٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ } خبر {طه } إن جعلته مبتدأ على أنه مؤول بالسورة، أو {ٱلْقُرْءَانَ } والقرآن فيه واقع موقع العائد وجوابه إن جعلته مقسماً به ومنادى له إن جعلته نداء، واستئناف إن كانت جملة فعلية أو اسمية بإضمار مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكية والمعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا أن تبلغ، أو بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق. والشقاء شائع بمعنى التعب ومنه أشقى من رائض المهر، وسيد القوم أشقاهم. ولعله عدل إليه للإِشعار بأنه أنزل عليه ليسعد. وقيل رد وتكذيب للكفرة، فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا إنك لتشقى بترك ديننا وإن القرآن أنزل عليك لتشقى به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ } يا محمد {لِتَشْقَىٰ } لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول قيامك بصلاة الليل، أي خفف عن نفسك.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِتَشْقَى} بالتعب والسهر في قيام الليل، أو بالأسف والحزن على كفرهم، أو جواب لهم لما قالوا: إنه بالقرآن شقي.
السلمي
تفسير : قال الواسطى رحمه الله: سمى القرآن قرآنا لأنه مقارن لمتكلمه لا يباينه تعظيمًا لشأن القرآن كما وصل إلينا شعاع الشمس وحرارتها ولم يباين القرص. قال ابن عطاء: فى قوله: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} أى: تتعب فى خدمتنا وكان جوابه. من النبى صلى الله عليه وسلم زيادة تعبد واجتهاد كأنه يقول: وهل يتعب أحدٌ فى خدمتك وهو محل استرواح العارفين فأما هذه الحركات فهى قيام بشكر ما أهلتنى له من قربك، ومناجاتك وخدمتك، والدنو منك، ألا تراه عليه السلام لما قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: "حديث : أفلا أكون عبدًا شكورًا ".
اسماعيل حقي
تفسير : {ما انزلنا عليك القرآن لتشقى} الشقاء شائع بمعنى التعب ومن اشقى من رائض المهر اى اتعب ممن يجعل المهر وهو ولد الفرس صالحا للركوب بان تزول عنه الصعوبة وينقاد لصاحبه وفى ذلك العمل مشقة وتعب للرائض ولذلك يضرب به المثل والمعنى لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش اذ ما عليك الا البلاغ وقد فعلت فلا عليك ان يؤمنوا به بعد ذلك او بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق اذا ما بعثت الا بالحنفية السمحة. وبالفارسية [نفر ستاديم ما بر توقر آنرا تادررنج افتى وشب خواب نكنى وبواسطه قيام درنماز الم ورم بباى مباركت رسد]. وفى التأويلات النجمية {ما انزلنا عليك القرآن لتشقى} فى الدنيا او العقبى بل انزلناه على قلبك لتسعد بتخلقك بخلقه لتكون على خلق عظيم وليسعد بك اهل السموات واهل الارضين فتكون الشقاوة ضد السعادة ويجوز ان يكون ردا للمشركين وتكذيبا لهم فان ابا جهل والنضر بن الحارث قالا له انك شقى لانك تركت دين آبائك وان القرآن انزل عليك لتشقى به فاريد رد ذلك بان دين الاسلام وهذا القرآن هو السلم الى نيل كل فوز والسبب فى درك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
الجنابذي
تفسير : بل لتسعد فانّ المفاهيم فى مقام الخطابة معتبرة، والشّقاء بمعنى العناء والتّعب، وقد ورد بطرق متعدّدة انّ الرّسول (ص) كان يقوم على اطراف اصابع قدميه حتّى تورّمت قدماه (ص) واصفرّ وجهه (ص)، ويقوم اللّيل جمع حتّى عوتب فى ذلك فقال الله تعالى: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}.
اطفيش
تفسير : {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} الجملة خبر طه إن جعلنا طه بمعنى القرآن أو السورة والرابط على الأول إعادة المبتدأ بلفظه والعموم على الثانى. وإن جعل طه قَسما فالجملة جواب أو نداء فالجملة مدعو لها. وإن جعل أمرا أو خبرا لمحذوف أو طائفة من الحروف، فالجملة مستأنفة. وحمزة والكسائى يميلان أواخر هذه السورة من لتشقى إلى ومَن اهتدى. وورش بين بين وأبو عمرو يميل ما فيه راء نحو تترى وما عداه بين بين والباقون يخلصون الفتح. وأنزل الله ذلك تخفيفاً عنه فى قيام الليل، وكان يقومه كله ولذا قال بعضهم: هذه ناسخة لفرض قيام الليل المذكور فى المزمل. وقيل: لما رأى المشركون من قريش اجتهاده صلى الله عليه وسلم فى العبادة وضيق عيشه قالوا: إن محمدا مع ربه فى شقاء. وقيل: قالوا: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك فنزلت الآية. وقيل: كان يقوم على رجل واحدة فنزل عليه ذلك. وروى أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام: أَبْقِ على نفسك فإن لها عليك حقا وما بُعثتَ إلا بالحنيفية السهلة. والشقاء بمعنى التعب، كقولهم: أشقى من رائض المهر، وسيد القوم أشقاهم. وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا: إنك شقى لأنك تركت دين آبائك فنزل ذلك ردًّا عليهما بأن القرآن سبب للسعادة، وتعريضاً بأنهما وأمثالهما الأشقياء والشقاوة الدائمة. وقيل: المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش. وعُدِل عن التعب إلى الشقاء تعريضاً بسعادته وشقاوة من خالفه. وما مر من قراءة الحسن طه بالإسكان لا ينافى ما ذكره الشيخ هود من أنه فسر طه بالفتح بيا رجل لأن هذا تفسير لقراءة غيره أو له قراءتان أو هو تفسير لقراءته بالإسكان. ويصح إرجاع الهاء الساكنة لموضع الصلاة فهى ضمير مذكر، أمره أن يطأ موضع الصلاة برجليه.
اطفيش
تفسير : لتتعب بالشدة فى مقابلة الكفار، والتأسف على كفرهم، ونهك البدن بالعبادة بقيام الليل، وكان يصلى حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: ابق على نفسك، إن لنفسك عليك حقاً، ومن التعب بالقلب قول الشاعر: شعر : ذو العقل يشقى فى التميم بعقله وأخو الجهالة فى الشقاء ينعم تفسير : لما رأوا ذلك التعب منه قال أبو جهل، والنضر بن الحارث. والمطعم: فى تركك ديننا شقاء والشقاء ضد السعادة.
الالوسي
تفسير : {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ } فإنه استئناف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب فإن الشقاء شائع في ذلك المعنى، ومنه المثل أشقى من رائض مهر، وقول الشاعر:شعر : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاء ينعم تفسير : أي ما أنزلناه عليك لتتعب بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العتاة ومحاورة الطغاة وفرط التأسف على كفرهم به والتحسر على أن يؤمنوا به كقوله تعالى شأنه {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ } تفسير : [الكهف: 6] الآية بل لتبلغ وتذكر وقد فعلت فلا عليك إن لم يؤمنوا بعد ذلك أو لصرفه عليه الصلاة والسلام عما كان عليه من المبالغة في المجاهدة في العبادة كما سمعت فيما أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أي ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة والشدائد الفادحة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وقال مقاتل: إن أبا جهل والنضر بن الحرث والمطعم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا كثرة عبادته: إنك لتشقى بترك ديننا وإن القرءان أنزل عليك لتشقى به فرد الله تعالى عليهم ذلك بأنا ما أنزلناه عليك لما قالوا. والشقاء في كلامهم يحتمل أن يكون بمعناه الحقيقي وهو ضد السعادة والتعبير به في كلامه تعالى من باب المشاكلة وإن أريد منه القرآن بتأويله بالمتحدي به من جنس هذه الحروف فجوز فيه أن يكون محله الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره، وقد أقيم فيها الظاهر أعني القرآن مقام / الضمير الرابط لنكتة وهو أن القرآن رحمة يرتاح لها فكيف ينزل للشقاء، وقيل: الخبر محذوف، وقيل: هو خبر لمبتدأ محذوف. والجملة على القولين مستأنفة. وجوز أن يكون محله النصب على إضمار اتل. وقيل: على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب بفعله مضمراً نحو قوله:شعر : إن على الله أن تبايعا تفسير : وجوز أن يكون محله الجر بتقدير حرف القسم نظير قوله من وجهشعر : أشارت كليب بالأكف الأصابعتفسير : والجملة بعده على تقدير إرادة القسم جواب القسم. وجوز هذه الاحتمالات على تقدير أن يكون المراد منه السورة. وأمر ربط الجملة على تقدير ابتدائيته وخبريتها إن كان القرآن خاصاً بهذه السورة باعتبار كون تعريفه عهدياً حضورياً ظاهر. وإن كان عاماً فالربط به لشموله للمبتدأ كما قيل في نحو زيد نعم الرجل. ومنع بعضهم إرادة السورة مطلقاً لاتفاق المصاحف على ذكر سورة في العنوان مضافة إلى طه وحينئذ يكون التركيب كإنسان زيد وقد حكموا بقبحه وفيه بحث لا يكاد يخفى حتى على بهيمة الأنعام، وبعضهم إرادة ذلك على تقدير الإخبار بالجملة بعد قال لأن نفى كون إنزال القرآن للشقاء يستدعي وقوع الشقاء مترتباً على إنزاله قطعاً إما بحسب الحقيقة كما إذا أريد به التعب أو بحسب زعم الكفرة كما لو أريد به ضد السعادة، ولا ريب في أن ذلك إنما يتصور في إنزال ما انزل من قبل وأما انزال السورة الكريمة فليس مما يمكن ترتب الشقاء السابق عليه حتى يتصدى لنفيه عنه أما باعتبار اتحاد القرآن بالسورة فظاهر، وأما باعتبار الاندراج فلأن مآله أن يقال: هذه السورة ما أنزلنا القرآن المشتمل عليها لتشقى، ولا يخفى أن جعلها مخبراً عنها مع أنه لا دخل لإنزالها في الشقاء السابق أصلاً مما لا يليق بشأن التنزيل اهـ ولا يخلو عن حسن، وعلى ما روي عن أبـي جعفر من أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم يكون منادى وحكمه مشهور، والجملة جواب النداء، ومحله على ما أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن الحبر من أنه قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسمائه تباركت أسماؤه النصب أو الجر على ما سمعت آنفاً. وعلى ما روي عن الأمير كرم الله تعالى وجهه والربيع يكون جملة فعلية وقد مر لك تفصيل ذلك، والجملة بعده مستأنفة استئنافاً نحوياً أو بيانياً كأنه قيل لم أطؤها؟ فقيل: {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ } وقرأ طلحة {ما نزل عليك ٱلْقرءانَ} بتشديد الفعل وبنائه للمفعول وإسناده إلى القرآن.
ابن عاشور
تفسير : افتتحت السورة بملاطفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنّ الله لم يرد من إرساله وإنزال القرآن عليه أن يشقى بذلك، أي تصيبه المشقّة ويشده التعب، ولكن أراد أن يذكر بالقرآن من يخاف وعيده. وفي هذا تنويه أيضاً بشأن المؤمنين الذين آمنوا بأنهم كانوا من أهل الخشية ولولا ذلك لما ادّكروا بالقرآن. وفي هذه الفاتحة تمهيدٌ لما يرد من أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - بالاضطلاع بأمر التبليغ، وبكونه من أولي العزم مثل موسى - عليه السلام - وأن لا يكون مفرطاً في العزم كما كان آدم - عليه السلام - قبل نزوله إلى الأرض. وأدمج في ذلك التنويه بالقرآن لأن في ضمن ذلك تنويهاً بمن أنزل عليه وجاء به. والشقاء: فرط التعب بعمل أو غمّ في النفس، قال النابغة:شعر : إلاّ مقالةَ أقوام شَقِيت بهم كانت مقالتهم قَرعا على كبدي تفسير : وهمزة الشقاء مُنقلبة عن الواو. يقال: شَقاء وشَقاوة ــــ بفتح الشين ــــ وشِقوة ــــ بكسرها. ووقوع فعل {أنْزَلْنَا} في سياق النفي يقتضي عموم مدلوله، لأنّ الفعل في سياق النفي بمنزلة النكرة في سياقه، وعموم الفعل يستلزم عموم متعلقاته من مفعول ومجرور. فيعمّ نفي جميع كلّ إنزال للقرآن فيه شقاء له، ونفي كل شقاء يتعلق بذلك الإنزال، أي جميع أنواع الشّقاء فلا يكون إنزال القرآن سبباً في شيء من الشقاء للرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأول ما يراد منه هنا أسف النبي - صلى الله عليه وسلم - من إعراض قومه عن الإيمان بالقرآن. قال تعالى: {أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً}تفسير : [الكهف: 6]. ويجوز أن يكون المراد: ما أرسلناك لتخِيب بل لنؤيدك وتكون لك العاقبة. وقوله {إلاَّ تَذْكِرَةً} استثناء مفرّغ من أحوال للقرآن محذوفة، أي ما أنزلنا عليك القرآن في حال من أحوال إلا حال تذكرة فصار المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وما أنزلناه في حال من الأحوال إلا تذكرة. ويدل لذلك تعقيبه بقوله {تنزيلاً ممَّن خَلَق الأرضَ} الذي هو حال من القرآن لا محالة، ففعل {أنْزَلنا} عامل في {لِتَشْقَى} بواسطة حرف الجرّ، وعامل في {تَذْكِرة} بواسطة صاحب الحال، وبهذا تعلم أن ليس الاستثناء من العلّة المنفية بقوله: {لِتَشْقَى} حتى تتحير في تقويم معنى الاستثناء فتفزع إلى جعله منقطعاً وتقع في كُلف لتصحيح النّظم. وقال الواحدي في «أسباب النزول»: «قال مقاتل: قال أبو جهل والنضر بن الحارث (وزاد غير الواحدي: الوليد بن المغيرة، والمطعِم بنَ عديّ) للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنك لتشقى بترك ديننا، لما رأوا من طول عبادته واجتهاده، فأنزل الله تعالى: {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} الآية، وليس فيه سند. والتذكرة: خطور المنسي بالذهن؛ فإن التوحيد مستقرّ في الفطرة والإشراك مناف لها، فالدعوة إلى الإسلام تذكير لما في الفطرة أو تذكير لملّة إبراهيم - عليه السلام -. و{من يخشى} هو المستعد للتأمل والنظر في صحة الدّين، وهو كل من يفكّر للنجاة في العاقبة، فالخشية هنا مستعملة في المعنى العَربي الأصلي، ويجوز أن يراد بها المعنى الإسلامي، وهو خوف الله، فيكون المراد من الفعل المآل، أي من يؤول أمره إلى الخشية بتيْسِير الله تعالى له التقوى، كقوله تعالى: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] أي الصائرين إلى التقوى. و{تنزيلاً} حال من {القُرءَانَ} ثانية. والمقصود منها التنويه بالقرآن والعناية به لينتقل من ذلك إلى الكناية بأن الذي أنزله عليك بهذه المثابة لا يترك نصرك وتأييدك. والعدول عن اسم الجلالة أو عن ضميره إلى الموصولية لما تؤذن به الصلة من تحتم إفراده بالعبادة، لأنه خالق المخاطبين بالقرآن وغيرهم مما هو أعظم منهم خلقاً، ولذلك وُصف {السَّمَاوات} بـ{العُلَى} صفةً كاشفةً زيادة في تقرير معنى عظمة خالقها. وأيضاً لمّا كان ذلك شأن مُنْزل القرآن لا جرم كان القرآن شيئاً عظيماً، كقول الفرزدق:شعر : إنّ الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعزّ وأطول تفسير : و {الرحمٰنُ} يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف لازم الحذف تبعاً للاستعمال في حذف المسند إليه كما سماه السكّاكي. ويجوز أن يكون مبتدأ. واختير وصف {الرحمٰن} لتعليم النّاس به لأن المشركين أنكروا تسميته تعالى الرحمان: {أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان}تفسير : [الفرقان: 60]. وفي ذكره هنا وكثرة التذكير به في القرآن بعث على إفراده بالعبادة شكراً على إحسانه بالرحمة البالغة. وجملة {على العرش استوىٰ} حال من {الرَّحْمٰن}. أو خبر ثان عن المبتدأ المحذوف. والاستواء: الاستقرار، قال تعالى: {أية : فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}تفسير : [المؤمنون: 28] الآية. وقال: {أية : واستوت على الجوديّ}تفسير : [هود: 44]. والعرش: عالم عظيم من العوالم العُليا، فقيل هو أعلى سماء من السماوات وأعظمها. وقيل غير ذلك، ويسمى: الكرسي أيضاً على الصحيح، وقيل: الكرسي غير العرش. وأيّاً مّا كان فذكر الاستواء عليه زيادة في تصوير عظمة الله تعالى وسعة سلطانه بعد قوله: {ممَّن خلقَ الأرضَ والسماوات العُلى}. وأما ذكر الاستواء فتأويله أنه تمثيل لشأن عظمة الله بعظمة أعظم الملوك الذين يجلسون على العروش. وقد عَرَف العرب من أولئك ملوكَ الفرس وملوكَ الروم وكان هؤلاء مضرب الأمثال عندهم في العظمة. وحَسّنَ التعبيرَ بالاستواء مقارنته بالعرش الذي هو ممّا يُستوى عليه في المتعارف، فكان ذكر الاستواء كالترشيح لإطلاق العرش على السماء العظمى، فالآية من المتشابه البيّن تأويله باستعمال العرب وبما تقرر في العقيدة: أن ليس كمثله شيء. وقيل: الاستواء يستعمل بمعنى الاستيلاء. وأنشدوا قول الأخطل:شعر : قد استوى بشر على العراق بغير سيف ودمٍ مُهْراق تفسير : وهو مولّد. ويحتمل أنه تمثيل كالآية. ولعلّه انتزعه من هذه الآية. وتقدم القول في هذا عند قوله تعالى: {أية : ثم استوى على العرش} تفسير : في سورة [الأعراف: 54]. وإنما أعدنا بعضه هنا لأن هذه الآية هي المشتهرة بين أصحابنا الأشعرية. وفي تقييد الأبيّ على تفسير ابن عرفة: واختار عز الدين بن عبد السلام عدم تكفير من يقول بالجهة. قيل لابن عرفة: عادتك تقول في الألفاظ الموهمة الواردة في الحديث كما في حديث السوداء وغيرها، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - دليلٌ على عدم تكفير من يقول بالتجسيم، فقال: هذا صعب ولكن تجاسرتُ على قوله اقتداء بالشيخ عز الدين لأنه سبقني لذلك. وأتبع ما دلّ على عظمة سلطانه تعالى بما يزيده تقريراً وهو جملة: {له ما في السمَّاوات} الخ. فهي بيان لجملة {الرحمان على العرش استوىٰ}. والجملتان تدلان على عظيم قدرته لأن ذلك هو المقصود من سعة السلطان. وتقديم المجرور في قوله {له ما في السماوات} للقصر، رداً على زعم المشركين أن لآلهتهم تصرفات في الأرض، وأن للجنّ اطلاعاً على الغيب، ولتقرير الردّ ذكرت أنحاء الكائنات، وهي السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى. والثّرى: التراب. وما تحته: هو باطن الأرض كله. وجملة {له ما في السَّماوات} عطف على جملة {على العرشِ اسْتَوى}.
الشنقيطي
تفسير : في قوله تعالى {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} وجهان من التفسير, وكلاهما يشهد له القرآن: الأول - أن المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. أي لتتعب التعب الشديد بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم. وتحسرهم على أن يؤمنوا. وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات كثيرة, كقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} تفسير : [فاطر: 8] الآية, وقوله تعالى {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف:6] وقوله {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً, وقد قدمنا في مواضع من هذا الكتاب المبارك. الوجه الثاني - أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالليل حتى تورَّمتْ قدماه, فأنزل الله {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} أي تنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة. وما بعثناك إلا بالحنيفية السمحة. وهذا الوجه تدل له ظواهر آيات من كتاب الله, كقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78], وقوله {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تفسير : [البقرة: 185]. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويفهم من قوله: {لتشقى} أنه أُنزل عليه ليسعد. كما يدل له الحديث الصحيح: "حديث : من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين" تفسير : وقد روى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم رضي الله تعالى عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن الله يقول للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحكتمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي" تفسير : وقال ابن كثير: إن إسناده جيد, ويشبه معنى الآية على هذا القول الأخير قوله تعالى {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل: 20] الآية. وأصل الشقاء في لغة العرب: العناء والتعب, ومنه قول أبي الطيب: شعر : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 117].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} (2) - مَا جَعَلَ اللهُ الْقُرْآنَ شَقَاءً لَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ هُدًى وَرَحْمَةً وَدَلِيلاً إِلَى الْجَنَّةِ، تُذَكِّر بِهِ قَوْمَكَ، وَتَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ، فَمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَأَصْلَحَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ. لِتَشْقَى - لِتُكَابِدَ الشَّدَائِدَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الشقاء: هو التعب والنَّصَب والكدّ، فالحق سبحانه ينفي عن رسوله صلى الله عليه وسلم التعب بسبب إنزال القرآن عليه، إذن: فما المقابل؟ المقابل: أنزلنا عليك القرآن لتسعد، تسعد أولاً بأن اصطفاك لأن تكون أَهْلاً لنزول القرآن عليك، وتسعد بأن تحمل نفسك أولاً على منهج الله وفِعْل الخير كل الخير. فلماذا - إذن - جاءتْ كلمة {لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]؟. هذا كلام الكفار أمثال أبي جهل، ومُطعِم بن عدي، والنضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة حينما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: لقد أشقيتَ نفسك بهذه الدعوة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله بعثني رحمة للعالمين ". تفسير : فقد بعث رسول الله ليسعد ويسعد معه قومه والناس أجمعين لا ليشقى ويُشقِي معه الناس. لكن من أين جاء الكفار بمسألة الشقاء هذه؟ المؤمن لو نظر إلى منهج الله الذي نزل به القرآن لوجده يتدخل في إراداته واختياراته، ويقف أمام شهواته، فيأمره بما يكره وما يشقُّ على نفسه، ويمنعه مما يألَف ومما يحب. إذن: فمنهج الله ضد مرادات الاختيار، وهذا يُتعِب النفس ويشقُّ عليها إذا عُزِلَتْ الوسيلة عن غايتها، فنظرت إلى الدنيا والتكليف منفصلاً عن الآخرة والجزاء. أمّا المؤمن فيقرن بين الوسيلة والغاية، ويتعب في الدنيا على أمل الثواب في الآخرة، فيسعد بمنهج الله، لا يشقى به أبداً. كالتلميذ الذي يتحمل مشقّة الدرس والتحصيل؛ لأنه يستحضر فَرْحة الفوز والنجاح آخر العام. من هنا رأى هؤلاء الكفار في منهج الله مشقة وتعباً، لأنهم عزلوا الوسيلة عن غايتها؛ لذلك شعروا بالمشقة، في حين شعر المؤمنون بلذة العبادة ومتعة التكليف من الله، وهذه المسألة هي التي جعلتهم يتخذون آلهةً لا مطالبَ لها، ولا منهج، ولا تكليف، آلهة يعبدونها على هواهم، ويسيرون في ظلها على حَلِّ شعورهم. لذلك أوضح القرآن أنهم مغفلون في هذه المسألة، فقال: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]. أو يكون الشقاء: تعرُّضه لِعُتاة قريش وصناديدها الذين سخروا منه، وآذوه وسلَّطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم، يشتمونه ويرمونه بالحجارة، وهو صلى الله عليه وسلم يُشقِي نفسه بدعوتهم والحرص على هدايتهم. والحق تبارك وتعالى ينفي الشقاء بهذا المعنى أيضاً: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2] أي: لتُشقي نفسك معهم، إنما أنزلناه لتبلغهم فحسب، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيراً في مثل قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6] وقوله: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 4]. وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً - ولله المثَل الأعلى - برجل عنده عبدان: ربط أحدهما إليه بحبل، وأطلق الآخر حُراً، فإذا ما دعاهما فاستجابا لأمره، فأيهما أطوع له، وأكثر احتراماً لأمره؟ لا شكَّ أنه الحر الطليق؛ لأنه جاء مختاراً، في حين كان قادراً على العصيان. وكذلك ربك - تبارك وتعالى - يريد منك أن تأتيه حُراً مختاراً مؤمناً، وأنت قادر ألاَّ تؤمن. والبعض يحلو لهم نقد الإسلام واتهام الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إن رسول الله يخطىء والله يُصوِّب له، ونتعجب: وما يضيركم أنتم؟ طالما أن ربه هو الذي يُصوِّب له، هل أنتم الذين صَوَّبتم لرسول الله!؟ ثم مَنْ أخبركم بخطأ رسول الله؟ أليس هو الذي أخبركم؟ أليس هذا من قوة أمانته في التبليغ ويجب أن تحمد له؟ إذن: فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أنْ يُربِّيه ربه؛ لذلك يقول: "حديث : إنما أنا بشر يَرِد عليَّ - يعني من الحق - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويُؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". تفسير : وقد تمحَّك هؤلاء كثيراً في قصة عبد الله بن أم مكتوم، حينما انشغل عنه رسول الله بكبار قريش، والمتأمل في هذه القصة يجد أن ابن أم مكتوم كان رجلاً مؤمناً جاء ليستفهم من رسول الله عن شيء، فالكلام معه ميسور وأمر سَهْل، أمّا هؤلاء فهم رؤوس الكفر وكبار القوم، ولديهم مع ذلك لَدَد في خصومتهم للإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتهم ويُرهِق نفسه في جدالهم أملاً في أنْ يهدي الله بهم مَنْ دونهم. إذن: النبي في هذا الموقف اختار لنفسه الأصعب، وربه يعاتبه على ذلك، فهو عِتَاب لصالحه، له لا عليه. ثم يقول الحق سبحانه: {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):