Verse. 2338 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمٰنُ وَلَدًا۝۸۸ۭ
Waqaloo ittakhatha alrrahmanu waladan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله «اتخذ الرحمن ولدا» قال تعالى لهم:

88

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما رد على عبده الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً: { أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عَزِيزٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] وقالت العرب الملائكة بنات الله والكل داخلون في هذه الآية ومنهم من خصها بالعرب الذي أثبتوا أن الملائكة بنات الله قالوا لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة أما الآن فإنه لما رد على العرب الذين قالوا بعبادة الأوثان تكلم في إفساد قول الذين قالوا بعبادة الملائكة لكونهم بنات الله أما قوله: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } فقرىء إداً بالكسر والفتح. قال ابن خالويه الإد والأد العجب وقيل المنكر العظيم والأدة الشدة وأدنى الأمر وآدنى أثقلي. قرىء يتفطرن بالتاء بعد الياء أعني المعجمة من تحتها واختلفوا في يكاد فقرأ بعضهم بالياء المعجمة من تحتها وبعضهم بالتاء من فوق، والانفطار من فطرة إذا شقه والتفطر من فطره إذا شققه وكرر الفعل فيه وقرأ ابن مسعود يتصدعن وقوله: {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } أي تهد هداً أو مهدودة أو مفعول له أي لأنها تهد والمعنى أنها تتساقط أشد ما يكون تساقط البعض على البعض، فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله تعالى في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ قلنا فيه وجوه: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى يقول أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوه بها لولا حلمي وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } تفسير : [فاطر: 41]. وثانيها: أن يكون استعظاماً للكلمة وتهويلاً من فظاعتها وتصويراً لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده. وثالثها: أن السموات والأرض والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول وهذا تأويل أبي مسلم. ورابعها: أن السموات والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب فلما تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت العيوب فيها أما قوله: {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في إعرابه ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون مجروراً بدلاً من الهاء في منه أو منصوباً بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي هذا لأن دعوا أو مرفوعاً بأنه فاعل {هَدّاً } أي هدها دعاء الولد للرحمن، والحاصل أنه تعالى بين أن سبب تلك الأمور العظيمة هذا القول. المسألة الثانية: إنما كرر لفظ الرحمن مرات تنبيهاً على أنه سبحانه وتعالى هو الرحمن وحده من قبل أن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه. المسألة الثالثة: قوله: {دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ } هو من دعا بمعنى سمى المتعدي إلى مفعولين فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلباً للعموم والإحاطة بكل من ادعى له ولداً أو من دعا بمعنى نسب الذي هو مطاوعة ما في قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من ادعى إلى غير مواليه » تفسير : . قال الشاعر: شعر : إنا بني نهشل لا ندعى لأب تفسير : أي لا ننتسب إليه، ثم قال تعالى: {وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } أي هو محال، أما الولادة المعروفة فلا مقال في امتناعها، وأما التبني فلأن الولد لا بد وأن يكون شبيهاً بالوالد ولا مشبه لله تعالى ولأن اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض لا تصح في الله من سروره به واستعانته به وذكر جميل، وكل ذلك لا يليق به، ثم قال: {إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ اتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } والمراد أنه ما من معبود لهم في السموات والأرض من الملائكة والناس إلا وهو يأتي الرحمن أي يأوي إليه ويلتجىء إلى ربوبيته عبداً منقاداً مطيعاً خاشعاً راجياً كما يفعل العبيد، ومنهم من حمله على يوم القيامة خاصة والأول أولى لأنه لا تخصيص فيه وقوله: {لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً } أي كلهم تحت أمره وتدبيره وقهره وقدرته فهو سبحانه محيط بهم، ويعلم مجمل أمورهم وتفاصيلها لا يفوته شيء من أحوالهم وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفرداً ليس معه من هؤلاء المشركين أحد وهم براء منهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } يعني اليهود والنصارى، ومن زعم أن الملائكة بنات الله. وقرأ يحيـى والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم وخلف: «وُلْداً» بضم الواو وإسكان اللام، في أربعة مواضع: من هذه السورة قوله تعالى: {أية : لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} تفسير : [مريم: 77] وقد تقدّم، وقوله: «أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وُلْداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وُلْداً». وفي سورة نوح: {أية : مَالُهُ وَوَلَدُهُ} تفسير : [نوح: 21]. ووافقهم في «نوح» خاصة ابن كثير ومجاهد وحميد وأبو عمرو ويعقوب. والباقون في الكل بالفتح في الواو واللام، وهما لغتان مثل العَرب والعُرب والعَجم والعُجم. قال:شعر : ولقد رأيت معاشرا قد ثَمَّرُوا مالاً ووُلْدا تفسير : وقال آخر: شعر : وليتَ فلاناً كان في بطنِ أمِّهِ وليت فلاناً كان وُلْد حمارِ تفسير : وقال في معنى ذلك النابغة: شعر : مَهْلاً فداءً لكَ الأقوامُ كلُّهم وما أُثَمِّر من مالٍ ومِن وَلَدِ تفسير : ففتح. وقيس يجعلون الوُلْد بالضم جمعا والوَلَد بالفتح واحداً. قال الجوهري: الوَلَد قد يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الوُلْد بالضم. ومن أمثال بني أسد: وُلْدُكِ من دَمَّى عَقِبيْكِ. وقد يكون الوُلْد جمع الوَلد مثل أُسْد وأسد: والوِلد بالكسر لغة في الوُلْد. النحاس: وفرق أبو عبيد بينهما؛ فزعم أن الوَلَد يكون للأهل والوَلَد جميعاً. قال أبو جعفر: وهذا قول مردود لا يعرفه أحد من أهل اللغة؛ ولا يكون الوَلَد والوُلْد إلا ولد الرجل، ووَلَد وَلَده، إلا أن وَلَداً أكثر في كلام العرب؛ كما قال:شعر : مَهْلاً فداءً لَكَ الأقوامُ كلُّهم وما أُثَمِّر مِنْ مالٍ ومن وَلَدِ تفسير : قال أبو جعفر وسمعت محمد بن الوليد يقول: يجوز أن يكون وُلْد جمع وَلَد، كما يقال وَثَن ووُثْن وأَسَد وأُسْد، ويجوز أن يكون وَلَد ووُلْد بمعنى واحد؛ كما يقال عَجَم وَعُجْم وعَرَب وعُرْب كما تقدّم. قوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } أي منكراً عظيماً؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. قال الجوهري: الإِدّ والإِدّة الداهِية والأمر الفظيع؛ ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } وكذلك الآدُّ مثل فاعل. وجمع الإدة إِدَدٌ. وأَدَّت فلاناً داهِيةٌ تؤدُّه أَدًّا (بالفتح) والإِدُّ أيضاً الشدّة. (والآدُّ الغلبة والقوة) قال الراجز: شعر : نَضَوْنَ عَنّي شدَّةً وأَدًّا من بَعْدِ ما كنْتُ صُمُلاًّ جَلْداً تفسير : انتهى كلامه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «أَدًّا» بفتح الهمزة. النحاس: يقال أد يؤد أدًّا فهو آد والاسم الإدّ؛ إذا جاء بشيء عظيم منكر. وقال الراجز: شعر : قد لَقِي الأقران مِنِّي نُكْرَا داهِيةً دهياء إِدًّا إِمْراً تفسير : عن غير النحاس؛ الثعلبي: وفيه ثلاث لغات «إدًّا» بالكسر وهي قراءة العامة، «وأَدًّا» بالفتح وهي قراءة السُّلَمي، و«آدٌّ» مثل مادّ، وهي لغة لبعض العرب؛ رويت عن ابن عباس وأبي العالية؛ وكأنها مأخوذة من الثقل (يقال): آدَه الحمل يَأُوده أَوْداً أثقله. قوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ} قراءة العامة هنا وفي «الشورى» بالتاء. وقراءة نافع ويحيـى والكسائي «يكاد» بالياء لتقدم الفعل. {يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي يتشققن. وقرأ نافع وابن كثير وحفص وغيرهم بتاء بعد الياء وشد الطاء من التفطر هنا وفي «الشورى». ووافقهم حمزة وابن عامر في «الشورى». وقرأا هنا «ينفطِرن» من الانفطار: وكذلك قرأها أبو عمرو وأبو بكر والمفضّل في السورتين. وهي اختيار أبي عبيد؛ لقوله تعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 1] وقوله: {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18]. وقوله: {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ} أي تتصدع. {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} قال ابن عباس: هدماً أي تسقط بصوت شديد. وفي الحديث «حديث : اللهم إني أعوذ بك من الهدِّ والهَدَّة» تفسير : قال شمر: قال أحمد بن غياث المروزي: الهدّ الهدم والهدّة الخسوف. وقال الليث: هو الهدم الشديد؛ كحائط يهدّ بمرة؛ يقال: هدَّني الأمر وهدّ ركني أي كسرني وبلغ مني؛ قاله الهروي. الجوهري: وهدّ البناء يهدّه هدّاً كسره وضعضعه، وهدّته المصيبة أي أوهنت ركنه، وانهدّ الجبل انكسر. الأصمعي: والهدّ الرجل الضعيف؛ يقول الرجل للرجل إذا أوعده: إني لَغير هدٍّ أيْ غيرُ ضعيف. وقال ابن الأعرابي: الهدّ من الرجال الجواد الكريم، وأما الجبان الضعيف فهو الهِدّ بالكسر؛ وأنشد:شعر : لَيسُوا بهِدِّين في الحُرُوب إذا تُعْقَدُ فوقَ الحرَاقِفِ النُّطُقُ تفسير : والهَدَّة صوت وقع الحائط ونحوه، تقول منه: هَدَّ يهِدُّ (بالكسر) هَدِيداً. والهادُّ صوت يسمعه أهل الساحل، يأتيهم من قبل البحر له دويٌّ في الأرض، وربما كانت منه الزلزلة، ودويُّه هديده. النحاس: «هَدًّا» مصدر؛ لأن معنى «تَخِرُّ» تُهَدّ. وقال غيره: حال أي مهدودة: {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} «أن» في موضع نصب عند الفراء بمعنى لأن دعوا ومن أن دعوا، فموضع «أن» نصب بسقوط الخافض. وزعم الفراء أن الكسائي قال: هي في موضع خفض بتقدير الخافض. وذكر ابن المبارك: حدثنا مِسْعر، عن وأصل، عن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الجبل ليقول للجبل يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال نعم سُرَّ به. ثم قرأ عبد الله {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} الآية؛ قال: أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير؟! قال: وحدّثني عوف عن غالب بن عجرد قال: حدّثني رجل من أهل الشام في مسجد مِنىً، قال: إن الله تعالى لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة، وكان لهم منها منفعة، فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم تلك الكلمة العظيمة، قولهم: اتخذ الرحمن ولداً؛ فلما قالوها اقشعرت الأرض وشاك الشجر. وقال ابن عباس: اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار، والبحار وما فيها من الحيتان، فصار من ذلك الشوك في الحيتان، وفي الأشجار الشوك. وقال ابن عباس أيضاً وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال، وجميع المخلوقات إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة فاستعرت جهنم، وشاك الشجر، واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا: اتخذ الله ولداً. وقال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، لقوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } قال ابن العربي: وصدق فإنه قول عظيم سبق به القضاء والقدر، ولولا أن الباري تبارك وتعالى لا يضعه كفر الكافر، ولا يرفعه إيمان المؤمن، ولا يزيد هذا في ملكه، كما لا ينقص ذلك من ملكه، لما جرى شيء من هذا على الألسنة، ولكنه القدوس الحكيم الحليم، فلم يبال بعد ذلك بما يقول المبطلون.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } الضمير يحتمل الوجهين لأن هذا لما كان مقولاً فيما بين الناس جاز أن ينسب إليهم.

ابن كثير

تفسير : لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى عليه السلام، وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولداً، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً، فقال: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ} أي: في قولكم هذا {شَيْئاً إِدّاً} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك: أي: عظيماً. ويقال: {إدَّاً}، بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضاً، ثلاث لغات، أشهرها الأولى. وقوله: {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} أي: يكاد يكون ذلك، عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم؛ إعظاماً للرب وإجلالاً، لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد.شعر : وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ الواحِدُ تفسير : قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية عن علي، عن ابن عباس في قوله: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه؛ لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته، وجبت له الجنة»تفسير : ، فقالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال: «حديث : تلك أوجب وأوجب»تفسير : . ثم قال: «حديث : والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن، وما بينهن وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن» تفسير : هكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة، والله أعلم. وقال الضحاك: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي: يتشققن فَرَقاً من عظمة الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ}، أي: غضباً له عز وجل، {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً}، قال ابن عباس: هدماً، وقال سعيد بن جبير: هداً ينكسر بعضها على بعض متتابعات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر عن عون عن عبد الله قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر لله عز وجل؟ فيقول: نعم ويستبشر، قال عون: لهي للخير أسمع، أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل، ولا يسمعن غيره؟ ثم قرأ: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هَوْذَة، حدثنا عوف عن غالب بن عجرد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى، قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض، وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة - أو قال: كان لهم فيها منفعة - ولم تزل الأرض والشجر بذلك، حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة؛ قولهم: اتخذ الرحمن ولداً، فلما تكلموا بها، اقشعرت الأرض، وشاك الشجر. وقال كعب الأحبار: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنه يشرك به، ويجعل له ولداً، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين". وفي لفظ: «حديث : أنهم يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم»تفسير : . وقوله: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} أي: لا يصلح له، ولا يليق به، لجلاله وعظمته؛ لأنه لا كفء له من خلقه؛ لأن جميع الخلائق عبيد له، ولهذا قال: {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً} أي: قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، {وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً} أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم أحداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } أي اليهود والنصارى ومَنْ زعم أن الملائكة بنات الله {ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَداً }.

الماوردي

تفسير : {شَيْئاً إِدّاً} فيه وجهان: أحدهما: منكراً، قاله ابن عباس. الثاني: عظيماً،قاله مجاهد. قال الراجز: شعر : في لهث منه وحبك إدّ

ابن عطية

تفسير : الضمير في {قالوا} للكفار من العرب في قولهم للملائكة بنات الله وللنصارى ولكل من كفر بهذا النوع من الكفر، وقوله {جئتم شيئاً} بعد الكناية عنهم بمعنى قل لهم يا محمد، و"الإد" الأمر الشنيع الصعب وهي الدواهي والشنع العظيمة، ويروى عن النبي عليه السلام أن هذه المقالة أول ما قيلت في العالم شاك الشجر وحدثت، وفي نسخة، وحدثت مرائره واستعرت جهنم وغضبت الملائكة وقرأ الجمهور، "إداً" بكسر الهمزة، وقرأ أبو عبدالرحمن "أداً" بفتح الهمزة، ويقال إد وأد وآد بمعنى، وقرأ ابن كثير هنا وفي حم عسق "تكاد" بالتاء "يتفطرون" بياء وفتح الطاء وشدها، ورواها حفص عن عاصم، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر"تكاد" بالتاء "ينفطِرن" بياء ونون وكسر الطاء، وقرأ نافع والكسائي "يكاد" بالياء على زوال علامة التأنيث "يتفطَّرن" بالياء والتاء وشد الطاء وفتحها في الموضعين، وقرأ حمزة وابن عامر في مريم مثل أبي عمرو وفي عسق مثل ابن كثير وقال أبو الحسن الأخفش "تكاد" بمعنى تريد، وكذلك قوله تعالى {أية : أكاد أخفيها} تفسير : [طه: 15] وأنشد على أن كاد بمعنى أراد قول الشاعر: [الكامل] شعر : كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من زمن الصبابة ما مضى تفسير : ولا حجة في هذا البيت وهذا قول قلق، وقال الجمهور: إنما هي استعارة لشنعة الأمر أي هذا حقه لو فهمت الجمادات قدره وهذا المعنى مهيع للعرب فمنه قول جرير: [الكامل] شعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : ألم تر صدعاً في السماء مبيناً على ابن لبينى الحارث بن هشام تفسير : وقال الآخر: [الوافر] شعر : وأصبح بطن مكة مقشعراً كأن الأرض ليس بها هشام تفسير : والانفطار الانشقاق على غير رتبة مقصودة والهد الانهدام والتفرق في سرعة، وقال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، وقوله {وما ينبغي} نفي على جهة التنزيه له عن ذلك، وقد تقدم ذكر هذا المعنى، وأقسام هذا اللفظ في هذه السورة، وقوله {إن كل من في السموات} الآية {إن} نافية بمعنى ما، وقرأ الجمهور "آتي الرحمن" بالإضافة، وقرأ طلحة بن مصرف "آتٍ الرحمن" بتنوين "آت" والنصب في النون، وقرأ ابن مسعود "لما آتى الرحمن"، واستدل بعض الناس بهذه الآية على أن الولد لا يكون عبداً وهذا انتزاع بعيد، و {عبداً} حال، ثم أخبر تعالى عن إحاطته ومعرفته بعبيده فذكر الإحصاء، ثم كرر المعنى بغير اللفظ، وقرأ ابن مسعود "لقد كتبهم وعدهم"، وفي مصحف أبيّ "لقد أحصاهم فأجملهم عدداً". وقوله {عداً} تأكيد للفعل وتحقيق له، وقوله {فرداً} يتضمن معنى قلة النصر والحول والقوة لا مجير له مما يريد الله به وقوله {سيجعل لهم الرحمن وداً} ذهب أكثر المفسرين الى أن هذا هو القبول الذي يضعه الله لمن يحب من عباده حسبما في الحديث المأثور، وقال عثمان بن عفان إنها بمنزلة قول النبي عليه السلام "حديث : من أسر سريرة ألبسه الله رداءها" تفسير : وفي حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من عبد إلا وله في السماء صيت فان كان حسناً وضع في الأرض حسناً وإن سيئاً وضع كذلك" تفسير : . وقال عبدالرحمن بن عوف: إن الآية نزلت فيه وذلك أنه لما هاجر بمكة استوحش بالمدينة فشكا ذلك الى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية في ذلك، أي ستستقر نفوس المؤمنين ويودون حالهم ومنزلتهم، وذكر النقاش أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال ابن الحنفية: لا تجد مؤمناً إلا وهو يحب علياً وأهل بيته، وقرأ الجمهور "وُداً" بضم الواو، وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتح الواو، ويحتمل أن تكون الآية متصلة بما قبلها في المعنى، أي إن الله تعالى لما أخبر عن إيتان {كل من في السماوات والأرض} في حالة العبودية والانفراد أنس المؤمنين بأنه سيجعل لهم في ذلك اليوم {وداً} وهو ما يظهر عليهم من كرامته لأن محبة الله لعبد إنما هي ما يظهر عليه من نعمه وأمارات غفرانه له.

النسفي

تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } أي النصارى واليهود ومن زعم أن الملائكة بنات الله {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } خاطبهم بهذا الكلام بعد الغيبة وهو التفات، أو أمر نبيه عليه السلام بأن يقول لهم ذلك؛ والإد العجب أو العظيم المنكر والإدة الشدة وأدّني الأمر أثقلني وعظم عليّ أدًّا {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ } تقرب وبالياء نافع وعليّ {يَتَفَطَّرْنَ } وبالنون بصري وشامي وحمزة وخلف وأبو بكر. الانفطار من فطره إذا شقه والتفطر من فطره إذا شققه {مِنْهُ } من عظم هذا القول {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ } تنخسف وتنفصل أجزاؤها {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ } تسقط {هَدّاً } كسراً أو قطعاً أو هدماً، والهدة صوت الصاعقة من السماء وهو مصدر أي تهد هدّا من سماع قولهم أو مفعول له أو حال أي مهدودة {أَن دَعَوْا } لأن سموا ومحله جر بدل من الهاء في {منه} أو نصب مفعول له، علل الخرور بالهد والهد بدعاء الولد للرحمن، أو رفع فاعل {هداًّ} أي هدها دعاؤهم {لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } «انبغى» مطاوع بغى إذ طلب أي ما يتأتي له اتخاذ الولد وما يتطلب لو طلب مثلاً لأنه محال غير داخل تحت الصحة، وهذا لأن اتخاذ الولد لحاجة ومجانسة وهو منزه عنهما. وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات بيان أنه الرحمن وحده لا يستحق هذا الاسم غيره، لأن أصول النعم وفروعها منه فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك غطاؤه فمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن .

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً}. قال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» له رُوِيَ عن ابن مَسْعُودٍ، أَنه قال: إنَّ الجبل ليقولُ للجبل: يا فلانُ، هل مَرَّ بِكَ اليومَ ذَاكِرٌ لله تعالى؟ فإنْ قال: نعم، سُرَّ بِهِ، ثُمَّ قرأ عبدُ اللّهِ: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} إلِىٰ قولهِ: {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} قال: أَتروْنَها تسمع الزُّورَ، ولا تسْمَعُ الخيْرَ. انتهى. وهكذا رواه ابنُ المُبَارك في «رقائقه» وما ذكره ابنُ مسعودٍ لا يقالُ من جهة الرأْيِ، وقد رُوِيَ عن أَنسٍ، وغيرهِ نحوه. قال الباجي بِإثْرِ الكَلاَمِ المتقدم: وروى جعفرُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ: أَنه قالَ: مَا مِنْ صَبَاحٍ وَلاَ رَوَاحٍ إلاَّ وتُنَادِي بِقَاعُ الأَرض بعضها بعضاً: أَيْ جَارَةُ، هَلْ مَرَّ بِكِ اليَوْمَ عَبْدٌ يُصَلِّي أَو يَذْكُر اللّه؟ فَمِن قائلةٍ: لاَ، ومِنْ قَائِلَةٍ: نَعَمْ، فإذا قَالَتْ: نَعَمْ، رأت لها فَضْلاً بذلك. انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لقد جئتم شيئاً إدّا‏ً}‏ قال‏:‏ قولاً عظيما‏ً.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏تكاد السماوات يتفطرن منه‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكادت تزول منه لعظمة الله‏:‏ وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {و‏تخر الجبال هدّا‏ً}‏ قال‏:‏ هدماً‏. وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عون، عن ابن مسعود قال‏:‏ إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان، هل مر بك اليوم أحد ذكر الله‏؟‏ فإذا قال نعم، استبشر‏.‏ قال عون‏:‏ أفيسمعن الزور إذا قيل، ولا يسمعن الخير‏؟‏‏!‏ هي للخير اسمع‏.‏ وقرأ ‏ {‏وقالوا اتخذ الرحمن ولدا‏ً} ‏ الآيات‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن محمد بن المنكدر قال‏:‏ بلغني أن الجبلين إذا أصبحا، نادى أحدهما صاحبه يناديه باسمه فيقول‏:‏ أي فلان، هل مر بك ذاكر لله‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيقول‏:‏ لقد أقر الله عينك، ولكن ما مر بي ذاكر لله عز وجل اليوم‏. وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي أمامة‏:‏ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ ‏"‏تكاد السموات ينفطرن‏"‏ بالياء والنون ‏ {‏وتخر الجبال‏} ‏ بالتاء‏. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏يتفطرن منه‏} ‏ قال‏:‏ الانفطار الانشقاق‏. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏تكاد السماوات يتفطرن منه‏} ‏ قال‏:‏ يتشققن من عظمة الله‏. وأخرج ابن المنذر، عن هرون قال‏:‏ في قراءة ابن مسعود ‏ {‏تكاد السماوات يتفطرن‏} ‏ بالياء‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عبدالله بن عوف‏:‏ إنه لما هاجر إلى المدينة؛ وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم‏:‏ شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، فأنزل الله ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً‏} ‏‏. وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن البراء قال‏:‏‏ ‏"حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ‏:‏ قل‏:‏ اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة "تفسير : . فأنزل الله ‏ {‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا‏ً}‏ قال‏:‏ فنزلت في علي‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت في علي بن أبي طالب ‏ {‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا‏ً}‏ قال‏:‏ محبة في قلوب المؤمنين‏. وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه، حديث : عن علي قال‏:‏ سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله‏:‏ ‏ {‏سيجعل لهم الرحمن ودا‏ً}‏ ما هو‏؟‏ قال‏: المحبة، في قلوب المؤمنين، والملائكة المقربين‏.‏ يا علي، إن الله أعطى المؤمن ثلاثا‏ً.‏ المنة والمحبة والحلاوة والمهابة في صدور الصالحين ‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏سيجعل لهم الرحمن ودا‏ً}‏ قال‏:‏ محبة في الناس في الدنيا‏. وأخرج هناد، عن الضحاك ‏ {‏سيجعل لهم الرحمن ودا‏ً} ‏ قال‏:‏ محبة في صدور المؤمنين‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ‏ {‏سيجعل لهم الرحمن ودا‏ً} ‏ قال‏:‏ يحبهم ويحبونه‏. وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : إذا أحب الله عبداً، نادى جبريل‏:‏ إني قد أحببت فلاناً، فأحبه‏.‏ فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً‏}‏ وإذا أبغض الله عبداً، نادى جبريل‏:‏ إني قد أبغضت فلاناً، فينادي في أهل السماء، ثم تنزل له البغضاء في أهل الأرض‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏حديث : "‏إن العبد ليلتمس مرضاة الله، فلا يزال كذلك، فيقول الله لجبريل‏:‏ إن عبدي فلاناً يلتمس أن يرضيني، فرضائي عليه، فيقول جبريل‏:‏ رحمة الله على فلان، ويقوله حملة العرش، ويقوله الذين يلونهم، حتى يقوله: أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض‏" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الآية التي أنزل الله في كتابه ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً‏} "‏وإن العبد ليلتمس سخط الله، فيقول الله‏:‏ يا جبريل، إن فلاناً يسخطني، ألا وإن غضبي عليه؛ فيقول جبريل‏:‏ غضب الله على فلان، ويقوله حملة العرش، ويقوله من دونهم، حتى يقوله أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض‏" ‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن كعب قال‏:‏ أجد في التوراة‏:‏ أنه لم تكن محبة لأحد من أهل الأرض، حتى تكون بدؤها من الله تعالى؛ ينزلها على أهل الأرض، ثم قرأت القرآن فوجدت فيه ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا‏ً}‏‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن عباس بسند ضعيف‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله أعطى المؤمن ثلاثة‏:‏ المقة والملاحة والمودة والمحبة في صدور المؤمنين‏"‏ تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً‏}‏‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال‏:‏ كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد سلام عليك أما بعد‏:‏ فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله، فإذا أحبه الله حببه إلى عباده، وإن العبد إذا عمل بمعصية الله أبغضه الله، فإذا أبغضه الله بغضه إلى عباده‏. وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لكل عبد صيت، فإن كان صالحاً وضع في الأرض، وإن كان سيئاً وضع في الأرض ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والحكيم الترمذي، عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن المقة من الله، والصيت من السماء، فإذا أحب الله عبداً قال لجبريل‏:‏ إني أحب فلاناً، فينادي جبريل‏:‏ إن ربكم يحب فلاناً فأحبوه، فتنزل له المحبة في الأرض، وإذا أبغض عبداً قال لجبريل‏:‏ إني أبغض فلاناً، فأبغضه، فينادي جبريل‏:‏ إن ربكم يبغض فلاناً فابغضوه، فيجري له البغض في الأرض‏ ".‏ تفسير : وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وتنذر به قوماً لدا‏ً} ‏ قال‏:‏ فجاراً‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏لدا‏ً} ‏ قال‏:‏ صماً‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏لدا‏ً} ‏ قال‏:‏ خصماء‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏قوماً لدا‏ً} ‏ قال‏:‏ جدلاً بالباطل‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة ‏ {‏قوماً لداً‏}‏ قال‏:‏ هم قريش‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏ {‏لداً‏}‏ قال‏:‏ لا يستقيمون‏.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} حكايةٌ لجناية اليهودِ والنصارى ومن يزعُم من العرب أن الملائكةَ بناتُ الله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبـيراً إثرَ حكاية عبَدةِ الأصنام بطريق عطفِ القصة على القصة وقوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} ردٌّ لمقالتهم الباطلةِ وتهويلٌ لأمرها بطريق الالتفاتِ المنبىءِ عن كمال السخطِ وشدةِ الغضب المُفصِح عن غاية التشنيعِ والتقبـيحِ، وتسجيلٌ عليهم بنهاية الوقاحةِ والجهل والجراءة، والإدُّ بالكسر والفتح العظيمُ المنكر، والإدّةُ الشدةُ وأدَني الأمرُ وآدَني أثقلني وعظُم عليّ، أي فعلتم أمراً منكراً شديداً لا يقادَر قدرُه، فإن جاء وأتى يستعملان في معنى فعَلَ فيُعدَّيان تعدِيتَه وقوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} الخ، صفةٌ لإدًّا أو استئنافٌ لبـيان عِظَم شأنه في الشدة والهول، وقرىء يكاد بالتذكير {يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} يتشقّقن مرةً بعد أخرى من عِظم ذلك الأمر، وقرىء ينفطرْن والأولُ أبلغُ لأن تفعّل مطاوِعُ فعّل، وانفعلَ مطاوعُ فَعَل ولأن أصل التفعّل التكلف. {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ} أي تكاد وتنشقّ الأرض {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ} أي تسقُط وتتهدم، وقوله تعالى: {هَدّاً} مصدرٌ مؤكّدٌ لمحذوف هو حالٌ من الجبال أي تُهدّ هدًّا أو مصدرٌ من المبنيّ للمفعول مؤكّدٌ لتخِرُّ على غير المصدر لأنه حينئذ بمعنى التهدّم والخرُور، كأنه قيل: وتخِرّ الجبال خروراً أو مصدرٌ بمعنى المفعول منصوبٌ على الحالية أي مهدودةً، أو مفعول له أي لأنها تُهَدّ، وهذا تقريرٌ لكونه إدًّا والمعنى أن هَولَ تلك الكلمةِ الشنعاءِ وعِظمَها بحيث لو تَصوّرتْ بصورة محسوسة لم تُطِقْ بها هاتيك الأجرامُ العِظامُ وتفتتت من شدتها أو أن فظاعتَها في استجلاب الغضَبِ واستيجابِ السَّخَط بحيث لولا حِلْمُه تعالى لخُرِّب العالمُ وبُدِّدت قوائمُه غضباً على من تفوه بها.

القشيري

تفسير : ما أعظم بهتانَهم في مقالتهم! وما أشدَّ جرأتَهم في قبيح حالتهم! لكنَّ الصمديةَ متقدِّسِةٌ عن عائدٍ يعود إليها من زَيْنٍ بتوحيدِ مُوَحِّد، أو شَيْنٍ بإلحاد مُلْحِد... فما شاهت إِلاَّ وجوهُهم بما خاضوا فيه من مقالهم، وما صاروا إليه من ضلالهم. كما لم يَتَجمَّلْ بما قاله الآخرون إلا القائل، وما عاد إلا القائل مقابلٌ من عاجلٍ أو آجل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} اى قال اليهود والنصارى ومن يزعم من العرب ان الملائكة بنات الله فقال الله تعالى {لقد جئتم شيئا ادّا} الاد والادة بكسرهما العجب والامر الفظيع والداهية والمنكر كالاد بالفتح كما فى القاموس اى فعلتم امرا منكرا شديدا لا يقادر قدره فان جاء واتى يستعملان فى معنى فعل فيعديان تعديته. وقال الكاشفى [بدرستى كه آوردى جيزى زشت يعنى ناخوش وبى ادبانه].

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {هَدًّا}: مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي: تهد هدًا. و {أن دعوا}: على حذف اللام، أي: لأن دعوا، وفيه احتمالات أُخر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا اتخذ الرحمنُ ولدًا} هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، فحكى جنايتهم إثر جناية عَبَدهَ الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم: {لقد جئتم شيئًا إِدًّا} أي: فعلتم أمرًا منكرًا شديدًا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل. و {جاء} يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد - بكسر الهمزة وفتحها، وقُرئ بهما في الشاذ -: العظيم المنكر، الإدُّ: الشدة، قيل: الأدُّ: في كلام العرب: أعظم الدواهي. ثم وصفه وبيّن هوله فقال: {تكادُ السماواتُ يتفطّرنَ منه}: يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من "ينفطرن" كما قرئ به، {وتنشقُّ الأرضُ} أي: وتكاد تنشق وتذهب، {وتخرُّ الجبالُ} أي: تسقط وتنهدم {هَدًّا} بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى: أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يُطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو: إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبًا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني: لأن ما ذكر أوصاف الساعة. وذلك {أن دَعَوا للرحمنِ ولدًا} أي: تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال؛ لأجل أن دعوا، أي: نسبوا أو سموا للرحمن ولدًا، {وما ينبغي للرحمنِ أن يتخِذَ ولدًا} أي: قالوا اتخذ الرحمن ولدًا، أو دعوا له ولدًا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد؛ لاستحالته عليه تعالى. ووضع الرحمن موضع الضمير؛ للإشعار بعلية الحكم؛ لأن كل ما سواه تعالى منعَّم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتَوهم أن يتخذه ولدًا، وقد صرح به قوله عزّ قائلاً: {إِن كل من في السماوات والأرض} أي: ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين {إِلا آتي الرحمنِ عبدًا}؛ مملوكًا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية. {لقد أحصاهم} أي: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلاً، {وكلهم آتيه يومَ القيامةِ فردًا} أي: وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردًا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردًا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئًا منهم ولدًا؟!. وفي الحديث القدسي: "حديث : قال الله تعالى: كذَّبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشَتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبُهُ إيايَ؛ فأن يقولَ: من يُعيدُنا كما بَدأنا؟ وأما شَتمُه إياي؛ فأن يقول: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِد ولم أُولدَ، ولم يكن لي كُفوًا أحد"تفسير : . وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله: {آتيه} من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جلّ جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مَشربَ توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علمًا وعقدًا وحالاً وذوقًا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفى مشرب توحيدك، وتكون عبدًا لله خالصًا حرًا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه: شعر : إنْ تُرِدَ وَصْلَنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ لا يَنَالُ الوِصَالَ مَنْ فِيهِ فَضْلَه تفسير : فكن عبدًا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله: {إِن كل من في السماوات والأرض إِلا آتي الرحمن عبدًا}. فحينئذ تكون حرًا مما سواه، وَيملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل: شعر : دَعَوْني لملكهم فلما أجبتهم قالوا دعوناك للمُلك لا للمِلك تفسير : وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول: كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكنْ عارفًا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلاً به. فالحكمة تثبت العبودية صورة؛ صونًا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم: "سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية". فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمةً، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية: جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه. ولما ذكر قبائح الكفرة أتبعه بذكر محاسن المؤمنين.

الجنابذي

تفسير : عطف على كفر بآياتنا وقرئ ولداً جمعاً، عن الصّادق (ع) انّه قال هذا حيث قالت قريش: انّ الله عزّ وجلّ اتّخذ ولداً من الملائكة اناثاً.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا}: اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله من العرب بدليل قوله: {اتّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدا} وقيل: الضمير للمجرمين. وقيل: لجميع الناس لأن القائلين منهم. وقرأ الكسائى بضم الواو وإسكان اللام على حد ما مر وكذا فى الموضعين الآتيين وفى الزخرف: {أية : إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين}.

اطفيش

تفسير : {وقالُوا} أى المشركون {اتخذ الرحْمَن ولداً} قالت اليهود عزير بن الله، وقالت النصارى عيسى بن الله، وقالت العرب الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً، أفرطت النصارى فى حب عيسى عليه السلام حتى اتخذوه إلهاً، وأفرطت اليهود فى حب عزير حتى اتخذوه إلهاً وأفرطت الشيعة فى حب على حتى ادعى له أوائلهم الألوهية، وتالوهم النبوة، ومن بعدهم الإمامة قبل غيره وانكروا غيره فهم الآن فى الطواف يقولون: الحمد لله الذى جعل الإمام علياً، وإنما هو إمام تحقيقاً، لكنه بعد الإمام عثمان، وقبح الله عز وجل من يطوف بهم مع تلك الكلمة، وكل من الإفراط والتفريط. وروى عن الإمام على موقوفاً ومرفوعاً: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما، وأحسن الأمور كما شهر أوسطها، كما روى أن الصديق فسح لعلى إذ لم يجد له موضعاً فى مجلس النبى صلى الله عليه وسلم وقال: هنا يا أبا الحسن، فسر النبى صلى الله عليه وسلم بالفسح وبالتكنية، فقال: "حديث : أهل الفضل أولى بأهل الفضل، ولا يعرف أهل الفضل إلا أهل الفضل" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" تفسير : وعن سفيان بن عيينة: من تهاون بالإخوان ذهبت مروءته، ومن تهاون بالسلطان ذهبت دنياه، ومن تهاون بالصالحين ذهبت آخرته. رد الواو الى هؤلاء لظهور أمرهم، وذكره فى القرآن، وقيل الواو للمجرمين، وقيل للكافرين، وقيل للظالمين، لتقدم ذكر هذه الأسماء، ولو أريد بهم هنا من ذكرت من اليهود والنصارى والعرب، وقيل: للعباد عموماً المدلول عليهم بالفريقين حكماً على المجموع بحكم البعض، ذكر جناية هؤلاء عقب جناية من عبد غير الله لتناسبهما.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } حكاية لجناية القائلين عزير ابن الله وعيسى ابن الله والملائكة بنات الله من اليهود والنصارى والعرب تعالى شأنه عما يقولون علواً كبيراً إثر حكاية جناية من عبد ما عبد من دونه عز وجل بطريق عطف القصة على القصة فالضمير راجع لمن علمت وإن لم يذكر صريحاً لظهور الأمر. وقيل: راجع للمجرمين وقيل: للكافرين وقيل: للظالمين وقيل: للعباد المدلول عله بذكر الفريقين المتقين والمجرمين. وفيه إسناد ما للبعض إلى الكل مع أنهم لم يرضوه وقد تقدم البحث فيه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ويقول الإنسان أإذا ما مت}تفسير : [مريم: 66] أو على جملة {أية : واتخذوا من دون الله آلهة}تفسير : [مريم: 81] إتماماً لحكاية أقوالهم، وهو القول بأن لله ولداً، وهو قول المشركين: الملائكة بنات الله. وقد تقدم في سورة النحل وغيرها؛ فصريح الكلام رد على المشركين، وكنايته تعريض بالنّصارى الذين شابهوا المشركين في نسبة الولد إلى الله، فهو تكملة للإبطال الذي في قوله تعالى آنفاً: {أية : ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه}تفسير : [مريم: 35] الخ. والضمير عائد إلى المشركين، فيفهم منه أنّ المقصود من حكاية قولهم ليس مجرد الإخبار عنهم، أو تعليم دينهم ولكن تفظيع قولهم وتشنيعه، وإنما قالوا ذلك تأييداً لعبادتهم الملائكة والجن واعتقادهم شفعاء لهم. وذكر {الرّحمان} هنا حكاية لقولهم بالمعنى، وهم لا يذكرون اسم الرحمان ولا يُقرون به، وقد أنكروه كما حكى الله عنهم: {أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان}تفسير : [الفرقان: 60]، فهم إنما يقولون: {أية : اتخذ الله ولداً}تفسير : كما حكي عنهم في آيات كثيرة منها آية سورة الكهف (4). فذكر {الرحمن}هنا وضع للمرادف في موضع مرادفه، فذكر اسم {الرحمان} لقصد إغاظتهم بذكر اسم أنكروه. وفيه أيضاً إيماء إلى اختلال قولهم لمنافاة وصف الرحمان اتخاذ الولد كما سيأتي في قوله: {وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً}. والخطاب في {لقد جئتم} للذين قالوا اتخذ الرحمان ولداً، فهو التفات لقصد إبلاغهم التوبيخ على وجه شديد الصراحة لا يلتبس فيه المراد، كما تقدم في قوله آنفاً: {أية : وإن منكم إلا واردها}تفسير : [مريم: 71] فلا يحسن تقدير: قل لقد جئتم. وجملة {لقد جئتم شيئاً إدّاً} مستأنفة لبيان ما اقتضته جملة {وقالوا اتّخذ الرحمان ولداً} من التشنيع والتفظيع. وقرأ نافع والكسائي - بياء تحتية على عدم الاعتداد بالتأنيث -، وذلك جائز في الاستعمال إذا لم يكن الفعل رافعاً لضمير مؤنث متصل، وقرأ البقية: {تكاد} بالتاء المثناة الفوقية، وهو الوجه الآخر. والتفطر: الانشقاق، والجمع بينه وبين {وتنشق الأرض} تفنّن في استعمال المترادف لدفع ثقل تكرير اللفظ. والخرور: السقوط. و(مِن) في قوله: {منه} للتعليل، والضمير المجرور بمن عائد إلى {شيئاً إداً}، أو إلى القول المستفاد من {قالوا اتخذ الرحمن ولداً}. والكلام جار على المبالغة في التهويل من فظاعة هذا القول بحيث إنه يبلغ إلى الجمادات العظيمة فيُغيّر كيانها. وقرأ نافع، وابن كثير، وحفص عن عاصم، والكسائي: يتفطرن بمثناة تحتية بعدها تاء فوقية. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، بتحتية بعدها نون، من الانفطار. والوجهان مطاوع فطَر المضاعف أو فطر المجرد، ولا يكاد ينضبط الفرق بين البنيتين في الاستعمال. ولعلّ محاولة التّفرقة بينهما كما في الكشاف والشافية لا يطرد، قال تعالى: {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام}تفسير : [الفرقان: 25]، وقال: {أية : إذا السماء انشقت}تفسير : [الانشقاق: 1]، وقرىء في هذه الآية: {ينفطرون} و{ينفطرن}، والأصل توافق القرآتين في البلاغة. والهدّ: هدم البناء. وانتصب {هَدّاً} على المفعولية المطلقة لبيان نوع الخرور، أي سقوط الهَدم، وهو أن يتساقط شظايا وقطعاً. و {أن دَعوا للرحمان ولداً} متعلّق بكل مِن « يتفطرن، وتنشق، وتخرّ»، وهو على حذف لام الجرّ قبل (أنْ) المصدريّة وهو حذف مطرّد. والمقصود منه تأكيد ما أفيد من قوله: {منه}، وزيادةُ بيانٍ لمعادِ الضمير المجرور في قوله {منه} اعتناء ببيانه. ومعنى {دَعَوا}: نسبوا، كقوله تعالى: {أية : ادعوهم لآبائهم}تفسير : [الأحزاب: 5]، ومنه يقال: ادّعى إلى بني فلان، أي انتسب. قال بَشامة بن حَزْن النهشلي:شعر : إنّا بني نَهشل لا نَدّعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا تفسير : وجملة {وما ينبغي للرحمان أن يتّخذ ولداً} عطف على جملة: {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً}. ومعنى {ما ينبغي} ما يتأتّى، أو ما يجوز. وأصل الانبغاء: أنّه مطاوع فعل بغى الذي بمعنى طلَب. ومعنى، مطاوعِته: التأثّر بما طُلب منه، أي استجابةُ الطلب. نقل الطيبي عن الزمخشري أنه قال في كتاب سيبويه: كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعُه على الانفعال كصَرف وطلب وعلم، وما ليس فيه علاج كعَدم وفقد لا يتأتى في مطاوعه الانفعال البتة» اهــــ. فبان أن أصل معنى {ينبغي} يستجيب الطلب. ولما كان الطلب مختلف المعاني باختلاف المطلوب لزم أن يكون معنى {ينبغي} مختلفاً بحسب المقام فيستعمل بمعنى: يتأتى، ويمكن، ويستقيم، ويليق، وأكثر تلك الإطلاقات أصله من قبيل الكناية واشتهرت فقامت مقام التصريح. والمعنى في هذه الآية: وما يجوز أن يتّخذ الرحمان ولداً، بناء على أن المستحيل لو طلب حصوله لما تأتّى لأنه مستحيل لا تتعلّق به القدرة، لا لأنّ الله عاجز عنه، ونحوُ قوله: {أية : قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء}تفسير : [الفرقان: 18] يفيد معنى: لا يستقيم لنا، أو لا يُخوّل لنا أن نتخذ أولياء غيرك، ونحو قوله: {أية : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر}تفسير : [يس: 40] يفيد معنى لا تسْتطيع. ونحو {أية : وما علمناه الشعر وما ينبغي له}تفسير : [يس: 69] يفيد معنى: أنه لا يليق به، ونحو: {أية : وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}تفسير : [ص: 35] يفيد معنى: لا يستجاب طلبه لطالبه إن طلبه، وفرقٌ بين قولك: ينبغي لك أن لا تفعل هذا، وبين لا ينبغي لك أن تفعل كذا، أي ما يجوز لِجلال الله أن يتخذ ولداً لأنّ جميع الموجودات غيرَ ذاته تعالى يجب أن تكون مستوية في المخلوقية له والعبودية له. وذلك ينافي البُنوة لأن بُنوة الإله جزء من الإلهية، وهو أحد الوجهين في تفسير قوله تعالى: {أية : قل إن كان للرّحمان ولد فأنا أول العابدين}تفسير : [الزخرف: 81]، أي لو كان له ولد لعبدتُه قبلكم. ومعنى {آتي الرحمان عبداً}: الإتيان المجازي، وهو الإقرار والاعتراف، مثل: باء بكذا، أصله رجع، واستعمل بمعنى اعترَف. و{عبداً} حال، أي معترف لله بالإلهية غير مستقل عنه في شيء في حال كونه عبداً. ويجوز جعل {آتي الرحمان} بمعنى صائر إليه بعد الموت، ويكون المعنى أنّه يحيا عبداً ويحشر عبداً بحيث لا تشوبه نسبة البنوة في الدنيا ولا في الآخرة. وتكرير اسم {الرّحمان} في هذه الآية أربع مرات إيماء إلى أن وصف الرحمان الثابت لله، والذي لا ينكر المشركون ثبوت حقيقته لله وإن أنكروا لفظه، ينافي ادعاء الولد له لأنّ الرحمان وصف يدلّ على عموم الرّحمة وتكثرها. ومعنى ذلك: أنّها شاملة لكل موجود، فذلك يقتضي أن كل موجود مفتقر إلى رحمة الله تعالى، ولا يتقوم ذلك إلا بتحقق العبودية فيه. لأنه لو كان بعض الموجودات ابناً لله تعالى لاستغنى عن رحمته لأنه يكون بالبنوة مساوياً له في الإلهية المقتضية الغنى المطلقَ، ولأن اتخاذ الابن يتطلّبُ به متخذُه برّ الابن به ورحمته له، وذلك ينافي كون الله مفيض كلّ رحمة. فذكر هذا الوصف عند قوله: {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً} وقوله {أن دعوا للرحمان ولداً} تسجيل لغباوتهم. وذكره عند قوله: {وما ينبغي للرحمان أن يتّخذ ولداً} إيماء إلى دليل عدم لياقة اتخاذ الابن بالله. وذكرُه عند قوله: {إلا آتي الرحمان عبداً} استدلال على احتياج جميع الموجودات إليه وإقرارها له بملكه إياها. وجملة {لقد أحصاهم} عطف على جملة {لقد جئتم شيئاً إدّاً}، مستأنفة ابتدائية لتهديد القائلين هذه المقالة. فضمائر الجمع عائدة إلى ما عاد إليه ضمير {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً} وما بعده. وليس عائداً على {من في السماوات والأرض}، أي لقد علم الله كل من قال ذلك وعدّهم فلا ينفلت أحد منهم من عقابه. ومعنى {وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً} إبطال ما لأجله قالوا اتخذ الله ولداً، لأنهم زعموا ذلك موجب عبادتهم للملائكة والجنّ ليكونوا شفعاءهم عند الله، فأيْأسهم الله من ذلك بأن كل واحد يأتي يوم القيامة مفرداً لا نصير له كما في قوله في الآية السالفة: {ويأتينا فرداً}. وفي ذلك تعريض بأنهم آتون لما يكرهون من العذاب والإهانة إتيانَ الأعزل إلى من يتمكن من الانتقام منه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وقالوا اتخذ الرحمن ولداً: أي قال العرب الملائكة بنات الله وقال النصارى عيسى ابن الله. جئتم شيئاً إداً: أي منكراً عظيماً. يتفطرن: يتشققن من عظم هذا القول وشدة قبحه. وتخر الجبال هداً: أي تسقط وتتهدم وتنهدم. أن دعوا للرحمن ولداً: أي من أجل إدعائهم أن للرحمن عز وجل ولدا. ولا ينبغي: أي لا يصلح ولا يليق به ذلك لأنه رب كل شيء ومليكه. إلا آتي الرحمن عبداً: أي خاضعاً منقاداً كائناً من كان. فرداً: أي ليس معه شيء لا مال ولا سلطان ولا ناصر. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر مقولات أهل الشرك والجهل والرد عليها من قبل الحق تبارك وتعالى قال تعالى مخبراً عنهم: {وَقَالُواْ} أي أولئك الكافرون {ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} إذ قالت بعض القبائل العربية الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله. يقول تعالى لهم بعد أن ذكر قولهم {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} أي أتيتم بشيء منكر عظيم، {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي يتشققن منه لقبح هذا القول وسوئه، {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} أي تسقط لعظم هذا القول لأنه مغضب للجبار عز وجل ولولا حلمه ورحمته لمس الكون كله عذاب أليم. وقوله: {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} أي أن نسبوا للرحمن ولداً، {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ} أي لا يصلح له ولا يليق بجلاله وكماله الولد، لأن الولد نتيجة شهوة بهيمية عارمة تدفع الذكر إلى إتيان الأنثى فيكون بإذن الله الولد، والله عز وجل منزه عن مشابهته لمخلوقاته وكيف يشبههم وهو خالقهم وموجدهم من العدم؟ وقوله تعالى {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} هذا برهان على بطلان قولة الكافرين الجاهلين، إذ الذي ما من أحد في السماوات أو في الأرض من ملائكة وإنس وجن إلا آتي الرحمن عبداً خاضعاً ذليلاً منقاداً يوم القيامة كيف يعقل اتخاذه ولداً، إذ الولد يطلب للحاجة إليه، والغنى عن كل خلقه ما هي حاجته إلى عبد من عباده يقول هذا ولدي اللهم إنا نبرؤا إليك مما يقوله الجاهلون بك الضالون عن طريق هدايتك. وقوله تعالى: {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً} أي علمهم واحداً واحداً فلو كان بينهم إله معه أو ولد له لعلمه، فهذا برهان آخر على بطلان تلك الدعوة الجاهلية الباطلة الفاسدة وقوله: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} هذا رد على أولئك الذين يدعون أنهم إن بعثوا يكون لهم المال والولد والشفيع والنصير. فأخبر تعالى أنه ما من أحد إلا ويأتيه يوم القيامة فرداً ليس معه شافع ولا ناصر، ولا مال ولا سلطان. هداية الآيات من هداية الآيات 1- عظم الكذب على الله بنسبة الولد أو الشريك إليه أو القول عليه بدون علم. 2- بيان أن كل المخلوقات من أجلّها إلى أحقرها ليس فيها غير عبد لله فنسبة الإنسان أو الجان أو الملك إلى الله تعالى هي عبد لرب مالك قاهر عزيز حكيم. 3- بيان إحاطة الله بخلقه ومعرفته لعددهم فلا يغيب عن علمه أحد منهم، ولا يتخلف عن موقف القيامة فرد منهم إذ الكل يأتي الله تعالى يوم القيامة فردا.

القطان

تفسير : جئتم: فعلتم. إدّا: منكرا عظيما. يتفطَّرن: يتشققن. تخرُّ: تسقط. دعوا: نسبوا. قوماً لُدّا: قوما شديدي الخصومة. رِكزا: صوتا خفيا. بعد ان فنّد مقولة عبده الأوثان وأثبت أنهم في ضلال يعمهون - أردف ذلك بالردّ على الذين نسبوا الى الله الولد، وبيّن انها منكَرة يهتزّ لها الكون بأجمعه. {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً}. وقال المشركون: إن الله اتخذ من الملائكة بناتٍ، وقال اليهود والنصارى ان الله اتخذ ولداً، سبحانه وتعالى عن ذلك. لقد جئتم أيها القائلون بمقالِكم هذا أمراً منكَرا، تنكره العقول المستنيرة. ان السماواتِ تكاد تتشقق من هذا القول لشدّة هوله، وتُخْسف الأرض، وتسقط الجبال لمجرّدِ سماعه. قراءات: قرأ نافع والكسائي: يكاد بالياء، والباقون: تكاد بالتاء. وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وحفص: يتفطرن، بالتاء. والباقون: ينفطرن، بالنون. إنها لكلمةٌ شنيعة لو صورت بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام، ولتفتت وتفرقت اجزاؤها من شدتها. ثم بين علّة ذلك بقوله: {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}. من أجلِ أنهم نسبوا الى الله اتخاذ الولد، وما يليق به اتخاذُ الولد، لان اثبات الولد له يقتضي أن يكونَ حادِثاً ومحتاجا، وهذا مُحالٌ على الله سبحانه. ان كل ما في السماوات والارض من مخلوقات هم عبيدُ الله، ينقادون لحكمه، ويخضعون له. لقد أحاط بهم جميعاً وبأعمالهم، وعدِّ أشخاصِهم وانفاسهم وافعالهم. {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً}. وهم جميعا سيأتون إليه يوم القيامة منفردين عن النصراء والولد والمال. وقد تكرر لفظ "الرحمن" في هذه السورة ستَّ عشرة مرة، لأن المشركين كانوا ينكرون هذه الكلمة وكانوا يقولون ما هو الرحمن، {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ}تفسير : [الفرقان:60]. والرحمن وصفٌ يدل على عموم الرحمة، فهي شاملة لكل موجودٍ. ان الله مع كل ما يأتيه المنكِرون رحمنٌ رحيم سبقت رحمته غضبه. ثم ختم السورة بذكر احوال المؤمنين عموما وما ينتظرهم يوم القيامة، حيث سيستقبلهم الرحمن بالترحيب والمودة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}. ان الذين آمنوا بالله وصدّقوا برسُله، وعملوا الاعمال الطيبة الصالحة - سيجعل الله لهم محبةً في قلوب الناس، ويكونون في رحاب الله وتكريمه يوم القيامة. روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اذا أحبَّ الله عبداً يقول لجبريل: إني احببتُ فلانا فأحِبَّه، فينادي في السماء ثم تنزل له المحبّة في الارض"تفسير : ، فذلك قول الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ..} الآية وللحديث روايات متعددة.. وبعد، فان هذه لَبشرى للمؤمنين، ومعها إنذار للجاحدين، وقد يسّر الله فهمَ كتابه على العرب، فأنزله بلسانهم ولسان رسوله الأمين. {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً}. لقد يسّرنا القرآن بلغتك لتبشّر برضى الله ونعيمه من اتبعَ أوامره واجتنب نواهيَه، وتنذِرَ بسخط الله وعذابه من كفر واشتد في خصامه. ثم ختم السورة بتلك العظة البالغة فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً}. فلا يحزنك أيها الرسول عنادُهم لك، فقد أهلك اللهُ قبلهم كثيرا من الأمم والاجيال... ولقد اندثروا، فلا ترى منهم أحدا، ولا تسمع لهم صوتا. إنهم بادوا وهلكوا، وخلتْ منهم دورهم واوحشت منازلُهم. وكذلك هؤلاء، فهم صائرون الى ما صار اليه أولئك ان لم يتداركوا أنفسَهم بالتوبة.

د. أسعد حومد

تفسير : (88) - لَمَّا قَرَّرَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّوْرَةِ عُبُودِيَّةِ عِيسَى للهِ، وَذَكَرَ خَلْقَهُ مِنْ مَرْيَمَ بِدُونِ أَبٍ، شَرَعَ فِي اسْتِنْكَارِ أَقْوَالِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ للهِ وَلَداً، فَقَالَ: إِنَّهُمْ قَالُوا: اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ أَوْ مِنَ النَّاسِ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} يعني اليهود والنصارى، ومن زعموا أنَّ الملائكة بنات الله، وقرأ حمزة والكسائي وُلداً بضممّالواو وجزم اللام وهي أربعة مواضع ها هنا، وحرف في سورة الزخرف، وحرف في سورة نوح، والباقون بالفتح، وهما لغتان مثل العرب والعُرب والعجم والعُجم. قال الشاعر: شعر : فليت فلاناً كان في بطن أُمّه وليت فلاناً كان ولْد حمار تفسير : مخففاً وقيس بجعل الولد بالضم جمعاً والولد بالفتح واحداً. {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} قال ابن عباس: منكراً، وقال قتادة ومجاهد: عظيماً، وقال الضحاك: فظيعاً وقال مقاتل: معناه لقد قلتم قولاً عظيماً، نظيره قوله {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} تفسير : [الإسراء: 40] وإلادّ في كلام العرب أعظم الدواهي، قال رؤبة: شعر : نطح شىّ أد رؤوس الأداد تفسير : وفيه ثلاث لغات: إدّ بالكسر وهي قراءة العامة، وأد بالفتح وهي قراءة السلمي، وآد مثل ماد وهي لغة بعض العرب {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ} قرأ نافع والكسائي بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث السماوات {يَتَفَطَّرْنَ} يتشقّقن منه وقرأ أبو عمرو ينفطرن بالنون من الانفطار وهو اختيار أبي عبد اللَّه لقوله عز وجل {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الإنفطار: 1] وقوله {أية : ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } تفسير : [المزمل: 18] الباقون بالتاء من التفطّر {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} قال ابن عباس: وقرأ مقاتل: وقطعاً وقال عطاء: هدماً، أبو عبيد: سقوطاً {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} يعني لأن دعوا، ومن قرأ جعلوا وقالوا للرحمن ولداً، قال ابن عباس وأُبي بن كعب: فزعت السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلاّ الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم وقالوا لله عزّ وجلّ ولد، ثم نفى سبحانه عن نفسه الولد فقال {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} يعني انه لا يفعل ذلك ولا يحتاج إليه ولا يوصف به {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} لا ولداً {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً} أنفاسهم وأيامهم فلا يخفى عليه شيء {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ} جائيه {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْدا} وحيداً فريداً بعمله ليس معه شيء من الدنيا. وأخبرنا عبد الله بن حامد، حدَّثنا محمد بن جعفر بن يزيد، حدَّثنا أحمد بن عبيد المؤدب، حدَّثنا عبد الرزاق، وحدَّثنا عبد الله، نبّأ محمد بن الحسن، نبّأ أحمد بن يوسف السلمي، نبّأ عبد الرزاق، حدَّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال: "حديث : قال الله عزّ وجلّ: كذبني عبدي وشتمني ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياّي فأن يقول: لن يعيدنا كما بَدأنا، وأمّا شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أُولد ولم يكن لي كفؤاً أحد ". تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} أي حبّاً يحبّهم ويحبّبهم إلى عباده المؤمنين من أهل السماوات والأرضين. أخبرنا عبد الخالق بن علىّ بن عبد الخالق أبو القاسم العاصي أنبأ أبو علي محمد بن أحمد بن حمزه عن الحسن الصوّاف ببغداد، قال أبو جعفر الحسن بن علي الفارسي، عن إسحاق بن بشر الكوفي، عن خالد بن يزيد عن يزيد الزيات، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء عن عازب قال: "حديث : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: يا علي قل: اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة، فأنزل الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} " تفسير : الآية. وأخبرنا عبد الله بن حامد، أنبأ عبدوس بن الحسين، نبّأ أبو حاتم بن أبي أويس، حدَّثني مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: أنّه قال: حديث : إذا أحبّ الله العبد قال لجبرئيل: يا جبرئيل قد أحببت فلاناً فأحّبه، فيحبّه جبرائيل ثمَّ ينادي في أهل السماء: إنّ الله عزّ وجلّ قد أحب فلاناً فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء ثم يضع له المحبّة في الأرض وإذا أبغض العبد، قال مالك: لا أحسبه إلاّ قال فى البغض مثل ذلك . تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن يعقوب عن يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة في قوله {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} قال: إي والله ودّ في قلوب أهل الإيمان، وان هرم بن حيّان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله عزّ وجلّ بقلوب أهل الإيمان إليه حتّى يورثه مودّتهم ورحمتهم. {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ} سهّلناه يعني القرآن {بِلِسَانِكَ} يا محمد {لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} يعني المؤمنين {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} قال ابن عباس: شداداً في الخصومة وقال الضحاك: جدلاً بالباطل، وقال مقاتل: خصماً، وقال الحسن: صُمّاً، وقال الربيع: صمّ آذان القلوب، وهو جمع ألدّ يقال: رجل ألدّ إذا كان من عادته مخاصمة الناس. وقال مجاهد: الألدّ الظالم الذي لا يستقيم، وقال أبو عبيد: الألدّ الذي لا يقبل الحق ويدّعي الباطل، قال الله تعالى {أية : وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} تفسير : [البقرة: 204]. أخبرنا عبد الله بن حامد، أنبأ أحمد بن محمد بن الحسين بن السوقي، نبّأ أبو الازهر نبّأ أبو أُسامة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : أبغض الرجال إلى الله تعالى الألدّ الخصم . تفسير : ثمّ خوّف أهل مكة فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ} هل ترى، وقيل: تجد منهم من أحد {أو تسمع لهم ركزاً} وهو الصوت الخفيّ، قال ذو الرمّة: شعر : وقد توجّس ركزاً من سنابكها إذ كان صاحب أرض أو به الموم تفسير : قال أبو عبيدة: الركز: الصوت والحركة الذي لا يفهمه كركز الكتيبة، وأنشد بيت لبيد: شعر : وتوجّست ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا الكلام منهم عبث وافتراء؛ لأنه متى كان اتخاذ هذا الولد؟ في أيِّ قَرْن من القرون من ميلاد المسيح عليه السلام؟ إن هذه المقولة لم تأْتِ إلا بعد ثلاثمائة سنة من ميلاد المسيح، فما الموقف قبلها؟ وما الذي زاد في مُلْك الله بعد أنْ جاء هذا الولد؟ الشمس هي الشمس، والنجوم هي النجوم، والهواء هو الهواء، إذن: موضوعية اتخاذ الولد هذه عبث؛ لأنه لم يَزِدْ شيء في المْلك على يد هذا الولد، ولم تكن عند الله تعالى صفة مُعطلة اكتملتْ بمجيء الولد؛ لأن الصفات الكمالية لله تعالى موجودة قبل أنْ يخلق أيَّ شيء. فهو سبحانه وتعالى خالق قبل أن يَخْلق، ورازق قبل أنْ يَرزُق، ومُحْيٍ قبل أنْ يحيى، ومميت قبل أن يميت. فالبصفات أوجد هذه الأشياء، فصفات الكمال فيه سبحانه موجودة قبل متعلقاتها. وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - بالشاعر الذي قال قصيدة. وقلنا: إنه قال القصيدة لأنه شاعر بدايةً، ولولا أنه شاعر ما قالها. لذلك يرد الحق سبحانه على هذا الافتراء بقوله: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}تفسير : [الكهف: 5]. وهنا يرد عليهم بقوله: {لَّقَدْ جِئْتُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمن اتخذ ولدا، كقول النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، والمشركين: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا } أي: عظيما وخيما. من عظيم أمره أنه { تَكَادُ السَّمَاوَاتُ } على عظمتها وصلابتها { يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } أي: من هذا القول { وَتَنْشَقُّ الأرْضُ } منه، أي: تتصدع وتنفطر { وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا } أي: تندك الجبال. { أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ } أي: من أجل هذه الدعوى القبيحة تكاد هذه المخلوقات، أن يكون منها ما ذكر. والحال أنه: { مَا يَنْبَغِي } أي: لا يليق ولا يكون { لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } وذلك لأن اتخاذه الولد، يدل على نقصه واحتياجه، وهو الغني الحميد. والولد أيضا، من جنس والده، والله تعالى لا شبيه له ولا مثل ولا سمي. { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } أي: ذليلا منقادا، غير متعاص ولا ممتنع، الملائكة، والإنس، والجن وغيرهم، الجميع مماليك، متصرف فيهم، ليس لهم من الملك شيء، ولا من التدبير شيء، فكيف يكون له ولد، وهذا شأنه وعظمة ملكه؟". { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } أي: لقد أحاط علمه بالخلائق كلهم، أهل السماوات والأرض، وأحصاهم وأحصى أعمالهم، فلا يضل ولا ينسى، ولا تخفى عليه خافية. { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } أي: لا أولاد، ولا مال، ولا أنصار، ليس معه إلا عمله، فيجازيه الله ويوفيه حسابه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ }.