Verse. 2335 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِيْنَ اِلَى الرَّحْمٰنِ وَفْدًا۝۸۵ۙ
Yawma nahshuru almuttaqeena ila alrrahmani wafdan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «يوم نحشر المتقين» بإيمانهم «إلى الرحمن وفدا» جمع وافد بمعنى: راكب.

85

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ } نجمعهم. {إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ } إلى ربهم الذي غمرهم برحمته، ولاختبار هذا الاسم في هذه السورة شأن ولعله لأن مساق هذا الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها {وَفْداً } وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم: أنه يحشرهم يوم القيامة وفداً إليه، والوفد هم القادمون ركباناً، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفاً إلى النار {وِرْداً}: عطاشاً، قاله عطاء وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد، وههنا يقال: {أية : أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} تفسير : [مريم: 73]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني، فيركبه، فذلك قوله: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: ركباناً. وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا ابن مهدي عن شعبة عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: على الإبل. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق. وقال قتادة: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: إلى الجنة. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد، قال: كنا جلوساً عند علي رضي الله عنه، فقرأ هذه الآية: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة، وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به. وزاد: عليها رحائل من ذهب، وأزمتها الزبرجد، والباقي مثله. وروى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً جداً مرفوعاً عن علي، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري قال: إن علياً كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون، أو يؤتون بنوق بيض لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون، أو فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفحة، فيسمع لها طنين - يا علي - فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيّمها فيفتح له، فإذا رآه، خر له - قال مسلمة: أراه قال: ساجداً - فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه، ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من رأسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أحمر وأصفر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد، أنهار من ماء غير آسن - قال: صاف لا كدر فيه - وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، ولم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم، وأنهار من عسل مصفى، لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائماً، وإن شاء قاعداً، وإن شاء متكئاً؛ ثم تلا: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} فيشتهي الطعام، فيأتيه طير أبيض، وربما قال: أخضر، فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها؛ أي الألوان شاء، ثم تطير، فتذهب فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم {وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض لأضاءت الشمس معها سواد في نور» تفسير : هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعاً، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم. وقوله: {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} أي: عطاشاً {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ} أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبراً عنهم: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 100 -101]. وقوله: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} قال: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي عن المسعودي، عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله، يعني: ابن مسعود هذه الآية: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} ثم قال: اتخذوا عند الله عهداً، فإن الله يوم القيامة يقول: من كان له عند الله عهد فليقم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن فعلمنا، قال: قولوا: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أن لا تكلني إلى عمل يقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً تؤديه إليّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. وقال المسعودي: فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا ابن مسعود، وكان يلحق بهن: خائفاً مستجيراً مستغفراً راهباً راغباً إليك، ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه.

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ } بإيمانهم {إِلَى ٱلرَّحْمَٰنِ وَفْداً } جمع وافد بمعنى: راكب.

الماوردي

تفسير : {... وَفْداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ركباناً، قاله الفراء. الثاني: جماعة، قاله الأخفش. الثالث: زوّاراً، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مشاة، قاله الفراء. الثاني: عطاشاً. الثالث: أفراداً. {إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحَمنِ عَهْداً} فيه وجهان: أحدهما:...

ابن عبد السلام

تفسير : {وَفْداً} ركباناً، أو جماعة، أو زواراً.

البقاعي

تفسير : ولما بين مآل حال الكافرين في آلهتهم ودليله، أتبعه بوقته فقال: {يوم} أي يكفرون بعبادتهم يوم {نحشر المتقين} أي العريقين في هذا الوصف؛ ولما تقدمت سورة النعم العامة النحل، وأتبعت سورة النعم الخاصة بالمؤمنين وبعض العامة، مثل {أية : ولقد كرمنا بني آدم} تفسير : [الإسراء: 70]، ثم سورتي الخاصة بالصالحين الكهف وهذه، قال: {إلى الرحمن} فيدخلهم دار الرضوان، فذكر الاسم الدال على عموم الرحمة، وكرره في هذه السورة تكريراً دل على ما فهمته، وربما أيد ذلك افتتاح النحل بنعمة البيان على هذا الإنسان التي عبر عنها بالخصيم، وختام هذه بالقوم اللد من حيث رد مقطع هذه التي كانت بالنظر إلى النعم شيئاً واحداً على مطلعها {وفداً *} أي القادمين في إسراع ورفعة وعلى، كما تقدم الوفود على الملوك، فيكونون في الضيافة والكرامة. ولما ذكر ما يدل على كرامة أوليائه، أتبعه ما يدل على إهانة أعدائه فقال: {ونسوق المجرمين} أي بالكفر وغيره من المعصية، كالبهائم سوقاً عنيفاً مزعجاً حثيثاً {إلى جهنم} بسطوة المنتقم الجبار {ورداً *} أي عطاشاً {لا يملكون الشفاعة} أي لا يملك أحد من القسمين أن يَشفَع ولا أن يشفَّع فيه {إلا من اتخذ} أي كلف نفسه واجتهد في أن أخذ {عند الرحمن عهداً *} بما وفقه له من الإيمان والطاعة التي وعده عليها أن يشفع أو أن يشفع فيه؛ فالآية من الاحتباك: ذكر الرحمن أولاً دليلاً على المنتقم ثانياً، وجهنم ثانياً دليلاً على حذف الجنة أولاً. ولما أبطل مطلق الشفعاء، وكان الولد أقرب شفيع، وكانوا قد ادعوا له ولداً، أبطل دعواهم فيه لينتفي كل شفيع خاص وعام، فينتفي كل عز راموه بشفاعة آلهتهم وغيرها. فقال عاطفاً على قوله: {واتخذوا من دون الله آلهة} موجباً منهم: {وقالوا} أي الكفرة {اتخذ الرحمن} أي الذي لا منعم غيره، فكل أحد محتاج إليه وهو غني عن كل أحد {ولداً *} قالت اليهود: عزير، والنصارى: المسيح، والمشركون: الملائكة، مع قيام الأدلة على استحالته عليه سبحانه؛ ثم استأنف الالتفات إلى خطابهم بأشد الإنكار، إيماء إلى تناهي الغضب فقال: {لقد} أي وعزتي! لقد {جئتم شيئاً إدّاً *} أي عظيماً ثقيلاً منكراً؛ ثم بين ثقله بقوله: {تكاد السماوات} على إحكامها، مع بعدها من أصحاب هذا القول {يتفطرن} أي يأخذن في الانشقاق {منه} أي من هذا الشيء الإدّ {وتنشق الأرض} على تحتها شقاً نافذاً واسعاً {وتخر} أي تسقط سريعاً {الجبال} على صلابتها {هداً *} كما ينفسخ السقف تحت ما لا يحتمله من الجسم الثقيل، لأجل {أن ادعوا} أي سموا {للرحمن} الذي كل ما سواه نعمة منه {ولداً *} هذا المفعول الثاني، وحذف الأول لإرادة العموم {وما ينبغي} أي ما يصح ولا يتصور {للرحمن أن يتخذ ولداً *} لأنه غير محتاج إلى الولد بوجه، ومع ذلك فهو محال، لأن الولد لا يكون إلا مجانساً للوالد، ولا شيء من النعم بمجانس للمنعم المطلق الموجد لكل ما سواه، فمن دعا له ولداً قد جعله كبعض خلقه، وأخرجه عن استحقاق هذا الاسم، ثم أقام الدليل على غناه عن ذلك واستحالته عليه، تحقيقاً لوحدانيته، وبياناً لرحمانيته، فهدم بذلك الكفر بمطلق الشريك بعد أن هدم الكفر بخصوص الولد فقال: {إن} أي ما {كل من} أي شيء من العقلاء، فهو نكرة موصوفة لوقوعها بعد كل وقوعها بعد رب {في السماوات والأرض} الذين ادعوا أنهم ولد وغيرهم {إلا}. ولما كان من العبد من يعصي على سيده، عبر بالإتيان فقال: {ءاتي الرحمن} العام بالإحسان، أي منقاد له طوعاً أو كرهاً في كل حالة وكل وقت {عبداً *} مسخراً مقهوراً خائفاً راجياً، فكيف يكون العبد ابناً أو شريكاً؟ فدلت الآية على التنافي بين العبودية والولدية، فهي من الدليل على عتق الولد والوالد إذا اشتريا.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}[85] أي ركباناً. والمتقون هم الذين يتقون ما سوى الله عزَّ وجلَّ. وقال: لا يكمل للعبد شيء حتى يحصن عمله بالخشية، وفعله بالورع، وورعه بالإخلاص، وإخلاصه بالمشاهدة، والمشاهدة بالتقوى عما سوى الله. وقال: كانت قلوبهم أعز عليهم من أن يروا فيها شيئاً غير الله عزَّ وجلَّ، فإن الله لما خلق القلب قال: "حديث : خلقتك لي خاصة"تفسير : ، فهذه القلوب جوالة، إما تجول حول العرش، وإما تجول في الحش.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: بلغنى عن الصادق أنه قال: وفدًا: أى ركبانًا على متون المعرفة. وقال جعفر: المتقى الذى اتقى كل شىء سوى الله، والمتقى هو الذى اتقى متابعة هواه فمن كان بهذا الوصف فإن الله يحمله إلى حضرة المشاهدة على نجائب النور ليعرف أهل المشهد محله فيهم. وقال الواسطى: وفدًا أى ركبانًا وذلك حجابهم لا من جذبته زينته عن الحق حتى ينسيه، ولا يجذبه ذكر الحق عن الأعراض جذب الزينة فهو الكاذب فى دعواه. وقال يحيى بن معاذ: اجعل أمرك مع الله جدًا، وسد باب الخلاف عليك سدًا، وارده على العبد ما أشار به ردًا، وانظر هل تجد من طلب العفو بدًا، فإلى كم تكد بالتصنع كدًا، وتمد بما لا تملكه من حياتك مدًا، ولا تذكر يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا.

القشيري

تفسير : قيل ركباناً على نجائب طاعاتهم، وهم مختلفون؛ فَمِنْ راكبٍ على صدور طاعاته، ومن راكبٍ على مراكب هِمَمِه، ومن راكبٍ على نجائب أنواره. ومِنْ محمولٍ يحمله الحقُّ في عقباه كما يحمله اليومَ في دنياه. وليس محمولُ الحقِّ كمحمول الخَلْق!

البقلي

تفسير : افهم ان المتقى من يتقى مما دون الحق ولا يتقى الا بان وقاه الله من طريان النفس والهوى على قلبه وانه بانه فالتقوى الخارجون بنور مشاهدة الله عن ظلمات الاكوان اذا كان وقت حشرهم اركبهم الله على مراكب انوار تقواه ودعاهم الى مشاهدته ووصاله وانزلهم عيون الرحمانية واعطاهم من بحار رحمته جميع ما ----- لذلك ذكر اسم الرحمانية اى لم يكن هناك وحشة قطع الامال اذا نزلوا موارد الجلال والجمال وهذا وصف المتقين الذين هم اهل بدايات المقامات فاما العارفون فهو بنفسه في ميادين الازل والاباد ويبلغهم فى مذاب انوار الذات والصفات ولولا حمله اياهم كيف يقطعون برادى الديمومية وقفار الازلية والحدثان ساقطة في اودية قهر الربوبية قال ابن عطا بلغنى عن الصادق انه قال ----- ركبانا على متون المعرفة وقال جعفر المتقى الذى التقى كل شيء سوى الله والمتقى الذىاتقى متابعة هواه فمن كان بهذا الوصف فان الله عمله الى حضرة المشاهدة على نجايب النور ليعرف اهل للشهد محله فيهم وقال الواسطى ---- ركبانا وذلك حجابهم لانه من جذبته زينته عن الحق حتى ينسيه ولا يجذبه ذكر الحق عن الاعراض وجذب الزينة فهو الكاذب في دعواه وقال ايضا لما لم يواقعه صفة ولا نعتا في الدنيا حشرهم في الأخرة الى الله باسم الرحمانية يسوقهم سوقا ارفق ما كان بهم اكثر شفقة لا يعرجون الى غيره ولا يلتفتون سواه وقال الاستاذ قيل ركبانا على بخائب طاعاتهم وهو مختلفون فمن راكب على صور طاعاتهم ومن راكب على مراكب هممهم ومن راكب على نجائب انوارهم ومن محمول يحمله الحق فى عقباه كما يحمله اليوم فى دنياه وليس محمول الحق كمحمول الخلق.

اسماعيل حقي

تفسير : {يوم نحشر المتقين} اى اذكر يا محمد لقومك بطريق الترغيب والترهيب يوم نجمع اهل التقوى والطاعة {الى الرحمن} الى ربهم الذى يغمرهم برحمته الواسعة حال كونهم {وفدا} وافدين عليه كما يفد الوفود على الملوك منتظرين لكرامتهم وانعامهم والوفد من يأتى بالخير. وفى التهذيب الوفد والوفادة [بنزديك امير شدن بحاجت] وفى القاموس وفد اليه وعليه قدم ورد وهم وفود ووفد. وفى التأويلات النجمية انما خص حشر وفد المتقين الى حضرة الرحمانية لانها من صفات اللطف ومن شأنها الجود والانعام والفضل والكرم والتقريب والمواهب انتهى. والرحمة ان كانت من صفات الذات يراد بها اراد ايصال الخير ودفع الشر وان كان من صفات الفعل يراد بها ايصال الخير ودفع الشر كما فى بحر العلوم. وعن على رضى الله عنه ما يحشرون والله على ارجلهم ولكن على نوق رحالها ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت وازمتها زبرجد ثم ينطق بهم حتى يقرعوا باب الجنة. قال الكاشفى {وفدا}[درحالتى كه سواران باشند بر ناقهاى بهشت يعنى ايشانرا سوار ببهشت برند جنانجه وافدانرا بدركاه ملوك ميبرند. امام قشيرى رحمة الله فرمودكه بعضى بر نجائب طاعات وعبادات باشند وقومى بر مراكب همم ونيات. آنانكه بر مرا كب طاعت باشند بهشت جويانند ايشانرا بروضه جنان برند. وآنانكه برنجائب همت باشند خداى طلبانند ايشانرا بقرب رحمت خوانند جنان جوى ديكرست ورحمان جوى ديكر. در كشف الاسرار آورده كه ممشاد دينورى رحمه الله درحال نزع بود درويشى بيش وى ايستاده ودعا مى كردكه خدايا برو رحمت كن وبهشت اورا كرامت كن ممشاد بانك بروزدكه اى غافل سى سالست كه بهشت را باشرف وعزت وحور وقصور برمن جلوه ميدهند ومن كوشه جشم هست برو نيفكنده ام اكنون بدركاه قرب ميروم زحمت خود آورده وبراى من بهشت ورحمت مى خواهى]. شعر : باغ فردوس از براى ديدنش بايد مرا بى جمالش روضه رضوان جه كرا يدمرا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {يوم نحشر}: إما ظرف لفعل مؤخر؛ للإشعار بضيق العبارة عن حصره؛ لكمال جماله أو فظاعته، والتقدير: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن، ونسوق المجرمين، نفعل بالفريقين ما لا يفي به نطاق المقال، أو ظرف لاذكر، و {وفْدًا} و {وِرْدًا}: حالان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يوم نحشرُ المتقين}: نجمعهم {إلى الرحمن} أي: إلى ربهم يغمرهم برحمته الواسعة، {وَفْدًا}: وافدين عليه، كما يفد الوفود على الملوك، منتظرين لكرامتهم وإنعامهم. وعن عليّ كرم الله وجهه: (لما نزلت هذه الآية، قلت: يا رسول الله، إني قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أر وفدًا إلا راكبًا، فما وفد الله؟ قال: "حديث : يا عليّ؛ إذا حان المنصَرَفُ من بين يدي الله، تلقت الملائكة المؤمنين بنُوقٍ بيض، رِحالُهَا وأزِمَّتُها الذَهَبُ، على كل مركب حُلة لا تُساويها الدنيا، فيلبس كل مؤمن حلّة، ثم يستوون على مراكبهم، فتهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين}". تفسير : {ونَسُوقُ المجرمين} كما تُساق البهائم {إِلى جهنم وِرْدًا}: عطاشًا، فإن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش، أو كالدواب التي ترد الماء، أي: يوم نحشر الفريقين نفعل ما نفعل مما لا يفي به نطاق العبارة، لما يقع فيه من الدواهي الطامة، أو الكرائم العامة، أو: اذكر يوم نحشر الفريقين، على طريق الترغيب والترهيب. وقوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة}: استئناف مبين لما فيه من الأمور الدالة على هوله، وضمير الواو: إما لجميع العباد المدلول عليهم بذكر الفريقين لانحصارهم فيها، أو إلى المتقين فقط، أو إلى المجرمين. و {مَن اتخذ}: منصوب على الاستثناء، أو بدل من الواو، أي: لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم إلا من استعد له بالتحلي بالإيمان والتقوى، ففيه ترغيب للعباد في تحصيل الإيمان والتقوى، المؤدي إلى نيل هذه الرتبة العليا. أو لا يملك المتقون الشفاعة إلا شفاعة من اتخذ العهد بالإسلام والعمل الصالح، أو لا يملك المجرمون أن يشفع لهم إلا من كان منهم مسلمًا، فيشفع في مثله. فَمَن، على هذا الثالث، بدل من الواو فقط. والأول أحسن؛ لعمومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أما يَعْجزُ أَحدكُمْ أَنْ يتَّخِذَ كُلَّ صَبَاحٍ وَمَساءٍ عَهدًا عِند اللهِ، يَقُولُ كُلَّ صَبَاحٍ ومَساءٍ: اللهُمَّ فَاطِرَ السماوَاتِ والأرْض، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادةِ، إنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ في هذهِ الحياةَ الدنيا، بأَنِي أشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ أنتَ، وَحْدكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ، فلا تكلني إلى نفسي، فإِنَكَ إنْ تَكلْنِي إلى نَفسْي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشرِّ وتُبَاعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ، وإنّي لاَ أَثِقُ إلاَّ بِرَحْمَتِكَ، فاجَْعلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوفِّينِيه يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّكَ لا تُخْلفُ المِيعادَ. فإذا قالَ ذَلِكَ طُبعَ عَلَيْهِ طابَع ووُضِعَ تَحْتَ العَرْشِ، فَإذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نَادَىَ مُنَادٍ: أَيْنَ الذِينَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ فَيَدْخُلُونَ الجنَّة"تفسير : . هـ. الإشارة: ورود العباد على الله يوم القيامة يكون على قدر ورودهم إليه اليوم في الدنيا، فبقدر التوجه إليه اليوم تعظم كرامة وروده في الآخرة، فمن ورد على الله تعالى من باب الطاعة الظاهرة حملته صور الطاعات إلى الآخرة، ومن ورد من باب الطاعات القلبية حملته الأنوار إلى الفراديس العالية، ومن ورد من باب الطاعات السرية - كالفكرة والنظرة في مقام المشاهدة - حمله الحق إلى الحضرة القدسية، فيكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف في قوله تعالى: {وفدًا}: قيل: ركبانًا على نجائب طاعتهم، وهم مختلفون، فمن راكب على صور الطاعات، ومن راكب على نجائب الهمم، ومن راكب على نجائب الأنوار، ومن محمول يحمله الحق في عقباه، كما يحمله اليوم في دنياه، وليس محمول الحق كمحمول الخلق. هـ. وقوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة...} الآية، اعلم أن العهد الذي تكون به الشفاعة يوم القيامة هو الطاعة وتربية اليقين والمعرفة، فتقع الشفاعة لأهل الطاعات على قدر طاعتهم وإخلاصهم، وتقع لأهل اليقين على قدر يقينهم، وهم أعظم من أهل المقام الأول، وتقع لأهل المعرفة على قدر عرفانهم، وهم أعظم من القسمين، حتى إن منهم من يشفع في أهل عصره كلهم، وقد سَمِعْتُ من شيخنا الفقيه، شيخ الجماعة سيدي التاودي بن سودة، أن بعض الأولياء قال عند موته: يا رب شفعني في أهل زماني، فقال له الحق تعالى - من جهة الهاتف -: لم يبلغ قدرك هذا، فقال: يا رب إن كان ذلك من جهة عملي واجتهادي فَلَعَمْرِي إنه لم يبلغ ذلك، وإن كان من جهة كرمك وجودك فوعزتك وجلالك لهو أعظم من هذا، فقال له: إني شفعتك في أهل عصرك. هـ. بالمعنى. فمن رجع إلى كرم الله وجوده، ودخل من هذا الباب، وجد الإجابة أقرب إليه من كل شيء. وبالله التوفيق. ثمَّ كرر الرد على أهل الشرك والضلال وشنع عليهم:

الجنابذي

تفسير : وعلى هذا فيوم نحشر المتّقين ظرف لنعدّ، ويجوز ان يكون ظرفاً لقوله لا يملكون او يكون مفعولاً لا ذكر مقدّراً. اعلم، انّ التّقوى الحقيقيّة لا تحصل الاّ بالولاية ومن تولّى عليّاً كان تقيّاً استشعر بتقواه ام لا، ويوم الاعراف الّذى هو آخر البرازخ يحشر شيعة علىّ (ع) الى مقاماتهم الاخرويّة ونعيمهم وازواجهم على ما نقل فى الاخبار من التّفاصيل واختيار اسم الرّحمن، لانّ شيعة علىّ (ع) اذا وصل الى الاعراف لم يبق عليه شيءٌ من اوصاف النّفس ويطهّر من كلّ ما ينبغى ان يطهّر عنه من نسبة الافعال والصّفات الى نفسه بل من نسبة الانانيّة الى نفسه ويحصل له الفناء التّامّ الّذى هو آخر مقامات التّقوى، وبعد الفناء التّامّ لا يكون بقاء الاّ ببقاء الله وبعد البقاء يصير الباقى مبقياً لاهل عالمه ومملكته وهذا الابقاء هو الرّجعة فى العالم الصّغير وهو انموذج رحمة الله الرّحمانيّة وبهذا الاعتبار قال: نحشرهم الى الرّحمن وبحسب السّلوك اذا تمّ السّفر الثّانى للسّالك وانتهى تقواه الى الفناء الذّاتىّ وسار بالحقّ فى الحقّ ان ادركته العناية الالهيّة وابقته بعد فنائه يصير السّالك ايضاً باقياً ببقاء الله ومبقياً لاهل مملكته واهل الملك الكبير ويصير عادلاً بعدل الله ومعطياً لكلّ حقّه وهذا من خواصّ اسم الرّحمن ولهذا قال: نحشر المتّقين الى الرّحمن؛ ووفداً جمع مثل ركْب وصحب حال من المتّقين، او مصدر بمعنى الجمع الوصفىّ وحال او مصدر مفعول مطلق من غير لفظ الفعل او بتقدير حشر وفد.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام [قال. ب، ر]: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وعنده نفر من أصحابه [أ: الأصحاب] وفيهم علي بن أبي طالب [عليه السلام. ب، ر] قال: حديث : إن الله تبارك وتعالى إذا بعث الناس يوم القيامة يخرج قوم من قبورهم بياض وجوههم كبياض الثلج، عليهم ثياب بياضها كبياض اللبن، وعليهم نعال من ذهب شراكها والله من نور يتلألأ، فيؤتون بنوق من نور عليها رحال [من. أ] الذهب قد وشحت بالزبرجد والياقوت أزمة [ر: لزمة] نوقهم سلاسل الذهب فيركبونها حتى ينتهون إلى الجنان، والناس يحاسبون ويغتمون ويهتمون، وهم يأكلون ويشربون. فقال [أمير المؤمنين. ب، ر] علي [بن أبي طالب. ب، ر] عليه السلام: من هم يا رسول الله؟ قال: هم شيعتك وأنت إمامهم وهو قول الله [تعالى. ر]: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفداً} قال: على النجائب .

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً} أي: على الإِبل. ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً} يا رسول الله، هل يكون الوفد إلا الرَّكْبُ. فقال: "حديث : والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة، ولها رحائل الذهب، كل خطوة منها مدّ البصر ". تفسير : قوله عز وجل: {وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} أي: عطاشاً. قال الحسن: والله عطاشاً. وقال بعضهم: يساقون إليها وهم ظِماء، وقد تقطعت أعناقهم من العطش. قوله عز وجل: {لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً} وقد فسّرنا العهد في الآية الأولى. قوله عز وجل: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُم شَيْئاً إِدّاً} قال مجاهد: شيئاً عظيماً. {تَكَادُ السَّمَاواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً} أي: بأن دعوا للرحمن ولداً. ذكروا أن كعباً قال: غضبت الملائكة، وأسعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ} متعلق بمحذوف، أى نفعل بالمجرمين والمؤمنين، أو نفعل يوم نجمع المتقين، أو متعلق بيملكون، على أنه لا صدر للا النافية؛ أو مفعول باذكر. {إلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} جمع وافد بمعنى راكب ذكر المتقين بلفظ التبجيل وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذى غمرهم برحمته كما يفد الوفود إلى الملوك المنتطرين للكرامة، ولذلك اختار اسمه الرحمن. وفى تكريره فى السورة ثلاث عشرة مرة ليس إلا لشأن عظيم. ومساق السورة ذكر النعم، وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها. وقرأ الحسن يُحشر المتقون. قال أبو هريرة: يحشرون على الإبل. قال على: يحشرون على نوق، رحالها الذهب، ونجائب سروجها الياقوت إن شاءوا سارت، وإن شاءوا طارت بأجنحتها، وكل خطوة مد البصر، والأزمّة من ياقوت وزبرجد. قيل: هى أعمالهم الصالحة تجسمت. وقيل: يركبون ما شاءوا إبلا وخيلا وسفناً تجرى فى الأرض وفى الهواء. وظاهر الآية. قيل: إن ذلك إلى الجنة بعد الحساب. وقيل: المراد الحشر من القبر. وورد أن الضحية مطية صاحبها المؤمن إلى الجنة.

اطفيش

تفسير : {يوم} اذكر لهم بطريق الترغيب والترهيب. يوم أم متعلق بنعد باعتبار معنى المجازاة، أو بسيكفرون أو بيكونون أو بيملكُون بعداً، أو يقدر يوم الخ نفعل بالفريقين ما لا يحيط ببيانه كلام. {نحشر المتقينَ إلى الرَّحمن وفداً} نجمعهم الى كرامة الرحمن، أو الى ثواب الرحمن، أو الى جنة الرحمن، أو نحو ذلك، فذلك بتقدير مضاف أو كناية عن ذلك بلا تقدير، ومقتضى الظاهر إلينا، وكلن ذكر الى الرحمن إشارة الى أنه يجمعهم من حيث كانوا الى من شأنه الرحمة قبل وبعد، ليرحمهم، وكثر الرحمن فى هذه السورة تعديداً للنعم الجسام، ودعاء للشكر عليها، وزجراً عن الكفر بها، وتبشيراً بها. والوفد جمع وافد كصاحب وصحب، بفتح الصاد، وراكب، وفى ذكره تبشير لأن الوافد من يأتى الملك لجلب نفع، أو دفع ضر، أو لهما، ومن شأنه أن يكون راكباً لا لزوماً فتفسر الآية بالركب لأنها فى مقام الإكرام، وعن على سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية فقلت: هل الوفد إلا المركب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة، وعليها حال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، ينهون الى باب الجنة" تفسير : رواه ابن أبى حاتم، وابن دويه، وابن أبى الدنيا. وعن على: على نوق رحالها من الذهب، ونجائب سروحها يواقيت، إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت، أى إن هموا بسيرها سارت، من هموا بطيرانها طارت، وكذلك فسر ابن عباس الوفد بالركبان، والنوق من الجنة، كما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل فى ذلك الحدث، لكن رواه موقوفاً عن على وعن عمرو بن قيس، يركبون على تماثيل تصور من أعمالهم الصالحات، فى غاية الحسن، ويرون: يركبون على ما أحبوا من إبل أو خيل أو سفن. والحديث والآية فى طائفة من المؤمنين، لا يحاسبون وإلا فمن يكون من المؤمنين فى المحشر والحساب، من هذه الأمة، فهم السبعون ألفاً، ومع كل واحد سبعون ألفاً لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، يدخلون الجنة بغير حساب، وثلاث حثيات من حثيات الرب، ولعل هؤلاء الحثيات ما ورد من أنه زاده هكذا فبسط باعه، فحثا. والحامدون الله فى السراء والضراء، والذين تتجافى جنوبهم الخ، والذين لا تلهيهم تجارة الخ، ومن مات فى طريق مكة ذاهباً أو راجعاً، والمتعلم، والمطيعة لزوجها، والبار بوالديه، والرحيم الصبور، أو المراد ينتهون الى الجنة بعد الموقف، وفى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طوابق راغبين وراهبين، واثنان على بعير وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر معهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا ". تفسير : فى الترمذى عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم" قيل: يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم. قال: "الذى أمشاهم على أقدامهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك"" تفسير : ويحتمل أن الآية فى غير هؤلاء من المؤمنين، يحشرون على الدواب الى الموقف والوفادة، تمثيل للإكرام، لا تحقيق من كل وجه، لأن المتقين يذهبون الى الرحمن يحزم أن لهم الخير، وأنهم لا يفارقون المحل، بخلاف وفد الدنيا فإنه يفارق المحل، وعكس ذلك فى المجرمين فقال: {ونسُوقُ المجْرمين إلى جَهنَّم وِرْداً} عطاشاً، وأصله مصدر، وذلك مجاز لعلاقة اللزوم، لأنه من يرد الماء يرده لعطش فى الجملة، أو لا يطلق الورود فى الماء إلا للعطش، ويجوز أن يكون معنى وارداً دواب ترد الماء على التشبيه البليغ، وقوى التشبيه بحذف أداته، وبذكر ما يناسبها إذ قال: ونسوق وذلك تحقير لهم، ولا سيما أن المورود النار لا الماء، فانظركم بين الآيتين، جعلنا الله من أهل الأولى، وكل من الحشر والسوق بعد الحساب ووقوف المحشر.

الالوسي

تفسير : أي ركباناً كما أخرجه جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن أبـي الدنيا في «صفة الجنة» وابن أبـي حاتم وابن مردويه من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقلت: يا رسول الله هل الوفد إلا الركب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مثل مد البصر وينتهون إلى باب الجنة» تفسير : الحديث، وهذه النوق من الجنة كما صرح به في حديث أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد وغيره موقوفاً على علي كرم الله تعالى وجهه، وروي عن عمرو بن قيس أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة هي في غاية الحسن، ويروى أنه يركب كل منهم ما أحب من إبل أو خيل أو سفن تجىء عائمة بهم. وأصل الوفد جمع وافد كالوفود والأوفاد والوفد من وفد إليه وعليه يفد وفداً ووفوداً ووفادة وإفادة قدم وورد. / وفي «النهاية» ((الوفد هم القوم يجتمعون ويردون البلاد واحدهم وافد وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك))، وقال الراغب: ((الوفد والوفود هم الذين يقدمون على الملوك مستنجزين الحوائج، ومنه الوافد من الإبل وهو السابق لعيرها))، وهذا المعنى الذي ذكره هو المشهور، ومن هنا قيل: إن لفظة الوفد مشعرة بالإكرام والتبجيل حيث آذنت بتشبيه حالة المتقين بحالة وفود الملوك وليس المراد حقيقة الوفادة من سائر الحيثيات لأنها تتضمن الانصراف من الموفود عليه والمتقون مقيمون أبداً في ثواب ربهم عز وجل. والكلام على تقدير مضاف أي إلى كرامة الرحمن أو ثوابه وهو الجنة أو إلى دار كرامته أو نحو ذلك، وقيل: الحشر إلى الرحمن كناية عن ذلك فلا تقدير، وكان الظاهر الضمير بأن يقال يوم نحشر المتقين إلينا إلا أنه اختير الرحمن إيذاناً بأنهم يجمعون من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة إلى من يرحمهم. قال القاضي: ولاختيار الرحمن في هذه السورة شأن، ولعله أن مساق الكلام فيها لتعداد النعم الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها فكأنه قيل: هنا يوم نحشر المتقين إلى ربهم الذي غمرهم من قبل برحمته وشملهم برأفته وحاصله يوم نحشرهم إلى من عودهم الرحمة وفي ذلك من عظيم البشارة ما فيه، وقد قابل سبحانه ذلك بقوله جل وعلا: {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ...}.

ابن عاشور

تفسير : إتمام لإثبات قلة غَناء آلهتهم عنهم تبعاً لقوله: {أية : ويكونون عليهم ضداً}تفسير : [مريم: 82]. فجملة: {لا يملكون الشّفاعة} هو مبدأ الكلام، وهو بيان لجملة: {ويكونون عليهم ضداً}. والظرف وما أضيف الظرف إليه إدماجٌ بينت به كرامة المؤمنين وإهانة الكافرين. وفي ضمنه زيادة بيان لجملة {ويكونون عليهم ضداً} بأنهم كانوا سبب سَوقهم إلى جهنم ورداً ومخالفتهم لحال المؤمنين في ذلك المشهد العظيم. فالظرف متعلّق بــــ{يملكون}. وضمير {لا يملكون} عائد للآلهة. والمعنى: لا يقدرون على أن ينفعوا من اتخذوهم آلهة ليكونوا لهم عزّاً. والحشر: الجمع مطلقاً، يكون في الخير كما هنا، وفي الشرّ كقوله: {أية : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم}تفسير : [الصافات: 22، 23]، ولذلك أتبع فعل {نحشر} بقيد {وَفداً}، أي حَشْر الوفود إلى الملوك، فإن الوفود يكونون مُكرمين، وكانت لملوك العرب وكرمائهم وفود في أوقات، ولأعيان العرب وفادات سنويّة على ملوكهم وسادتهم، ولكلّ قبيلة وفادة، وفي المثل: «إن الشّقِيّ وافد البراجم». وقد اتّبع العرب هذه السنّة فوفدوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنّه أشرف السادة. وسنةُ الوفود هي سنة تسع من الهجرة تلت فتحَ مكة بعموم الإسلام بلاد العرب. وذكر صفة {الرَّحمان} هنا واضحة المناسبة للوفد. والسوق: تسيير الأنعام قُدام رعاتها، يجعلونها أمَامهم لترهب زجرهم وسياطهم فلا تتفلّت عليهم، فالسوق: سير خوفٌ وحذر. وقوله {ورداً} حال قصد منها التشبيه، فلذلك جاءت جامدة لأن معنى التشبيه يجعلها كالمشتق. والوِرد ــــ بكسر الواو ــــ: أصله السير إلى الماء، وتسمى الأنعامُ الواردة وِرداً تسمية على حذف المضاف، أي ذات ورد، كما يسمى الماء الذي يرده القوم ورداً. قال تعالى: {أية : وبئس الورد المورود}تفسير : [هود: 98]. والاستثناء في {إلاّ من اتخذ عند الرحمان عهداً} استثناء منقطع، أي لكن يملك الشفاعة يومئذ من اتخذ عند الرحمان عهداً، أي من وعده الله بأن يشفع وهم الأنبياء والملائكة. ومعنى {لا يملكون} لا يستطيعون، فإنّ المِلك يطلق على المقدرة والاستطاعة. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} تفسير : في سورة العقود (76).

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفداً. والوفد على التحقيق: جمع وافد كصاحب وصحب. وراكب وركب. وقدمنا في سورة "النحل" أن التحقيق أن الفعل بفتح فسكون من صيغ جموع الكثرة للفاعل وصفاً، وبينا شواهد ذلك من العربية، وإن أغفله الصرفيون. والوافد: من يأتي إلى الملك مثلاً في أمر له شأن. وجمهور المفسرين على أن معنى قوله {وفداً} أي ركباناً. وبعض العلماء يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وبعضهم يقول: يحشرون ركباناً على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني. فذلك قوله {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: ركباناً". وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثني ابن مهدي عن سعيد عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة "{يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: على الإبل:". وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق. وقال قتادة {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: إلى الجنة. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعيد قال: كنا جلوساً عند علي رضي الله عنه فقرأ هذه الآية {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} قال: والله ما على أرجلهم يحشرون. ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم يرَ الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة!!" وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به، وزاد عليها: "رحائل من ذهب، وأزمتها الزبرجد..""، والباقي مثله. وروى ابن أبي حاتم هنا حديثاً غريباً جداً مرفوعاً عن علي قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا سلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن علياً كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَالذي نفسي بيده، إِنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيضٍ لها أَجنحة وعليها رحائل الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرةٍ ينبعُ من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم في دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذهب. فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين يا علي. فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها ليفتح له فإذا رآه خر له (قال سلمة: أراه قال ساجداً) فيقول ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفوا أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه.." تفسير : إلى آخر الحديث بطوله. وفي آخر السياق: هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعاً. وقد رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه، وهو أشبه بالصحة. والله أعلم. وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة، أما من القبر فالظاهر أنهم يحشرون مشاة. بدليل حديث ابن عباس الدال على أنهم يحشرون حفاة عراة غرلاً. هذا هو الظاهر وجزم به القرطبي. والله تعالى أعلم. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} السوق معروف. والمجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام. والإجرام: ارتكاب الجريمة، وهي الذنب الذي يستحق صاحبه به النكال والعذاب. ولم يأت الإجرام في القرآن إلا من أَجرم الرباعي على وزن أَفعل. ويجوز إتيانه في اللغة بصيغة الثلاثي فتقول: جَرم يجْرمُ كضرب يضرِب. والفاعل منه جارم، والمفعول مجْروم، كما هو ظاهر، ومنه قول عمرو بن البراقة النهمي: شعر : وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناس مجروم عليه وجارمُ تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {ورداً} أي عطاشاً. وأصل الورد: الإتيان إلى الماء، ولما كان الإتيان إلى الماء لا يكون إلا من العطش أطلق هنا اسم الورد على الجماعة العطاش، أعاذنا الله والمسلمين من العطش في الآخرة والدنيا. ومن إطلاق الورد على المسير إلى الماء قول الراجز يخاطب ناقته: شعر : ردي ردي ورد قطاة صما كدرية أعجبها برد الما تفسير : واختلف العلماء في العامل الناصب لقوله {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ} فقيل منصوب بـ {أية : يَمْلِكُونَ}تفسير : [مريم: 87] بعده. أي لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين. واختاره أبو حيان في البحر. وقيل: منصوب بـ "اذكر" أو احذر مقدراً. وفيه أقوال غير ذلك. وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة "الزمر": {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : [الزمر: 72-73].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 85- اذكر - أيها الرسول - اليوم الذى نجمع فيه المتقين إلى جنة الرحمن وفوداً وجماعات مكرمين. 86- وندفع فيه المجرمين إلى جهنم عطاشا، كاندفاع الدواب العطاش إلى الماء. 87- ولا يملك الشفاعة فى هذا اليوم أحد إلا من يأذن الله تعالى له، لعهد كان له. 88- لقد قال المشركون واليهود والنصارى: إن الله اتخذ ولدا من الملائكة أو من الناس. 89- لقد أتيتم - أيها القائلون - بذلك القول أمراً منكراً، تنكره العقول المستقيمة. 90- تكاد السموات يتشققن منه، وتنخسف الأرض، وتسقط الجبال قطعاً مفتتة. 91- وإنما تقرب حوادث السموات والأرض والجبال أن تقع، لأنهم سموا لله ولدا. 92- وما يستقيم فى العقل أن يكون لله ولد، لأن إثبات الولد له يقتضى حدوثه وحاجته. 93- ما كل من فى السموات والأرض إلا سيأتى الله سبحانه يوم القيامة عبداً خاضعاً لألوهيته. 94- لقد أحاط علمه بهم جميعاً وبأعمالهم، فلا يخفى عليه أحد منهم ولا شئ من أعمالهم. 95- وهم جميعاً يجيئون إليه يوم القيامة منفردين عن النصراء وعن الولد والمال. 96- إن المؤمنين العاملين الصالحات يُحبهم الله، ويُحببهم إلى الناس.

د. أسعد حومد

تفسير : (85) - وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْشُرُ اللهُ تَعَالَى الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَ رَبِّهِمْ، إِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ، كَمَا يُكْرَمُ الوُفُودُ القَادِمُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ. الوَفْدُ - القَادِمُونَ رَاكِبِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق - تبارك وتعالى - أعطانا صوراً متعددة ومشاهد مختلفة ليوم القيامة، فأعطانا صورة للمعبود الباطل، وللعابدين للباطل، وما حدث بين الطرفين من جدال ونقاش، وأعطانا صورة لمن تعاونوا على الشر، ولمَنْ تعاونوا على الخير. وهذه صورة أخرى تعرض للمتقين في ناحية، والمجرمين في ناحية، فما هي صورة المتقين؟ نحشر: أي: نجمع، والوفد هم الجماعة ترِدُ على الملِك لأخْذ عطاياه، جمعها وفود، والواحد وافد. وهذه حال المتقين حين يجمعهم الله يوم القيامة وَفْداً لأخذ عطايا ربهم تبارك وتعالى. ولا تظن أنهم يُحشَرون ماشين مثلاً، لا، بل كل مؤمن تقي يركب ناقة لم يُرَ مثل حُسْنها، رَحْلها من ذهب، وأزمّتها من الزبرجد. وفي المقابل يقول الحق تبارك وتعالى: {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ} [مريم: 85] وهم الذين يتقون بالله عمّا سواه {إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} [مريم: 85] على متون جذبات العناية الحضرة الرحمانية، وإنما خصّ حشر وفد المتقين إلى حضرة الرحمانية؛ لأنها من صفات اللطف، ومن شأنها: الاتحاد والإنعام والفضل والكرم والتقريب والمواهب. {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ} [مريم: 86] أهل الإنكار والإعراض {إِلَىٰ جَهَنَّمَ} [مريم: 86] البعد والنكرة {وِرْداً} [مريم: 86] بالقهر والخذلان {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} [مريم: 87] يعني: يوم الميثاق كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تفسير : [يس: 60-61] ثم أوفى بعهده من الله بألاَّ تعبد ما سوى الحق تعالى من الدنيا والآخرة فإن من يكون مقيداً بشيء من الدنيا والآخرة يحتاج إلى شفيع يخلصه من ذلك القيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم عليه السلام ". تفسير : ثم أخبر عن ناقضي العهود من أهل الجحود بقوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} [مريم: 88] إلى قوله: {فَرْداً} [مريم: 95]، {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} [مريم: 88] يشير إلى: إن تجاسرهم وتعديهم في مثل هذا القول إنما كان من نتائج صفة الرحمانية إذ هم بها أقدموا على هذا القول؛ لأنه تعالى كان عالماً سرهم بأحوالهم أنهم خلقوا على هذه السجية ولا بدّ بأن يصدر منهم هذه المقالة، فلولا صفة الرحمانية لما سامحت الألوهية بإيجادهم، فبالرحمانية خلقوا، وبالرحمانية قد نطقوا بالرحمانية. قال: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} [مريم: 89-91] فإن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا إلا أن الألوهية كانت مقتضية للوحدانية في الوجود، كما أنه تعالى وحداني الذات {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} [مريم: 92] لأن الولد بضعة من الوالد، وما له بضعة فهو مركب، ولا بدّ للمركب من مؤلف، والمحتاج إلى المؤلف لا يصح أن يكون إلهاً. ولقوله: {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} [مريم: 93] يشير إلى أن الرحمانية اقتضت إيجاد السماوات والأرض ومن فيهن، والصفاتية والألوهية كانت في الأزل مقتضية بألاَّ يكون لذاته تعالى شريك في الوجود حتى سبقت رحمته بالرحمانية غضبه وهو القهارية، فبالرحمانية خلق ما خلق، وبالرحمانية عبده من عبده وعرفه من عرفه، وبالرحمانية {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ} [مريم: 94] في الأزل من العباد وهم معدودون. {وَعَدَّهُمْ عَدّاً} [مريم: 94] في الموجودين على وفق مشيئته من السعداء والأشقياء {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} [مريم: 95] عن مشيئتهم، بل هو آت بهم على وفق مشيئته وإرادته القديمة الأزلية الأبدية على قانون حكمته البالغة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن تفاوت الفريقين المتقين، والمجرمين، وأن المتقين له -باتقاء الشرك والبدع والمعاصي- يحشرهم إلى موقف القيامة مكرمين، مبجلين معظمين، وأن مآلهم الرحمن، وقصدهم المنان، وفودا إليه، والوافد لا بد أن يكون في قلبه من الرجاء، وحسن الظن بالوافد [إليه] ما هو معلوم، فالمتقون يفدون إلى الرحمن، راجين منه رحمته وعميم إحسانه، والفوز بعطاياه في دار رضوانه، وذلك بسبب ما قدموه من العمل بتقواه، واتباع مراضيه، وأن الله عهد إليهم بذلك الثواب على ألسنة رسله فتوجهوا إلى ربهم مطمئنين به، واثقين بفضله. وأما المجرمون، فإنهم يساقون إلى جهنم وردا، أي: عطاشا، وهذا أبشع ما يكون من الحالات، سوقهم على وجه الذل والصغار إلى أعظم سجن وأفظع عقوبة، وهو جهنم، في حال ظمئهم ونصبهم يستغيثون فلا يغاثون، ويدعون فلا يستجاب لهم، ويستشفعون فلا يشفع لهم، ولهذا قال: { لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ } أي: ليست الشفاعة ملكهم، ولا لهم منها شيء، وإنما هي لله تعالى {أية : قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } تفسير : وقد أخبر أنه لا تنفعهم شفاعة الشافعين، لأنهم لم يتخذوا عنده عهدا بالإيمان به وبرسله، وإلا فمن اتخذ عنده عهدا فآمن به وبرسله واتبعهم، فإنه ممن ارتضاه الله، وتحصل له الشفاعة كما قال تعالى: {أية : وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } تفسير : وسمى الله الإيمان به واتباع رسله عهدا، لأنه عهد في كتبه وعلى ألسنة رسله، بالجزاء الجميل لمن اتبعهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1789- [حدّثنا عبد الرزاق، عن] معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}: الآية: 85] قال: وفداً إلى الجنَّةِ.