١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
87
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ } الضمير فيها للعباد المدلول عليها بذكر القسمين وهو الناصب لليوم. {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } إلا من تحلى بما يستعد به ويستأهل أن يشفع للعصاة من الإِيمان والعمل الصالح على ما وعد الله تعالى، أو إلا من اتخذ من الله إذناً فيها كقوله تعالى: {أية : لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ }تفسير : [طه: 109] من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به، ومحله الرفع على البدل من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ، أو على الاستثناء. وقيل الضمير للمجرمين والمعنى: لا يملكون الشفاعة فيهم إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً يستعد به أن يشفع له بالإِسلام.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَّ يَمْلِكُونَ } أي الناس {ٱلشَّفَٰعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْداً } أي شهادة أن لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَهْداً} وعداً من الله ـ تعالى ـ، أو إيماناً به.
القشيري
تفسير : وذلك العهدُ حِفْظُهم في دنياهم ما أُخِذَ عليهم - يومَ الميثاق - من القيام بالشهادة بوحدانية مولاهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا} ان كانت الشفاعة مصدرا من المبنى للفاعل والعهد بمعنى الاذن لانه يقال عهد الامير الى فلان بكذا اذا امره به فالمعنى لا يملك احد من العباد ايا من كان ان يشفع للعصاة الا من اتخذ من الله اذنا فيها كقوله تعالى {أية : من ذا الذى يشفع عنده الا بإذنه}تفسير : وان كانت مصدرا من المبنى للمفعول والعهد عهد الايمان فالمعنى لا يملك المجرمون ان يشفع لهم الا من كان منهم مسلما. حديث : وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان النبى عليه السلام قال لاصحابه ذات يوم "أيعجز احدكم ان يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا" قالوا وكيف ذلك قال "يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السماوات والارض عالم الغيب والشهادة انى اعهد اليك بأنى اشهد ان لا الله الا انت وحدك لا شريك لك وان محمد عبدك ورسولك وانك ان تكلنى الى نفسى تقربنى من الشر وتباعدنى من الخير وانى لا اثق الا برحمتك فاجعل لى عهدا توفينيه يوم القيامة انك لا تخلف المعياد فاذا قال ذلك طبع عليه بطابع"تفسير : اى ختم عليه بخاتم "حديث : ووضع تحت العرش فاذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذين لهم عند الرحمن عهدا فيدخلون الجنة تفسير : كما فى بحر العلوم الكبير "
الجنابذي
تفسير : {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ} اى العباد المطلق المستفاد من ذكر القسمين او المجرمون {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} استثناء من فاعل يملكون او من الشّفاعة بتقدير شفاعة من اتّخذ عند الرّحمن عهداً، او استثناء مفرّغ اى لا يملكون لاحدٍ الشّفاعة الاّ لمن اتّخذ عند الرّحمن عهداً، والشّفاعة اعمّ من المصدر المبنىّ للفاعل و المفعول او هو مبنىّ للفاعل والمعنى لا يملكون شفاعتهم للغير او شفاعة الغير لهم وقد اشير فى الاخبار الى الكلّ، والعهد المأخوذ عند الرّحمن هو عهد البيعة وقد فسّر فى الاخبار بعهد الولاية والبيعة مع علىٍّ (ع) فانّ اخذ العهد عند الرّحمن من دون مظاهره وخلفائه لا يتصوّر لاحدٍ، وقد ورد عن الصّادق (ع) انّه قال الا من دان الله بولاية امير المؤمنين (ع) والائمّة من بعده فهو العهد عند الله، وورد عنه ايضاً انّه قال: لا يشفع لهم ولا يشفعون الاّ من اتّخذ عند الرّحمن عهداً؛ الاّ من اذن له بولاية امير المؤمنين (ع) والائمّة (ع) من بعده فهو العهد عند الله، والولاية قد تكرّر فى مطاوى ما سلف انّها البيعة لا غير، وقد ذكر فى الاخبار لبيان العهد بحسب الظّاهر امورٌ اُخر من عهد الوصيّة وغيره.
اطفيش
تفسير : {لاَ يَمْلِكُونَ} الضمير للعباد ودل عليه ذكر المتقين والمؤمنين. {الشَّفَاعَةَ إلاّ مَنِ اتّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} شهادة أن لا إله إلا الله، والعمل الصالح. ومن بدل، أو منصوب المحل على الاستثناء. وأجاز الزمخشرى كون واو يملكون علامة للجمع. ومن فاعل، وهى جمع فى المعنى. قلت: وهو ضعيف لأنه بمنزلة قرن الفعل فى التفريغ بالتاء مثل ما قامت هند. ويجوز كون المعنى إلا من أخذ من الله إذنا فيها كقوله: {أية : لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن} تفسير : كقولك: عهد الأمير إلىَّ بكذا إذا أمرنى به. ويجوز كون مَن مفعولا به على حذف مضاف، أى إلا شفاعة من اتخذ. وقيل: الضمير للمجرمين، أى لا يملكون أن يشفع أحد فيهم إلا من اتخذ عند الله عهدا منهم بالإسلام. والاستثناء متصل لا منقطع كما قيل. وقيل: الواو للمتقين. وقيل: الضمير للناس ومَن عائد للنبى صلى الله عليه وسلم، أى إلا النبى محمدا الذى اتخذ عهد ذلك. فالشفاعة هى الشفاعة العامة لأهل الموقف من طول الوقوف. وقيل: العهد: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وروى أنه ينادَى يوم القيامة: من كان له عندى عهد فليقم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات يوم: حديث : أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا؟ قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إنى أعهد إليك بأنى أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنك إن تكلنى إلى نفسى تقربنى إلى الشر، وتباعدنى عن الخير، وإنى لا أثق إلا فى رحمتك فاجعل لى عهدا توفِينيه يوم القيامة؛ إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبُع عليه بطابع، ووضع تحت العرش. فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة .
اطفيش
تفسير : {لا يمْلكُونَ الشَّفَاعة} الواو للناس كلهم وكذا الجن أو للمتقين، والمعنى لا يملكون أن يشفعوا لأحد، أو الواو للمجرمين من أهل التوحيد والشرك، والمعنى لا يملكون لن يشفع لهم أحد {إلا مَن اتخذَ عنْد الرَّحْمنِ عهْداً} استثناء متصل من الواو العائدة الى العباد مطلقاً، والعهد ما وعد الله لهم من أن يشفعوا لغيرهم، ويقال عهد الأمير الى فلان بكذا إذا أمر له به، وعن ابن عباس: العهد لا إله إلا الله متبعاً بالأعمال الصالحات، وروى قرأ ابن مسعود الآية وقال: يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة: "حديث : من كان له عندى عهد فليقم، ولا يقوم إلا من قال فى الدنيا: اللهم فاطر السَّماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إنى أعهد إليك فى هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلنى إلى نفسى تقربنى من الشر. وتبعدنى من الخير، وإنى لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لى عندك عهداً تؤديه إلىَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد"تفسير : رواه ابن أبى شيبة، وابن أبى حاتم، والطبرانى، وابن مردويه، والحاكم وصححه موقوفاً. وعن ابن مسعود أنه قال رسول الله لأصحابه ذات يوم: "حديث : أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عهداً عند الله؟ قالوا فكيف ذلك؟ قال: يقول كل صباح وكل مساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إنى أعهد إليك بأنى أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك وأنك إن تكلنى الى نفسى تقربنى من الشر، وتباعدنى من الخير، وإنى لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لى عهداً توفينه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع، ووضع تحت العرش، فإذا كل يوم القيامة نادى مناد، أين الذين كان لهم عهد عند الله، فيدخلوا الجنة ". تفسير : وأخرج ابن أبى شيبة، والسدى، وابن جريح، عن مقاتل أن العهد الصلاح،، وقال الليث: حفظ كتاب الله، أو العهد الأمر والإذن، يقال عهد الأمير إلى فلان بكذا، وهذا نفس العهد، وما قبله من الأوجه، تشبيه به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الرجل من أمتى ليشفع فى الفئام من المناسب، فيدخلون الجنة بشفاعته، وإن الرجل ليشفع للرجل وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته" تفسير : والفئام الجماعة أى يدخلون على يده، وهم من أهل الصلاح استحقوا التأخير لأمر، ما فيعجل لهم على يده أو يزاد لهم على يده درجات، أو تفخيم أو المراد بمن اتخذ عند الرحمن عهداً هو النبى صلى الله عليه وسلم، والعهد قوله تعالى: "أية : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً" تفسير : [الإسراء: 79]. والشفاعة هى العامة بأن يأذن لهم بإذن الله فى الشروع فى الحساب، أو أن يأذن لهم فى دخول الجنة بعد الفراغ منه، وهذا بعيد، وعليه فالاستثناء متصل إذا كان الواو للعباد أو للمتقين، منقطع إذا كانت للمجرمين والمشركين والأوجه السابقة أولى، والمعنى لا يملكون إلا شفاعة من اتخذ، والمراد بالعهد الإيمان وإضافة المصدر الى المفعول أو لا يملك المتقون الشفاعة لأحد إلا من اتخذ وأجيز كون من فاعل يملك، والواو علامة، وفيه أن هذا خلاف الأصل، وأن هذه الواو تشير للجمع، وهو تفصيل، وفى من عموم فيكون إجمال بعد تفصيل والمعروف عكسه.
الالوسي
تفسير : {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ } والذي يقتضيه مقام التهويل وتستدعيه جزالة التنزيل أن ينتصب بأحد الوجهين الأولين ويكون هذا استئنافاً مبيناً لبعض ما في ذلك اليوم من الأمور الدالة على هوله، وضمير الجمع لما يعم المتقين والمجرمين أي العباد مطلقاً وقيل: للمتقين، وقيل: للمجرمين من أهل الإيمان وأهل الكفر و{الشفاعة}، على الأولين مصدر المبنى للفاعل وعلى الثالث ينبغي أن يكون مصدر المبني للمفعول. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } استثناء متصل من الضمير على الأول ومحل المستثنى إما الرفع على البدل أو النصب على أصل الاستثناء، والمعنى لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم إلا من اتصف منهم بما يستأهل معه أن يشفع وهو المراد بالعهد، وفسره ابن عباس بشهادة أن لا إله إلا الله والتبري من الحول والقوة عدم رجاء أحد إلا الله تعالى، وأخرج ابن أبـي شيبة وابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه / والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه قرأ الآية وقال: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: «من كان له عندي عهد فليقم فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا: اللهم فاطر السمٰوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عهداً عندك تؤديه إلى يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد»، وأخرج ابن أبـي شيبة عن مقاتل أنه قال: العهد الصلاح، وروي نحوه عن السدي وابن جريج، وقال الليث: هو حفظ كتاب الله تعالى، وتسمية ما ذكر عهداً على سبيل التشبيه، وقيل: المراد بالعهد الأمر والإذن من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يملك العباد أن يشفعوا إلا من أذن الله عز وجل له بالشفاعة وأمره بها فإنه يملك ذلك، ولا يأبى {عِندَ } الاتخاذ أصلاً فإنه كما يقال: أخذت الإذن في كذا يقال: اتخذته، نعم في قوله تعالى: {عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ } نوع إباء عنه مع أن الجمهور على الأول، والمراد بالشفاعة على القولين ما يعم الشفاعة في دخول الجنة والشفاعة في غيره ونازع في ذلك المعتزلة فلم يجوزوا الشفاعة في دخول الجنة والأخبار تكذبهم، فعن أبـي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الرجل من أمتي ليشفع للفئام من الناس فيدخلون الجنة بشفاعته وإن الرجل ليشفع للرجل وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعتهتفسير : ، وجوز ابن عطية أن يراد بالشفاعة الشفاعة العامة في فصل القضاء وبمن اتخذ النبـي صلى الله عليه وسلم وبالعهد الوعد بذلك في قوله سبحانه وتعالى:{أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } تفسير : [الإسراء: 79] وهو خلاف الظاهر جداً. وعلى الوجه الثاني في ضمير الجمع الاستثناء من الشفاعة بتقدير مضاف وهو متصل أيضاً. وفي المستثنى الوجهان السابقان أي لا يملك المتقون الشفاعة إلا شفاعة من اتخذ عند الرحمن عهداً، والمراد به الإيمان، وإضافة المصدر إلى المفعول. وقيل: المستثنى منه محذوف على هذا الوجه أي لا يملك المتقون الشفاعة لأحد إلا من اتخذ الخ أي إلا لمن اتصف بالإيمان. وجوز أن يكون الاستثناء من الشفاعة بتقدير المضاف على الوجه الأول في الضمير أيضاً، وأن يكون المصدر مضافاً لفاعله أو مضافاً لمفعوله. وجوز عليه أيضاً أن يكون المستثنى منه محذوفاً كما سمعت. وعلى الوجه الثالث الاستثناء من الضمير وهو متصل أيضاً، وفي المستثنى الوجهان أي لا يملك المجرمون أن يشفع لهم إلا من كان مؤمناً فإنه يملك أن يشفع له. وقيل: الاستثناء على تقدير رجوع الضمير إلى المجرمين منقطع لأن المراد بهم الكفار، وحمل ذلك على العصاة والكفار بعيد كما قال أبو حيان، والمستثنى حينئذ لازم النصب عند الحجازيين جائز نصبه وإبداله عند تميم. وجوز الزمخشري أن تكون الواو في {لاَّ يَمْلِكُونَ } علامة الجمع كالتي في ـ أكلوني البراغيث ـ والفاعل {مَنِ ٱتَّخَذَ } لأنه في معنى الجمع. وتعقبه أبو حيان بقوله: ((لا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح جعل الواو ضميراً، وذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنها لغة ضعيفة، وأيضاً فالواو والألف والنون التي تكون علامات لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلا بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف إما أن يأتي بلفظ مفرد يطلق على جمع أومثنى فيحتاج في إثباته إلى نقل، وأما عود الضمائر مثناة ومجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب فيمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر ولكن الأحوط أن لا يقال ذلك إلا بسماع)) انتهى. وتعقبه أيضاً ابن المنير ((بأن فيه تعسفاً لأنه إذا جعل الواو علامة لمن ثم أعاد على لفظها بالإفراد ضمير {ٱتَّخَذَ } كان ذلك إجمالاً بعد إيضاح وهو تعكيس في طريق البلاغة التي / هي الإيضاح بعد الإجمال والواو على إعرابه وإن لم تكن عائدة على من إلا أنها كاشفة لمعناها كشف الضمير العائد لها ثم قال: فتنبه لهذا النقد فإنه أروج من النقد:شعر : وفي عنق الحسناء يستحسن العقدتفسير : انتهى، ومنه يعلم القول بجواز رجوع الضمير لها أولاً باعتبار معناها وثانياً باعتبار لفظها لا يخلو عن كدر.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في الآية وجهان أو أوجه من التفسير كلها حق، وكل واحد منها يشهد له قرآن فإنا نذكر الجميع وأدلته من كتاب الله تعالى لأنه كله حق، فإذا علمت ذلك فاعلم - أن هذه الآية الكريمة من ذلك النوع. قال بعض أهل العلم: الواو في قوله {لا يملكون} راجعة إلى {المجرمين} المذكورين في قوله {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ}تفسير : [مريم: 86] أي لا يملك المجرمون الشَّفاعة، أي لا يستحقون أن يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب. وهذا الوجه من التفسير تشهد له آيات من كتاب الله. كقوله تعالى: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}تفسير : [المدثر: 48]، وقوله تعالى: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 100-101]، وقوله تعالى: {أية : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}تفسير : [غافر: 18] الآية. وقوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 28] مع قوله: {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ}تفسير : [الزمر: 7]، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم، لأنهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى. وعلى كون الواو في {لا يملكون} راجعة إلى {المجرمين} فالاستثناء منقطع و"من" في محل نصب. والمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً يملكون الشفاعة، أي بتمليك الله إياهم وإذنه لهم فيها. فيملكون الشافعون بما ذكرنا ويستحقها به المشفوع لهم، قال تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة: 255]، وقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}، وقال: {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ}تفسير : [النجم: 26]. وقال بعض أهل العلم: الواو في قوله {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ} راجعة إلى "المتقين والمجرمين" جميعاً المذكورين في قوله {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً}تفسير : [مريم: 85-86] وعليه فالاستثناء في قوله {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}: متصل. و {من} بدل من الواو في "لا يملكون" أي لا يملك من جميعهم أحد الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً وهم المؤمنون. والعهد: العمل الصالح. والقول بأنه لا إله إلا الله وغيره من الأقوال يدخل في ذلك. أي إلا المؤمنون فإنهم يشفع بعضهم في بعض. كما قال تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً}تفسير : [طه: 109]. وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك، وهو قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الزخرف: 86] الآية: أي لكن من شهد بالحق يشفع بإذن الله له في ذلك. وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ}تفسير : [الروم: 12-13] الآية، وقال تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ}تفسير : [يونس: 18] الآية. والأحاديث في الشفاعة وأنواعها كثيرة معروفة. والعلم عند الله تعالى. وفي إعراب جملة {لا يملكون} وجهان: الأول - أنها حالية. أي نسوق المجرمين إلى جهنم في حال كونهم لا يملكون شفاعة. أو نحشر المتقين ونسوق المجرمين في حال كونهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً. والثاني - أنها مستأنفة للإخبار، حكاه أبو حيان في البحر. ومن أقوال العلماء في العهد المذكور في الآية: أنه المحافظة على الصلوات الخمس، واستدل من قال ذلك بحديث عبادة ابن الصامت الذي قدمنا الكلام على قوله تعالى {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}تفسير : [مريم: 59] الآية. وقال بعضهم: العهد المذكور: هو أن يقول العبد كل صباح ومساء. اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي. فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك. فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة. إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعاً ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة - انتهى. ذكره القرطبي بهذا اللفظ مرفوعاً عن ابن مسعود. وذكر صاحب الدر المنثور أنه أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود موقوفاً عليه، وليس فيه قوله: فإذا قال ذلك الخ. وذكر صاحب الدر المنثور أيضاً: أن الحكيم الترمذي أخرج نحوه مرفوعاً عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. والظاهر أن المرفوع لا يصح. والذي يظهر لي أن العهد في الآية يشمل الإيمان بالله وامتثال أمره واجتناب نهيه. خلافاً لمن زعم أن العهد في الآية كقول العرب: عهد الأمير إلى فلان بكذا. أي أمره به. أي لا يشفع إلا من أمره الله بالشفاعة. فهذا القول ليس صحيحاً في المراد بالآية وإن كان صحيحاً في نفسه. وقد دلت على صحته آيات من كتاب الله. كقوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة: 255]، وقوله: {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ}تفسير : [النجم: 26]، وقوله: {أية : وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}تفسير : [سبأ: 23]، وقوله: {أية : يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ}تفسير : [طه: 109] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً}تفسير : [مريم: 88] الآيات، قد تكلمنا عليها وعلى الآيات التي بمعناها في القرآن في مواضع متعددة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّفَاعَةَ} (87) - لاَ يَمْلِكُ الْعِبَادُ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ اللهِ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عَهْداً عِنْدَ اللهِ، بِأَنْ أَعَدَّ لَهَا عُدَّتَهَا، فَكَانَ فِي الدُّنْيا مُصْلِحاً وَهَادِياً، فَيَكُونُ فِي الآخِرَةِ شَافِعاً وَمُشفَّعاً. وَالشَّفَاعَةُ لاَ تَكُونُ إِلاَّ لَلأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالشُّهَدَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: العَهْدُ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنْ يَبْرَأَ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ، وَلاَ يَرْجُو إِلاَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الكافر حين يباشر العذاب يطمع أول ما يطمع في أن يشفعَ له معبوده، ويُخرجه ممَّا هو فيه لكِنْ هيهات، ألم تقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}تفسير : [الأحقاف: 5-6]. لذلك يقول تعالى عن هؤلاء يوم القيامة: {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ ..} [مريم: 87] لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن أخذ الإذن بها {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} [مريم: 87]. والعهد الذي تأخذه على الله بالشفاعة أنْ تُقدِّم من الحسنات ما يسع تكاليفك أنت، ثم تزيد عليها ما يؤهلُك لأن تشفع للآخرين، والخير لا يضيع عند الله، فما زاد عن التكليف فهو في رصيدك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ولا يهمل مثقال ذرة. وعلى المؤمن - مهما كان مُسْرفاً على نفسه - ساعةَ يرى إنساناً مُقبلاً على الله مُستزيداً من الطاعات أنْ يدعوَ له بالمزيد، وأن يفرح به؛ لأن فائض طاعاته لعله يعود عليك، ولعلك تحتاج شفاعته في يوم من الأيام. أما مَنْ يحلو لهم الاستهزاء والسخرية من أهل الطاعات، كما أخبر الحق تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ}تفسير : [المطفيين: 29-32]. فكيف ستقابل أهل الطاعات، وتطمع في شفاعتهم بعدما كان منك؟ فإنْ لم تكُنْ طائعاً فلا أقلَّ من أنْ تحب الطائعين وتتمسح بهم، فهذه في حَدِّ ذاتها حسنةٌ لك ترجو نفعها يوم القيامة. وما أشبه الشفاعة في الآخرة بما حدث بيننا من شفاعة في الدنيا، فحين يستعصي عليك قضاءُ مصلحة يقولون لك: اذهب إلى فلان وسوف يقضيها لك. وفعلاً يذهب معك فلان هذا، ويقضي لك حاجتك، فلماذا قُضِيتْ على يديه هو؟ لا بُد أن له عند صاحب الحاجة هذه أياديَ لا يستطيع معها أنْ يرد له طلباً. إذن: لا بُدَّ لمن يشفع أن يكون له رصيد من الطاعات يسمح له بالشفاعة، وإذا تأملت لوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مَنْ قدّم رصيداً إيمانياً وسع تكليفه وتكليف أمته، ألم يخبر عنه ربه بقوله: {أية : يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ..}تفسير : [التوبة: 61] لذلك وجبت له الشفاعة، وأُذِن له فيها. والحق - تبارك وتعالى - لا يغفل الرصيد في خَلقه أبداً، فكل ما قدَّمت من طاعات فوق ما كلَّفك الله به مُدَّخَر لك، حتى إن الإنسان إذا اتُّهِم ظلماً، وعُوقِب على عمل لم يرتكبه فإن الله يدَّخرها له ويستر عليه ما ارتكبه فعلاً فلا يُعاقب عليه. فالعهد - إذن - في قوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} [مريم: 87] أن تدخل مع ربك في مقام الإحسان، ولا يدخل هذا المقام إلا مَنْ أدَّى ما عليه من تكليف، وإلا فكيف تكون مُحسِناً وأنت مٌقصِّر في مقام الإيمان؟ وأقرأ إنْ شئت قول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ..}تفسير : [الذاريات: 15-16] ما العلة؟ {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 16-19]. فالمحسن مَنْ يُؤدِّي من الطاعات فوق ما فرض الله عليه، ومن جنس ما فرض، فالله تعالى لم يُكلِّفنا بقيام الليل والاستغفار بالأسحار، ولم يفرض علينا صدقة للسائل والمحروم، ولا بُدَّ أنْ نُفرِّق هنا بين (حق) و(حق معلوم) هنا قال (حق) فقط؛ لأن الكلام عن الصدقة أما الحق المعلوم ففي الزكاة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} معناهُ قَولُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):