Verse. 2349 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

طٰہٰ۝۱ۚ
Taha

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«طه» الله أعلم بمراده بذلك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : سورة طه بسم الله الرحمن الرحيم اعلم أن قوله {طه } فيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الطاء وقرأ حمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء، قال الزجاج وقرىء طه بفتح الطاء وسكون الهاء وكلها لغات. قال الزجاج من فتح الطاء والهاء فلأن ما قبل الألف مفتوح ومن كسر الطاء والهاء فأمال الكسرة لأن الحرف مقصور والمقصور يغلب عليه الإمالة إلى الكسرة. المسألة الثانية: للمفسرين فيه قولان: أحدهما: أنه من حروف التهجي والآخر أنه كلمة مفيدة، أما على القول الأول فقد تقدم الكلام فيه في أول سورة البقرة والذي زادوه ههنا أمور: أحدها: قال الثعلبي: طا شجرة طوبى والهاء الهاوية فكأنه أقسم بالجنة والنار. وثانيها: يحكى عن جعفر الصادق عليه السلام الطاء طهارة أهل البيت والهاء هدايتهم. وثالثها: يا مطمع الشفاعة للأمة ويا هادي الخلق إلى الملة. ورابعها: قال سعيد بن جبير هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي. وخامسها: الطاء من الطهارة والهاء من الهداية كأنه قيل يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب. وسادسها: الطاء طول القراء والهاء هيبتهم في قلوب الكفار. قال الله تعالى: { أية : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } تفسير : [آل عمران: 151]. وسابعها: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة تكون أربعة عشر ومعناه يا أيها البدر وقد عرفت فيما تقدم أن أمثال هذه الأقوال لا يجب أن يعتمد عليها. القول الثاني: قول من قال: إنها كلمة مفيدة وعلى هذا القول ذكروا وجهين: أحدهما: معناه يا رجل وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي رضي الله عنهم ثم قال سعيد بن جبير بلسان النبطية وقال قتادة بلسان السريانية وقال عكرمة بلسان الحبشة وقال الكلبي بلغة عك وأنشد الكلبي لشاعرهم: شعر : إن السفاهة طه في خلائقكم لا قدس الله أرواح الملاعين تفسير : وقد تكلم الناس على هذا القول من وجهين: الأول: أنه بمعنى يا رجل في اللغة حمل عليه لكنه لا يجوز إن ثبت على هذا المعنى إلا في لغة العرب إذ القرآن بهذه اللغة نزل فيحتمل أن تكون لغة العرب في هذه اللفظة موافقة لسائر اللغات التي حكيناها، فأما على غير هذا الوجه فلا يحتمل ولا يصح. الثاني: قال صاحب «الكشاف»: إن كان طه في لغة عك بمعنى يا رجل فلعلهم تصرفوا في يا هذا فقلبوا الياء طاء فقالوا: طا واختصروا في هذا واقتصروا على ها فقوله طه بمعنى يا هذا واعترض بعضهم عليه وقالوا: لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طا ها. وثانيهما: أنه عليه السلام كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معاً وكان الأصل طأ فقلبت همزته هاء كما قالوا هياك في إياك وهرقت في أرقت ويجوز أن يكون الأصل من وطىء على ترك الهمزة فيكون أصله طأ يا رجل ثم أثبت الهاء فيها للوقف والوجهان ذكرهما الزجاج، أما قوله تعالى: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: إن جعلت طه تعديداً لأسماء الحروف فهذا ابتداء كلام وإن جعلتها اسماً للسورة احتمل أن يكون قوله: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ } خبراً عنها وهي في موضع المبتدأ والقرآن ظاهر أوقع موقع المضمر لأنها قرآن وأن يكون جواباً لها وهي قسم. المسألة الثانية: قرىء {مَّا نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ }. المسألة الثالثة: ذكروا في سبب نزول الآية وجوهاً: أحدها: قال مقاتل إن أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي والنضر بن الحارث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك فقال عليه السلام: « حديث : بل بعثت رحمة للعالمين » تفسير : قالوا: بل أنت تشقى فأنزل الله تعالى هذه الآية رداً عليهم وتعريفاً لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن دين الإسلام هو السلام وهذا القرآن هو السلام إلى نيل كل فوز والسبب في إدراك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. وثانيها: أنه عليه السلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام: «حديث : أبق على نفسك فإن لها عليك حقاً»تفسير : أي ما أنزلناه لتهلك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وروي أيضاً أنه عليه السلام: «حديث : كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام» تفسير : وقال بعضهم كان يقوم على رجل واحدة، وقال بعضهم كان يسهر طول الليل فأراد بقوله: {لِتَشْقَىٰ } ذلك، قال القاضي هذا بعيد لأنه عليه السلام إن فعل شيئاً من ذلك فلا بد وأن يكون قد فعله بأمر الله تعالى، وإذا فعله بأمره فهو من باب السعادة فلا يجوز أن يقال له: ما أمرناك بذلك. وثالثها: قال بعضهم يحتمل أن يكون المراد لا تشق على نفسك ولا تعذبها بالأسف على كفر هؤلاء فإنا إنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به، فمن آمن وأصلح فلنفسه ومن كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إلا البلاغ وهو كقوله تعالى: { أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } تفسير : [الكهف: 6] الآية، { أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } تفسير : [يونس: 65]. ورابعها: أنك لا تلام على كفر قومك كقوله تعالى: { أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بمصيطر } تفسير : [الغاشية: 22]، { أية : وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } تفسير : [الأنعام: 107] أي ليس عليك كفرهم إذا بلغت ولا تؤاخذ بذنبهم. وخامسها: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وفي ذلك الوقت كان عليه السلام مقهوراً تحت ذل أعدائه فكأنه سبحانه قال له لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة أبداً بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقياً فيما بينهم بل تصير معظماً مكرماً. وأما قوله تعالى: {إِلاَّ تَذْكِرَةً لّمَن يَخْشَىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في كلمة إلا ههنا قولان، أحدهما: أنه استثناء منقطع بمعنى لكن. والثاني: التقدير ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة كما يقال ما شافهناك بهذا الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك. المسألة الثانية: إنما خص من يخشى بالتذكرة لأنهم المنتفعون بها وإن كان ذلك عاماً في الجميع وهو كقوله: { أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] وقال سبحانه وتعالى: { أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 1] وقال: { أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ } تفسير : [يس: 6] وقال: { أية : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } تفسير : [مريم: 97] وقال: { أية : وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الذاريات:55]. المسألة الثالثة: وجه كون القرآن تذكرة أنه عليه السلام كان يعظمهم به وببيانه فيدخل تحت قوله لمن يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه في الخشية والتذكرة بالقرآن كان فوق الكل. وأما قوله تعالى: {تَنزِيلاً مّمَّنْ خَلَق ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوٰتِ ٱلْعُلَى } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في نصب تنزيلا وجوهاً. أحدها: تقديره نزل تنزيلاً ممن خلق الأرض فنصب تنزيلاً بمضمر. وثانيها: أن ينصب بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة. وثالثها: أن ينصب على المدح والاختصاص. ورابعها: أن ينصب بيخشى مفعولاً به أي أنزله الله تعالى:{تَذْكِرَةً لّمَن يَخْشَىٰ} تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين وقرىء تنزيل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. المسألة الثانية: فائدة الانتقال من لفظ التكلم إلى لفظ الغيبة أمور، أحدها: أن هذه الصفات لا يمكن ذكرها إلا مع الغيبة. وثانيها: أنه قال أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فتضاعفت الفخامة من طريقين. وثالثها: يجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل عليه السلام والملائكة النازلين معه. المسألة الثالثة: أنه تعالى عظم حال القرآن بأن نسبه إلى أنه تنزيل ممن خلق الأرض وخلق السموات على علوها وإنما قال ذلك لأن تعظيم الله تعالى يظهر بتعظيم خلقه ونعمه وإنما عظم القرآن ترغيباً في تدبره والتأمل في معانيه وحقائقه وذلك معتاد في الشاهد فإنه تعظم الرسالة بتعظيم حال المرسل ليكون المرسل إليه أقرب إلى الامتثال. المسألة الرابعة: يقال سماء عليا وسموات علا وفائدة وصف السموات بالعلا الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها أما قوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء الرحمن مجروراً صفة لمن خلق والرفع أحسن لأنه إما أن يكون رفعاً على المدح والتقدير هو الرحمن وإما أن يكون مبتدأ مشاراً بلامه إلى من خلق فإن قيل الجملة التي هي على العرش استوى ما محلها إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح؟ قلنا: إذا جررت فهو خبر مبتدأ محذوف لا غير وإن رفعت جاز أن يكون كذلك وأن يكون مع الرحمن خبرين للمبتدأ. المسألة الثانية: المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه. أحدها: أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنياً عنه فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع الله عرش. وثانيها: أن الجالس على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش فيكون في نفسه مؤلفاً مركباً وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف والمركب وذلك محال. وثالثها: أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكناً من الإنتقال والحركة أو لا يمكنه ذلك فإن كان الأول فقد صار محل الحركة والسكون فيكون محدثاً لا محالة وإن كان الثاني كان كالمربوط بل كان كالزمن بل أسوأ منه فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك وهو غير ممكن على معبودهم. ورابعها: هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه بذلك المكان فيكون محتاجاً وهو على الله محال. وخامسها: أن قوله: { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } تفسير : [الشورى: 11] يتناول نفي المساواة من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شيء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون وصحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور تحته، فلو كان جالساً لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية. وسادسها: قوله تعالى: { أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان معبودهم فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخلق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. وسابعها: أنه لو جاز أن يكون المستقر في المكان إلهاً فكيف يعلم أن الشمس والقمر ليس بإله لأن طريقنا إلى نفس إلهية الشمس والقمر أنهما موصوفان بالحركة والسكون وما كان كذلك كان محدثاً ولم يكن إلهاً فإذا أبطلتم هذا الطريق انسد عليكم باب القدح في إلهية الشمس والقمر. وثامنها: أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض وبالعكس، فلو كان المعبود مختصاً بجهة فتلك الجهة وإن كانت فوقاً لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال المبعود تحت جميع الأشياء. وتاسعها: أجمعت الأمة على أن قوله: { أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] من المحكمات لا من المتشابهات فلو كان مختصاً بالمكان لكان الجانب الذي منه يلي ما على يمينه غير الجانب الذي منه يلي ما على يساره فيكون مركباً منقسماً فلا يكون أحداً في الحقيقة فيبطل قوله: { أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1]. وعاشرها: أن الخليل عليه السلام قال: { أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] ولو كان المعبود جسماً لكان آفلاً أبداً غائباً أبداً فكان يندرج تحت قوله: { أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام:76] فثبت بهذه الدلائل أن الإستقرار على الله تعالى محال وعند هذا للناس فيه قولان، الأول: أنا لا نشتغل بالتأويل بل نقطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة ونترك تأويل الآية وروى الشيخ الغزالي عن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل أنه أول ثلاثة من الأخبار: قوله عليه السلام « حديث : الحجر الأسود يمين الله في الأرض » تفسير : ، وقوله عليه السلام: « حديث : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » تفسير : وقوله عليه السلام: « حديث : إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن » تفسير : واعلم أن هذا القول ضعيف لوجهين: الأول: أنه إن قطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة فقد قطع بأن ليس مراد الله تعالى من الإستواء الجلوس وهذا هو التأويل. وإن لم يقطع بتنزيه الله تعالى عن المكان والجهة بل بقي شاكاً فيه فهو جاهل بالله تعالى، اللهم إلا أن يقول أنا قاطع بأنه ليس مراد الله تعالى ما يشعر به ظاهره بل مراده به شيء آخر ولكني لا أعين ذلك المراد خوفاً من الخطأ فهذا يكون قريباً، وهو أيضاً ضعيف لأنه تعالى لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا يريد باللفظ إلا موضوعه في لسان العرب وإذا كان لا معنى للاستواء في اللغة إلا الاستقرار والإستيلاء وقد تعذر حمله على الإستقرار فوجب حمله على الإستيلاء وإلا لزم تعطيل اللفظ وإنه غير جائز. والثاني: وهو دلالة قاطعة على أنه لا بد من المصير إلى التأويل وهو أن الدلالة العقلية لما قامت على امتناع الاستقرار ودل ظاهر لفظ الاستواء على معنى الاستقرار، فإما أن نعمل بكل واحد من الدليلين، وإما أن نتركهما معاً، وإما أن نرجح النقل على العقل، وإما أن نرجح العقل ونؤول النقل. والأول باطل وإلا لزم أن يكون الشيء الواحد منزهاً عن المكان وحاصلاً في المكان وهو محال. والثاني: أيضاً محال لأنه يلزم رفع النقيضين معاً وهو باطل. والثالث: باطل لأن العقل أصل النقل فإنه ما لم يثبت بالدلائل العقلية وجود الصانع وعلمه وقدرته وبعثته للرسل لم يثبت النقل فالقدح في العقل يقتضي القدح في العقل والنقل معاً، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل وهذا برهان قاطع في المقصود إذا ثبت هذا فنقول قال بعض العلماء المراد من الإستواء الإستيلاء قال الشاعر: شعر : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : فإن قيل هذا التأويل غير جائز لوجوه. أحدها: أن الإستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز وذلك في حق الله تعالى محال. وثانيها: أنه إنما يقال فلان استولى على كذا إذا كان له منازع ينازعه، وكان المستولى عليه موجوداً قبل ذلك، وهذا في حق الله تعالى محال، لأن العرش إنما حدث بتخليقه وتكوينه. وثالثها: الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة. والجواب: أنا إذا فسرنا الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية، قال صاحب الكشاف لما كان الاستواء على العرش، وهو سرير الملك لا يحصل إلامع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على البلد يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير ألبتة، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد وبخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم تبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأساً قيل فيه يده مبسوطة لأنه لا فرق عندهم بينه وبين قوله جواد، ومنه قوله تعالى: { أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [المائدة: 64] أي هو بخيل { أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } تفسير : [المائدة: 64] أي هو جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط، والتفسير بالنعمة والتمحل بالتسمية من ضيق العطن. وأقول: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم أيضاً يقولون المراد من قوله: { أية : فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } تفسير : [طه: 12] الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور فعل، وقوله: { أية : يا نَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [ابراهيم: 69] المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام من يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب ألبتة، وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله تعالى، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئاً لم يخض فيه، فهذا تمام الكلام في هذه الآية، ومن أراد الاستقصاء في الآيات والأخبار المتشابهات فعليه بكتاب تأسيس التقديس وبالله التوفيق. أما قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ } فاعلم أنه سبحانه لم شرح ملكه بقوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } والملك لا ينتظم إلا بالقدرة والعلم، لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم. أما القدرة فهي هذه الآية والمراد أنه سبحانه مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من ملك ونجم وغيرهما، ومالك لما في الارض من المعادن والفلزات ومالك لما بينهما من الهواء. ومالك لما تحت الثرى، فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شيء فكيف يكون الله مالكاً له قلنا: الثرى في اللغة التراب الندي فيحتمل أن يكون تحته شيء وهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات، أما العلم فقوله تعالى: {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى } وفيه قولان، أحدهما: أن قوله: {وَأَخْفَى } بناء المبالغة، وعلى هذا القول نقول إنه تعالى قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: الجهر، والسر. والأخفى. فيحتمل أن يكون المراد من الجهر القول الذي يجهر به، وقد يسر في النفس وإن ظهر البعض، وقد يسر ولا يظهر على ما قال بعضهم. ويحتمل أن يكون المراد بالسر وبالأخفى ما ليس بقول وهذا أظهر فكأنه تعالى بين أنه يعلم السر الذي لا يسمع وما هو أخفى منه فكيف لا يعلم الجهر، والمقصود منه زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة، والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر والأخفى على ما فيه ثواب أو عقاب، والسر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها، والأخفى هو الذي لم يبلغ حد العزيمة، ويحتمل أن يفسر الأخفى بما عزم عليه وما وقع في وهمه الذي لم يعزم عليه، ويتحمل ما لم يقع في سره بعد فيكون أخفى من السر، ويحتمل أيضاً ما سيكون من قبل الله تعالى من الأمور التي لم تظهر، وإن كان الأقرب ما قدمناه مما يدخل تحت الزجر والترغيب. القول الثاني: أن أخفى فعل يعني أنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلمه وهو كقوله: { أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } تفسير : [البقرة: 255] فإن قيل كيف يطابق الجزاء الشرط؟ قلنا معناه إن تجهر بذكر الله تعالى من دعاء أو غيره، فاعلم أنه غني عن جهرك، وإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله: { أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } تفسير : [الأعراف: 205] وإما تعليماً للعباد أن الجهر ليس لاستماع الله تعالى، وإنما هو لغرض آخر، واعلم أن الله تعالى لذاته عالم وأنه عالم بكل المعلومات في كل الأوقات بعلم واحد وذلك العلم غير متغير، وذلك العلم من لوازم ذاته من غير أن يكون موصوفاً بالحدوث أو الإمكان والعبد لا يشارك الرب إلا في السدس الأول وهو أصل العلم ثم هذا السدس بينه وبين عباده أيضاً نصفان فخمسة دوانيق ونصف جزء من العلم مسلم له والنصف الواحد لجملة عباده، ثم هذا الجزء الواحد مشترك بين الخلائق كلهم من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وحملة العرش وسكان السموات وملائكة الرحمة وملائكة العذاب وكذا جميع الأنبياء الذين أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وكذا جميع الخلائق كلهم في علومهم الضرورية والكسبية والحرف والصناعات وجميع الحيوانات في إدراكاتها وشعوراتها والاهتداء إلى مصالحها في أغذيتها ومضارها ومنافعها، والحاصل لك من ذلك الجزء أقل من الذرة المؤلفة، ثم إنك بتلك الذرة عرفت أسرار إلهيته وصفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة. فإذا كنت بهذه الذرة عرفت هذه الأسرار فكيف يكون علمه بخمس دوانيق ونصف. أفلا يعلم بذلك العلم أسرار عبوديتك؟ فهذا تحقيق قوله: {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى } بل الحق أن الدينار بتمامه له، لأن الذي علمته فإنما علمته بتعليمه على ما قال: { أية : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } تفسير : [النساء: 166] وقال: { أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } تفسير : [الملك: 14] ولهذا مثال وهو الشمس فإن ضوءها يجعل العالم مضيئاً، ولا ينتقص ألبتة من ضوئها شيء، فكذا ههنا فكيف لا يكون عالماً بالسر والأخفى، فإن من تدبيراته في خلق الأشجار وأنواع النبات أنها ليس لها فم ولا سائر آلات الغذاء فلا جرم أصولها مركوزة في الأرض تمتص بها الغذاء فيتأدى ذلك الغذاء إلى الأغصان ومنها إلى العروق ومنها إلى الأوراق، ثم إنه تعالى جعل عروقها كالأطناب التي بها يمكن ضرب الخيام. وكما أنه لا بد من مد الطنب من كل جانب لتبقى الخيمة واقفة، كذلك العروق تذهب من كل جانب لتبقى الشجرة واقفة، ثم لو نظرت إلى كل ورقة وما فيها من العروق الدقيقة المبثوثة فيها ليصل الغذاء منها إلى كل جانب من الورقة ليكون ذلك تقوية لجرم الورقة فلا يتمزق سريعاً، وهي شبه العروق المخلوقة في بدن الحيوان لتكون مسالك للدم والروح فتكون مقوية للبدن، ثم انظر إلى الأشجار فإن أحسنها في المنظر الدلب والخلاف، ولا حاصل لهما، وأقبحها شجرة التين والعنب، و[لكن] انظر إلى منفعتهما، فهذه الأشياء وأشباهها تظهر أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. أما قوله تعالى: {ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } فالكلام فيه على قسمين. الأول: في التوحيد اعلم أن دلائل التوحيد ستأتي إن شاء الله في تفسير قوله تعالى: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] وإنما ذكره ههنا ليبين أن الموصوف بالقدرة وبالعلم على الوجه الذي تقدم واحد لا شريك له، وهو الذي يستحق العبادة دون غيره، ولنذكر ههنا نكتاً متعلقة بهذا الباب وهي أبحاث: البحث الأول: اعلم أن مراتب التوحيد أربع. أحدها: الإقرار باللسان. والثاني: الاعتقاد بالقلب. والثالث: تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة. والرابع: أن يصير العبد مغموراً في بحر التوحيد بحيث لا يدور في خاطره شيء غير عرفان الأحد الصمد. أما الإقرار باللسان فإن وجد خالياً عن الاعتقاد بالقلب فذلك هو المنافق، وأما الاعتقاد بالقلب إذا وجد خالياً عن الإقرار باللسان ففيه صور. الصورة الأولى: أن من نظر وعرف الله تعالى وكما عرفه مات قبل أن يمضي عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بكلمة الشهادة فقال قوم إنه لا يتم إيمانه والحق أنه يتم لأنه أدى ما كلف به وعجز عن التلفظ به فلا يبقى مخاطباً، ورأيت في [بعض] الكتب أن ملك الموت مكتوب على جبهته لا إله إلا الله لكي إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك التذكر عن الذكر. الصورة الثانية: أن من عرف الله ومضى عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بالكلمة ولكنه قصر فيه، قال الشيخ الغزالي: يحتمل أن يقال اللسان ترجمان القلب فإذا حصل المقصود في القلب كان امتناعه من التلفظ جارياً مجرى امتناعه من الصلاة والزكاة وكيف يكون من أهل النار، وقد قال عليه السلام: « حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » تفسير : وقلب هذا الرجل مملوء من الإيمان؟ وقال آخرون: الإيمان والكفر أمور شرعية نحن نعلم أن الممتنع من هذه الكلمة كافر. الصورة الثالثة: من أقر باللسان واعتقد بالقلب من غير دليل فهو مقلد والاختلاف في صحة إيمانه مشهور. أما المقام الثالث: وهو إثبات التوحيد بالدليل والبرهان فقد بينا في تفسير قوله تعالى: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] أنه يمكن إثبات هذا المطلوب بالدلائل العقلية والسمعية واستقصينا القول فيها هناك. أما المقام الرابع: وهو الفناء في بحر التوحيد فقال المحققون: العرفان مبتدأ من تفريق ونقض وترك ورفض ممكن في جميع صفات هي من صفات الحق للذات المريدة بالصدق منتبه إلى الواحد القهار، ثم وقوف هذه الكلمات محيطة بأقصى نهايات درجات السائرين إلى الله تعالى. البحث الثاني: في الأخبار الواردة في التهليل، أولها: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: أستغفر الله ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات » تفسير : . وثانيها: قال عليه السلام: « حديث : إن الله تعالى خلق ملكاً من الملائكة قبل أن خلق السموات والأرض وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله ماداً بها صوته لا يقطعها ولا يتنفس فيها ولا يتمها، فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة تعظيماً لله عز وجل » تفسير : . وثالثها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال عليه السلام: « حديث : ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني وأشفع إليه ويشفعني حتى قلت: يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله قال يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي لا أدع أحداً في النار قال لا إله إلا الله » تفسير : . وثانيها: قال سفيان الثوري: سألت جعفر بن محمد عن حم عسق قال: الحاء حكمه والميم ملكه والعين عظمته والسين سناؤه والقاف قدرته، يقول الله جل ذكره: بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي وقدرتي لا أعذب بالنار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. وخامسها: أن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من قام في السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب له الله ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له بيتاً في الجنة » تفسير : . البحث الثالث: في النكت. أحدها: ينبغي لأهل لا إله إلا الله أن يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا الله: التصديق والتعظيم والحلاوة والحرية، فمن ليس له التصديق فهو منافق ومن ليس له التعظيم فهو مبتدع ومن ليس له الحلاوة فهو مراء ومن ليس له الحرية فهو فاجر. وثانيها: قال بعضهم قوله: { أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } تفسير : [إبراهيم: 24] إنه لا إله إلا الله: { أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } تفسير : [فاطر: 10] لا إله إلا الله: { أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ } تفسير : [العصر: 3] لا إله إلا الله: { أية : قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ } تفسير : [سبأ: 46] لا إله إلا الله: { أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون } تفسير : [الصافات: 24] عن قول لا إله إلا الله: { أية : بَلْ جَاء بِٱلْحَقّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 37] هو لا إله إلا الله: { أية : يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ } تفسير : [إبراهيم: 27] هو لا إله إلا الله: { أية : وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [إبراهيم: 27] عن قول لا إله إلا الله. وثالثها: أن موسى بن عمران عليه السلام قال: «يا رب علمني شيئاً أذكرك به، قال: قل لا إله إلا الله قال كل عبادك يقولون لا إله إلا الله! فقال: قل لا إله إلا الله قال إنما أردت شيئاً تحصني به! قال يا موسى لو أن السموات السبع ومن فيهن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله». البحث الرابع: في إعرابه قالوا كلمة لا ههنا دخلت على الماهية، فانتفت الماهية، وإذا انتفت الماهية انتفت كل أفراد الماهية. وأما الله فإنه اسم علم للذات المعينة إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملاً للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد، فقالوا: لا استحقت عمل أن لمشابهتها لها من وجهين، أحدهما: ملازمة الأسماء، والآخر تناقضهما فإن أحدهما لتأكيد الثبوت والآخر لتأكيد النفي، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم، إذا ثبت هذا فنقول لما قالوا: إن زيداً ذاهب كان يجب أن يقولوا لا رجلاً ذاهب إلا أنهم بنوا لا مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح، أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا اسماً واحداً، وأما الفتح فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقاً بين الدليل الموجب للإعراب والدليل الموجب للبناء. الثاني: خبره محذوف والأصل لا إله في الوجود ولا حول ولا قوة لنا وهذا يدل على أن الوجود زائد على الماهية. البحث الخامس: قال بعضهم تصور الثبوت مقدم على تصور السلب، فإن السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره فكيف قدم ههنا السلب على الثبوت. وجوابه: أنه لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه. القسم الثاني: من الكلام في الآية البحث عن أسماء الله تعالى وفيه أبحاث: البحث الأول: قال عليه السلام: « حديث : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أيها الناس أنا جعلت لكم نسباً وأنتم جعلتم لأنفسكم نسباً، أنا جعلت أكرمكم عندي أتقاكم وأنتم جعلتم أكرمكم أغناكم فالآن أرفع نسبي وأضع نسبكم، أين المتقون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون! » تفسير : ، واعلم أن الأشياء في قسمة العقول على ثلاثة أقاسم: كامل لا يحتمل النقصان، وناقص لا يحتمل الكمال، وثالث يقبل الأمرين، أما الكامل الذي لا يحتمل النقصان فهو الله تعالى وذلك في حقه بالوجوب الذاتي وبعده الملائكة فإن من كمالهم أنهم: { أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ } تفسير : [التحريم: 6] ومن صفاتهم أنهم: { أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26] ومن صفاتهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا، وأما الناقص الذي لا يحتمل الكمال فهو الجمادات والنبات والبهائم، وأما الذي يقبل الأمرين جميعاً فهو الإنسان تارة يكون في الترقي بحيث يخبر عنه بأنه { أية : فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } تفسير : [القمر: 55] وتارة في التسفل بحيث يقال: { أية : ثُمَّ رَدَدْنَـاهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } تفسير : [التين: 5] وإذا كان كذلك استحال أن يكون الإنسان كاملاً لذاته، وما لا يكون كاملاً لذاته استحال أن يصير موصوفاً بالكمال إلى أن يصير منتسباً إلى الكامل لذاته. لكن الانتساب قسمان: قسم يعرض للزوال وقسم لا يكون يعرض للزوال. أما الذي يكون يعرض للزوال، فلا فائدة فيه ومثاله الصحة والمال والجمال، وأما الذي لا يكون يعرض للزوال فعبوديتك لله تعالى فإنه كما يمتنع زوال صفة الإلهية عنه يمتنع زوال صفة العبودية عنك فهذه النسبة لا تقبل الزوال، والمنتسب إليه وهو الحق سبحانه لا يقبل الخروج عن صفة الكمال. ثم إذا كنت من بلد أو منتسباً إلى قبيلة فإنك لا تزال تبالغ في مدح تلك البلدة والقبيلة بسبب ذلك الانتساب العرضي فلأن تشتغل بذكر الله تعالى ونعوت كبريائه بسبب الانتساب الذاتي كان أولى فلهذا قال: { أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 180] وقال: {ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ }. البحث الثاني: في تقسيم أسماء الله تعالى. اعلم أن اسم كل شيء، إما أن يكون واقعاً عليه بحسب ذاته أو بحسب أجزاء ذاته أو بحسب الأمور الخارجة عن ذاته. أما القسم الأول: فقد اختلفوا في أنه هل لله تعالى اسم على هذا الوجه وهذه المسألة مبنية على أن حقيقة الله تعالى هل هي معلومة للبشر أم لا؟ فمن قال إنها غير معلومة للبشر قال: ليس لذاته المخصوصة اسم، لأن المقصود من الاسم أن يشار به إلى المسمى وإذا كانت الذات المخصوصة غير معلومة امتنعت الإشارة العقلية إليها، فامتنع وضع الاسم لها، وقد تكلمنا في تحقيق ذلك في تفسير اسم الله، وأما الاسم الواقع عليه بحسب أجزاء ذاته فذلك محال لأنه ليس لذاته شيء من الأجزاء لأن كل مركب ممكن وواجب الوجود لا يكون ممكناً فلا يكون مركباً، وأما الاسم الواقع بحسب الصفات الخارجة عن ذاته، فالصفات إما أن تكون ثبوتية حقيقية أو ثبوتية إضافية أو سلبية أو ثبوتية مع إضافية أو ثبوتية مع سلبية أو إضافية مع سلبية أو ثبوتية وإضافية وسلبية ولما كانت الإضافات الممكنة غير متناهية، وكذا السلوب غير متناهية، أمكن أن يكون للباري تعالى أسماء متباينة لا مترادفة غير متناهية. فهذا هو التنبيه على المأخذ. البحث الثالث: يقال: إن لله تعالى أربعة آلاف اسم، ألف لا يعلمها إلا الله تعالى وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة والأنبياء. وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونها فثلثمائة منها في التوراة وثلثمائة في الإنجيل وثلثمائة في الزبور ومائة في الفرقان تسع وتسعون منها ظاهرة وواحد مكتوم فمن أحصاها دخل الجنة. البحث الرابع: الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناء ومدحاً، كقوله جاعل وفالق وخالق فإذا قيل: { أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً } تفسير : [الأنعام: 96] صار مدحاً، وأما الاسم الذي يكون مدحاً فمنه ما إذا قرن بغيره صار أبلغ نحو قولنا: حي فإذا قيل الحي القيوم أو الحي الذي لا يموت كان أبلغ وأيضاً قولنا بديع فإنك إذا قلت بديع السموات والأرض ازداد المدح، ومن هذا الباب ما كان اسم مدح ولكن لا يجوز إفراده كقولك: دليل. وكاشف فإذا قيل: يا دليل المتحيرين، ويا كاشف الضر والبلوى جاز، ومنه ما يكون اسم مدح مفرداً أو مقروناً كقولنا الرحمن الرحيم. البحث الخامس: من الأسماء ما يكون مقارنتها أحسن كقولك الأول الآخر المبدىء المعيد الظاهر الباطن ومثاله قوله تعالى في حكاية قول المسيح: { أية : إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [المائدة: 118] وبقية الأبحاث قد تقدمت في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم. البحث السادس: في النكت [أولها] رأى بشر الحافي كاغداً مكتوباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم فرفعه وطيبه بالمسك وبلعه فرأى في النوم قائلاً يقول: يا بشر طيبت اسمنا فنحن نطيب اسمك في الدنيا والآخرة. وثانيها: قوله تعالى: { أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180] وليس حسن الأسماء لذواتها لأنها ألفاظ وأصوات بل حسنها لحسن معانيها ثم ليس حسن أسماء الله حسناً يتعلق بالصورة والخلقة فإن ذلك محال على من ليس بجسم بل حسن يرجع إلى معنى الإحسان مثلاً اسم الستار والغفار والرحيم إنما كانت حسناء لأنها دالة على معنى الإحسان، وروى أن حكيماً ذهب إليه قبيح وحسن والتمسا الوصية فقال للحسن: أنت حسن والحسن لا يليق به الفعل القبيح، وقال للآخر أنت قبيح والقبيح إذا فعل الفعل القبيح عظم قبحه. فنقول: إلهنا أسماؤك حسنة وصفاتك حسنة فلا تظهر لنا من تلك الأسماء الحسنة والصفات الحسنة إلا الإحسان، إلهنا يكفينا قبح أفعالنا وسيرتنا فلا نضم إليه قبح العقاب ووحشة العذاب. وثالثها: قوله عليه السلام: « حديث : اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه » تفسير : إلهنا حسن الوجه عرضى أما حسن الصفات والأسماء فذاتي فلا تردنا عن إحسانك خائبين خاسرين. رابعها: ذكر أن صياداً كان يصيد السمك فصاد سمكة وكان له ابنة فأخذتها ابنته فطرحتها الماء وقالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها، إلهنا تلك الصبية رحمت غفلة هاتيك السمكة وكانت تلقيها مرة أخرى في البحر ونحن قد اصطادتنا وسوسة إبليس وأخرجتنا من بحر رحمتك فارحمنا بفضلك وخلصنا منها وألقنا في بحار رحمتك مرة أخرى. وخامسها: ذكرت من الأسماء خمسة في الفاتحة، وهي الله والرب والرحمن والرحيم والملك فذكرت الإلهية وهي إشارة إلى القهارية والعظمة فعلم أن الأرواح لا تطيق ذلك القهر والعلو فذكر بعده أربعة أسماء تدل على اللطف، الرب وهو يدل على التربية والمعتاد أن من ربى أحداً فإنه لا يهمل أمره ثم ذكر الرحمن الرحيم وذلك هو النهاية في اللطف والرأفة ثم ختم الأمر بالملك والملك العظيم لا ينتقم من الضعيف العاجز ولأن عائشة قالت لعلي عليه السلام: « حديث : ملكت فأسجح فأنت أولى بأن تعفو عن هؤلاء الضعفاء » تفسير : . وسادسها: عن محمد بن كعب القرظي قال موسى عليه السلام: «إلهي أي خلقك أكرم عليك؟ قال الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري، قال: فأي خلقك أعلم؟ قال: الذي يلتمس إلى علمه علم غيره، قال: فأي خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس، قال: فأي خلقك أعظم جرماً؟ قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له». إلهنا إنا لا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت به فهو فضل وكل ما تفعله فهو عدل فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا. وسابعها: قال الحسن إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ سيعلم الجمع من أولى بالكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس، ثم يقال: أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ ثم ينادي منادٍ أين الحامدون لله على كل حال؟ ثم تكون التبعة والحساب على من بقي إلهنا فنحن حمدناك وأثنينا عليك بمقدار قدرتنا ومنتهى طاقتنا فاعف عنا بفضلك ورحمتك. ومن أراد الاستقصاء في الأسماء والصفات فعليه بكتاب لوامع البينات في الأسماء والصفات وبالله التوفيق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {طه } اختلف العلماء في معناه؛ فقال الصدّيق رضي الله تعالى عنه: هو من الأسرار؛ ذكره الغزنوي. ابن عباس: معناه يا رجل؛ ذكره البيهقي. وقيل: إنها لغة معروفة في عُكْلٍ. وقيل: في عَكّ؛ قال الكلبي: لو قلت في عَكّ لرجل يا رجل لم يجب حتى تقول طه. وأنشد الطبريّ في ذلك فقال:شعر : دعوت بطه في القتال فلم يُجِبْ فخفتُ عليه أن يكون مُوَائِلا تفسير : ويروى: مُزايلا. وقال عبد الله بن عمرو: يا حبيبي بلغة عَكّ؛ ذكره الغزنوي. وقال قطرب: هو بلغة طيّء؛ وأنشد ليزيد بن المهلهِل: شعر : إنّ السَّفاهَة طَهَ من شمائلكم لا بارك الله في القوم المَلاَعِين تفسير : وكذلك قال الحسن: معنى «طه» يا رجل. وقاله عكرمة، وقال: هو بالسريانية كذلك؛ ذكره المهدويّ، وحكاه الماوردي عن ابن عباس أيضاً ومجاهد. وحكى الطبريّ: أنه بالنَّبَطِيّة يا رجل. وهذا قول السدي وسعيد بن جبير وابن عباس أيضاً؛ قال:شعر : إن السفاهة طه من خلائقكم لا قدّس الله أرواح الملاعين تفسير : وقال عكرمة أيضاً: هو كقولك يا رجل بلسان الحبشة؛ ذكره الثعلبي. والصحيح أنها وإن وجدت في لغة أخرى فإنها من لغة العرب كما ذكرنا، وأنها لغة يمنية في عَكّ وطيِّء وعُكل أيضاً. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقَسَمٌ أقسم به. وهذا أيضاً مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: هو اسم للنبي صلى الله عليه وسلم سماه الله تعالى به كما سماه محمداً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لي عند ربي عشرة أسماء» تفسير : فذكر أن فيها طه ويس، وقيل: هو اسم للسورة، ومفتاح لها. وقيل: إنه اختصار من كلام الله خص الله تعالى رسوله بعلمه. وقيل: إنها حروف مُقطَّعة، يدل كل حرف منها على معنى؛ واختلف في ذلك؛ فقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء النار الهاوية، والعرب تعبر عن الشيء كله ببعضه؛ كأنه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: «طاء» يا طامع الشفاعة للأمة، «هاء» يا هادي الخلق إلى الله. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية؛ كأنه يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: يا طاهراً من الذنوب، يا هادي الخلق إلى علام الغيوب. وقيل: الطاء طُبول الغُزاة، والهاء هيبتهم في قلوب الكافرين. بيانه قوله تعالى: {أية : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} تفسير : [آل عمران: 151] وقوله: {أية : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} تفسير : [الأحزاب: 26]. وقيل: الطاء طرب أهل الجنة في الجنة، والهاء هوان أهل النار في النار. وقول سادس: إن معنى «طه» طوبى لمن اهتدى؛ قاله مجاهد ومحمد بن الحنفية. وقول سابع: إن معنى «طه» طَإِ الأرض؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحمل من مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم، ويحتاج إلى الترويح بين قدميه، فقيل له: طإ الأرض؛ أي لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح؛ حكاه ابن الأنباري. وقد ذكر القاضي عياض في «الشفاء» أن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى «طه» يعني طَإِ الأرض يا محمد {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ }. الزمخشري: وعن الحسن «طَهْ» وفُسّر بأنه أمر بالوطء، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معاً، وأن الأصل طَأْ فقلبت همزته هاء كما قلبت (ألفاً) في «يطا» فيمن قال:شعر : ...... لا هَـنَـاكِ الـمـرتَـعُ تفسير : ثم بنى عليه هذا الأمر، والهاء للسكت. وقال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل من طول القيام، ثم نسخ ذلك بالفرض، فنزلت هذه الآية. وقال الكلبي: لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة، واشتدّت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زماناً حتى نزلت هذه الآية، فأمره الله تعالى أن يُخفِّف عن نفسه فيصلي وينام، فنسخت هذه الآيةُ قيامَ الليل؛ فكان بعد هذه الآية يصلي وينام. وقال مقاتل والضحاك: فلما نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم قام هو وأصحابه فصلوا، فقال كفار قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى؛ فأنزل الله تعالى «طه» يقول: يا رجل {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ } أي لتتعب؛ على ما يأتي. وعلى هذا القول: إن «طه» (طاها أي) طإِ الأرض؛ فتكون الهاء والألف ضمير الأرض، أي طَإِ الأرض برجليك في صلواتك، وخُفِّفت الهمزة فصارت ألفاً ساكنة. وقرأت طائفة «طَهْ» وأصله طَأْ بمعنى طَإ الأرض فحذفت الهمزة وأدخلت هاء السكت. وقال زرّ بن حبيش: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود {طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ } فقال له عبد الله: «طِهِ» فقال: يا أبا عبد الرحمن أليس قد أمر أن يطأ الأرض برجليه أو بقدميه. فقال: «طِهِ» كذلك أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمال أبو عمرو وأبو إسحاق الهاء وفتحا الطاء. وأمالهما جميعاً أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش. وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين، واختاره أبو عبيد. الباقون بالتفخيم. قال الثعلبي: وهي كلها لغات صحيحة فصيحة. النحاس: لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين: إحداهما أنه ليس ها هنا ياء ولا كسرة فتكون الإمالة؛ والعلة الأخرى أن الطاء من الحروف الموانع للإمالة، فهاتان علتان بينتان. قوله تعالى: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ } وقرىء «مَا نُزِّلَ عَلَيكَ الْقُرْآنُ لِتَشْقَى». قال النحاس: بعض النحويين يقول هذه لام النفي، وبعضهم يقول لام الجحود. وقال أبو جعفر: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: إنها لام الخفض، والمعنى ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء. والشقاء يمدّ ويقصر. وهو من ذوات الواو. وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب. قال الشاعر:شعر : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم تفسير : فمعنى لتشقى «لتتعب» بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا؛ كقوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ} تفسير : [الكهف: 6] أي ما عليك إلا أن تبلغ وتُذكِّر، ولم يُكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرّط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. وروي أن أبا جهل بن هشام ـ لعنه الله تعالى ـ والنضر بن الحارث قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك شقيّ لأنك تركت دين آبائك؛ فأريد ردّ ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في درك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. وعلى الأقوال المتقدّمة أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالليل حتى اسَمغدَّت قدماه؛ فقال له جبريل: أبق على نفسك فإن لها عليك حقاً؛ أي ما أنزلنا عليك القرآن لتنهك نفسك في العبادة، وتذيقها المشقة الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. قوله تعالى: {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ } قال أبو إسحاق الزجاج: هو بدل من «تشقى» أي ما أنزلناه إلا تذكرة. النحاس: وهذا وجه بعيد؛ وأنكره أبو عليّ من أجل أن التذكرة ليست بشقاء، وإنما هو منصوب على المصدر، أي أنزلناه لتذكِّر به تذكرة، أو على المفعول من أجله، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا للتذكرة. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى، ولئلا تشقى. {تَنزِيلاً} مصدر؛ أي نزّلناه تنزيلاً. وقيل: بدل من قوله: «تذكِرة». وقرأ أبو حيوة الشامي «تنزِيل» بالرفع على معنى هذا تنزِيل. {مِّمَّنْ خَلَق ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَاوَاتِ ٱلْعُلَى} أي العالية الرفيعة، وهي جمع العُليَا؛ كقوله: كُبْرى وصُغرى وكُبَر وصُغَر؛ أخبر عن عظمته وجبروته وجلاله ثم قال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } ويجوز النصب على المدح. قال أبو إسحاق: الخفض على البدل. وقال سعيد بن مسعدة: الرفع بمعنى هو الرحمن. النحاس: يجوز الرفع بالابتداء، والخبر {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فلا يوقف على «استوى» وعلى البدل من المضمر في «خلق» فيجوز الوقف على «اسْتَوَى». وكذلك إذا كان خبر ابتداء محذوف؛ ولا يوقف على «العُلاَ». وقد تقدم القول في معنى الاستواء «في الأعراف». والذي ذهب إليه الشيخ أبو الحسن وغيره أنه مستوٍ على عرشه بغير حَدٍّ ولا كَيْفٍ، كما يكون استواء المخلوقين. وقال ابن عباس: يريد خلق ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة وبعد القيامة. {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ } يريد ما تحت الصخرة التي لا يعلم ما تحتها إلا الله تعالى. وقال محمد بن كعب: يعني الأرض السابعة. ابن عباس: الأرض على نون، والنون على البحر، وأن طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش؛ والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء منها، وهي التي قال الله تعالى فيها: {أية : فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [لقمان: 16]؛ والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى. وقال وهب بن منبه: على وجه الأرض سبعة أبحر، والأرضون سبع، بين كل أرضَين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عِظمه وكثرة مائة وبرده لأحرقت جهنم كل من عليها. قال: وجهنم على متن الريح، ومتن الريح على حجاب من الظلمة لا يعلم عظمه إلا الله تعالى، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق. قوله تعالى: {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى } قال ابن عباس: السر ما حَدَّث به الإنسان غيره في خفاء، وأخفى منه ما أضمر في نفسه مما لم يحدّث به غيره. وعنه أيضاً: السر حديث نفسك، وأخفى من السر ما ستحدث به نفسك مما لم يكن وهو كائن؛ أنت تعلم ما تسِر به نفسك اليوم، ولا تعلم ما تُسِرّ به غداً، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّه غداً؛ والمعنى: الله يعلم السّر وأخفى من السّر. وقال ابن عباس أيضاً: «السر» ما أسر ابن آدم في نفسه، {وَأَخْفَى } ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه، فالله تعالى يعلم ذلك كله، وعلمه فيما مضى من ذلك وما يستقبل علم واحد، وجميع الخلائق في علمه كنفس واحدة. وقال قتادة وغيره: «السر» ما أضمره الإنسان في نفسه، «وأخفى» منه ما لم يكن ولا أضمره أحد. وقال ابن زيد: «السر» سرّ الخلائق، «وأخفى» منه سِره عز وجل؛ وأنكر ذلك الطبري، وقال: إن الذي هو «أخفى» ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه كما قال ابن عباس. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ } «الله» رفع بالابتداء، أو على إضمار مبتدأ، أو على البدل من الضمير في «يعلم». وَحَّدَ نفسه سبحانه؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فكبر ذلك عليهم، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن قال للوليد بن المغيرة: محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلٰهاً آخر وهو يدعو الله والرحمن؛ فأنزل الله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} وأنزل: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110] وهو واحد وأسماؤه كثيرة؛ ثم قال: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ } وقد تقدم التنبيه عليها في سورة «الأعراف».

البيضاوي

تفسير : مكية وهي مائة وأربع وثلاثون آية {بسم الله الرحمن الرحيم} {طه } فخمها قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب على الأصل، وفخم الطاء وحده أبو عمرو وورش لاستعلائه وأمالهما الباقون. وهما من أسماء الحروف. وقيل معناه يا رجل على لغة عك، فإن صح فلعل أصله يا هذا فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار والاستشهاد بقوله:شعر : إِنَّ السفاهَةَ طَاهَا في خَلائِقِكُمْ لاَ قَدَّسَ الله أَخْلاقَ المَلاَعِين تفسير : ضعيف لجواز أن يكون قسماً كقوله حم لا ينصرون، وقرىء {طه } على أنه أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يطأ الأرض بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه وأن أصله طأ فقلبت همزته هاء أو قلبت في يطأ الفاً كقوله: لا هناك المرتع. ثم بني عليه الأمر وضم إليه هاء السكت وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل {طه } طأها والألف مبدلة من الهمزة والهاء كناية الأرض، لكن يرد ذلك كتابتهما على صورة الحرف وكذا التفسير بيا رجل أو اكتفى بشطري الكلمتين وعبر عنهما باسمهما.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شيبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: طه: يا رجل، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبي مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى أنهم قالوا: طه: بمعنى: يا رجل.. وفي رواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنها كلمة بالنبطية معناها: يا رجل. وقال أبو صالح: هي معربة. وأسند القاضي عياض في كتابه "الشفاء" من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر عن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى، قام على رجل، ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: {طه} يعني: طأ الأرض يا محمد {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ} ثم قال: ولا يخفى بما في هذا الإكرام وحسن المعاملة. وقوله: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ} قال جويبر عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: {طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم، فقد أراد به خيراً كثيراً، كما ثبت في "الصحيحين" عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».تفسير : وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال: حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا إبراهيم الطالقاني، حدثنا ابن المبارك عن سفيان عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي» تفسير : إسناده جيد، وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي، ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال: نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب. وقال مجاهد في قوله: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ} هي كقوله: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} تفسير : [المزمل: 20] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة. وقال قتادة: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ} لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونوراً ودليلاً إلى الجنة {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} إن الله أنزل كتابه وبعث رسوله رحمة رحم بها عباده ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه. وقوله: {تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَق ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى} أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو تنزيل من ربك، رب كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها، وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره: أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وقد أورد ابن أبي حاتم ههنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه. وقوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضاً، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل. وقوله: {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} أي: الجميع ملكه، وفي قبضته، وتحت تصرفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه، لا إله سواه، ولا رب غيره. وقوله: {وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} قال محمد بن كعب: أي: ما تحت الأرض السابعة. وقال الأوزاعي: إن يحيى بن أبي كثير حدثه: أن كعباً سئل، فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ فقال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء، قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء، قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الصخرة، قيل: وما تحت الصخرة؟ قال: ملك، قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت معلق طرفاه بالعرش، قيل: وما تحت الحوت؟ قال: الهواء والظلمة، وانقطع العلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عياش، حدثنا عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سقر، وفيها إبليس مصفد بالحديد، يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه» تفسير : وهذا حديث غريب جداً، ورفعه فيه نظر. وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الهروي عن العباس بن الفضل قال: قلت: ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم، عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر، إذا عارضنا رجل فسلم، ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي، ووقفت معه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر مقنع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتاك، فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البكر الأحمر، فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنت محمد؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : . قال: إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سل عما شئت» تفسير : قال: يا محمد أينام النبي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : تنام عيناه ولا ينام قلبه» تفسير : قال: صدقت، ثم قال: يا محمد من أين يشبه الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأي الماءين غلب على الآخر نزع الولد» تفسير : فقال: صدقت، فقال: ما للرجل من الولد، وما للمرأة منه؟ فقال: «حديث : للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر» تفسير : قال: صدقت، ثم قال: يا محمد ما تحت هذه؟ - يعني: الأرض - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خلق» تفسير : فقال: فما تحتهم؟ قال: «حديث : أرض»تفسير : . قال: فما تحت الأرض؟ قال: «حديث : الماء»تفسير : . قال: فما تحت الماء؟ قال: «حديث : ظلمة»تفسير : . قال: فما تحت الظلمة؟ قال: «حديث : الهواء»تفسير : . قال: فما تحت الهواء؟ قال: «حديث : الثرى»تفسير : . قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، وقال: «حديث : انقطع علم الخلق عند علم الخالق، أيها السائل ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»تفسير : . قال: فقال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أيها الناس هل تدرون من هذا؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : هذا جبريل عليه السلام»تفسير : . هذا حديث غريب جداً، وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس يساوي شيئاً، وضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف. قلت: وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء، وحديث في حديث، وقد يحتمل أنه تعمد ذلك، أو أدخل عليه فيه، والله أعلم. وقوله: {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} أي: أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسموات العلى الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: {أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الفرقان: 6] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} قال: السر: ما أسره ابن آدم في نفسه {وَأَخْفَى} ما أخفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28] وقال الضحاك {يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} قال: السر: ما تحدث به نفسك، وأخفى: ما لم تحدث به نفسك بعد. وقال سعيد بن جبير: أنت تعلم ما تسر اليوم، ولا تعلم ما تسر غداً، والله يعلم ما تسر اليوم، وما تسر غداً، وقال مجاهد: {وَأَخْفَى} يعني: الوسوسة، وقال أيضاً هو وسعيد بن جبير: {وَأَخْفَى} أي: ما هو عالمه مما لم يحدث به نفسه. وقوله: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: الذي أنزل عليك القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {طه } الله أعلم بمراده بذلك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {طه } قرأ بإمالة الهاء وفتح الطاء أبو عمرو وابن أبي إسحاق، وأمالهما جميعاً أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش. وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وقرأ الباقون بالتفخيم. قال الثعلبي: وهي كلها لغات صحيحة فصيحة. وقال النحاس: لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين: الأولى أنه ليس هاهنا ياء ولا كسرة حتى تكون الإمالة، والعلة الثانية أن الطاء من موانع الإمالة. وقد اختلف أهل العلم في معنى هذه الكلمة على أقوال: الأوّل أنها من المتشابه الذي لا يفهم المراد به. والثاني: أنها بمعنى: يا رجل في لغة عكل، وفي لغة عكّ. قال الكلبي: لو قلت لرجل من عك: يا رجل لم يجب حتى تقول: طه، وأنشد ابن جرير في ذلك:شعر : دعوت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلا تفسير : ويروى مزايلاً وقيل: إنها في لغة عكّ بمعنى: يا حبيبي. وقال قطرب: هي كذلك في لغة طيّ أي بمعنى: يا رجل، وكذلك قال الحسن وعكرمة وقيل: هي كذلك في اللغة السريانية، حكاه المهدوي. وحكى ابن جرير أنها كذلك في اللغة النبطية، وبه قال السديّ وسعيد بن جبير. وحكى الثعلبي: عن عكرمة أنها كذلك في لغة الحبشة، ورواه عن عكرمة، ولا مانع من أن تكون هذه الكلمة موضوعة لذلك المعنى في تلك اللغات كلها إذا صح النقل. القول الثالث: أنها اسم من أسماء الله سبحانه. والقول الرابع: أنها اسم للنبيّ صلى الله عليه وسلم. القول الخامس: أنها اسم للسورة. القول السادس: أنها حروف مقطعة يدل كل واحد منها على معنى. ثم اختلفوا في هذه المعاني التي تدل عليها هذه الحروف على أقوال كلها متكلفة متعسفة. القول السابع: أن معناها: طوبى لمن اهتدى. القول الثامن: أن معناها: طأ الأرض يا محمد. قال ابن الأنباري: وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى التروّح، فقيل له: طأ الأرض، أي لا تتعب حتى تحتاج إلى التروّح. وحكى القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله: {طه} يعني: طأ الأرض يا محمد، وحكي عن الحسن البصري أنه قرأ: "طه" على وزن دع، أمر بالوطء، والأصل: طأ، فقلبت الهمزة هاء. وقد حكى الواحدي عن أكثر المفسرين أن هذه الكلمة معناها: يا رجل، يريد النبي صلى الله عليه وسلم قال: وهو قول الحسن وعكرمة وسعيد ابن جبير والضحّاك، وقتادة ومجاهد وابن عباس في رواية عطاء والكلبي غير أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة والنبطية والسريانية، ويقول الكلبي: هي بلغة عك. قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى؛ لأن الله سبحانه لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش. انتهى. وإذا تقرّر أنها لهذا المعنى في لغة من لغات العرب كانت ظاهرة المعنى واضحة الدلالة خارجة عن فواتح السور التي قدّمنا بيان كونها من المتشابه في فاتحة سورة البقرة، وهكذا إذا كانت لهذا المعنى في لغة من لغات العجم واستعملتها العرب في كلامها في ذلك المعنى كسائر الكلمات العجمية التي استعملتها العرب الموجودة في الكتاب العزيز، فإنها صارت بذلك الاستعمال من لغة العرب. وجملة: {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ } مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب، والشقاء يجيء في معنى التعب. قال ابن كيسان: وأصل الشقاء في اللغة: العناء والتعب، ومنه قول الشاعر:شعر : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم تفسير : والمعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا، فهو كقوله سبحانه: {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } تفسير : [الكهف: 6]. قال النحاس: بعض النحويين يقول: هذه اللام في: {لتشقى} لام النفي، وبعضهم يقول: لام الجحود. وقال ابن كيسان: هي لام الخفض، وهذا التفسير للآية هو على قول من قال: إن طه كسائر فواتح السور التي ذكرت تعديداً لأسماء الحروف، وإن جعلت اسماً للسورة كان قوله: {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ } خبراً عنها، وهي في موضع المبتدأ، وأما على قول من قال: إن معناها: يا رجل، أو بمعنى الأمر بوطء الأرض، فتكون الجملة مستأنفة لصرفه صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من المبالغة في العبادة. وانتصاب {إِلاَّ تَذْكِرَةً } على أنه مفعول له لأنزلنا كقولك: ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقاً عليك. وقال الزجاج: هو بدل من لتشقى، أي: ما أنزلناه إلا تذكرة. وأنكره أبو علي الفارسي من جهة أن التذكرة ليست بشقاء، قال: وإنما هو منصوب على المصدرية، أي أنزلناه لتذكر به تذكرة، أو على المفعول من أجله، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا للتذكرة. وانتصاب {تَنزِيلاً مّمَّنْ خَلَق ٱلأَرْضَ } على المصدرية، أي أنزلناه تنزيلاً. وقيل: بدل من قوله {تذكرة} وقيل: هو منصوب على المدح. وقيل: منصوب بـ {يخشى} أي: يخشى تنزيلاً من الله على أنه مفعول به. وقيل: منصوب على الحال بتأوله باسم الفاعل. وقرأ أبو حيوة الشامي: "تنزيل" بالرفع على معنى هذا تنزيل؛ و{ممن خلق} متعلق بـ {تنزيلاً} أو بمحذوف هو صفة له، وتخصيص خلق الأرض والسمٰوات؛ لكونهما أعظم ما يشاهده العباد من مخلوقاته عزّ وجلّ، والعلى: جمع العليا، أي المرتفعة كجمع كبرى وصغرى على كبر وصغر. ومعنى الآية: إخبار العباد عن كمال عظمته سبحانه وعظيم جلاله. وارتفاع {;لرَّحْمَـٰنُ} على أنه خبر مبتدأ محذوف كما قال الأخفش، ويجوز أن يكون مرتفعاً على المدح أو على الابتداء. وقرىء بالجر، قال الزجاج: على البدل ممن، وجوز النحاس أن يكون مرتفعاً على البدل من المضمر في خلق، وجملة {عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، أو على أنها خبر الرحمٰن عند من جعله مبتدأ. قال أحمد بن يحيـى: قال ثعلب: الاستواء: الإقبال على الشيء، وكذا قال الزجاج والفراء. وقيل: هو كناية عن الملك والسلطان، والبحث في تحقيق هذا يطول، وقد تقدّم البحث عنه في الأعراف. والذي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري أنه سبحانه مستوٍ على عرشه بغير حدّ ولا كيف، وإلى هذا القول سبقه الجماهير من السلف الصالح الذي يمرون الصفات كما وردت من دون تحريف ولا تأويل. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي أنه مالك كل شيء ومدبره {وَمَا بَيْنَهُمَا } من الموجودات {وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ } الثرى في اللغة: التراب النديّ، أي ما تحت التراب من شيء. قال الواحدي: والمفسرون يقولون: إنه سبحانه أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله سبحانه {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى } الجهر بالقول: هو رفع الصوت به، والسرّ: ما حدّث به الإنسان غيره وأسرّه إليه، والأخفى من السرّ: هو ما حدّث به الإنسان نفسه وأخطره بباله. والمعنى: إن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غنيّ عن ذلك، فإنه يعلم السرّ وما هو أخفى من السرّ، فلا حاجة لك إلى الجهر بالقول، وفي هذا معنى النهي عن الجهر كقوله سبحانه: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً }تفسير : [الأعراف: 205]. وقيل: السر ما أسرّ الإنسان في نفسه، والأخفى منه هو ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه. وقيل: السرّ: ما أضمره الإنسان في نفسه، والأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد، وقيل: السرّ سرّ الخلائق، والأخفى منه: سرّ الله عزّ وجلّ، وأنكر ذلك ابن جرير وقال: إن الأخفى: ما ليس في سرّ الإنسان وسيكون في نفسه. ثم ذكر أن الموصوف بالعبادة على الوجه المذكور هو الله سبحانه المنزه عن الشريك المستحق لتسميته بالأسماء الحسنى فقال: {ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } فالله خبر مبتدأ محذوف، أي الموصوف بهذه الصفات الكمالية الله، وجملة. {لا إلٰه إلا هو} مستأنفة لبيان اختصاص الإلهية به سبحانه، أي لا إلٰه في الوجود إلا هو، وهكذا جملة: {له الأسماء الحسنى} مبينة لاستحقاقه تعالى للأسماء الحسنى، وهي التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح. وقد تقدم بيانها في قوله سبحانه: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180]. من سورة الأعراف والحسنى تأنيث الأحسن، والأسماء مبتدأ وخبرها الحسنى. ويجوز أن يكون الله مبتدأ وخبره الجملة التي بعده، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في يعلم. ثم قرّر سبحانه أمر التوحيد بذكر قصة موسى المشتملة على القدرة الباهرة، والخبر الغريب، فقال: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } الاستفهام للتقرير، ومعناه: أليس قد أتاك حديث موسى. وقيل: معناه قد أتاك حديث موسى. وقال الكلبي: لم يكن قد أتاه حديث موسى إذ ذاك. وفي سياق هذه القصة تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوّة، وتحمل أثقالها ومقاساة خطوبها، وأن ذلك شأن الأنبياء قبله. والمراد بالحديث القصة الواقعة لموسى. و {إِذْ رَأَى نَاراً } ظرف للحديث. وقيل: العامل فيه مقدر، أي اذكر. وقيل: يقدر مؤخراً أي حين رأى ناراً كان كيت وكيت، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافراً إلى أمه بعد استئذانه لشعيب فلما رآها {قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ } والمراد بالأهل هنا: امرأته، والجمع لظاهر لفظ الأهل أو للتفخيم؛ وقيل: المراد بهم المرأة والولد والخادم، ومعنى {امكثوا}: أقيموا مكانكم، وعبر بالمكث دون الإقامة؛ لأن الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ليس كذلك. وقرأ حمزة: "لأهله" بضم الهاء، وكذا في القصص. قال النحاس: وهذا على لغة من قال: مررت بهو يا رجل، فجاء به على الأصل وهو جائز، إلا أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة. {إِنّي آنَسْتُ نَاراً } أي أبصرت، يقال: آنست الصوت سمعته، وآنست الرجل: أبصرته. وقيل: الإيناس: الإبصار البين. وقيل: الإيناس مختص بإبصار ما يؤنس. والجملة تعليل للأمر بالمكث، ولما كان الإتيان بالقبس، ووجود الهدى متوقعين بني الأمر على الرجاء، فقال: {لَّعَلّي آتِيكُمْ مّنْهَا بِقَبَسٍ } أي أجيئكم من النار بقبس. والقبس: شعلة من النار، وكذا المقباس، يقال: قبست منه ناراً أقبس ناراً قبساً فأقبسني، أي أعطاني وكذا اقتبست. قال اليزيدي: أقبست الرجل علماً وقبسته ناراً، فإن كنت طلبتها له قلت: أقبسته. وقال الكسائي: أقبسته ناراً وعلماً سواء، قال: وقبسته أيضاً فيهما. {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى } أي هادياً يهديني إلى الطريق ويدلني عليها. قال الفراء: أراد هادياً، فذكره بلفظ المصدر، أو عبر بالمصدر لقصد المبالغة على حذف المضاف، أي ذا هدى، وكلمة "أو" في الموضعين لمنع الخلوّ دون الجمع، وحرف الاستعلاء للدلالة على أن أهل النار مستعلون على أقرب مكان إليها. {فَلَمَّا أَتَـٰهَا نُودِيَ} أي: فلما أتى النار التي آنسها {نُودِيَ} من الشجرة، كما هو مصرّح بذلك في سورة القصص، أي من جهتها، ومن ناحيتها {نُودِيَ يٰمُوسَىٰ إِنّي أَنَاْ رَبُّكَ } أي نودي، فقيل: يا موسى. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر وابن محيصن وحميد واليزيدي: "أني" بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بكسرها، أي بأني. {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } أمره الله سبحانه بخلع نعليه؛ لأن ذلك أبلغ في التواضع، وأقرب إلى التشريف والتكريم وحسن التأدب. وقيل: إنهما كانا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: معنى الخلع للنعلين: تفريغ القلب من الأهل والمال، وهو من بدع التفاسير، ثم علل سبحانه الأمر بالخلع فقال: {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى } المقدّس: المطهر. والقدس: الطهارة. والأرض المقدّسة: المطهرة؛ سميت بذلك؛ لأن الله أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين، و{طوى} اسم للوادي. قال الجوهري: وطوى: اسم موضع بالشام يكسر طاؤه ويضم، يصرف ولا يصرف، فمن صرفه جعله اسم وادٍ ومكان وجعله نكرة ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة، وقرأ عكرمة: "طوى" بكسر الطاء، وقرأ الباقون بضمها. وقيل: إن طوى كثنى من الطي مصدر لنودي، أو للمقدس، أي نودي نداءين، أو قدس مرة بعد أخرى. {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ } قرأ أهل المدينة، وأهل مكة وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي {وأنا اخترتك} بالإفراد. وقرأ حمزة: "وإنا اخترناك" بالجمع. قال النحاس: والقراءة الأولى أولى من جهتين: إحداهما أنها أشبه بالخط، والثانية أنها أولى بنسق الكلام لقوله: {يٰمُوسَىٰ إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } ومعنى {اخترتك}: اصطفيتك للنبوّة والرسالة، والفاء في قوله: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } لترتيب ما بعدها على ما قبلها و"ما" موصولة أو مصدرية، أي فاستمع للذي يوحى إليك، أو للوحي، وجملة {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ } بدل من ما في: {لما يوحى}. ثم أمره سبحانه بالعبادة، فقال: {فَٱعْبُدْنِى } والفاء هنا كالفاء التي قبلها؛ لأن اختصاص الإلٰهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة {وأقم الصلاة لذكري} خصّ الصلاة بالذكر مع كونها داخلة تحت الأمر بالعبادة، لكونها أشرف طاعة وأفضل عبادة، وعلل الأمر بإقامة الصلاة بقوله {لذكري} أي لتذكرني فإن الذكر الكامل لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة، أو المعنى: لتذكرني فيهما لاشتمالهما على الأذكار، أو المعنى: أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة. وقيل: المعنى: لأذكرك بالمدح في عليين، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول. وجملة {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ } تعليل لما قبلها من الأمر، أي إن الساعة التي هي وقت الحساب والعقاب آتية، فاعمل الخير من عبادة الله والصلاة. ومعنى {أَكَادُ أُخْفِيهَا }: مختلف فيه. قال الواحدي: قال أكثر المفسرين: أخفيها من نفسي، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. وقال المبرد وقطرب: هذا على عادة مخاطبة العرب يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء: كتمته حتى من نفسي، أي لم أطلع عليه أحداً؛ ومعنى الآية: أن الله بالغ في إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب. وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ: "أخفيها" بفتح الهمزة، ومعناه: أظهرها. وكذا روى أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل عن وفاء بن إياس عن سعيد ابن جبير. قال النحاس: وليس لهذه الرواية طريق غير هذا. قال القرطبي: وكذا رواه ابن الأنباري في كتاب الردّ قال: حدّثني أبي، حدّثنا محمد بن الجهم، حدثنا الفراء حدثنا الكسائي فذكره. قال النحاس: وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيـى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنه قرأ {أخفيها} بضم الهمزة. قال ابن الأنباري: قال الفراء: ومعنى قراءة الفتح: أكاد أظهرها، من خفيت الشيء: إذا أظهرته أخفيه. قال القرطبي: وقد قال بعض اللغويين: يجوز أن يكون{أخفيها} بضم الألف معناه: أظهرها؛ لأنه يقال: خفيت الشيء وأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار. قال أبو عبيدة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد. قال النحاس: وهذا حسن، وقد أنشد الفراء وسيبويه ما يدل على أن معنى أخفاه أظهر، وذلك قول امرىء القيس:شعر : فإن تكتموا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد تفسير : أي: وإن تكتموا الداء لا نظهره. وقد حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنه بضم النون من نخفه، وقال: امرؤ القيس:شعر : خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشيّ مُجَلَّب تفسير : أي أظهرهن. وقد زيف النحاس هذا القول وقال: ليس المعنى على أظهرها، ولا سيما و"أخفيها" قراءة شاذة، فكيف تردّ القراءة الصحيحة الشائعة. وقال ابن الأنباري: في الآية تفسير آخر، وهو أن الكلام ينقطع على: {أكاد} وبعده مضمر، أي أكاد آتي بها، ووقع الابتداء بأخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى، ومثله قول عمير بن ضابىء البرجمي:شعر : هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله تفسير : أي وكدت أفعل. واختار هذا النحاس. وقال أبو عليّ الفارسي: هو من باب السلب وليس من الأضداد، ومعنى أخفيها: أزيل عنها خفاءها، وهو سترها، ومن هذا قولهم: أشكيته، أي أزلت شكواه. وحكى أبو حاتم عن الأخفش أن أكاد زائدة للتأكيد، قال: ومثله {أية : إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } تفسير : [النور: 40]، ومثله قول الشاعر:شعر : سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما أن يكاد قرنه يتنفس تفسير : قال: والمعنى: أكاد أخفيها؛ أي أقارب ذلك، لأنك إذا قلت: كاد زيد يقوم، جاز أن يكون قام وأن يكون لم يقم، ودلّ على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه الآية على هذا. وقوله: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } متعلق بآتية، أو بأخفيها، و"ما" مصدرية، أي لتجزى كل نفس بسعيها. والسعي وإن كان ظاهراً في الأفعال، فهو هنا يعمّ الأفعال والتروك؛ للقطع بأن تارك ما يجب عليه معاقب بتركه مأخوذ به. {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا } أي لا يصرفنك عن الإيمان بالساعة، والتصديق بها، أو عن ذكرها ومراقبتها {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا } من الكفرة، وهذا النهي وإن كان للكافر بحسب الظاهر، فهو في الحقيقة نهي له صلى الله عليه وسلم عن الانصداد، أو عن إظهار اللين للكافرين فهو من باب: لا أرينك ها هنا، كما هو معروف. وقيل: الضمير في: {عنها} للصلاة وهو بعيد، وقوله: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } معطوف على ما قبله، أي من لا يؤمن، ومن اتبع هواه أي هوى نفسه بالانهماك في اللذات الحسية الفانية {فَتَرْدَىٰ } أي فتهلك؛ لأن انصدادك عنها بصدّ الكفارين لك مستلزم للهلاك ومستتبع له. وقد أخرج ابن المنذر وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، وابن عساكر عن ابن عباس؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أوّل ما نزل عليه الوحي كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى، فأنزل الله: {طه * مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ}. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال: قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن عساكر عنه أيضاً قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل لئلا ينام، فأنزل الله هذه الآية». وأخرج البزار عن عليّ قال: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يراوح بين قدميه يقوم على كل رجل حتى نزلت: {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ }» وحسن السيوطي إسناده. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً بأطول منه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما قرأ القرآن إذا صلى، فقام على رجل واحدة، فأنزل الله: {طه} برجليك فما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه في قوله: {طه } قال: يا رجل. وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {طه } بالنبطية، أي طأ يا رجل. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: هو كقولك: اقعد. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال: {طه } بالنبطية: يا رجل. وأخرج ابن جرير عنه قال: {طه }: يا رجل بالسريانية. وأخرج الحاكم عنه أيضاً قال: {طه } هو كقولك: يا محمد بلسان الحبش. وفي هذه الروايات عن ابن عباس اختلاف وتدافع. وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لي عند ربي عشرة أسماء"تفسير : ، قال أبو الطفيل: حفظت منها ثمانية: محمد، وأحمد، وأبو القاسم، والفاتح، والخاتم، والماحي، والعاقب، والحاشر. وزعم سيف أن أبا جعفر قال له الاسمان الباقيان: طه ويسۤ. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {طه * مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ } قال: يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وكان يقوم الليل على رجليه فهي لغة لعك إن قلت لعكي: يا رجل، لم يلتفت، وإذا قلت طه، التفت إليك. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: {طه } قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ } قال: الثرى: كل شيء مبتل. وأخرج أبو يعلى عن جابر: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل ما تحت هذه الأرض؟ قال: "حديث : الماء"تفسير : ، قيل: فما تحت الماء؟ قال: "حديث : ظلمة"تفسير : قيل: فما تحت الظلمة؟ قال: "حديث : الهواء"تفسير : قيل: فما تحت الهواء؟ قال: "حديث : الثرى" تفسير : قيل: فما تحت الثرى؟ قال: "حديث : انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق"تفسير : . وأخرج ابن مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: و {يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى } قال: السرّ ما أسرّه ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي عن ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله، فإنه يعلم ذلك كله فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة وهو كقوله: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } تفسير : [لقمان: 28]. وأخرج الحاكم وصححه عنه في الآية قال: السرّ: ما علمته أنت، وأخفى: ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي بلفظ: يعلم ما تسرّ في نفسك ويعلم ما تعمل غداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى } يقول: من يدلّ على الطريق. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عليّ في قوله: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } قال: كانتا من جلد حمار ميت فقيل له: اخلعهما. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ} قال المبارك: {طوى} قال: اسم الوادي. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى } يعني: الأرض المقدسة، وذلك أنه مرّ بواديها ليلاً فطوى يقال: طويت وادي كذا وكذا. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {طُوًى } قال: طإ الوادي. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِى}»تفسير : . وأخرج الترمذي وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِي}»تفسير : . وكان ابن شهاب يقرؤها: "للذكرى". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا } قال: لا أظهر عليها أحداً غيري. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {أَكَادُ أُخْفِيهَا } من نفسي.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {طه} فيه سبعة أقاويل: أحدها: أنه بالسريانية يا رجل؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، وحكى الطبري: أنه بالنبطية يا رجل؛ وقاله ابن جبير، والسدي كذلك. وقال الكلبي: هو لغة عكل، وقال قطرب: هو بلغة طيىء وأنشد ليزيد بن مهلهل: شعر : إن السفاهة (طه) من خليقتكم لا قدس الله أرواح الملاعين تفسير : الثاني: أنه اسم من أسماء الله تعالى وَقَسَمٌ أَقْسَمَ بِِهِ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: أنه اسم السورة ومفتاح لها. الرابع: أنه اختصار من كلام خص الله رسوله بعلمه. الخامس: أن حروف مقطعه يدل كل حرف منها على معنى. السادس: معناه: طوبى لمن اهتدى، وهذا قول محمد الباقر بن علي زين العابدين رحمهما الله. السابع: معناه طَإِ الأَرْضَ بقدمك، ولا تقم على إحدى رجليك يعني في الصلاة، حكاه ابن الأنباري. ويحتمل ثامناً: أن يكون معناه طهّر، ويحتمل ما أمره بتطهيره وجهين: أحدهما: طهر قلبك من الخوف. والثاني: طهر أُمَّتَك من الشرك. قوله تعالى: {مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْْءَانَ لِتَشْقَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالتعب والسهر في قيام الليل، قاله مجاهد. الثاني: أنه جواب للمشركين لما قالواْ: إنه بالقرآن شقى، قاله الحسن. الثالث: معناه لا تشْقِ بالحزن والأسف على كفر قومك، قاله ابن بحر. قوله تعالى: {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى} فيه وجهان: أحدهما: إلا إنذاراً لمن يخشى الله. والثاني: إلا زجراً لمن يتقي الذنوب. والفرق بين الخشية والخوف: أن الخوف فيما ظهرت أسبابه والخشية فيما لم تظهر أسبابه. قوله عز وجل: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: له ملك السموات والأرض. الثاني: له تدبيرها. الثالث: له علم ما فيها. وفي {... الثَّرَى} وجهان: أحدها: كل شيء مُبْتلّّ، قاله قتادة. الثاني: أنه التراب في بطن الأرض، قاله الضحاك. الثاني: أنها الصخرة التي تحت الأرض السابعة، وهي صخرة خضراء وهي سجِّين التي فيها كتاب الفجار، قاله السدي. قوله عز وجل: {وَإِن تَجْهَرْ بَالْقَوْلِ} فم حاجتك إلى الجهر؟ لأن الله يعلم بالجهر وبالسر. {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأخْفَى} فيه ستة تأويلات: أحدها: أن "السِّرَّ" ما حدَّث به العبد غيره في السر. "وأَخْفَى" ما أضمره في نفسه، ولم يحدّث به غيره، قاله ابن عباس. الثاني: أن السر ما أَضمره العبد في نفسه. وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد في نفسه قاله قتادة وسعيد بن جبير. الثالث: يعلم أسرار عباده، وأخفى سر نفسه عن خلقه، قاله ابن زيد. الرابع: أن السر ما أسره الناس، وأخفى: الوسوسة، قاله مجاهد. الخامس: أن السر ما أسره من علمه وعمله السالف، وأخفى: وما يعلمه من عمله المستأنف، وهذا معنى قول الكلبي. السادس: السر: العزيمة، وما هو أخفى: هو الهم الذي دون العزيمة.

ابن عطية

تفسير : اختلف الناس في قوله {طه} بحسب اختلافهم في كل الحروف المتقدمة في أوائل السور إلا قول من قال هناك إن الحروف إشارة إلى حروف المعجم كما تقول أ. ب. ج. د. فإنه لا يترتب هنا لأن ما بعد {طه} من الكلام لا يصح أن يكون خبراً عن {طه} واختصت أيضاً {طه} بأقوال لا تترتب في أوائل السور المذكورة، فمنها قول من قال {طه} اسم من أسماء محمد عليه السلام، وقوله من {طه} معناه "يا رجل بالسريانية" وقيل بغيرها من لغات العجم، وحكي أنها لغة يمينة في عك وأنشد الطبري: [الطويل] شعر : دعوت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلاً تفسير : ويروى مزايلاً وقال الآخر: [البسيط] شعر : إن السفاهة طه من خلائقكم لا بارك الله في القوم الملاعين تفسير : وقالت فرقة: سبب نزول الآية إنما هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمله من مشقة الصلاة حتى كانت قدماه تتورم ويحتاج الى الترويح بين قدميه فقيل له طاً الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج الى الترويح، فالضمير في {طه} للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفاً ساكنة، وقرأت "طه" وأصله طأ فحذفت الهمزة وأدخلت هاء السكت، وقرأ ابن كثير وابن عامر "طَهَ" بفتح الطاء والهاء وروي ذلك عن قالون عن نافع، ووروي عن يعقوب عنه كسرهما، وروي عنه بين الكسر والفتح، وأمالت فرقة، والتفخيم لغة الحجاز والنبي عليه السلام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء، وقرأ أبو عمرو "طَهِ" بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأت فرقة "طَهْ" بفتح الطاء وسكون الهاء، وقد تقدمت، وروي عن الضحاك وعمرو بن فائد انهما قرأ "طاوي". وقوله {لتشقى} قالت فرقة: معناه لتبلغ من نفسك في العبادة والقيام في الصلاة، وقالت فرقة: إنما سبب الآية أن قريش لما نظرت إلى عيش رسول صلى الله عليه وسلم وشظفه وكثرة عبادته قالت: إن محمداً مع ربه في شقاء فنزلت الآية رادة عليهم، أي إن الله لم ينزل القرآن ليجعل محمداً شقياً بل ليجعله أسعد بني آدم بالنعيم المقيم في أعلى المراتب، فالشقاء الذي رأيتم هو نعيم النفس ولا شقاء مع ذلك ع: فهذا التأويل أعم من الأول في لفظة الشقاء، وقوله {إلا تذكرة} يصح أن ينصب على البدل من موضع {لتشقى} ويصح أن ينصب بفعل مضمر تقديره لكن أنزلناه تذكرة، و {يخشى} يتضمن الإيمان والعمل الصالح إذ الخشية باعثة على ذلك، وقوله {تنزيلاً} نصب على المصدر، وقوله {ممن خلق الأرض والسماوات العلى} صفة أقامها مقام الموصوف، وأفاد ذلك العبرة والتذكرة وتحقير الأوثان وبعث النفوس على النظر، و {العلى} جمع عليا فعلى. وقوله {الرحمنُ} رفع بالابتداء ويصح أن يكون بدلاً من الضمير المستقر في {خلق}. وقوله {استوى} قالت فرقة: هو بمعنى استولى، وقال أبو المعالي وغيره من المتكلمين: هو بمعنى استواء القهر والغلبة، وقال سفيان الثوري: فعل فعلاً في العرش سماه استواء وقال الشعبي وجماعة غيره: هذا من متشابه القرآن يؤمن به ولا يعرض لمعناه، وقال مالك بن أنس لرجال سأله عن هذا الاستواء فقال له مالك: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني، فأدبر السائل وهو يقول يا أبا عبدالله لقد سألت عنها أهل العراق وأهل الشام فما وفق احد توفيقك. قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو المعالي قول من قال لا يتكلم في تفسيرها بأن قال إن كل مؤمن يجمع على أن لفظة الاستواء ليست على عرفها في معهود الكلام العربي، فإذا فعل هذا فقد فسر ضرورة ولا فائدة في تأخره على طلب الوجه والمخرج البين، بل في ذلك البأس على الناس وإيهام للعوام، وقد تقدم القول في مسألة الأستواء. وقوله {له ما في السماوات} الآية تماد في الصفة المذكورة المنبهة على الخالق المنعم، وفي قوله {ما تحت الثرى} قصص في أمر الحوت ونحوه اختصرته لعدم صحته، والآية مضمنة أن كل موجود محدث فهو لله بالملك والاختراع ولا قديم سواه تعالى. و {الثرى} التراب الندي، وقوله {وإن تجهر بالقول} معناه وإن كنتم أيها الناس إذا أردتم إعلام أحد بأمر أو مخاطبة أوثانكم وغيرها فأنتم تجهرون بالقول فإن الله الذي هذه صفاته {يعلم السر وأخفى} فالمخاطبة بـ {تجهر} لمحمد عليه السلام وهي مراد جميع الناس إذ هي آية اعتبار، واختلف الناس في ترتيب {السر} وما هو {أخفى} منه، فقالت فرقة {السر} هو الكلام الخفي كقراءة السر في الصلاة، و"الأخفى" هو ما في النفس، وقالت فرقة وهو ما في النفس متحصلاً، و"الأخفى" هو ما سيكون فيها في المستأنف، وقالت فرقة {السر} هو ما في نفوس البشر، وكل ما يمكن أن يكون فيها في المستأنف بحسب الممكنات من معلومات البشر، و"الأخفى" هو ما من معلومات الله لا يمكن أن يعلمه البشر البتة ع: فهذا كله معلوم لله عز وجل. وقد تؤول على بعض السلف أنه جعل {وأخفى} فعلاَ ماضياً وهذا ضعيف، و {الأسماء الحسنى} يريد بها التسميات التي تضمنتها المعاني التي هي في غاية الحسن ووحد الصفة مع جمع الموصوف لما كانت التسميات لا تعقل، وهذا جار مجرى {أية : مآرب أخرى} تفسير : [طه: 18] {أية : ويا جبال أوبي معه} تفسير : [سبأ: 10] وغيره، وذكر أهل العلم أن هذه الأسماء هي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله تسعة وتسعين إسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة" تفسير : وذكرها الترمذي وغيره مسنده.

ابن عبد السلام

تفسير : {طه} اسم لله ـ تعالى ـ أقسم به. أو اسم للسورة أو اختصار كلام خص الرسول صلى الله عليه وسلم بعلمه، أو حروف يدل كل حرف منها على معنى، أو طوبى لمن اهتدى، أوطأ الأرض بقدميك ولا تقم على أحدهما في الصلاة، أو يا رجل بلغة عك، أوطيء، أو بالنبطية. شعر : إن السفاهة طه من خليقتكم لا قدس الله أرواح الملاعين

النسفي

تفسير : {طه } فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء، أبو عمرو، وأمالهما حمزة وعلي وخلف وأبو بكر، وفخمهما على الأصل غيرهم. وما رُوي عن مجاهد والحسن والضحاك وعطاء وغيرهم أن معناه يا رجل فإن صح فظاهر وإلا فالحق ما هو المذكور في سوة البقرة {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ } إن جعلت {طه } تعديداً لأسماء الحروف فهو ابتداء كلام، وإن جعلتها اسماً للسورة احتملت أن تكون خبراً عنها وهي في موضع المبتدأ، و{ٱلْقُرْءانَ } ظاهر أوقع موقع المضمر لأنها قرآن وأن يكون جواباً لها وهي قسم {لِتَشْقَىٰ } لتتعب لفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا، أو بقيام الليل فإنه رُوي أنه عليه السلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل: أبق على نفسك فإن لها عليك حقاً أي ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة {إِلاَّ تَذْكِرَةً } استثناء منقطع أي لكن أنزلناه تذكرة أو حال {لّمَن يَخْشَىٰ } لمن يخاف الله أو لمن يئول أمره إلى الخشية.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل {طه} قيل هو قسم أقسم الله بطوله وهدايته، وقيل هو من أسماء الله فالطاء افتتاح اسمه طاهر والهاء افتتاح اسمه هاد. وقيل معناه يا رجل والمراد به النبيّ صلى الله عليه وسلم وكذلك يا إنسان، وقيل هو بالسريانية، وقيل بالقبطية، فعلى هذا يكون قد وافقت لغة العرب هذه اللغات في هذه الكلمة، وقيل هو يا إنسان بلغة عك وعك قبيلة من قبائل العرب، وقيل معناه طا الأرض بقدميك يريد به في التهجد وذلك لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة اجتهد في العبادة حتى يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمره أن يخفف على نفسه فقال تعالى {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}. وقيل لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك فنزلت {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي لتتعنى وتتعب {إلا تذكرة لمن يخشى} أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى وإنما خص من يخشى بالتذكرة لأنهم هم المنتفعون بها {تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى} أي من الله الذي خلق الأرض والسموات العلية الرفيعة التي لا يقدر على خلقها في عظمتها وعلوها إلا الله تعالى {الرحمن على العرش استوى} تقدم الكلام عليه في سورة الأعراف مستوفى {له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما} يعني الهواء {وما تحت الثرى} أي إنه مالك لجميع ما في الأربعة الأقسام، والثرى هو التراب الندي وقيل معناه ما وراء الثرى من شيء. وقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهور النون والنون على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في قصة لقمان، والصخرة على قرن ثور والثور على الثرى ولا يعلم ما تحت ذلك الثرى إلا الله تعالى، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله البحار بحراً واحداً سالت في جوف ذلك الثور فإذا وقعت في جوفه يبست.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: بإمالة الطاء والهاء. حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وعباس وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب. وفي الكشاف أن أبا عمرو فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء. والآخرون بتفخيمها {لأهله امكثوا} بضم الهاء وكذلك في "القصص": حمزة {إني آنست} {إني أنا الله} بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو {لعلي آتيكم} بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر غير ابن مجاهد {على النار هدى} ممالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وحمزة في رواية ابن معدان وأبي عمر والنجاري عن ورش وأبي عمرو وغير ابراهيم وابن حماد {أني أنا ربك} بفتح الهمزة وياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد. بكسر الهمزة وفتح الياء: نافع الباقون: بكسر الهمزة وسكون الياء {طوى} منوناً حيث كان: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر {وإنا اخترناك} على الجمع: حمزة والمفضل {لذكري} {إني} {لي} {أمري} {عيني} {برأسي} (إني) بفتح الياآت: حمزة والمفضل ونافع وأبو عمرو. (لي فيها) بالفتح: حفص والمفضل والأعشى والبرجمي والأصبهاني عن ورش مخير {أخي اشدد} بفتح الياء موصولة: ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح وأبو عمرو {واشدد} بفتح الهمزة {وأشركه} بضمها على التكلم: ابن عامر والباقون بضم الأول وفتح الثاني على الأمر {سؤلك} بالواو: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الآخرون بالهمزة. الوقوف: {طه} ه كوفي ومن قال معناه يا رجل أو يا طالب أو يا هادي لم يقف {لتشقى} ه للاستثناء {يخشى} ه لا بناء على أن {تنزيلاً} بدل {تذكره} {لعلي} ه {الرحمن} مبتدأ {استوى} ه {الثرى} ه {وأخفى} ه {إلا هو} ط {الحسنى} ه {حديث موسى} ه لئلا يوهم أن "إذ" ظرف للإتيان {هدى} ه {يا موسى} ه {نعليك} ج للابتداء بأن مع اتحاد القول {طوى} ه ط إلا لمن قرأ {إنا اخترناك}{بوحي} ه {فاعبدني} ه لا للعطف {لذكرى} ه {تسعى} ه {فتردى} ه {يا موسى} ه {عصاي} ج لا مكان أن يجعل {أتوكأ} مستأنفاً أو حالاً والعامل أضمر أو أشير بناء على أن "هي" بمعنى "هذه". {أخرى} ه {يا موسى} ه {تسعى} ه {ولا تخف} ق لحق السين {الأولي} ه {آية أخرى} ه لا لتعلق اللام. {الكبرى} ه ج للآية والاستئناف بالأمر على أن المقول متصل {طغى} ه {صدري} ه {أمري} ه لا {لساني} ه لا {قولي} ص لطول الكلام {أهلي} ه لا {أخي} ه لا وقف لمن قرأ {أشدد} بفتح الهمزة جواباً للدعاء ومن فتح الياء فله الوصل ومن قرأ {اشدد} بضم الهمزة فله الجواز لاتساق الدعاء على الدعاء بلا عاطف {أزري} ه لا {أمري} ه لا لتعلق "كي" {كثيراً} ه {بصيراً} {يا موسى} ه. التفسير: في {طه} قولان للمفسرين: أحدهما أنه من حروف التهجي وقد سلف البحث في أمثالها، والذي زادوه ههنا أمور منها: قول الثعلبي: الطاء شجرة طوبى، والهاء الهاوية وكأنه أقسم بالجنة والنار. ومنها ما روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أن الطاء طهارة أهل الدين والهاء هدايتهم. وقيل: أراد يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب. ومنها قول سعيد بن جبير هو افتتاح باسمه الطيب الطاهر الهادي. قيل: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة ومعناه: يا أيها البدر. القول الثاني أنها كلمة مفيدة ومعناها يا رجل. مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن بير وقتادة وعكرمة والكلبي. ثم قال سعيد بن جبير بلسان القبطية: وقال قتادة بلسان اليونانية والسريانية. وقال عكرمة بلسان الحبشة. وقال الكلبي بلسان عك وهو عك ابن عدنان أخو معد وهو اليوم في اليمن. وعن الحسن أن طه أمر وأصله طأ أمراً بالوطء فقلبت الهمزة هاء وذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معاً، ويؤكده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم بالليل حتى اسمعدّت قدماه - أي تورمتا - فقال له جبرائيل: أرفق على نفسك فإن لها عليك حقاً ونزلت {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي تتعب بالعبادة ولكنك بعثت بالحنيفية السهلة. وعند الأكثرين معنى {لتشقى} لتتعب بفرط تأسفك عليهم وتحسرك على أن يؤمنوا. والشقاء يجيء بمعنى التعب ومنه المثل "أشقى من رائض مهر وأتعب". وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له: إن كل شقي لأنك تركت دين آبائك فرد الله عليهم بأن القرآن هو السبب في نيل كل سعادة. قال جار الله: إن جعلت {طه} تعديد الأسماء الحروف فقوله {ما أنزلنا} ابتداء الكلام، وإن جعلته اسماً للسورة فمبتدأ وما بعده خبر وقد أقيم الظاهر - وهو القرآن - مقام الضمير الرابط، وإن جعلته قسماً فما يتلوه جواب وكل واحد من {لتشقى} و {تذكرة} علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل والثاني جاز قطع اللام عنه لوجود الشرط. ولا يجوز أن يكون {تذكرة} بدلاً من محل {لتشقى} لاختلاف الجنسين، فإن التذكرة لا يمكن أن تحمل على الشقاء ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي فيه "إلا" بمعنى "لكن". وفي قوله {لتشقى} و {إلا تذكرة} وجه آخر وهو أنه ما أنزلنا عليك القرآن لتتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة أي ما أنزلنا عليك هذا التعب الشاق إلا لهذا الغرض كما يقال: ما شافهناك بذلك الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك. فانتصب {تذكرةً} على أنه حال أو مفعول له، وإذا كانت حالاً جاز أن يكون {تنزيلاً} بدلاً منها، وإذا كانت مفعولاً لأجله لم يجز أن يكون {تنزيلاً} بدلاً منها لأن الشيء لا يعلل بنفسه، فالإنزال لا يعلل بالتنزيل في الظاهر. ويجوز أن ينتصب {تنزيلاً} بمضمر أي نزل تنزيلاً أو بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أبو بـ {يخشى} مفعولاً به أي أنزله الله تذكرةً لمن يخشى تنزيل الله عز وجلّ أي لمن يؤل أمره إلى الخشية لأنه هو المنتفع به. ومعنى كون القرآن تذكرةً أنه صلى الله عليه وسلم كان يعظهم به وببيانه. {ممن خلق} متعلق {بتنزيلاً} فيكون الظرف لغواً أو بكائناً صفة له فيكون مستقراً. وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلاً منا أمور منها: الافتنان في الكلام على عادتهم. ومنها تنسيق الصفات مع لفظ الغيبة. ومنها التفخيم بالإسناد أولاً إلى ضمير المتكلم المطاع في {أنزلناه} ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد. وقيل: أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا التفات. و {العلى} جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السموات بها دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها. ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة. ومنه قول الحكماء: عقول الرجال تحت لسان أقلامهم. وارتفع { الرحمن} على المدح على تقدير هو الرحمن، أو هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق. والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة قد مر مشبعاً في "الأنعام" في قوله {أية : وهو القاهر فوق عباده}تفسير : [الأنعام: 18] وفي الأعراف في قوله {أية : إن ربكم الله الذي خلق السموات} تفسير : [الآية: 54] فلا حاجة إلى الإعادة. ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله {له ما في السموات} الآية. عن محمد بن كعب: أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين. وعن السدي: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة. وقيل: الثور أو الحوت. والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز البحر من جرم الأرض، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا الله سبحانه من المعادن وغيرها، ولا ريب أن الكل لله سبحانه. ثم بيّن كمال علمه بقوله {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك ما أخطرته ببالك،أو السر هذا وأخفى منه ما استسره. وقيل: أخفى فعل ماضٍ أي يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلم هو. قلت: هذا المعنى صحيح لأنه تعالى محيط بجميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على غيوبه أحد، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال صاحب الكشاف: وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط. وأجيب بأن معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك. فإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله {أية : واذكر ربك في نفسك} تفسير : [الأعراف: 205] وإما أن يكون تعليماً للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدي غيره به. ومن فوائد الآية زجر المكلف عن القبائح - ظاهرة كانت أو باطنة - وترغيبه في الطاعات - ظاهرة وباطنة - وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه تعالى في تفسيره قوله {أية : وعلم آدم الأسماء كلها} تفسير : [البقرة: 31] وفي غير ذلك من المواضع المناسبة، فلنقتصر الآن على ذلك. ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره. واعلم أن مراتب التوحيد أربع: الإقرار باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب، ثم تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى الأحد الصمد. والأول بدون الثاني نفاق، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد مهلة كما إذا نظر وعرف فمات. ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته "لا إله إلا الله" حتى إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان"تفسير : والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول، وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله، ومبتداه تفريق ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون، وآخره الفناء في الله والبقاء به. قال النحويون: لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله. وقال أهل العرفان: معناه لا إله في الإمكان إلا الله. روي أن موسى بن عمران قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به. فقال: قل لا إله إلا الله. فقال: كل عبادك يقول. فقال: قل لا إله إلا الله. قال إنما أردت شيئاً تخصني به. قال: يا موسى لو أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن "لا إله إلا الله". والبحث عن أسماء الله تعالى قد سلف في تفسير البسملة، وعن أسمائه الحسنى قد مر في "الأعراف" في قوله {أية : ولله الأسماء الحسنى} تفسير : [الأعراف: 180] واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: كامل لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو الله تقدس وتعالى، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية التي جبل عليها كصغيرة الإنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارةً يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه {أية : في مقعد صدق عند مليك مقتدر} تفسير : [القمر: 55] وتارةً يتسفل إلى أن يقال له {أية : ثم رددناه أسفل سافلين} تفسير : [التين: 5] والكمال بالحقيقة لما ليس معرض الزوال فلا كمال في الصحة والجاه والمال وإنما الكمال في الانتساب إلى الكبير المتعال، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة الربوبية، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ويحسن ذكره. إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى، وحسن المسمى يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يزال مواظباً على الإحسان كما قيل: شعر : يا حسن الوجه توق الخنا لا تخلطن الزين بالشين تفسير : فيا حسن الأسماء والصفات لا تردّنا عن خوان إحسانك محرومين. ذكر أن صياداً اصطاد سمكةً وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها. إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردّنا إلى مقرنا وأنت أرحم الراحمين. عن محمد بن كعب القرظي أن موسى عليه السلام قال: يا رب أيّ خلق أكرم عليك؟ قال: الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري. قال: أيّ خلقك أعلم؟ قال: الذي يلتمس علماً إلى علمه. قال: وأيّ خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس. قال: وأيّ خلقك أعظم جرماً؟ قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له. إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل، وكل ما لا تفعله بنا من الإحسان فهو عدل، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا. وعن الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: سيعلم الجمع من أهل الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس. ثم يقال: أين الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله؟ ثم ينادي أين الحمادون لله على كل حال؟ ثم تكون التبعة والحساب على من بقي. إلهي فنحن حمدناك واثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك. وحين عظم شأن القرآن وبيّن حال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كلف من أعباء الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتاً وتقوية وتسلية. قال الكلبي: معنى {وهل أتاك} أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له. ويقول المرء لصاحبه: هل بلغك خبر كذا ليتطلع السامع لما يومي إليه. وعن مقاتل والضحاك عن ابن عباس أن المراد منه تقرر الخبر في قلبه أي قد أتاك ذلك في الزمان المتقدم. "وإذ" ظرف للحديث لأنه حدث، أو المراد اذكر وقت كذا ومظروفه محذوف أي حين رأى ناراً كان كيت وكيت. قال أهل السير: استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله وولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده، فرأى ناراً من يسار الطريق من بعيد. قال السدي: ظن أنها من نيران الرعاة. وقال الآخرون: إنه رآها في شجرة. واختلفوا أيضاً في أن الذي رآه كان ناراً أم لا. قالوا: والصحيح أنه كان ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء. ويمكن أن يقال: إطلاق اللفظ على ما يشبه مسماه ليس بكذب. قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهو نار الشجر {أية : جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً} تفسير : [يس: 80] ونار تأكل وتشرب وهي نار موسى عليه السلام. وبعبارة أخرى نور بلا حرقة وهي نار موسى، وحرقة بلا نور وهي نار جهنم، وحرقة ونور وهي نار الدنيا، ولا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار. {فقال لأهله امكثوا} إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة والخادم والولد. ويجوز أن يخاطب المرأة وحدها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر لفظ الأهل فإنه اسم جمع. وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم فقد {آنست ناراً} أي أبصرت إبصاراً لا شبهة فيه أو إبصاراً يؤنس به. والتركيب يدل على الظهور، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء، ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور المطلوب وهو المأنوس به. قال جار الله: لما وجد الإيناس وكان مقطوعاً متيقناً حققه لهم بكلمة "إن" ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلاً {لعلي آتيكم} قال المحققون: فيه دلالة على أن إبراهيم عليه السلام لم يكذب ألبتة لأن موسى قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل "إني آتيكم" لئلا يعد ما لم يستيقن الوفاء به، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب الصريح. والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما. {وهدى} على حذف المضاف أي ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى. والظاهر أنه أراد قوماً يهدونني الطريق. وعن مجاهد وقتادة: قوماً ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا يشغلهم عنها شاغلٌ. ومعنى الاستعلاء في على النار وهو مفعول ثانٍ لأجد، أو حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها كفنوها قياماً وقعوداً فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مستويين. {فلما أتاها} أي أتى النار. قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت فألقيت عليه السكينة، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة. وقال وهب: ظن موسى أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها، ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي {يا موسى} من قرأ {أني} بالفتح فتقديره نودي بأني، ومن قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى. وتكرير الضمير في "أني" {أنا ربك} لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. روي أنه لما نودي يا موسى قال: من المتكلم؟ فقال الله عزوجلّ: إني أنا ربك. فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان. فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذناً. وقيل: لعله سمع النداء من جماد كالحصا والشجرة فيكون معجزاً. وأيضاً إنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث إن الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار ولا النار تضر بالخضرة، فعرف أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله. وجوّز الأشاعرة أن يكون قد خلق الله تعالى علماً ضرورياً بذلك والمعتزلة منعوا منه قالوا إن حصول العلم الضروري بأن ذلك المتكلم هو الله يستلزم العلم الضروري بوجود الصانع لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلوماً بالاستدلال، وحصول العلم الضروري بوجود الصانع ينافي التكليف وبالاتفاق لم يخرج موسى عن التكليف. قال القاضي: إن كانت النبوة قد تقدمت لموسى فلا كلام في حصول هذه الخوارق وإلا وجب أن تكون المعجزات لغيره من الأنبياء في زمانه كشعيب مثلاً. قال: وهذا أولى لأن قوله {وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى} دليل على أنه أوّل وحي يوحى إليه. وعند أهل السنة الإرهاص جائز فلم يوجبوا إحالة تلك الخوارق إلى غيره. وعندهم أن الله تعالى أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت. والمعتزلة أنكروا وجود ذلك الكلام. وقالوا: إنه تعالى خلق ذلك النداء في جسم من الأجساد كالشجرة وهو قادر على ذلك. وأهل السنة مما وراء النهر أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى صوت خلقه الله في الشجرة لأنه تعالى رتب النداء على أنه أتى النار، والمرتب على المحدث. ومثله استدلال المعتزلة بقوله {فاخلع نعليك} على أن كلامه تعالى ليس بقديم لأن الأمر والمأمور معدوم سفه فلا بد أن يكون هذا الأمر عند وجود موسى فيكون محدثاً. أجابت الأشاعرة بأن كلامه الأزلي ليس بأمر ولا نهي، ولو سلم فأمره بالأزل مستمر إلى أن صار الشخص مأموراً من غير تغير في أمره كالقدرة الأزلية تتعلق بالمقدور الحادث. وأما الحكمة في الأمر بخلع النعلين قال المفسرون: لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وهو قول علي ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به. وقيل: عظم البقعة عن وطئها إلا حافياً يؤيده قوله {إنك بالواد المقدس}. ومن هنا كره بعضهم الصلاة والطواف في النعل، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة. ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه وكان إذا وقع منه ذلك تصدق. وعلى القول الأول لا يكره إلا إذا كان غير مدبوغ. حديث : وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: خلعت فخلعنا. قال: فإن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذراًتفسير : . يروى أن موسى خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي. قال الجوهري {طوى} بكسر الطاء وضمها اسم موضع بالشأم. فمن صرفه جعله اسم واد ومكان، ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة. وقال بعضهم. طوى بالضم مثل طوى وهو الشيء المثنى أي طوى مرتين أي قدس. وقال الحسن: ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين، ويحتمل أن يراد نودي نداءين. وقيل: طوى مصدر كهدى ومعناه العلى. وعن ابن عباس أنه مر بذلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالواد المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه. {وأنا أخترتك} اصطفيتك للنبوة. قيل: فيه دلالة على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق وإنما هي ابتداء عطية من الله. وفي هذه الأخبار غاية اللطف والرحمة ولكن في قوله {فاستمع} نهاية الجلال والهيبة ففي الأول رجاء وفي الثاني خوف كأنه قال: جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل جميع همتك مصروفة إليه. {لما يوحى} أي للذي يوحى أو للوحي متعلق بـ {استمع} أو بـ {اخترتك} ثم قال {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} ورتب عليه {فاعبدني} ليعلم أن عبادته إنما لزمت لإلهيته ومن هنا قال العلماء: إن الله معناه المستحق للعبادة. قال الأصوليون: تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولكن عن وقت الخطاب جائز لأنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفيتها. وأيضاً قال {وأقم الصلاة} ولم يبين هيئاتها. أجاب القاضي عن هذا الأخير بأنه لا يمتنع أن موسى عليه السلام قد عرف الصلاة التي تعبد الله بها شعيباً وغيره من الأنبياء، فكان الخطاب متوجهاً إلى ذلك، وزيف بأن حمل الخطاب متوجهاً على التأسيس أولى قال: قد بين له ولكن لم يحك الله تعالى سوى هذا القدر. ورد بأن البيان أكثر فائدة من المجمل، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية. ولقائل أن يقول: سلمنا أن المبين أكثر فائدةً للمخاطب، ولكن لا نسلم أن حكاية المبين أولى فلعل حكاية المجمل تكفي لغيره لصيرورة بعض هيئات ذلك التكليف منسوخاً وإن كان أصله باقياً. وفي قوله {لذكري} وجوه. لأن اللام إما بمعنى الوقت أو هي للتعليل. والذكر إما بالجنان أو هو ضد النسيان. وياء المتكلم فاعل في الأصل أو مفعول. وهل يحتمل الكلام تقدير مضاف أم لا؟. ولمثل هذه الاعتبارات تعددت الوجوه فمنها: أن اللام للتعليل والياء منصوب أي لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي، أو أراد لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على الأذكار. عن مجاهد: والفرق أن إطلاق الذكر على العبادة والصلاة في الأول حقيقة شرعية، وفي الثاني مجاز. أو نقول: في الأول تكون نفس الصلاة مطلوبة بالذات، وفي الثاني تكون مطلوبة بعرض الذكر، أو أراد لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري. ومنها أن المضاف مع ذلك محذوف أي لإخلاص ذكري وطلب وجهي. ومنها أن الياء فاعل أي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثنا وأجعل لك لسان صدق. ومنها أن اللام للوقت كقولك "جئتك لوقت كذا" أي لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة. ومنها أن يحمل الذكر على ضد النسيان أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في كونهم رطاب اللسان في جميع الأحيان بذكر مولى الأنعام ومولى الإحسان {أية : رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله} تفسير : [النور: 37] وأراد ذكر الصلاة بعد نسيانها وكان حق العبارة أن يقال لذكرها كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"تفسير : فلعل المضاف محذوف أي لذكر صلاتي، أو ذكر الصلاة هو ذكر الله فالياء في الأصل منصوب، أو الذكر والنسيان من الله عز وجلّ في الحقيقة فلياء فاعل. قال الشافعي: من فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء ولو ترك الترتيب جاز. ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة فإن كان في الوقت سعة يستحب أن يبدأ بالفائتة، وإن بدأ بصلاة الوقت جاز إلا إذا ضاق الوقت فإنه يجب الابتداء بصلاة الوقت، وإن تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها. وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يتزيد على صلاة يوم وليلة حتى لو تذكر خلال صلاة الوقت بطلت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل. حجة الشافعي ما روي في حديث قتادة أنهم ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها، ولو كان وقت الانتباه متعيناً للصلاة لما فعل كذلك. نعم إنه وقت لتقرير الوجوب عليه ثم الوقت موسع بعد ذلك. حجة أبي حنيفة قوله تعالى {أقم الصلاة لذكري} وقوله صلى الله عليه وسلم حديث : فليصلها "إذا ذكرها" تفسير : وفي حديث جابر أن عمر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : وأنا والله ما صليتها بعد. تفسير : قال: فنزل في البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها. وأما القياس فهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة ومزدلفة. فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون كذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة، وأما إذا دخل في حد الكثرة فيسقط هذا الترتيب. ثم لما أمر موسى بالعبادة عامة وبالصلاة التي هي أفضلها خاصة علل ذلك بقوله {إن الساعة آتية}. سؤال: "كاد" نفيه إثبات وإثباته نفي. فقوله {أكاد أخفيها} يكون معناه لا أخفيها وهو باطل لقوله {أية : إن الله عنده علم الساعة} تفسير : [لقمان: 34] ولأن قوله. {لتجزى كل نفس} إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار إذ لو كان المكلف عارفاً وقت القيامة وكذا وقت الموت اشتغل بالمعاصي إلى قريب من ذلك الوقت ثم تاب فيكون إغراء على المعصية. والجواب لا نسلم أن "كاد" إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط. والباقي موكول إلى القرينة. ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين كأنه قال: أكاد لا أقول هي آتية لفط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به. وبالغ بعض المفسرين في هذا المعنى فقال: أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبيّ كذلك. فقال قطرب: هذا على عادة العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا: كتمته من نفسي. وقيل: "كاد" من الله واجب وأراد أنا أخفيها من الخلق كقوله {أية : عسى أن يكون قريباً} تفسير : [الاسراء: 51] أي هو قريب قاله الحسن. وعن أبي مسلم أن "أكاد" بمعنى أريد كقوله {أية : كذلك كدنا ليوسف} تفسير : [يوسف: 21] ومنه قولهم "لا أفعل ذلك ولا أكاد" أي لا أريد أن أفعله. وقيل: أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها. وقال أبو الفتح الموصلي: الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله {أية : اقتربت الساعة} تفسير : [القمر: 1] ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره. وقوله {لتجزى} متعلق {بأخفيها} كما قلنا أو بـ {آتية}، فلولا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة. واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه قال {بما تسعى} أي بسعيها. فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا الإسناد، ولو لم يكن الثواب مستحقاً على العمل لم يكن لباء السببية معنى والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى الله، واستناد الجزاء إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها. ومعنى الفاء في {فلا يصدّنك} أنه إذا صح عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن التصديق بالساعة، لأن قوله ناشىء عن الهوى واتباعه. وجوّز أبو مسلم أن يكون الضمير في {عنها} للصلاة. والعرب تذكر شيئين لم ترمي بضميرهما إلى السامع اعتماداً على أنه يرد كلاً منهما إلى ما هو له، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هنا. وأما الخطاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه. وجوّز بعضهم أن يكون لنبينا عليه السلام والمقصود الأمة، والنهي عن الصد في الظاهر لمن لا يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب. والوجه فيه أن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، أو صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب كأنه قيل: كن في الدنيا صلباً حتى لا يطمع في إغوائك الكافر. والذي دعا إلى هذا النهي البالغ في معناه هو أن في المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا. وفيه حث بليغ على العمل بالدليل وزجر قويّ عن التقليد وإنذار بأن الردى والهلاك مع اتباع الهوى. وههنا استدل الأصوليون على شرف علمهم ووجوب تعلمه كيلا يتمكن الخصم من تشكيكه. وزعم القاضي أن في نسبة الصد إلى الكافر بالبعث دليلاً على أن القبائح إنما تصدر عن العباد. وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً. قال أهل التحقيق: قوله أوّلاً لموسى {اخلع نعليك} إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير عن الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيلة. وأصول ذلك ترجع إلى علم المبدأ وهو قوله {إني أنا الله} وإلى علم الوسط وهو قوله {فاعبدني} وإنه مشتمل على الأعمال الجسمانية. وقوله {لذكري} وهو مشتمل الأعمال الروحانية وإلى علم المعاد وذلك قوله {إن الساعة آتية}. وأيضاً إنه افتتح الخطاب بقوله {وأنا اخترتك} وهو غاية اللطف، وختم الكلام بقوله {فلا يصدّنك} إلى آخره وهو قهر تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه، وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف. قوله {وما تلك} مبتدأ وخبر و {بيمينك} حال منتصب بمعنى الإشارة أو الاستفهام. وجوّز الكوفيون أن يكون {تلك} اسماً موصولاً صلته {بيمينك} أي ما التي بيمينك. قيل: لم يقل بيدك لأنه يحتمل أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر وكان يلتبس عليه الجواب. أسئلة: ما الفائدة في هذا السؤال؟ جوابه أن الصانع الماهر إذا أراد أن يظهر من الشيء الحقير كقطعة من حديد شيئاً شريفاً كاللبوس المسرد عرضه على الحاضرين ويقول ما هذا حتى إنه بعد إظهار صنعته يلزمهم بقولهم ويقول: خذوا هذا من ذلك الذي قلتم فكأنه سبحانه قال لموسى: هل تعرف حقيقة ما في يمينك وأنه خشبة يابسة حتى إذا قلبه ثعباناً عظيماً كان قد نبهه على كمال قدرته الباهرة. وقال أهل الخطابة: إنه سبحانه لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ممازجاً باللطف والقهر والتكاليف تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له {وما تلك بيمنك يا موسى} ليعرف موسى أن يمينه هي التي فيها العصا. وأيضاً إنه لما تكلم معه بالكلم الإلهية وقرب موسى أن يدهش تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة لا لأن المسؤول عنه مما يقع فيه الغلط كما أن السائل لا يجوز عليه الغلط نظيره حال المؤمن في القبر يغلبه الوجل والخجل فيسأل عن أمر لا يشك فيه في الدنيا وهو التوحيد دفعاً للإيحاش وجلباً للاستئناس. وأيضاً لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر ما ذكر، فعرّفه الله تعالى أن فيها منافع أجل مما ذكر تنبيهاً على أن عقول البشر قاصرة عن خفيات الأمور لولا التوفيق والإرشاد. آخر: خاطب موسى بلا واسطة خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بواسطة جبرائيل، فيلزم أن يكون موسى أفضل. وجوابه المنع بدليل {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى} تفسير : [النجم: 10] وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سراً وكلامه مع محمد سر لم يستأهل له سواه. وأيضاً حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم؛ المصلي يناجي ربه، وفي الآخرة شرف التسليم والتسليم {أية : سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ} تفسير : [يس: 58]. وأيضاً إن موسى كان عند استغراقه في بحر المحبة متعلقاً بالعصا ومنافعها، ومحمد عليه السلام لم يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه {أية : ما زاغ البصر وما طغى} تفسير : [النجم: 17] بل كان فانياً عن الأغيار باقياً بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذٍ على قوله "حديث : أنت كما أثنيت على نفسك ". تفسير : وههنا نكت منها: أنه سبحانه لما أشار إلى العصا واليد بقوله {وما تلك بيمينك يا موسى} حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما - وهو الجماد - حيواناً والآخر - وهو الكثيف - نورانياً لطيفاً. ثم إنه تعالى ينظر في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حياً مستنيراً. ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حياً فكيف لا يصير قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن حياً! ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة كلهم فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء. ثم إن جواب موسى عليه السلام يتم بقوله {هي عصاي} إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة إلى درك الغرض. وقيل: هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر منافعها. وقيل: خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين. ومعنى {أتوكأ عليها} أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب يدور على الشد والإيثاق. {وأهش بها} أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله. والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه "رجل هش المكسر" أي سهل الشأن فيما يطلب من الحوائج وهو مدح "وهش الخبز" يهش بالكسر إذا كان ينكسر لرخاوته. قال المحققون: إن موسى عليه السلام كان يتوكأ على العصا ومحمد صلى الله عليه وسلم كان يتكل على فضل الله ورحمته قائلاً مع أمته {أية : حسبنا الله ونعم الوكيل} تفسير : [آل عمران: 173] فورد في حقه {أية : حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} تفسير : [الأنفال: 64] أي حسبك وحسب من اتبعك. وأيضاً إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله {أتوكأ عليها} ثم بمصالح رعيته بقوله {وأهش بها على غنمي} ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر أمته {أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} تفسير : [الأنفال: 33] "حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"تفسير : فلا جرم يقول موسى يوم القيامة "نفسي نفسي" ومحمد يقول "أمتي أمتي". ثم قال {ولي فيها مآرب} هي جمع المأربة بضم الراء الحاجة وقد تفتح الراء. وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً ومثله الأرب بفتحتين والإربة بكسر الهمزة وسكون الراء. وإنما قال {أخرى} لأن المآرب في معنى جماعة ونظيره الأسماء الحسنى. ومن آياتنا الكبرى قالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فتطول مكالمته وقالوا: انقطع بالهيبة كلامه فأجمل. وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والجراب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل، وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وقيل: إن موسى عليه السلام كان أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة فقال: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ولكنك لما سألت عنها وكلمتني بسببها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى. وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل. وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام. قلت: هذه الخوارق إن كانت بعد نبوة موسى فلا كلام، وإن كانت قبلها ففي صحة الرواية بُعْدٌ وإلا كان الأنسب تقديمها عند تعدد المنافع. وعلى تقدير صحتها فلعلها إرهاص أو من معجزات شعيب على ما يروى أنه كان قد أعطاها إياه. قال أهل النكت: إن موسى لما قال {ولي فيها مآرب أخرى} أراد الله سبحانه أن يعرّفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها و{قال ألقها يا موسى} وبوجه آخر كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب، فأمر بتركهما تنبيهاً على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان. وفيه أن موسى عليه السلام مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا، فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه؟! قال الكلبي: الاستطاعة قبل الفعل لأن القدرة على إلقاء العصا إما أن توجد والعصا في يديه فذاك قولنا، أو توجد وهي خارجة عن يده وذلك تكليف بأنه يلقي من يده ما ليس في يده. ويمكن أن يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا. قوله {أية : فإذا هي حية تسعى} تفسير : [الأعراف: 107] وفي موضع آخر {فإذا هي ثعبان} وفي آخر {أية : كأنها جان} تفسير : [النمل: 10] عبارات عن معبر واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم. وأما الثعبان - وهو العظيم من الحيات - والجان - وهو الدقيق منها - فبينهما تنافٍ في الظاهر لا في التحقيق، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة كالجان، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعباناً آخر الأمر. أو أنها كانت في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة حركة. والعجب أن موسى قال {أتوكأ عليها} فصدّقه الله تعالى في ذلك وجعلها متكئاً له بأن كانت أعظم معجزاته. وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ظهور الدلالة كهذه، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات. وأيضاً لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوّه؛ فالولي يستر العيوب والعدوّ يبرز المناقب في صورة المثالب، فكيف إذا وجد مجال طعن وقدح؟! وقد مر في "الأعراف" أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر، ولو أنه بلغ حينئذٍ مقام {أية : ففروا إلى الله} تفسير : [الذاريات: 50] لم يفر عن شيء. او لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله تعالى أنه بعد في نقص الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من الله وحده. فقد روي أنه لما قال له ربه: {لا تخف} بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها، قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري: ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة. وعن بعضهم أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها. قلت: يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا علل عدم خوفه بقوله {سنعيدها سيرتها الأولى} قال جار الله: السيرة من السير كالركبة من الركوب. يقال: سار فلان سيرة حسنة. ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة ومنه سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها الأولى حال ما كانت عصاً، أو يكون أعاد منقولاً بالهمزة من عاده بنزع الخافض بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ثانياً. ونصب {سيرتها} بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها. ثم قوى أمره بمعجزة ثانية فقال {واضمم يدك إلى جناحك} يقال: لكل ناحيتين جناحان ومنه جناحا العسكر وجناحا الإنسان لجنبهما. والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلهما. فقيل: المراد بالآية تحت العضد بدليل قوله {تخرج} وعن ابن عباس: معناه إلى صدرك. وضعف بأنه لا يطابقه قوله {تخرج} قلت: لا شك أن الصدر مستور بالقميص فيظهر عند ذلك معنى الخروج ويفسره قوله في موضع آخر {أية : وأدخل يدك في جيبك} تفسير : [النمل: 12] والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوءة. والبرص أبغض شيء عند العرب بحيث تمجه أسماعهم فكان جدير بأن يكنى عنه. ومعنى {بيضاء} أنها تنور كشعاع الشمس. قال في الكشاف: من غير سوء من صلة البيضاء كما تقول: ابيضت من غير سوء. قلت: لعله أراد أن "من" للتعليل أي ليس البياض هو السوء وإنما السبب غيره وحقيقته ترجع إلى الابتداء. و{بيضاء} و {آية} حالان معاً أو متداخلتان. واحتمل أن ينتصب آية بمضمر يدل عليه الكلام نحو "خذ ودونك". وقوله {لنريك} إما أن يتعلق بهذا المحذوف أو بمحذوف آخر أي لنريك {من آياتنا} فلعنا ما فعلنا. ولا يبعد عندي أن يتعلق بالأمرين المذكورين أي {ألقها} و {اضمم} لنريك قال الحسن: اليد في الإعجاز أعظم من العصا لأنه تعالى وصفها بالكبرى. وضعف بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون وأما في العصا ففيه تغير اللون والزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة، فالمراد لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى. وجوز في الكشاف أن يكون المراد لنريك بهما الكبرى من آياتنا. ويرد عليه لزوم أن تكون الآيات الكبرى منحصرة فيهما وليس كذلك فإن معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكبر من الكل، وكفاك بالقرآن شاهداً على ذلك. ثم صرح بالمقصود من المعجزات فقال {اذهب إلى فرعون} وخصه بالذكر لأن قومه تبع له. ثم بين العلة في ذلك فقال {إنه طغى} وعن وهب أن الله تعالى قال لموسى: استمع كلامي واحفظ وصيتي برسالتي فإنك بعيني وبسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر تقديسي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار شديدة، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولاً ليناً لا يغتر بلباس الدنيا، وإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل. قال: فسكت موسى سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك فعنده {قال رب اشرح لي صدري} قال علماء المعاني: أنهم أولاً بقوله {ربي اشرح لي} {ويسر لي} فعلم أن ثمة مشروحاً وميسراً. ثم بين فرفع الإبهام بذكر الصدر والأمر وكان أوكد من جهة الإجمال. ثم التفصيل كان في صدر موسى ضيق كما جاء في موضع آخر {أية : ويضيق صدري} تفسير : [الشعراء: 13] فسأل الله أن يبدل الضيق بالسعة حتى يفهم ما أنزل عليه من الوحي. وقيل: أراد شجعني على مخاطبة فرعون وعلى تحمل أعباء الرسالة. واعلم أن الكلام في الدعاء وشرائطه وفوائده وسائر ما يتعلق به قد سبق منا في "البقرة" في تفسير قوله سبحانه {أية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} تفسير : [الآية: 186]. ولنذكر ههنا نكتاً شريفة: الأولى أنه تعالى كامل في الأزل إلا أنه غير مكمل في الأزل لأن التكميل هو جعل الشيء كاملاً ولا شيء معه في الأزل فلا تكميل، وذلك كما يقال: "إنه سبحانه لا يعلم عدداً مفصلاً لحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه وحركات أهل الجنة غير متناهية فامتنع ذلك لا لقصور في العلم بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول. ولما كان الغرض من التكوين تكميل الناقصين، وكان الوجود أول صفة من صفات الكمال أجلس الله سبحانه على هذه المائدة بعض المعدومات، لأنه لو أجلس الكل عليها لدخل في الوجود ما لا نهاية له، ولانتهت القدرة الذاتية لامتناع إيجاد الموجود. وكما أن رحمته اقتضت وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون بعض حتى صار ذلك البعض حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير الشر فقال: الأحياء عند ذلك يا رب الأرباب شرفتنا بخلعة الوجود وخلعة الحياة، ولكن ازدادت حاجتنا لأنا - حال العدم وحال الجمادية - ما كنا نحتاج إلى الملائم والمخالف والموافق، وما كنا نخاف المنافي والمؤذي، والآن احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي، فإن لم يكن لنا قدرة على الهرب والطلب كنا كالزمن المعقد في الطريق عرضة للآفات وهدفاً لسهام البليات، فاقتضت الرحمة الكاملة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض المعدومات بالوجود وتخصيص بعض الموجودات بالحياة فقال: القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا للبهائم المسخرة في حمل الأثقال، فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك. فأعطى بعضهم العقل فحصل في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية ختامه مسك كما أن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كان أفضل المخلوقات، فنظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالحقة المملوءة من الجواهر بل كسماء مزينة بالزواهر وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بداية العقول وصرائح الأذهان، يهتدي بها السائرون في ظلمات بر الشكوك وبحر الشبهات، فاستدل العقل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على نقاش، فغلبته دهشة الأنوار الأزلية وكاد يغرق في بحر الفكر، ويضيق عليه نطاق التأمل والتدبر، ويقع في تجاذب أيدي الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الجن والإنس فعند ذلك قال: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري} فانتهاء جميع الحوادث اليه وتيسير الأمور الكلية والجزئية من عنده، وهو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته. الثانية: إنه تعالى خاطبه أولاً بالتوحيد {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} وثانياً بالعبادة {فاعبدني} وثالثاً بمعرفة المعاد {إن الساعة آتية} ورابعاً بمعرفة الحكمة في جملة أفعاله {وما تلك بيمينك} وخامساً بعرض المعجزات الباهرة عليه {لنريك من آياتنا الكبرى} وسادساً بإرساله إلى أعظم الناس كفراً وكانت هذه التكاليف الشاقة سبباً لضيق العطن وانحلال عقدة الصبر فلا جرم تضرع إلى الله سبحانه قائلاً {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري} وههنا دقيقة هي أن شرح الصدر. مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع مقدّمة الفهم. ولما أعطى موسى المقدّمة بقوله {فاستمع} نسج موسى على ذلك المنوال فقال {رب اشرح لي صدري} ولما آل الأمر إلى محمد وكان خاتم النبيين ومقصوداً من الكائنات ومخاطباً بقوله {أية : ألم نشرح لك صدرك} تفسير : [الشرح: 1] أوتي النتيجة فقيل له {أية : وقل ربي زدني علماً} تفسير : [طه: 114] ووصف بقوله {وسراجاً منيراً}[الأحزاب: 46] فشرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلاً للنور، والسراج المنير هو المعطي للنور: فالتفاوت بين موسى ومحمد عليهما السلام هو التفاوت بين الآخذ والمعطي ولهذا قال موسى: اللهم اجعلني من أمة محمد. الثالثة: إنه تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدهما وصف ذاته بالنور {أية : الله نور السموات والارض} تفسير : [النور: 35] وثانيهما الرسول {أية : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} تفسير : [المائدة: 15] وثالثهما الكتاب {أية : واتبعوا النور الذي أنزل معه} تفسير : [الأعراف: 157] ورابعها الإيمان {أية : يريدون أن يطفئوا نور الله} تفسير : [التوبة: 32] وخامسها عدل الله {أية : وأشرقت الأرض بنور ربها} تفسير : [الزمر: 69] وسادسها ضياء القمر {أية : جعل القمر فيهن نوراً} تفسير : [نوح: 16] وسابعها النهار {أية : وجعل الظلمات والنور} تفسير : [الأنعام: 1] وثامنها البينات {أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} تفسير : [المائدة: 44] وتاسعها الأنبياء {أية : نور على نور} تفسير : [النور: 35] وعاشرها المعرفة {أية : مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} تفسير : [النور: 35] فكأن موسى عليه السلام قال أوّلاً {رب اشرح لي صدري} بمعرفة أنوار جلال كبريائك. وثانياً {رب اشرح لي صدري} بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك. وثالثاً {رب اشرح لي صدري} باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك. ورابعاً {رب أشرح لي صدري} بنور الإيمان والإيقان بالهتيك. وخامساً{رب اشرح لي صدري} بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك. وسادساً {رب اشرح لي صدري} بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك كما فعله إبراهيم صلوات الرحمن عليه. وسابعاً {رب اشرح لي صدري} عن مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك. وثامناً {رب اشرح لي صدري} بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمائك. وتاسعاً {رب اشرح لي صدري} في أن أكون خلف صدق أنبيائك المتقدمين متشبهاً بهم في الانقياد لحكم رب العالمين. وعاشراً {رب اشرح لي صدري} بأن تجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح. الرابعة: شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج، ومستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء: زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن. فالزند زند المجاهد {أية : والذين جاهدوا فينا} تفسير : [العنكبوت: 69] والحجر حجر التضرع {أية : وادعوا ربكم تضرعاً وخيفةً} تفسير : [الأعراف: 55] والحراق منع الهوى {أية : ونهى النفس عن الهوى} تفسير : [النازعات: 40] والكبريت الإنابة {أية : وأنيبوا إلى ربكم} تفسير : [الزمر: 54] والمسرجة الصبر {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : [البقرة: 45] والفتيلة الشكر {أية : لئن شكرتم لأزيدنكم}تفسير : [ابراهيم: 7] والدهن الرضا {أية : واصبر لحكم ربك} تفسير : [الطور: 48] ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك بالتضرع والدعاء قائلاً {رب اشرح لي صدري} فهنالك تسمع {قد أوتيت سؤلك يا موسى}. الخامسة: هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه أحدها: الشمس يحجبها الغيم، وشمس المعرفة لا تحجبها السموات السبع {أية : إليه يصعد الكلم الطيب} تفسير : [فاطر: 10] وثانيها الشمس تغيب ليلاً وشمس المعرفة لا تغيب ليلاً {أية : إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً} تفسير : [المزمل: 6] {أية : والمستغفرين بالأسحار} تفسير : [آل عمران: 17] {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} تفسير : [الإسراء: 1] الليل للعاشقين ستير ياليت أوقاته تدوم وعند الصباح يحمد القوم السرى. وثالثها الشمس تفنى {أية : إذا الشمس كورت} تفسير : [التكوير: 1] والمعرفة لا تفنى {أية : أصلها ثابت وفرعها في السماء} تفسير : [ابراهيم: 24] {أية : سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ} تفسير : [يس: 58] ورابعها الشمس إذا قارنها القمر انكسفت وشمس توحيد المعرفة وهي "أشهد أن لا إله إلا الله" إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي "أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم" لم يصل نور إلى عالم الجوارح. وخامسها الشمس تسود الوجه والمعرفة تبيض الوجوه {أية : يوم تبيض وجوه} تفسير : [آل عمران: 106] وسادسها الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الإحراق "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" وسابعها الشمس تصدع والمعرفة تصعد {أية : إليه يصعد الكلم الطيب} تفسير : [فاطر: 10] وثامنها الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين {أية : فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} تفسير : [النحل: 97] وبوجه آخر الشمس زينة لأهل الأرض، والمعرفة زينة لأهل السماء. وتاسعها الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، وفيه أن الخيبة مع الترفع والشرف مع التواضع. وعاشرها الشمس تعرّف أحوال الخلق، والمعرفة تصل القلب إلى الخالق. والشمس تقع على الولي والعدوّ والمعرفة لا تحصل إلا للولي، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى بطلبه قائلاً {رب اشرح لي صدري}. السادسة: الشمس سراج أوقدها الله تعالى للفناء {أية : كل من عليها فان} تفسير : [الرحمن: 26] والمعرفة سراج استوقده للبقاء {أية : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} تفسير : [ابراهيم: 27] والذي خلقه للفناء إذا قرب منه الشيطان احترق {أية : يجد له شهاباً رصداً} تفسير : [الجن: 9] والذي خلقه للبقاء كيف يقرب منه الشيطان {رب اشرح لي صدري} وأيضاً: الشمس في السماء ثم إنها مع بعدها تزيل الظلمة عن بيتك، فشمس المعرفة مع قربها لأنها في قلبك أولى أن تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك. وأيضاً الإنسان إذا استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده، والله تعالى هو الموقد لسراج المعرفة {أية : ولكن الله حبب إليكم الإيمان} تفسير : [الحجرات: 7] أفلا يمده وهو معنى قوله {رب اشرح لي صدري}. وأيضاً إذا كان في البيت سراج فإن اللص لا يقرب منه، وإنه سبحانه قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه {رب اشرح لي صدري} وأيضاً المجوس إذا أوقدوا ناراً لا يجوزون إطفاءها، فالملك القدوس إذا أوقد سراج المعرفة في قلبك كيف يرضى بإطفائها {رب اشرح لي صدري}. السابعة: أنه سبحانه أعطى قلب المؤمن تسع كرامات أحدها {أية : أوَمَنْ كان ميتاً فأحييناه} تفسير : [الأنعام: 122] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحيا أرضاً ميتة فهي له"تفسير : فيعلم أنه لما خلق أرض القلب فأحياها بنور الإيمان لا يكون لغيره فيها نصيب. وثانيها الشفاء {أية : ويشف صدور قوم مؤمنين} تفسير : [التوبة: 14] وفيه أنه إذا وضع الشفاء في العسل بقيت تلك الخاصية فيه أبداً. فإذا وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى أبداً؟ وثالثها الطهارة {أية : أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} تفسير : [الحجرات: 3] وفيه أن الصائغ إذا امتحن الذهب فبعد ذلك لا يدخله في النار، فالله تعالى لما امتحن قلب المؤمن كيف يدخله النار بعده؟ ورابعها الهداية {أية : ومن يؤمن بالله يهد قلبه} تفسير : [التغابن: 11] وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك، والأول قد يحصل وقد لا يحصل {أية : إنك لا تهدي من أحببت} تفسير : [القصص: 56] وكذا الثاني {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} تفسير : [البقرة: 26] وأما هداية القلب فلا تزول ألبتة لأن الهادي لا يزول {أية : ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} تفسير : [القصص: 56] وخامسها الكتابة {أية : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} تفسير : [المجادلة: 22] وفيه أن القرطاس إذا كتب فيه القرآن لم يجز إحراقه، فقلب المؤمن الذي فيه القرآن وجميع أحكام ذات الله وصفاته كيف يليق بالكريم إحراقه؟ وأيضاً إن بشراً الحافي أكرم قرطاساً فيه اسم الله تعالى فنال سعادة الدارين، فإكرام قلب فيه معرفة الله أولى بذلك. وأيضاً إن القرطاس إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب والحائض مسه، فالقلب الذي فيه أكرم الموجودات كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه؟ وسادسها {أية : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} تفسير : [الفتح: 4] وفيه أن أبا بكر لما نزلت عليه السكينة في الغار قيل له لا تحزن إن الله معنا. فالمؤمن إذا نزلت السكينة في قلبه لا بد أن يقال له عند قبض الروح: لاتخف ولا تحزن كما قال {أية : تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا} تفسير : [فصلت: 30] وسابعها المحبة والزينة كما قال {أية : ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} تفسير : [الحجرات: 6] وفيه أن الدهقان إذا ألقى في الأرض حبة فهو لا يفسدها ولا يحرقها، فهو سبحانه حين ألقى حبة المحبة في أرض القلب كيف يحرقها؟ وثامنها {أية : وألف بين قلوبكم} تفسير : [آل عمران: 103] وفيه أن محمداً حين ألف بين قلوب أصحابه ما تركهم غيبة ولا حضوراً سلام " علينا وعلى عباد الله الصالحين" فأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين كيف يتركهم {أية : سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم} تفسير : [يس: 58] وتاسعها الطمأنينة {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب} تفسير : [الرعد: 21] وفيه أن الحاجات غير متناهية وما سوى الله فهو متناه، المتناهي لا يقابل غير المتناهي. فالكافي للمهمات لا يكون إلا من له كمالات غير متناهيات فلا يزيل قلق الحوائج واضطراب الأماني إلا الله سبحانه، وبإزاء هذه الكرامات ورد في حق الكفار أضدادها {أية : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} تفسير : [الصف: 5] {أية : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} تفسير : [التوبة: 127] {أية : في قلوبهم مرض} تفسير : [البقرة: 10] {أية : قلوبهم قاسية} تفسير : [المائدة: 13] {أية : إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه} تفسير : [الكهف: 57] {أية : وختم الله على قلوبهم} تفسير : [البقرة: 7] {أية : أم على قلوب أقفالها} تفسير : [محمد: 24] {أية : بل ران على قلوبهم} تفسير : [المطففين: 14] {أية : طبع الله على قلوبهم} تفسير : [النحل: 108] فلأجل تلك الكرامات والهرب من أضدادها قال موسى {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري}. الثامنة: في حقيقة شرح الصدر وذلك أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا إلا رغبة بأن يكون متعلق القلب الأهل والولد وتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم، ولا رهبة بأن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإن القوة البشرية لضعفها كينبوع صغير، فإذا وزعت على جداول كثيرة ضعف الكل وضاعت وإذا انصب الكل في موضع واحد ظهر أثرها وقويت فائدتها، فسأل موسى ربه أن يوقفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها ليكون متوجهاً بالكلية إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات وهذا معنى قوله {رب اشرح لي صدري}. أو نقول: إنه لما كلف بضبط الوحي في قوله {فاستمع لما يوحى} وبالمواظبة على خدمة الخالق في قوله {فاعبدني} فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر فسأل موسى ربه قوة وافية بالطرفين فقال {رب اشرح لي صدري} أو نقول: معدن النور هو القلب، والاشتغال بما سوى الله - من الزوجة والولد والصديق والعدوّ بل الجنة والنار - هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر، فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه كالذباب والبق والبعوض فلا يدعوه رغبة إلى شيء مما يتعلق بالدنيا ولا رهبة من شيء من ذلك فيصير الكل عنده كالعدم فعند ذلك يزول الحجاب وينفسخ القلب بل الصدر للنور {رب اشرح لي صدري}. التاسعة: لنضرب مثلاً لذلك فنقول: البدن بالكلية كالمملكة، والصدر كالقلعة، والفؤاد كالصفة، والقلب كالسرير، والروح كالملك، والعقل كالوزير، والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة، والغضب كالاسفهيد الذي يشتغل بالضرب، والتأديب والحواس كالجواسيس، وسائر القوى كالمحترفين والعملة والصناع. ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده، فإذا أخرج الروح وزيره وهو العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله تعالى والهوى إلى الشيطان. ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا، والشهوة تحسن لذات الدنيا. ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما قال "تفكر ساعة خيرمن عبادة سنة" فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فأخرج الشيطان بإزائه العجلة والسرعة فلهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه"تفسير : وخلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة. ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا، وله سور وهو الرغبة في الآخرة. فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا، وإن كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة، وينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه، ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح وانشرح {رب اشرح لي صدري}. النكتة العاشرة: في الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب. الصدر مقر الإسلام {أية : أفمن شرح الله صدره للإسلام} تفسير : [الزمر: 22] والقلب مقر الإيمان {أية : حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} تفسير : [الحجرات: 7] {أية : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} تفسير : [المجادلة: 22] والفؤاد مقر المشاهدة {أية : ما كذب الفؤاد ما رأى} تفسير : [النجم: 11] واللب مقام التوحيد {أية : إنما يتذكر أولوا الألباب} تفسير : [الزمر: 9] أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي وبقوا بلب الوجود الحقيقي. ثم إن القلب كاللوح المحفوظ في العالم الصغير فإذا ركب العقل سفينة التوفيق وألقاها في بحار أمواج المعقولات من عالم الروحانيات هبت من مهاب العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الأدبار أخرى، فحينئذٍ يضطر الراكب إلى التماس أنوار الهدايات وطلب انفتاح أبواب السعادات فيقول {رب اشرح لي صدري} وإنما سأل موسى شرح الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس. وأيضاً شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والجواد يكفيه الإشارة، فإذا علم أنه طالب للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة. وأيضاً إنه راعى الأدب في الطلب فاقتصر على طلب الأدنى. فلا جرم أعطى المقصود فقال {قد أتيت سؤلك يا موسى} وحين اجترأ في طلب الرؤية بقوله {أية : أرني أنظر إليك} تفسير : [الأعراف: 143] أجيب بقوله {لن تراني}. واعلم أن جميع المهيئات الممكنة كالبلور الصافي الموضع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت له نسبة إليها بأسرها، فينعكس شعاع كبرياء الإلهية من كل واحد منها إلى القلب فيحرق القلب. ومعلوم أن المحرق كلما كان أكثر كان الاحتراق أتم، فلهذا قال موسى {رب اشرح لي صدري} حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات وأصل إلى مقام الاحتراق بأنوار الجلال كما نبينا صلى الله عليه وسلم "أرني الأشياء كما هي" وههنا دقيقة وهي أن موسى لما زاد لفظة {لي} في قوله {رب اشرح لي} دون أن يقول "رب اشرح صدّري" علم أنه أراد أن تعود منفعة الشرح إليه فلا جرم يقول يوم القيامة "نفسي نفسي" وإن نبينا صلى الله عليه وسلم لما لم ينس أمته في مقام القرب إذ قيل له "السلام عليك أيها النبي" فقال: حديث : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، تفسير : فلا جرم يقول يوم القيامة "حديث : أمتي أمتي"تفسير : وشتان ما بين نبي يتضرع إلى الله ويقول {رب اشرح لي صدري} وبين نبي يخاطب أولاً بقوله {أية : ألم نشرح لك صدرك} تفسير : [الشرح: 1]. ولا يخفى أن المراد بالشرح والتيسير عند أهل السنة هو خلقهما، وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة، فإنه يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال. أما قوله سبحانه {واحلل عقدةً من لساني} فاعلم أن النطق فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال {أية : خلق الإنسان علمه البيان} تفسير : [الرحمن:3 - 4] بغير توسط العاطف كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان. وفي لسان الشاعر وهو زهير: شعر : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم. تفسير : وعن علي كرم الله وجهه: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة. وقال العقلاء: المرء بأصغريه. المرء مخبوء تحت لسانه. وفي مناظرة آدم والملائكة لم تظهر الفضيلة إلا بالنطق. ومن التعريفات المشهورة: إن الإنسان هو الحيوان الناطق، وهذا النطق وإن كان في التحقيق هو إدراك المعاني الكلية لكن النطق اللساني لا ريب أنه أظهر خواص الآدمي وقد نيط به أمر تمدنه والتعبير عما في ضميره فقول موسى {رب اشرح لي صدري} إشارة إلى طلب النور الواقع في القلب، وقوله {ويسر لي أمري} رمز الى تسهيل ذلك التحصيل، وقوله {واحلل} طلب لسهولة أسباب التكميل لأن اللسان آلة إلافاضة والإفادة وبه يتيسر ذلك الخط الجسيم والمنصب العظيم. شعر : وحسبك يا فتى شرفاً وفخراً سكوت الحاضرين وأنت قائل تفسير : ومن الناس من مدح الصمت بوجوه منها: قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصمت حكمة وقليل فاعله"تفسير : وقوله: مقتل الرجل بين فكيه. وفي نوابغ الكلم: يا بني قِ فاك لا تقرع قفاك. ومنها أن الكلام خمسة أقسام: فالذي ضرره خالص أو غالب أو مساوٍ للنفع واجب الترك احترازاً من السفه والعبث، والذي نفعه خالص أو غالب عسر المراعاة فالأولى تركه. ومنها أنه ما من موجود أو معدوم معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله بإثبات أو نفي بحق أو بباطل، بخلاف سائر الأعضاء. فالعين لاتصل إلا إلى الألوان والسطوح، والأذن لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلا إلى الأجسام، وكذا باقي الجوارح. أما اللسان فإنه رحب الميدان واسع المضطرب خفيف المؤنة سهل التناول لا يحتاج إلى آلات وأدوات للمعصية به فكان الأولى ترك الكلام وإمساك اللسان. والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والنطق في نفسه فضيلة، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل فيرجع الحق إلى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم"تفسير : قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء: الصمت وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم "مال ناطق أو صامت". والسكوت وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والإنصات هو السكوت مع استماع قال تعالى {أية : فاستمعوا له وأنصتوا} تفسير : [الأعراف: 204] والإصاخة وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد. أما العقدة فقيل: إنها كانت في أصل خلقته وعن ابن عباس أنه في حال صباه أخذ بلحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال: هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وإن شئت فامتحنه بالتمرة والجمرة. وقيل: بالياقوت والجمر. فأحضرا بين يديه فأراد مد اليد إلى الياقوت فحول جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فظهر به تعقد وتحبس عن بعض الحروف. فإن صحت هذه الرواية فالنار إنما أحرقته وأثرت فيه إطفاء لثائرة غضب فرعون وإلا فالله سبحانه قادر على دفع الإحراق عن طبع النار كما في حق إبراهيم صلوات الرحمن عليه، وكما في حق موسى حين ألقي في التنور. ويروى أن يده احترقت أيضاً وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم يبرأ ولما دعاه قال: الي أيّ رب تدعوني؟ قال: إلى الذين أبرأ يدي وقد عجزت عنها. وعن بعض العلماء أنه لم تبرأ يده لئلا ينعقد بينه وبين فرعون حرمة المؤاكلة من قصعة واحدة. وقيل: لم تحرق يده لأن الصولة ظهرت باليد، وإنما احترق اللسان لأنه خاطبه بقوله "يا أبت". وما الحكمة في طلب حل العقدة؟ الأظهر كيلا يقع في أداء الرسالة خلل فلهذا {قال يفقهوا قولي} وقيل: لأن العقدة في اللسان قد تقتضي الاستخفاف بالقائل وعدم الالتفات إليه. وقيل: إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً له فكذا إطلاق لسان موسى كان معجزاً في حقه. وهل زالت تلك العقدة بالكلية؟ فعن الحسن نعم لقوله {قد أوتيت سؤلك يا موسى} والأصح أنه بقي بعضها لقوله تعالى حكاية عن فرعون {أية : أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} تفسير : [الزخرف: 52] أي يقارب أن لا يبين. وكان في لسان الحسين بن علي رضي الله عنه رتة أي عجمة في الكلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ورثها من عمه موسى تفسير : . وفي تنكير عقدة أيّ عقدة من عقد دلالة على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهماً جيداً ولم يطلب الفصاحة الكاملة. وقال أهل التحقيق: وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد صلى الله عليه وسلم فكان أفصح العرب والعجم وقد قال تعالى {أية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} تفسير : [الإسراء: 34] فلما كان ذلك حقاً ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله. ومن مطالب موسى قوله {واجعل لي وزيراً من أهلي هرون} قال أهل الاشتقاق: الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنة، أو من الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه أموره، أو من الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله تعالى {اشدد به أزري} أي ظهري لأنه محل القوة. قال الجوهري: آزرت فلاناً أي عاونته، والعامة تقول: وازرته. وعلى هذا فيكون القياس أزيراً بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه القلب حمل "فعيل على "مفاعل" لاتحاد معنييهما في نحو "عشير" و "جليس" و "صديق" وغيرها. وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر والاستعانة بالوزير وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء وقد استحسنه نبينا صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه عليه، وإن أراد شراً كفه"تفسير : وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير. وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخراً وشرفاً وذكراً أن النبي صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى الله سبحانه في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه، فيجب على من أوتي هذه الرتبة أن يؤدي إلى الله حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها، ويزرع في أرض الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده. وقيل: إن موسى خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين. والأظهر أنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن التهمة وأعون على الغرض، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال {أية : من أنصاري إلى الله} تفسير : [الصف: 14] وخوطب نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله {أية : يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} تفسير : [الأنفال: 64] وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن لي في السماء وزيرين وفي الارض وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر"تفسير : ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقاً بأخيه هارون فأراد أن يخصه بهذا المنصب الشريف قضاء لحقوق الإخاء، فمن منع المستوجبين فقد ظلم وكان أفصح منه لساناً وأكبر سناً وألين جانباً. قال جار الله: {وزيراً} و {هرون} مفعولاً {اجعل} قدم ثانيهما عناية بأمر الوزارة، أو {لي} و {وزيراً} مفعولان {هرون} عطف بيان للوزير و {أخي} في الوجهين بدل من {هرون} أو عطف بيان آخر. وقيل: يجوز فيمن قرأ {اشدد} على الأمر أن يجعل {أخي} مرفوعاً على الابتداء و{اشدد} خبره فيوقف على {هرون} وشد الأزر به عبارة عن تقويته به وأن يجعله ناصراً له فيما عسى يرد عليه من الشدائد والخطوب، بل يجعله وسيلة له في أمر النبوة وطريق الرسالة لأنه صرح بذلك في قوله {وأشركه في أمري}. ثم ذكر غاية الأدعية فإن المقصد الأسنى هو الاستغراق في بحر التوحيد ونفي الإشراك، فإن التعاون مهيج الرغبات ومسهل سلوك سبل الخيرات فقال {كي نسبحك كثيراً} أي تسبيحاً كثيراً {ونذكرك} ذكراً {كثيراً} وقدم التسبيح وهو التنزيه لأن النفي مقدم على الإثبات، فبالأول تزول العقائد الفاسدة، وبالثاني ترتسم النقوش الحسنة المفيدة. ثم ختم الأدعية بقوله {إنك كنت بنا بصيراً} وفيه فوائد منها: أنه فوض استجابة الدعوات إلى عمله بأحوالهما وأنهما يصدد أهلية الإجابة أم لا، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى. ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمه وأنه مفتقر إلى التعاون والتعاضد ولهذا سأل ما سأل. ومنها أنه أعلم بأحوال أخيه هل يصلح لوزارته أم لا، وأن وزارته هل تصير سبباً لكثرة التسبيح والذكر. وحين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله تعالى مطالبه وأنجح مآربة قائلاً {قد أوتيت سؤلك} والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول. وزيادة قوله {يا موسى} بعد رعاية الفاصلة لأجل كمال التمييز والتعيين والله أعلم. بمصالح عبيده. التأويل: يا من طاب بطهارته بساط النبوة {ما أنزلنا عليك القرآن} إلا لتسعد بتخلقك بخلقه ويسعد بسببك الأولون والآخرون من أهل السموات وأهل الأرضين. {تنزيلاً ممن خلق} أرض بشريتك وسموات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات الممكنات كما قال "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : . استوى بصفة الرحمانية على عرش قلبك ليكون معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل: {له ما في السموات} الروحانية من الصفات الحميدة {وما في الأرض} البشرية من الصفات الذميمة {وما بينهما} أي بين سماء الروح وأرض النفس وهو القلب بما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص {وما تحت الثرى} أي ما هو مركوز في جبلة الإنسانية: {وإن تجهر بالقول} أن يظهر شيء من صفاتك بالقول {فإنه يعلم السر} وهو ما يظهر من سيرتك {وأخفى} هو ما أخفى الله من خفيك. السر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح، وهو معدن الأسرار الروحانية. والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات، وقد يحصل لكل إنسان عند نشأته الأولى وإن كان كافراً. والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمن موحد صار مهبط الأنوار الربانية وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية، ولهذا قال عقيبه {الله لا إله إلا هو} لأن مظهر الألوهية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر {أية : وعلم آدم الأسماء كلها} تفسير : [البقرة: 31] وهو حقيقة قوله "حديث : إن الله خلق آدم فتجلى فيه" تفسير : {وهل أتاك حديث موسى} القلب {إذ رأى ناراً} [طه: 10] وهو نور في الحقيقة مأنوس به من جانب طور الروح {فقال لأهله} وهم النفس وصفاتها {امكثوا} في ظلمة الطبيعة الحيوانية {إني آنست} نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي شيئاً {لعلي آتيكم منها بقبس} يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة {أو أجد على النار هدى} بآداب الطريقة إلى الحقيقة {فلما أتاها نودي} من شجرة القدس بخطاب الإنس {فاخلع نعليك} أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن النعل يعبر في الرؤيا بهما، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل الى جناب القدس، أو هما المقدمتان في نحو قولنا "العالم محدث وكل محدث فله محدث وموجد" وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل {وأنا اخترتك} يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح {فاستمع} بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى إلا أنا {فاعبدني} بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري إياك بالتجلي. إن قيامة العشق {آتية أكاد أخفيها} لعظم شأنها إلا أن متقاضى الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي {لتجزى كل نفس بما تسعى} في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إليّ أمكن إضافة {أية : ونفخت فيه من روحي} تفسير : [ص: 72] فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه. وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق. وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية، فجزاؤه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه {أية : ارجعي إلى ربك} تفسير : [الفجر: 28] وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها. ويحتمل أن يقال: أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار. قالوا: أخطأ موسى في قوله {هي عصاي} وكان عليه أن يقول "أنت أعلم بحالها مني" وفي قوله {أتوكأ عليها} وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له {ألقها يا موسى} وفي قوله {وأهش بها على غنمي} إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله. {خذها ولا تخف} فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به {واضمم} يد همتك إلى جناح قنوعك {تخرج بيضاء} نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير. وفي قوله {قد أوتيت} بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب.

الثعالبي

تفسير : قولُه سبحانه وتعالَى: {طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} قيل: طه: آسْمٌ من أَسْمَاءِ نَبِيِّنَا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم وقِيلَ: معناه: يا رَجُلُ؛ بالسُّرْيَانِيّة، وقِيلَ: بغيرها مِنْ لُغَاتِ العَجَمِ. قال البخاريُّ: قال ابن جُبَيْرٍ: {طه}: يا رجلُ، بالنَّبطِيَّة. انتهى. وقيل: إنها لغةٌ يَمَانِيةٌ في «عَكَّ»؛ وأَنشد الطبريُّ في ذلك: [الطويل] شعر : دَعَوْتُ بـــ «طَه» فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِب فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُوَائِلاَ تفسير : وقال آخرُ: [البسيط] شعر : إنَّ السَّفَاهَةِ ـــ طه ـــ مِنْ خَلاَئِقِكُم لاَ بَارَكَ اللّهُ فِي الْقَوْمِ المَلاَعِينِ تفسير : وقالت فِرْقَةٌ من العُلَمَاءِ: سَبَبُ نزولِ هذه الآية أَن قريشاً لما نظرت إلى عيش النبي صلى الله عليه وسلم وشَظَفِه وكَثْرة عِبَادَته؛ قالت: إن محمداً مع ربِّه في شقاءٍ فنزلت الآيةُ؛ رادَّةً عليهم. وأسند عِيَاضٌ في «الشفا» من طريق أَبِي ذَرٍّ الهروي، عن الرَّبِيعِ بن أَنَسٍ قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا صَلَّى، قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الأُخْرَىٰ، فأنْزَل اللّه؛ {طه} يعني: طَإ الأَرْضَ يَا محمدُ، {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ} ولاَ خَفاءَ بمَا في هذا كله من الإكْرام له صلى الله عليه وسلم وحُسْن المعاملة. انتهى. قال * ص *: {لِتَشْقَىٰ * إِلاَّ تَذْكِرَةً} عِلَّتانِ لِقَوْلِه: {مَا أَنزَلْنَا}. انتهى. وقد تقدم القولُ في مَسْأَلَةِ الاسْتِوَاء، وباقي الآية بيّن. قال ابنُ هِشَام: قوله تعالى: {وَإِن تَجْهَرْ بِـٱلْقَوْلِ} أيْ: فاعلم أَنه غَنِيٌّ عن جهرك؛ {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}، فالجوابُ مَحذُوفٌ. انتهى.

ابن عادل

تفسير : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). قوله تعالى: "طَهَ" قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وكسرهما جميعاً حمزة والكسائي وأبو بكر والباقون بفتحهما. قال الزجاج: وتقرأ "طَهْ" بفتح الطاء وسكون الهاء، وكلها لغات. قال الزجاج: من فتح الطاء والهاء، فلأن ما قبل الألف مفتوح. ومن كسر الطاء والهاء أمال إلى الكسر، لأن الحرف مقصور، والمقصور يغلب عليه الإمالة إلى الكسر. فصل قد تقدم الكلام في الحروف المقطعة أول الكتاب، وفي هذه، وفي هنا قولان، الصحيح أنها من ذلك. وقيل: إنه مفيد. فقال الثعلبي: (طَا) شجرة طوبى (والهاء) الهاوية. فكأنه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي. وقيل: يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة. وقيل: (الطاء) تسعة في الحساب، و (الهاء) خمسة يكون أربعة عشر، ومعناه يا أيها البدر، وقيل غير ذلك. فصل قيل: معنى (طَهَ) يا رَجُل، وهو مرويّ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد ابن جبير، وقتادة، وعكرمة، والكلبي، ثم قال سعيد بن جبير: بالنبطية، وقال قتادة: بالسريانية، (وقال عكرمة): بالحبشية، وقال الكلبي: بلغة عك، وقيل: عُكْلٌ، وهي لغة يمانية. وقال الكلبي: إنك لو قلت في عَك، يا رَجُل لم تجب حتى تقول: طَهَ. وقال الطَّبَري: طَهَ في عَك بمعنى يا رجل، وأنشد قولَ شاعرهم: شعر : 3637- دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَوَائِلاَ تفسير : وقول الآخر: شعر : 3638- إنَّ السَّفَاهَةَ طَهَ فِي خَلاَئِقِكُمْ لاَ قَدَّسَ اللهُ أرْوَاحَ المَلاَعِينِ تفسير : قال الزمخشري: وأثر الصنعة ظاهر في البيت المستشهد به. وقال السُّدِّي: معناه يا فلان. وقال الزمخشري أيضاً: ولعل عكًّا تصرفوا في "يَا هَذَا" كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في (يَا هَذَا): طَا هَذَا، واختصروا (هذا) (فاقْتَصَرُوا عَلَى هَا). فكأنَّه قيل في الآية الكريمة: يَا هَذَا، وفيه بُعْدٌ كبير. واعترض عليه بعضهم فقال: لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طَاهَا. قال أبُو حيَّان: ثم تخرص وحرز على عَكَّ ما لم يقله نحوي، وهو أنهم يقلبون "ياء" التي للنداء (طاء)، ويحذفون اسم الإشارة ويقتصرون منه على (ها) التي للتنبيه وقيل: (طَهَ أصله): طأها بهمزة، (طَأْ) أمر، من وطىء يطأ، و (ها) ضمير مفعول يعود على الأرض، ثم أبدل الهمزة لسكونها ألفاً ولم يحذفها في الأمر نظراً إلى أصلها، أي: طأ الأرض بقدميْكَ، وقد جاء في الحديث: "حديث : أنَّهُ قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاه"تفسير : . وقرأ الحسن، وعكرمة، وأبو حنيفة، وورش في اختياره "طه" بإسقاط الألف بعد الطاء، و (هاء) ساكنة وفيها وجهان: أحدهما: أن الأصل (طأ) بالهمزة، أمراً أيضاً من وَطِىء يَطَأ، ثم أبدلت الهمزة هاء كإبدالهم لها في: هرقت، وهرحت، وهنرت، والأصل: أرقت، وأرحت، وأنرت. والثاني: أنه أبدل الهمزة ألفاً، كأنه أخذه من وطىء يطأ بالبدل كقوله: شعر : 3639-.......................... .......... لاَ هَنَاكِ المَرْتَعُ تفسير : ثم حذف الألف حملاً للأمر على المجزوم، وتناسباً لأصل الهمز ثم ألحق هاء السكت، وأجرى الوصل مجرى الوقف وقد تقدم في أول يونس الكلام على إمالة "طا" و "ها". قوله: "أنْزَلْنَا" هذه قراءة العامة. وقرأ طلحة: "مَا نُزِّلَ" مبنياً للمفعول "القُرْآن" رفع لقيامه مقام فاعله. وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة إن جعلت "طَهَ" تعديداً لأسماء الحروف. ويجوز أن تكون خبراً لـ (طَهَ) إن جعلتها اسماً للسورة، ويكون القرآن ظاهراً واقعاً موقع المضمر؛ لأنَّ (طه) قرآن أيضاً، ويجوز أن تكون (جواب قسم) إنْ جعلت (طَهَ) مقسماً به. وقد تقدَّم تفصيل ذلك. فصل قال الكلبي: لمَّا أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يخفف على نفسه فقال: {مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]. وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا: إنَّك لتشقى حين تركت دين آبائك أي: لتتعنَّى وتَتْعَب وما أنزل عليك القرآن يا محمد لشقائك، فنزلت: {مَا أنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْءَانَ لِتَشْقَى}. وأصلُ الشقاء في اللغة العناء. وقيل المعنى: إنَّك لاَ ترم على كفر قومك كقوله: {لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} وقوله {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} تفسير : [الأنعام: 107]، أي: إنك لا تؤاخذ بذنبهم. وقيل: إنَّ هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وكان عليه السلام في ذلك الوقت مقهوراً تحت ذل الأعداء، فكأنه تعالى قال: لا تظن أنَّك تبقى أبداً على هذه الحالة، بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيًّا فيما بينهم بل لتصير معظماً مكرماً. قوله: "إِلاَّ تَذْكِرَةً" في نصبه أوجه: أحدها: أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه فعل الإنزال، وكذلك "لِتَشْقَى" علة له أيضاً، ووجب مجيء الأول مع اللام، لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاته شريطة الانتصاب على المفعولية. والثاني: جاز قطع اللام عنه ونصبه، لاستجماعه الشرائط هذا كلام الزمخشري، ثم قال: فإن قلت: هل يجوز أن تقول: "مَا أنْزَلْنَا أنْ تَشْقى"، كقوله: {أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُم} قلت: بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه}، وأما النصبةُ في "تَذْكِرَةً" فهي كالتي في ضربتُ زيداً، لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها. قال شهاب الدين: قد منع أبو البقاء أن يكون "تَذْكِرَةً"، مفعولاً له لـ "أنْزَلْنَا" المذكورة لأنها قد تعدت إلى مفعول له وهو "لِتَشْقَى" فلا تتعدى إلى آخر من جنسه. وهذا المنع ليس بشيء، لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين فأكثر، وإنما هذا بناءً منه على أنه لا يقتضي العامل من هذه الفضلات إلا شيئاً واحداً إلا بالبدلية أو العطف. الثاني: أن تكون "تَذْكِرَةً" بدلاً من محل "لِتَشْقَى" وهو رأي الزجاج، وتبعه ابن عطية، واستبعده أبو جعفر، ورده الفارسي، بأن التذكرة ليست بشقاء وهو رد واضح. وقد أوضح الزمخشري هذا فقال: فإن قلت هل يجوز أن تكون "تَذْكِرَةً" بدلاً من محل "لِتَشْقَى"؟ قلت: لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي (إلاَّ) إلا بمعنى (لكن). قال أبو حيان: يعني باختلاف الجنسين أن نصبه "تَذْكِرَةً" نصبة صحيحة ليست بعارضة، والنصبة التي تكون في "لِتَشْقَى" بعد نزع الخافض نصبة عارضة، والذي نقول إنه ليس له محل ألبتة فيتوهم البدل منه. قال شهاب الدين: ليس مراد الزمخشري باختلاف الجنسين إلا ما نقل عن الفارسي رداً على الزجاج، وأي أثر لاختلاف النصبتين في ذلك. الثالث: أن يكون نصباً على الاستثناء المنقطع أي: لَكِنْ أَنْزَلْنَا تَذْكِرَةً. الرابع: أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر، أي: لكن ذكرنا، أو تذكرتَه أنت تذكرةً. وقيل التقدير: مَا أنْزَلْنَا عَلْيكَ القرآن لتحملَ متاعبِ التبليغ إلا ليكون تذكرة، كما يقال: (مَا شَافَهْنَاكَ بِهَذَا الكلامَ لِتَتَأَذَّى إِلاَّ ليَعْتَبِر بكَ غَيْركَ). الخامس: أنه مصدر في موضع الحال، أي إلا مُذَكِّراً. السادس: أنه بدل من القرآن، ويكون القرآن هو التذكرة. قاله الحوفي. السابع: أنه مفعول له أيضاً، ولكن العامل فيه "لِتَشْقَى"، ويكون المعنى كما قال الزمخشري: إنَّا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ القرآنَ لِتتحمَّلَ متاعب التبليغ، ومقاومة العتاة من أعداء الإسلام ومقابلتهم، وغير ذلك من أنواع المشاق، وتكاليف النبوة وما أنزلنا هذا المُتْعِب الشاق إلاَّ ليكون تَذْكِرَةً. وعلى هذا الوجه يجوز أن تكون تَذْكِرَةً حالاً ومفعولاً له. انتهى. فإن قيل: من أين أخذت أنه لمَّا جعله حالاً ومفعولاً له أن العامل فيه "لِتَشْقَى"، وما المانع أن يريد بالعامل فيه فعل الإنزال؟ فالجواب: أن هذا الوجه قد تقدَّم له في قوله: وكل واحد من "لِتَشْقَى"، و "تَذْكِرَةً" علة للفعل، وأيضاً فإن تفسيره للمعنى المذكور منصَبٌّ على تسلط "لِتَشْقَى" على "تَذْكِرَةً" إلا أنَّ أبا البقاء لما لم يظهر له هذا المعنى الذي ظهر للزمخشري منع من عمل "لِتَشْقَى" في "تَذْكِرَةً"، فقال: ولا يصح أن يعمل فيها "لِتَشْقَى" لفساد المعنى وجوابه: ما تقدَّم. (ولا غرو في تسمية التعب شقاءً)، قال الزمخشري: والشقاء يجيء في معنى التعب، ومنه المثل: أَتْعَبُ مِنْ رَائِضِ مُهْرٍ، وأشْقَى من رائضِ مُهْرٍ. و "لِمَنْ يَخْشَى" متصل بـ "تَذْكِرَةً" وزيدت اللام في المفعول، تقوية للعامل لكونه فرعاً. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة لـ "تَذْكِرة". وخصَّ مَنْ يَخْشَى بالتذكر، لأنهم المنتفعون بها، كقوله: "هُدًى لِلْمُتَّقين". قوله: "تَنْزِيلاً" في نصبه أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من "تَذْكِرَةً" إذا جعل حالاً لا إذا كان مفعولاً، لأن الشيء لا يعلِّلُ بنفسه، لأنه يصير التقدير: مَا أنْزَلْنَا القرآنَ إِلاَّ لِلتَّنْزِيل. الثاني: أن ينتصب بـ "نزل" مضمراً. الثالث: أن ينتصب بـ "أنْزَلْنَا"، لأن معنى ما أنْزَلْنَا إلاَّ تذكرة: أنْزَلْنَاهُ تَذْكِرَةً. الرابع: أن ينتصب على المدح والاختصاص. الخامس: أن ينتصب بـ "يَخْشَى" مفعولاً به، أي أنزله للتذكرة لِمَنْ يَخْشَى تنزيلَ الله، وهو معنى حسن وإعراب بيِّن. قال أبو حيان: والأحسن ما قدَّمناه أولاً من أنَّه منصوب بـ "نَزَل" مضمرةً، وما ذكره الزمخشري من نصبه على غيره فمتكلف: أما الأول ففيه جعل "تَذْكِرَةً" و "تَنْزِيلاً" حالين وهما مصدران، وجعل المصدر حالاً لا ينقاس. وأيضاً فمدلول "تَذْكِرَةً" ليس مدلولاً "تَنْزِيلاً"، ولا "تَنْزِيلاً" بعض "تّذْكِرَةً" فإن كان بدلاً فيكون بدلَ اشتمال على مذهب من يرى أن الثاني مشتمل على الأول؛ لأن التنزيل مشتمل على التذكرة، وغيرها. وأما قوله: لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنْزَلناهُ تَذْكِرَةً، فليس كذلك، لأن معنى الحصر يفوت في قوله: "أنزلناه تذكرةً. وأما نصبه على المدح فبعيد. وأمَّا نصبه على "يَخشَى" ففي غاية البُعد، لأن "يَخْشَى" رأس آية وفاصلة فلا يناسب أن يكون "تَنْزِيلاً" منصوباً بـ "يَخْشَى"، وقوله: وهو معنى حسن وإعراب بيِّن عجمة وبُعْدٌ عن إدراك الفصاحة. قال شهاب الدين: ويكفيه رد الشيء الواضح من غير دليل ونسبة هذا الرجل إلى عدم الفصاحة ووجود العجمة. قوله: "مِمَّنْ خَلَقَ". يجوز في (مِنْ) أن يتعلق بـ "تَنْزِيلاً"، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "تَنْزِيلاً". وفي "خَلَقَ" (التفات) من تكلُّم في قوله: "مَا أنْزَلْنَا" إلى الغيبة وجوز الزمخشري أن يكون "مَا أنْزَلْنَا" حكاية لكلام جبريل عليه السلام وبعض الملائكة فلا التفات على هذا. قوله: "العُلَى" جمع عُلْيَا، نحو دُنْيَا ودُنًى، ونظيره في الصحيح كُبْرَى وَكُبَر، وفُضْلَى وفُضَل، يقال سماء عُلْيَا وسموات عُلَى. ومعنى الآية: {تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ} أي: (مِنَ الله الذي خلق الأرضَ والسَّمَٰواتِ العُلَى) يعني العالية الرفيعة. وفائدة وصف السَّموات بالعُلَى: الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها (وبعد مرتقاها). قوله: "الرَّحْمنُ" العامة على رفعه، وفيه أوجه: أحدها: أنه بدل من الضمير المستكن في "خَلَقَ" ذكره ابن عطية، ورده أبو حيان بأن البدل يحل محل المبدل منه، ولو حل محله لم يجز لخلو الجملة الموصولة بها من رابط يربطها به. الثاني: أن يرتفع على خبر مبتدأ مضمر تقديره: هُوَ الرَّحمنُ. الثالث: أن يرتفع على الابتداء مشاراً إلى "مَنْ خَلَقَ" والجملة بعده خبر. وقرأ جناح بن حُبَيش: "الرَّحْمَنِ" مجروراً، وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من الموصول. لا يقال: إنه يؤدي إلى البدل بالمشتق وهو قليل، لأن (الرحمن) يجري مجرى الجوامد لكثرة إيلائه العوامل. والثاني: أن يكون صفة للموصول أيضاً. قال أبو حيان: ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص كـ "مَنْ" و "مَا" لا يوصف منها إلاَّ الذي وحده، فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون صفة. قال ذلك كالراد على الزمخشري. والجملة في قوله: {عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} خَبَر لقوله "الرَّحْمَنُ" على القول: بأنه مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر، إن قيل: إنه مرفوع على خبر مبتدأ مضمر، وكذلك في قراءة مَنْ جرَّه. وفاعل "اسْتَوَى" ضمير يعود على "الرَّحْمنُ". وقيل: بل فاعله "مَا" الموصولة بعده، أي: استوى الذي له ما في السموات قال أبو البقاء: وقال بعضُ الغلاةِ: "مَا" فاعل "اسْتَوَى"، وهذا بعيد، ثم هو غير نافع له في التأويل، إذ يبقى قوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} كلاماً تامّاً ومنه هرب. قال شهابُ الدين: هذا يُروى عن ابن عبَّاس، وأنَّه كان يقفُ على لفظ "العَرْشِ" ثم يبتدىء بـ {ٱسْتَوَىٰ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ}، وهذا لا يصح عنه. قوله: الثَّرَى: هو التراب النَّدِي، ولامه ياء بدليل تثنيته على ثَرَيَيْن وقولهم: ثَرِيَتْ الأرضُ تَثْرَى ثَرًى. والثَّرَى يستعمل في انقطاع المودة، قال جرير: شعر : 3640- فَلاَ تَنْبِشُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الثَّرَى فَإنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مُثْرِي تفسير : والثَّراء بِالمَد: كثرة المال، قال: شعر : 3641- أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى إذَا حَشْرجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ تفسير : وَما أَحسن قولَ ابن دُرَيد في قصيدته التي جمع فيها بين الممدود والمقصور باختلاف معنى. فصل قال المفسرون: معنى لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} لما شرح ملكه بقوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}، والملك لا ينتظم إلا بالقدوة والعلم لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم. أما القدرة فهي هذه الآية، والمعنى: أنه تعالى مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من مَلَكٍ ونَجْمٍ وغيرهما، ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات، ومالك لما بينهما من الهواء، ومالك لما تحت الثرى. قال الضحاك: يعني ما روى الثرى من شيء. وقال ابن عباس: إن الأَرضينَ على ظهر النون، والنون على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء اخضرت السموات منها. وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قصة لقمان "فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ"، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وَ {مَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} لا يعلمه إلا الله تعالى. وذلك الثور فاتح فاه، فإذا جعل الله البحار بحراً واحداً سالت في جوف الثور فإذا وقعت في جوفه يبست. وأما العلم فقوله: {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} قال الحسن السر: ما أسر الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: السر ما تسر في نفسك، وأخفى من السر: ما يلقيه الله في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسَك لأنك تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر غدا. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: السِّرُّ ما أسر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه. وقال مجاهد: السِّرُّ العمل الذي يُسَرُّ من الناس وأخفى: الوسوسة وقيل: السِّرُّ هو العزيمة (وأخفى: ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه. وقال زيد بن أسلم: "يَعْلَمُ السِّرَّ) وأَخفَى" أي: يعلم أسرار العباد، وأخفى سره من عباده فلا يعلمه أحد. قوله: "وَأَخْفَى" جوزوا فيه وجهين: أحدهما: أنه أفعل تفضيل، أي: وأخفى من السر. والثاني: أنه فعل ماض، أي: وأخفى عن عباده غيبه كقوله: {وَلاَ يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً}. قوله: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الجلالة إما مبتدأ والجملة المنفية خبرها، وإما خبر لمبتدأ محذوف، أي هو الله. والحسنى تأنيثُ الأحسنِ، وقد تقدم أن جمع التكسير في غير العقلاء يعامل معاملة المؤنثة الواحدة. ولما ذكر صفاته وحَّدَ نَفْسَه فقال: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}. فصل قالوا: كلمة "لا" ههنا دخلت على الماهية، فانتفت الماهية، وإذا انتفت الماهية تنتفي كل أفرادها. وإنما "اللهُ" اسم علم للذات المعينة، إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملاً للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد. وقالوا: "لاَ" استحقت عمل "إِنَّ" لمشابهتها لها من وجهين: الأول: ملازمة الأسماء. والآخر: تناقضهما. فإن أحدهما لتأكيد الثبوت، والآخر لتأكيد النفي، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم، وإذا كان كذلك، فنقول: لمَّا قالوا: إنَّ زيداً ذاهبٌ كان يجب أن يقولوا: (لا رجلاً ذاهب) إلاَّ أنهم بنوا "لا" مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح: أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا مفرداً واحداً وأما الفتح فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقاً بين الدليل الموجب للإعراب، والدليل الموجب للبناء. وخبره محذوف تقديره: لاَ إِله في الوجود، ولا حول ولا قوةَ لنا، وهذا يدل على أن الوجود زائد على الماهية. فإن قيل: تصور الثبوت مقدم على تصور السلب، فإنَّ السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره، فكيف قدم هنا السلب على الثبوت؟ فالجواب: لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه. فصل ينبغي لأهل لاَ إله إلاَّ الله أنْ يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إلهَ إلا الله: التصديق، والتعظيم والحلاوة والحرية، فمن ليس له التصديق فهو منافق، ومَن ليس له التعظيم فهو مبتدع، ومَن ليس له الحلاوة فهو مراء ومَنْ ليس له الحرية فهو فاجر. فصل (قال بعضهم) قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم:24] أنَّه لا إله إلاَّ الله. {إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر:10] لا إله إلاَّ الله {وَتَوَاصُّوْا بالحَقِّ} [العصر:3] لا إله إلاَّ الله. {قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} [سبأ:46] بلا إله إلاَّ الله. {وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُون} [الصافات:24] عن قول لا إله إلاَّ الله. {بَلْ جَاءَ بالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِين} [الصافات:37] هو لا إله إلاَّ الله. {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} [إبراهيم:27] هو لاَ إله إلاَّ الله. {وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمينَ} [إبراهيم:27] عن قول: لا إله إلاَّ الله. فصل قال عليه السلام: "حديث : أفضل الذكر لاَ إله إلاَّ الله، وأفضل الدعاء أستغفر الله"، ثمّ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاعْلَم أنَّه لاَ إلهُ إلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمؤْمِنينَ والمُؤْمِنَاتِ" تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : إِنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ مَلَكاً من الملائكة قبل أن خلق السموات والأرض وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاَّ الله مادًّا بها صوته لا يقطعها، ولا يتنفس فيها، ولا يتمها، فإذَا أتمَّها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة تعظيماً لله تعالى ". تفسير : وعن أنس قال عليه السلام: "حديث : ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع إليه ويشفعني، حتى قلت: يا رب فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي، لا أدع أحداً في النار قال لا إله إلا الله" تفسير : وقال سفيان الثوري: سألت جعفر بن محمد عن "حم عسق" فقال: الحاء حُكمه، والميم ملكه، والعين عظمته، والسين سناؤُه والقاف قدرتُه، يقول الله عز وجل: بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي وقدرتي لا أعذب بالنار من قال: لاَ إله إلاَّ الله محمد رسول الله. وعن ابن عمر قال عليه السلام: "حديث : من قال في السوق: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيي ويُميتُ وَهُوَ حيٌّ لا يَمُوتُ بيدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قدِير، كَتَبَ الله لهُ أَلفَ حَسَنةٍ ومَحَا عَنْهُ ألفَ سيئةٍ وبَنَى لَهُ بيتاً في الجَنَّةِ " تفسير : وروي عن موسى بن عمران عليه السلام قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به قال: قل: لا إله إلاَّ الله، قال: كل عبادك يقول: لا إله إلاَّ الله. فقال: قل: لا إله إلاَّ الله. قال: إنما أردت شيئاً تخصني به. قال يا موسى: لو أن السموات السبع ومن فوقهن في كفة ولا إله إلاَّ الله في كفة لمالتْ بهِنَّ لاَ إله إلاَّ الله. فصل قيل: إنَّ لله تعالى أربعة آلاف اسم لا يعلمها إلا الله والأنبياء أما الألف الرابعة فإن المؤمنين يعلمونها، فثلثمائة في التوراة، وثلثمائة في الإنجيل، وثلثمائة في الزبور ومائة في القرآنه تسعة وتسعون ظاهرة وواحد مكنون فمن أحصاها دخل الجنة. واعلم أن الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناءً ومدحاً، كقوله: جاعل، وفالق، وصانع. فإذا قيل: "فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً" صار مدحاً وأما الاسم الذي يكون مدحاً فمنه ما إذا قُرِنَ بغيره أبلغ نحو قولنا: حيّ، فإذا قيل: الحَيُّ القَيُّومُ، أو الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ. كان أبلغ. وأيضاً بديع. فإذا قلت: بَديعُ السَّمواتِ والأرضِ، ازداد المدح. ومن هذا الباب ما كان اسم مدح ولكن لا يجوز إفراده، كقولنا: دَلِيلٌ، وكَاشِفٌ، فإذا قيل: يا دليلَ المتحيرين، يا كاشفَ الضُرِّ والبلوى جاز. ومنه ما يكون اسم مدح مفرداً ومقروناً كقولنا: الرَّحيمُ الكريمُ (ومن الأسماء ما يكون تقارنُها أحسنَ كقولك: الأول الآخر، المبدىء المعيد، الظاهر الباطن، العزيز الحكيم).

البقاعي

تفسير : {طه*} أي تخلص بالغ من كل ما يخشى وظهر عظيم وطيب منتشر في كل قطر إلى نهاية الوطن الذي هو التاسع، ممن له الإحاطة التامة بكل غيب، وإليه يرجع الأمر كله، كما اجتمعت أسماؤه كلها في غيب هو الذي جعل العزة للمهتدين والهدى للمتقين. هذه السورة والتي قبلها من أقدم السور المكية، قال هشام في تهذيب السيرة: قال ابن اسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أم أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تبارك وتعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم. فذكر إرسالهم إليه بهدايا ليردهم إليه، وأن بطارقته كلموه في ذلك، وأنه أبى حتى يسمع كلامهم، وأنه طلبهم فأجمع أمرهم على أن يقولوا الحق كائناً فيه ما كان، فدخلوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تدخلوا به في دين أحد من هذه الملل. قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أيها الملك ‍‍! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم و حسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم. وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام. فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان. فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك! فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ فقال له جعفر: نعم! فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدراً من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم؛ ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، ثم ذكر تأمينه لهم ورد هدايا قريش ورسلهم خائبين. وقال ابن هشام: وقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة رضي الله عنها قالت: والله! إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر رضي الله عنه في بعض حاجاتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وهو على شركه، وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا، فقال: إنه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قلت: نعم! والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجاً، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، فجاء عامر رضي الله عنه بحاجته تلك فقلت له: يا أبا عبد الله! لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا! قال: أطمعت في إسلامه؟ قلت: نعم! قال: لايسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب. يأساً منه. لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام، قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنهم، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله بن النحام. رجل من قومه بني عدي بن كعب. قد أسلم رضي الله عنه، وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً متوشحاً بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطاً من أصحابه رضي الله عنهم قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله رضي الله عنه فقال: أين تريد يا عمر؟ قال أريد محمداً هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم رضي الله عنه: والله! لقد غرتك نفسك من نفسك ياعمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه فعليك بهما فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت رضي الله عنه وعنهما، معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب بن الأرت رضي الله عنه في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئاً؟ قال: بلى! والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد رضي الله عنه فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه رضي الله عنهما: نعم! قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر كاتباً، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لاتخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت: يا أخي! إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب رضي الله عنه خرج إليه فقال له: يا عمر! والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم! أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر! فقال له عمر عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلال الباب فرآه متوحشاً السيف فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب متوحشاً السيف! فقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب! فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله! جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من مكانهم، وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر بن الخطاب مع إسلام حمزة رضي الله عنهما، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوهم، فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن أسلام عمر رضي الله عنه حين أسلم. وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة رضي الله عنهما بثلاثة أيام، كما ثبت ذلك في حاشية شرح العقائد عن فوائد تمام الرازي، وصفوة الصفوة لابن الجوزي؛ قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ قال: قيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه. واتبعه عمر رضي الله عنه واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة. ألا! إن ابن الخطاب قد صبأ قال: يقول عمر رضي الله عنه من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على روؤسهم قال: وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها أو تركتموها لنا، قال: فبينما هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، قال: فمه! رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم؟ هكذا عن الرجل! قال: فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه. وفي الروض الأنف للامام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن إسحاق أن عمر قال حين أسلم رضي الله عنه: شعر : الحمد لله ذي المن الذي وجبت له علينا أياد ما لها غير وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا صدق الحديث نبي عنده الخبر وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ربي عشية قالوا قد صبا عمر وقد ندمت على ما كان من زلل بظلمها حين تتلى عندها السور لما دعت ربها ذا العرش جاهدة والدمع من عينها عجلان يبتدر أيقنت أن الذي تدعوه خالقها فكاد يسبقني من عبرة درر فقلت أشهد أن الله خالقنا وأن أحمد فينا اليوم مشتهر نبي صدق أتى بالحق من ثقة وافى الأمانة ما في عوده خور تفسير : إذا تقرر هذا، علم أن المقصود من السورة - كما تقدم - تشريف هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بإعلامه بالرفق بأمته، والإقبال بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة، كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف والقلة، وحماهم ممن يريد قتلهم، ولين قلب عمر رضي الله عنه بعد ما كان فيه من الغلظة وجعله وزيراً، ثم حماه بعدوه، وتأمينه صلى الله عليه وسلم من أن يستأصلوا بعذاب، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح وهود عليهما السلام ومن بعدهم - بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم تلك بجعل الود وغير ذلك، والداعي إلى هذا التأمين أنه سبحانه لما ختم تلك بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد، ولم يختم سورة من السور الماضية بمثل ذلك، كان ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم، وحل بوارهم، وأتى دمارهم، وأنه لا يؤمن منهم - لما هم فيه من اللد - إلا من قد آمن، فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله، لأن الأمر كان في ابتدائه، ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جداً، فسكن سبحانه الروع بقوله: {ما أنزلنا} بعظمتنا {عليك} أي وأنت أعلم الخلق {القرآن} أي أعظم الكتب، الجامع لكل خير، والدافع لكل ضير، الذي يسرناه بلسانك {لتشقى*} أي بتعب قلبك بكونك من أقل المرسلين تابعاً بعد استئصال قومك وشقائهم بإنذارك {إلا} أي لكن أنزلناه {تذكرة} أي تذكيراً عظيماً {لمن يخشى*} ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى بشارته إيماء إلى أنه سيكون فيهم من المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا القرآن ودوامه، وما فيه من الجمع المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في الكتب السالفة من الأحكام أصولاً وفروعاً، والمواعظ والرقائق، والمعارف والآداب، وأخبار الأولين والآخرين، ومصالح الدارين، وزيادته عليها بما شاء الله، لأن كثرة الأمة على قدر جلالة الكتاب، والتعبير عن "لكن" بالإشارة إلى أنه يمكن أن يكون من باب: شعر : ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله: {تنزيلاً} إلى أنه يتمهل عليهم ترفقاً بهم، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجاً، إزالة لشبههم، وشرحاً لصدورهم، وتسكيناً لنفوسهم، ومداً لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة الكرام إليهم، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف الأولى، بل أرسل إليهم رسولاً لئلا يقولوا: ربنا لولا - كما اقتضته حكمته وتمت به كلمته، ولما كان رجوعهم إلى الدين على ما يشاهد منهم من الشدة والأنفة والشماخة التي سماهم الله بها قوماً لدّاً في غاية البعد، شرع سبحانه يذكر بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء، وأن شأنه الرفق والأناة، فقال ملتفتاً من التكلم إلى الغيبة ليدل على ما اقتضته النون من العظمة مقدماً ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية أريد منهم: {ممن خلق الأرض} المنخفضة. ولما قدم الأرض إعلاماً بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها بالإيمان منهم تحقيقاً لمقصود السورة تشريفاً للمنزل عليه، أتبعها محل الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزه في خزانة العرش فقال: {والسماوات العلى*} في ستة أيام، ولو شاء كانتا في لحظة. ولما كان القادر قد لايكون ملكاً، قال دالاًّ على ملكه مادحاً له بالقطع خبراً لمبتدأ محذوف: {الرحمن} مفتتحاً بالوصف المفيض للنعم العامة للطائع والعاصي؛ ثم ذكر خبراً ثانياً دالاً على عموم الرحمة فقال: {على العرش} الحاوي لذلك كله {استوى*} أي أخذ في تدبير ذلك منفرداً، فخاطب العباد بما يفهمونه من قولهم: فلان استوى، أي جلس معتدلاً على سرير الملك، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك سرير ولا كون عليه أصلاً، هذا روح هذه العبارة، كما أن روح قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما "حديث : القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء"تفسير : أنه سبحانه وتعالى عظيم القدرة على ذلك، وهو عليه يسير خفيف كخفته على من هذا الحالة، وليس المراد أن هناك إصبعاً أصلاً - نبه على ذلك حجة الإسلام الغزالي، ومنه أخذ الزمخشري أن يد فلان مبسوطة كناية عن جواد وإن لم يكن هناك بد ولا بسط أصلاً. ولما كان الملك قد لا يكون مالكاً، قال مقدماً الأشرف على العادة: { له ما في السماوات} أي كله من عاقل وغيره {وما في الأرض } جميعه { وما بينهما } أي السماوات والأرض {وما تحت الثرى* } وهو التراب النديّ، سواء قلنا: إنه آخر العالم فما تحته العدم المحض أم لا؟ فبكون تحته النور أو الحوت أو غيرهما.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس‏:‏ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما أنزل عليه الوحي، كان يقوم على صدور قدميه إذا صلى، فأنزل الله‏:‏ ‏ {‏طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏‏. وأخرج ابن مردويه وابن جرير، عن ابن عباس قال‏:‏ قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله‏:‏ ‏ {‏طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏‏. وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل؛ كي لا ينام فأنزل الله عليه ‏ {‏طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏‏. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد قال‏:‏ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربط نفسه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت‏:‏ ‏ {‏طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏‏. وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ لما نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - {أية : ‏يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا‏ً} ‏تفسير : [‏المزمل: 1‏]‏ قام الليل كله حتى تورمت قدماه، فجعل يرفع رجلاً، ويضع رجلاً، فهبط عليه جبريل، فقال‏:‏ ‏ {‏طه‏} ‏ يعني‏:‏ الأرض بقدميك يا محمد ‏ {‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏ وأنزل ‏{فاقرؤوا ما تيسر من القرآن}‏‏. وأخرج البزار بسند حسن، عن علي قال‏:‏ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يراوح بين قدميه، يقوم على كل رجل، حتى نزلت ‏ {‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الربيع بن أنس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله ‏ {‏طه‏} ‏ يعني طأ الأرض يا محمد، ‏ {‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏‏. وأخرج ابن مردويه، عن بان عباس في قوله‏:‏ ‏{‏طه‏} ‏ قال‏:‏ إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما قرأ القرآن إذا صلى، قام على رجل واحدة، فأنزل الله ‏ {‏طه‏} ‏ برجليك ‏ {‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال‏:‏ لما أنزل الله القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - قام به وأصحابه، فقال له كفار قريش‏:‏ ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى به‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏طه‏}‏ قال‏:‏ يا رجل‏. وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏طه‏} ‏ بالنبطية أي ‏ {‏طا‏} ‏ يا رَجُل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏طه‏}‏ بالنبطِيَّةِ أي ‏ {‏طا‏}‏ يا رجل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏طه‏} ‏ قال‏:‏ هو كقولك يا رجل‏. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة قال‏:‏ ‏ {‏طه‏} ‏ يا رجل بالنبطية‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏طه‏} ‏ بالنبطية يا رجل‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك قال‏:‏ ‏ {‏طه‏}‏ يا رجل بالنبطية‏. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏ {‏طه‏}‏ يا رجل. بالسريانية‏. وأخرج الحاكم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏طه‏}‏ قال‏:‏ هو كقولك يا محمد بلسان الحبش‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏طه‏} ‏ قال‏:‏ هو كقولك يا رجل‏:‏ بلسان الحبشة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صالح في قوله‏:‏ ‏ {‏طه‏} ‏ قال‏:‏ كلمة عربت‏. وأخرج عن مجاهد، قال‏:‏ ‏ {‏طه‏}‏ فواتح السور‏. وأخرج عن محمد بن كعب ‏{‏طه‏}‏ قال‏:‏ الطاء من ذي الطول‏. وأخرج ابن مردويه، "حديث : عن أبي الطفيل قال‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لي عشرة أسماء عند ربي قال أبو الطفيل‏:‏ حفظت منها ثمانية‏:‏ محمد وأحمد وأبو القاسم والفاتح والخاتم والماحي والعاقب والحاشر"تفسير : ، وزعم سيف أن أبا جعفر قال‏:‏ الاسمان الباقيان ‏ {‏طه‏}‏ ويس‏. وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه، عن زر قال‏:‏ قرأ رجل على ابن مسعود ‏ {‏طه‏} ‏ مفتوحة فأخذها عليه عبدالله ‏ {‏طه‏}‏ مكسورة فقال له الرجل‏:‏ إنها بمعنى ضع رجلك‏.‏ فقال عبد الله‏:‏ هكذا قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا أنزلها جبريل‏. وأخرج ابن عساكر، ‏ ‏حديث : عن عائشة - رضي الله عنها - قالت‏:‏ أول سورة تعلمتها من القرآن ‏ {‏طه‏} ‏ وكنت إذا قرأت ‏ {‏طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏} ‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏"لا شقيت يا عائش" ‏‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏ وكان يقوم الليل على رجليه فهي لغة لعك إن قلت لعكي يا رجل، لم يلتفت وإذا قلت ‏ {‏طه‏} ‏ التفت إليك‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عروة بن خالد - رضي الله عنه - قال‏:‏ سمعت الضحاك، وقال رجل من بني مازن بن مالك‏:‏ ما يخفى علي شيء من القرآن، وكان قارئاً للقرآن شاعراً. فقال له الضحاك‏:‏ أنت تقول ذلك‏؟‏ أخبرني ما ‏ {‏طه‏}‏‏ ؟‏ قال‏:‏ هي من أسماء الله الحسنى‏.‏ نحو‏:‏ طسم، وحم، فقال الضحاك‏:‏ إنما هي بالنبطية يا رجل‏. وأخرج ابن المنذر وابن مسعود، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏ {‏طه‏} ‏ قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏} ‏ يقول‏:‏ في الصلاة هي مثل قوله‏:‏ {أية : فاقرؤوا ما تيسر منه‏}‏ ‏تفسير : [‏المزمل: 20‏]‏ قال‏:‏ وكانوا يعلقون الحبال بصدروهم في الصلاة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة ‏ {‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏ يا رجل ‏ {‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏} ‏ لا والله، ما جعله الله شقياً، ولكن جعله الله رحمة ونوراً ودليلاً إلى الجنة ‏ {‏إلا تذكرة لمن يخشى‏} ‏ قال‏:‏ إن الله أنزل كتابه وبعث رسله رحمة رحم بها العباد لِيذْكُر ذاكر وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزله الله، فيه حلاله وحرامه‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ‏ {‏وما تحت الثرى‏} ‏ ما تحت سبع أرضين‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة قال‏:‏ ‏ {‏الثرى‏}‏ كل شيء مبتل‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي‏:‏ ‏ {‏وما تحت الثرى‏} ‏ قال‏:‏ هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة، وهي صخرة خضراء، وهو سجين الذي فيه كتاب الكفار‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال‏:‏ الثرى ما حفر من التراب مبتلا‏ً. وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبدالله‏:‏ "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، ما تحت هذه الأرض‏؟‏ قال‏:‏ الماء‏.‏ قيل‏:‏ فما تحت الماء‏؟‏ قال‏:‏ ظلمة‏.‏ قيل‏:‏ فما تحت الظلمة‏؟‏ قال‏:‏ الهواء‏.‏ قيل‏:‏ فما تحت الهواء‏؟‏ قال‏:‏ الثرى‏.‏ قيل‏:‏ فما تحت الثرى‏؟‏ قال‏:‏ انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق‏ "تفسير : . وأخرج ابن مردويه، ‏"‏حديث : عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، إذ عارضنا رجل مترجب - يعني طويلاً - فدنا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بخطام راحلته فقال‏:‏ أنت محمد‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمها أحد من أهل الأرض، إلا رجل أو رجلان‏؟‏ فقال‏:‏ سل عما شئت‏.‏ قال‏:‏ يا محمد، ما تحت هذه‏؟‏ - يعني الأرض - قال‏:‏ خلق‏.‏ قال‏:‏ فما تحتهم‏؟‏ قال‏:‏ أرض‏.‏ قال‏:‏ فما تحتها‏؟‏ قال‏:‏ خلق‏؟‏ قال‏:‏ فما تحتهم‏؟‏ قال‏:‏ أرض، حتى انتهى إلى السابعة‏.‏ قال‏:‏ فما تحت السابعة‏؟‏ قال‏:‏ صخرة‏.‏ قال‏:‏ فما تحت الصخرة‏؟‏ قال‏:‏ الحوت‏.‏ قال‏:‏ فما تحت الحوت‏؟‏ قال‏:‏ الماء‏.‏ قال‏:‏ فما تحت الماء‏؟‏ قال‏:‏ الظلمة‏.‏ قال‏:‏ فما تحت الظلمة‏؟‏ قال‏:‏ الهواء‏.‏ قال‏:‏ فما تحت الهواء‏؟‏ قال‏:‏ الثرى‏.‏ قال‏:‏ فما تحت الثرى‏؟‏ ففاضت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبكاء‏؟‏ فقال‏:‏ انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق أيها السائل، ما المسؤول بأعلم من السائل‏.‏ قال‏:‏ صدقت، أشهد أنك رسول الله يا محمد، أما إنك لو ادعيت تحت الثرى شيئاً، لعلمت أنك ساحر كذاب، أشهد أنك رسول الله، ثم ولى الرجل‏.‏ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم‏ - ‏أيها الناس، هل تدرون ما هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ هذا جبريل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏يعلم السر وأخفى‏} ‏ قال‏:‏ السر ما أسره ابن آدم في نفسه ‏{‏وأخفى‏}‏ ما خفي ابن آدم مما هو فاعلة، قبل أن يعلمه، فإنه يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك، وما بقي علم واحد وجميع الخلائق عنده في ذلك، كنفس واحدة وهو كقوله‏:‏ {أية : ‏ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة‏} ‏تفسير : [‏لقمان: 28‏]‏‏. وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏يعلم السر وأخفى‏} ‏ قال‏:‏ السر ما علمته أنت، وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه‏. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي بلفظ‏:‏ يعلم ما تسر في نفسك، ويعلم ما تعمل غدا‏ً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏يعلم السر وأخفى‏} ‏ قال‏:‏ أخفى من السر ما حدثت به نفسك، وما لم تحدث به نفسك أيضاً مما هو كائن‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏يعلم السر وأخفى‏}‏ قال‏:‏ الوسوسة، والسر العمل الذي تسرون من الناس‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن قال‏:‏ السر ما أسر الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في الآية‏.‏ قال‏:‏ السر ما تسر في نفسك، وأخفى من السر، ما لم يكن بعد وهو كائن‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة في الآية‏.‏ قال‏:‏ السر ما حدث به الرجل أهله، وأخفى ما تكلمت به في نفسك‏. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏يعلم السر وأخفى‏} ‏ قال‏:‏ السر ما أسررت في نفسك ‏{‏وأخفى‏} ‏ ما لم تحدث به نفسك‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن زيد بن أسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏يعلم السر وأخفى‏} ‏ قال‏:‏ يعلم أسرار العباد ‏ {‏وأخفى‏} ‏ سره فلا نعلمه والله أعلم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏إني آنست ناراً‏} ‏ أي أحسست نارا‏ً.‏ ‏ {‏أو أجد على النار هدى‏} ‏ قال‏:‏ من يهديني‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله‏:‏ ‏ {‏أو أجد على النار هدى‏}‏ قال‏:‏ من يهديني إلى الطريق، وكانوا شاتين فضلوا الطريق‏. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أو أجد على النار هدى‏}‏ يقول‏:‏ من يدل على الطريق‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أو أجد على النار هدى‏}‏ قال‏:‏ يهديه الطريق‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏أو أجد على النار هدى‏} ‏ قال‏:‏ هادٍ يهديني إلى الماء. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه قال‏:‏ لما رأى موسى النار، انطلق يسير، حتى وقف منها قريباً، فإذا هو بنار عظيمة‏:‏ تفور من ورق شجرة خضراء شديدة الخضرة، يقال لها العليق، لا تزداد النار فيما يرى إلا عظماً وتضرماً، ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق، إلا خضرة وحسناً‏!‏ فوقف ينظر لا يدري ما يصنع، إلا أنه قد ظن أنها شجرة تحترق، وأوقد إليها موقد، فنالها فاحترقت، وإنه إنما يمنع النار، شدة خضرتها، وكثرة مائها، وكثافة ورقها، وعظم جذعها، فوضع أمرها على هذا، فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه، فلما طال عليه ذلك، أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها، فلما فعل ذلك موسى مالت نحوه كأنها تريده، فاستأخر عنها وهاب، ثم عاد فطاف بها، ولم تزل تطمعه ويطمع بها، ثم لم يكن شيء بأوشك من خمودها، فاشتد عند ذلك عجبه وفكر موسى في أمرها، فقال‏:‏ هي نار ممتنعة لا يقتبس منها، ولكنها تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها، ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين‏. فلما رأى ذلك موسى قال‏:‏ إن لهذه شأناً‏.‏ ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة، لا يدري من أمرها ولا بما أمرت ولا من صنعها ولا لم صنعت، فوقف متحيراً لا يدري أيرجع أم يقيم‏؟‏ فبينا هو على ذلك، إذ رمى بطرفه نحو فرعها فإذا هو أشد مما كان خضرة ساطعة في السماء، ينظر إليها يغشى الظلام، ثم لم تزل الخضرة تنوّر وتصفر وتبيض حتى صارت نوراً ساطعاً عموداً بين السماء والأرض، عليه مثل شعاع الشمس، تكل دونه الأبصار، كلما نظر إليه يكاد يخطف بصره، فعند ذلك اشتد خوفه وحزنه، فرد يده على عينيه، ولصق بالأرض وسمع الحنين والوجس‏.‏ إلا أنه سمع حينئذ شيئا لم يسمع السامعون بمثله عظماً‏!‏ فلما بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهول نودي من الشجرة، فقيل‏:‏ يا موسى، فأجاب سريعاً، وما يدري من دعاه‏؟‏ وما كان سرعة إجابته إلا استئناساً بالإنس، فقال لبيك مراراً إني لأسمع صوتك، وأحس حسك، ولا أرى مكانك، فأين أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا فوقك ومعك وخلفك وأقرب إليك من نفسك‏.‏ فلما سمع هذا موسى علم أنه لا ينبغي هذا إلا لربه، فأيقن به، فقال‏:‏ كذلك أنت يا إلهي، فكلامك اسمع أم رسولك‏؟‏ قال‏:‏ بل أنا الذي أكلمك فادن مني، فجمع موسى يديه في العصا، ثم تحامل حتى استقل قائماً، فرعدت فرائصه حتى اختلفت، واضطربت رجلاه، وانقطع لسانه وانكسر قلبه، ولم يبق منه عظم يحمل آخر، فهو بمنزلة الميت، إلا أن روح الحياة تجري فيه، ثم زحف على ذلك وهو مرعوب، حتى وقف قريباً من الشجرة التي نودي منها‏ فقال له الرب تبارك وتعالى‏:‏ ‏ {‏ما تلك بيمينك يا موسى‏} ‏ قال‏:‏ هي عصاي‏.‏ قال‏:‏ ما تصنع بها‏؟‏ - ولا أحد أعلم منه بذلك - قال موسى‏:‏ ‏ {‏أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى‏}‏ قد علمتها، وكان لموسى في العصا مآرب، كان لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكان يتوكأ عليها ويهش بها، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه، فعلق بها قوسه وكنانته ومرجامه ومخلاته وثوبه، وزاداً إن كان معه، وكان إذا ارتع في البرية حيث لا ظل له ركزها، ثم عرض بالوتد بين شعبتيها، وألقى فوقها كساءه فاستظل بها ما كان مرتعاً، وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه‏.‏ قال له الرب ‏ {‏ألقها يا موسى‏} ‏ فظن موسى أنه يقول‏:‏ ارفضها‏.‏ فألقاها على وجه الرفض، ثم حانت منه نظرة، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يرى‏!‏ يلتمس كأنه يبتغي شيئاً يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عينان توقدان ناراً، وقد عاد المحجن عرقاً فيه شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان فهما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ‏{أية : ولى مدبراً ولم يعقب‏}‏ ‏تفسير : [‏النمل: 10‏]‏ فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم ‏ {‏نودي يا موسى‏}‏ أن ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف فقال‏:‏ خذها بيمينك ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى‏. قال‏:‏ وكان على موسى حينئذ مدرعة فجعلها في يده، فقال له ملك‏:‏ أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر‏؟‏ أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً قال‏:‏ لا‏.‏ ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت‏.‏ فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، ثم سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا تؤكأ بين الشعبتين‏. قال له ربه‏:‏ ‏"‏ادن‏"‏‏.‏ فلم يزل يدنيه - حتى شد ظهره بجذع الشجرة‏.‏ فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يديه في العصا، وخضع برأسه وعنقه ثم قال له‏:‏ إني قد أقمتك اليوم في مقام لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك‏.‏‏.‏‏.‏ إذ أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي، وكنت بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإن معك يدي وبصري، وإني قد ألبستك جبة من سلطاني، لتكمل بها القوّة في أمري، فأنت جند عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر من نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وعد من دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإني لأقسم بعزتي‏:‏ لولا العذر والحجة التي وضعت بيني وبين خلقي‏.‏‏.‏‏.‏ لبطشت به بطشة جبار - يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار - فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت البحار غرقته، وإن أمرت الجبال دمرته، ولكنه هان عليّ وسقط من عيني، وَسعَهُ حلمي، واستغنيت بما عندي، وحق لي أني أنا الغني لا غني غيري، فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي، وإخلاص اسمي، وذكره بآياتي، وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي ‏{‏وقل له‏} ‏ فيما بين ذلك‏:‏ ‏ {‏قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى‏}‏ وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له‏:‏ أجب ربك فإنه واسع المغفرة فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة؛ في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تتشبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب، ولو شاء أن يجعل لك ذلك أو يسلبكه فعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهده بنفسك وأخيك، وأنتما محتسبان بجهاده، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها فعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه‏:‏ أن الفئة القليلة، ولا قليل مني تغلب الفئة الكبيرة بإذني، ولا يعجبنكما زينته ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنها زهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة، يعلم فرعون - حين ينظر إليها - أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقد نما ما حويت لهم من ذلك، فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها؛ كما يذود الراعي الشفيق غنمه من مواقع الهلكة، وإني لأجنبهم شكوها وغنمها، كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذاك لهوَانِهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى، واعلم أنه لم يتزين إليّ العباد بزينة‏.‏‏.‏‏.‏ هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، فإنه زينة المتقين عليهم منه‏:‏ لباس يعرفون به من السكينة والخشوع ‏{أية : ‏سيماهم في وجوههم من أثر السجود‏}‏ ‏تفسير : [‏الفتح: 29‏]‏ ‏"‏أولئك هم أوليائي حقاً فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة، وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، فيظن الذي يحاربني أو يعاديني أن يعجزني، أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني، وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة‏؟‏‏!‏ لا أكل نصرتهم إلى غيري‏"‏ قال‏:‏ فأقبل موسى إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها، والأسد فيها مع ساستها إذا أرسلها على أحد أكلته، وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة، فأقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون، فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب، فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون، فأقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون فقرعه بعصاه وعليه جبة من صوف وسراويل، فلما رآه البوّاب عجب من جراءته فتركه ولم يأذن له، فقال‏ هل تدري باب من أنت تضرب‏؟‏‏!‏ إنما أنت تضرب باب سيدك‏.‏ قال‏:‏ أنت وأنا وفرعون عبيد لربي، فأنا ناصره، فأخبر البوّاب الذي يليه من البوابين، حتى بلغ ذلك أدناهم ودونه سبعون حاجباً، كل حاجب منهم تحت يده من الجنود ما شاء الله، حتى خلص الخبر إلى فرعون فقال‏:‏ أدخلوه عليّ، فأدخل فلما أتاه قال له فرعون‏:‏ أعرفك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏{أية : ‏ألم نربك فينا وليدا‏ً}‏ ‏تفسير : [‏الشعراء: 18‏]‏ قال‏:‏ فرد إليه موسى الذي رد‏.‏ قال‏:‏ فرعون خذوه‏.‏ فبادر موسى ‏{أية : فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين‏} تفسير : ‏[‏الشعراء: 32‏]‏ فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت فقال لموسى‏:‏ ‏{‏اجعل بيننا وبينك موعدا‏ً} ‏ ننظر فيه‏.‏ قال‏:‏ موسى‏:‏ لم أؤمر بذلك، إنما أمرت بمناجزتك، وإن أنت لم تخرج إليّ دخلت عليك‏.‏ فأوحى الله إلى موسى‏:‏ أن اجعل بينك وبينه أجلاً، وقل له‏:‏ أن يجعله هو‏.‏ قال فرعون‏:‏ اجعله إلى أربعين يوماً ففعل‏.‏ قال‏:‏ وكان فرعون لا يأتي الخلاء إلا في كل أربعين يوماً مرة، فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة‏.‏ قال‏:‏ وخرج موسى من المدينة، فلما مر بالأسد خضعت له بأذنابها، وسارت مع موسى تشيعه، ولا تهيجه، ولا أحداً من بني إسرائيل‏.

ابو السعود

تفسير : سورة طه مكية إلا آيتي 130 و131 فمدنيتان وهي مائة وخمس وثلاثون آية {طه} فخّمهما قالونُ وابنُ كثير وابنُ عامر وحفصٌ ويعقوبُ على الأصل، والطاءَ وحده أبو عمْرو وورْشٌ لاستعلائه وأمالَهما الباقون، وهو من الفواتح التي يُصدّر بها السورُ الكريمةُ وعليه جمهورُ المتْقنين. وقيل: معناه يا رجلُ وهو مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبـير وقَتادةَ وعِكرِمةَ والكلبـي، إلا أنه عند سعيدٍ على اللغة النبْطية وعند قتادة على السُّريانية وعند عكرمة على الحبشية وعند الكلبـي على لغة عكّ، وقيل: عُكْل وهي لغة يمانيةٌ، قالوا: إن صح فلعل أصلَه يا هذا فتصرّفوا فيه بقلب الياء طاءً وحذفِ ذا من هذا، وما استُشهد به من قول الشاعر: [البسيط] شعر : إن السَّفاهَةَ طٰهٰ في خلائِقِكُم لا قدّس الله أخلاقَ الملاعينِ تفسير : ليس بنص في ذلك لجواز كونِه قسماً كما في حم لا يُنْصرون، وقد جوز أن يكون الأصلُ طَأْها بصيغة الأمر من الوطء فقُلبت الهمزةُ في يطأُ ألفاً لانفتاح ما قبلها كما في قول مَنْ قال: لا هَناك المرتُع، وها ضميرُ الأرض على أنه خطابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يطأ الأرضَ بقدميه لمّا كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه مبالغةً في المجاهدة، ولكن يأباه كتابتُهما على صورة الحرف، كما تأبى التفسيرَ بـيا رجلُ فإن الكتابةَ على صورة الحرف مع كون التلفظِ بخلافه من خصائص حروفِ المُعجم، وقرىء إما على أن أصلَه طَأْ فقلبت همزتُه هاءً كما في أمثال هَرَقتَ أو قلبت الهمزة في يطأ ألفاً كما مر، ثم بُني منه الأمر وألحق به هاءُ السكت وإما على أنه اكتُفي في التلفظ بشطْري الاسمين وأُقيما مُقامَهما في الدِلالة على المسمَّيـين فكأنهما اسماهما الدالان عليها. وعلى هذا ينبغي أن يحمل قولُ من قال: أو اكتفىٰ بشطري الكلمتين وعبّر عنهما باسمهما وإلا فالشطران لم يذكرا من حيث إنهما مسمَّيان لاسمَيهما ليقعا معبَّراً عنهما، بل من حيث إنهما جزءان لهما قد اكتُفيَ بذكرهما عن ذكرهما ولذلك وقع التلفظُ بأنفسهما لا باسميهما بأن يراد بضمير التثنية في الموضعين الشطران من حيث هما جزآنِ للاسمين، ويراد باسمهما الشطران من حيث هما قائمان مقامَ الاسمين فالمعنى اكتُفي في التلفظ بشطري الكلمتين أي الاسمين فعبّر عنهما أي عن الشطرين من حيث هما مسمَّيان بهما من حيث هما قائمان مقامَ الاسمين، وأما حملُه على معنى أنه اكتُفي في الكتابة بشطري الكلمتين يعني طا على تقديري كونِه أمراً وكونِه حرفَ نداء، وها على تقديري كونِها كنايةً عن الأرض وكونِها حرفَ تنبـيهٍ وعُدل عن ذينك الشطرين في التلفظ باسمهما تبـيّن البُطلانُ كيف و(طا) و(ها) على ما ذكر من التقادير ليسا باسمين للحرفين المذكورين، بل الأولُ أمرٌ أو حرفُ نداء والثاني ضميرُ الأرض أو حرفُ تنبـيهٍ، على أن كتابةَ صورةِ الحرف والتلفظَ بغيره من خواصّ حروفِ المعجم كما مر، فالحق ما سلف من أنها من الفواتح إما مسرودةٌ على نمط التعديدِ بأحد الوجهين المذكورين في مطلع سورة البقرة فلا محلَّ لها من الإعراب وكذا ما بعدها من قوله تعالى: {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ} فإنه استئنافٌ مَسوقٌ لتسليته عليه الصلاة والسلام عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب، فإن الشقاءَ شائعٌ في ذلك المعنى ومنه أشقى من رائض مُهْرٍ أي ما أنزلناه عليك لتتعبَ بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العُتاةِ ومحاورة الطغاةِ وفرْطِ التأسّف على كفرهم به والتحسرّ على أن يؤمنوا كقوله عز وجل: { أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ} تفسير : [الكهف: 6]، بل للتبليغ والتذكير وقد فعلتَ فلا عليك إن لم يؤمنوا به بعد ذلك، أو لصرفه عليه الصلاة والسلام عما كان عليه من المبالغة في المجاهدة في العبادة، كما يروى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم بالليل حتى ترم قدماه، فقال له جبريلُ عليه السلام: أَبْقِ على نفسك فإن لها عليك حقاً، أي ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسِك وحملِها على الرياضات الشاقةِ والشدائدِ الفادحة وما بُعثت إلا بالحنيفية السمحة، وقيل: إن أبا جهل والنضْرَ بنَ الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقيٌّ حيث تركت دينَ آبائِك وإن القرآنَ نزل عليك لتشقى به، فرُدّ ذلك بأنا ما أنزلناه عليك لِما قالوا، والأولُ هو الأنسبُ كما يشهد به الاستثناء الآتي. هذا، وإما اسمٌ للقرآن محلُّه الرفعُ على أنه مبتدأٌ وما بعده خبرُه، والقرآنُ ظاهرٌ أوقع موقعَ العائد إلى المبتدأ كأنه قيل: القرآنُ ما أنزلناه عليك لتشقى، أو النصبُ على إضمار فعلِ القسم أو الجرُّ بتقدير حرفِه وما بعده جوابُه، وعلى هذين الوجهين يجوز أن يكون اسماً للسورة أيضاً بخلاف الوجهِ الأول فإنه لا يتسنى على ذلك التقدير لكن لا لأن المبتدأ يبقى حينئذ بلا عائد ولا قائم مَقامَه، فإن القرآنَ صادقٌ على الصورة لا محالة إما بطريق الاتحاد بأن يراد به القدْرُ المشترَكُ بـين الكل والبعض، أو باعتبار الاندراجِ إن أريد به الكلُّ، بل لأن نفيَ كونِ إنزالِه للشقاء يستدعي سبقَ وقوعِه الشقاء مترتباً على إنزاله قطعاً إما بحسب الحقيقة كما لو أريد به معنى التعب أو بحسب زعْم الكفرةِ كما لو أريد به ضدُّ السعادة، ولا ريب في أن ذلك إنما يُتصور في إنزال ما أُنزل من قبل، وأما إنزالُ السورةِ الكريمة فليس مما يمكن ترتبُ الشقاءِ السابق عليه حتى يُتصدّى لنفيه عنه. أما باعتبار الاتحادِ فظاهرٌ وأما باعتبار الاندارجِ فلأن مآلَه أن يقال: هذه السورةُ ما أنزلنا القرآنَ المشتمِلَ عليها لتشقى، ولا يخفى أن جعْلَها مُخبَراً عنها مع أنه لا دخلَ لإنزالها في الشقاء السابق أصلاً مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليل وقوله تعالى: {إِلاَّ تَذْكِرَةً} نُصب على أنه مفعولٌ له لأنزلنا لكن لا من حيث أنه معللٌ بالشقاء على معنى ما أنزلنا عليك القرآنَ لتتعب بتبليغه إلا تذكرةً.. الآية، كقولك: ما ضربتُك للتأديب إلا إشفاقاً لما أنه يجب في أمثاله أن يكون بـين العلتين ملابسةٌ بالسببـية والمسبَّبـية حتماً كما في المثال المذكور، وفي قولك: ما شافهتُك بالسوء لتتأذّى إلا زجراً لغيرك فإن التأديبَ في الأول مسبَّبٌ عن الإشفاق والتأذّي في الثاني سببٌ لزجر الغير، وقد عرفت ما بـين الشقاءِ والتذكرةِ من التنافي ولا يُجدي أن يراد به التعبُ في الجملة المجامِعُ للتذكرة لظهور أن لا ملابسةَ بـينهما بما ذكر من السببـية والمسببـية وإنما يتصور ذلك أن لو قيل مكانَ إلا تذكرةً: إلا تكثيراً لثوابك فإن الأجر بقدر التعب، ولا من حيث أنه بدلٌ من محل لتشقى كما في قوله تعالى: { أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 66] لوجوب المجانسةِ بـين البدلين وقد عرفتَ حالَهما، بل من حيث إنه معطوفٌ عليه بحسب المعنى بعد نفيه بطريق الاستدراكِ المستفادِ من الاستثناء المنقطعِ، كأنه قيل: ما أنزلنا عليك القرآنَ لتتعب في تبليغه ولكن تذكرةً {لّمَن يَخْشَىٰ} وقد جرد التذكرة عن اللام لكونها فعلاً لفاعل الفعل المعلّل، أي لمن شأنُه أن يخشى الله عز وعلا ويتأثرَ بالإنذار لرقة قلبه ولينِ عَريكتِه أو لمن علم الله تعالى أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصُها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {طه * مَآ أَنَزَلْنَا} [الآية: 1]. قال ابن عطاء: فى قوله: {طه} قال الواسطى: طاءً هديت لبساط القربه والأنس. قال الواسطى: هو مستخرج من الطاهر الهادى أى: أنت طاهر بنا هادٍ إلينا. وقال محمد بن على الترمذى فى قوله تعالى {طه} أى: طوبى لمن اهتدى بك وجعلك السبيل إلينا.

القشيري

تفسير : الطاء إشارة إلى قلبه - عليه السلام - من غير الله، والهاء إشارة إلى اهتداء قلبه إلى الله. وقيل طَأْ بِسرِّك بساط القربة فأنتَ لا تهتدي إلى غيرنا. ويقال طوينا عن سرِّك ذِكْرَ غيرنا، وهديناك إلينا. ويقال طوبى لمن اهتدى بك. ويقال طاب عيشُ مَنْ اهتدى بك. {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}: أي ليس المقصود من إيجابنا إليك تعبدك، وإنما هذا استفتاحُ الوُصلة، والتمهيد لبساط القُرْبَةِ. ويقال إنه لما قال له: {أية : لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}تفسير : [الحجر: 88] وقف بِفَرْدِ قدم تباعدا وتنزهاً عن أن يقرب من الدنيا استمتاعاً بها بوجهٍ فقيل له: طأ الأرض بقدميك... لِمَ كل هذا التعب الذي تتحمله؟ فزاد في تعبده، ووقف، حتى تقدمت قدماه وقال: "حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً"تفسير : أي لما أهلني من التوفيق حتى أعبده.

البقلي

تفسير : {طه} ذكرنا ان حروف العجم صناديق اسرار الحق مع حبيبه ولا يطلع عليها بالحقيقة احد غيره وكل لسان عنها بقدر ما فتح لى قلبه من قلبه من علوم السرية ألهية وما قال فيه اهل الرسوم والحقائق يكفى المسترشد طرق الحقائق وما وقع بغير تكلف بالبديهة لهذا العارف ان الله سبحانه اخبر عن مقدم حبيبه من العدم الى القدم بروحه فالطاء طواف روحه وطوف سره فى صحارى هويته قبل القبل حين خرج رحمه من نور الغيب وطار فى هواء الهوية لطلب الذات السرمدى ومشاهدة الصفات الازلية حتى وصل بالحق الى الحق وطار فى دائرة هوية الغيب فوجد الحق بالحق وعلم من الحق بالحق ما فى الحق مقدساً بقدس الحق مطهرا بطهارة الصفة وهو بذاته تعالى جعله معرفا لخلقه صفاته وذاته هاديا يهديه عباده اليه بنعت المحبة والاسوة كانه قال يا طواف فقار الهوية فى غيب الازل ويا مطهرا من الاكوان والحدثان يا هاديا بنورى خلقى الى ما وطى احد على بساط هويتى افضل منك طويت لك تحت اقدام وهمتك صحارى الازليات والابديات حتى بلغ سرك سر هويتى بهوائى تهوى وتلطفت بطلف هوى نجم همتك بعد ارتفاعها بى فى هواء وحدانيتى على بساط ملكى وملكوتى فطاب بطسب وصالى يا طه لاجل ذلك قسمت به بقولى والنجم اذا هوى طوى لمن اهتدى بهديك وطاب عيش من هوى طريقتك يا بدا رافق سماوات القدم ويا غواص قاموس الكرم طاشت العقول فى ادراك مفلماتك وهامت القلوب فى اودية محبتك وطارت الارواح من حقائق اشاراتك قال ابن عطا فى قوله طه طا هديت لبساط القربة والانس وقال الواسطى هو مستخرج من الظاهر الهادى --- طاهر ------ وقال محمد بن عيسى الهاشمى طيى عن محمد صلى الله عليه وسلم الاكوان بما فيها وهذا لى ------ بكونهما وقال محمد صلى الله عليه وسلم الترمذى طوبتى لمن اهتد بك وجعلك السبيل الينا وقال الاستاذ الطاء اشارة الى طهارة قلبه عن غيره والهاء اشارة الى اهتداء قلبه الى الله ثم ان الله سبحانه ناطف على نبيه وخفف عليه اثقال العبودية لانه كان تحت اثقال سطوات الربوبية لا تحملها الاكوان بقوله {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} قام جميع الليل بالتهجد كله فقال سبحانه باواسط القدم على بساط حضرتنا الطلب المقام المحق لا تشق على نفسك لاجل زيادة الهداية فانك هديت فى الازل واصطفيناك لمشاهدتنا وقربتنا الرسالة والمحبة لا تحتاج الى كثرة المجاهدة فانك فى المشاهدة انزلنا عليك القرأن ليعرفك اسرار ذاتنا وصفاتنا وتعرف عبادنا اسرار العبودية واحكام المعرفة وعزة الربوبية انزلنا عليك القرأن ليقرن عنانه بعنان همتك ويبلنك الى منازل نافتدلى فاذا وصلت الينا فاومينك بنفسى اجدان جعلت القرأن مستانسك فاذا رايتنى رايت ذاتى وصفاتى وسمعت القران منى بلا واسطة فتعرف لن ----- الأكوان لا تفارق الرحمن قال الواسطى سمى القرأن قرأنا لانه يقارن متكلمه لا يباينه تعظيما الشان القرأن كما وصل الينا شعاع الشمس وحرارتها ولم يبين القرص قال بعضهم انزلناه اليك لتستروح الى كلامه حبيبه ولا يلحقه فيه التعب وقال الاستاذ ليس المقصود من ايحائنا اليك تعبك انما هو استفتاح باب الوصلة والتمهيد لبساط القربة ثم بين سبحانه لم انزل القرأن عليه قال {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} معناه بالحقيقة ان ارواح اهل الخشية قد استغرقت فى بحر القدم حين خرجت من العدم فعرفت منازل شهودها من مشاهدة الذات والصفات وعلمت اصطفائيتها وخاصيتها على بساط القرب وتلطف الحق بها وانبساطه معها بمحبته ايها فلما دخلت الاشباح بقيت معها خشية العظمة وصولة الهيبة فزاد خشيتها بعلمها بالله بالوصلة والفرقة وطرق عليها وحشت الفراق عن معادلها فانزل الله تعالى القرأن على حبيبه ليذكرهم ايام الوصال فى مقام الفراق ليذهب عنهم الظنون الحسبان ومعارضة النفوس وتخويف الشياطين بانهم لا يصلون الى تلك للتأهل والموارد شعر : سقى الله اياما لنا ولياليا مضت فجرت من ذكرهن دموع فيأهل لنا يوما من الدهر او به وهل الى الارض الحبيب رجوع تفسير : وايضا اهل الخشية هم العلماء بالله وبصفاته قال الله {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : او الخشية صدرت من رؤية عظمة الحق الى قلوبهم فاذا دخلوا فى منازل الامتحان بالحجاب فانزل الحق القرأن ليذكرهم عظائم عظمة جبروته وسلطان قهر كبرياء لملكوته لئلا يتداخل اسرارهم غبار الاغيار ولا وحشة الاستكبار ولئلا يفتروا عن ملاحظة عزته وقهر كبريائه قال ابن عطا قيل له محمد انت امام اهل الخشية وسيدهم انزلناه تذكرة لك لتسكن اليه وتزول به الخشية عن قلبك ---- المحب يانس بكتاب حبيبه وكلامه وقال جعفر انزل الله القرأن موعظة للخائفين ورحمة للمذنبين وقال الاستاذ القرأن تبصرة لذوى العقول تذكرة الاولى الوصل فهولاء به يستبصرون فسالوا راحة اليقين فى اجلهم وهؤلاء به يذكرون فيجدون روح الانس في عاجلهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {طه} اختلفوا فيه اكثر مما فى غيره من المقطعات. فقال بعضهم هواسم القرآن او اسم السورة او اسم الله او مفتاح الاسم الطاهروالهادى. وقال بعضهم هو اسم من اسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل احمد ويس وغير ذلك كما قال عليه السلام "حديث : انا محمد وانا احمد والفاتح القاسم الحاشر والعاقب والماحى وطه ويس"تفسير : ويؤيده الخطاب فى عليك فيكون حرف النداء محذوف ياطه والطاء والهاء اشارة الى انه عليه السلام طالب الشفاعة للناس وهادى البشر اوانه طاهر من الذنوب وهاد الى علام الغيوب. قال الكاشفى [يا طا طهارت دل اوست ازغير حق تعالى وهاهدايت او بقرب حق]. قال الامام جعفر الصادق رضى الله عنه طه قسم بطهارة اهل البيت وهدايتهم كما قال تعالى {أية : ويطهركم تطهيرا}تفسير : او بطوبى والهاوية اى الجنة والنار. وفى زاد المسير الطاء طيبة والهاء مكة والله تعالى اقسم بهذين الحرمين او الطاء طلب الغزاة والهاء هرب الكفار او طلب اهل الجنان وهو ان ارباب النيران. وفى التأويلات النجمية يا من طوبى به بساط النبوة وايضا يا من طوى به المكونات الى هويتنا انتهى. وقال بعضهم انه ليس من الحروف المقطعة بل هو موضع بازاء يا رجل بلغة عك او بلسان الحبشة او النبطية او السريانية والمرد به حضرة الرسالة [ود بعضى تفاسير آمده كه طا بحساب جمل نه است وهابنجومجموع جهارده باشد وغالب آنست كه ماه رامرتبه بدريت دردجهاردهم حاصل شود بس درضمن اين خطاب مندرجست كه اى ماء شب جهارده ومنادى حضرت رسالتست وبدريت اشارة بكمال مرتبه جامعيت آن حضرت] كما لا يخفى على العرفاء شعر : ماه جون كامل شود انور بود وانكه او مرآت نور خور بود كاه ماه بدرى وكه شاه بدر صدرتو مشروح وكارت شرح صدر درشب تاريكى وكفر وضلال ازمهت روشن شود نور جلال تفسير : جوز الحسن طه بوزن هب على انه امر للرسول عليه السلام بان يطأ الارض بقدميه معا فانه لما نزل عليه الوحى اجتهد فى العبادة وكان يصلى الليل كله ويقوم على احدى رجليه تخفيفا على الاخرى لطول القيام ويتعب نفسه كل الاتعاب فيكون اصله طأ من وطئ يطأ قلبت همزته هاء. وفى الحديث "حديث : ان الله تعالى قرأ طه ويس قبل ان يخلق آدم بالفى عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالت طوبى لاجواف تحمل هذا وطوبى لامة محمد ينزل هذا عليهم وطوبى لا لسن تتكلم بهذا"تفسير : رواه الطبرانى وصاحب الفردوس. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اعطيت السورة التى ذكرت فيها البقرة من الذكر الاول واعطيت طه وطواسين من الواح موسى واعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التى ذكرت فيها البقرة من تحت العرش واعطيت المفصل نافلة"تفسير : كذا فى بحر العلوم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: عن ابن عباس أن "طه" من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. ورُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لي عشرة أسماء..." تفسير : فذكر أن منها "طه ويس"، وقيل: معناه: طِئ الأرض بقدمك؛ لأنه كان يرفع رِجْلاً في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفًا، والضمير للأرض، ورُد بأنه لو كان كذلك لكُتبت بالألف، فإنَّ الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى "طه" يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسمًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحًا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قَسَمًا، فإنه لا يقف عليها؛ لأن قوله: {ما أنزلنا...} الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: {ما أنزلنا}: إما القسم أو النداء، فالقَسَم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأمَّا غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافًا بعد الوقف على "طه". قاله في الحاشية. و {إلاَّ تذكرة}: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و {تنزيلاً}: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلاً، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من "القرآن"، و {الرحمن}: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحًا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعًا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ؛ ليكون في صورة متعلقٍ من متعلقاته. وقرئ بالجر؛ صفةً للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا تُوصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو {الرحمن}: مبتدأ، و {على العرش}: خبره. و {على}: متعلقة باستوى، قُدمت للفواصل. و {إن تجهر}: شرط، والجواب محذوف دل عليه {فإنه...} الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحًا له من التعب: يا محمد {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. رُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُومُ باللّيل حَتَّى تَوَرّمَتْ قَدَمَاهُ، فقَالَ لهُ جِبْرِيلُ عليه السلام: "أبْق عَلى نَفْسِكَ، فإِنَّ لَها عَلَيْكَ حَقًا". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضَات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثتَ إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مُهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فردَّ اللهُ ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. {إِلا تذكرةً لمن يخشى} أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عزّ وجلّ -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن عَلِمَ الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ؛ لأنهم المنتفعون بها. {تنزيلاً} أي: أنزل تنزيلاً، أو حالَ كَوْنِ القرآن تنزيلاً، أي: منزلاً {ممّن خلق الأرض والسماوات العلى}، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: {ما أنزلنا}؛ لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر؛ لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعُلى، وهو جمع "عليا"؛ لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: {له الأسماء الحسنى}، مسوق لتعظيم المنزل - عزّ وجلّ - المستتبع بتعظيم المنزَّل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: {الرحمنُ} أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية؛ للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامَه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضًا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عزّ من قائل: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرَّحمن: 1،2]. أو: {الرحمن على العرش استوى} : مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب؛ للإيذان بأن ذلك أمر بيِّن لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحًا. والاستواء على العرش مجاز عن المُلك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك؛ مرادًا به مَلَك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلاً، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسُئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء مَنْ غَلَبَ وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدّقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلاً للتجليات والتنزلات والمخاطبات. هـ. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيًا. {له ما في السماوات وما في الأرضِ}، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، {وما بينهما} من الموجودات الكائنة في الجو دائمًا، كالهواء والسحاب، أو أكثريًا؛ كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركةً ولا استقلالاً، كل ما ذكر هو له؛ ملكًا وتصرفًا، وإحياء وإماتة، وإيجادًا وإعدامًا، {وما تحت الثرى}: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض؛ لزيادةِ التقرير. {وإِن تجهر بالقول} أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك؛ {فإِنه يعلمُ السرَّ وأخْفَى} أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئًا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلاً أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستُسره في المستقبل. وهو إمّا نهي عن الحركة، كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} تفسير : [الأعرَاف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى؛ بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بيَّن الموصوف بتلك الكمالات، فقال: {الله} أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، {لا إِله إِلا هو} أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإنَّ ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} بيان لكون ما ذكر من الخالقِية والرحمانية والمالكية والعالِمِية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى؛ فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد. و {الحسنى}: تأنيث الأحسن، فُعلى، يُوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، كـ {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18]، و {أية : آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يُفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوَصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يُفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى رَوْح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: "ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك"، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سُئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا" تفسير : فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دَلَّك على الدنيا فقد غشك، ومن دلَّك على العمل فقد أتعبك، ومن دلَّك على الله فقد نصحك. هـ. فإذا دلك على الله غَيَّبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخًا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يُرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: {إِلا تذكرة لمن يخشى}، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل اللهُ القرآنَ لتذكير سابق الوصال؛ لأن الأرواح لمّا دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسًا؛ لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل اللهُ القرآنَ موعظةً للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسًا للمحبين. وايضًا: القرآن يُذَكّر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مُذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفعُ المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولاً، وقد قال:{أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحةٌ، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. هـ. وقوله تعالى: {الرحمنُ على العرش استوى}، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحِكَم بقوله: "يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبًا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبًا في عرشه، مَحَقْتَ الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته؛ فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثمَّ ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم

الطوسي

تفسير : خمس آيات في الكوفي، لأنهم عدوا {طه} آية وأَربع في الباقين. قرأ ابو عمرو {طه} بفتح الطاء وامالة الهاء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف وابو بكر إلا الأعشى والبرجمي بامالتهما. الباقون بفتحهما. وقرأ عيسى بن عمر ضد قراءة أبي عمرو - بكسر الطاء وفتح الهاء - وقرأ الحسن باسكان الهاء، وفسره يا رجل. وقرأ ابو جعفر بتقطيع الحروف، ورواه الأصمعي عن نافع، وروي عن نافع بين الكسر والفتح في الحرفين، وروي الفتح فيهما، وهو الأظهر. فمن فخم فلأنها لغة النبي (صلى الله عليه وسلم) وهي لغة اهل الحجاز، ومن أمال، فهو حسن. قال ابو عمرو: املت الهاء لئلاّ تلتبس بهاء الكناية. وقد بينا فى اول سورة البقرة معنى اوائل السور واختلاف الناس فيه، وأن أقوى ما قيل فيه: إنها اسماء للسور ومفتاح لها. وقال قوم: هو اختصار من كلام خص بعلمه النبي صلى الله عليه وآله. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد: معنى {طه} بالسريانية يا رجل. ومنهم من قال هو بالنبطية. وقال الحسن: هو جواب المشركين لما قالوا: انه شقي فقال الله تعالى يا رجل ما انزلنا عليك القرآن لتشقى، وقيل: إن طه بمعنى يا رجل فى لغة عكّ وانشد لمتمم بن نويرة: شعر : هتفت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه ان يكون موائلا تفسير : وقال آخر: شعر : إن السفاهة طه من خلائقكم لا بارك الله فى القوم الملاعين تفسير : ومن قرأ {طه} بتسكين الها تحتمل قراءته امرين: احدهما - ان تكون الهاء بدلا من همزة طاء، كقولهم في أرقب هرقب، والآخر ان يكون على ترك الهمز (ط) يا رجل، وتدخل الهاء للوقف. والشقاء استمرار ما يشق على النفس، يقال: شقي يشقى شقاً، وهو شقي ونقيض الشقاء السعادة. وقيل في قوله {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} قولان: احدهما - قال مجاهد وقتادة: إنه نزل بسبب ما كان يلقى من التعب والسهر في قيام الليل. والثاني - قال الحسن: انه جواب للمشركين لما قالوا: انه شقي. وقوله {إلا تذكرة لمن يخشى} معناه لكن انزلناه تذكرة أي ليتذكر به من يخشى الله ويخاف عقابه، يقال: ذكره تذكيراً وتذكرة، ومثله {أية : وما لأحد عنده من نعمة تجزي إلا ابتعاء وجه ربه الأعلى} تفسير : اي لكن ابتغاء وجه ربه، وما فعله إلا ابتغاء وجه ربه، ومثله قول القائل: ما جئت لأسوءك إلا إكراماً لزيد، يريد ما جئت إلا اكراماً لزيد، وكذلك المصادر التي تكون عللا لوقوع الشيء نحو جئتك ابتغاء الخير اي لابتغاء الخير. وقوله {تنزيلاً ممن} معناه نزل تنزيلا. وقيل تقديره {إلا تذكرة... تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى} أي أبدعهن وأحدثهن و {العلى} جمع عليا، مثل ظلمة وظلم، وركبة وركب، ومثل الدنيا والدنى. والقصوى والقصى. وقوله {الرحمن} رفع بأنه خبر مبتدأ، لانه لما قال {تنزيلاً ممن خلق} بينه فكأنه قال: هو الرحمن، كقوله {أية : بِشَرٍّ من ذلكم النار} تفسير : وقال ابو عبيدة: تقديره {ما أنزلنا عليك القرآن... إلا تذكرة لمن يخشى} لا لتشقى. [ويحتمل أن يكون المراد ما انزلنا عليك القرآن لتشقى] وما انزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. {الرحمن على العرش استوى} قيل فى معناه قولان: احدهما - انه استولى عليه، وقد ذكرنا فيما مضى شواهد ذلك. الثاني - قال الحسن "استوى" لطفه وتدبيره، وقد ذكرنا ذلك أيضاً فيما مضى، وأوردنا شواهده فى سورة البقرة فأما الاستواء بمعنى الجلوس على الشيء فلا يجوز عليه تعالى، لانه من صفة الاجسام، والاجسام كلها محدثة. ويقال: استوى فلان على مال فلان وعلى جميع ملكه أي احتوى عليه. وقال الفراء: يقال: كان الأمر في بني فلان ثم استوى فى بني فلان أي قصد اليهم وينشد: شعر : أقول وقد قطعن بنا شرورى ثواني واستوين من النجوع تفسير : أي خرجن واقبلن

الجنابذي

تفسير : قد سبق بيان تامّ لامثاله وقد ورد فيه بخصوصه انّه من اسماء النّبىّ (ص).

الأعقم

تفسير : {طه}، قيل: اسم السورة، وقيل: معناه بالسريانية يا رجل، قال الحسن: هو جواب المشركين لما قالوا أنه شقي فقال تعالى: يا رجل {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}، وقيل: اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله، وقيل: معناه طه يا رجل بلغة عك قال شاعرهم: شعر : ان السفاهة طه في خلايقكم لا قدس الله أخلاق الملاعين تفسير : {القرآن لتشقى} لتتعب فتصير به شقياً {إلاَّ تذكرة لمن يخشى} العقاب {تنزيلاً} أي أنزله {تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى} {الرحمان على العرش استوى}، قيل: نفذ حكمه في السماوات وما بينهما في العرش، وقيل: استوى على العرش أي قادر على خلقه وانفنائه، وقيل: العرش الملك، والاستوى الاقتدار، يعني هو مالك لملكه {له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما} خلقاً وملكاً {وما تحت الثرى} ما في بطن الأرض من النور والأموات، يعني إنه ملك وخالق لجميع الأشياء، أو ما تحت السبع الأرضين، وعن السدي: هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} أي يعلم ما اسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، أو ما أسررته في نفسك وأخفى منه وهو ما استسره فيها، وقيل: السر ما أضمره العبد وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحدٌ عن قتادة، ثم بيَّن تعالى أن عالم السر وأخفى هو واحد هو الله تعالى فقال سبحانه: إنه {الله لا إله إلاَّ هو له الأسماء الحسنى} يعني كل اسم يدل على معنى حسن لأن اللقب لا يجوز عليه.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {طه} قال الحسن: طه. أي: يا رجل، وهي بالنبطية. ثم قال: ايطه، ايطه. قوله عز وجل: {مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى} قال مجاهد: (لِتَشْقَى) أي: في الصلاة؛ وهو قوله عز وجل: (أية : فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) تفسير : [المزمل: 20]. وكانوا يعلّقون الحبال بصدورهم في الصلاة. وذكروا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين في المسجد فقال: "ما هذا؟" فقالوا: فلانة ابنة فلان تصلي، فإذا غلبت تعلقت به. فقال: "لِتُصلِّ ما نشطت، أو عقلت، فإذا غلبت فلتنم . تفسير : وكان الحسن يقول: إن المشركين قالوا للنبي عليه السلام إنه شقى بهذا القرآن فأنزل الله هذه الآية.

اطفيش

تفسير : {طه} أمال أبو بكر وحمزة والكسائى الطاء والهاء وورش وأبو عمرو وقيل: ونافع الهاء. وأخلص الباقون الفتح. وإنما أخلص ورش وأبو عمرو فتح الطاء لاستعلائها وهما من أسماء الحروف. وقيل: معناه رجل، على لغة نجد. وقيل: على لغة عُكل. وقيل: على لغة قبط، وهو قول ابن جبير. قيل: على لغة القبط. وقيل: يا إنسان على لغة القبط. وقيل بالسريانية وقيل: لغة يمنية فى عك بن عدنان آخى معد بمعنى يا رجل. والمراد بالرجل والإنسان النبى صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو من أسماء النبى صلى الله عليه وسلم نداء له. وقيل: معناه يا جبريل بالسريانية. وقيل: بغيرها. وعن عكرمة: طه: يا رجل بالحبشية. وقيل: قسم أقسم الله بطَوله أى جُوده وبهدايته. وقيل: الطاء من اسمه طاهر، والهاء من اسمه الهادى. ويصح أن يكون الأصل يا هذا قلبت الياء طاء فحذفوا الذال وألقها ولا يخفى ضعف هذا، إلا إن كان ذلك القلب لغة قوم وأنشد الطبرى فى ذلك: شعر : دعوت بطه فى النقال فلم يجب تفسير : أي برجل أو إنسان وبهذا. ومثله: شعر : إن السفاهة طه من خلائفكم تفسير : ولا دليل فى ذلك باحتماله القَسَم. والهاء تمد مدا طبيعيا والطاء مدا مشبعا. وقرأ الحسن طه بإسكان الهاء وفسر بأنه أمر بالوطء، وأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقوم فى تهجده على إحدى رجليه، ثم على الأخرى، فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معا. والأصل طَا قلبت الهمزة هاء أو قلبت فى المضارع وبنى عليه الأمر، أو الأصل طأ بالهمزة أو بألف عن همزة ثم ألحق هاء السكت فحذفت الهمزة أو الألف، أو هو من يطا بالألف حذفت لشبه الجزم وألحق هاء السكت. ويجوز أن يكون أصل طه بعدم الإسكان طه بالألف بدلا من الهمزة وها ضمير للأرض حذفت ألف هاء وأما ألف طا فحذف خطًّا باتفاق ونطقا على قراءة.

اطفيش

تفسير : {طه} "لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا طه ويس" رواه أبو أمامة مرفوعاً، قال الدارمى، وابن خزيمة فى التوحيد، والطبرانى فى الأوسط، والبيهقى والشعبى وغيرهم، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلق طه ويس وحرفوه الى قرأ أبدل خلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفى عام وقالت الملائكة طوبى لأمة ينزل عليها هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسنة تتكلم بهذا" تفسير : ومعنى طه: يا رجل، أو يا إنسان عند مجاهد والحسن، والضحاك وعطاء وغيرهم، وذلك بالسريانية، وقيلك بالقبطية، ويقال: اتفقت معها لغة العرب وحذف حرف النداء، أو يا محمد، أو هذه سورة تسمى طه، أو إسم لله بمعنى أقسم بنفسى، أو الطاء أمر من وطىء بالياء بدلا من الهمزة أمره بأنه يطأ الأرض بقدميه، وكان يقوم فى الصلاة على واحدة، وهما ضمير الأرض.

الالوسي

تفسير : فخمها على الأصل ابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب وهو إحدى / الروايتين عن قالون وورش والرواية الأخرى أنهما فخما الطاء وأمالا الهاء وهو المروي عن أبـي عمرو وأمال الحرفين حمزة والكسائي وأبو بكر؛ ولعل إمالة الطاء مع أنها من حروف الاستعلاء والاستعلاء يمنع الإمالة لأنها تسفل لقصد التجانس وهي من الفواتح التي تصدر بها السور الكريمة على إحدى الروايتين عن مجاهد بل قيل: هي كذلك عند جمهور المتقنين، وقال السدي: المعنى يا فلان، وعن ابن عباس في رواية جماعة عنه والحسن وابن جبير وعطاء وعكرمة وهي الرواية الأخرى عن مجاهد أن المعنى يا رجل، واختلفوا فقيل: هو كذلك بالنبطية وقيل: بالحبشية، وقيل: بالعبرانية، وقيل بالسريانية. وقيل: بلغة عكل، وقيل: بلغة عك. وروي ذلك عن الكلبـي قال: لو قلت في عك: يا رجل لم يجب حتى تقول: ـ طاها ـ وأنشد الطبري في ذلك قول متمم بن نويرة:شعر : دعوت بطاها في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلاً تفسير : وقول الآخر:شعر : إن السفاهة طاها من خلائقكم لا بارك الله في القوم الملاعين تفسير : وقال ابن الأنباري: إن لغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بلسان غير لسان قريش، ولا يخفى أن مسئلة وقوع شيء بغير لغة قريش من لغات العرب في القرآن خلافية، وقد بسط الكلام عليها في «الإتقان»، والحق الوقوع وتخرص الزمخشري على عك فقال: ((لعل عكاً تصرفوا في يا هذا كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء فقالوا: في ياطا واختصروا هذا واقتصروا على ها)). وتعقبه أبو حيان بأنه ((لا يوجد في لسان العرب قلب يا التي للنداء طاء وكذلك حذف اسم الإشارة في النداء وإقرارها التي للتنبيه ولم يقل ذلك نحوي.)) وذكر في البيت الأخير أنه إن صح فطه فيه قسم بالحروف المقطعة أو اسم السورة على أنه شعر إسلامي كقوله: حـم لا ينصرون. وتعقب بأنه احتمال بعيد وهو كذلك في المثال وقد رواه النسائي مرفوعاً. ولفظ الخبر حديث : إذا لقيكم العدو فليكن شعاركم حم لا ينصرون تفسير : وليس في سياقه دليل على ذلك، ويحتمل أن يكون لا ينصرون مستأنفاً والشعار التلفظ بحم فقط كأنه قيل: ماذا يكون إذا كان شعارنا ذلك فقيل: لا ينصرون، وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسمائه سبحانه، وعن أبـي جعفر أنه من أسماء النبـي صلى الله عليه وسلم. وقرأت فرقة منهم أبو حنيفة والحسن وعكرمة وورش {طه } بفتح الطاء وسكون الهاء كبل فقيل: معناه يا رجل أيضاً، وقيل: أمر للنبـي صلى الله عليه وسلم بأن يطأ الأرض بقدميه فإنه عليه الصلاة والسلام كما روي عن الربيع بن أنس كان إذا صلى قام على رجل واحدة فأنزل الله تعالى {طه } الخ، وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه لما نزل على النبـي صلى الله عليه وسلم: {أية : يا أَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ * قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [المزمل: 1-2] قام الليل كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ويضع رجلاً فهبط عليه جبريل عليه السلام فقال: {طه } الآية والأصل طأ فقلبت الهمزة هاء كما قالوا في إياك وارقت ولانك هياك وهرقت ولهنك أو قلبت الهمزة في فعله الماضي والمضارع ألفاً كما في قول الفرزدق:شعر : راحت بمسلمة البغال عشية فارعى فزارة لا هناك المرتع تفسير : وكما قالوا في سأل {سَالَ} [المعارج: 1] وحذفت في الأمر لكونه معتل الآخر وضم إليه هاء السكت وهو في مثل ذلك لازم خطاً ووقفاً، وقد يجري الوصل مجرى الوقف فتثبت لفظاً فيه، وجوز بعضهم أن يكون أصل {طه } / في القراءة المشهورة طاها على أن طا أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يطأ الأرض بقدميه وها ضمير مؤنث في موضع المفعول به عائد على الأرض وإن لم يسبق لها ذكر، واعترض بأنه لو كان كذلك لم تسقط منه الألفان ورسم المصحف وإن كان لا ينقاس لكن الأصل فيه موافقته للقياس فلا يعدل عنه لغير داع وليست هذه الألف في اسم ولا وسطاً كما في الحرث ونحوه لتحذف لا سيما وفي حذفها لبس فلا يجوز كما فصل في باب الخط من «التسهيل». واعترض بهذا أيضاً على تفسيره بيا رجل ونحوه، وقيل: توجيه ذلك على هذا الأصل ويعلم منه توجيه آخر لقراءة أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومن معه أن يقال: اكتفى من طأ بطاء متحركة ومن ها الضمير بهاء ثم عبر عنهما باسميهما فها ليست ضميراً بل هي كالقاف في قوله:شعر : قلت لها قفي فقالت قاف تفسير : واعترض أيضاً بأنه كان ينبغي على هذا أن لا تكتب صورة المسمى بل صورة الاسم. وأجيب بأن كتابة الأسماء بصور المسميات أمر مخصوص بحروف التهجي. وتعقب بأن ما ذكر لا يقطع مادة الإيراد إذ لو كان كذلك لانفصل الحرفان في الخط بأن يكتبان هكذا ط هـ. فإن قيل: إن خط المصحف لا ينقاس قيل عليه ما قيل، والحق أن دعوى أن خط المصحف لا ينقاس قوية جداً وما قيل عليها لا يعول عليه، وما صح عن السلف يقبل ولا يقدح فيه عدم موافقة القياس، وإن كانت الموافقة هي الأصل. وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه والربيع بن أنس أنهما فسرا {طه } بطأ الأرض بقدميك يا محمد ولم أقف على طعن في الرواية والله تعالى أعلم. واختلف في إعرابه حسب الاختلاف في المراد منه فهو على ما نقل عن الجمهور من أن المراد منه طائفة من حروف المعجم مسرودة على نمط التعديد افتتحت بها السورة لا محل له من الإعراب، وكذا ما بعده من قوله تعالى: {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ...}.

سيد قطب

تفسير : تبدأ هذه السورة وتختم خطاباً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببيان وظيفته وحدود تكاليفه.. إنها ليست شقوة كتبت عليه، وليست عناء يعذب به. إنما هي الدعوة والتذكرة، وهي التبشير والإنذار. وأمر الخلق بعد ذلك إلى الله الواحد الذي لا إله غيره، المهيمن على ظاهر الكون وباطنه، الخبير بظواهر القلوب وخوافيها. الذي تعنوا له الجباه، ويرجع إليه الناس: طائعهم وعاصيهم.. فلا على الرسول ممن يكذب ويكفر؛ ولا يشقى لأنهم يكذبون ويكفرون. وبين المطلع والختام تعرض قصة موسى عليه السلام من حلقة الرسالة إلى حلقة اتخاذ بني إسرائيل للعجل بعد خروجهم من مصر، مفصلة مطولة؛ وبخاصة موقف المناجاة بين الله وكليمه موسى ـ وموقف الجدل بين موسى وفرعون. وموقف المباراة بين موسى والسحرة.. وتتجلى في غضون القصة رعاية الله لموسى الذي صنعه على عينه واصطنعه لنفسه، وقال له ولأخيه: {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى}.. وتعرض قصة آدم سريعة قصيرة، تبرز فيها رحمة الله لآدم بعد خطيئته، وهدايته له. وترك البشر من أبنائه لما يختارون من هدى أو ضلال بعد التذكير والأنذار. وتحيط بالقصة مشاهد القيامة. وكأنما هي تكملة لما كان أول الأمر في الملأ الأعلى من قصة آدم. حيث يعود الطائعون إلى الجنة، ويذهب العصاة إلى النار. تصديقاً لما قيل لأبيهم آدم، وهو يهبط إلى الأرض بعد ما كان! ومن ثم يمضي السياق في هذه السورة في شوطين اثنين: الشوط الأول يتضمن مطلع السورة بالخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى...} تتبعه قصة موسى نموذجاً كاملاً لرعاية الله سبحانه لمن يختارهم لإبلاغ دعوته فلا يشقون بها وهم في رعايته. والشوط الثاني يتضمن مشاهد القيامة وقصة آدم وهما يسيران في اتجاه مطلع السورة وقصة موسى. ثم ختام السورة بما يشبه مطلعها ويتناسق معه ومع جو السورة. وللسورة ظل خاص يغمر جوها كله.. ظل علوي جليل، تخشع له القلوب، وتسكن له النفوس، وتعنو له الجباه.. إنه الظل الذي يخلعه تجلي الرحمن على الوادي المقدس على عبده موسى، في تلك المناجاة الطويلة؛ والليل ساكن وموسى وحيد، والوجود كله يتجاوب بذلك النجاء الطويل.. وهو الظل الذي يخلعه تجلي القيوم في موقف الحشر العظيم: {أية : وخشعت الأصوات للرحمـن فلا تسمع إلا همساً}.. {أية : وعنت الوجوه للحي القيوم }.. تفسير : والإيقاع الموسيقي للسورة كلها يستطرد في مثل هذا الجو من مطلعها إلى ختامها رخياً شجياً ندياً بذلك المد الذاهب مع الألف المقصورة في القافية كلها تقريباً. {طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى. الرحمـن على العرش استوى. له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى. الله لا إلـه إلا هو له الأسماء الحسنى}. مطلع رخي ندي. يبدأ بالحروف المقطعة: {طا. ها} للتنبيه إلى أن هذه السورة. كهذا القرآن ـ مؤلفة من مثل هذه الحروف على نحو ما أوردنا في مطالع السور. ويختار هنا حرفان ينتهيان بإيقاع كإيقاع السورة، ويقصران ولا يمدان لتنسيق الإيقاع كذلك. يتلو هذين الحرفين حديث عن القرآن ـ كما هو الحال في السور التي تبدأ بالحروف المقطعة ـ في صورة خطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}.. ما أنزلنا عليك القرآن ليؤدي إلى شقائك به أو بسببه. ما أنزلناه لتشقى بتلاوته والتعبد به حتى يجاوز ذلك طاقتك، ويشق عليك؛ فهو ميسر للذكر، لا تتجاوز تكاليفه طاقة البشر، ولا يكلفك إلا ما في وسعك، ولا يفرض عليك إلا ما في طوقك والتعبد به في حدود الطاقة نعمة لا شقوة، وفرصة للاتصال بالملأ الأعلى، واستمداد القوة والطمأنينة، والشعور بالرضى والأنس والوصول.. وما أنزلناه عليك لتشقى مع الناس حين لا يؤمنون به. فلست مكلفاً أن تحملهم على الإيمان حملاً؛ ولا أن تذهب نفسك عليهم حسرات؛ وما كان هذا القرآن إلا للتذكير والإنذار: {إلا تذكرة لمن يخشى}. والذي يخشى يتذكر حين يُذكر، ويتقي ربه فيستغفر. وعند هذا تنتهي وظيفة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم - فلا يكلف فتح مغاليق القلوب، والسيطرة على الأفئدة والنفوس. إنما ذلك إلى الله الذي أنزل هذا القرآن. وهو المهيمن على الكون كله، المحيط بخفايا القلوب والأسرار: {تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى. الرحمـن على العرش استوى. له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى}.. فالذي نزل هذا القرآن هو الذي خلق الأرض والسماوات.. السماوات العلى.. فالقرآن ظاهرة كونية كالأرض والسماوات. تنزلت من الملأ الأعلى. ويربط السياق بين النواميس التي تحكم الكون والتي ينزل بها القرآن؛ كما ينسق ظل السماوات العلى مع الأرض، وظل القرآن الذي ينزل من الملأ الأعلى إلى الأرض.. والذي نزل القرآن من الملأ الأعلى، وخلق الأرض والسماوات العلى، هو {الرحمن} فما نزله على عبده ليشقى. وصفة الرحمة هي التي تبرز هنا للإلمام بهذا المعنى. وهو المهيمن على الكون كله. {على العرش استوى} والاستواء على العرش كناية عن غاية السيطرة والاستعلاء. فأمر الناس إذن إليه وما على الرسول إلا التذكرة لمن يخشى. ومع الهيمنة والاستعلاء الملك والإحاطة: {له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى}.. والمشاهد الكونية تستخدم في التعبير لإبراز معنى الملك والإحاطة في صورة يدركها التصور البشري. والأمر اكبر من ذلك جداً. ولله ما في الوجود كله وهو أكبر مما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. وعلم الله يحيط بما يحيط به ملكه: {وأن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى}.. وينسق التعبير بين الظل الذي تلقيه الآية: {له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى}. والظل الذي تلقيه الآية بعدها: {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} ينسق بين الظاهر الجاهر في الكون، والظاهر الجاهر من القول. وبين المستور المخبوء تحت الثرى والمستور المخبوء في الصدور: السر وأخفى. على طريقة التنسيق في التصوير. والسر خاف. وما هو أخفى من السر تصوير لدرجات الخفاء والاستتار. كما هو الحال تحت أطباق الثرى.. والخطاب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لطمأنة قلبه بأن ربه معه يسمعه، ولا يتركه وحده يشقى بهذا القرآن، ويواجه الكافرين بلا سند، فإذا كان يدعوه جهراً فإنه يعلم السر وأخفى. والقلب حين يستشعر قرب الله منه، وعلمه بسره ونجواه، يطمئن ويرضى؛ ويأنس بهذا القرب فلا يستوحش من العزلة بين المكذبين المناوئين؛ ولا يشعر بالغربة بين المخالفين له في العقيدة والشعور. ويختم هذا المطلع بإعلان وحدانية الله بعد إعلان هيمنته وملكيته وعلمه: {الله لا إله إلا هو. له الأسماء الحسنى}.. و{الحسنى} تشارك في تنسيق الإيقاع، كما تشارك في تنسيق الظلال. ظلال الرحمة والقرب والرعاية، التي تغمر جو هذا المطلع وجو السورة كله. ثم يقص الله على رسوله حديث موسى، نموذجاً لرعايته للمختارين لحمل دعوته: وقصة موسى هي أكثر قصص المرسلين وروداً في القرآن. وهي تعرض في حلقات تناسب موضوع السورة التي تعرض فيها وجوها وظلها. وقد وردت حلقات منها حتى الآن في سورة البقرة. وسورة المائدة. وسورة الأعراف. وسورة يونس. وسورة الإسراء. وسورة الكهف.. وذلك غير الإشارات إليها في سور أخرى. وما جاء منها في المائدة كان حلقة واحدة: حلقة وقوف بني إسرائيل أمام الأرض المقدسة لا يدخلون لأن فيها قوماً جبارين. وفي سورة الكهف كانت كذلك حلقة واحدة: حلقة لقاء موسى للعبد الصالح وصحبته فترة.. فأما في البقرة والأعراف ويونس وفي هذه السورة ـ طه ـ فقد وردت منها حلقات كثيرة. ولكن هذه الحلقات تختلف في سورة عنها في الأخرى. تختلف الحلقات المعروضة، كما يختلف الجانب الذي تعرض منه تنسيقاً له مع اتجاه السورة التي يعرض فيها. في البقرة سبقتها قصة آدم وتكريمه في الملأ الأعلى، وعهد الله إليه بخلافة الأرض ونعمته عليه بعد ما غفر له.. فجاءت قصة موسى وبني إسرائيل تذكيراً لبني إسرائيل بنعمة الله عليهم وعهده إليهم وإنجائهم من فرعون وملئه. واستسقائهم وتفجير الينابيع لهم وإطعامهم المن والسلوى، وذكرت مواعدة موسى وعبادتهم للعجل من بعده، ثم غفرانه لهم. وعهده إليهم تحت الجبل. ثم عدوانهم في السبت. وقصة البقرة. وفي الأعراف سبقها الإنذار وعواقب المكذبين بالآيات قبل موسى ـ عليه السلام ـ فجاءت قصة موسى تعرض ابتداء من حلقة الرسالة، وتعرض فيها آيات العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وتعرض حلقة السحرة بالتفصيل. وخاتمة فرعون وملئه المكذبين. ثم ما كان من بني إسرائيل بعد ذلك من اتخاذ العجل في غيبة موسى. وتنتهي القصة بإعلان فيها وراثة رحمة الله وهداه للذين يتبعون الرسول النبي الأمي. وفي يونس سبقها عرض مصارع المكذبين. فجاءت قصة موسى من حلقة الرسالة، وعرض مشهد السحرة، ومصرع فرعون وقومه بالتفصيل. أما هنا في طه. فقد سبقها مطلع السورة يشف عن رحمة الله ورعايته لمن يصطفيهم لحمل رسالته وتبليغ دعوته. فجاءت القصة مظللة بهذا الظل تبدأ بمشهد المناجاة؛ وتضمن نماذج من رعاية الله لموسى عليه السلام وتثبيته وتأييده؛ وتشير إلى سبق هذه الرعاية للرسالة، فقد كانت ترافقه في طفولته، فتحرسه وتتعهده: {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}.. فلنأخذ في تتبع حلقات القصة كما وردت في السياق. {وهل أتاك حديث موسى. إذ رأى نارا فقال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً، لعلي آتيكم منها بقبس، أو أجد على النار هدى}.. {وهل أتاك حديث موسى؟}.. وما يتجلى فيه من رعاية الله وهداه لمن اصطفاه؟.. فها هو ذا موسى ـ عليه السلام ـ في الطريق بين مدين ومصر إلى جانب الطور ها هو ذا عائد بأهله بعد أن قضى فترة التعاقد بينه وبين نبي الله شعيب، على أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل ان يخدمه ثماني سنوات أو عشراً. والأرجح انه وفىَّ عشرا؛ ثم خطر له أن يفارق شعيباً وأن يستقل بنفسه وبزوجه، ويعود إلى البلد الذي نشأ فيه، والذي فيه قومه بنو إسرائيل يعيشون تحت سياط فرعون وقهره. لماذا عاد. وقد خرج من مصر طريداً. قتل قبطياً فيها حين رآه يقتتل مع إسرائيلي، وغادر مصر هارباً وبنو إسرائيل فيها يسامون العذاب ألواناً؟ حيث وجد الأمن والمطأنينة في مدين إلى جوار شعيب صهره الذي آواه وزوجه إحدى ابنتيه؟ إنها جاذبية الوطن والأهل تتخذها القدرة ستاراً لما تهيئه لموسى من أدوار.. وهكذا نحن في هذه الحياة نتحرك. تحركنا أشواق وهواتف، ومطامح ومطامع، وآلام وآمال.. وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار ولا تدركها الأبصار. يد المدبر المهيمن العزيز القهار.. وهكذا عاد موسى. وهكذا ضل طريقه في الصحراء ومعه زوجه وقد يكون معهما خادم. ضل طريقه والليل مظلم، والمتاهة واسعة. نعرف هذا من قوله لأهله: {امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى}.. فأهل البادية يوقدون النار عادة على مرتفع من الأرض، ليراها الساري في الصحراء، فتكشف له عن الطريق، أو يجد عندها القرى والضيافة ومن يهديه إلى الطريق. ولقد رأى موسى النار في الفلاة. فاستبشر. وذهب ليأتي منها بقبس يستدفئ به أهله، فالليلة باردة وليالي الصحراء باردة قارة. أو ليجد عندها من يهديه إلى الطريق؛ أو يهتدي على ضوئها إلى الطريق. لقد ذهب يطلب قبساً من النار؛ ويطلب هادياً في السرى.. ولكنه وجد المفاجأة الكبرى. إنها النار التي تدفئ. لا الأجسام ولكن الأرواح. النار التي تهدي لا في السرى ولكن في الرحلة الكبرى: {فلما أتاها نودي: يا موسى إني أنا ربك. فاخلع نعليك. إنك بالواد المقدس طوى. وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. إنني أنا الله لا إلـه إلا أنا، فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى}.. إن القلب ليجفُ، وإن الكيان ليرتجف. وهو يتصور ـ مجرد تصور ـ ذلك المشهد.. موسى فريد في تلك الفلاة. والليل دامس، والظلام شامل، والصمت مخيم. وهو ذاهب يلتمس النار التي آنسها من جانب الطور. ثم إذا الوجود كله من حوله يتجاوب بذلك النداء: {إني أنا ربك فاخلع نعليك. إنك بالوادِ المقدس طوى وأنا اخترتك..}. إن تلك الذرة الصغيرة الضعيفة المحدودة تواجه الجلال الذي لا تدركه الأبصار. الجلال الذي تتضاءل في ظله الأرض والسماوات. ويتلقى. يتلقى ذلك النداء العلوي بالكيان البشري.. فكيف؟ كيف لولا لطف الله؟ إنها لحظة ترتفع فيها البشرية كلها وتكبر ممثلة في موسى ـ عليه السلام ـ فبحسب الكيان البشري أن يطيق التلقي من ذلك الفيض لحظة. وبحسب البشرية أن يكون فيها الاستعداد لمثل هذا الاتصال على نحو من الأنحاء.. كيف؟ لا ندري كيف! فالعقل البشري ليس هنا ليدرك ويحكم، إنما قصاراه أن يقف مبهوتاً يشهد ويؤمن! {فلما أتاها نودي يا موسى: إني أنا ربك..} نودي بهذا البناء للمجهول؟ فما يمكن تحديد مصدر النداء ولا اتجاهه. ولا تعيين صورته ولا كيفيته. ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه.. نودي بطريقة ما فتلقى بطريقة ما. فذلك من أمر الله الذي نؤمن بوقوعه، ولا نسأل عن كيفيته، لأن كيفيته وراء مدارك البشر وتصورات الإنسان. {يا موسى إني انا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادِ المقدس طوى}.. إنك في الحضرة العلوية. فتجرد بقدميك. وفي الوادي الذي تتجلى عليه الطلعة المقدسة، فلا تطأه بنعليك. {وأنا اخترتك}.. فيا للتكريم! يا للتكريم ان يكون الله بذاته هو الذي يختار. يختار عبداً منِ العبيد هو فرد من جموع الجموع.. تعيش على كوكب من الكواكب هو ذرة في مجموعة. المجموعة هي ذرة في الكون الكبير الذي قال له الله: كن.. فكان! ولكنها رعاية الرحمن لهذا الإنسان! وبعد إعلانه بالتكريم والاختيار، والاستعداد والتهيؤ بخلع نعليه، ويجيء التنبيه للتلقي: {فاستمع لما يوحى}.. ويلخص ما يوحى في ثلاثة أمور مترابطة: الاعتقاد بالوحدانية، والتوجه بالعبادة، والإيمان بالساعة؛ وهي أسس رسالة الله الواحدة: {إنني أنا الله لا إلـه إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى}.. فأما الألوهية الواحدة فهي قوام العقيدة. والله في ندائه لموسى ـ عليه السلام ـ يؤكدها بكل المؤكدات: بالإثبات المؤكد. {إنني أنا الله} وبالقصر المستفاد من النفي والاستثناء: {لا إله إلا أنا} الأولى لإثبات الألوهية لله، والثانية لنفيها عن سواه.. وعلى الألوهية تترتب العبادة؛ والعبادة تشمل التوجه لله في كل نشاط الحياة؛ ولكنه يخص بالذكر منها الصلاة: {وأقم الصلاة لذكري} لأن الصلاة أكمل صورة من صور العبادة، وأكمل وسيلة من وسائل الذكر، لأنها تتمحض لهذه الغاية، وتتجرد من كل الملابسات الأخرى؛ وتتهيأ فيها النفس لهذا الغرض وحده، وتتجمع للاتصال بالله. فأما الساعة فهي الوعد المرتقب للجزاء الكامل العادل، الذي تتوجه إليه النفوس فتحسب حسابه؛ وتسير في الطريق وهي تراقب وتحاسب وتخشى الانزلاق.. والله سبحانه يؤكد مجيئها: {إن الساعة آتية} وأنه يكاد يخفيها. فعلم الناس بها قليل لا يتجاوز ما يطلعهم عليه من أمرها بقدر ما يحقق حكمته من معرفتهم ومن جهلهم.. والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر وفي تكوينهم النفسي، فلا بد من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه. ولو كان كل شيء مكشوفاً لهم ـ وهم بهذه الفطرة ـ لوقف نشاطهم وأسنت حياتهم. فوراء المجهول يجرون. فيحذرون ويأملون، ويجربون ويتعلمون. ويكشفون المخبوء من طاقاتهم وطاقات الكون من حولهم؛ ويرون آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق؛ ويبدعون في الأرض بما شاء لهم الله أن يبدعوا.. وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد، يحفظهم من الشرود، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة، فهم من موعدها على حذر دائم وعلى استعداد دائم. ذلك لمن صحت فطرته واستقام. فأما من فسدت فطرته واتبع هواه فيغفل ويجهل، فيسقط ومصيره إلى الردى: {فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى}.. ذلك أن اتباع الهوى هو الذي ينشئ التكذيب بالساعة. فالفطرة السليمة تؤمن من نفسها بأن الحياة الدنيا لا تبلغ فيها الإنسانية كمالها، ولا يتم فيها العدل تمامه؛ وأنه لا بد من حياة أخرى يتحقق فيها الكمال المقدر للإنسان، والعدل المطلق في الجزاء على الأعمال. هذه هي الوهلة الأولى للنداء العلوي الذي تجاوبت به جنبات الوجود؛ وأنهى الله سبحانه إلى عبده المختار قواعد التوحيد. ولا بد أن موسى قد نسي نفسه ونسي ما جاء من أجله، ليتبع ذلك الصوت العلوي الذي ناداه؛ وليسمع التوجيه القدسي الذي يتلقاه. وبينما هو مستغرق فيما هو فيه، ليس في كيانه ذرة واحدة تتلفت إلى سواه، إذا هو يتلقى سؤالاً لا يحتاج منه إلى جواب: {وما تلك بيمينك يا موسى؟}.. إنها عصاه. ولكن أين هو من عصاه؟ إنما يتذكر فيجيب: {قال: هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى}.. والسؤال لم يكن عن وظيفة العصا في يده. إنما كان عما في يمينه. ولكنه أدرك أن ليس عن ماهيتها يسأل، فهي واضحة، إنما عن وظيفتها معه. فأجاب.. ذلك أقصى ما يعرفه موسى عن تلك العصا: أن يتوكأ عليها وأن يضرب بها أوراق الشجر لتتساقط فتأكلها الغنم ـ وقد كان يرعى الغنم لشعيب. وقيل: إنه ساق معه في عودته قطيعاً منها كان من نصيبه. وأن يستخدمها في أغراض أخرى من هذا القبيل أجملها ولم يعددها لأن ما ذكره نموذج منها. ولكن ها هي ذي القدرة القادرة تصنع بتلك العصا في يده ما لم يخطر له على بال، تمهيداً لتكليفه بالمهمة الكبرى: {قال: ألقها يا موسى. فألقاها. فإذا هي حية تسعى. قال: خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى}: ووقعت المعجزة الخارقة التي تقع في كل لحظة؛ ولكن الناس لا ينتبهون إليها. وقعت معجزة الحياة. فإذا العصا حية تسعى. وكم من ملايين الذرات الميتة أو الجامدة كالعصا تتحول في كل لحظة إلى خلية حية؛ ولكنها لا تبهر الإنسان كما يبهره ان تتحول عصا موسى حية تسعى! ذلك أن الإنسان أسير حواسه، وأسير تجاربه، فلا يبعد كثيراً في تصوراته عما تدركه حواسه. وانقلاب العصا حية تسعى ظاهرة حسية تصدم حسه فينتبه لها بشدة. أما الظواهر الخفية لمعجزة الحياة الأولى، ومعجزات الحياة التي تدب في كل لحظة فهي خفية قلما يلتفت إليها. وبخاصة أن الألفة تفقدها جدتها في حسه، فيمر عليها غافلاً أو ناسياً. وقعت المعجزة فدهش لها موسى وخاف: {قال: خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى} ونردها عصا. والسياق هنا لا يذكر ما ذكره في سورة أخرى من أنه ولى مدبراً ولم يعقب. إنما يكتفي بالإشارة الخفيفة إلى ما نال موسى ـ عليه السلام ـ من خوف: ذلك أن ظل هذه السورة ظل أمن وطمأنينة، فلا يشوبه بحركة الفزع والجري والتولي بعيدا. واطمأن موسى والتقط الحية، فإذا هي تعود سيرتها الأولى! عصا!.. ووقعت المعجزة في صورتها الأخرى. صورة سلب الحياة من الحي، فإذا هو جامد ميت، كما كان قبل أن تدركه المعجزة الأولى.. وصدر الأمر العلوي مرة أخرى إلى عبده موسى: {واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى}.. ووضع موسى يده تحت إبطه.. والسياق يختار للإبط والذراع صورة الجناح لما فيها من رفرفة وطلاقة وخفة في هذا الموقف المجنح الطليق من ربقة الأرض وثقلة الجسم لتخرج بيضاء لا عن مرض أو آفة. ولكن: {آية أخرى} مع آية العصا. {لنريك من آياتنا الكبرى} فتشهد وقوعها بنفسك تحت بصرك وحسك. فتطمئن للنهوض بالتبعة الكبرى: {اذهب إلى فرعون إنه طغى}.. وإلى هنا لم يكن موسى يعلم انه منتدب لهذه المهمة الضخمة.. وإنه ليعرف من هو فرعون: فقد ربي في قصره. وشهد طغيانه وجبروته. وشاهد ما يصبه على قومه من عذاب ونكال.. وهو اللحظة في حضرة ربه. يحس الرضى والتكريم والحفاوة. فليسأله كل ما يطمئنه على مواجهة هذه المهمة العسيرة؛ ويكفل له الاستقامة على طريق الرسالة: {قال: رب اشرح لي صدري. ويسر لي أمري. واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي. اشدد به أزري، وأشركه في أمري. كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيرا. إنك كنت بنا بصيراً}.. لقد طلب إلى ربه أن يشرح له صدره.. وانشراح الصدر يحول مشقة التكليف إلى متعة، ويحيل عناءه لذة؛ ويجعله دافعاً للحياة لا عبئاً يثقل خطى الحياة. وطلب إلى ربه أن ييسر له أمره.. وتيسير الله لعباده هو ضمان النجاح. وإلا فماذا يملك الإنسان بدون هذا التيسير؟ ماذا يملك وقواه محدودة وعلمه قاصر والطريق طويل وشائك ومجهول؟!. وطلب إلى ربه أن يحل عقدة لسانه فيفقهوا قوله.. وقد روي أنه كانت بلسانه حبسة والأرجح أن هذا هو الذي عناه. ويؤيده ما ورد في سورة أخرى من قوله: {وأخي هارون هو أفصح مني لساناً}. وقد دعا ربه في أول الأمر دعاء شاملاً بشرح الصدر وتيسير الأمر. ثم أخذ يحدد ويفصل بعض ما يعينه على أمره وييسر له تمامه. وطلب أن يعينه الله بمعين من أهله. هارون أخيه. فهو يعلم عنه فصاحة اللسان وثبات الجنان وهدوء الأعصاب، وكان موسى ـ عليه السلام ـ انفعالياً حاد الطبع سريع الانفعال. فطلب إلى ربه أن يعينه بأخيه يشد أزره ويقويه ويتروى معه في الأمر الجليل الذي هو مقدم عليه. والأمر الجليل الذي هو مقدم عليه يحتاج إلى التسبيح الكثير والذكر الكثير والاتصال الكثير. فموسى ـ عليه السلام ـ يطلب أن يشرح الله صدره وييسر له أمره ويحل عقدة من لسانه ويعينه بوزير من أهله.. كل أولئك لا ليواجه المهمة مباشرة؛ ولكن ليتخذ ذلك كله مساعداً له ولأخيه على التسبيح الكثير والذكر الكثير والتلقي الكثير من السميع البصير.. {إنك كنت بنا بصيراً}.. تعرف حالنا وتطلع على ضعفنا وقصورنا وتعلم حاجتنا إلى العون والتدبير.. لقد أطال موسى سؤله، وبسط حاجته، وكشف عن ضعفه، وطلب العون والتيسير والاتصال الكثير. وربه يسمع له، وهو ضعيف في حضرته، ناداه وناجاه. فها هو ذا الكريم المنان لا يخجل ضيفه، ولا يرد سائله، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة: {قال: قد أوتيت سؤلك يا موسى}: هكذا مرة واحدة، في كلمة واحدة. فيها إجمال يغني عن التفصيل. وفيها إنجاز لا وعد ولا تأجيل.. كل ما سألته أعطيته. أعطيته فعلاً. لا تعطاه ولا ستعطاه؟ وفيها مع الإنجاز عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه: {يا موسى} وأي تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من العباد؟ وإلى هنا كفاية وفضل من التكريم والعطف والإيناس. وقد طال التجلي؛ وطال النجاء؛ وأجيب السؤل وقضيت الحاجة.. ولكن فضل الله لا خازن له، ورحمة الله لا ممسك لها. فهو يغمر عبده بمزيد من فضله وفيض من رضاه، فيستبقيه في حضرته، ويمد في نجائه وهو يذكره بسابق نعمته، ليزيده اطمئناناً وأنساً بموصول رحمته وقديم رعايته. وكل لحظة تمر وهو في هذا المقام الوضيء هي متاع ونعمى وزاد ورصيد. {ولقد مننا عليك مرة أخرى. إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى. أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم. فليلقه اليم بالساحل، يأخذه عدو لي وعدو له. وألقيت عليك محبة مني، ولتصنع على عيني. إذ تمشي أختك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن. وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتونا، فلبثت سنين في أهل مدين. ثم جئت على قدر يا موسى. واصطنعتك لنفسي...}. إن موسى ـ عليه السلام ـ ذاهب لمواجهة أقوى ملك في الأرض وأطغى جبار. إنه ذاهب لخوض معركة الإيمان مع الطغيان. إنه ذاهب إلى خضم من الأحداث والمشكلات مع فرعون أول الأمر؛ ثم مع قومه بني إسرائيل وقد أذلهم الاستعباد الطويل وأفسد فطرتهم، وأضعف استعدادهم للمهمة التي هم منتدبون لها بعد الخلاص. فربه يطلعه على أنه لن يذهب غفلاً من التهيؤ والاستعداد. وأنه لم يرسل إلا بعد التهيئة والإعداد. وأنه صنع على عين الله منذ زمان، ودرب على المشاق وهو طفل رضيع. ورافقته العناية وسهرت عليه وهو صغير ضعيف. وكان تحت سلطان فرعون وفي متناوله وهو مجرد من كل عدة ومن كل قوة فلم تمتد إليه يد فرعون، لأن يد القدرة كانت تسنده، وعين القدرة كانت ترعاه. في كل خطاه. فلا عليه اليوم من فرعون، وقد بلغ أشده. وربه معه. قد اصطنعه لنفسه، واستخلصه واصطفاه. {ولقد مننا عليك مرة أخرى}.. فالمنة قديمة ممتدة مطردة، سائرة في طريقها معك منذ زمان. فلا انقطاع لها إذن بعد التكليف الآن. لقد مننا عليك إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى، وألهمناها ما يلهم في مثل حالها.. ذلك الإلهام: {أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل}.. حركات كلها عنف وكلها خشونة.. قذف في التابوت بالطفل. وقذف في اليم بالتابوت. وإلقاء للتابوت على الساحل.. ثم ماذا؟ أين يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل. من يتسلمه؟ {عدو لي وعدو له}. وفي زحمة هذه المخاوف كلها. وبعد تلك الصدمات كلها. ماذا؟ ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟ {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}!!! يا للقدرة القادرة التي تجعل من المحبة الهينة اللينة درعاً تتكسر عليها الضربات وتتحطم عليه الأمواج. وتعجز قوى الشر والطغيان كلها أن تمس حاملها بسوء؛ ولو كان طفلاً رضيعاً لا يصول ولا يجول بل لا يملك أن يقول.. إنها مقابلة عجيبة في تصوير المشهد. مقابلة بين القوى الجبارة الطاغية التي تتربص بالطفل الصغير، والخشونة القاسية فيما يحيط به من ملابسات وظروف.. والرحمة اللينة اللطيفة تحرسه من المخاوف، وتقيه من الشدائد وتلفه من الخشونة، ممثلة في المحبة لا في صيال أو نزال: {ولتصنع على عيني}.. وما من شرح يمكن ان يضيف شيئاً إلى ذلك الظل الرفيق اللطيف العميق الذي يلقيه التعبير القرآني العجيب: {ولتصنع على عيني} وكيف يصف لسان بشري، خلقاً يصنع على عين الله؟ إن قصارى أي بشري أن يتأمله ويتملاه.. إنها منزلة وإنها كرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية. فكيف بمن يصنع صنعاً على عين الله؟ إنه بسبب من هذا أطاق موسى أن يتلقى ذلك العنصر العلوي الذي تلقاه. ولتصنع على عيني. تحت عين فرعون ـ عدوك وعدوي ـ وفي متناول يده بلا حارس ولا مانع ولا مدافع. ولكن عينه لا تمتد إليك بالشر لأني القيت عليك محبة مني. ويده لا تنالك بالضر وأنت تصنع على عيني. ولم أحطك في قصر فرعون، بالرعاية والحماية وأدع أمك في بيتها للقلق والخوف. بل جمعتك بها وجمعتها بك: {إذ تمشي أختك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن}.. وكان ذلك من تدبير الله. إذ جعل الطفل لا يقبل ثدي المرضعات. وفرعون وزوجه وقد تبنيا الطفل الذي ألقاه اليم بالساحل ـ مما لا يفصله السياق كما يفصله في موضع آخر ـ يبحثان له عن موضع. فيتسامع الناس وتروح أخت موسى بإيحاء من أمها تقول لهم: هل أدلكم على من يكفله؟ وتجيء لهم بأمه فيلقم ثديها. وهكذا يتم تدبير الله للطفل وأمه التي سمعت الإلهام فقذفت بفلذة كبدها في التابوت، وقذفت بالتابوت في اليم، فألقاه اليم بالساحل. ليأخذه عدو لله وله، فيكون الأمن بإلقائه بين هذه المخاوف، وتكون النجاة من فرعون الذي كان يذبح أطفال بني إسرائيل. بإلقائه بين يدي فرعون بلا حارس ولا معين! ومنة أخرى: {وقتلت نفسا فنجيناك من الغم، وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى. واصطنعتك لنفسي}.. ذلك حين كبر وشب في قصر فرعون، ثم نزل المدينة يوماً فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما إسرائيلي والآخر مصري، فاستعانه الإسرائيلي فوكز المصري بيده فخر صريعاً. ولم يكن ينوي قتله إنما كان ينوي دفعه. فامتلأت نفسه بالغم على هذه الفعلة ـ وهو المصنوع على عين الله منذ نشأته؛ وتحرج ضميره وتأثم من اندفاعه.. فربه يذكره هنا بنعمته عليه، إذ هداه إلى الاستغفار فشرح صدره بهذا ونجاه من الغم. ولم يتركه مع هذا بلا ابتلاء ليربيه ويعده لما أراد؛ فامتحنه بالخوف والهرب من القصاص؟ وامتحنه بالغربة ومفارقة الأهل والوطن؛ وامتحنه بالخدمة ورعي الغنم، وهو الذي تربى في قصر أعظم ملوك الأرض، وأكثرهم ترفاً ومتاعاً وزينة.. وفي الوقت المقدر. عندما نضج واستعد، وابتلي فثبت وصبر؛ وامتحن فجاز الامتحان. وتهيأت الظروف كذلك والأحوال في مصر، وبلغ العذاب ببني إسرائيل مداه.. في ذلك الوقت المقدر في علم الله جيء بموسى من أرض مدين، وهو يظن أنه هو جاء: {فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى}. جئت في الوقت الذي قدرته لمجيئك.. {واصطنعتك لنفسي} خالصاً مستخلصاً ممحضاً لي ولرسالتي ودعوتي.. ليس بك شيء من هذه الدنيا ولا لهذه الدنيا. إنما أنت للمهمة التي صنعتك على عيني لها واصطنعتك لتؤديها. فما لك في نفسك شيء. وما لأهلك منك شيء، وما لأحد فيك شيء. فامض لما اصطنعتك له: {اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري. اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له: قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى}.. اذهب أنت وأخوك مزودين بآياتي وقد شهد منها آية العصا وآية اليد ـ ولا تنيا في ذكري فهو عدتكما وسلاحكما وسندكما الذي تأويان منه إلى ركن شديد.. اذهبا إلى فرعون. وقد حفظتك من شره من قبل. وأنت طفل وقد قذفت في التابوت، فقذف التابوت في اليم، فألقاه اليم بالساحل، فلم تضرك هذه الخشونة، ولم تؤذك هذه المخاوف. فالآن أنت معد مهيأ، ومعك أخوك. فلا عليك وقد نجوت مما هو أشد، في ظروف أسوأ وأعنف. اذهبا إلى فرعون فقد طغى وتجبر وعتا {فقولا له قولاً ليناً} فالقول اللين لا يثير العزة بالإثم؛ ولا يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة. ومن شأنه أن يوقظ القلب فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان. اذهبا إليه غير يائسين من هدايته، راجيين أن يتذكر ويخشى. فالداعية الذي ييأس من اهتداء أحد بدعوته لا يبلغها بحرارة، ولا يثبت عليها في وجه الجحود والإنكار. وإن الله ليعلم ما يكون من فرعون. ولكن الأخذ بالأسباب في الدعوات وغيرها لا بد منه. والله يحاسب الناس على ما يقع منهم بعد أن يقع في عالمهم. وهو عالم بأنه سيكون. فعلمه تعالى بمستقيل الحوادث كعلمه بالحاضر منها والماضي في درجة سواء. وإلى هنا كان الخطاب لموسى ـ عليه السلام ـ وكان المشهد هو مشهد المناجاة في الفلاة. وهنا يطوي السياق المسافات والأبعاد والأزمان، فإذا هارون مع موسى. وإذا هما معاً يكشفان لربهما عن خوفهما من مواجهة فرعون، ومن التسرع في أذاه، ومن طغيانه إذا دعواه: {قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى. قال: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى. فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم. قد جئناك بآية من ربك. والسلام على من اتبع الهدى. إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى}. وهارون لم يكن مع موسى قطعاً في موقف المناجاة الطويل ـ الذي تفضل المنعم فيه على عبده، فأطال له فيه النجاء، وبسط له في القول، وأوسع له في السؤال والجواب ـ فردهما معا بقولهما: {إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى} لم يكن في موقف المناجاة. إنما هو السياق القرآني يطوي الزمان والمكان، ويترك فجوات بين مشاهد القصص، تعلم من السياق ليصل مباشرة إلى المواقف الحية الموحية ذات الأثر في سير القصص وفي وجدان الناس. ولقد اجتمع موسى وهارون عليهما السلام إذن بعد انصراف موسى من موقف المناجاة بجانب الطور. وأوحى الله إلى هارون بمشاركة أخيه في دعوة فرعون ثم هاهما ذان يتوجهان إلى ربهما بمخاوفهما: {قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى}.. والفرط هو التسرع بالأذى للوهلة الأولى، والطغيان اشمل من التسرع وأشمل من الأذى. وفرعون الجبار يومئذ لا يتحرج من أحدهما أو كليهما. هنا يجيئهما الرد الحاسم الذي لا خوف بعده، ولا خشية معه: {قال: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى}.. إنني معكما.. إنه القوي الجبار الكبير المتعال. إنه الله القاهر فوق عباده. إنه موجد الأكوان والحيوات والأفراد والأشياء بقولة: كن. ولا زيادة.. إنه معهما.. وكان هذا الإجمال يكفي. ولكنه يزيدهما طمأنينة، ولمسا بالحس للمعونة: {أسمع وأرى..} فما يكون فرعون وما يملك وما يصنع حين يفرط أو يطغى؟ والله معهما يسمع ويرى؟ ومع الطمأنينة الهداية إلى صورة الدعوة وطريق الجدال: {فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك. فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم. قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى. إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى}.. إنه البدء بإيضاح قاعدة رسالتهما: {إنا رسولا ربك} ليشعر منذ اللحظة الأولى بأن هناك إلهاً هو ربه. وهو رب الناس. فليس هو إلهاً خاصاً بموسى وهارون أو ببني إسرائيل، كما كان سائداً في خرافات الوثنية يومذاك ان لكل قوم إلهاً أو آلهة؛ ولكل قبيل إلهاً أو آلهة. أو كما كان سائداً في بعض العصور من أن فرعون مصر إله يعبد فيها لأنه من نسل الآلهة. ثم إيضاح لموضوع رسالتهما: {فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم}.. ففي هذه الحدود كانت رسالتهما إلى فرعون. لاستنقاذ بني إسرائيل، والعودة بهم إلى عقيدة التوحيد، وإلى الأرض المقدسة التي كتب الله لهم ان يسكنوها (إلى أن يفسدوا فيها، فيدمرهم تدميراً). ثم استشهاد على صدقهما في الرسالة: {قد جئناك بآية من ربك} تدل على صدقنا في مجيئنا إليك بأمر ربك، في هذه المهمة التي حددناها. ثم ترغيب واستمالة: {والسلام على من اتبع الهدى}: فلعله منهم يتلقى السلام ويتبع الهدى. ثم تهديد وتحذير غير مباشرين كي لا يثيرا كبرياءه وطغيانه: {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى}.. فلعله لا يكون ممن كذب وتولى! هكذا ألقى الله الطمأنينة على موسى وهارون. وهكذا رسم لهما الطريق. ودبر لهما الأمر. ليمضيا آمنين عارفين هاديين. وهنا يسدل الستار ليرفع. فإذا هما أمام الطاغية في حوار وجدال. لقد أتيا فرعون ـ والسياق لا يذكر كيف وصلا إليه ـ اتياه وربهما معهما يسمع ويرى. فأية قوة وأي سلطان هذا الذي يتكلم به موسى وهارون، كائناً فرعون ما كان؛ ولقد أبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه. والمشهد هنا يبدأ بما دار بينه وبين موسى ـ عليه السلام ـ من حوار: {قال: فمن ربكما يا موسى! قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}.. إنه لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه، كما قالا له: {إنا رسولا ربك} فهو يسأل موجهاً الكلام إلى موسى لما بدا له أنه هو صاحب الدعوى: {فما ربكما يا موسى؟} من ربكما الذي تتكلمان باسمه وتطلبان اطلاق بني إسرائيل؟ فأما موسى ـ عليه السلام ـ فيرد بالصفة المبدعة المنشئة المدبرة من صفات الله تعالى: {قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}.. ربنا الذي وهب الوجود لكل موجود في الصورة التي أوجده بها وفطره عليها. ثم هدى كل شيء إلى وظيفته التي خلقه لها؛ وأمده بما يناسب هذه الوظيفة ويعينه عليها. وثم هنا ليست للتراخي الزمني. فكل شيء مخلوق ومعه الاهتداء الطبيعي الفطري للوظيفة التي خلق لها، وليس هناك افتراق زمني بين خلق المخلوق وخلق وظيفته. إنما هو التراخي في الرتبة بين خلق الشيء واهتدائه إلى وظيفته؛ فهداية كل شيء إلى وظيفته مرتبة أعلى من خلقه غفلاً.. وهذا الوصف الذي يحكيه القرآن الكريم عن موسى ـ عليه السلام ـ يلخص أكمل آثار الألوهية الخالقة المدبرة لهذا الوجود: هبة الوجود لكل موجود.. وهبة خلقه على الصورة التي خلق بها. وهبة هدايته للوظيفة التي خلق لها.. وحين يجول الإنسان ببصره وبصيرته - في حدود ما يطيق - في جنبات هذا الوجود الكبير تتجلى له آثار تلك القدرة المبدعة المدبرة في كل كائن صغير أو كبير. من الذرة المفردة إلى أضخم الأجسام، ومن الخلية الواحدة إلى أرقى أشكال الحياة في الإنسان. هذا الوجود الكبير المؤلف مما لا يحصى من الذرات والخلايا، والخلائق والأحياء؛ وكل ذرة فيه تنبض، وكل خلية فيه تحيا، وكل حي فيه يتحرك، وكل كائن فيه يتفاعل أو يتعامل مع الكائنات الأخرى.. وكلها تعمل منفردة ومجتمعة داخل إطار النواميس المودعة في فطرتها وتكوينها بلا تعارض ولا خلل ولا فتور في لحظة من اللحظات! وكل كائن بمفرده كون وحده وعالم بذاته، تعمل في داخله ذراته وخلاياه وأعضاؤه وأجهزته وفق الفطرة التي فطرت عليها، داخل حدود الناموس العام، في توافق وانتظام. وكل كائن بمفرده ـ ودعك من الكون الكبير ـ يقف علم الإنسان وجهده قاصراً محدوداً في دراسة خواصه ووظائفه وأمراضه وعلاجه. دراستها مجرد دراسة لا خلقها ولا هدايتها إلى وظائفها، فذلك خارج كلية عن طوق الإنسان. وهو خلق من خلق الله.. وهبه وجوده، على الهيئة التي وجد بها؟ للوظيفة التي خلق لها، كأي شيء من هاته الأشياء! إلا أنه للإله الواحد.. ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.. وثنى فرعون بسؤال آخر: {قال: فما بال القرون الأولى؟}. ما شأن القرون التي مضت من الناس؟ أين ذهبت؟ ومن كان ربها؟ وما يكون شأنها وقد هلكت لا تعرف إلهها هذا؟ {قال: علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى}.. بهذا أحال موسى ذلك الغيب البعيد في الزمان. الخافي عن العيان، إلى ربه الذي لا يفوت علمه شيء ولا ينسى شيئاً. فهو الذي يعلم شأن تلك القرون كله. في ماضيها وفي مستقبلها. والغيب لله والتصرف في شأن البشر لله. ثم يستطرد فيعرض على فرعون آثار تدبير الله في الكون وآلائه على بني الإنسان. فيختار بعض هذه الآثار المحيطة بفرعون، المشهودة له في مصر ذات التربة الخصبة والماء الموفور والزروع والأنعام: {الذي جعل لكم الأرض مهداً، وسلك لكم فيها سبلاً، وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى. كلوا وارعوا أنعامكم. إن في ذلك لآيات لأولي النهى}.. والأرض كلها مهد للبشر في كل مكان وزمان. مهد كمهد الطفل. وما البشر إلا أطفال هذه الأرض. يضمهم حضنها ويغذوهم درها! وهي ممهدة لهم كذلك للسير والحرث والزرع والحياة. جعلها الخالق المدبر كذلك يوم أعطى كل شيء خلقه. فأعطى هذه الأرض خلقها على الهيئة التي خلقت بها صالحة للحياة التي قدرها فيها؛ وأعطى البشر خلقهم كذلك على الهيئة التي خلقهم بها صالحين للحياة في هذه الأرض التي مهدها لهم وجعلها مهدهم.. المعنيان متقاربان متصلان. وصورة المهد وصفة التمهيد لا تبدو في بقعة من الأرض كما تبدو في مصر. ذلك الوادي الخصيب الأخضر السهل الممهد الذي لا يحوج أهله إلا إلى أيسر الكد في زرعه وجناه. وكأنما هو المهد الحاني على الطفل يضمه ويرعاه والخالق المدبر الذي جعل الأرض مهداً، شق للبشر فيها طرقاً وأنزل من السماء ماء. ومن ماء المطر تتكون الأنهار وتفيض ـ ومنها نهر النيل القريب من فرعون ـ فيخرج النبات أزواجاً من أجناس كثيرة. ومصر أظهر نموذج لإخراج النبات لطعام الإنسان ورعي الحيوان. وقد شاء الخالق المدبر أن يكون النبات أزواجاً كسائر الأحياء. وهي ظاهرة مطردة في الأحياء كلها. والنبات في الغالب يحمل خلايا التذكير، وخلايا التأنيث في النبتة الواحدة وأحياناً يكون اللقاح في نبتة ذكر منفردة كما هو الحال في الفصائل الحيوانية. وبذلك يتم التناسق في نواميس الحياة ويطرد في كل الفصائل والأنواع.. {إن في ذلك لآيات لأولي النهى}.. وما من عقل مستقيم يتأمل هذا النظام العجيب ثم لا يطلع فيه على آيات تدل على الخالق المدبر الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.. ويكمل السياق حكاية قول موسى بقول مباشر من الله جل وعلا: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى. ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى}. من هذه الأرض التي جعلناها لكم مهداً وسلكنا لكم فيها سبلاً وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا به أزواجاً من نبات شتى، للأكل والمرعى.. من هذه الأرض خلقناكم، وفي هذه الأرض نعيدكم، ومنها نخرجكم بعد موتكم. والإنسان مخلوق من مادة هذه الأرض. عناصر جسمه كلها من عناصرها إجمالاً. ومن زرعها يأكل، ومن مائها يشرب، ومن هوائها يتنفس. وهو ابنها وهي له مهد. وإليها يعود جثة تطويها الأرض، ورفاتاً يختلط بترابها، وغازاً يختلط بهوائها ومنها يبعث إلى الحياة الأخرى، كما خلق في النشأة الأولى. وللتذكير بالأرض هنا مناسبة في مشهد الحوار مع فرعون الطاغية المتكبر، الذي يتسامى إلى مقام الربوبية؛ وهو من هذه الأرض وإليها؛ وهو شيء من الأشياء التي خلقها الله في الأرض وهداها إلى وظيفتها.. {ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى} أريناه الآيات الكونية التي وجهه إليها موسى ـ عليه السلام ـ فيما حوله، وآيتي العصا واليد يجملهما هنا لأنهما بعض آيات الله، وما في الكون منها أكبر وأبقى. لذلك لا يفصل السياق هنا عرض هاتين الآيتين على فرعون، فهذا مفهوم ضمناً، إنما يفصل رده على الآيات كلها فنفهم أنه يشير إليهما.. قال: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى؟ فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت، مكاناً سوى. قال: موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى}.. وهكذا لم يمض فرعون في الجدل، لأن حجة موسى ـ عليه السلام ـ فيه واضحة وسلطانه فيه قوي، وهو يستمد حجته من آيات الله في الكون، ومن آياته الخاصة معه.. إنما لجأ إلى اتهام موسى بالسحر الذي يجعل العصا حية تسعى، ويحيل اليد بيضاء من غير سوء. وقد كان السحر أقرب خاطر إلى فرعون لأنه منتشر في ذلك الوقت في مصر؛ وهاتان الآيتان أقرب في طبيعتهما إلى المعروف من السحر.. وهو تخييل لا حقيقة، وخداع للبصر والحواس، قد يصل إلى خداع الإحساس، فينشئ فيه آثاراً محسوسة كآثار الحقيقة. كما يشاهد من رؤية الإنسان لأشياء لا وجود لها، أو في صورة غير صورتها. وما يشاهد من تأثر المسحور أحياناً تأثرات عصبية وجسدية كما لو كان الأثر الواقع عليه حقيقة.. وليس من هذا النوع آيتا موسى. إنما هما من صنع القدرة المبدعة المحولة للأشياء حقاً. تحويلاً وقتياً أو دائماً. {قال: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى؟}. ويظهر أن استبعاد بني إسرائيل كان إجراء سياسياً خوفاً من تكاثرهم وغلبتهم. وفي سبيل الملك والحكم لا يتحرج الطغاة من ارتكاب أشد الجرائم وحشية وأشنعها بربرية وأبعدها عن كل معاني الإنسانية وعن الخلق والشرف والضمير. ومن ثم كان فرعون يستأصل بني إسرائيل ويذلهم بقتل المواليد الذكور. واستبقاء الإناث؛ وتسخير الكبار في الشاق المهلك من الأعمال.. فلما قال له موسى وهارون: أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم. قال: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى؟} لأن إطلاق بني إسرائيل تمهيد للاستيلاء على الحكم والأرض. وإذا كان موسى يطلب إطلاق بني إسرائيل لهذا الغرض، وكل ما يقدمه هو عمل من أعمال السحر، فما أسهل الرد عليه: {فلنأتينك بسحر مثله}.. وهكذا يفهم الطغاة أن دعوى أصحاب العقائد إنما تخفي وراءها هدفاً من أهداف هذه الأرض؛ وأنها ليست سوى ستار للملك والحكم.. ثم هم يرون مع أصحاب الدعوات آيات، إما خارقة كآيات موسى، وإما مؤثرة في الناس تأخذ طريقها إلى قلوبهم وإن لم تكن من الخوارق. فإذا الطغاة يقابلونها بما يماثلها ظاهرياً.. سحر نأتي بسحر مثله! كلام نأتي بكلام من نوعه! صلاح نتظاهر بالصلاح! عمل طيب نرائي بعمل طيب! ولا يدركون أن للعقائد رصيداً من الإيمان، ورصيداً من عون الله؛ فهي تغلب بهذا وبذاك، لا بالظواهر والأشكال! وهكذا طلب فرعون إلى موسى تحديد موعد للمباراة مع السحرة.. وترك له اختيار ذلك الموعد: للتحدي: {فاجعل بيننا وبينك موعدا} وشدد عليه في عدم إخلاف الموعد زيادة في التحدي {لا نخلفه نحن ولا أنت}. وأن يكون الموعد في مكان مفتوح مكشوف: {مكاناً سوى} مبالغة في التحدي! وقبل موسى ـ عليه السلام ـ تحدي فرعون له؛ واختار الموعد يوم عيد من الأعياد الجامعة، يأخذ فيه الناس في مصر زينتهم، ويتجمعون في الميادين والأمكنة المكشوفة؛ {قال: موعدكم يوم الزينة}. وطلب أن يجمع الناس ضحى، ليكون المكان مكشوفاً والوقت ضاحياً. فقابل التحدي بمثله وزاد عليه اختيار الوقت في أوضح فترة من النهار وأشدها تجمعاً في يوم العيد. لا في الصباح الباكر حيث لا يكون الجميع قد غادروا البيوت. ولا في الظهيرة فقد يعوقهم الحر، ولا في المساء حيث يمنعهم الظلام من التجمع أو من وضوح الرؤية..!! وانتهى المشهد الأول من مشاهد اللقاء بين الإيمان والطغيان في الميدان.. وهنا يسدل الستار ليرفع على مشهد المباراة: {فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى}.. ويجمل السياق في هذا التعبير كل ما قاله فرعون وما أشار به الملأ من قومه، وما دار بينه وبين السحرة من تشجيع وتحميس ووعد بالمكافأة، وما فكر فيه وما دبر هو ومستشاروه.. يجمله في جملة: فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى. وتصور تلك الآية الواحدة القصيرة ثلاث حركات متوالية: ذهاب فرعون، وجمع كيده، والإتيان به. ورأى موسى ـ عليه السلام ـ قبل الدخول في المباراة أن يبذل لهم النصيحة، وأن يحذرهم عاقبة الكذب والافتراء على الله، لعلهم يثوبون إلى الهدى، ويدعون التحدي بالسحر والسحر افتراء: {قال لهم موسى: ويلكم! لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب، وقد خاب من افترى}. والكلمة الصادقة تلمس بعض القلوب وتنفذ فيها. ويبدو أن هذا الذي كان؛ فقد تأثر بعض السحرة بالكلمة المخلصة، فتلجلج في الأمر؛ وأخذ المصرون على المباراة يجادلونهم همساً خيفة أن يسمعهم موسى: {فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى}.. وجعل بعضهم يحمس بعضاً، وراحوا يهيجون في المترددين الخوف من موسى وهارون، اللذين يريدان الاستيلاء على مصر وتغيير عقائد أهلها؛ مما يوجب مواجهتهما يداً واحدة بلا تردد ولا نزاع. واليوم هو يوم المعركة الفاصلة والذي يغلب فيها الفالح الناجح: {قالوا: إن هـذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى. فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً. وقد أفلح اليوم من استعلى}.. وهكذا تنزل الكلمة الصادقة الواحدة الصادرة عن عقيدة، كالقذيفة في معسكر المبطلين وصفوفهم، فتزعزع اعتقادهم في أنفسهم وفي قدرتهم، وفي ما هم عليه من عقيدة وفكرة. وتحتاج إلى مثل هذا التحميس والتشجيع. وموسى وأخوه رجلان اثنان، والسحرة كثيرون، ووراءهم فرعون وملكه وجنده وجبروته وماله.. ولكن موسى وهارون كان معهما ربهما يسمع ويرى.. ولعل هذا هو الذي يفسر لنا تصرف فرعون الطاغية المتجبر، وموقف السحرة ومن ورائهم فرعون. فمن هو موسى ومن هو هارون من أول الأمر حتى يتحداهما فرعون ويقبل تحديهما؛ ويجمع كيده ثم ياتي؛ ويحشر السحرة ويجمع الناس؛ ويجلس هو والملأ من قومه ليشهدوا المباراة؟ وكيف قبل فرعون أن يجادله موسى وهارون وهو معهما يسمع ويرى.. وهي كذلك التي جعلت جملة واحدة توقع الارتباك في صفوف السحرة المدربين، فتحوجهم إلى التناجي سراً؛ وإلى تجسيم الخطر، واستثارة الهمم، والدعوة إلى التجمع والترابط والثبات. ثم أقدموا: {قالوا: يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى}.. وهي دعوة الميدان إلى النزال. يبدو فيها التماسك وإظهار النصفة والتحدي. {قال: بل ألقوا}.. فقبل التحدي، وترك لهم فرصة البدء، واستبقى لنفسه الكلمة الأخيرة.. ولكن ماذا؟ إنه لسحر عظيم فيما يبدو، وحركة مفاجئة ماجت بها الساحة حتى موسى: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس في نفسه خيفة موسى}، والتعبير يشي بعظمة ذلك السحر وضخامته حتى ليوجس في نفسه خيفة موسى، ومعه ربه يسمع ويرى. وهو لا يوجس في نفسه خيفة إلا لأمر جلل ينسيه لحظة أنه الأقوى، حتى يذكره ربه بأن معه القوة الكبرى: {قلنا: لا تخف. إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى}.. لا تخف إنك أنت الأعلى. فمعك الحق ومعهم الباطل. معك العقيدة ومعهم الحرفة. معك الإيمان بصدق ما أنت عليه ومعهم الأجر على المباراة ومغانم الحياة. أنت متصل بالقوة الكبرى وهم يخدمون مخلوقاً بشرياً فانياً مهما يكن طاغية جباراً. لا تخف {وألق ما في يمينك} بهذا التنكير للتضخيم {تلقف ما صنعوا}. فهو سحر من تدبير ساحر وعمله. والساحر لا يفلح أنى ذهب وفي أي طريق سار، لأنه يتبع تخييلاً ويصنع تخييلاً؛ ولا يعتمد على حقيقة ثابتة باقية. شأنه شأن كل مبطل أمام القائم على الحق المعتمد على الصدق. وقد يبدو باطله ضخماً فخماً، مخيفاً لمن يغفل عن قوة الحق الكامنة الهائلة التي لا تتبختر ولا تتطاول ولا تتظاهر؛ ولكنها تدمغ الباطل في النهاية، فإذا هو زاهق وتلقفه فتطويه، فإذا هو يتوارى. وألقى موسى.. ووقعت المفاجأة الكبرى. والسياق يصور ضخامة المفاجأة بوقعها في نفوس السحرة الذين جاءوا للمباراة فهم أحرص الناس على الفوز فيها، والذين كانوا منذ لحظة يحمس بعضهم بعضاً ويدفع بعضهم بعضاً. والذين بلغت بهم البراعة في فنهم إلى حد أن يوجس في نفسه خيفة موسى. ويخيل إليه ـ وهو الرسول ـ أن حبالهم وعصيهم حيات تسعى! يصور السياق وقع المفاجأة في نفوسهم في صورة تحول كامل في مشاعرهم ووجدانهم، لا يسعفهم الكلام للتعبير عنه؛ ولا يكفي النطق للإفضاء به: {فألقي السحرة سجداً. قالوا: آمنا برب هارون وموسى}.. إنها اللمسة تصادف العصب الحساس فينتفض الجسم كله. وتصادف "الزر" الصغير فينبعث النور ويشرق الظلام. إنها لمسة الإيمان للقلب البشري تحوله في لحظة من الكفر إلى الإيمان. ولكن أنى للطغاة أن يدركوا هذا السر اللطيف؟ أنى لهم أن يدركوا كيف تتقلب القلوب؟ وهم قد نسوا لطول ما طغوا وبغوا، ورأوا الأتباع ينقادون لإشارة منهم، نسوا أن الله هو مقلب القلوب؛ وأنها حين تتصل به وتستمد منه وتشرق بنوره لا يكون لأحد عليها سلطان: {قال: آمنتم له قبل أن آذن لكم؟ إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل، ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى}. {آمنتم له قبل أن آذن لكم}.. قولة الطاغية الذي لا يدرك أنهم هم أنفسهم لا يملكون ـ وقد لمس الإيمان قلوبهم ـ أن يدفعوه عنها، والقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء. {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر}.. فذلك سر الاستسلام في نظره، لا أنه الإيمان الذي دب في قلوبهم من حيث لا يحتسبون. ولا أنها يد الرحمن تكشف عن بصائرهم غشاوة الضلال. ثم التهديد الغليظ بالعذاب الغليظ الذي يعتمد عليه الطغاة؛ ويسلطونه على الجسوم والأبدان حين يعجزون عن قهر القلوب والأرواح: {فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل}. ثم الاستعلاء بالقوة الغاشمة. قوة الوحوش في الغابة. القوة التي تمزق الأحشاء والأوصال، ولا تفرق بين إنسان يقرع بالحجة وحيوان يقرع بالناب: {ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى}! ولكنه كان قد فات الأوان. كانت اللمسة الإيمانية قد وصلت الذرة الصغيرة بمصدرها الهائل. فإذا هي قوية قويمة. وإذا القوى الأرضية كلها ضئيلة ضئيلة. وإذا الحياة الأرضية كلها زهيدة زهيدة. وكانت قد تفتحت لهذه القلوب آفاق مشرقة وضيئة لا تبالي أن تنظر بعدها إلى الأرض وما بها من عرض زائل. ولا إلى حياة الأرض وما فيها من متاع تافه: {قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض. إنما تقضي هـذه الحياة الدنيا. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى}. إنها لمسة الإيمان في القلوب التي كانت منذ لحظة تعنو لفرعون وتعد القربى منه مغنماً يتسابق إليه المتسابقون. فإذا هي بعد لحظة تواجهه في قوة، وترخص ملكه وزخرفه وجاهه وسلطانه: {قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا..} فهي علينا أعز وأغلى وهو جل شأنه أكبر وأعلى. {فاقض ما أنت قاض} ودونك وما تملكه لنا في الأرض. {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا}. فسلطانك مقيد بها، وما لك من سلطان علينا في غيرها. وما أقصر الحياة الدنيا، وما أهون الحياة الدنيا. وما تملكه لنا من عذاب أيسر من أن يخشاه قلب يتصل بالله، ويأمل في الحياة الخالدة أبداً. {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر} مما كنت تكلفنا به فلا نملك لك عصياناً؛ فلعل بإيماننا بربنا يغفر لنا خطايانا {والله خير وأبقى} خير قسمة وجواراً، وأبقى مغنماً وجزاء. إن كنت تهددنا بمن هو أشد وأبقى.. وألهم السحرة الذين آمنوا بربهم أن يقفوا من الطاغية موقف المعلم المستعلي: {إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا. ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولـئك لهم الدرجات العلى. جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى}. فإذا كان يتهددهم بمن هو أشد وأبقى. فها هي ذي صورة لمن يأتي ربه مجرماً هي أشد عذاباً وأدوم {فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا} فلا هو ميت فيستريح، ولا هو حي فيتمتع. إنما هو العذاب الذي لا ينتهي إلى موت ولا ينتهي إلى حياة.. وفي الجانب الآخر الدرجات العلى.. جنات للإقامة ندية بما يجري تحت غرفاتها من أنهار {وذلك جزاء من تزكى} وتطهر من الآثام. وهزأت القلوب المؤمنة بتهديد الطغيان الجائر، وواجهته بكلمة الإيمان القوية. وباستعلاء الإيمان الواثق. وبتحذير الإيمان الناصع. وبرجاء الإيمان العميق. ومضى هذا المشهد في تاريخ البشرية إعلاناً لحرية القلب البشري باستعلائه على قيود الأرض وسلطان الأرض، وعلى الطمع، في المثوبة والخوف من السلطان. وما يملك القلب البشري ان يجهر بهذا الإعلان القوي إلا في ظلال الإيمان. وهنا يسدل الستار ليرفع على مشهد آخر وحلقة من القصة جديدة. إنه مشهد انتصار الحق والإيمان في واقع الحياة المشهود، بعد انتصارهما في عالم الفكرة والعقيدة. فلقد مضى السياق بانتصار آية العصا على السحر؛ وانتصار العقيدة في قلوب السحرة على الاحتراف؛ وانتصار الإيمان في قلوبهم على الرغب والرهب، والتهديد والوعيد. فالآن ينتصر الحق على الباطل والهدى على الضلال، والإيمان على الطغيان في الواقع المشهود. والنصر الأخير مرتبط بالنصر الأول. فما يتحقق النصر في عالم الواقع إلا بعد تمامه في عالم الضمير؛ وما يستعلي أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد أن يستعلوا بالحق في الباطن.. إن للحق والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية. فأما إذا ظل الإيمان مظهراً لم يتجسم في القلب، والحق شعاراً لا ينبع من الضمير، فإن الطغيان والباطل قد يغلبان، لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان.. يجب أن تتحقق حقيقة الإيمان في النفس وحقيقة الحق في القلب؛ فتصبحا أقوى من حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل ويصول بها الطغيان... وهذا هو الذي كان في موقف موسى ـ عليه السلام ـ من السحر والسحرة. وفي موقف السحرة من فرعون وملئه. ومن ثم انتصر الحق في الأرض كما يعرضه هذا المشهد في سياق السورة: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي، فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً، لا تخاف دركاً ولا تخشى. فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم، وأضل فرعون قومه وما هدى}.. ولا يذكر السياق هنا ما كان بعد مواجهة الإيمان للطغيان في موقف السحرة مع فرعون. ولا كيف تصرف معهم بعدما اعتصموا بإيمانهم مستقبلين التهديد والوعيد بقلب المؤمن المتعلق بربه، المستهين بحياة الأرض وما فيها ومن فيها. إنما يعقب بهذا المشهد. مشهد الانتصار الكامل ليتصل النصر القلبي بالنصر الواقعي. وتتجلى رعاية الله لعباده المؤمنين كاملة حاسمة.. ولنفس الغرض لا يطيل هنا في مشهد الخروج والوقوف أمام البحر ـ كما يطيل في سور أخرى ـ بل يبادر بعرض مشهد النصر بلا مقدمات كثيرة. لأن مقدماته كانت في الضمائر والقلوب. وإن هو إلا الإيحاء لموسى أن يخرج بعباد الله ـ بني إسرائيل ـ ليلاً. فضرب لهم طريقاً في البحر يبساً بدون تفصيل ولا تطويل ـ فنعرضه نحن كذلك كما جاء ـ مطمئناً إلى أن عناية الله ترعاهم فلا يخاف أن يدركه فرعون وجنوده، ولا يخشى من البحر الذي اتخذ له طريقاً يابساً فيه! ويد القدرة التي أجرت الماء وفق الناموس الذي أرادته قادرة على أن تكشفه بعض الوقت عن طريق يابس فيه! {فأَتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم. وأضل فرعون قومه وما هدى}.. هكذا يجمل السياق كذلك ما غشي فرعون وقومه، ولا يفصله، ليبقى وقعه في النفس شاملاً مهولاً؛ لا يحدده التفصيل، وقاد فرعون قومه إلى الضلال في الحياة كما قادهم إلى الضلال والبحر. وكلاهما ضلال يؤدي إلى البوار.. ولا نتعرض نحن لتفصيلات ما حدث في هذا الموضع، كي نتابع السياق في حكمة الإجمال. إنما نقف أمام العبرة التي يتركها المشهد ونتسمع لإيقاعه في القلوب.. لقد تولت يد القدرة إدارة المعركة بين الإيمان والطغيان فلم يتكلف أصحاب الإيمان فيها شيئاً سوى اتباع الوحي والسرى ليلاً. ذلك أن القوتين لم تكونا متكافئتين ولا متقاربتين في عالم الواقع.. موسى وقومه ضعاف مجردون من القوة، وفوعون وجنده يملكون القوة كلها. فلا سبيل إلى خوض معركة مادية أصلاً. هنا تولت يد القدرة إدارة المعركة. ولكن بعد أن اكتملت حقيقة الإيمان في نفوس الذين لا يملكون قوة سواها. بعد أن استعلن الإيمان في وجه الطغيان لا يخشاه ولا يرجوه؛ لا يرهب وعيده ولا يرغب في شيء مما في يده.. يقول الطغيان: {فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل} فيقول الإيمان: {فاقض ما أنت قاض. إنما تقضي هذه الحياة الدنيا}.. عندما بلغت المعركة بين الإيمان والطغيان في عالم القلب إلى هذا الحد تولت يد القدرة راية الحق لترفعها عالية، وتنكس راية الباطل بلا جهد من أهل الإيمان. وعبرة أخرى.. إنه حين كان بنو إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم لم تتدخل يد القدرة لإدارة المعركة. فهم لم يكونوا يؤدون هذه الضريبة إلا ذلاً واستكانة وخوفاً. فأما حين استعلن الإيمان، في قلوب الذين آمنوا بموسى واستعدوا لاحتمال التعذيب وهم مرفوعو الرؤوس يجهرون بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تلجلج ودون تحرج، ودون اتقاء للتعذيب. فأما عند ذلك فقد تدخلت يد القدرة لإدارة المعركة. وإعلان النصر الذي تم قبل ذلك في الأرواح والقلوب.. هذه هي العبرة التي يبرزها السياق بذلك الإجمال، وبتتابع المشهدين بلا عائق من التفصيلات. ليستيقنها أصحاب الدعوات، ويعرفوا متى يرتقبون النصر من عند الله وهم مجردون من عدة الأرض. والطغاة يملكون المال والجند والسلاح. وفي ظلال النصر والنجاة يتوجه الخطاب إلى الناجين بالتذكير والتحذير، كي لا ينسوا ولا يبطروا؛ ولا يتجردوا من السلاح الوحيد الذي كان لهم في المعركة فضمنوا به النصر والنجاح: {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم؛ وواعدناكم جانب الطور الأيمن، ونزلنا عليكم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم، ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي، ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى. وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}.. لقد جازوا منطقة الخطر، وانطلقوا ناجين ناحية الطور. وتركوا وراءهم فرعون وجنده غرقى: وإنجاؤهم من عدوهم واقع قريب يذكرونه اللحظة فلم يمض عليه كثير. ولكنه إعلان التسجيل. والتذكير بالنعمة المشهودة ليعرفوها ويشكروها. ومواعدتهم جانب الطور الأيمن يشار إليها هنا على أنها أمر وقع؛ وكانت مواعدة لموسى ـ عليه السلام ـ بعد خروجهم من مصر، أن يأتي إلى الطور بعد أربعين ليلة يتهيأ فيها للقاء ربه، ليسمع ما يوحى إليه في الألواح من أمور العقيدة والشريعة، المنظمة لهذا الشعب الذي كتب له دوراً يؤديه في الأرض المقدسة بعد الخروج من مصر. وتنزيل المن. وهو مادة حلوة تتجمع على أوراق الشجر. والسلوى وهو طائر السماني يساق إليهم في الصحراء، قريب المتناول سهل النزول، كان نعمة من الله ومظهراً لعنايته بهم في الصحراء الجرداء. وهو يتولاهم حتى في طعامهم اليومي فييسره لهم من أقرب الموارد. وهو يذكرهم بهذه النعم ليأكلوا من الطيبات التي يسرها لهم ويحذرهم من الطغيان فيها. بالبطنة والانصراف إلى لذائذ البطون والغفلة عن الواجب الذي هم خارجون له، والتكليف الذي يعدهم ربهم لتلقيه. ويسميه طغياناً وهم قريبو العهد بالطغيان، ذاقوا منه ما ذاقوا، ورأوا من نهايته ما رأوا. {ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى}.. ولقد هوى فرعون منذ قليل. هوى عن عرشه وهوى في الماء.. والهوىّ إلى أسفل يقابل الطغيان والتعالي ينسق هذه المقابلات في اللفظ والظل على طريقة التناسق القرآنية الملحوظة. هذا هو التحذير والإنذار للقوم المقدمين على المهمة التي من أجلها خرجوا؛ كي لا تبطرهم النعمة، ولا يترفوا فيها فيسترخوا.. وإلى جانب التحذير والإنذار يفتح باب التوبة لمن يخطئ ويرجع: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}.. والتوبة ليست كلمة تقال، إنما هي عزيمة في القلب، يتحقق مدلولها بالإيمان والعمل الصالح. ويتجلى أثرها في السلوك العملي في عالم الواقع. فإذا وقعت التوبة وصح الإيمان، وصدقة العمل فهنا يأخذ الإنسان في الطريق، على هدى من الإيمان، وعلى ضمانة من العمل الصالح. فالاهتداء هنا ثمرة ونتيجة للمحاولة والعمل.. وإلى هنا ينتهي مشهد النصر والتعقيب عليه. فيسدل حتى يرفع على مشهد المناجاة الثانية إلى جانب الطور الأيمن.. لقد واعد الله موسى ـ عليه السلام ـ على الجبل ميعاداً ضربه له ليلقاه بعد أربعين يوماً؛ لتلقي التكاليف: تكاليف النصر بعد الهزيمة. وللنصر تكاليفه، وللعقيدة تكاليفها، ولا بد من تهيؤ نفسي واستعداد للتلقي. وصعد موسى إلى الجبل، وترك قومه في أسفله، وترك عليهم هارون نائباً عنه.. لقد غلب الشوق على موسى إلى مناجاة ربه، والوقوف بين يديه، وقد ذاق حلاوتها من قبل، فهو إليها مشتاق عجول. ووقف في حضرة مولاه. وهو لا يعلم ما وراءه، ولا ما أحدث القوم بعده؛ حين تركهم في أسفل الجبل. وهنا ينبئه ربه بما كان خلفه.. فلنشهد المشهد ولنسمع الحوار: {وما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال: هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى. قال: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري}. وهكذا فوجئ موسى.. إنه عجلان إلى ربه، بعدما تهيأ واستعد أربعين يوماً، ليلقاه ويتلقى منه التوجيه الذي يقيم عليه حياة بني إسرائيل الجديدة. وقد استخلصهم من الذل والاستعباد، ليصوغ منهم أمة ذات رسالة، وذات تكاليف. ولكن الاستعباد الطويل والذل الطويل في ظل الفرعونية الوثنية كان قد أفسد طبيعة القوم وأضعف استعدادهم لاحتمال التكاليف والصبر عليها، والوفاء بالعهد والثبات عليه؛ وترك في كيانهم النفسي خلخلة واستعداداً للانقياد والتقليد المريح.. فما يكاد موسى يتركهم في رعاية هارون ويبعد عنهم قليلاً حتى تتخلخل عقيدتهم كلها وتنهار أمام أول اختيار. ولم يكن بد من اختبارات متوالية وابتلاءات متكررة لإعادة بنائهم النفسي. وكان أول ابتلاء هو ابتلاؤهم بالعجل الذي صنعه لهم السامري: {قال: فإنا قد فتنا قومك من بعدك، وأضلهم السامري} ولم يكن لدى موسى علم بهذا الابتلاء، حتى لقي ربه، وتلقى الألواح وفي نسختها هدى، وبها الدستور التشريعي لبناء بني إسرائيل بناء يصلح للمهمة التي هم منتدبون لها. وينهي السياق موقف المناجاة هنا على عجل ويطويه، ليصور انفعال موسى ـ عليه السلام ـ مما علم من أمر الفتنة، ومسارعته بالعودة، وفي نفسه حزن وغضب، على القوم الذين أنقذهم الله على يديه من الاستعباد والذل في ظل الوثنية؛ ومن عليهم بالرزق الميسر والرعاية الرحيمة في الصحراء؛ وذكرهم منذ قليل بآلائه، وحذرهم الضلال وعواقبه. ثم ها هم أولاء يتبعون أول ناعق إلى الوثنية، وإلى عبادة العجل! ولم يذكر هنا ما أخبر الله به موسى من تفصيلات الفتنة، استعجالاً في عرض موقف العودة إلى قومه. ولكن السياق يشي بهذه التفصيلات. فلقد عاد موسى غضبان أسفاً يوبخ قومه ويؤنب أخاه. فلا بد أن كان يعلم شناعة الفعلة التي أقدموا عليها: {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً. قال: يا قوم: ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً؟ أفطال عليكم العهد؟ أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي؛ قالوا: ما أخلفنا موعدك بملكنا، ولـكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها، فكذلك ألقى السامري، فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار، فقالوا: هـذا إلـهكم وإلـه موسى فنسي، أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً؟ ولقد قال لهم هارون من قبل: يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمـن فاتبعوني وأطيعوا أمري. قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى!}. هذه هي الفتنة يكشف السياق عنها في مواجهة موسى بقومه؛ وقد أخر كشفها عن موقف المناجاة، واحتفظ بتفصيلاتها لتظهر في مشهد التحقيق الذي يقوم به موسى.. لقد رجع موسى ليجد قومه عاكفين على عجل من الذهب له خوار يقولون: هذا إلهكم وإله موسى. وقد نسي موسى فذهب يطلب ربه على الجبل وربه هنا حاضر! فراح موسى يسألهم في حزن وغضب: {يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً؟} وقد وعدهم الله بالنصر ودخول الأرض المقدسة في ظل التوحيد؛ ولم يمض على هذا الوعد وإنجاز مقدماته طويل وقت. ويؤنبهم في استنكار: {أفطال عليكم العهد؟ أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم؟} فعملكم هذا عمل من يريد أن يحل عليه غضب من الله كأنما يتعمد ذلك تعمداً، ويقصد إليه قصداً!.. أفطال عليكم العهد؟ أم تعمدتم حلول الغضب {فأخلفتم موعدي} وقد تواعدنا على أن تبقوا على عهدي حتى أعود إليكم، لا تغيرون في عقيدتكم ولا منهجكم بغير أمري؟ عندئذ يعتذرون بذلك العذر العجيب، الذي يكشف عن أثر الاستعباد الطويل، والتخلخل النفسي والسخف العقلي: {قالوا: ما أخلفنا موعدك بملكنا} فلقد كان الأمر أكبر من طاقتنا! {ولـكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها}.. وقد حملوا معهم أكداساً من حلي المصريات كانت عارية عند نسائهم فحملنها معهن. فهم يشيرون إلى هذه الأحمال. ويقولون: لقد قذفناها تخلصاً منها لأنها حرام. فأخذهم السامري فصاغ منها عجلاً. والسامري رجل من "سامراء" كان يرافقهم أو أنه واحد منهم يحمل هذا اللقب. وجعل له منافذ إذا دارت فيها الريح أخرجت صوتاً كصوت الخوار، ولا حياة فيه ولا روح فهو جسد ـ ولفظ الجسد يطلق على الجسم الذي لا حياة فيه ـ فما كادوا يرون عجلاً من ذهب يخور حتى نسوا ربهم الذي أنقذهم من أرض الذل، وعكفوا على عجل الذهب؛ وفي بلاهة فكر وبلادة روح قالوا: {هذا إلهكم وإله موسى} راح يبحث عنه على الجبل، وهو هنا معنا. وقد نسي موسى الطريق إلى ربه وضل عنه! وهي قولة تضيف إلى معنى البلادة والتفاهة اتهامهم لنبيهم الذي أنقذهم تحت عين الله وسمعه، وبتوجيهه وإرشاده. اتهامهم له بأنه غير موصول بربه، حتى ليضل الطريق إليه، فلا هو يهتدي ولا ربه يهديه! ذلك فضلاً على وضوح الخدعة: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً؟} والمقصود أنه حتى لم يكن عجلاً حياً يسمع قولهم ويستجيب له على عادة العجول البقرية! فهو درجة أقل من درجة الحيوانية. وهو بطبيعة الحال لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً في أبسط صورة. فهو لا ينطح ولا يرفس ولا يدير طاحونة ولا ساقية! وغير ذلك كله لقد نصح لهم هارون، وهو نبيهم كذلك، والنائب عن نبيهم المنقذ. ونبههم إلى أن هذا ابتلاء. قال: {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن} ونصحهم باتباعه وطاعته كما تواعدوا مع موسى، وهو عائد إليهم بعد ميعاده مع ربه على الجبل.. ولكنهم بدلاً من الاستجابة له التووا وتملصوا من نصحه، ومن عهدهم لنبيهم بطاعته، وقالوا: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى}.. رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً؛ فسمع منهم حجتهم التي تكشف عن مدى ما أصاب نفوسهم من تخلخل، وأصاب تفكيرهم من فساد. فالتفت إلى أخيه وهو في فورة الغضب، يأخذ بشعر رأسه وبلحيته في انفعال وثورة: {قال: يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن؟ أفعصيت أمري؟}. يؤنبه على تركهم يعبدون العجل، دون أن يبطل عبادته، اتباعاً لأمر موسى ـ عليه السلام ـ بألا يحدث أمراً بعده، ولا يسمح بإحداث أمر. ويستنكر عليه عدم تنفيذه، فهل كان ذلك عصياناً لأمره؟ وقد قرر السياق ما كان من موقف هارون. فهو يطلع أخاه عليه؛ محاولاً أن يهدئ من غضبه، باستجاشة عاطفة الرحم في نفسه: {قال: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. إني خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي}. وهكذا نجد هارون أهدأ أعصاباً وأملك لانفعاله من موسى، فهو يلمس في مشاعره نقطة حساسة. ويجيء له من ناحية الرحم وهي أشد حساسية، ويعرض له وجهة نظره في صورة الطاعة لأمره حسب تقديره؛ وأنه خشي إن هو عالج الأمر بالعنف أن يتفرق بنو إسرائيل شيعاً، بعضها مع العجل، وبعضها مع نصيحة هارون. وقد أمره بأن يحافظ على بني إسرائيل ولا يحدث فيهم أمراً. فهي كذلك طاعة الأمر من ناحية أخرى.. عندئذ يتجه موسى بغضبه وانفعاله إلى السامري صاحب الفتنة من أساسها. إنما لم يتوجه إليه منذ البدء، لأن القوم هم المسؤولون ألا يتبعوا كل ناعق، وهارون هو المسؤول أن يحول بينهم وبين اتباعه إذا هموا بذلك وهو قائدهم المؤتمن عليهم. فأما السامري فذنبه يجيء متأخراً لأنه لم يفتنهم بالقوة، ولم يضرب على عقولهم، إنما أغواهم فغووا، وكانوا يملكون أن يثبتوا على هدى نبيهم الأول ونصح نبيهم الثاني. فالتبعة عليهم أولاً وعلى راعيهم بعد ذلك. ثم على صاحب الفتنة والغواية أخيراً. اتجه موسى إلى السامري! {قال: فما خطبك يا سامري؟}.. أي ما شأنك وما قصتك. وهذه الصيغة تشير إلى جسامة الأمر، وعظم الفعلة. {قال: بصرت بما لم يبصروا به، فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها. وكذلك سولت لي نفسي}.. وتتكاثر الروايات حول قول السامريّ هذا. فما هو الذي بصر به؟ ومن هو الرسول الذي قبض قبضة من أثره فنبذها؟ وما علاقة هذا بعجل الذهب الذي صنعه؟ وما أثر هذه القبضة فيه؟ والذي يتردد كثيراً في هذه الروايات أنه رأى جبريل ـ عليه السلام ـ وهو في صورته التي ينزل بها إلى الأرض؛ فقبض قبضة من تحت حافر فرسه، فألقاها على عجل الذهب، فكان له هذا الخوار. أو إنها هي التي أحالت كوم الذهب عجلاً له خوار.. والقرآن لا يقرر هنا حقيقة ما حدث، إنما هو يحكي قول السامري مجرد حكاية.. ونحن نميل إلى اعتبار هذا عذراً من السامريّ وتملصاً من تبعة ما حدث. وأنه هو صنع العجل من الذهب الذي قذفه بنو إسرائيل من زينة المصريين التي أخذوها معهم، وأنه صنعه بطريقة تجعل الريح تصوت في فراغه فتحدث صوتاً كالخوار. ثم قال حكاية أثر الرسول يبرر بها موقفه، ويرجع الأمر إلى فطنته إلى أثر الرسول! وعلى أية حال فقد أعلنه موسى ـ عليه السلام ـ بالطرد من جماعة بني إسرائيل. مدة حياته. ووكل أمره بعد ذلك إلى الله. وواجهه بعنف في أمر إلهه الذي صنعه بيده. ليرى قومه بالدليل المادي أنه ليس إلهاً، فهولا يحمي صانعه، ولا يدفع عن نفسه: {قال: فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول: لا مساس. وإن لك موعداً لن تخلفه. وانظر إلى إلـهك الذي ظلت عليه عاكفاً، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً}.. اذهب مطروداً لا يمسك أحد لا بسوء ولا بخير ولا تمس أحداً ـ وكانت هذه إحدى العقوبات في ديانة موسى. عقوبة العزل، وإعلان دنس المدنس فلا يقربه أحد ولا يقرب أحداً ـ أما الموعد الأخر فهو موعد العقوبة والجزاء عند الله.. وفي حنق وعنف أمر أن يهوى على عجل الذهب، فيحرق وينسف ويلقى في الماء. والعنف إحدى سمات موسى ـ عليه السلام ـ وهو هنا غضبة لله ولدين الله، حيث يستحب العنف وتحسن الشدة. وعلى مشهد الإله المزيف يحرق وينسف، يعلن موسى ـ عليه السلام ـ حقيقة العقيدة. {إنما إلـهكم الله الذي لا إلـه إلا هو. وسع كل شيء علماً}. وينتهي بهذا الإعلان هذا القدر من قصة موسى في هذه السورة. تتجلى فيه رحمة الله ورعايته بحملة دعوته وعباده. حتى عندما يبتلون فيخطئون. ولا يزيد السياق شيئاً من مراحل القصة بعد هذا، لأنه بعد ذلك يقع العذاب على بني إسرائيل بما يرتكبون من آثام وفساد وطغيان. وجو السورة هو جو الرحمة والرعاية بالمختارين. فلا حاجة إلى عرض مشاهد أخرى من القصة في هذا الجو الظليل.

ابن عاشور

تفسير : وهذان الحرفان من حروف فواتح بعض السور مثل الۤمۤ، ويۤس. ورسما في خط المصحف بصورة حروف التهجي التي هي مسمى (طا) و (ها) كما رُسم جميع الفواتح التي بالحروف المقطعة. وقرئا لجميع القراء كما قرئت بقية فواتح السور. فالقول فيهما كالقول المختار في فواتح تلك السور، وقد تقدم في أول سورة البقرة وسورة الأعراف. وقيل هما حرفان مقتضَبَان من كلمتي (طاهر) و (هاد) وأنهما على معنى النّداء بحذف حرف النداء. وتقدم وجه المدّ في (طا) (ها) في أول سورة يونس. وقيل مقتضبان من فعل (طَأْ) أمراً من الوطء. ومن (ها) ضمير المؤنثة الغائبة عائد إلى الأرض. وفُسر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أول أمره إذا قام في صلاة الليل قام على رِجْل واحدة فأمره الله بهذه الآية أن يطأ الأرض برجله الأخرى. ولم يصح. وقيل (طاها) كلمة واحدة وأن أصلها من الحبشية، ومعناها إنسان، وتكلمت بها قبيلة (عَك) أو (عُكْل) وأنشدوا ليزيد بن مهلهل:شعر : إن السفاهة طاها من شمائلكم لا باركَ الله في القومِ الملاعين تفسير : وذهب بعض المفسرين إلى اعتبارهما كلمة لغة (عَك) أو (عُكل) أو كلمة من الحبشية أو النبطية وأنّ معناها في لغة: (عك) يا إنسان، أو يا رجل، وفي ما عداها: يا حبيبي، وقيل: هي اسم سمى الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأنه على معنى النّداء، أو هو قسم به. وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى على معنى القسم. ورويت في ذلك آثار وأخبار ذكر بعضها عياض في «الشِّفاء». ويجري فيها قول من جعل جميع هذه الحروف متحدة في المقصود منها. كقول من قال: هي أسماء للسور الواقعة فيها، ونحو ذلك مما تقدم في سورة البقرة. وإنما غرّهم بذلك تشابه في النطق فلا نطيل بردها. وكذلك لا التفات إلى قول من زعموا أنه من أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الشنقيطي

تفسير : أظهر الأقوال فيه عندي - أنه من الحروف المقطعة في أوائل السُّوَر, ويدل لذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السورة, جاءتا في مواضع أخر لا نزاع فيها في أنهما من الحروف المقطعة, أما الطاء ففي فاتحة "الشعراء" {طسۤمۤ } وفاتحة "النمل" { طسۤ}. وفاتحة "القصص" وأمَّا الهاء ففي فاتحة "مريم" في قوله تعالى {كۤهيعۤصۤ } وقد قدمنا الكلام مُسْتوفى على الحروف المقطعة في أول سورة "هود" وخير ما يفسَّر به القرآن القرآن. وقال بعض أهل العلم: قوله طه: معناه يا رجل. قالوا: وهي لغة بني عك بن عدنان, وبني طيء, وبني عكل, قالوا: لو قُلتَ لرجل من بني عك: يا رجل, لم يَفهم أَنك تناديه حتى تقول طه, ومنه قول متمم بن نويرة التميمي: شعر : دَعَوت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلا تفسير : ويروى مزايلاً, وقال عبدالله بن عمر: معنى (طه) بلغة عك يا حبيبي, ذكره الغزنوي. وقال قطرب: هو بلغة طيىء, وأنشد ليزيد بن المهلهل: شعر : إن للسفاهة طه في شمائلكم لا بارك الله في القوم الملاعين تفسير : ويروى: شعر : إن السفاهة طه من خلائقكم لا قدَّس الله أرواح الملاعين تفسير : وممن روي عنه أن معنى "طه": يا رجل, ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبو مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى وغيرهم, كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وذكر القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال: حديث : كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرىتفسير : , فأنزل الله "طه" يعني طأ الأرض بقدميك يا محمد. وعلى هذا القول فالهاء مبدلة من الهمزة, والهمزة حففت بإبدالها أن ألفاً كقول في الفرزدق: شعر : راحت بمسلمة البغال عشية فارعى فزارة لا هناك المرتع تفسير : ثم بني عليه الأمر والهاء للسكت. ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف والبعد عن الظاهر. وفي قوله {طه} أقوال أخر ضعيفة, كالقول بأنه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم. والقول بأن الطاء من الطهارة, والهاء من الهداية يقول لنبيه: يا طاهراً من الذنوب, يا هادي الخلق إلى علام الغيوب, وغير ذلك من الأقوال الضعيفة. والصواب إن شاء الله في الأية هو ما صدرنا به, ودل عليه القرآن في مواضع أخر.

الواحدي

تفسير : {طه} يا رجل. {وما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} لتتعب بكثرة الجهد، وذلك أنَّه كان يُصلِّي اللَّيل كلَّه بمكَّة حتى تورَّمت قدماه، وقال له الكفَّار: إنَّك لتشقى بترك ديننا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {إلاَّ تذكرة} أي: ما أنزلناه إلاَّ تذكرةً، موعظةً {لمن يخشى} يخاف الله عزَّ وجلَّ. {تنزيلاَ ممَّن خلق الأرض والسموات العلى} جمع العليا. {الرحمن على العرش} مع أنَّه أعظم المخلوقات {استوى} [أي: أقبل على خلقه، كقوله: {أية : ثم استوى إلى السماء} تفسير : مع أنه أعظم المخلوقات]، أي: استولى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- بدأ الله تعالى السورة بهذه الحروف لتحدى المنكرين، والإشارة إلى أن القرآن مُكَوَّن من هذه الحروف التى تتكلمون بها، ومع ذلك عجزتم عن الإتيان بسورة قصيرة أو آيات من مثله. 2- إنا ما أوحينا إليك - أيها الرسول - هذا القرآن ليكون سبباً فى إرهاق نفسك أسفاً على إعراض المعرضين عنك. 3- لكن أنزلناه تذكرة لمن يخاف الله فيطيعه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: طه: أي يا رجل. إلا تذكرة: أي يتذكر بالقرآن من يخشى عقاب الله عز وجل. على العرش استوى: أي ارتفع عليه وعلا. وما تحت الثرى: الثرى التراب الندي يريد ما هو أسفل الأرضين السبع. وأخفى: أي من السر، وهو ما علمه الله وقدر وجوده وهو كائن ولكن لم يكن بعد. الحسنى: الحسنى مؤنث الأحسن المفضل على الحسن. معنى الآيات: قوله تعالى {طه} لفظ طه جائز أن يكون من الحروف المقطعة، وجائز أن يكون معناه يا رجل ورجح الأمر ابن جرير لوجوده في لغة العرب طه بمعنى يا رجل وعلى هذا فمعنى الكلام يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى رداً على النضر بن الحارث الذي قال إن محمداً شقي بهذا القرآن الذي أنزل عليه لما فيه من التكاليف فنفى الحق عز وجل ذلك وقال {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} وإنما أنزلناه ليكون تذكرة ذكرى يذكر بها من يخشى ربه فيقبل على طاعته متحملاً في سبيل ذلك كل ما قد يلاقي في طريقه من أذى قومه المشركين بالله الكافرين بكتابه والمكذبين لرسوله، وقوله: {تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى} أي هذا القرآن الذي ما أنزلناه لتشقى به ولكن تذكرة لمن يخشى نُزِّل تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} أي رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما الذي استوى على عرشه استواءً يليق به يدبر أمر مخلوقاته، الذي {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} من الأرضين السبع. وقوله {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ} أيها الرسول أو تُسِر {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} من السر، وهو ما قدره الله وهو واقع في وقته المحدد له فعلمه تعالى ولم يعلمه الإِنسان بعد. وقوله: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي الله المعبود بحق الذي لا معبود بحق سواه {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} التي لا تكون إلا له، ولا تكون لغيره من مخلوقاته. وهكذا عرَّف تعالى عباده به ليعرفوه فيخافونه ويحبونه فيؤمنون به ويطيعونه فيكملون على ذلك ويسعدون فلله الحمد وله المنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إبطال نظرية أن التكاليف الشرعية شاقة ومرهقة للعبد. 2- تقرير عقيدة الوحي وإثبات النبوة المحمدية. 3- تقرير الصفات الإِلهية كالاستواء ووجوب الإِيمان بها بدون تأويل أو تعطيل أو تشبيه بل إثباتها على الوجه الذي يليق بصاحبها عز وجل. 4- تقرير ربوبية الله لكل شيء. 5- تقرير التوحيد وإثبات أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى.

القطان

تفسير : لتشقى: لتتعب. تذكرة: تذكيرا. يخشى: يخاف الله. العُلى: جمع العليا، مؤنث الأعلى. العرش: في الأصل سرير الملك، وهنا مركز تدبير العالم. استوى: استولى عليه، ولهذه الكلمة عدة معان. الثرى: التراب، والمراد به هنا الأرض. وأخفى: أخفى من السر كحديث النفس، وما يخطر بالبال. طه: تقرأ هكذا طاها. واختلف المفسرون اختلافا كبيرا في معناها، هل هو اسم من اسماء الله، أم معناها: يا رجلُ، كما قال الطبري، او انها اسمٌ من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم. قراءات: قرأ قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب: طاها، هكذا. وقرأ حمزة والكسائي وخلَف وابو بكر: طه بالإمالة. ابتدأ الله تعالى السورةَ بهذه الحروف، لتحدّي المنكِرين والإشارة إلى أن القرآن مكون من هذه الحروف التي تتكلمون بها، ومع ذلك عجزتم عن الإتيان بسورة قصيرةٍ أو آيات مثله. {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ.... }. ما أنزلْنا عليك القرآن لتُتعب نفسك في مكابدة الشدائد، وتتحسَّر على عدم إيمان من تدعوه، بل أنزلْناهُ عليك لتبلِّغَ وتذكِّر، وقد فعلت. قال الواحدي وغيرُه من المفسرين في أسباب النزول: قال ابو جهل والنضرُ بن الحارث، والوليد بن المغيرة، والمطعِم بن عَدِي للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لَتشقى بتركِ ديننا، لما رأوا من طول عبادته واجتهادهِ. فأنزلَ الله تعالى: {طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}. ولكن أنزلناه تذكيراً لمن يخافُ الله ويطيعه، فحسْبُك ما حملته من متاعب التبليغ والتبشير والانذار. وفي هذا تسليةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام على ما كان يعتزّ به من التعب حين كان يدعو أولئك القوم، وهم معاندون جاحدون. والذي نزّل القرآن عليك هو خالق الأرضِ والسماوات العلى، إنه هو الرحمن، نزّله عليك من الملأ الأعلى. لقد استولى على العرش، وبيدِه زمامُ الأمر كله، وله وحدَه سبحانه ملكُ السماوات وما فيها والأرض وما فيها وما عليها. لقد شملت قدرتُه كل شيء، واحاط علمُه بهذا الكون، فان تجهر بالدعاء يعلمه الله، لأنه يعلم حتى ما تحدِّثُ به نفسك، {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}تفسير : [آل عمران:154]. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}. اللهُ هو الإله الواحد، لا إله غيره، وهو المتصف بصفات الكمال، وكلّ أسمائه حَسنة لأنها تُعبِّر عن أحسن المعاني.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) طَا. هَا. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

الثعلبي

تفسير : قوله عزّ وجلّ {طه} قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة. أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود {طه} فقال له عبد الله: {طِه} فقال له الرجل: يا أبا عبد الرَّحْمن أليس أُمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طِه، هكذا أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم . واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا: يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: شعر : ان السفاهة طه في خلائقكم لا قدّس الله أرواح الملاعين تفسير : وقال آخر: شعر : هتفت بطه في القتال فلم يجب فخفت لعمرك أن يكون موائلا تفسير : مقاتل بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطَوله وهدايته، وموضع القاسم قوله {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه): طه: طهارة أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم ثم {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} تفسير : [الأحزاب: 33] وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأُمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم: يا طاهراً من الذنوب، ويا هادياً إلى علاّم الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى {أية : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} تفسير : [آل عمران: 151]. وقال: وقذف في قلوبهم الرعب، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} قال مجاهد: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : وقال الكلبي: حديث : لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي . تفسير : أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول:حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال صلى الله عليه وسلم أفلا أكون عبداً شكوراً . تفسير : وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث للنبىّ صلى الله عليه وسلم إنّك لتسعى بترك ديننا وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بعثت رحمة للعالمين، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى {طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} وأصل لكن أنزلناه عظة لمن يخشى. قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إّلا تذكرة لمن يخشى ولئلاّ تشقى، تنزيلاً بدل من قوله تذكرةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا {تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَاوَاتِ ٱلْعُلَى} يعني العالية الرفيعة وهو جمع العُليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ * لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} [لقمان: 16] الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى {أية : وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} تفسير : لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاهُ فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحراً واحداً سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ} تُعلن {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدَّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدَّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدَّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تُسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غداً، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غداً. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم مّما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسهِ. ثم وحّد نفسه فقال: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تكلمنا كثيراً عن الحروف المقطَّعة في بدايات السور، ولا مانع هنا أنْ نشير إلى ما ورد في (طه)، فالبعض يرى أنها حروف متصلة، وهي اسم من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، وآخرون يروْنَ أنها حروف مُقطّعة مثل (الم) ومثل (يس) فهي حروف مُقطّعة، إلا أنها صادفتْ اسماً من الأسماء كما في (ن) حرف وهو اسم للحوت: {أية : وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ..}تفسير : [الأنبياء: 87] و(ق) حرف، وهو اسم لجبل اسمه جبل قاف. إذن: لا مانع أن تدل هذه الحروف على اسم من الأسماء، فتكون (طه) اسماً من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، وأن بعدها: {أية : مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 2]. لكن تلاحظ هنا مفارقة، حيث نطق الطاء والهاء بدون الهمزة، مع أنها حروف مقطعة مثل الف لام ميم، لكن لم ينطق الحرف كاملاً، لأنهم كانوا يستثقلون الهَمْز فيُخَفِّفونها، كما في ذئب يقولون: ذيب وفي بئر، يقولون: بير. وهذا النطق يُرجح القول بأنها اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم. وسبق أنْ أوضحنا أن فواتح السور بالحروف المقطّعة تختلف عن باقي آيات القرآن، فكُلُّ آيات القرآن من بدايته لنهايته بُنيَتْ على الوَصْل، وإنْ كان لك أن تقف؛ لذلك فكل المصاحف تُبنَى على الوَصْل في الآيات وفي السور، فتنطق آخر السورة على الوصل ببسم الله الرحمن الرحيم في السورة التي بعدها. تقول: {أية : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً}تفسير : [مريم: 98] (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى في آخر سور القرآن ونهايته تقول: {أية : مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ}تفسير : [الناس: 6] (بسم الله الرحمن الرحيم) مع أنها آخر كلمة في القرآن، وماذا سيقول بعدها؟ لكنها جاءت على الوَصْل إشارة إلى أن القرآن موصولٌ أوَّله بآخره، لا ينعزل بعضه عن بعض، فإياك أن تجفوَهُ، أو تظن أنك أنهيته؛ لأن نهايته موصولة ببدايته؛ فنقرأ {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} الحمدُ للهِ رب العالمين .... إذن: فالقرآن كله في كل جملة وكل آية وكل سورة مبنيٌّ على الوَصْل، إلا في فواتح السور بالحروف المقطّعة تُبنَى على الوقف (ألف - لام - ميم)، وهذا وجه من وجوه الإعجاز، وأن القرآن ليس ميكانيكا، بل كلام مُعْجِز من ربِّ العالمين. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوضح استقلالية هذه الحروف بذاتها، فقال "حديث : تعلموا هذا القرآن، فإنكم تؤجرون بتلاوته، بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، بكل حرف عشر حسنات ". تفسير : يقول الحق سبحانة: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [الآية: 1 و2] يعني: في الصلاة وهو كقوله{أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}تفسير : [المزمل: 20] قال: وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {بِقَبَسٍ} القَبسُ: شعلةٌ من نار {ٱلْمُقَدَّسِ} المطهَّر والمبارك {طُوًى} اسم للوادي {فَتَرْدَىٰ} تهلك والردى: الهلاك {أَهُشُّ} أخبط بها الشجر ليسقط الورق {مَآرِبُ} جمع مأْربه وهي الحاجة {جَنَاحِكَ} الجناح: الجَنب وجناحا الإِنسان جنباه لأن يدي الإِنسان يشبهان جناحي الطائر {أَزْرِي} الأزر: القوة يقال: آزره أي قوّاه ومنه {أية : فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ} تفسير : [الفتح: 29] قال الشاعر: شعر : أليس أبونا هاشمٌ شدَّ أَزْره وأوصى بَنيه بالطِّعان وبالضرب تفسير : {ٱلْيَمِّ} البحر {تَقَرَّ عَيْنُها} تُسرَّ بلقائك. التفسِير: {طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} الحروف المقطعة للتنبيه إِلى إِعجاز القرآن وقال ابن عباس: معناها يا رجل، ومعنى الآية: ما أنزلنا عليك يا محمد القرآن لتشقى به إِنما أنزلناه رحمة وسعادة، رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه القرآن صلّى هو وأصحابه فأطال القيام فقالت قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إِلا ليشقى فنزلت هذه الآية {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} أي ما أنزلناه إِلا عظة وتذكيراً لمن يخشى الله ويخاف عقابه، وهو المؤمنُ المستنير بنور القرآن {تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى} أي أنزله خالقُ الأرض، ومبدعُ الكون، ورافع السماوات الواسعة العالية، والآية إِخبارٌ عن عظمته وجبروته وجلاله قال في البحر: ووصفُ السماوات بالعُلى دليلٌ على عظمة قدرة من اخترعها إِذ لا يمكن وجود مثلها في علُوِّها من غيره تعالى {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} أي ذلك الربُّ الموصوف بصفات الكمال والجمال هو الرحمن الذي استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله من غير تجسيمٍ، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل كما هو مذهب السلف {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} أي له سبحانه ما في الوجود كلِّه: السماواتُ السبعُ، والأرضون وما بينهما من المخلوقات وما تحت التراب من معادن ومكنونات، الكلُّ ملكُه وتحت تصرفه وقهره وسلطانه أي وإِن تجهرْ يا محمد بالقول أو {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} تخفه في نفسك فسواءٌ عند ربك، فإِنه يعلم السرَّ وما هو أخفى منه كالوسوسه والهاجس والخاطر.. والغرضُ من الآية طمأنينه قلبه عليه السلام بأن ربه معه يسمعه، ولن يتركه وحيداً يواجه الكافرين بلا سند فإِذا كان يدعوه جهراً فإِنه يعلم السرَّ وما هو أخفى، والقلب حين يستشعر قرب الله منه، وعلمه بسرِّه ونجواه يطمئن ويرضى ويأنس بهذا القرب الكريم {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي ربكم هو الله المتفرد بالوحدانية، لا معبود بحق سواه، ذو الأسماء الحسنة التي هي في غاية الحُسن وفي الحديث "حديث : إن للّهِ تسعةٌ وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة"تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} الاستفهام للتقرير وغرضه التشويق لما يُلقى إِليه أي هل بلغك يا محمد خبر موسى وقصته العجيبة الغريبة؟ {إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} أي حين رأى ناراً فقال لامرأته أقيمي مكانك فإِني أبصرتُ ناراً قال ابن عباس: هذا حين قضى الأجل وسار بأهله من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ الطريق وكانت ليلة مظلمة شاتية فجعل يقدح بالزناد فلا يخرج منها شَررٌ فبينما هو كذلك إِذْ بصر بنارٍ من بعيد على يسار الطريق، فلما رآها ظنها ناراً وكانت من نور الله {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} أي لعلي آتيكم بشعلة من النار تستدفئون بها {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى} أي أجد هادياً يدلني على الطريق {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} أي فلما أتى النار وجدها ناراً بيضاء تتّقد في شجرة خضراء وناداه ربُّه يا موسى: إِني أنا ربُّك الذي أكلمك فاخلع النعلين من قدميك رعايةً للأدب وأَقْبل {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} أي فإِنك بالوادي المطهَّر المبارك المسمّى طوى {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} أي اصطفيتك للنبوة فاستمع لما أُوحيه إِليك قال الرازي: فيه نهايةُ الهيبة والجلالة فكأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهبْ له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفاً إِليه {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي} أي أنا الله المستحق للعبادة لا إِله غيري فأفردني بالعبادة والتوحيد {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} أي أقم الصلاة لتذكرني فيها قال مجاهد: إِذا صلّى ذكر ربه لاشتمالها على الأذكار وقال الصاوي: خصَّ الصلاة بالذكر وإِن كانت داخلةً في جملة العبادات لعظم شأنها، واحتوائها على الذكر، وشغل القلب واللسان والجوارح، فهي أفضل أركان الدين بعد التوحيد {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} أي إِن الساعة قادمة وحاصلةٌ لا محالة أكاد أخفيها عن نفسي فكيف أطلعكم عليها؟ قال المبرِّد: وهذا على عادة العرب فإِنهم يقولون إِذا بالغوا في كتمان الشيء: كتمته حتى من نفسي أي لم أطلع عليه أحداً {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} أي لتنال كلُّ نفسٍ جزاء ما عملت من خير أو شر قال المفسرون: والحكمة من إِخفائها وإِخفاء وقت الموت أن الله تعالى حكم بعدم قبول التوبة عند قيام الساعة وعند الاحتضار، فلو عرف الناس وقت الساعة أو وقت الموت، لاشتغلوا بالمعاصي ثم تابوا قبل ذلك، فيتخلصون من العقاب، ولكنَّ الله عمَّى الأمر، ليظلَّ الناس على حذر دائم، وعلى استعداد دائم، من أن تبغتهم الساعة أو يفاجئهم الموت {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا} أي لا يصرفنَّك يا موسى عن التأهب للساعة والتصديق بها من لا يوقن بها {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} أي مالَ مع الهوى وأقبل على اللذائذ والشهوات ولم يحسب حساباً لآخرته {فَتَرْدَىٰ} أي فتهلك فإِن الغفلة عن الآخرة مستلزمة للهلاك {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} أي وما هذه التي بيمينك يا موسى؟ أليست عصا؟ والغرضُ من الاستفهام التقريرُ والإِيقاظُ والتنبيهُ إِلى ما سيبدو من عجائب صنع الله في الخشبة اليابسة بانقلابها إِلى حية، لتظهر لموسى القدرة الباهرة، والمعجزة القاهرة قال ابن كثير: إِنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي أمَا هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها؟ فسترى ما نصنع بها الآن؟ {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} أي أعتمد عليها في حال المشي {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} أي أهزُّ بها الشجرة وأضرب بها على الأغصان ليتساقط ورقها فترعاه غنمي {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} أي ولي فيها مصالح ومنافع وحاجات أُخَر غير ذلك قال المفسرون: كان يكفي أن يقول هي عصاي ولكنه زاد في الجواب لأن المقام مقام مباسطة وقد كان ربه يكلمه بلا واسطة، فأراد أن يزيد في الجواب ليزداد تلذذاً بالخطاب، وكلام الحبيب مريحٌ للنفس ومُذْهبٌ للعَناء {قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ} أي اطرح هذه العصا التي بيدك يا موسى لترى من شأنها ما ترى! {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} أي فلما ألقاها صارت في الحال حية عظيمة تنتقل وتتحرك في غاية السرعة قال ابن عباس: انقلبت ثعباناً ذكراً يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيءٍ خافه ونفر منه وولّى هارباً قال المفسرون: لما رأى هذا الأمر العجيب الهائل، لحقه ما يلحق البشر عند رؤية الأهوال والمخاوف، لا سيما هذا الأمر الذي يذهب بالعقول، وإِنما أظهر له هذه الآية وقت المناجاة تأنيساً له بهذه المعجزة الهائلة حتى لا يفزع إِذا ألقاها عند فرعون لأنه يكون قد تدرَّب وتعوَّد {قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} أي قال له ربه: خذْها يا موسى ولا تخفْ منها {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ} أي سنعيدها إِلى حالتها الأولى كما كانت عصا لا حيَّة، فأمسكها فعادت عصا {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي أدخل يدك تحت إِبطك ثم أخرجها تخرج نيِّرة مضيئة كضوء الشمس والقمر من غير عيب ولا برص قال ابن كثير: كان إِذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها تخرج تتلألأ كأنها فلقة القمر من غير برصٍ ولا أذى {آيَةً أُخْرَىٰ} أي معجزة ثانية غير العصا {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ} أي لنريك بذلك بعض آياتنا العظيمة.. أراه الله معجزتين "العصا، واليد" وهي بعض ما أيَّده الله به من المعجزات الباهرة، ثم أمره أن يتوجه إِلى فرعون رأس الكفر والطغيان {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} أي إِذهب بما معك من الآيات إِلى فرعون إِنه تكبَّر وتجبَّر وجاوز الحدَّ في الطغيان حتى ادَّعى الألوهية {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} أي وسِّعْه ونوِّره بالإِيمان والنُبوّة {وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي} أي سهّلْ عليَّ القيام بما كلفتني من أعباء الرسالة والدعوة {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي} أي حلَّ هذه اللُّكْنة الحاصلة في لساني حتى يفهموا كلامي قال المفسرون: عاش موسى في بيت فرعون فوضعه فرعون مرة في حِجْرهِ وهو صغير فجرَّ لحية فرعون بيده فهمَّ بقتله، فقالت له آسية: إِنه لا يعقل وسأريك بيان ذلك، قدّمْ إِليه جمرتين ولؤلؤتين، فإِن أخذ اللؤلؤة عرفت أنه يعقل، وإِن أخذ الجمرة عرفت أنه طفل لا يعقل، فقدَّم إِليه فأخذ الجمرة فجعلها في فيه فكان في لسانه حَبْسة {وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} أي اجعل لي معيناً يساعدني ويكون من أهلي وهو أخي هارون {ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} أي لتقوِّي به يا رب ظهري {وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي} أي اجعله شريكاً لي في النبوة وتبليغ الرسالة {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} أي كي نتعاون على تنزيهك عما لا يليق بك ونذكرك بالدعاء والثناء عليك {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً} أي عالماً بأحوالنا لا يخفى عليك شيء من أفعالنا، طلب موسى من ربه أن يعينه بأخيه يشدُّ به أزره، لما يعلم منه من فصاحة اللسان، وثبات الجنَان، وأن يشركه معه في المهمة لما يعلم من طغيان فرعون وتكبره وجبروته {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} أي أُعطيت ما سألتَ وما طلبتَ، ثم ذكّر تعالى بالمنن العظام عليه {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} أي أنعمنا عليك يا موسى بمنَّة أخرى غير هذه المنة {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ} أي ألهمنا ما يُلهم ممّا كان سبباً في نجاتك {أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} أي ألهمناها أن أَلْقِ هذا الطفل في الصندوق ثم اطرحيه في نهر النيل، ثم ماذا؟ ومن يتسلمه؟ {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} أي يلقيه النهر على شاطئه ويأخذه فرعون عدوي وعدوُّه قال في البحر: {فَلْيُلْقِهِ} أمرٌ معناه الخبر جاء بصيغة الأمر مبالغة إِذْ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} أي زرعتُ في القلوب محبتك بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك حتى أحبَّك فرعون قال ابن عباس: أحبَّه الله وحبَّبه إلى خلقه {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} أي ولتُربّى بعين الله بحفظي ورعايتي {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} أي حين تمشي أختك وتتَّبع أثرك فتقول لآل فرعون حين طلبوا لك المراضع: هل أدلكم على من يضمن لكم حضانته ورضاعته؟ قال المفسرون: لمّا التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة لأن الله حرَّم عليه المراضع وبقيت أُمه بعد قذفه في اليم مغمومة فأمرت أخته أن تتَّبع خبره، فلما وصلت إِلى بيت فرعون ورأته قالت: هل أدلكم على امرأة أمينة فاضلة تتعهد لكم رضاع هذا الطفل؟ فطلبوا منها إِحضارها فأتت بأم موسى فلما أخرجت ثديها التقمه ففرحت زوجة فرعون فرحاً شديداً وقالت لها: كوني معي في القصر فقالت: لا أستطيع أن أترك بيتي وأولادي ولكنْ آخذه معي وآتي لك به كل حين فقالت نعم وأحسنت إِليها غاية الإِحسان فذلك قوله تعالى {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ} أي رددناك إلى أمك لكي تُسرَّ بلقائك، وتطمئن بسلامتك ونجاتك، ولكيلا تحزن على فراقك {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} أي قتلت القبطي حين أصبحت شاباً فنجيناك من غمّ القتل وصرفنا عنك شرَّ فرعون وزبانيته، وفي صحيح مسلم: وكان قتله خطأً {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أي ابتليناك ابتلاءً عظيماً بأنواعٍ من المِحن {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} أي مكثت سنين عديدة عند شعيب في أرض مدين {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} أي جئت على موعدٍ ووقت مقدر للرسالة والنبوة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التشويق والحث على الإِصغاء {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ }؟ 2- الإِطناب {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} وكان يكفي أن يقول: هي عصاي ولكنه توسّع في الجواب تلذذاً بالخطاب. 3- الاستعارة التصريحية {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} أصل الجناح للطائر ثم استعير لجنب الإِنسان لأن كل جنب في موضع الجناح للطائر فسميت الجهتان جناحين بطريق الاستعارة. 4- الاحتراس وهو عند علماء البيان أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير المراد مثل قوله {بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} فلو اقتصر على قوله {بَيْضَآءَ} لأوهم أن ذكل من بَرص أو بهَق ولذلك احترس بقوله {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ }. 5- الاستعارة التمثيلية {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تمثيل لشدة الرعاية وفرط الحفظ والكلاءة بمن يصنع بمرأى من الناظر لأن الحافظ للشيء في الغالب يديم النظر إِليه فمثَّل لذلك على عين الآخر. 6- السجع الحسن الذي يزيد الكلام جمالاً وبهاءً في أواخر الآيات {فَتَشْقَىٰ}، {يَخْشَىٰ}، {أَخْفَى}، {تَسْعَىٰ} الخ. فَائِدَة: قال العلماء: ما نفع أخ أخاه كما نفع موسى هارون فقد طلب له من ربه أن يجعله وزيراً له ويكرمه بالرسالة فاستجاب الله دعاءه وجعله نبياً مرسلاً. تنبيه: ذكر تعالى بعض المنن على موسى وعدَّد منها ستاً: المنة الأولى: إلهام أُمه صنع الصندوق وإِلقاءه في النيل ليربّى في بيت فرعون {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ}. الثانية: إِلقاء المحبة عليه من الله تعالى بحيث لا يراه أحد إِلا أحبه {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}. الثالثة: حفظ الله ورعايته له بالكلاءة والعناية {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}. الرابعة: ردُّه إِلى أُمه مع الإِنعام والإِكرام {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها}. الخامسة: إِنجاء موسى من القتل بعد قتله القبطي و {نَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ}. السادسة: تكليم الله له بعد عودته من أرض مدين وتكليفه بالرسالة {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ}.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر قال حدّثنا علي بن أحمد، قال حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن الإِمام زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قوله تعالى: {طه} يا رجل بالسُّريانيةِ. وقال: لو كان اسماً لَمْ يَكنْ سَاكناً، ولكنَّهُ فَاتحةُ السُّورةِ وعَلامةٌ لَها.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * طه * مَآ أَنَزَلْنَا} الآية هذه السورة مكية بلا خلاف كان عليه السلام يراوح بين قدميه يقوم على رجل فنزلت * ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر تيسر القرآن بلسان الرسول أي بلغته وكان فيما علل به قوله لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً أكد ذلك بقوله: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى والتذكرة هنا البشارة والنذارة وأن ما ادعاه المشركون من إنزاله شقاء ليس كذلك بل إنما أنزل تذكرة والظاهر أن طه من الحروف المقطعة نحو يس والروما أشبههما وتقدم الكلام في أوائل البقرة والظاهر أن قوله: إلا تذكرة استثناء منقطع تقديره لكن أنزلناه تذكرة فتذكرة مفعول من أجله والعامل فيه أنزلناه هذه المقدرة وفي البحر أعاريب متكلفة تنظر هناك وانتصب. {تَنزِيلاً} على أنه مصدر لفعل محذوف أي نزل تنزيلاً * قال الزمخشري في نصب تنزيلاً: وجوه أن يكون بدلاً من تذكرة إذا جعل حالاً لا إذا كان مفعولاً له لأن الشىء لا يعلل بنفسه وأن ينصب بنزل مضمراً وأن ينصب بأنزلناه لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة وأن ينصب على المدح والاختصاص وأن تنصب بيخشى مفعولاً له أي أنزله إليه تذكرة لمن يخشى تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين "انتهى" الأحسن ما قدمناه أولاً من أنه منصوب بنزل مضمرة وما ذكره الزمخشري من نصبه على غير ذلك متكلف أما الأول ففيه جعل تذكرة وتنزيلاً حالين وهما مصدران وجعل المصدر حالاً لا ينقاس وأيضاً فمدلول تذكرة ليس مدلول تنزيلاً ولا تنزيلاً بعض تذكرة وان كان بدلاً فيكون بدل اشتمال على مذهب سيبويه يرى أن الثاني مشتمل على الأول لأن التنزيل مشتمل على التذكرة وغيرها وأما قوله: لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة فليس كذلك لأن معنى الحصر يفوت في ذلك وأما نصبه على المدح فبعيد وأما نصبه بيخشى ففي غاية البعد لأن يخشى رأس آية فاصلة لا يناسب أن يكون تنزيلاً مفعولاً بيخشى * قال الزمخشري: ويجوز أن يكون أنزلناه حكاية لكلام جبريل والملائكة النازلين معه "انتهى" هذا تجويز بعيد بل الظاهر أنه إخبار من الله عن نفسه ممن خلق ومن الظاهر أنها متعلقة بتنزيل ويجوز أن يكون في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف وفي قوله ممن خلق التفات إذ فيها خروج من ضمير المتكلم وهو نافي أنزلنا إلى الغيبة والعلا جمع العليا ووصف السماوات بالعلا دليل على عظم قدرة من اخترعها إذ لا يمكن وجود مثلها في علوها من غيره تعالى * قال ابن عطية: ويجوز أن يكون يعني الرحمن بدلاً من الضمير المستتر في خلق "انتهى" أرى أن مثل هذا لا يجوز لأن البدل يحل محل المبدل منه والرحمن لا يمكن أن يحل محل الضمير لأن الضمير عائد على من الموصولة وخلو صلته والرابط هو الضمير فلا يحل محله الظاهر لعدم الرابط * قال الزمخشري: روى جناح بن خنيس عن بعضهم أنه قرأ الرحمن بالكسر صفة لمن خلق ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلاتها نحو من وما لا يجوز نعتها إلا الذي والتي فيجوزهم نعتهما فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون الرحمن صفة لمن خلق فالأحسن أن يكون الرحمن بدلاً مِن مَن وقد جرى الرحمن في القرآن مجرى العلم في ولايته العوامل. {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} ما غاية يشمل من يعقل ومن لا وأنه له ملك جميع ما حوت السماوات والأرض. {وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} أي تحت الأرض السابعة قاله ابن عباس والخطاب بقوله: {وَإِن تَجْهَرْ} لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهراً والمراد أمّته، ولما كان خطاب الناس لا يتأتى إلا بالجهر بالكلام، جاء الشرط بالجهر وعلق على الجهر علمه بالسر لأن علمه بالسر يتضمن علمه بالجهر، أي: إذا كان يعلم السر فأحرى الجهر كما قال يعلم سركم وجهركم والظاهر ان أخفى أفعل تفضيل أي وأخفى من السر * قال ابن عباس: السر ما تسره إلى غيرك والأخفى ما تخفيه في نفسك. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الله مبتدأ ولا إله إلا هو الخبر. و{لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} خبر ثاني ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف كأنه قيل من الذي يعلم السر وأخفى فقيل هو الله. و{ٱلْحُسْنَىٰ} تأنيث الأحسن وصفة المؤنثة المفردة يجري على جمع التكسير وحسن ذلك كونها وقعت فاصلة والأحسنية كونها تضمنت المعاني التي هي في غاية الحسن من التقديس والتعظيم والربوبية والافعال التي لا يمكن صدورها إلا منه تعالى. {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} مناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر تعظيم كتابه وتضمن تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعه بقصة موسى لتتأسى به في تحمل أعباء النبوة وتكاليف الرسالة * وهل أتاك حديث موسى الآية هذا استفهام تقرير يحث على الإِصغاء لما يلقى إليه وكان من حديثه أنه لما قضى أكمل الأجلين استأذن شعيباً في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخيه فأذن له وقد طالت مدة جنايته بمصر ورجا خفاء أمره فخرج بأهله وماله وكان في فصل الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته حامل ولا يدري أليلاً تضع أم نهاراً فسار في البرية لا يعرف طريقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق فقدح زنده فلم يور والظاهر أن إذ ظرف للحديث لأنه حدث قال لأهله: امكثوا أي أقيموا في مكانكم وخاطب امرأته وولديه والخادم. {إِنِّيۤ آنَسْتُ} أي أحسست والنار على بعد لا تحس إلا بالبصر فلذلك فسره بعضهم برأيت والايناس أعم من الرؤية لأنك تقول أآنست من فلان خبراً والظاهر أنه رأى ناراً حقيقة ولفظة على هنا على بابها من الاستعلاء ومعناه: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها وانتصب: {هُدًى} على أنه مفعول له على تقدير محذوف أي ذا هدى وكان قد أضل الطريق فيرجى أن يجد من يهديه إلى الطريق والضمير في أتاها عائد على النار أتاها فإِذا هي مضطرمة في شجرة خضراء يانعة عناب قاله ابن عباس: فكأنه كلما قرب منها تباعدت فإِذا أدبر اتبعته فأيقن أن هذا أمر من أمور الله الخارقة للعادة ووقف متحيراً وسمع من السماء تسبيح الملائكة وألقيت عليه السكينة ونودي وهو تكليم الله إياه ونودي مبني للمفعول وحذف الفاعل للتعظيم ولما كان النداء بمعنى القول كسرت ان بعده فقيل: اني أنا كما يكسر بعد القول الصريح والظاهر أن أمره إياه تعالى بخلع النعلين لعظم الحال التي حصل فيها كما تخلع عند الملوك غاية في التواضع وقيل كانتا من جلد حمار ميت فأمر بطرحهما لنجاستهما وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : كان على موسى عليه السلام يوم كلمه ربه كساء صوف وجبة صوف وكمة صوف وسراويل صوف وكانت نعلاه من جلد حمار ميت * تفسير : قال الترمذي: هذا حديث غريب والكمة القلنسوة الصغيرة لكن أمره بخلعهما لينال بركة الوادي المقدس وتمس قدماه تربته والمقدس المطهر. و{طُوًى} اسم علم عليه فيكون بدلاً أو عطف بيان، وقرىء: منوناً لوحظ فيه معنى المكان وغير منون لوحظ فيه معنى البقعة فمنع من الصرف للعلمية والتأنيث وقرىء: {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} فأنا مبتدأ أو اخترتك جملة في موضع الخبر وقرىء: وانا اخترناك أنا وان اسمها واخترناك في موضع الخبر لما يوحى متعلق باستمع وما موصولة بمعنى الذي يوحي وفيه ضمير يعود على ما تقديره يوحي هو * وقال أبو الفضل الجوهري لما قيل لموسى عليه السلام استمع لما يوحى وقف على حجر واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره ووقف يستمع وكان كل لباسه صوفاً والموحى قوله: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} إلى آخر الجمل، جاء ذلك تبييناً وتفسيراً للإِبهام في قوله: لما يوحى ففي الاخبار الأول قال: أنا ربك أي مالكك والناظر في مصلحتك وفي الثاني أنا الله ذكر الاسم العلم المعظم العلم الدال على جميع الصفات العلية والظاهر أن فاعبدني لفظ يتناول ما كلفه به من العبادة وعطف عليه ما قد يدخل تحت ذاك المطلق فبدأ بالصلاة إذ هي أفضل الأعمال وأنفعها في الآخرة والذكر مصدر يحتمل أن يضاف إلى المفعول أي لتذكرني فإِن ذكري أن أعبد ويصلى لي لما ذكر تعالى الأمر بالعبادة وأقام الصلاة. ذكر الحامل على ذلك وهو البعث والمعاد أي الجزاء فقال: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ} وهي التي يظهر عندها ما عمله الإِنسان وجزاء ذلك إما ثواباً وإما عقاباً. {أَكَادُ أُخْفِيهَا} أخفي من الأضداد بمعنى الإِظهار وبمعنى السر * قال أبو عبيدة خفيت وأخفيت بمعنى واحد وقد حكاه عن أبي الخطاب وأكاد من أفعال المقاربة لكنها هنا مجاز بالنسبة إلى الله ولتجزى متعلقة بآتية وأكاد أخفيها جملة اعتراض بينهما ويجوز أن يتعلق لتجزى بقوله: أخفيها إذا كان المعنى أظهرها والظاهر أن الضمير في عنها عائد على الساعة والمعنى عن اعتقاد صحتها ووقوعها لا محالة والحشر بعدها والجزاء والظاهر أن الخطاب في فلا يصدنك لموسى عليه السلام ولا يلزم من النهي عن الشىء إمكان وقوعه ممن سبقت له العصمة فينبغي أن يكون له لفظاً وللسامع غيره ممن يمكن وقوع ذلك منه. {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} عطفاً على صلة من. {فَتَرْدَىٰ} جواب للنهي وأن مقدرة بعد فاء الجواب وتردى علامة النصب فيه فتحة مقدرة في الألف ومثاله في جواب النهي قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ}تفسير : [طه: 81]. {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} علم تعالى في الأول ما هي. وإنما سأله ليريه عظم ما يخترعه عز وعلا في الخشبة اليابسة من قلبها حية تسعى وليقرر في نفسه البعد بين المقلوب عنه والمقلوب إليه وتنبيه على قدرته الباهرة وما استفهام مبتدأ وتلك خبره وبيمينك في موضع الحال كقوله: وهذا بعلي شيخاً والعامل إسم الإِشارة * وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون تلك إسماً موصولاً صلته بيمينك ولم يذكر ابن عطية غيره وليس ذلك مذهباً للبصريين وإنما ذهب إليه الكوفيون قالوا: يجوز أن يكون إسم الإِشارة موصولاً حيث يتقدر بالموصول كأنه قيل وما التي بيمينك وعلى هذا فيكون العامل في المجرور محذوفاً كأنه قيل وما التي استقرت بيمينك وفي هذا السؤال وما قبله من خطابه لموسى عليه السلام استئناس عظيم وتشريف كريم. {قَالَ هِيَ عَصَايَ} قرأ ابن إسحاق والجحدري عصي وهي لغة هذيل * قال الشاعر: شعر : يطوف بي غلب في معد ويضرب بالصلمة في قفينا تفسير : يريد في قفاي. {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} التوكؤ على الشىء التحامل عليه في المشي والوقوف ومنه الاتكاء توكأت واتكأت بمعنى واحد. {وَأَهُشُّ} هش على الغنم يهش بضم الهاء خبط أوراق الشجر لتسقط وهش إلى الرجل يهش بالكسر قاله ثعلب إذا نش وأظهر الفرح به والأصل في هذه المادة الرخاوة يقال: رجل هش وقوم في الجواب مصلحة نفسه في قوله: أتوكأ عليها ثم ثنى بمصلحة رعيته في قوله: وأهش بها على غنمي. و{مَآرِبُ} ذكر المفسرون أنها كانت ذات شعبتين ومحجن فإِذا طال الغصن حناه بالمحجن وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب وإذا كان في البرية وكزها وعرض الزندين على شعبتها وألقى عليها الكساء واستظل وإذا قصر رشاؤه وصله بها وكان يقاتل بها السباع عن غنمه والمآرب الحاجات وعامل المآرب وان كانت جمعاً معاملة الواحدة المؤنثة فاتبعها صفتها في قوله: أخرى ولم يقل أخر رعياً للفواصل وهو جائز من غير الفواصل فكان أجوز وأحسن في الفواصل. {قَالَ أَلْقِهَا} الظاهر أن القائل هو الله تعالى ومعنى ألقها أطرحها على الأرض. {فَإِذَا هِيَ} التي للمفاجأة والحية ينطلق على الصغير والكبير والذكر والأنثى والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم منها ولا ينافي بين تشبيهها بالجان في قوله: {أية : فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} تفسير : [النمل: 10، القصص: 31] وبين كونها ثعباناً لأن تشبيهها بالجان هو أول حالها ثم تزيدت حتى صارت ثعباناً أو شبهت بالجان وهي ثعبان في سرعة حركتها واهتزازها مع عظم خلقها قيل كان له عرف كعرف الفرس وصارت شعبتا العصا لها فما وبين لحييها أربعون ذراعاً وعن ابن عباس انقلبت ثعباناً يتبلع الصخر والشجر المحجن عنقاً وعيناها يقدان فلما رأى هذا الأمر العجيب الهائل لحقه ما يلحق البشر عند رؤية الأهوال والمخاوف لا سيما هذا الأمر الذي يذهل العقول ومعنى تسعى تمشي وتنتقل بسرعة وحكمة انقلابها وقت مناجاته تأنيسه بهذا المعجز الهائل حتى يلقيها لفرعون فلا يلحقه ذعر منها في ذلك الوقت إذ قد جرت له بذلك عادة وتدريبه في تلقي تكاليف النبوة ومشاق الرسالة ثم أمره تعالى بالاقدام على أخذها ونهاه عن أن يخاف منها والسيرة من السير وهي الهيئة كالركبة والجلبية يقال سار فلان سيرة حسنة ثم اتسع فيها فتقلب إلى معنى المذهب والطريقة وقيل سير الأولين أي طريقة الأولين وانتصب: {سِيَرتَهَا} على أنه بدل اشتمال من الضمير المنصوب في سنعيدها أي سنعيد سيرتها الأولى وهي كونها كانت عصا. {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} الجناح حقيقة في الطائر ثم أطلق على العضد مجاز أو في الكلام حذف إذ لا يترتب الخروج على الضم وإنما يترتب على الإِخراج والتقدير واضمم يدل إلى جناحك ينضم وأخرجها تخرج فحذف من الأول وأبقى مقابله ومن الثاني وأبقى مقابله وهو اضمم لأنه معنى ادخل كما تبين في الآية الأخرى. {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ} قيل خرجت بيضاء تضيء وتشف كأنها شمس وكان آدم اللون وانتصب بيضاء على الحال. و{سُوۤءٍ} الرداءة والقبح في كل شىء وقوله: من غير سوء متعلق ببيضاء لأنه لو قال بيضاء لأوهم ذلك من برص أو بهق وانتصب: {آيَةً} على الحال * وقال الزمخشري: يجوز أن يكون منصوباً على إضمار خذ ودونك وما أشبه ذلك يحذف لدلالة الكلام كذا قال: "انتهى" * أما تقديره فشائع وأما دونك فلا يسوغ لأنه اسم فعل من باب الإِغراء ولا يجوز حذفه لأنه حذف منه في الأصل العامل فيه وناب منابه فلا يجوز أن يحذف النائب والمنوب منه ولذلك لم يجر مجراه في جميع أحكامه. و{أُخْرَىٰ} أي غير الآية الأولى التي هي قلب العصا حية واللام في لنريك لام كي. و{ٱلْكُبْرَىٰ} صفة لقوله: آياتنا فوصف الجمع بما يوصف به المفرد ولو كان ذلك في الكلام لكان الوصف مطابقاً في الجمع للموصوف فكان يكون الكبر لكن حسن هذا كون الكبرى فاصلة * قال الزمخشري: لنرينك أي حد هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين بعض آياتنا الكبرى أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا أو لنرينك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك يعني أنه أجاز أن يكون مفعول لنريك الثاني الكبرى أو يكون من آياتنا في موضع المفعول الثاني ويكون الكبرى صفة لآياتنا على حد الأسماء الحسنى ومآرب أخرى مجريان مثل هذا الجمع مجرى الواحدة المؤنثة وأجاز هذين الوجهين من الإِعراب الحوفي وابن عطية وأبو البقاء والذي نختاره أن يكون من آياتنا في موضع المفعول الثاني والكبرى صفة لآياتنا لأنه يلزم من ذلك أن تكون آياته تعالى كلها هي الكبرى لأن ما كان بعض الآيات الكبرى صدق عليه أنه آية الكبرى فإِذا جعلت الكبرى مفعولاً فلا يمكن أن يكون صفة للعصا واليد معاً لأنهما كانا يلزم التثنية في وصفهما وكان يكون التركيب الكبريين ولا يمكن أن يخص أحدهما لأن كلاً منهما فيها معنى التفضيل ويبعد ما قال الحسن من أن اليد أعظم في الإِعجاز من العصا لأنه ذكر عقيب اليد لنريك من آياتنا الكبرى لأنه جعل الكبرى مفعولاً ثانياً لنريك وجعل ذلك راجعاً إلى الآية القريبة وهي إخراج اليد بيضاء من غير سوء وقد ضعف قوله هذا لأنه ليس في اليد إلا تغير اللون وأما العصا ففيها تغير اللون وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر والشجر ثم عادت عصا بعد ذلك فقد وقع التغيير مراراً فكانت أعظم من اليد ولما أراه الله تعالى هاتين المعجزتين العظيمتين في نفسه وفيما يلابسه وهو العصا أمره بالذهاب إلى فرعون رسولاً من عنده تعالى وعلل حكمه الذهاب إليه بقوله: انه طغى وخص فرعون وإن كان مبعوثاً إليهم كلهم لأنه رأس الكفر ومدعي الإِلهية وقومه تباعه. {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} الآية سأل ربه ورغب في أن يشرح صدره ليحتمل ما يرد عليه من الشدائد التي يضيق لها الصدر * والعقدة استعارة للثقل الذي كان في لسانه خلقة وقيل كان من الجمرة التي أدخلها فاه في قصة حكيت في البحر قال الزمخشري: وفي تنكيره العقدة ولم يقل واحلل عقدة لساني أنه طلب حل بعضها إرادة أن يفهم عنه فهماً جيداً ولم يطلب الفصاحة الكاملة ومن لساني صفة للعقدة كأنه قيل عقدة من عقد لساني "انتهى" يظهر أن من لساني متعلق باحلل لا في موضع الصفة لعقدة وكذا قال الحوفي وأجاز أبو البقاء الوجهين * والوزير المعين القائم بوزر الأمور أي بثقلها فوزير الملك يتحمل عنه أوزاره ومؤنه وقيل من الوزر وهو الملجأ يلتجىء إليه الإِنسان ويجوز أن يكون وزيراً مفعولاً أول والمفعول الثاني من أهلي ويجوز أن يكون هارون مفعولاً أول ووزيراً مفعولاً ثانياً ويجوز في الوجه الأول أن يكون هارون مفعولاً أول ووزيراً مفعولاً ثانياً ويجوز في الوجه الأول أن يكون هارون بدلاً من وزيراً بدل معرفة من نكرة ولا يجوز أن يكون عطف بيان للتخالف لكون وزيراً نكرة وهارون معرفة قال الزمخشري: وإن جعل يعني أخي عطف بيان جاز وحسن "انتهى" يبعد فيه عطف البيان لأن الأكثر أن يكون الأول دونه في الشهرة والأمر هنا بالعكس وقرىء: أشدد بهمزة قطع جواباً لقوله: اجعل وقرىء: بوصل الهمزة وهو طلب من موسى عليه السلام لربه أن يشد أزره به * وأشركه على معنى الدعاء في شد الأزر فكان هارون أكبر من موسى عليه السلام بأربعة أعوام وجعل موسى ما رغب فيه وطلبه من نعم سبباً يلزم فيه العبادة والاجتهاد في أمر الله والتظافر على العبادة والتعاون فيها مثير للرغبة والتزيد من الخير.

الجيلاني

تفسير : {طه} [طه: 1] طالب الهدياة العامة على كافرة البرايا. {مَآ أَنَزَلْنَا} من مقام إرشادنا وتكملينا {عَلَيْكَ} أيها المتوجهُ إلى السعادة الأبدية، المعِرضُ عن الشقاوة {ٱلْقُرْآنَ} الفرقانَ بين الهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة {لِتَشْقَىٰ} [طه: 2] أي: لتكون شقياً بنزوله بعدما كنت سعيداً قبله كما توهمه الكفار. بل ما أنزلناه {إِلاَّ تَذْكِرَةً} للسعادة العظمة لك ولمن تبعك، لا لكل أحدٍ مهم بل {لِّمَن يَخْشَىٰ} [طه: 3] من إنذاراته وتخويفاته، وامتثل بأوامره، واجتنب عن نواهيه؛ إذ أنزل القرآن عليك من عموم رحمتنا على كافة الخلق. لذلك نزلناه {تَنزِيلاً مِّمَّنْ} أي: من سامنا الذي بواسطته {خَلَقَ ٱلأَرْضَ} أي: أوجدنا العالم السفلي { وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى} [طه: 4] أي: العالم العلوي، وذلك السام هو {ٱلرَّحْمَـٰنُ} الذي ظهر واستقر بالرحمة العامة {عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: على عروش الذرائر، بحيث لا يخرج عن حيطة علمه ذرةُ من الذرات، بل {ٱسْتَوَىٰ} [طه: 5]. على جميعها إذ {لَهُ} الاستيلاءُ والإحاطةُ التامةُ على {مَا} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ} على {مَا} ظهر {فِي ٱلأَرْضِ} من الكائنات والفاسدات {وَ} كذا على {مَا} ظهر {بَيْنَهُمَا} من الأمور الكائنة فيها {وَ} كذا {مَا} هو كائنُ وسيكون {تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} [طه: 6]. هذا باعتبار ظهوره واستيلائه على الآفاق الخارجة عنك {وَ} أما ظهوره واستيلاؤه على نفسك، فإنه يستولي على ذاتك وأفعالك وأقوالك؛ بحيث {إِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ} القولَ بالجهر منك، الذي تعلمه أنت أيضاً وغيرك، بل {ٱلسِّرَّ} الذي لا يعلمه غيرك {وَأَخْفَى} [طه: 7] من السرِّ الذي لا تعلمه أنت أيضاً من مقتضيات استعداداتك قبل الخطور ببالك. وإذا كان الحق محيطاً ومستولياً على عروش ما ظهر وما بطن، فلا يكون الموجود الثابت إلا {ٱللَّهُ} أي: مسمى هذا الاسم الجامع جميع مراتب العالم بحيث لا يخرج عن حيطته شيء أصلاً؛ إذ {لاۤ إِلَـٰهَ} أي: لا موجوداً {إِلاَّ هُوَ} أي: هذا المسمى الذي لا تعدد فيه أصلاً، فيكون أحداً صمداً فرداً وتراً، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً. غايةُ ما في الباب أن {لَهُ} أي: لهذا المسمى {ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} [طه: 8] الكليةُ التي جزئياتها لا تُعدُّ ولا تُحصى، وباختلاف الأسماء، اختلفت الظهورات والتجليات عن المسمى. وكما نبهناك يا أكمل الرسل على ظهورنا في الكائنات مجملاً، نبَّهناك عليها مفصلاً {وَ} ذلك أنه {هَلْ أَتَاكَ} أي: قد ثبت و تحقق عندك الكليم {حَدِيثُ مُوسَىٰ} [طه: 9] أي: قصةُ انكشافه من النار التي احتاج إليها هو وأهله في الليلة الشاتية المظلمة، وقت {إِذْ رَأَى نَاراً} مطلوبةً لدفع البرودة، ولوجدان الطريق في الظلمة {فَقَالَ لأَهْلِهِ} المحتاجين إليها في تلك الليلة: {ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ} أو أنس عندها مع إنسان استخبره عن الطريق، وحين رجوعي إليكم {آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} تتصطلون به {أَوْ} أتخذ منها سراجاً {أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ} اي: مع السراج المسرجة منها {هُدًى} [طه: 10] طريقاً موصلاً إلى مطلوبنا. {فَلَمَّآ أَتَاهَا} مسرعاً؛ ليرجع إليهم دفعةً {نُودِيَ} من جانب الشجرة الموقدة ليقبل إليها فينكشف منها {يٰمُوسَىٰ} [طه: 11] المتحير في بيداء الطلب: اطلبني من هذه الشجرة الموقدة، ولا تستبعد ظهوري فيها حتى أنكشف لك منها. {إِنِّيۤ} وإن ظهرتُ على هذه الصورة المطلوبة لك هذا {أَنَاْ رَبُّكَ} أي: مطلوبك الحقيقي الذي ربيتك بأنواع اللطف والكرم، وابتليتك بأنواع البلاء في طريق المجاهدة؛ لتتوجه إليُّ فتعرفني، فالآن ارتفعت الحجب والقيود، وتحققتَ بمقام الكشف والشهود {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} فاسترح عن الطلب بعد وجدان الرب، وتمكْن ي مقعد الصدق {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ} عن رذائل الأغيار {طُوًى} [طه: 12] أي: طويتَ التوجُّه إلى الغير، ولم يبقَ لك احتياج إلى الاستكمال.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 1-2] إلى قوله: {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} [طه: 8] {طه} يشير إلى: النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: يا من طوي به بساط النبوة، وأيضاً: يا من طويت له المكونات إلى ما يشاء {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2] في الدنيا والعقبى، بل أنزلناه على قلبك؛ لتسعد بتخلقك بخلقه لتكون على خلق عظيم، وليسعد بك أهل الأولين والآخرين من أهل السماوات وأهل الأرض، ولتكون رحمة للعالمين، كما قال: {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} [طه: 3] يعني: عظة لمن يخشى الله بالغيب، ويؤمن بنبوتك، ويقبل رسالته {تَنزِيلاً} [طه: 4] على قلبك {مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ} [طه: 4] أرض بشريتك {وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى} [طه: 4] سماوات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات وأول المخلوقات كما قلت: أول ما خلق الله روحي {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ} [طه: 5] أي: بصفته الرحمانية {ٱسْتَوَىٰ} [طه: 5] على عرش قلبك؛ ليكون لك معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [طه: 6] الروحانية من الصفات الحميدة {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [طه: 6] البشرية من الصفات الذميمة {وَمَا بَيْنَهُمَا} [طه: 6] من القلب ما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص {وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} [طه: 6] أي: ما هو مركوز في جبلة الإنسانية. {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ} [طه: 7] أي: تظهر من صفاتك بالقول {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ} [طه: 7] وهو ما تظهر من سريرتك {وَأَخْفَى} [طه: 7] بالقول وهو ما أخفى الله من خفيتك، فالسر بإصلاح أهل التحقيق لطيفة بين القلب والروح وهو معدن أسرار الروحانية، والخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية، وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها، فافهم جيداً واغتنم. ولهذا قال عقب قوله: {يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] قوله: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} [طه: 8] إشارة إلى أن مظهر ألوهيته وصفاته العليا وأسمائه الحسنى إنما هو الخفي الذي هو أخفى من السر؛ أي: ألطف وأعز وأعلى وأشرف وأقرب إلى الحضرة منه ألا وهو سر {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] وهو حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم فتجلى فيه ". تفسير : ثم اعلم أن لطيفة السر التي تكون بين القلب والروح موجودة في كل إنسان مؤمن أو كافر عند نشأته الأولى، والخفي قد نشأ عند نشأته الأخرى، فلهذا يمكن أن يكون كل إنسان مؤمن أو كافر بعدد أسرار الروحانية وجملتها المعقولات، ولا يمكن إلا لمؤمن موحداً أن يكون مهبط أنوار الربانية وأسرارها وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { طه } من جملة الحروف المقطعة، المفتتح بها كثير من السور، وليست اسما للنبي صلى الله عليه وسلم. { مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } أي: ليس المقصود بالوحي، وإنزال القرآن عليك، وشرع الشريعة، لتشقى بذلك، ويكون في الشريعة تكليف يشق على المكلفين، وتعجز عنه قوى العاملين. وإنما الوحي والقرآن والشرع، شرعه الرحيم الرحمن، وجعله موصلا للسعادة والفلاح والفوز، وسهله غاية التسهيل، ويسر كل طرقه وأبوابه، وجعله غذاء للقلوب والأرواح، وراحة للأبدان، فتلقته الفطر السليمة والعقول المستقيمة بالقبول والإذعان، لعلمها بما احتوى عليه من الخير في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى } إلا ليتذكر به من يخشى الله تعالى، فيتذكر ما فيه من الترغيب إلى أجل المطالب، فيعمل بذلك، ومن الترهيب عن الشقاء والخسران، فيرهب منه، ويتذكر به الأحكام الحسنة الشرعية المفصلة، التي كان مستقرا في عقله حسنها مجملا فوافق التفصيل ما يجده في فطرته وعقله، ولهذا سماه الله { تَذْكِرَةً } والتذكرة لشيء كان موجودا، إلا أن صاحبه غافل عنه، أو غير مستحضر لتفصيله، وخص بالتذكرة { مَن يَخْشَى } لأن غيره لا ينتفع به، وكيف ينتفع به من لم يؤمن بجنة ولا نار، ولا في قلبه من خشية الله مثقال ذرة؟ هذا ما لا يكون، {أية : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى } تفسير : ثم ذكر جلالة هذا القرآن العظيم وأنه تنزيل خالق الأرض والسماوات المدبر لجميع المخلوقات أي فاقبلوا تنزيله بغاية الإذعان والمحبة والتسليم وعظموه نهاية التعظيم. وكثيرا ما يقرن بين الخلق والأمر كما في هذه الآية وكما في قوله {أية : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ } تفسير : وفي قوله {أية : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ } تفسير : وذلك أنه الخالق الآمر الناهي فكما أنه لا خالق سواه فليس على الخلق إلزام ولا أمر ولا نهي إلا من خالقهم وأيضا فإن خلقه للخلق فيه التدبير القدري الكوني وأمره فيه التدبير الشرعي الديني فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة فلم يخلق شيئا عبثا فكذلك لا يأمر ولا ينهى إلا بما هو عدل وحكمة وإحسان فلما بين أنه الخالق المدبر الآمر الناهي أخبر عن عظمته وكبريائه فقال: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ } الذي هو أرفع المخلوقات وأعظمها وأوسعها { اسْتَوَى } استواء يليق بجلاله ويناسب عظمته وجماله فاستوى على العرش واحتوى على الملك، { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } من ملك وإنسي وجني وحيوان وجماد ونبات { وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } أي الأرض فالجميع ملك لله تعالى عبيد مدبرون مسخرون تحت قضائه وتدبيره ليس لهم من الملك شيء ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. { وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ } الكلام الخفي { وَأَخْفَى } من السر الذي في القلب ولم ينطق به أو السر ما خطر على القلب { وأخفى } ما لم يخطر يعلم تعالى أنه يخطر في وقته وعلى صفته المعنى أن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء دقيقها وجليلها خفيها وظاهرها فسواء جهرت بقولك أو أسررته فالكل سواء بالنسبة لعلمه تعالى. فلما قرر كماله المطلق بعموم خلقه وعموم أمره ونهيه وعموم رحمته وسعة عظمته وعلوه على عرشه وعموم ملكه وعموم علمه نتج من ذلك أنه المستحق للعبادة وأن عبادته هي الحق التي يوجبها الشرع والعقل والفطرة وعبادة غيره باطلة فقال أي لا معبود بحق ولا مألوه بالحب والذل والخوف والرجاء والمحبة والإنابة والدعاء إلا هو. { لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } أي له الأسماء الكثيرة الكاملة الحسنى من حسنها أنها كلها أسماء دالة على المدح فليس فيها اسم لا يدل على المدح والحمد ومن حسنها أنها ليست أعلاما محضة وإنما هي أسماء وأوصاف ومن حسنها أنها دالة على الصفات الكاملة وأن له من كل صفة أكملها وأعمها وأجلها ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب من يحبها ويحب من يحفظها ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها قال تعالى {أية : وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا }.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 594 : 1 : 2 - سفين عن خصيف عن مجاهد قال، {طه} فواتح السور [الآية 1].

همام الصنعاني

تفسير : 1797- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، والحسن في قوله تعالى: {طه}: [الآية: 1] قالا: يا رجُل.