكر من أحوال الكفرةِ من حيث كونُها من آثار إغواءِ الشياطينِ كما ينبىء عنه قوله تعالى: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} فإنه إما حالٌ مقدّرةٌ من الشياطين أو استئنافٌ وقع جواباً عما نشأ من صدر الكلامِ، كأنه قيل: ماذا يفعل الشياطينُ بهم حينئذ؟ فقيل: تؤزّهم أي تُغريهم وتُهيّجهم على المعاصي تهيـيجاً شديداً بأنواع الوساوسِ والتسويلات، فإن الأزَّ والهزّ والاستفزازَ أخواتٌ معناها شدةُ الإزعاج. {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} أي بأن يُهلَكوا حسبما تقتضيه جناياتُهم ويَبـيدوا عن آخرهم وتطهُرَ الأرض من فساداتهم، والفاء للإشعار بكون ما قبلها مَظِنّةً لوقوع المنهيِّ مُحوِجةً إلى النهي كما في قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ} [مريم: 84] وقوله تعالى: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} تعليلٌ لموجب النهي ببـيان اقترابِ هلاكهم أي لا تستعجلْ بهلاكهم فإنه لم يبقَ لهم إلا أيامٌ وأنفاسٌ نعدّها عداً. {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ} منصوبٌ على الظرفية بفعل مؤخّرٍ قد حُذف للإشعار بضيق العبارةِ عن حصره وشرحِه لكمال فظاعةِ ما يقع فيه من الطامّة والدواهي العامة، كأنه قيل: يوم نحشر المتقين أي نجمعهم {إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ} إلى ربهم الذي يغمرُهم برحمته الواسعة {وَفْداً} وافدين عليه كما يفد الوفودُ على الملوك منتظِرين لكرامتهم وإنعامِهم. {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ} كما تُساق البهائم {إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} عِطاشاً فإن مَنْ يرد الماءَ لا يورِدُه إلا العطشُ، أو كالدوابّ التي ترِد الماءَ نفعل بالفريقين من الأفعال ما لا يخفى ببـيانه نطاقُ المقال، وقيل: منصوبٌ على المفعولية بمضمر مقدمٍ خوطب به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم، أي اذكر لهم بطريق الترغيبِ والترهيبِ يوم نحشر الخ، وقيل: على الظرفية لقوله تعالى: {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ} والذي يقتضيه مقامُ التهويلِ وتستدعيه جزالةُ التنزيل أن ينتصبَ بأحد الوجهين الأولَين ويكونُ هذا استئنافاً مبـيناً لبعض ما فيه من الأمور الدالةِ على هوله، وضميرُه عائداً إلى العباد المدلولِ عليهم بذكر الفريقين لانحصارهم فيهما، وقيل: إلى المتقين خاصة، وقيل: إلى المجرمين من الكفرة وأهلِ الإسلام، والشفاعةُ على الأولين مصدرٌ من المبنيّ للفاعل وعلى الثالث ينبغي أن تكون مصدراً من المبنيّ للمفعول وقوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} على الأول استثناءٌ متصلٌ مِن لا يملكون، ومحلُّ المستثنى إما الرفعُ على البدل أو النصبُ على أصول الاستثناءِ والمعنى لا يملك العبادُ أن يشفعوا لغيرهم إلا من استعَدّ له بالتحلّي بالإيمان والتقوى أو من أُمر بذلك، من قولهم: عهدِ الأميرُ إلى فلان بكذا إذا أمرَه به، فيكون ترغيباً للناس في تحصيل الإيمانِ والتقوى المؤدِّي إلى نيل هذه الرتبةِ، وعلى الثاني استثناءٌ من الشفاعة على حذف المضافِ والمستثنى منصوبٌ على البدل أو على أصل الاستثناءِ، أي لا يملك المتقون الشفاعةَ إلا شفاعةَ من اتخذ العهد بالإسلام فيكون ترغيباً في الإسلام، وعلى الثالث استثناءٌ مِنْ لا يملكون أيضاً والمستثنى مرفوعٌ على البدل أو منصوبٌ على الأصل والمعنى لا يملك المجرمون أن يَشفع لهم إلا مَنْ كان منهم مسلماً.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}[83] قال: تزعجهم بالمعاصي إزعاجاً، وتدعوهم إليها بما تهوى أنفسهم بترك عصمة الله، كما قال تعالى في قصة اللعين: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي}تفسير : [إبراهيم:22] ودعاؤه على مقامات فقد يكون إلى الشر، وقد يكون إلى الخير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان ليورد أحدكم سبعين باباً من الخير ليوقعه في باب من الشر فيهلكه" تفسير : قال: وإن اللعين يوسوس إلى جميع أهل العبادات وأصحاب الجهد، ولا يبالي منهم إلا من لا يدخل في شيء، حتى يعلم أنه له أو عليه، وإنما وقع المغاليط للعباد والزهاد في العلم لا في الاجتهاد، فلم يكن لهم حال يعرفونها فيما بينهم وبين ربهم، فإن الله تعالى إذا حاسب العبد يوم القيامة فكل فعل عرف صاحبه حاله فيه من طاعة أو معصية ثبت عقله له، وما جهل فيه حاله تحير ودهش لذلك لأنه إذا عرف حاله صحت الطاعة والتوبة بحجة الله، وإذا لم يعرف يتحير ويدهش لأنه عمل بغير حجة. وسئل سهل عن رجل يذكر الله فيخطر بقلبه: إن الله معك. قال: هو مكلف ثالث، إما أن يكون عدواً فيريد أن يقطعه، وإما أن يكون ذلك نفسه تريد أن تخونه وتخدعه، فلا يلتفتن إلى الخواطر في هذه الحال، والله سبحانه وتعالى أعلم.
القشيري
تفسير : تؤزهم أي تزعجهم، فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وغُمَّة، وخاطر الحقِّ يكون بَروْحٍ وسكينة، وهذه إحدى الدلائل بينهما.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر انا ارسلنا الشياطين على الكافرين} اى سلطناهم عليهم بسبب سوء اختيارهم حال كون تلك الشياطين {تؤزهم ازا} اى تغربهم وتهيجهم على المعاصى تهييجا شديدا بانواع الوساوس والتسويلات فان الاز والهز والاستفزاز اخوات معناها شدة الازعاج. وفى العيون الاز فى الاصل هو الحركة مع صوت متصل من ازيز القدر اى غليانه والمراد تعجيب رسول الله عليه السلام من اقاويل الكفرة وتماديهم فى الغى والانهماك فى الضلال والافراط فى العناد والاجماع على موافقة الحق بعد اتضاحه وتنبيه على ان جميع ذلك منهم باضلال الشياطين واغوائهم لا لان له مسوغا فى الجملة.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} برؤيتك الباطنيّة {أَنَّآ} لا غيرنا {أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} فاذا ترى انّا ارسلنا الشّياطين فما لك تتحسّر او تعجّل بالعذاب {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} ازّت القدر من باب نصر وضرب اشتدّ غليانها، وازّت السّحابة صوّتت من بعيدٍ، وازّ النّار اوقدها، والشّىء حرّكه شديداً، والازّ ضربان العروق؛ فاذا ترى انّا ارسلنا الشّياطين عليهم.
الأعقم
تفسير : {ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين}، قيل: أراد خلّينا بينهم وبين الشياطين إذا وسوسوا اليهم ودعوهم إلى الضلال وهذا مجاز كما يقال خلا بين الكلب وبين غيره، أرسل كلبك عليه {تؤزهم أزاً}، قيل: تزعجهم إزعاجاً من الطاعة إلى المعصيَّة، وقيل: تأمرهم بالمعاصي، ويقال: أزّه على كذا إذا غراه به، وأزرت الشيء إلى الشيء ضممته اليه، وأزعجه أزّه أزاً إذا هزّه بالازعاج {فلا تعجل عليهم}، قيل: لا تعجل بإهلاكهم فإن لهم أمداً {إنما نعد لهم عداً} والله تعالى يعد أيامهم عدَّاً {يوم نُحشر المتّقين} يعني يوم القيامة {إلى الرحمان} إلى حيث لا يملك سواه، وقيل: إلى ثواب جنته {وفداً}، قيل: جماعات، وقيل: ركاباً، وقيل: يأتون بنوق لم يُر مثلها {ونسوق المجرمين}، قيل: المكذبين {إلى جهنم ورداً}، قيل: عطاشاً لأن من يرد الماء لا يرد إلاَّ للعطش {لا يملكون الشفاعة} يعني هؤلاء الكفار {وإلاَّ} استثناء {من اتخذ عند الرحمان عهداً}، قيل: العهد الاعتقاد للتوحيد والاخلاص، حديث : وعن ابن مسعود أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ عند الله كل صباح ومساء عهداً" قالوا: وكيف ذلك؟ قال: "تقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد اليك أني أشهد أن لا إله إلاَّ أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمَّداً عبدك ورسولك، وإنك ان تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلاَّ برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى منادي أين الذين لهم عند الله عهداً فيدخلون الجنة لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له ". تفسير : وقيل: عملاً صالحاً، وقيل: أن يشهد أن لا إله إلا الله {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً} يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب جعلوا لله ولداً {لقد جئتم شيئاً إدَّا}، قيل: منكراً عظيماً، وقيل: قطيعاً {تكاد} كلمة وضعت للقرب دون الوقوع {السماوات يتفطّرن} يتشققن من قولهم وهذا مجاز {منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً}، قيل: أراد استعظاماً للكلمة وتهويلاً، وقيل: أن الله سبحانه يقول: كدت أفعل بالسماوات والأرض عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوه بها لولا حلمي وإني لا أعجل بالعقود روي ذلك في الكشاف، وهذا مجاز ومعناه لو تنفطر السماوات والأرض لشيء عظيم لكانت تنفطر من هذا العظيم ما قالوا، وقيل: تكاد القيامة تقوم وتنشق السماء والأرض لعظم قولهم لكن لها أمد لا يقيمها إلا عند ذلك {أن دعوا للرحمان ولداً} يعني أن هذه الأشياء لو كانت إنما تكون لأجل ادعائهم أن للرحمان ولداً لأن إثبات الولد يقتضي حدوثه وخروجه من صفات الإلهية، ثم نفى ذلك عن نفسه غاية النفي فقال سبحانه: {وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً} أي ليس من صفات الرحمان اتخاذ الولد، ثم دل عليه بما بيَّن أن الولد من صفات المحدثين والله قديم ملك جميع الأشياء فكيف يليق به الولد؟! فقال سبحانه: {إن كل من في السماوات والأرض} يعني الخلق من الجن والإِنس والملائكة {إلاَّ آتي الرحمان عبداً} أي يأتون ويقرّون على أنفسهم فكلهم عبيده {لقد أحصاهم وعدّهم عدَّا} فلا يخفى عليه شيء منهم ولا من أعمالهم {وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً} بعلمه ليس معه شيء من الدنيا، وقيل: ليس معه عون وناصر وولد، ثم بيَّن تعالى ذكر الوعد بعد تقديم الوعيد فقال سبحانه: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذكره الحاكم، فما من مؤمن إلاَّ ولعلي في قلبه محبة عن ابن عباس {سيجعل لهم الرحمان وداً}، قيل: في الدنيا، وقيل: في الآخرة، وقيل: محبة الملائكة في السماء والإِنس والجن في الأرض، وقيل: هو عام {فإنما يسرناه بلسانك} وهي بلغة العرب {لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً}، قيل: شداد في الخصومة، وقيل: صماً، وقيل: الألد الظالم {وكم أهلكنا قبلهم}، قيل: هؤلاء الكفار {من قرن} من أمة {هل تحسّ}، قيل: ترى، وقيل: تجد {منهم من أحدٍ أو تسمع لهم ركزاً} والركز الصوت الخفي وأصل الركز الحس، وقيل: إنهم ينسون فلا يذكرون، نتلو ذلك الكلام في سورة طه والله الميسر والمعين.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} بأن سلطانهم عليهم، وقيضنا لهم قرناء {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} تزعجهم إزعاجا عن الطاعة إلى المعصية، وتحثهم بالتزيين. ومعنى إرسال الشياطين: التخلية بينهم وبين الكفرة وعدم توفيق الكفرة لا الجبر وحب الكفر ولو شاء لمنعهم قهراً. والمراد: تعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول الكفرة، وإصرارهم فى الغى بعد وضوح الحق بالآيات. والأز: التحريك بالشدة.
اطفيش
تفسير : {ألم تَر أنَّا أرسَلنا الشياطين عَلى الكافرين} مكناهم من إضلالهم، وقرناهم بهم متسلطين {تَؤزهم أزاً} تهزهم الى المعاصى تهييجاً لهم عليها شديداً بالوساويس، حال من الشياطين، ويجوز من الكافرين مقدرة، لأن الأزّ بعد الإرسال لا معه، أو مستأنفة جواب لقول ماذا تفعل بهم، بأنها تهزهم بأنواع الكفر من الشرك، وتقبيح الحق، وتحسين الباطين المعتاد المفرط، وفى هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنك قد بلغت، وأن كفرهم لخذلاننا لهم بالشياطين، وتقرير له بالهمزة، وتنبيه أو تعجيب مما ذكره قبل من قوله: "أية : ويقول الإنسان" تفسير : [مريم: 66] الى هنا ومضمون هذه الآية، وتذييل: {فلا تعْجَل عليهم} بطلب إهلاكهم، والدعاء به، أو بانتظاره لتطهر الأرض من خبائثهم كما يقتضيه عتوهم، وتأثير الأز فيهم يقتضى العجل بهم فنهاه الله عنه كقوله عز وجل: "أية : إن هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنَّكما من الجنة" تفسير : [طه: 117]. وعلل النهى بقوله: {إنما نعدّ لهم عداً} لا يليق أن ننقصر مما عددناه لهم، ولو يطول وما بالعدد ينتهى، وكأنه انتهى، وهذا يدل على القليل من عرض، وإذا قرأ ابن عباس رضى الله عنهما بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك. وقرأها ابن السماك للمأمون فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تبعد ولله در من قال: شعر : إن الحبيب من الأحباب مختلس لا يمنع الموت بواب ولا حرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها فتى يعد عليه اللفظ والنفس تفسير : أو الآية من باب ذكر العدد تقليلا كقوله تعالى: "أية : أياماً معدودات" تفسير : [البقرة: 184، آل عمران: 24]، و "أية : دراهم معدودة" تفسير : [يوسف: 20] فيكون التقليل باللفظ لا من عرض، أو المعنى إنما نعد لهم أعمالهم عداً للجزاء عليها.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } قيضناهم وجعلناهم قرناء لهم مسلطين عليهم أو سلطناهم عليهم ومكناهم من إضلالهم {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } تغريهم وتهيجهم على المعاصي تهييجاً شديداً بأنواع التسويلات والوساوس فإن الأز والهز والاستفزاز أخوات معناها شدة الإزعاج، وجملة {تَؤُزُّهُمْ } إما حال مقدرة من الشياطين أو استئناف وقع جواباً عما نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: ماذا تفعل الشياطين بهم؟ فقيل تؤزهم الخ. والمراد من الآية تعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما تضمنته الآيات السابقة الكريمة / من قوله سبحانه: {أية : وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ } تفسير : [مريم: 66] إلى هنا وحكته عن هؤلاء الكفرة الغواة والمردة العتاة من فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل والتمادي في الغي والانهماك في الضلال والإفراط في العناد والتصميم على الكفر من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم والإجماع على مدافعة الحق بعد ايضاحه وانتفاء الشك عنه بالكلية وتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم لا لأن هناك قصوراً في التبليغ أو مسوغاً في الجملة، وفيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي تذييل لتلك الآيات لما ذكر. وليس المراد منها تعجيبه عليه الصلاة والسلام من إرسال الشياطين عليهم كما يوهمه تعليق الرؤية به بل مما ذكر من أحوالهم من حيث كونها من آثار إغواء الشياطين كما ينبـىء عن ذلك قوله سبحانه: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً }.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لجواب سؤال يجيش في نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - من إيغال الكافرين في الضلال جماعتهم وآحادهم، وما جرّه إليهم من سوء المصير ابتداء من قوله تعالى: {أية : ويقول الإنسان أإذا ما مِتّ لسوف أخرج حياً}تفسير : [مريم: 66]، وما تخلل ذلك من ذكر إمهال الله إياهم في الدنيا، وما أعد لهم من العذاب في الآخرة. وهي معترضة بين جملة {أية : واتخذوا من دون الله آلهة}تفسير : [مريم: 81] وجملة {أية : يوم نحشر المتقين}تفسير : [مريم: 85]. وأيضاً هي كالتذييل لتلك الآيات والتقرير لمضمونها لأنها تَستخلص أحوالهم، وتتضمن تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن إمهالهم وعدم تعجيل عقابهم. والاستفهام في {ألم تر} تعجيبي، ومثله شائع في كلام العرب يجعلون الاستفهام على نفي فعل. والمراد حصول ضده بحثّ المخاطب على الاهتمام بتحصيله، أي كيف لم تر ذلك، ونزّل إرسال الشياطين على الكافرين لاتضاح آثاره منزلة الشيء المرثي المشاهد، فوقع التعجيب من مَرآه بقوله: ألم تر ذلك. والأزُّ: الهزّ والاستفزاز الباطني، مأخوذ من أزيز القدر إذا اشتد غليانها. شبه اضطراب اعتقادهم وتناقض أقوالهم واختلاق أكاذيبهم بالغليان في صعود وانخفاض وفرقعة وسكون، فهو استعارة فتأكيده بالمصدر ترشيح. وإرسال الشياطين عليهم تسخيرهم لها وعدم انتفاعهم بالإرشاد النبّوي المنقذ من حبائلها، وذلك لكفرهم وإعراضهم عن استماع مواعظ الوحي. وللإشارة إلى هذا المعنى عُدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله {على الكافرين}. وجعل {تؤزهم} حالاً مقيّداً للإرسال لأنّ الشياطين مرسلة على جميع الناس ولكن الله يحفظ المؤمنين من كيد الشياطين على حسب قوّة الإيمان وصلاح العمل، قال تعالى: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}تفسير : [الحجر: 42]. وفرع على هذا الاستئناف وهذه التسلية قوله: {فلا تعجل عليهم} أي فلا تستعجل العذاب لهم إنما نُعدّ لهم عَدّاً، وعبر بــــ{تَعجل عليهم} معدى بحرف الاستعلاء إكراماً للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن نزل منزلة الذي هلاكهم بيده. فنهى عن تعجيله بهلاكهم. وذلك إشارة إلى قبول دعائه عند ربّه، فلو دعا عليهم بالهلاك لأهلكهم الله كيلا يُردّ دعوة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لأنه يقال: عَجل على فلان بكذا، أي أسرع بتسليطه عليه، كما يقال: عجِل إليه إذا أسرع بالذهاب إليه كقوله: {أية : وعجلت إليك ربّ لترضى}تفسير : [طه: 84]، فاختلاف حروف تعدية فعل (عجل) ينبىء عن اختلاف المعنى المقصود بالتعجيل. ولعل سبب الاختلاف بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {أية : ولا تستعجل لهم}تفسير : في سورة الأحقاف (35) أنّ المراد هنا استعجال الاستئصال والإهلاك وهو مقدّر كونه على يد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك قيل هنا: {فلا تعجل عليهم}، أي انتظر يومهم الموعود، وهو يوم بدر، ولذلك عقب بقوله: {إنّما نعدّ لهم عدّاً}، أي نُنظرهم ونؤجلهم، وأنّ العذاب المقصود في سورة الأحقاف هو عذاب الآخرة لوقوعه في خلال الوعيد لهم بعذاب النار لقوله هنالك: {أية : ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار}تفسير : [الأحقاف: 34، 35]. والعدّ: الحساب. و {إنّما} للقصر، أي ما نحن إلا نَعُدّ لهم، وهو قصر موصوف على صفة قصراً إضافياً، أي نعد لهم ولسنا بناسين لهم كما يظنون، أو لسنا بتاركينهم من العذاب بل نؤخرهم إلى يوم موعود. وأفادت جملة {إنما نعدّ لهم عدّاً} تعليل النهي عن التعجيل عليهم لأن {إنما} مركبة من (إنّ) و (ما) وإنّ تفيد التعليل كما تقدّم غير مرّة. وقد استعمل العدّ مجازاً في قصر المدّة لأن الشيء القليل يُعدّ ويحسب. وفي هذا إنذار باقتراب استئصالهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله: {أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ} الآية: أي سلطانهم عليهم وقيضناهم لهم. وهذا هو الصواب. خلافاً لمن زعم أن معنى {أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ} الآية: أي خلينا بينهم وبينهم، ولم نعصمهم من شرهم. يقال: أرسلت البعير أي خليته. وقوله: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}: الأز والهز والاستفزاز بمعنى، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج. فقوله {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} أي تهيجهم وتزعجهم إلى الكفر والمعاصي. وأقوال أهل العلم في الآية راجعة إلى ما ذكرنا: كقول ابن عباس {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}: أي تغويهم إِغْواءً". وكقول مجاهد {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}: أي تشليهم إشلاءً. وكقول قتادة {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} أي تزعجهم إزعاجاً. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة - من أنه سلط الشياطين على الكافرين، وقيضهم لهم يضلونهم عن الحق بينه في مواضع أخر من كتابه. كقوله تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}تفسير : [فصلت: 25] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [الزخرف: 36-37] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ}تفسير : [الأنعام: 128] الآية، وقوله: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 202]، إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيَاطِينَ} {ٱلْكَافِرِينَ} (83) - أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ سَلَّطَ الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ وَالمُشْرِكِينَ، لِيُغْوُوهُمْ، وَيُغْرُوهُمْ بِارْتِكَابِ المَعَاصِي، وَيَهِيجُوهُمْ لِلْوُقُوعِ فِيهَا؟ تَؤُزُّهُمْ - تُغْرِيهِمْ بِالْمَعَاصِي إِغْرَاءً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأزُّ: هو الهزُّ الشديد بعنف أي: تُزعجهم وتُهيجهم، ومثْلُه النزغ في قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [الأعراف: 200]. والأَزّ أو النَّزْغ يكون بالوسوسة والتسويل ليهيجه على المعصية والشر، كما يأتي هذا المعنى أيضاً بلفظ الطائف، كما في قوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 201]. وهذه الآية: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ ..} [مريم: 83] تثير سؤالاً: إذا كان الحق تبارك وتعالى يكره ما تفعله الشياطين بالإنسان المؤمن أو الكافر، فلماذا أرسلهم الله عليه؟ أرسل الله الشياطين على الإنسان لمهمة يؤدونها، هذه المهمة هي الابتلاء والاختبار، كما قال تعالى: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 2]. إذن: فهم يُؤدُّون مهمتهم التي خُلِقوا من أجلها، فيقفوا للمؤمن ليصرفوه عن الإيمان فيُمحص الله المؤمنين بذلك، ويُظهر صلابة مَنْ يثبت أمام كيد الشيطان. وقلنا: إن للشيطان تاريخاً مع الإنسان، بداية من آدم عليه السلام حين أَبَى أن يطيع أمر الله له بالسجود لآدم، فطرده الله تعالى وأبعده من رحمته، فأراد الشيطان أنْ ينتقمَ من ذرية آدم بسبب ما ناله من آدم، فقال: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82]. وقال: {أية : قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16]. وهكذا أعلن عن منهجه وطريقته، فهو يتربص لأصحاب الاستقامة، أما أصحاب الطريق الأعوج فليسوا في حاجة إلى إضلاله وغوايته. لذلك نراه يتهدد المؤمنين: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..}تفسير : [الأعراف: 17]. ومعلوم أن الجهات ست، يأتي منها الشيطان إلا فوق وتحت؛ لأنهما مرتبطتان بعزِّ الألوهية من أعلى، وذُلّ العبودية من أسفل، حين يرفع العبد يديه لله ضارعاً وحين يخِرُّ لله ساجداً؛ لذلك أُغلِقَتْ دونه هاتان الجهتان؛ لأنهما جهتا طاعة وعبادة وهو لا يعمل إلا في الغفلة ينتهزها من الإنسان. والمتأمل في مسألة الشيطان يجد أن هذه المعركة وهذا الصراع ليس بين الشيطان وربه تبارك وتعالى، بل بين الشيطان والإنسان؛ لأنه حين قال لربه تعالى: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82] التزم الأدب مع الله. فالغواية ليست مهارة مني، ولكن إغويهم بعزتك عن خَلْقك، وترْكِكَ لهم الخيارَ ليؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، هذه هي النافذة التي أنفذ منها إليهم، بدليل أنه لا سلطانَ لي على أهلك وأوليائك الذين تستخلصهم وتصطفيهم: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 83]. وهنا أيضاً يثار سؤال: إذا كان الشيطان لا يقعد إلا على الصراط المستقيم لِيُضلَّ أهله، فلماذا يتعرَّض للكافر؟ نقول: لأن الكافر بطبعه وفطرته يميل إلى الإيمان وإلى الصراط المستقيم، وها هو الكون بآياته أمامه يتأمله، فربما قاده التأمل في كَوْن الله إلى الإيمان بالله؛ لذلك يقعد له الشيطان على هذا المسْلك مسْلك الفكر والتأمل لِيحُول بينه وبين الإيمان بالخالق عز وجل. فالشيطان ينزغك، إما ليحرك فيك شهوة، أو ليُنسِيك طاعة، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ ..}تفسير : [الكهف: 63]. وقال: {أية : وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 68]. وكثير من الإخوان يسألون: لماذا في الصلاة بالذات تُلِحُّ علينا مشاكل الحياة ومشاغل الدنيا؟ نقول: هذه ظاهرة صحية في الإيمان، لأن الشيطان لولا علمه بأهمية الصلاة، وأنها ستُقبل منك ويُغفر لك بها الذنوب ما أفسدها عليك، لكن مشكلتنا الحقيقية أننا إذا أعطانا الشيطان طرفَ الخيط نتبعه ونغفل عن قَوْل ربنا تبارك وتعالى: {أية : وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [فصلت: 36]. فما عليك ساعةَ أنْ تشعر أنك ستخرج عن خطِّ العبادة والإقامة بين يدي الله إلاَّ أنْ تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حتى وإنْ كنت تقرأ القرآن، لك أنْ تقطعَ القراءة وتستعيذ بالله منه، وساعةَ أن يعلم منك الانتباه لكيده وألاعيبه مرة بعد أخرى سينصرف عنك وييأس من الإيقاع بك. وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً باللص؛ لأنه لا يحوم حول البيت الخرب، إنما يحوم حول البيت العامر، فإذا ما اقترب منه تنبّه صاحب البيت وزجره، فإذا به يلوذ بالفرار، وربما قال اللص في نفسه: لعل صاحب البيت صاح مصادفة فيعاود مرة أخرى، لكن صاحب الدار يقظٌ منتبه، وعندها يفرُّ ولا يعود مرة أخرى. ويجب أن نعلم أن من حيل الشيطان ومكائده أنه إذا عَزَّ عليه أغواؤك في باب، أتاك من باب آخر؛ لأنه يعلم جيداً أن للناس مفاتيح، ولكل منا نقطة ضعف يُؤتَى من ناحيتها، فمن الناس مَنْ لا تستميله بقناطير الذهب، إنما تستميله بكلمة مدح وثناء. وهذا اللعين لديه (طفاشات) مختلفة باختلاف الشخصيات. لذلك من السهل عليك أنْ تُميِّز بين المعصية إنْ كانت من النفس أم من الشيطان: النفس تقف بك أمام شهوة واحدة تريدها بعينها ولا تقبل سواها، فإنْ حاولتَ زحزحتها إلى شهوة أخرى أبتْ إلا ما تريد، أما الشيطان فإنْ عزَّتْ عليك معصية دعاك إلى غيرها، المهم أن يُوقِع بك. فالحق تبارك وتعالى يُحذرنا الشيطان؛ لأنه يحارب في الإنسان فطرته الإيمانية التي تُلح عليه بأن للكون خالقاً قادراً، والدليل على الوجود الإلهي دليل فطري لا يحتاج إلى فلسفة، كما قال العربي قديماً: البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على المسير.. سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! وكذلك، فكل صاحب صنعة عالم بصنعته وخبير بدقائقها ومواطن العطب فيها، فما بالك بالخالق سبحانه: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14]. إذن: فالأدلة الإيمانية أدلة فطرية يشترك فيها الفيلسوف وراعي الشاة، بل ربما جاءت الفلسفة فعقَّدتْ الأدلة. ولنا وقفة مع قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ ..} [مريم: 83] ومعلوم أن عمل الشيطان عمل مستتر، كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..}تفسير : [الأعراف: 27]. فكيف يخاطب الحق - تبارك وتعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة بقوله: {أَلَمْ تَرَ ..} [مريم: 83] وهي مسألة لا يراها الإنسان؟ نقول: {أَلَمْ تَرَ ..} [مريم: 83] بمعنى ألم تعلم؟ فعدَل عن العلم إلى الرؤيا، كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}تفسير : [الفيل: 1] والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَرَ هذه الحادثة، فكيف يخاطبه ربه عنها بقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ ..}تفسير : [الفيل: 1]؟ ذلك، ليدلك على أن إخبار الله لك أصحُّ من إخبار عينك لك؛ لأن رؤية العين بما تخدعك، أمّا إعلام الله فهو صادق لا يخدعك أبداً. فعلمك من إخبار الله لك أَوْلَى وأوثق من علمك بحواسِّك. والشياطين: جمع شيطان، وهو العاصي من الجنّ، والجن خَلْق مقابل للإنسان قال الله عنهم: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً}تفسير : [الجن: 11] فَمنْ هم دون الصالحين، هم الشياطين. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} معناه تَزعَجَهُم إِزعاجاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من عقوبة الكافرين أنهم -لما لم يعتصموا بالله، ولم يتمسكوا بحبل الله، بل أشركوا به ووالوا أعداءه، من الشياطين- سلطهم عليهم، وقيضهم لهم، فجعلت الشياطين تؤزهم إلى المعاصي أزا، وتزعجهم إلى الكفر إزعاجا، فيوسوسون لهم، ويوحون إليهم، ويزينون لهم الباطل، ويقبحون لهم الحق، فيدخل حب الباطل في قلوبهم ويتشربها، فيسعى فيه سعي المحق في حقه، فينصره بجهده ويحارب عنه، ويجاهد أهل الحق في سبيل الباطل، وهذا كله، جزاء له على توليه من وليه وتوليه لعدوه، جعل له عليه سلطان، وإلا فلو آمن بالله، وتوكل عليه، لم يكن له عليه سلطان، كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ }. تفسير : { فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ } أي على هؤلاء الكفار المستعجلين بالعذاب { إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا } أي أن لهم أياما معدودة لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون نمهلهم ونحلم عنهم مدة ليراجعوا أمر الله فإذا لم ينجع فيهم ذلك أخذناهم أخذ عزيز مقتدر.
همام الصنعاني
تفسير : 1788- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} [الآية: 83] قال تزعجهم إزعاجاً في معاصي الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):