١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
98
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي من أمة وجماعة من الناس؛ يخوّف أهل مكة. {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} في موضع نصب؛ أي هل ترى منهم أحداً وتجد. {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} أي صوتاً؛ عن ابن عباس وغيره؛ أي قد ماتوا وحصلوا على أعمالهم. وقيل: حِسًّا؛ قاله ابن زيد. وقيل: الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة؛ قاله اليزيدي وأبو عبيدة؛ كركز الكتيبة؛ وأنشد أبو عبيدة بيت لبيد:شعر : وتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأَنِيس فَرَاعَهَا عن ظَهْر غيبٍ والأنِيس سَقَامُها تفسير : وقيل: الصوت الخفي. ومنه ركَزَ الرُّمحَ إذا غَيَّب طرفَه في الأرض. وقال طرفة:شعر : وَصادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرَى لرِكْزٍ خَفِيٍّ أو لصَوْتٍ مُنَدَّد تفسير : وقال ذو الرُّمة يصف ثوراً تسمع إلى صوت صائد وكلاب:شعر : إذا توجسَ رِكْزاً مقفِرٌ نَدُسٌ بِنبأةِ الصوتِ ما في سمعه كذب تفسير : أي ما في استماعه كذب؛ أي هو صادق الاستماع. والنَّدِس الحاذق؛ فيقال: نَدِسٌ ونَدُس؛ كما يقال: حَذِر وحَذُر، ويَقِظٌ ويَقُظ. والنبأة الصوت الخفيّ، وكذلك الرّكز، والركاز المال المدفون. والله تعالى أعلم بالصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَمْ } أي كثيراً {أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } أي أمّة من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل {هَلْ تُحِسُّ } تجد {مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } صوتاً خفياً؟ لا، فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {رِكْزاً} صوتاً، أو حساً، أو ما لا يفهم من صوت أو حركة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {هل تحس منهم من أحد} قال: هل ترى منهم من أحد. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ {هل تحس منهم} برفع التاء وكسر الحاء ورفع السين ولا يدغمها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً} قال: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن في الآية قال: ذهب القوم فلا صوت ولا عين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ركزاً} قال: صوتاً. وأخرج الطستي في مسائله، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: {ركزاً} فقال: حساً. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : وقد توجس ركزاً متفقد ندس بنية الصوت ما في سمعه كذب
القشيري
تفسير : أثبتهم وأحياهم، وعلى ما شاء فطرهم وأبقاهم، ثم بعد ذلك - لما شاء - أماتهم وأفناهم، فبادوا بأجمعهم، وهلكوا عن آخرهم، فلا كبير منهم ولا صغير، ولا جليل ولا حقير، وسَيُطَالبونَ - يومَ النشور - بالنقير والقطمير.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكم اهلكنا قبلهم من قرن} سبق معنى القرن اى قرونا كثيرة اهلكنا قبل هؤلاء المعاندين بعد ان أنذرهم انبياؤهم بآيات الله وحذروهم عذابه وتدميره {هل تحس منهم من احد]. قال فى تهذيب المصادر الاحساس [دانستن وديدن] قال الله تعالى {هل تحس منهم من احد} الخ اى هل تشعر باحد منهم وترى اى لا وبالفارسية [هيج مى بايد ومى بينى ازان هلاك شد كان يكى را]{او تسمع لهم} [يا مى شنوى مرا ايشانرا]{ركزا} اى صوتا خفيا واصل الركز هو الخفاء ومنه ركز الرمح اذا غيب طرفه فى الارض والركاز المال المدفون المخفى والمعنى اهلكناهم بالكلية وأستأصلناهم بحيث لا يرى منهم احد ولا يسمع منهم صوت خفى. وبالفارسية يعنى [جون عذاب ما بديشان فرود آمد مستأصل شدند نه از ايشان شخصى باقى ماندكه كسى بيند ونه آواز برجاى كه كسى بشنود بلكه مؤكل قهر الهى باهيكجس درناسخت وهمه را بدست فنا دردام خمول ونسيان انداخت] كان لم يخلقوا ولم يكونوا شعر : كواثر از سروران تاج بخش كونشان از خسروان تاجدار سوخت ديهيم شهان كامجوى خاك شد تحت ملوك مامكار تفسير : وفى الآية وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى ضمن وعيد الكفرة بالاهلاك وحث له على الانذار قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكر هيجكس را نيايد بسند كه فردا بشيمان برآرد خروش كه آوخ جرا حق نكردم بكوش بكمراء كفتن نكو ميروى كناه بزركست وجور قوى مكو شهد شيرين شكر فايقست كسى راكه سقمونيا لا يقست جه خوش كفت يكروز دار وفروش شفا بايدت داروى تلخ نوش تفسير : وفى المثنوى شعر : هركسى كو ازصف دين سر كشست ميرود سوى صفى كان وابست تو زكفتار تعالى كم مكن كيميائى بس شكر فست اين سخن كرمسى كردد زكفتارت نفير كيميارا هيج ازوى وامكير اين زمان كريست نفس ساحرش كفت تو سودش كند دد آخرش قل تعالى قل تعالوا اى غلام هين كه ان الله يدعو بالسلام تفسير : نسأل الله تعالى ان يوفقنا لاجابة الدعوة انه قريب مجيبز تمت سورة مريم وقت الضحى من يوم الاثنين التاسع عشر من ذى القعدة من سنة خمس ومائة والف.
الجنابذي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} بيان لجهة من جهات الانذار {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ} حال ممّا بعده {مِّنْ أَحَدٍ} لفظة من زائدة {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} صوتاً يعنى لا ترى منهم عيناً ولا تسمع منهم صوتاً.
اطفيش
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} تخويف لهم، وتجسير له صلى الله عليه وسلم إنذارهم. {هَلْ تُحِسُّ} تجد أو ترى. وقرئ بفتح التاء وضم الحاء بمعنى تشعر. {مِنْهُمْ} متعلق بتحس، أو نعت لما بعده لأن من زائدة. {مِنْ أَحَدٍ أوْ تَسْمَعُ} وقرأ حنظلة بالبناء للمفعول من أسمعه الكلمة يسمعه إياها. {لَهُمْ رِكْزاً} صوتا خفيا. فكما أهلكنا هؤلاء نهلك من كذبك. والركز أصله: الخفاء مطلقا. رَكَزْتُ الرمح: غيبت طرَفه فى الأرض. والركاز: المال المدفون.
اطفيش
تفسير : {وكَم أهْلكنا قبلهُم من قَرْنٍ} وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد لكفار مكة، وحث على الإنذار، والتخويف بالقرون المهلكين، الكثيرين قبلهم لكفهرم {هل} الاستفهام للنفى أى ما {تحس} ببصرك أو يدك {منهُم} حال من قوله أحد فى قوله: {من أحدٍ} مفعول به، ومن صلة {أو تَسْمَع لهُم} متعلق بتسمع، واللام بمعنى من، أو على ظاهرها متعلق بمحذوف من قوله {ركْزاً} صوتاً خفياً، وأصل الركز الخفاء بصوت أو غيره، كما يقال ركزت الرمح أى أخفيت طرفه، وكما أن الركاز المال المدفون، وخص بعضهم الركز بالصوت الخفى بلا لسان ولا فهم، والجمهور على الإطلاق، وخص الصوت الخفى لأنه الأصل الأكثر، ولأنه إذا لم يبق الأثر الخفى، فأولى أن لا يبقى غيره، أو لا تسمع من غيرهم عنهم ذكراً خفياً، فكيف جهيراً، فاللام بمعنى من. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ضمن وعيد هؤلاء القوم بالإهلاك وحث له عليه الصلاة والسلام على الإنذار أي قرناً كثيراً أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والاستفهام في معنى النفي أي ما تشعر بأحد منهم. وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبـي عبلة وأبو جعفر المدني {تحس } بفتح التاء وضم الحاء {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } أي صوتاً خفياً وأصل التركيب هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز للمال المدفون، وخص بعضهم الركز بالصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم، والأكثرون على الأول، وخص الصوت الخفي لأنه الأصل الأكثر ولأن الأثر الخفي إذا زال فزوال غيره بطريق الأولى. والمعنى أهلكناهم بالكلية واستأصلناهم بحيث لا ترى منهم أحداً ولا تسمع منهم صوتاً خفياً فضلاً عن غيره، وقيل: المعنى أهلكناهم بالكلية بحيث لا ترى منهم أحداً ولا تسمع من يخبر عنهم ويذكرهم بصوت خفي، والحاصل أهلكناهم فلا عين ولا خبر، والخطاب إما لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب. / وقرأ حنظلة «تسمع» مضارع أسمعت مبنياً للمفعول والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً } تفسير : [مريم: 41] أمر للحبيب أن يذكر الخليل وما من الله تعالى به عليه من أحكام الخلة ليستشير المستعدين إلى التحلي بما أمكن لهم منها. والصديق على ما قال ابن عطاء القائم مع ربه سبحانه على حد الصدق في جميع الأوقات لا يعارضه في صدقه معارض بحال، وقال أبو سعيد الخزاز: الصديق الآخذ بأتم الحظوظ من كل مقام سني حتى يقرب من درجات الأنبياء عليهم السلام، وقال بعضهم: من تواترت أنوار المشاهدة واليقين عليه وأحاطت به أنوار العصمة. وقال القاضي: هو الذي صعدت نفسه تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضة إلى أوج العرفان حتى اطلع على الأشياء وأخبر عنها على ما هي عليه، ومقام الصديقية قيل: تحت مقام النبوة ليس بينهما مقام. وعن الشيخ الأكبر قدس سره إثبات مقام بينهما وذكر أنه حصل لأبـي بكر الصديق رضي الله عنه. والمشهور بهذا الوصف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وليس ذلك مختصاً به، فقد أخرج أبو نعيم في «المعرفة» وابن عساكر وابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن أبـي ليلى عن أبيه أبـي ليلى الأنصاري عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الصديقون ثلاثة، حبيب النجار مؤمن آل يس الذي قال: {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} [يس: 20]، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ } [غافر: 28] وعلي بن أبـي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه وهو أفضلهم {إِذْ قَالَ لاِبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } [مريم: 42]» تفسير : الخ فيه من لطف الدعوة إلى اتباع الحق والإرشاد إليه ما لا يخفى. وهذا مطلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما إذا كان ذلك مع الأقارب ونحوهم قال: {أية : قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ } تفسير : [مريم: 47] هذا سلام الإعراض عن الأغيار وتلطف الأبرار مع الجهال، قال أبو بكر بن طاهر: إنه لما بدا من آزر في خطابه عليه السلام ما لا يبدو إلا من جاهل جعل جوابه السلام لأن الله تعالى قال: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } تفسير : [الفرقان: 63] {أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [مريم: 84] أي أهاجر عنكم بديني، ويفهم منه استحباب هجر الأَشرار. وعن أبـي تراب النخشبـي صحبة الأَشرار تورث سوء الظن بالأخيار، وقد تضافرت الأدلة السمعية والتجربة على أن مصاحبتهم تورث القسوة وتثبط عن الخير {أية : وَأَدْعُواْ رَبّى عَسَى أَن لا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } تفسير : [مريم: 48] فيه من الدلالة على مزيد أدبه عليه السلام مع ربه عز وجل ما فيه، ومقام الخلة يقتضي ذلك فإن من لا أدب له لا يصلح أن يتخذ خليلاً {أية : فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } تفسير : [مريم: 49] كأن ذلك كان عوضاً عمن اعتزل من أبيه وقومه لئلا يضيق صدره كما قيل: ولما اعتزل نبينا صلى الله عليه وسلم الكون أجمع ما زاغ البصر وما طغى عوض عليه الصلاة والسلام بأن قال له سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح: 10]. {واذكر} أيها الحبيب {في الكتاب موسى} الكليم {أية : إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً}تفسير : [مريم: 51] لله تعالى في سائر شؤونه، قال الترمذي: المخلص على الحقيقة من يكون مثل موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر عليه السلام ليتأدب به فلم يسامحه في شيء ظهر له منه {أية : وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } تفسير : [مريم: 52] قالوا النداء بداية والنجوى نهاية، النداء مقام الشوق والنجوى مقام كشف السر {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً } تفسير : [مريم: 53] قيل: علم الله تعالى ثقل الأسرار على / موسى عليه السلام فاختار له هٰرون مستودعاً لها فهٰرون عليه السلام مستودع سر موسى عليه السلام، {أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ } تفسير : [مريم: 54] بالصبر على بذل نفسه أو بما وعد به استعداده من كمال التقوى لربه جل وعلا والتحلي بما يرضيه سبحانه من الأخلاق {أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيَّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } تفسير : [مريم: 56-57] وهو نوع من القرب من الله تعالى به عليه عليه السلام. وقيل: السماء الرابعة والتفضل عليه بذلك لما فيه من كشف بعض أسرار الملكوت {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} بما لا يحيط نطاق الحصر به من النعم الجليلة {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً} مما كشف لهم من آياته تعالى، وقد ذكر أن القرآن أعظم مجلى لله عز وجل {أية : وَبُكِيّاً } تفسير : [مريم: 58] من مزيد فرحهم بما وجدوه أو من خوف عدم استمرار ما حصل لهم من التجلي:شعر : ونبكي إن نأوا شوقاً إليهم ونبكي إن دنوا خوف الفراق {أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } تفسير : [مريم: 62] قيل: الرزق هٰهنا مشاهدة الحق سبحانه ورؤيته عز وجل وهذا لعموم أهل الجنة وأما المحبوبون والمشتاقون فلا تنقطع عنهم المشاهدة لمحة ولو حجبوا لماتوا من ألم الحجاب {أية : رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } تفسير : [مريم: 65] مثلاً يلتفت إليه ويطلب منه شيء، وقال الحسين بن الفضل: هل يستحق أحد أن يسمى باسم من أسمائه تعالى على الحقيقة {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } تفسير : [مريم: 71] وذلك لتظهر عظمة قهره جل جلاله وآثار سطوته لجميع خلقه عز وجل {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} جزاء تقواهم {أية : وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} تفسير : [مريم: 72] جزاء ظلمهم، وهذه الآية كم أجرت من عيون العيون العيون. فعن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه أنه كان يبكي ويقول: قد علمت أني وارد النار ولا أدري كيف الصدر بعد الورود، وعن الحسن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يقول الرجل لصاحبه: هل أتاك أنك وارد؟ فيقول: نعم فيقول: هل أتاك أنك خارج؟ فيقول لا فيقول: ففيم الضحك إذن؟ {أية : قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } تفسير : [مريم: 75] لما افتخروا بحظوظ الدنيا التي لا يفتخر بها إلا ذوو الهمم الدنية رد الله تعالى عليهم بأن ذلك استدراج ليس بإكرام والإشارة فيه أن كل ما يشغل عن الله تعالى والتوجه إليه عز وجل فهو شر لصاحبه {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم: 85] ركباناً على نجائب النور، وقال ابن عطاء: بلغني عن الصادق رضي الله عنه أنه قال: ركباناً على متون المعرفة {أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلا ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } تفسير : [مريم: 93] فقيراً ذليلاً منقاداً مسلوب الأنانية بالكلية {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } تفسير : [مريم: 96] في القلوب المفطورة على حب الله تعالى وذلك أثر محبته سبحانه لهم، وفي الحديث «حديث : لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» تفسير : الخ، ولا يشكل على هذا أنا نرى كثيراً من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ممقوتين لأن الذين يمقتونهم قد فطرت قلوبهم على الشر وإن لم يشعروا بذلك، ومن هنا يعلم أن بغض الصالحين علامة خبث الباطن {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [الحشر: 10] وقيل: معنى {أية : سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } تفسير : [مريم: 96] سيجعل لهم لذة وحلاوة في الطاعة، والأخبار تؤيد ما تقدم والله تعالى أعلم وله الحمد على إتمام تفسير سورة مريم ونسأله جل شأنه التوفيق لإتمام تفسير سائر سور كتابه المعظم بحرمة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ابن عاشور
تفسير : لما ذكروا بالعناد والمكابرة أتبع بالتعريض بتهديدهم على ذلك بتذكيرهم بالأمم التي استأصلها الله لجبروتها وتعنّتها لتكون لهم قياساً ومثلاً. فالجملة معطوفة على جملة {أية : فإنما يسرناه بلسانك}تفسير : [مريم: 97] باعتبار ما تضمنته من بشارة المؤمنين ونذارة المعاندين، لأنّ في التعريض بالوعيد لهم نذارة لهم وبشارة للمؤمنين باقتراب إراحتهم من ضرّهم. و {كم} خبرية عن كثرة العدد. والقرن: الأمة والجيل. ويطلق على الزّمان الذي تعيش فيه الأمّة، وشاع تقديره بمائة سنة. و {من} بيانية، وما بعدها تمييز {كم}. والاستفهام في {هل تُحسّ منهم من أحد} إنكاري، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - تبعاً لقوله: {فإنما يسرناه بلسانك} أي ما تُحسّ، أي ما تشعر بأحد منهم. والإحساس: الإدراك بالحس، أي لا ترى منهم أحداً. والركز: الصوت الخفيّ، ويقال: الرز، وقد روي بهما قول لبيد:شعر : وتَوَجّسَتْ رِكْزَ الأنيس فراعها عن ظهر عيب والأنيس سَقامُها تفسير : وهو كناية عن اضمحلالهم، كني باضمحلال لوازم الوجود عن اضمحلال وجودهم.
الشنقيطي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا} في هذه الآية الكريمة هي الخيرية، وهي في محل نصب لأنها مفعول {أَهْلَكْنَا}. و {مِّن} هي المبينة لـ {كم} كما تقدم إيضاحه. وقوله: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ} أي هل ترى أحداً منهم، أو تشعر به، أو تجده {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } أي صوتاً. وأصل الركز: الصوت الخفي. ومنه ركز الرمح: إذا غيب طرفه وأخفاه في الأرض. ومن الركاز: وهو دفن جاهلي مغيب بالدفن في الأرض. ومن إطلاق الركز على الصوت قول لبيد في معلقته: شعر : فتوجست ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها تفسير : وقول طرفة في معلقته: شعر : وصادقتا سمع التوجس للسرى لركز خفي أو لصوت مندد تفسير : وقول ذي الرمة: شعر : إذا توجس ركزاً مقفر ندس بنبأة الصوت ما في سمعه كذب تفسير : والاستفهام في قوله {هَلْ} يراد به النفي. والمعنى: أهلكنا كثيراً من الأمم الماضية فما ترى منهم أحد ولا تسمع لهم صوتاً. وما ذكره في هذه الآية من عدم رؤية أشخاصهم، وعدم سماع أصواتهم - ذكر بعضه في غير هذا الموضع. كقوله في عاد: {أية : فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 8]، وقوله فيهم: {أية : فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}تفسير : [الأحقاف: 25]، وقوله: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}تفسير : [الحج: 45]، إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : (98) - وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أُمَمٍ وَأَجْيَالٍ (قَرْنٍ) كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ. وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، فَبَادُوا وَانْقَرَضُوا، وَلَمْ تَبْقَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ بَاقِيَةٌ. فَهَلْ تَرَى مِنْهُمْ أَحَداً، أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ صَوْتاً؟ هَلْ تُحِسُّ - هَلْ تَرَى أَوْ تَعْلَمُ. الرِّكْز لُغَةً - الصَّوْتُ الْخَفِيُّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - تبارك وتعالى - يُسرِّي عن نبيه صلى الله عليه وسلم ما يلاقي من عنت في سبيل دعوته، كأنه يقول له: إياك أنْ ينالَ منك بُغْض القوم لك وكُرههم لمنهج الله، إياك أنْ تتضاءلَ أمام جبروتهم في عنادك، فهؤلاء ليسوا أعزَّ من سابقيهم من المكذبين، الذين أهلكهم الله، إنما أستبقى هؤلاء لأن لهم مهمة معك. وسبق أن أوضحنا أن الذين نجوْا من القتل من الكفار في بعض الغزوات، وحزن المسلمون لنجاتهم، كان منهم فيما بَعْد سيف الله المسلول خالد بن الوليد. يقول تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ ..} [مريم: 98]. كم: خبرية تفيد الكثرة، من قرن: من أمة {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ ..} [مريم: 98] لأننا أخذناهم فلم نُبق منهم أثراً يحس. ووسائل الحِسَّ أو الإدراك كما هو معروف: العين للرؤية، والأذن للسمع، والأنف للشمّ، واللسان للتذوق، واليد للمس، فبأيّ آداة من أدوات الحسّ لا تجد لهم أَثراً. وقوله: {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مريم: 98] الركْز: الصوت الخفيّ، الذي لا تكاد تسمعه. وهذه سُنَّة الله في المكذبين من الأمم السابقة كما قال سبحانه: {أية : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}تفسير : [الدخان: 37]. أين عاد وثمود وإرم ذات العماد التي لم يُخلَق مثلها في البلاد؟ وأين فرعون ذو الأوتاد؟ فكل جبار مهما عَلَتْ حضارته ما استطاع أنْ يُبقي هذه الحضارة؛ لأن الله تعالى أراد لها أنْ تزول، وهل كفار مكة أشدّ من كل هؤلاء؟ لذلك حين تسمع هذا السؤال: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مريم: 98] لا يسَعْك إلاَّ أنْ تُجيب: لا أحسُّ منهم من أحد، ولا أسمع لهم ركزاً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} معناه صَوتٌ خَفيفٌ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 593 : 43 : 39 - سفين عن زياد عن عثمن مولى مصعب عن الحسن في قوله {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ} قال، هل ترى {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} قال، صوتاً قال، ثم قال، ذهب الناس، فلا صوت ولا مخبر. [الآية 98].
همام الصنعاني
تفسير : 1796- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} الآية: 98]، قال: هل تَرَى عَيْناً أو تَسْمَع صوْتاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):