Verse. 2346 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ سَيَجْعَلُ لَہُمُ الرَّحْمٰنُ وُدًّا۝۹۶
Inna allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati sayajAAalu lahumu alrrahmanu wuddan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّا» فيما بينهم يتوادون ويتحابون ويحبهم الله تعالى.

96

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما رد على أصناف الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } وللمفسرين في قوله: {وُدّاً } قولان: الأول: وهو قول الجمهور أنه تعالى سيحدث لهم في القلوب مودة ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي يكتسب الناس بها مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك، وإنما هو اختراع منه تعالى وابتداء تخصيصاً لأوليائه بهذه الكرامة كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاماً لهم وإجلالاً لمكانهم، والسين في سيجعل إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا جاء الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: « حديث : إذا أحب الله عبداً نادى جبريل قد أحببت فلاناً فأحبوه فينادي جبريل عليه السلام بذلك في السماء والأرض وإذا أبغض عبداً فمثل ذلك » تفسير : . وعن كعب قال: مكتوب في التوراة والإنجيل لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض وتصديق ذلك في القرآن قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً }. القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم معنى: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } أي يهب لهم ما يحبون والود والمحبة سواء، يقال: آتيت فلاناً محبته، وجعل لهم ما يحبون، وجعلت له وده، ومن كلامهم: يود لو كان كذا، ووددت أن لو كان كذا أي أحببت، ومعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في الجنة. والقول الأول: أولى لأن حمل المحبة على المحبوب مجاز، ولأنا ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وفسرها بذلك فكان ذلك أولى، وقال أبو مسلم: بل القول الثاني أولى لوجوه: أحدها: كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين. وثانيها: أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين. وثالثها: أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أن الله تعالى فعله فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. والجواب عن الأول: أن المراد يجعل لهم الرحمن محبة عند الملائكة والأنبياء، وروي عنه عليه السلام: أنه حكى عن ربه عز وجل أنه قال: « حديث : إذا ذكرني عبدي المؤمن في نفسه ذكرته في نفسي. وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أطيب منهم وأفضل » تفسير : وهذا هو الجواب عن الكلام الثاني لأن الكافر والفاسق ليس كذلك. والجواب عن الثالث: أنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم، أما قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ } فهو كلام مستأنف بين به عظيم موقع هذه السورة لما فيها من التوحيد والنبوة والحشر والنشر والرد على فرق المضلين المبطلين فبين تعالى أنه يسر ذلك بلسانه ليبشر به وينذر، ولولا أنه تعالى نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم فأما أن القرآن يتضمن تبشير المتقين وإنذار من خرج منهم فبين، لكنه تعالى لما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من هو في مخالفة التقوى أبلغ وأبلغهم الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه ويتشدد وهو معنى لداً، ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة بليغة فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا والانتهاء إلى الموت خافوا ذلك وخافوا أيضاً سوء العاقبة في الآخرة فكانوا فيها إلى الحذر من المعاصي أقرب، ثم أكد تعالى في ذلك فقال: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ } لأن الرسول عليه السلام إذا لم يحس منهم برؤية أو إدراك أو وجدان: {وَلاَ يَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } وهو الصوت الخفي، ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون دل ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية، والأقرب في قوله: {أَهْلَكْنَا } أن المراد به الانقراض بالموت وإن كان من المفسرين من حمله على العذاب المعجل في الدنيا، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدّقوا. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} أي حباً في قلوب عباده. كما رواه الترمذي من حديث سعد وأبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أحب الله عبداً نادى جِبرِيل إني قد أحببت فلاناً فأحبّه ـ قال ـ: فينادِي في السماءِ ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} وإذا أبغض الله عبداً نادى جِبريلَ إني أبغضت فلاناً فينادِي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض» تفسير : قال هذا حديث حسن صحيح. وخرجه البخاري ومسلم بمعناه، ومالك في الموطأ، وفي نوادر الأصول. وحدّثنا أبو بكر بن سابق الأموي قال: حدّثنا أبو مالك الْجَنْبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله أعطى المؤمن الألفة والملاحة والمحبة في صدور الصالحين والملائكة المقربين ـ ثم تلا ـ {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}»تفسير : . واختلف فيمن نزلت؛ فقيل في علي رضي الله تعالى عنه؛ روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «حديث : قل يا علي اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في قلوب المؤمنين مودة» تفسير : فنزلت الآية؛ ذكره الثعلبي. وقال ابن عباس: نزلت في عبد الرحمن بن عوف؛ جعل الله تعالى له في قلوب العباد مودة، لا يلقاه مؤمن إلا وقّره، ولا مشرك ولا منافق إلا عظّمه. وكان هرم بن حيّان يقول: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودّتهم ورحمتهم. وقيل: يجعل الله تعالى لهم مودّة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة. قلت: إذا كان محبوباً في الدنيا فهو كذلك في الآخرة؛ فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمناً تقيا، ولا يرضى إلا خالصاً نقياً؛ جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريلَ عليه السلام فقال: إني أحب فلاناً فأحِبّه فيحِبه جبريل ثم ينادِي في السماء فيقول: إن الله يحِب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ـ قال ـ ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبداً دعا جبريل عليه السلام فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادِي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه ـ قال ـ فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض»

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله عز وجل لمتابعتها الشريعة المحمدية - يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بد منه، ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل، إني أحب فلاناً، فأحبه، قال: فيحبه جبريل، قال: ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أبغض فلاناً، فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً، فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض»تفسير : . ورواه مسلم من حديث سهيل، ورواه أحمد والبخاري من حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة، عن نافع مولى ابن عمر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرائي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن العبد ليلتمس مرضاة الله عز وجل، فلا يزال كذلك، فيقول الله عز وجل لجبريل: إن فلاناً عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض» تفسير : غريب. ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك عن محمد ابن سعد الواسطي عن أبي ظبية، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن المقة من الله - قال شريك: هي المحبة - والصيت في السماء، فإذا أحب الله عبداً، قال لجبريل عليه السلام: إني أحب فلاناً، فينادي جبريل: إن ربكم يمق - يعني: يحب - فلاناً، فأحبوه - أرى شريكاً قد قال: فتنزل له المحبة في الأرض - وإذا أبغض عبداً، قال لجبريل: إني أبغض فلاناً، فأبغضه، قال: فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلاناً، فأبغضوه - أرى شريكاً قال: فيجري له البغض في الأرض » تفسير : غريب، ولم يخرجوه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو داود الحفري، حدثنا عبد العزيز - يعني: ابن محمد - وهو الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلاناً فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض» تفسير : ، فذلك قول الله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}، رواه مسلم والترمذي، كلاهما عن عبد الله عن قتيبة، عن الدراوردي به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} قال: حباً، وقال مجاهد عنه: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}، قال: محبة في الناس في الدنيا، وقال سعيد بن جبير عنه: يحبهم ويحببهم، يعني: إلى خلقه المؤمنين، كما قال مجاهد أيضاً والضحاك وغيرهم. وقال العوفي عن ابن عباس أيضاً: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق. وقال قتادة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} إيْ والله في قلوب أهل الإيمان. وذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. وقال قتادة: وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: ما من عبد يعمل خيراً أو شراً، إلا كساه الله عز وجل رداء عمله. وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصري رحمه الله قال: قال رجل: والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها، فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائماً يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي، فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أذكر إلا بشر، لأجعلن عملي كله لله عز وجل، فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمر بعد بالقوم فيقولون: رحم الله فلاناً الآن، وتلا الحسن: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} وقد روى ابن جرير أثراً أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف، وهو خطأ، فإن هذه السورة بكمالها مكية، لم ينزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم. وقوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ} يعني: القرآن {بِلَسَانِكَ} أي: يا محمد وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل {لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: المستجيبين لله، المصدقين لرسوله، {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} أي: عوجاً عن الحق، مائلين إلى الباطل. وقال ابن أبي نجيج عن مجاهد: {قَوْماً لُّدّاً}: لا يستقيمون. وقال الثوري عن إسماعيل، وهو السدي عن أبي صالح: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً}: عوجاً عن الحق، وقال الضحاك: الألد: الخصم. وقال القرظي: الألد: الكذاب. وقال الحسن البصري: {قَوْماً لُّدّاً}: صماً، وقال غيره: صم آذان القلوب. وقال قتادة: قوماً لداً، يعني: قريشاً. وقال العوفي عن ابن عباس: {قَوْماً لُّدّاً}: فجاراً، وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد. وقال ابن زيد: الألد: الظلوم، وقرأ قوله تعالى: {أية : وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} تفسير : [البقرة: 204]. وقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي: من أمة كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} أي: هل ترى منهم أحداً، أو تسمع لهم ركزاً؟ وقال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد: يعني: صوتاً، وقال الحسن وقتادة: هل ترى عيناً، أو تسمع صوتاً؟ والركز في أصل اللغة هو الصوت الخفي. قال الشاعر:شعر : فَتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأَنِيْسِ فَراعَها عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ والأنيسُ سَقامُها تفسير : آخر تفسير سورة مريم. ولله الحمد والمنّة. ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة طه والحمد لله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ وُدّاً } فيما بينهم يتوادّون ويتحابون ويحبهم الله تعالى.

الشوكاني

تفسير : ذكر سبحانه من أحوال المؤمنين بعض ما خصهم به بعد ذكره لقبائح الكافرين فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } أي حباً في قلوب عباده، يجعله لهم من دون أن يطلبوه بالأسباب التي توجب ذلك، كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب، والسين في {سيجعل} للدلالة على أن ذلك لم يكن من قبل وأنه مجعول من بعد نزول الآية. وقرىء "ودّاً" بكسر الواو، والجمهور من السبعة وغيرهم على الضم. ثم ذكر سبحانه تعظيم القرآن خصوصاً هذه السورة لاشتمالها على التوحيد والنبوّة، وبيان حال المعاندين فقال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلَسَانِكَ } أي يسرنا القرآن بإنزالنا له على لغتك، وفصلناه وسهلناه، والباء بمعنى على، والفاء لتعليل كلام ينساق إليه النظم كأنه قيل: بلغ هذا المنزل أو بشر به أو أنذر {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ } الآية. ثم علل ما ذكره من التيسير فقال: {لِتُبَشّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ } أي المتلبسين بالتقوى، المتصفين بها {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } اللدّ: جمع الألد، وهو الشديد الخصومة. ومنه قوله تعالى: {أية : أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ }تفسير : [البقرة: 204]. قال الشاعر:شعر : أبيت نجياً للهموم كأنني أخاصم أقواماً ذوي جدل لدّاً تفسير : وقال أبو عبيدة: الألدّ الذي لا يقبل الحق ويدّعي الباطل. وقيل: اللدّ: الصم. وقيل: الظلمة {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } أي من أمة وجماعة من الناس، وفي هذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك الكافرين ووعيد لهم {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ } هذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها، أي هل تشعر بأحد منهم أو تراه {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } الركز: الصوت الخفي، ومنه ركز الرمح: إذا غيب طرفه في الأرض. قال طرفة:شعر : وصادفتها سمع التوجس للسرى لركز خفي أو لصوت مفند تفسير : وقال ذو الرمة:شعر : إذا توجس ركزاً مقفر ندس بنبأة الصوت ما في سمعه كذب تفسير : أي في استماعه كذب بل هو صادق الاستماع، والندس: الحاذق، والنبأة: الصوت الخفي. وقال اليزيدي وأبو عبيد: الركز: ما لا يفهم من صوت أو حركة. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمٰن بن عوف؛ أنه لما هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، فأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } الآية. قال ابن كثير: وهو خطأ، فإن السورة مكية بكمالها لم ينزل شيء منها بعد الهجرة ولم يصح سند ذلك. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } قال: محبة في قلوب المؤمنين. وأخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: «حديث : قل اللّهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة"»تفسير : ، فأنزل الله الآية في عليّ. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس {وُدّاً } قال: محبة في الناس في الدنيا. وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن عليّ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } ما هو؟ قال: حديث : المحبة الصادقة في صدور المؤمنين»تفسير : . وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلاناً فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل إني قد أبغضت فلاناً، فينادي في أهل السماء، ثم ينزل له البغضاء في الأرض»تفسير : . والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } قال: فجاراً. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: صماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ } قال: هل ترى منهم من أحد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {رِكْزاً } قال: صوتاً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمنُ وُدّاً} فيه وجهان: أحدهما: حباً في الدنيا مع الأبرار، وهيبة عند الفجار. الثاني: يحبهم الله ويحبهم الناس، قال الربيع بن أنس: إذا أحب الله عبداً ألقى له المحبة في قلوب أهل السماء، ثم ألقاها في قلوب أهل الأرض. ويحتمل ثالثاً: أن يجعل لهم ثناء حسناً. قال كعب: ما يستقر لعبد ثناء في الدنيا حتى يستقر من أهل السماء. وحكى الضحاك عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه جعل له ودّاً في قلوب المؤمنين. قوله عز وجل: {قَوْماً لُّدّاً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فجّاراً، قاله مجاهد. الثاني: أهل إلحاح في الخصومة، مأخوذ من اللدود في الأفواه، فلزومهم الخصومة بأفواههم كحصول اللدود في الأفواه، قاله ابن بحر. قال الشاعر: شعر : بغوا لَدَدَي حَنقاً عليَّ كأنما تغلي عداوة صدرهم في مِرجل تفسير : الثالث: جدالاً بالباطل، قاله قتادة، مأخوذ من اللدود وهو شديد الخصومة. قال الله تعالى: {وَهُوَ الْخِصَامِ} وقال الشاعر: شعر : أبيت نجياً للهموم كأنني أخاصم أقواماً ذوي جدلٍ لُدّا تفسير : قوله عز وجل: {وِكْزَاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: صوتاً، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك. الثاني: حِسّاً، قاله ابن زيد. الثالث: أنه ما لا يفهم من صوت أو حركة، قاله اليزيدي.

ابن عبد السلام

تفسير : {وُدّاً} محبة في الدنيا من الأبرار وهيبة عند الفجار، أو يحبهم الله ـ تعالى ـ ويحببهم إلى الناس، قال "ع" نزلت في علي ابن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنه ـ.

التستري

تفسير : قال تعالى: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}[96] أي مكاشفة تتخذ الأسرار من غير واسطة. وهذا مقام من الله للذين صدقوا الله في السر والعلانية.

السلمي

تفسير : قال الواسطى: طائفة خطابها الثناء فخطابها بما عرفت {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}. قال ابن عطاء: الذين أخلصوا سريرتهم لى وأتبعوا ظاهرهم فى خدمتى سأجعل لهم وجهًا فى عبادى لا يراهم أحدٌ إلا أحبهم وأكرمهم، وفى محبتهم وكرامتهم كرامتى ومحبتى. وقال بعضهم: حلاوة ومحبة فى قلوب المؤمنين. وسئل بعضهم عن قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}. قال: يعنى لذةً وحلاوة فى الطاعة والله أعلم.

القشيري

تفسير : يجعل في قلوبهم وداً لله نتيجةً لأعمالهم الخالصة، وفي الخبر:"حديث : لا يزال العبد يتقربَ إليَّ بالنوافل حتى يحبني وأحبه ". تفسير : ويقال يجعل لهم الرحمن وداً في قلوب عباده، وفي قلوب الملائكة، فأهل الخير والطاعة محبوبون مِنْ كلِّ أحد من غير استحقاق بفعل.

البقلي

تفسير : فى هذه الأية عجيب من الكنت ان الله سبحانه قرن الودّ بالعمل الصالح وذكر العمل الصلاح قبل الود كان الود جزاء العمل الصالح والاشارة فيه ان وده لهم قديم في الازل وبذلك ما لو عملوا العمل الصالح فاذا اصطفا بذلك الود وقفهم للاعمال الصالح والاعمال الصالحة من ميراث ذلك الاصطفائية والودنا ذا وقع العمل الصالح يزيد كشف ذلك الردّ فى قلوبهم والحق سبحانه منزه عن الزيادة والبداء فاذا البسهم نوره وكسا اسرارهم سناده فيكونون ----- ظاهرا وباطنا ويصيرون مرأة جمال الحق وكل من يراهم يحبهم فالله احبهم وهم يحبونه بمحبته للخلق يحبونهم بمحبة الله اياهم ما يرون من انوار جمال الحق منهم قال ابن عطا الذين اخلصوا -------- عباد لا يراهم احد لا احبهم واكرمهم فى محبتهم وكرامتهم كرامتى ومحبتى وسئل بعضهم عن قوله سيجعل لهم الرحمن قال يعنى --------.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات} جمعوا بين عمل القلب وعمل الجوارح {سيجعل لهم الرحمن ودّا} اى سيحدث لهم فى القلوب مودة من غير تعرض منهم لاسبابها من قرابة او صداقة او اصطناع معروف او غير ذلك سوى مالهم من الايمان والعمل الصالح والسين اما لان السورة مكية وكان المؤمنين حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله ذلك اذا قوى الاسلام واما ان يكون ذلك يوم القيامة يحببهم الله الى خلقه بما يظهر من حسناته. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان بذر الايمان اذا وقع فى ارض القلب وتربى بماء الاعمال الصالحات ينمو ويتربى الى ان يثمر فتكون ثمرته محبة الله ومحبة الانبياء والملائكة والمؤمنين جميعا كما قال تعالى {أية : تؤتى اكلها كل حين باذن ربها}تفسير : انتهى. واعلم ان المحبة الموافقة ثم الميل ثم الود ثم الهوى ثم الوله فالموافقة للطبع والميل للنفس والود للقلب والمحبة للفؤاد وهو باطن القلب والهوى غلبة المحبة والوله زيادة الهوى يقال نور المحبة ثم نار العشق ثم حرارة الشهوة ثم البخار اللطيف ثم النفس الرقيق ثم الهواء الدقيق. قال رجل لعبد الله ابن جعفر ان فلانا يقول انا احبك فيم اعلم صدقه فقال استخبر قلبك فان توده فانه يودك قيل شعر : وعلى القلوب من القلوب دلائل بالود قبل تشاهد الاشباح تفسير : وفى الحديث "حديث : اكثروا من الاخوان فان ربكم حى كريم يستحيى ان يعذب عبده بين اخوانه يوم القيامة"تفسير : وعنه عليه السلام "حديث : من نظر الى اخيه نظر مودة ولم يكن فى قلبه احنة لم يطرف حتى يغفر الله له ما تقدم من ذنبه"تفسير : يقال طرف بصره اذا اطبق احد جفنيه على الآخر. قال عمر رضى الله عنه ثلاث يثبتن الود فى صدر اخيك ان تبدأه بالسلام وان توسع له فى المجلس وان تدعوه باحب اسمائه اليه. وقال سقراط اثن على ذى المودة خيرا عند من لقيت فان رأس المودة حسن الثناء كما ان رأس العداوة سوء الذكر. ومن بلاغات الزمخشرى محك المودة الآخاء حال الشدة دون حال الرخاء. وقال ابو على الدقاق قدس سره لما سعى غلام الخليل بالصوفية إلى الخليفة امر بضرب اعناقهم فأما الجنيد فانه تستر بالفقه وكان يفتى على مذهب ابى ثور واما الشحام والرقام والنورى وجماعة فقبض عليهم فبسط النطح لضرب اعناقهم فتقدم النورى فقال السياف تدرى لماذا تبادر فقال نعم فقال وما يعجلك فقال اوثر اصحابى بحياة ساعة فتحير السياف فانتهى الخبر الى الخليفة فردهم الى القاضى ليتعرف حالهم فالقى القاضى على ابن ابى الحسن النورى مسائل فقيهة فاجاب عن الكل ثم اخذ يقول وبعد فان لله عبدا اذا قاموا قاموا بالله واذا نطقوا نطقوا بالله وسرد الفاظا ابكى القاضى فارسل القاضى الى الخليفة وقال ان كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الارض مسلم فانظر واعتبر من معاملة النورى مع اخوانه فانه آثرهم حال الشدة علىنفسه بخلوس جنانه شعر : حديث عشق ازان يطال منيوش كه درسختى كند يارى فراموش

ابن عجيبة

تفسير : قلت: لما استحقر الكفرةُ أحوالَ المؤمنين حتى قالوا: {أينا خير مقامًا وأحسن نديًّا}، أخبر الله تعالى المؤمنين وبشرهم أنهم سيعزهم ويلقى مودتهم في قلوب عباده. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعلُ لهم الرحمن} في قلوب الناس مودة وعطفًا، حتى يحبهم كل من سمع بهم، فيحبهم ويحببهم إلى عباده من أهل السماوات والأرض، أي: سيحدث لهم في القلوب مودةً من غير تعرض لأسبابها، سوى ما لهم من الإيمان والعمل الصالح، أو {وُدًّا} فيما بينهم، فيتحابون ويتواددون ويحبهم الله. قال القشيري: يجعل في قلوبهم ودًّا لله، وهو نتيجة أعمالهم الخالصة، وفي الخبر: "لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى يحبني وأحبه". والتعرض لعنوان الرحمانية؛ لِمَا أنَّ الموعود من آثارها، وأن مودتهم رحمة بهم وبمن أحبهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعليّ رضي الله عنه: "حديث : قل اللهُمَّ اجْعَلْ لِي عِنْدكَ عَهْدًا، واجعل لِي في صُدُورِ المؤمِنِينَ مَوَدَّةً" تفسير : فنزلت الآية. وفي حديث البخاري وغيره: "حديث : إِذا أحَبَّ اللهُ عبدًا قال لجبْريل: إني أُحبُ فُلانًا فأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جَبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادي في أَهْلِ السَّماءِ إنَّ اللهَ قَدْ أحَبَّ فُلانًا فأَحبُّوهُ، فَيُحبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضع لَهُ المحبة فِي الأرْض ". تفسير : وقال قتادة: {سيجعل لهم الرحمن ودًا} قال: أي والله ودًا في قلوب أهل الإيمان. وإن هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبدٌ بقلبه على الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. قلت: ولفظ الحديث: "حديث : ما أقْبَلَ عبدٌ بقلْبهِ إلى اللهِ عزّ وجلّ إلا جَعلَ الله قلوبَ المؤمنينَ تَفِدُ إليه بالودِّ والرحمَةِ، وكان الله إليه بكل خيرٍ أسرَعَ"تفسير : . نقله في الترغيب. وفي حديث آخر: "حديث : يُعطى المؤمنُ ودًّا في صدور الأبرار، ومهابة في صدور الفجار"تفسير : . فَتَوَدُّد الناس للعبد دليل على قبوله عند مولاه. أنتم شهداء الله في أرضه. وفي بعض الأثر: "لا يموت العبد الصالح حتى يملأ مسامعه مما يُحب، ولا يموت الفاجر حتى يملأ مسامعه مما يكره". بالمعنى. وأتى الحقّ جلّ جلاله بالسين؛ لأن السورة مكية، وكانوا إذ ذلك ممقوتين عند الكفرة، فوعدهم ذلك، ثم أنجزه لهم حين جاء الإسلام، فعَزوا وانتصروا، وتعشقت إليهم قلوب الخلق من كل جانب، كما هو مسطر في تواريخهم. وقيل: الموعود في القيامة، حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد كأنها أنوار الشمس الضاحية، ولعل إفراد هذا بالوعد من بين ما لهم من الكرامات السنية؛ لأن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تقاطع وتباغض وتضاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: سُنَّة الله تعالى في أوليائه، في حال بدايتهم، أن يُسلط عليهم الخلق، وينزل عليهم الخمول والذل بين عباده، حتى يمقتهم أقرب الناس إليهم، رحمة بهم واعتناء بقلوبهم؛ لئلا تسكن إلى غيره. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا... الخ. فإذا تطهروا من البقايا وكملت فيهم المزايا، وتمكنوا من معرفة الحق، أعزهم وألقى مودتهم في قلوب عباده، هذا دأبه معهم في الغالب، وقد يحكم على بعضهم بالخمول حتى يلقاه على ذلك، ولا يكون ذلك نقصًا في حقه بل كمالاً، وهم شهداء الملكوت، لم يأخذوا من أجرهم شيئًا. والله تعالى أعلم. ولما ختم السورة الكريمة أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بتبليغها

الجنابذي

تفسير : جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: كلّهم مؤمنهم وكافرهم يأتيه فرداً، فقال: انّ المؤمنين يكونون بوصف الحبّ او مع محبّيهم غير منقطعى النّسبة عن اخلاّئهم فانّ كلّ نسبة وخلّة الاّ النّسبة والخلّة فى الله وقد تعدّد الاخبار بأنّ الرّسول (ص) قال لعلىٍّ (ع) يا علىّ، قل اللّهمّ اجعل لى فى قلوب المؤمنين ودّاً، فقال علىّ (ع) ذلك ونزلت الآية، وفى بعض الاخبار ولاية امير المؤمنين (ع) هى الودّ الّذى قال الله تعالى؛ والودّ بتثليث الواو مصدر ودّ من باب علم ومنع او وصف منه والمناسب هو معناه الوصفىّ فانّ المقصود انّا سنجعل لهم محبّاً هو محبوبهم عند الرّجوع الينا، فانّ نورهم يعنى امامهم يسعى حينئذٍ بين ايديهم وبايمانهم وان كان المراد به معناه المصدرىّ فالمقصود هو هذا المعنى، فانّ الحبّ الحقيقىّ هو ملكوت الامام الّذى يظهر على صدر السّالك وهذا يشير الى ما قاله الصّوفيّة من الفكر والحضر والسّكينة وهو ظهور الامام بملكوته على السّالك وانّ السّالك ينبغى ان يكون تمام اهتمامه بظهور الشّيخ عليه وانّه البغية القصوى والقنية العظمى.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنَا عَليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، عن الكَلْبيّ، عن أَبِي صَالِحٍ عن: ابنِ عَبَّاسٍ، في قولِهِ تَعالَى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}. نَزَلَتْ في عَلِيٍّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ خَاصَّةً.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثنا محمد بن أحمد معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان وداً} قال: محبة في قلوب المؤمنين وقال: نزلت في [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثني أحمد بن موسى [قال: حدثنا الحسين بن ثابت قال: حدثني أبي عن شعبة بن الحجاج عن الحكم]: حديث : عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدي ويد علي بن أبي طالب عليه السلام فعلا بنا إلى ثبير صلى ركعات ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم إن موسى بن عمران سألك وأنا محمد نبيك أسألك: أن تشرح لي صدري وتيسر لي أمري وتحلل عقدة من لساني ليفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي علي بن أبي طالب أخي، أشدد به أزري وأشركه في أمري. قال: فقال ابن عباس [رضي الله عنه. ب، ر]: سمعت منادياً ينادي يا أحمد قد أوتيت ما سألت قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: "يا أبا الحسن ارفع يدك إلى السماء فادع ربك واسأله [ش: وسل] يعطك." فرفع [علي. ش] يده إلى السماء وهو يقول: اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي عندك وداً فأنزل الله على نبيه: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخر الآية فتلاها النبي على أصحابه فتعجبوا من ذلك عجباً شديداً فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "بما تعجبون؟ إن القرآن أربعة أرباع فربع فينا أهل البيت خاصة وربع في أعدائنا وربع حلال وحرام وربع فرائض وأحكام، وإن الله أنزل في علي كرائم القرآن" . تفسير : فرات قال: حدّثني أبو محمد الحسن بن الحسين الزنجاني معنعناً: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: أبصر رجلاً يطوف حول الكعبة وهو يقول: اللهم إني أبرء إليك من علي بن أبي طالب. فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك وعدمتك فلم تفعل ذلك فوالله لقد سبقت لعلي سوابق لو قسم واحدة منهن على أهل الأرض لوسعتهم. قال: أخبرني بواحدة منهن؟. قال: أما أولاهن فإنه صلى مع النبي [أ، ب: رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم القبلتين وهاجر معه، و[الثاني. ر] لم يعبد صنماً قط [ولا تناقط. ر] قال: يا ابن عباس: زدني فإني تائب. قال:حديث : لما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة دخلها فإذا هو [أ: هم] بصنم على الكعبة يعبدونـ [ـه. ب] من دون الله فقال علي [عليه السلام. أ، ر] للنبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر]: اطمئن لك فترقى علي، فقال النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]: لو أن أمتي اطمأنوا لي لم يعلوني لموضع الوحي ولكن أطمئن لك فترقى علي، فاطمأن له فرقى فأخذ الصنم فضرب به الصفا فصارت إرباً إرباً ثم طفر علي إلى الأرض وهو ضاحك فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما أضحكك؟ قال: عجبت لسقطتي ولم أجد لها ألماً، فقال: وكيف تألم منها وإنما حملك محمد [ص. أ، ر] وأنزلك جبرئيل عليه السلام . تفسير : قال [محمد. أ] بن حرب: وزادني فيه إِبراهيم بن محمد التميمي عن [ر: من] عبد الله بن داود قال: لقد رفعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذٍ ولو شئت أن أنال السماء لنلتها. قال: فقال الرجل لابن عباس: زدني فإني تائب. قال: حديث : أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيدي ويد علي بن أبي طالب فانتهى [بنا. خ] إلى سفح الجبل فرفع النبي [ص. أ، ب] يديه فقال: اللهم اجعل لي وزيراً من أهلي، علي أشدد به أزري. فقال ابن عباس: [و. أ، ب] لقد سمعت منادياً ينادي من السماء: لقد أعطيت سؤلك يا محمد. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: ادع. فقال علي: اللهم اجعل لي عندك عهداً [اللهم. أ، ب. ر: و] اجعل لي عندك وداً. تفسير : فأنزل الله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان وداً} الآية. فرات قال: حدّثنا محمد بن أحمد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي [بن أبي طالب. ر]: حديث : يا علي قل: اللهم اجعل لي عندك عهداً وفي صدور المؤمنين وداً تفسير : قال: فأنزل الله عز [ر: جل] ذكره: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان وداً}. فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام وقريش في حديث لهم فلما رأوه سكتوا فشق ذلك عليهم فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله قتلت بين يديك سبعين رجلاً صبراً مما تأمرني بقتله وثمانين رجلاً مبارزة فما أحد من قريش ولا من وجوه العرب إلا وقد دخل عليهم بغض لي فادع الله أن يجعل لي محبة في قلوب المؤمنين. قال: فسكت رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، ب] حتى نزلت هذه الآية: {إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان وداً} فقال [النبي. ر]: حديث : يا علي إن الله قد أنزل فيك آية من كتابه وجعل لك في قلب كل مؤمن محبة . تفسير : فرات قال: حدثنا محمد [بن أحمد] قال: حدّثنا عون بن سلام قال: أخبرنا مندل عن إسماعيل بن سلمان عن أبي عمر الأسدي: عن ابن الحنفية [في قوله. ب]: {سيجعل لهم الرحمان وداً} قال: لا تلقى مؤمناً إلا وفي قلبه ودٌ لـ [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر، ب] وأهل بيته [عليهم السلام. ر]. فرات قال: حدّثنا محمد [بن أحمد] معنعناً: عن ابن الحنفية في قوله {سيجعل لهم الرحمان وداً} قال: لا تلقى [ب: تتلقى] مؤمناً إلا [و ب] في قلبه ودٌ [لعلي بن أبي طالب عليه السلام وولده. ب. أ: له ولولده]. فرات قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن عثمان بن دليل معنعناً: عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب [عليه السلام. أ] حديث : يا علي قل: اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي عندك وداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودة. تفسير : قال: فنزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية الكريمة: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان وداً} قال: نزلت في علي [عليه السلام. ب]. فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد الأزدي معنعناً: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه [عليهم السلام. ر] قال: حديث : قال [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كيف أصبحت! والله يا علي عنك راض وأصبح [و. ر، ب] الله ربك عنك راض وأصبح كل مؤمن ومؤمنة عنك راضون إلى أن تقوم الساعة. قال: قلت: يا رسول الله قد نعيت إليك نفسك فيا ليت نفسي المتوفاة قبل نفسك. قال: أبى الله في علمه إلا ما يريد. قال: [قلت]: فادع الله لي بدعوات تصيبني [ر، ب: يصبني] بعد وفاتك قال: يا علي ادع لنفسك بما تحب حتى أؤمن فإن تأميني لك لا يرد. قال: فدعا علي [بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام. ر]: اللهم ثبت مودتي في قلوب المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة. [قال فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: آمين. فقال: يا علي ادع فدعا بتثبيت مودته في قلوب المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة. ر، أ] حتى دعا ثلاث مرات كلما دعا دعوة قال رسول الله [ر: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم: آمين. فهبط جبرئيل عليه السلام فقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودّاً فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً} فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: المتقون [ب، ر: المتقين] علي [بن أبي طالب. ر] وشيعته . تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد [قال: حدثنا نصر بن مزاحم العطار المنقري عن الفضيل بن مرزوق عن عطية العوفي. ش]: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حديث : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: يا أبا الحسن قل: اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي عندك وداً واجعل لي في قلوب المؤمنين مودة. تفسير : فنزلت هذه الآية: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان وداً} قال: لا تلقى رجلاً إلا وفي قلبه حب لعلي بن أبي طالب [أمير المؤمنين. ر] عليه السلام. فرات قال: حدّثني علي بن حمدون معنعناً: عن أبي الجارية! والأصبغ بن نباتة الحنظلي قالا: لما كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع في أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب. ر] عليه السلام قال: فلما نزل من [ر: عن] المنبر أتى الحسين بن علي عليهما السلام [المسجد] فقيل له: إن مروان قد وقع في علي. قال: فما كان في المسجد الحسن؟ [عليه السلام. ب] قالوا: بلى. قال: فما قال له شيئاً؟ قالوا: لا. [قال. ر، خ]: فقام الحسين مغضباً حتى دخل على مروان فقال له: يا ابن الزرقاء ويا ابن آكلة القمل أنت الواقع في علي؟! قال له مروان: إنك صبي لا عقل لك. قال: فقال له الحسين. ألا أخبرك بما فيك وفي أصحابك وفي علي [قال: إن. ر: فإن] الله [تبارك و. أ، ب] تعالى يقول: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً} فذلك لعلي وشيعته {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين} فبشر بذلك النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] لعلي [ب: علي] بن أبي طالب عليه السلام [{وتنذر به قوماً لداً} فذلك لك ولأصحابك].

اطفيش

تفسير : محبة فى القلوب من غير تعرض منهم لأسبابها لإقبالهم إلينا كما تقذف فى قلوب أعدائهم الرهبة. قال أبو حيان فى البحر: ومن الغريب ما أنشدنا الإمام اللغوى رضىّ الدين أبو عبد الله محمد بن على بن يوسف الأنصارى الشاطبى لزبينا بن إسحاق النصرانى المصعبى: شعر : عدى وتيم لا أحاول ذكرهم بسوء ولكنى محب لهاشم وما يعترينى فى علىٍّ ورهطه إذا ذكروا فى الله لومة لائِم يقولون: ما بال النصارى تحتهم وأهل النُّهى من أَغرُبٍ وأعاجِم فقلت لهم: إنى لأحسَب حُبَّهم سرى فى قلوب الخلق حتى البهائِم تفسير : والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون ممقوتين بمكة فوعده ذلك إذا قوى الإسلام، وإما لأن الموعود فى القيامة حين يعرض حسابهم على رؤوس الأشهاد فتظهر حسناتهم، وإما أنه ينزع الغل من صدورهم يوم القيامة فيتحابون. وقيل: سيجعل لهم ودا فى الدنيا فيتحابون، وكانوا دون تلك المرتبة؛ قال صلى الله عليه وسلم لعلى: حديث : قل: اللهم اجعل لى عندك عهدا، واجعل لى فى صدور المؤمنين مودة . تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا أحب الله عبدا نادى جبريلُ: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض . تفسير : ويروى أنه يقول: حديث : قد أحببت فلانا فأحببه يا جبريل فيحبه. فينادى. وإذا أبغض فبعكس ذلك . تفسير : وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه. ومثله عن هرم بن حيان، إلا أنه قال: بقلوب المؤمنين. قال كعب: فى التوراة: لا محبة لأحد فى الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله، ينزلها على أهل السماء ثم أهل الأرض. ومصداقه الآية. وروى ثوبان أن العبد ليلتمس رِضَى الله فيقول الله جل وعلا لجبريل: إن فلانا يلتمس رضاى فعليه رحمتى فيقول جبريل: على فلان رحمه الله. فيقول حملة العرش فَمَنْ حوله؛ فكل أهل سماء، فأهل الأرض. وعكس ذلك فى السخط.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الذِين آمنُوا وعَملوا الصالحات سَيجْعل لَهم الرَّحْمن وُداً} حباً فى القلوب دنيا وأخرى، لإيمانهم وصالح أعمالهم، أما فى الدنيا فلقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أحب الله عبداً أى إذا بلغ درجة الحب أمر الله جبريل أن ينادى فى الملائكة إن الله أحب فلانا فأحبوه فيحبونه، فيوضع له القبول فى الأرض" تفسير : وفى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عز وجل عليه وسلم: "حديث : إذا أحب الله سبحانه وتعالى عبداً دعا جبريل عليه السلام: إن الله يحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، فينادى جبريل فى أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض ". تفسير : وفى رواية لمسلم زيادة وإذا أبغض الله عبداً دعا جبريل عليه السلام فيقول إنى أبغض فلاناً فابغضه فيبغضه جبريل، ثم ينادى فى أهل السماء ان الله يبغض فلاناً فابغضوه، ثم يوضع له البغضاء فى الأرض، وذلك تسلية لهم عن بعض المشركين لهم، والسين للاستقبال. لما هاجر جعفر رضى الله عنه ومن معه الى الحبشة من مكة، أحبهم النجاشى ومن على طريقته، وآمنوا، ولما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم منها الى المدينة أحبهم الأنصار ومن آمن من أهل الكتاب. وظهر حبهم، وزاد وقد أحبهم الأنصار قبل الهجرة، وشاع فيهم، ولما هاجر عبد الرحمن بن عوف، توحش من فراق شيبة بن ربيعة، وعقبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، فعوضه الله حب المؤمنين، وانظر أبيات زينى بن إسحاق النصرانى الرعينى: شعر : عدى وتيم لا أحاول ذكرهم بسوء ولكنى محب لهاشم تفسير : إلخ. وكنت مولعاً بها ذكرتها فى رد الشرود، ثم رأيت بعض المتأخرين البغداديين يقول: أظنها موضوعة من الشيعة، وليس كذلك، بل صحيح لورود أمثال ذلك من النصارى، وأما فى الآخرة فحين يكونون فى الجنة على سرر متقابلين، وحين تعرض قبل ذلك حسناتهم على رءوس الأشهاد. وقد جاء: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما آنس الله المؤمنين بأن يعوضوا حباً ونصراً دنيا وأخرى، ويخزى الكافرين ويبغضون ويذلون.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } أي مودة في القلوب لإيمانهم وعملهم الصالح، والمشهور أن ذلك الجعل في الدنيا. فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وعبد بن حميد وغيرهم عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أحب الله تعالى عبداً نادى جبريل إني قد أحببت فلاناً فأحبه فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في الأرض فذلك قول الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية»تفسير : والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن الموعود من آثارها، والسين لأن السورة مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم سبحانه ذلك، ثم نجزه حين كثر الإسلام وقوي بعد الهجرة، وذكر أن الآية نزلت في المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبـي طالب رضي الله تعالى عنه وعد سبحانه أن يجعل لهم محبة في قلب النجاشي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم شيبة بن ربيعة وعقبه بن ربيعة وأمية بن خلف فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلى هذا تكون الآية مدنية، وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن البراء قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه: قل اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين وداً تفسير : فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وكان محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه يقول: لا تجد مؤمناً إلا وهو يحب علياً كرم الله تعالى وجهه وأهل بيته. وروى الإمامية خبر نزولها في علي كرم الله تعالى وجهه عن ابن عباس والباقر، وأيدوا ذلك بما صح عندهم أنه كرم الله تعالى وجهه قال: لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ولو صببت الدنيا بجملتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني وذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق» تفسير : والمراد المحبة الشرعية التي لا غلو فيه، وزعم بعض النصارى حبه كرم الله تعالى وجهه، فقد أنشد الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبـي لابن إسحٰق النصراني الرسغني: شعر : عدي وتيم لا أحاول ذكرهم بسوء ولكني محب لهاشم وما تعتريني في علي ورهطه إذا ذكروا في الله لومة لائم يقولون ما بال النصارى تحبهم وأهل النهي من أعرب وأعاجم فقلت لهم إني لأحسب حبهم سرى في قلوب الخلق حتى البهائم تفسير : وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ثبت كذبه، وأظن أن نسبة هذه الأبيات للنصراني لا أصل لها وهي من أبيات الشيعة بيت الكذب، وكم لهم مثل هذه المكايد كما بين في «التحفة الإثني عشرية»، والظاهر أن الآية على هذا مدنية أيضاً. ثم العبرة على سائر الروايات في سبب النزول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وذهب الجبائي إلى أن ذلك في الآخرة فقيل في الجنة إذ يكونون إخواناً على سرر متقابلين، وقيل: / حين تعرض حسناتهم على رؤس الأشهاد وأمر السين على ذلك ظاهر. ولعل إفراد هذا الوعد من بين ما سيولون يوم القيامة من الكرامات السنية لما أن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تباغض وتضاد وتقاطع وتلاعن، وذكر في وجه الربط أنه لما فصلت قبائح أحوال الكفرة عقب ذلك بذكر محاسن أحوال المؤمنين، وقد يقال فيه بناء على أن ذلك في الآخرة: إنه جل شأنه لما أخبر بإتيان كل من أهل السمٰوات والأرض إليه سبحانه يوم القيامة فرداً آنس المؤمنين بأنه جل وعلا يجعل لهم ذلك اليوم وداً، وفسره ابن عطية على هذا الوجه بمحبته تعالى إياهم وأراد منها إكرامه تعالى إياهم ومغفرته سبحانه وتعالى ذنوبهم، وجوز أن يكون الوعد بجعل الود في الدنيا والآخرة ولا أراه بعيداً عن الصواب. ولا يأبى هذا ولا ما قبله التعرض لعنوان الرحمانية لجواز أن يدعى العموم فقد جاء «يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما». وقرأ أبو الحرث الحنفي {وداً } بفتح الواو وقرأ جناح بن حبيش {وداً } بكسرها وكل ذلك لغة فيه وكذا في الوداد.

ابن عاشور

تفسير : يقتضي اتصال الآيات بعضها ببعض في المعاني أنّ هذه الآية وصف لحال المؤمنين يوم القيامة بضد حال المشركين، فيكون حال إتيانهم غير حال انفرادٍ بل حال تأنس بعضهم ببعض. ولمّا ختمت الآية قبلها بأن المشركين آتون يوم القيامة مفردين، وكان ذلك مشعراً بأنهم آتون إلى ما من شأنه أن يتمنى المورّط فيه مَن يدفع عنه وينصره، وإشعار ذلك بأنّهم مغضوب عليهم، أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين الصالحين، وأنهم على العكس من حال المشركين، وأنهم يكونون يومئذ بمقام المودّة والتبجيل. فالمعنى: سيجعل لهم الرحمان أودّاء من الملائكة كما قال تعالى: {أية : نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}تفسير : [فصلت: 31]، ويجعل بين أنفسهم مودّة كما قال تعالى: {أية : ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ}تفسير : [الأعراف: 43]. وإيثارُ المصدر ليفي بعدّة متعلقات بالودّ. وفُسّر أيضاً جعل الودّ بأن الله يجعل لهم محبّة في قلوب أهل الخير. رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد عن الدراوردي. وليست هذه الزيادة عن أحد ممن روى الحديث عن غير قتيبة بن سعيد ولا عن قتيبة بن سعيد في غير رواية الترمذي، فهذه الزيادة إدراج من قتيبة عند الترمذي خاصة. وفُسر أيضاً بأن الله سيجعل لهم محبة منه تعالى، فالجعل هنا كالإلقاء في قوله تعالى: {أية : وألقيت عليك محبة مني}تفسير : [طه: 39]. هذا أظهر الوجوه في تفسير الودّ، وقد ذهب فيه جماعات المفسرين إلى أقوال شتى متفاوتة في القبول.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر في القرآن لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم - أنه جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكر أنه سيعجل لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات وداً. أي محبة في قلوب عباده. وقد صرح في موضع آخر بدخول نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذا العموم، وذلك في قوله {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}تفسير : [طه: 39] الآية. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل، فقال يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض"تفسير : اهـ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وداً: أي حبا فيعيشون متحابين فيما بينهم ويحبهم ربهم تعالى. فإنما يسرناه بلسانك: أي يسرنا القرآن أي قراءته وفهمه بلغتك العربية. قوماً لداً: أي ألداء شديدوا الخصومة والجدل بالباطل وهم كفار قريش. وكم أهلكنا: أي كثيراً من أهل القرون من قبلهم أهلكناهم. هل تحس منهم من أحد: أي هل تجد منهم أحداً. أو تسمع لهم ركزا: أي صوتا خفياً والجواب لا لأن الاستفهام إنكاري. معنى الآيات: يخبر تعالى أن الذين بالله وبرسوله وبوعد الله ووعيده فتخلوا عن الشرك والكفر وعملوا الصالحات وهي أداء الفرائض وكثير من النوافل هؤلاء يخبر تعالى أنه سيجعل لهم في قلوب عباده المؤمنين محبة ووداً وقد فعل سبحانه وتعالى فأهل الإِيمان والعمل الصالح متحابون متوادون، وهذا التوادد بينهم ثمرة لحب الله تعالى لهم. وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ} أي هذا القرآن الذي كذب به المشركون سهلنا قراءته عليك إذ أنزلناه بلسانك {لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} من عبادنا المؤمنين وهم الذين اتقوا عذاب الله بالإِيمان وصالح الأعمال بعد ترك الشرك والمعاصي، {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} وهم كفار قريش وكانوا ألداء أشداء في الجدل والخصومة، وقوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي وكثيراً من أهل القرون السابقة لقومك أهلكناهم لما كذبوا رسلنا وحاربوا دعوتنا {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ} فتراه بعينك أو تمسه بيدك، {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} أي صوتاً خفياً اللهم لا فهلا يذكر هذا قومك فيتعظوا فيتوبوا إلى ربهم بالإِيمان به وبرسوله ولقائه ويتركوا الشرك والمعاصي. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- أعظم بشرى تحملها الآية الأولى وهي حب الله وأوليائه لمن آمن وعمل صالحاً. 2- بيان كون القرآن ميسراً أن نزل بلغة النبي صلى الله عليه وسلم من أجل البشارة لأهل الإيمان والعمل الصالح والنذارة لأهل الشرك والمعاصي. 3- إنذار العتاة والطغاة من الناس أن يحل بهم ما حل بمن قبلهم من هلاك ودمار والواقع شاهد أين أهل القرون الأولى؟

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (96) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُلْقِي مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ: (حديث : إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْداً نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّيِ قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَناً، فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ يُنْزِلُ لَهُ الْمَحَبَّةَ فِي أَهْلِ الأَرْضِ)تفسير : . (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ). وُدّاً - مَحَبَّةً وَوُدّاً فِي القُلُوبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وُداً: مودة ومحبة تقوم على الإيمان، وتقود إلى شدة التعلّق، وقد جعل الحق - تبارك وتعالى - في كَوْنه أسباباً لهذه المحبة والمودة، كأنْ ترى إنساناً يُحبك ويتودّد إليك، فساعةَ تراه مُقبلاً عليك تقوم له وتبشُّ في وجهه، وتُفسِح له في المجلس، ثم تسأل عنه إنْ غاب، وتعوده إنْ مرض، وتشاركه الأفراح وتواسيه في الأحزان وتؤازره عند الشدائد، فهذه المودة ناشئة عن حُبٍّ ومودة سابقة. وقد تنشأ المودة بسبب القرابة أو المصالح المتبادلة أو الصداقة، فهذه أسباب المودة في الدنيا بين الخَلْق جميعاً مؤمنهم وكافرهم، أمّا هنا: {أية : سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}تفسير : [مريم: 96]. أي: بدون سبب من أسباب المودة هذه، مودة بدون قرابة، وبدون مصالح مشتركة أو صداقة، وهذه المودة بين الذين آمنوا، كأنْ ترى شخصاً لأول مرة فتشعر نحوه بارتياح كأنك تعرفه، وتقول له: إني أحبك لله. هذه محبة جعلها الله بين المؤمنين، فضلاً منه سبحانه وتكرُّماً، لا بسبب من أسباب المودة المعروفة. لذلك قال هرم بن حَيَّان - رحمه الله -: إن الحق تبارك وتعالى حين يرى عبده المؤمن قد أقبل عليه بقلبه وأسكنه فيه، وأبعد عن قلبه الأغيار، وسلَّم قلبه وهو أسمى ما يملك من مستودعات العقائد وينبوع الصالحات وقدَّمه لربه إلا فتح له قلوب المؤمنين جميعاً. كما جاء في الحديث القدسي: "حديث : ما أقبل عليَّ عبد بقلبه إلا أقبلتُ عليه بقلوب المؤمنين جميعاً"تفسير : أي: بالمودة والرحمة دون أسباب. وفي الحديث القدسي: "حديث : إن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء: إنني أحببتُ فلاناً فأحِبُّوه، وينادي جبريل في الأرض: إن الله أحبَّ فلاناً فأحبوه. ويوضع له القبول في الأرض ". تفسير : فيحبه كل مَنْ رآه عطية من الله وفضلاً، دون سبب من أسباب المودة، وإنْ كنتَ قد تبرعتَ لله تعالى بما تملك وهو قلبك مستودع العقائد وينبوع الصالحات كلها، فإنه تعالى وهب لك ما يملك من قلوب الناس جميعاً، فهي في يده تعالى يُوجِّهها كيف يشاء. وقد علَّمنا ربنا - تبارك وتعالى - في قوله: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ..}تفسير : [النساء: 86] أن نرد الجميل بأحسن منه، فإنْ لم نقدر على الأحسن فلا أقلَّ من الرد بالمثل، فإنْ كان هذا عطاء العبد، فما بالك بعطاء الرب؟ ومن ذلك ما جاء في الحديث الشريف: "حديث : من يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ". تفسير : والعَوْن يقتضي مُعِيناً ومُعَاناً، ولا بُدّ أن يكون المعين أقوى من المعان، فيفيض عليه من فضل ما عنده: صحة، أو قدرة، أو غنىً، أو علماً. وإعانةُ العبد لأخيه محدودة بقدراته وإمكاناته، أمّا معونة الله لعبده فغير محدودة؛ لأنها تناسب قدرة وإمكانات الحق تبارك وتعالى. وهكذا عوَّدنا ربنا - تبارك وتعالى - حين نُضحِّي بالقليل أنْ يعطينا الكثير وبلا حدود، فضلاً من الله وكرماً. ألم تَرَ أن الحسنة عنده تعالى بعشر أمثالها، وتضاعف إلى سبعمائة ضعف؟ أليست هذه تجارة مع الله رابحة، كما قال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الصف: 10]. وقال عنها: {أية : تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}تفسير : [فاطر: 29]. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد منا المحبة المتبادلة التي تربط بين قلوبنا وتُؤلّف بيننا، ثم يمنحنا سبحانه الثمن. إذن: العملية الإيمانية لا تظن أنها إيثار، بل الإيمان أثره، وأنت حين تتصدق بكذا إنما تأمل ما عند الله من مضاعفة الأجر، فالإيمان - إذن - أنانية عالية. والحق - سبحانه وتعالى - يريد منا أنْ نعودَ على غيرنا بفضل ما نملك، كما جاء في الحديث: "حديث : مَنْ كان عنده فضل مال فليعُدْ به على مَنْ لا مالَ له ... ". تفسير : واعلم أن الله سيُعوِّضك خيراً مما أعطيْتَ. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى -: هَبْ أن عندك ولدين، أعطيتَ لكل منهما مصروفه، فالأول اشترى به حلوى أكل منها، وأعطى رفاقه، والآخر بدّد مصروفه فيما لا يُجدي من ألعاب أو خلافه، فأيهما تعطي بعد ذلك؟ كذلك الحق سبحانه يعاملنا هذه المعاملة. ويقول الحق سبحانه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} معناه مَحبةٌ فِي صِدورِ المؤمنين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حال السعداء وحال الأشقياء قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [مريم: 96] فقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} [مريم: 96] فقوله: {} [مريم: 96] يشير إلى أن بذر الإيمان إذا وقع على أرض القلب، وتربى بماء الأعمال الصالحات ينمو إلى أن يثمر، فتكون ثمرتها محبة الله ومحبة الأنبياء والملائكة والمؤمنين جميعاً كما قال تعالى: {أية : كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} تفسير : [إبراهيم: 24-25], وبقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [مريم: 97] يشير إلى أن حقيقة القرآن التي هي صفة الله تعالى القائمة بذاته لا تسع ظروف الحروف المحذثة المعدودة المتناهية؛ لأنهلا قديمة غير معدودة ولا متناهية، وإنما يسر الله تعالى ورأيته بقلب النبي صلى الله عليه وسلم وقرأته بلسان العربي المبين {لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} [مريم: 97] لأنهم أهل البشارة، وهم أصناف ثلاثة: فصنف منهم: يتقون الشرك بالتوحيد، وصنف: يتقون المعاصي بالطاعات، وصنف يتقون عمَّا سوى الله بالله {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} [مريم: 97] لأنهم أهل الإنذار وهم ثلاث فرق: فرقة منهم: الكفار الذين يقاتلون على الباطل، وفرقة منهم: أهل الكتاب الذين يخاصمون على أديانهم المنسوخة، وفرقة منهم: أهل الأهواء والبدع والفلاسفة الذين يجادلون أهل الحق بالباطل {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} [مريم: 98] بالخذلان في تيه الضلالة {مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ} [مريم: 98] وقد خلص ونجا {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مريم: 98] بالثناء الحسن عليهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا من نعمه على عباده، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، أن وعدهم أنه يجعل لهم ودا، أي: محبة وودادا في قلوب أوليائه، وأهل السماء والأرض، وإذا كان لهم في القلوب ود تيسر لهم كثير من أمورهم وحصل لهم من الخيرات والدعوات والإرشاد والقبول والإمامة ما حصل، ولهذا ورد في الحديث الصحيح: "حديث : إن الله إذا أحب عبدا، نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض " تفسير : وإنما جعل الله لهم ودا،لأنهم ودوه، فوددهم إلى أوليائه وأحبابه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 591 : 41 : 44 - سفين عن مسلم عن مجاهد عن بن عباس في قوله {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} قال، محبة. [الآية 96].

همام الصنعاني

تفسير : 1795- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن عبد الله بن مسلم، عن مجاهد عن ابن عباس، في قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} الآية: 96] قالَ: محبةً.