٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ } ليدل بذلك على كمال قدرته وإرادته، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على سواء فقال:
المحلي و السيوطي
تفسير : هو {ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وهو في اللغة سرير الملك {ٱسْتَوَىٰ } استواء يليق به تعالى.
السلمي
تفسير : قال مالك بن أنس: وقد سئل كيف استوى؟ قال الاستواء غير مجهول، والكيفية غير معقولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وقال فارس: ليس على الكون مع الله أثر، ولا على الله من الكون أثر. قال ابن عطاء: فى قوله: الرحمن على العرش استوى. وقال استوى: إظهار القدرة لإمكان الذات.
القشيري
تفسير : استواء عَرْشِه في السماءِ معلوم، وعَرْشه في الأرض قلوبُ أهل التوحيد. قال تعالى: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}تفسير : [الحاقة: 17] وعرش القلوب: قال تعالى: {أية : وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} تفسير : [الإسراء: 70] أمَّا عرش السماء فالرحمن عليه استوى، وعرشُ القلوبِ الرحمنُ عليه استولى. عرشُ السماءِ قِبْلَةُ دعاءِ الخَلْق، وعرشُ القلبِ مَحَلُّ نَظَرِ الحق... فشتَّان بين عرشٍ وعرش!
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} ذكر سبحانه قبل هذه الأية خلق السماوات والارض ولم يقل انه خلق العرش وفيه اشارة الى قوله سبحانه عن احاطة الحدثان به الرحمن على العرش استوى يشير الى ان عرشه جلال قدمه وازلية ذاته وصفاته استوى بنفسه فى علم العلم وغيب الغيب وهذا الاستواء ----- تجبره وتكبره بنفسه حين لا حين ولا حيث ولا اين ولا غير وهكذا جميع الاجابين قبل الاكوان وبعد الاكوان فى الاكوان اذا الاكوان والحدثان قاصرة عن حمل ذرة من كبرياء عظمته والازمان مضمحلة عن حصر صفاته وازليته وديموميته وايضا ان الله سبحانه لما اراد ايجاد الكون خلق بظهور نور قدرته عالما وسماه العرش من ---- فى وجعله موضع نور العقل البسيط وجعل العقل البسيط موضع فعله الذى يصدر من القدرة من ذلك الفعل عالم طلوع انوار القدم عليه فاذا تجلى بذاته لصفاته ومن صفاته لفعله ومن فعله للعقل البسيط من عقل البسيط --- العرش فصار كل ذرة من العرش مراة يتجلى الحق منها للعالم او العالمين فتنذر قطرات ديم الفعل من فيض انوار الصفة والذات من عالم العرش الى العالم والعالمين على النظام والتسرمد وابتساء صبح الازلية من اشراق شمس الالوهية على عالم العرش بهذه المثابة وانشر بركنها فى الاكوان والحدثان وهذا تحصيل علوم سر الاستواء ويا عاقل اين العرش وان كان الف الف عرش من سطوات كبريائه التى لو برزت ذرة منها بنعت القهر فى العالم لفنيت كلها قبل ان يرتد اليك طرفك فهو مستوى بغير علة اعوجاج الحديثة بوصف قهر القدم على كل مخلوق والكل تحت قهر جبروته وان كان عالم العرش اعظم ميادين تجلى استوائه هو خاص بتجلى الاستواء والاستواء صفة خاصة لله منزه عن ادراك الاوهام ومقائيس العقول تعالى الله عن مماسة الحدثان وملاصقة الاكوان وسئل عن مالك بن انس كيف الاستواء قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وقال فارس ليس على الكون من الله اثر ولا من الكون على الله اثر وقال ابن عطا الاستواء اظهار المقدرة لامكان الذات فاذا جاوزنا من هذه المقالة فجرم العرش اعظم من كل جرم ولكن اذا استولى عليه قهر الربوبية كاد ان يذوب من صولته فامسكن يد اللطف لتكون رفأرف ارواح القدسية وبساتين عقول الملكوتية فسكن بلطف الله من الاضطراب من قهر الله ثم صرف الحق عنه تلك الصولة لما علم ضعفه عن دار الالوهية فطلب فى ملك وسلطانه عرشا معنوياً روحانيا ملكوتيا رحمانيا جبروتيا وذلك قلب العارف الصادق الذى خلقه الله من نور بهى صدر من تجلى صفة بهائه وذلك عرش المعنى الذى من وسعه يبسط نور الازلية فيه على مثابة من غيرة الحق ان لو كان العرش ما تحته يقع فيه كون اقل من خرد له فى فلاة وذلك مشرق طلوع شمس الذات وقمر الصفات فاذا غلب سلطانها عليه ظهر ضعفه تحت اثقال الالوهية فيبرز نور اللطف فى قضائه فيبسطه بساط لا نهاية له ويصير مبسوط يبسط التجلى حتى يكون مستقيما متمكنا فى رؤية تجلى الحق فاذا صار انوار التجلى عليه بنعت الاستدامة ظهر علم سر الاستواء من حاشا ان القلب حامل الذات والصفات هو بجلاله منزه عن الورود على الحدثان لكن هو طل التجلى يحمل اثقال تجلى الحق الحق لا بنفسه انظر الى قول النبي صلى الله عليه وسلم كيف قال حكاية عن الله عزو وجل لم يسعنى السماوات والارض ويمنعى قلب عبدى المومن ويا عاقل كيف يحمله الحدث وهو منزله عن الحلول الله الله هو منزه ايضا ان يكون هو محل الحوادث للقلب يحمله به لانه هو بذاته حامل القلب بالوصف والصفة الاثرية الى قوله عليه السلام القلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء هو مع الكل العلم والكل معه بالعلم والقدرة وهو منزه اقيم بذاته تعاىل الله عن كل وهم وخاطر وقال ابن عطا استوى لكل شيء فليس شئ اقرب اليه من شئ وقال بعضهم استوى له السماوات والارض ما فيهن بشرط العبودية قال الاستاذ عرضه في السماء معلوم وعرشه فى الارض من قلوب الله التوحيد وعرض السماء مطاف الملائكة وعرش الارض مطائف الطائف فاما عرش السّماء فالرحمن عليه استوى عرش القلوب فالرحمن عليه استوى عرش السماء قبلة دعاء الخلق وعرش الارض فى محل نظر الحق لشتان بين عرش وبين عرش ثم مع هذه الأية وعقيبها جمع الله سبحانه علومه القديمة المحيطة بالحدثان من فوق العرش الى ما في تحت الثرى ذلك قوله {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} اخبر عن علمه وملكته مقايما فوق العرش وما تحت الثرى ما بين العرش والثرى من اطباق السماوات وما بينهن واطباق الارضين وما بينهن فذكره تعالى استوى على العرش اخبار عن قهر سلطانه وبنعت الاستيلاء على اعظم خلقه ومن علمه بما فوق العرش من علم الغيب وغيب الغيب وما تحت العرش الى الثرى من علومه الغيبية فى بطون افعاله وما تحت تحت الثرى من اسرار ربوبيته اى ان الكون استغرق فى بحار علمه وقدرته وارادته بالمثل كخردلة فى البوادى او كخلقة فى البحار والسطان كبريائه محيط بجميع ذراته فالكون كالكرة فى ميادين عظمته عند صولجان قدرته يضرب بها تلك الكرة فى كل لمحة الف مرة ويذهب بها من الازال الى الاباد ومن الاباد الى الازال والله ان من وقت ما خلق الله اكون يترك الكون فى طلب ما يتعلق به من نور فعله وما ادرك فكيف يدرك انوار الصفة واذا لم يكن مدرك انوار الصفة كيف يدرك عزة الذات واين الكون من ادرك وحدانية القديم -----بجلال بحد ذاته بل هو صاغر حقير فى قبض جبروته لا مصرف له ينصرف اليه منه ولا مخرج له منه فيخرج من تحت قهره بل كذرة تبن على جناح الرياح العواصف والصرصر القهار تذهب بها ولا تعرف اين تذهب الا ترى الى قوله عليه الصلاة والسّلام والكون فى عين الرحمن اقل من خردلة أم اعلم الخلق ان الكل له فلا ينبغى للعالم به ان يطمع فى غيره حتى لا يشوب قلبه بالشرك الخفى قيل له الملك كله فمن طلب البعض من الكلى من غيره فقد أخطأ الطلب ثم اخبر عن عظيم جلال علمه بمكنون الاسرار وخفى الاضمار بقوله {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} افهم ان للطبيعة سر ولذلك السر سر النفس سر ولذلك السر سر والقلب سرّ ولذلك السر سر العقل سر ولذلك السر سر وللروح سر ولذلك السر سر وللسر سر ولذلك السرّ سرّ والسر سر ولذلك السر سر اما سر الطبيعة اضمار الميل الى طلب ما تقوم به من فيض العناصر وسر السر نداء فعلى الحق الى الطبيعة بنعت جذبها الى طلب حظها وهو الخفى من ذلك السر واما سر النفس فهم حديث الخفى الذى يصدر منها فى غيب الخواطر لطلب هواها وسر ذلك السر نداء القهر اياها بنعت جذبها الى طلب الهوى وهو اخفى من سرها واما سر القلب فهو حديثه الخفى الذى يصدر منه لطلب مزيد الصفاء من فيض الذكر وسر ذلك السر قرع الملك باب سره بنعت تحريكه الى طلب مزيد الذكر وذلك الهام خفى واخفى من سر الاول واما سر العقل فهو حديثه مع العقل والروح بما يبدو له من حقائق احكام الربوبية فى الشواهد وسر ذلك السر بهجة ---- الخاص التى هى داعية العقل الى مشاهدة حقائق الاشياء وذلك السّر اخفى من سر الاول واما سر الروح فهو حديث مع العقل بما يسمع من الهام الخاص الألهى لزيادة شوقها الى معادنها وسر ذلك السر ما يبدو لسر الاول من برق سنا لصفة بنعت الكشف مع تعريف امر العبودية والربوبية ذلك اخفى من سر الاول واما سر السر فهو حديثه الخفى فى بطنان غيب الخاطر فى مشهد الملكوت مع الحق حيث يكون محتجبا عنه بنعت التضرع لطلب مشاهدته وسر ذلك السر وقوع كلام الحق على مجارى الصفة له فى الغيب وهو يسمع ولا يبصر وذلك اخفى من سر الاول واما سر سر السر ما يكون وسرائر الحجاب فوق الملك والملكوت مشاهد الجبروت ومعاين الذات يرى عجائب انوارهُ حقائق اسرار صفاته وذاته فيعرف منه به ويسمع منه بلا واسطة ويقول معه بطلب منه بلسان الافتقار مزيد قرب المقرب ------يقع فى بحار الالوهية فلا يرى ولا يعرف فهو سرّ الاسرار واخفى الخفيات فالطبيعة لا تطلع على سر النفس والنفس لا تطلع على سر القلب والقلب لا يطلع على بعض سر العقل والعقل لا يطلع على بعض سر الروح والروح لا يطلع على سر السر والسر لا يطلع على سر سر السر لانه مقام ما اخفى من السر ولا يطلع على جميعها الا الله سبحانه من الخلق والخليقة والملائكة المقربون والا الانبياء المرسلون الا ما يكشف الحق لهم من ظاهر الاسرار قال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول وباطن هذه الاسرار لا يكشف لاحد غير الله لانه مما استأثره لنفسه ولا يطلع عليه غيره وحاصل الحقيقة من معنى الأية ان السر ما فى صفاته ما اخفى ما فى ذاته قال الصحيح السر ما طالعه الحق ولا يطالعه الملك ولا الشيطان ولا يحس به النفس ولا يشاهده العقل وهو فى الاضمار لم ----الهمهم ولم تدبره الفطن وهى فى لباب القلب من حقائق لميز من خطرات الالهام كشر النار الكامن فى الهجر الرطب حتى تمثله الارادة المشيئة -----فيقتل فى الاحوال فهذا هو السر ما هو اخفى فما لم تحس هو تطالع لا يعلمه الا الله فهو اخذ من الحقائق فاذا ظهر معلومه ابدا علمه وقال الواسطى السر ما خفى على العباد والذى هو اخفى ما لم يقل له كن قال الجنيد يعلم سره فيك واخفى سره عنك وقال جعفر الصادق السر موضع الارادة واخفى موضع الخطرة والمشاهدة وقال الاستاذ النفس ما تقف على ما فى القلب والقلب لا يقف على اسرار الروح والروح لا سبيل له الى حقائق السرّ والذى هو اخفى من السر فما لا يطلع عليه الا الحق ويقال الذى هو اخفى من السر لا يفسده الشيطان ولا يكتبه الملكان ويستأثر بعلمه الجبار ولا يقف عليه الاغيار ولما تفرد بنفسه بالاطلاع على السر والخفيات نفى عن ساحة كبريائه من لم يستحق للفردانية الازلية والعلم الشامل باسرار الحوادث وخفيات الضمائر ووصف نفسه بذلك وقال {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} فمعانى الاسماء بالحقيقة سر من حيث يعبر حقائق الصفات وما فى الذات من علوم القدمية واسرار الازلية وهو اخفى من سر الاسماء اخبر سبحانه حبيبه من اسراره التى بينه وبين كليمه موسى وتلك الاسرار اعجب العجائب اغرب الغرائب من علوم اسراره وحقائق انواره بقوله {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} ما اطيب ذكر قصة الكليم للحبيب خص ان الحبيب الاكبر ذكر حال الكليم للحبيب لان الحبيب يستأنس بسميّه من الاحباء لذلك قص الله قصة الانبياء الحبيب ثم بين بدر حال كليمه بقوله {إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} لما كمل كليم الله كمل فى الارادة ودخل فى الارادة ودخل من الارادة الى مقام المحية ترك الوسيلة الصغرى وهى خدمه شعيب ووقع فى الوسيلة الكبرى وهي رؤية النار فى الشجرة وتلك بداية مكاشفته وسماع خطاب الحق سبحانه فوقعت مكاشفة قبل الخطاب وهو مقام الكبرياء فى المعرفة ثم وقع بعد ذلك فى بحر الخطاب وذلك قوله سبحانه {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ} فاذا اراد الله ان يعرف مقام رؤية الصفات فى الافعال تجلى بجلاله لكسوة النار ثم تجلى من كسوة النار لكسوة الشجرة ثم تجلى من الشجرة لموسى ذلك مقام اسرار الالتباس الذى يجذب بالحق عشاقه الى معادن الالوهية ليصيروا بعد ذلك موحدين قرباهم فى البداية فى مقام العشق برؤية انوار الصفات فى الافعال حتى لا يفنوا بالبديهة فى سطوت عظمته ولو يريهم صرف عيان الذات يصيرون مضمحلين فى انوار قدسه جعل الشجرة مرأةً للنار وجعل النار مرأة للنور وتجلى منها لموسى فراى موسى نيران الكبرياء وانوار البقاء من شجرة القدم فانجذب الى قرب مغناطيس الصفات وراى الطائف مشاهدات الذات كانه هو فى رؤية المعانى وظن انه فى صورة الامانى فاتاها بنعت الشوق وتحير فى شأن الامر وطالب نفسه اين هو ما علم انه فى كنف الوصلة وبساط القربة دار حول الشجرة برسوم العلم ولهكذا حال من كوشف له حقائق الحقيقة بالبديهة فلما غاب فى الغيب فى طلب الرب ناداه الحق وقال ايش الطلب انا ربك اى ما ترى يسرك وروحك وعقلك فهو جمال ربك وان كنت فى تلبيس الفعل والصفة لو تريد ان ترانى صرفا فاخلع نعليك اى نعلى الكونين فانك بالواد المقدس وادى الازل المقدس ----- والحسبان وانفاس النفس و الشيطان ولا يبتغى ان تأتى قدس القدم باثار اهل العدم حتى يطوى لك سرادها لهمتك وقلبك وروحك وسرك وايضا اى خرج انت منك حتى تصل بى فانا لمن لم يكن لنفسه قال الواسطى فى قوله اذ راى نارا موسى خطرات به حسه الخطوط فى اخذ نار فنال النور فلا ينبغى لاحد ان ييأس من نفسه ------من شاهد -------شاهد الحق قال جعفر قيل لموسى كيف عرفت ان النداء هو نداء الحق فقال لانه فاتنى وشمل فكان كل عشرة متى كان مخاطبا بنداء من جميع الجهات وكانها تعبر من نفسها بجواب فلما شملتها انوار الهيبة واحاطت بى انوار العزة والجبروت علمت انه تخاطب من جهة الحق ولما كان اول الخطاب انى ثم بعده انا علمت انه ليس لاحد ان يخبر عن نفسه باللفظتين جميعاً متتابعا الا الحق فادهشت وهو كان محل الفناء فقلت انت انت الذى لم يزل ولا تزال ليس لموسى معك مقام ولا له جرأة الكلام الا ان بنعته ببقائك ونعته بنعوتات فتكون انت المخاطب والمخاطب جميعا فقال لا يحمل خطابى غيره ولا يحيى سوى انا المتكلم وانا المكلم وانت فى الوسط سبح تبع بك محل الخطاب وقال الشبلى فى قوله اخلع نعليك اخلع نعليك اخلع الكل منك تصل الينا بالكلية فتكون ولا تكون فيتحقق فى عين الجمع يكون اخبارك عنا وفعلك فعلنا قال ابن عطا اخلع نعليك اعرض بقلبك عن الكون فلا تنظر اليه بعد هذا الخطاب قيل اخلع نعليك فانك بعين موجدك وقال جعفر قطع عنك الخلائق فانك باعيننا وقال ابن عطا اى سقط عنك محل الفصل والوصل فقد حصلت فى ------المقدس وهو الذى يظهرك من الاحوال اجمع ويردك الى محولهما عليك وقال الاستاذ فارغ قلبك عن ذكر الدارين وتجرد للحق بنعت الانفراد اما الفرق بين قوله انى وبين قوله انا وبين قوله وربك فانى اشارة الى اصل الذات وانا اشارة الى كشف الصفات وربك ان اعيان الذات والصفات فى الافعال وقال بعضهم فى اخبار وانا اظهار وربك تذكرا وقيل انى معرفة وانا توحيد وربك ايمان وقيل بقوله انى فناؤه بقوله انا ابقاؤه وبقوله ربك ----- وقيل لقلبه وانا لروحه وربك لنفسه وقد وقع لى القر اخوانى اشارة الى امتناع ذاته عن ادراك الخليقة وانا ابراز علوم حقيقة صفاته وربّك ظهرو مشاهدة تجلية الذى هو سبب تربية موسى رباه يتجلى ربوبيته فى لباس فعله ثم اخبر سبحانه انه اختاره لمكان وحيه وخاصية رسالته واصطفا نيته بسماع كلامه القديم حتى يكون خالصا من جميع------ويكون منفرد في العبادات بقوله {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} اختاره فى الازل لمحبته والشوق الى لقائه ومعرفته بفردانيته ويكون الحق سبحانه سميره فى مناجاته وظاهرا بوصف الربوبية وتجلى العظمة لمشاهدته ومراده سبحانه بقوله فاستمع لما يوحى جمع همته وحضور قلبه وسكون سره وهدوء روحه عند جريان الخطاب حتى لايتفك منه خاطر يشتغل بغيره من العرش الى الثرى ليكون علمه اشمل ومعرفته اكمل وحاله اصفى ووقته اشفى ووجده اوفى لانه كان فى مشاهدة عرض جلال القدم وفى الحج بحار الكرم حيث قال سبحانه {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} قوله اننى خير عن بطنان اولية القدم وانا خبر عن شهود ذاته وصفاته على الاسرار والارواح والقلوب بنعت غيبتها عنه وقوله الله ظهور ظهور الذات والصفات لشهود الارواح والاسرار والقلوب والعقول كشفا وعينا وبيانا فاذا اعلمه حقيقة روبوبيته من العبودية الخالصة عن كل كدورة بشرية وخاطر شيطانى بقوله {فَٱعْبُدْنِي} الزم عليه حتى حق الربوبية للعبودية اى تشريف اشرف مما الزم عليه من حقوق الوهيته وجعله موضعها ليكون فرد بعبوديته كما كان سبحانه فرد له باظهار جماله له واسماع كلامه اياه واراد سبحانه ان يلبسه انوار الربوبية فى مكان عبوديته حتى يصير متصفا بصفاته متحدا بمحبته مستغرقا فى جمال اوليته وأخريته ليخرج منها بوصف الازل والابد لا بوصف الحدث ثم بين لن الصلاة اعلام عبودتيه ومواقع شهود مشاهدته ولطائف حقائق ذكره ومناجاته بقوله {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} البيان هو الذكر ومزيد الذكر وحقيقة المراد استغراقه فى بحار مشاهدة المذكور لان الصلاة موضع شهود الاسرار على الانوار وكشف الجمال للارواح لترقيها بنعت شكرها فى عالم الافراح قال الواسطى فى قوله وانا اخترتك والمختار من جهة من هن مصطنع ومصطنعيه ومربيه على يدا عدائه والملقى محبته فى قلوب عباده فلم يستطيعوا له الا محبة والمطلق لسانه بحل العقد والميسر له امره فلا يعسر عليه مطلوب بحال كل هذا يقدم اليه وبمن به عليه ليكون ثابتا عند مكافحة الخطاب ومواجهة الوحى والكلام وقال فى قوله انى انا الله لا اله الا انا فاعبد لا تشغل قلبك بغيرى قولاً وفعلا وفعلاء لا تكن من ابناء الافعال والاحصاء والاعمار والدهور وكن من ابناء الازل والابد مطلعا لما سبق من الاولية وجرى لك فى الأخرية وان كان كلاهما واحدا قال ابن عطا اشارة الى حقيقة الحق اذ الازل والابد علة ذكر الاوقات والدهور ملة قال الواسطى اظهر هذا الخلق فى شموخ وعلو فى انفسهم فامرهم لعلة الفاقة لا لعلة الاستغناء تبسما لروية الاضطرار قال يا موسى اننى انا الله لا اله الا انا فاعبدنى احب ان يريه عجزنه وقال ايضا بالعبرانية خاطب موسى ثم وصف لمحمد صلى الله عليهما وسلم بقوله اننى انا اله لا اله الا انا هل تلونت الصفة بذلك قال لو لونتها اختلاف اللغات لتلونت فى اختلاف الاوامر والنواهى وقال ابن عطا فى قوله واقم الصلاة لذكرى اقم معى بحسن الادب ولا تغفل عنى وانت متوجه الى وقيل فى قوله فاعبدنى وجدنى على الشهود كما عرفتنى بالوجود ودع عنك الرسوم والحدود فلا حد الا حده ولا عبد الا عبده وقال الاستاذ فى قوله واقم الصلاة لذكرى اقامتها من غير ملاحظة مجربها ومنشيها تورث الاعجاب واذا اقام العبد صلوته على نعت الشهود والتحقق بان مجريها غير كانت الصلاة لهذا افتتح باب المواصلة والوقوف فى محل النجوى والتحقيق بخصاص القرب والزلفى.
اسماعيل حقي
تفسير : {الرحمن} رفع على المدح اى هو الرحمن او مبتدأ واللام فيه للعهد مشارا به الى من خلق خبره ما بعده {على العرش} الذى يحمله الملائكة متعلقة بقوله {استوى} اعلم ان العرش سرير الملك والاستواء الاستقرار والمرد به ههنا الاستيلاء ومعنى الاستيلاء عليه كناية عن الملك لانه من توابع الملك فذكر اللازم واريد الملزوم يقال استوى فلان على سرير الملك على قصد الاخبار عنه بانه ملك وان لم يقعد على السرير المعهود اصلا فالمراد بيان تعلق ارادته الشريفة بايجاد الكائنات وتدبير امرها اذ البارى مقدس الانتقال والحلول وانما خلق العرش العظيم ليعلم المتعبدون الى اين يتوجهون بقلوبهم بالعبادة والدعاء فى السماء كما خلق الكعبة ليعلموا الى اين يتوجهون بابدانهم فى العبادة فى الارض [وشيخ اكبر قدس سره در فتوحات فرموده كه استواء خداوند بر عرش در قرآنست ومراد بدين ايمانست تأويل نجوييم كه تأويل درين باب طغيانست بظاهر قبول كنيم وبباطن تسليم كه اين اعتقاد سفيانست اماميدانم كه نه محتاج مكانس ونه عرش برد دارنده اوست كه اوست بر دارنده مكان ونكه دارنده عرش] شعر : نى مكان ره يافت سويش نه زمان نى بيان دارد خبرزو نه عيان اين همه مخلوق حكم داورست خالق عالم زعالم بر ترست تفسير : قال بعضهم ليس على الكون من اثر ولا على الاثر من كون. قال بعضهم انا نقطع بان الله منزه عن المكان والالزم قدم المكان وقد دل الدليل على ان لا قديم سوى الله تعالى وانه تعالى لم يرد من الاستواء الاستقرار والجلوس بل مراده به شئ آخر الا انا لا نشتغل بتعيين ذلك المراد خوفا من الخطأ ونفوض تأويل المتشابهات الى الله تعالى كما هو رأى من يقف على (الا الله) وعليه اكثر السلف كما روى عن مالك واحمد الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والبحث عنها بدعة وما كان مقصود الامامين الاجلين بذلك الا المنع من الجدال وقد احسنا حيث حسما بذلك باب الجدال وكذلك فعل الجمهور لان فى فتح الباب الجدال ضررا عظيما على اكثر عباد الله. وقد روى ان رجلا سأل عمر رضى الله عنه عن آيتين متشابهتين فعلاه بالدرة. وقال بعض كبار المحققين من اهل الله تعالى المراد بهذا الاستواء استواؤه سبحانه لكن لا باعتبار نفسه وذاته تعالى علواً كبيراً عما يقوالظالمون من المجسمة وغيرهم بل باعتبار امره الايجادى وتجليه الحسى الاحدى وانما كان العرش محل هذا الاستواء لان التجليات الذاتية التى هى شروط التجليات المتعينة والاحكام الظاهرة والامور البارزة والشئون المتحققة فى السماء والارض وفيما بينهما من عالم الكون والفساد بالامر الالهى والايجاد الاولى انما تمت باستيفاء لوازمها واستكمال جوانبها واستجماع اركانها الاربعة المستوية فى ظهور العرش بروحة وصورته وحركته الدورية لانه لا بد فى استواء تجليات الحق سبحانه فى هذه العوالم بتجليه الحس وامره الايجاد من الامور الاربعة التى هى من هذه التجليات الحسية والايجادية بمنزلة الشكل المستوى المشتمل على الحد الاصغر والاكبر والاوسط المكرر الكائن به السورة ذات الاركان الاربعة من النتيجة وتلك الامور اربعة هى الحركة المعنوية الاسمائية والحركة النورية الروحانية والحركة الطبيعية المثالية والحركة الصورية الحسية وتلك الحركة الصورية الحسية هى حركة العرش وهى بمنزلة الحد الاكبر ولما استوى امر تمام حصول الاركان الاربعة الموقوف عليها بتوقيف الله تعالى التجليات الايجادية الامرية المتنزلة بين السموات السبع والارضين السبع بحسب مقتضيات استعدادات اهل العصر وموجب قابليات اصحاب الزمان فى كل يوم بل فى كل آن كما اشير اليه بقوله تعالى {أية : يتنزل الامر بينهن}تفسير : وقوله تعالى{أية : كل يوم هو فى شأن}تفسير : فى العرش كان العرش مستوى الحق سبحانه بالاعتبار المذكور الثانى لا بالاعتبار المزبور الاول وفى الحقيقة بالنظر الى هذا الاعتبار هو مستوى امره الايجادى لا مستوى نفسه وذاته فلا اضطراب ولا خلجان فى الكلام والمقال والحال. ثم ان استواء الامر الارادى الايجادى على العرش بمنزلة استواء الامر التكليفى الارشادى على الشرع فكما ان كل واحد من الامرين قلب الآخر وعكسه المستوى السوى فكذلك كل واحد من العرش والشرع قلب الآخر وعكسه السوى المستوى. يقول الفقير قواه الله القدير لا شك ان بين زيد والعالم فرقا من حيث ان الاول يدل على الذات المجردة والثانى على المتصفة بصفة العلم فاسناد الاستواء الى عنوان الاسم الرحمن الذى يراد به صفة الرحمة العامة وان كان مشتملا على الذات دون الاسم الله الذى يراد به الذات وان كان مستجمعا لجميع الصفات ينادى بتنزه ذاته تعالى عن الاستواء وان الذى استوى على العرش المحيط بجميع الاجسام هو الرحمة المحيطة بالكل ومن لم يفرق بين استواء الذات واستواء الصفة فقد اخطأ وذلك ان الله تعالى غنى بذاته عن العالمين جميعا متجل بصفاته واسمائه فى الارواح والاجسام بحيث لا يرى فى مرائى الاكوان الا صور التجليات الاسمائية والصفاتية ولا يلزم من هذا التجلى ان تحل ذاته فى كون من الاكوان اذ هو الآن على ما كان عليه قبل من التوحد والتجرد والتفرد والتقدس ولذا كان اعلى المراتب الوصول الى عالم الحقيقة المطلقة اطلاقا ذاتيا كما اشار اليه قوله تعالى{أية : لا يمسه الا المطهرون}تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الابصار وان الملأ الاعلى يطلبونه كما تطلبونه انتم"تفسير : ذكره فى الروضة فهذا يدل عل ان الله تعالى ليس فى السماء ولا فى الارض ولو كان لانقطع الطلب واما قوله عليه السلام "حديث : يا رب انت فى السماء ونحن فى الارض فما علامة غضبك من رضاك قال اذا استعملت عليكم خياركم فهو علامة رضاى عنكم واذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة سخطى عليكم"تفسير : على ما ذكره الشيخ الاكبر قدس سره الا طهر فى كتاب المسامرة. حديث : وقوله عليه السلام لجارية معاوية بن الحكم السلمى"اين الله" فقالت فى السماء فقال "من انا" فقالت انت رسول الله فقال "اعتقها فانها مؤمنة"تفسير : ونحو ذلك من الاخبار الدالة على ثبوت المكان له تعالى فمصروفة عن ظواهرها محمولة على محل ظهور آثار صفاته العليا ولذا خص السماء بالذكر لانها مهبط الانوار ومحل النوازل والاحكام ومن هذا ظهر ان من قال ان الله فى السماء عالم اراد به المكان كفر وان اراد به الحكاية عما جاء فى ظاهر الاخبار لا يكفر لانها مؤولة والاذهان السليمة والعقول المستقيمة لا تفهم بحسب السليقة من مثل هذه التشبيهات الاعين التنزيه - روى - ان امام الحرمين رفع الله درجته فى الدارين نزل ببعض الاكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والاكابر فقام واحد من اهل المجلس فقال ما الدليل على تنزيهه تعالى عن المكان وهو قال {الرحمن على العرش استوى} فقال الدليل عليه قول يونس عليه السلام فى بطن الحوت {أية : لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين}تفسير : فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام ان ههنا فقيرا مديونا بالف درهم اد عنه دينه حتى ابينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذهب فى المعراج الى ما شاء الله من العلى قال هناك "حديث : لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك"تفسير : ولما ابتلى يونس عليه السلام بالظلمات فى قعر البحر ببطن الحوت قال {أية : لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين}تفسير : فكل منها خاطب بقوله انت وهو خطاب الحضور فلو كان هو فى مكان لما صح ذلك فدل ذلك على انه ليس فى مكان. فان قلت فليكن فى كل مكان. قلت قد اشرت الى انه فى كل مكان بآثار صفاته وانوار ذاته لا بذاته كما ان الشمس فى كل مكان بنورها وظهورها لا بوجودها وعينها ولو كان فى كل مكان بالمعنى الذى اراد جهلة المتصوفة فيقال فاين كان هو قبل خلق هذه العوالم ألم يكن له وجود متحقق فان قالوا لا فقد كفروا وان قالوا بالحلول والانتقال فكذلك لان الواجب لا يقارن الحادث الا بالتأثير والفيض وظهور كمالاته فيه لكن لا من حيث انه حادثا مطلقا بل من حيث ان وجوده مستفاض منه فافهم. فان قلت فاذا كان تعالى منزها عن الجهة والمكان فما معنى رفع الايدى الى السماء وقت الدعاء. قلت معناه الاستعطاء من الخزانة لان خزائنه تعالى فى السماء كما قال {أية : وفى السماء رزقكم وما توعدون}تفسير : وقال {أية : وان من شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم}تفسير : فثبت ان العرش مظهر استواء الصفة الرحمانية وان من يثبت له تعالى مكانا فهو من المجسمة ومنهم جهلة المتصوفة القائلون بانه تعالى فى كل مكان ومن يليهم من العلماء الزائغين عن الحق الخارجين عن طريق العقل والنقل والكشف فمثل مذهبهم وقذره كمثل مذهبهم وقذره فنعوذ بالله تعالى من التلوث بلوث الجهل والزيغ والضلال ونعتصم به عما يعصم من الوهم والخيال والحق حق والاشياء اشياء ولا ينظر الى الحق بعين الاشياء الا من ليس فى وجهه حياء.
الجنابذي
تفسير : قرىء الرّحمن مرفوعاً مبتدءً وعلى العرش خبره ويكون الجملة حالاً او مستأنفاً او يكون على العرش متعلّقاً باستوى واستوى خبره وعلى الاوّل فاستوى مستأنفة او حال او خبر بعد خبر، وقرئ مرفوعاً مقطوعاً عن الوصفيّة خبراً لمبتدءٍ محذوفٍ، وحينئذٍ يكون على العرش حالاً او خبراً بعد خبرٍ، او جملة بتقدير مبتدءٍ، ومستأنفة، وهكذا الحال فى استوى وقرئ بالجرّ صفة لمن خلق الارض، وعلى العرش حينئذٍ يكون حالاً او متعلّقاً باستوى، او جملة مستأنفة بتقدير مبتدء محذوفٍ ويجرى الوجوه السّابقة فى استوى، وقد مضى فى سورة الاعراف بيان تامّ لاستواء الرّحمن على العرش ولوجه خلق السّماوات والارض فى ستّة ايّام.
اطفيش
تفسير : {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} استولى. وبسط الكلام فى ذلك فى سورة الأعراف والرحمن مبتدأ وجملة استوى خبر وإن جعلنا الرحمن خبر المحذوف على المدح فالجملة خبر ثان أو خبر لمحذوف. وقرئ بجر الرحمن بدلا مِن مَن أو بيان لا نعت؛ لأن مَن لا نعت. وعلى الجر بالجملة خبر لمحذوف ولاستواء على العرش - كما مرت الإشارة إليه -: كناية عن الملك والقهر كناية مشهورة. قال: استوى فلان عرشه أى سريره أى ملك وقيل إن لم يكن له سرير وأعقب بذكر العرش لأنه أجرى منه الأحكام والتقادير على ما شاء فى الأزل من ترتيب وغيره.
اطفيش
تفسير : {الرَّحْمن} مبتدأ خبره قوله: {عَلى العَرْش اسْتَوى} أو يقدر هو الرحمن، أو بدل من المستتر فى خلق على وضع الظاهر موضع المضمر، كأنه قيل تنزيلا ممن خلق الرحمن السماوات، برفع الرحمن تنزيلا منزلة رابط الصلة، كقوله: وأنت الذى فى رحمة الله أطمع، أى فى رحمته وما تقدم أولى، واستوى خبر ثان للرحمن إذا قدر: هو الرحمن، وعلى الإبدال يقدر هو استوى. والعرش فى اللغة سرير الملك، وفى الشرع سرير ذو قوائم تحمله الملائكة عليهم السلام فوق السموات كالقبة، كما خلق الله الغار فى الجبل، وليس الله حالا فيه ولا فوقه، ومعنى استواءه على العرش أنه ملكه. روى أن الحسن كان يعظ الناس فوقف عليهم أعرابى فقال: يا أبا سعيد أجلس ربنا على العرش، فغضب، فقال يزيد الرقاشى: يا أبا سعيد لقد رأينا صدر هذه الأمة يبغض أحدهم السؤال عن الله سبحانه وتعالى، ثم يجيب فأجب إن كان عندى جواب؟ فعرف الحسن أنه أساء، فقال الأعرابى: إياك أسأل يا يزيد رحمك الله، فقال: يالكع إنما يقوم من يمل القعود، ويقعد من يمل القيام، قال: فمتكىء هو؟ قال: إنما يتكىء من يمل القعود والقيام، قال: أمتصل هو بعرشه؟ قال: سبحان الله تباً لكم إنما يتصل بالمخلوق من هو مخلوق وأما الرب سبحانه فلا مثل له، ولا يتصل بشىء، ولا يمسه شىء، ولا يناله شىء، وهو أعز وأمنع أن يتنزل بحالة الاتصال، قال أفمنفصل هو؟ قال: إنما ينفصل ما يحد بحدود، ولا حد الله تعالى ولا غاية. قال: سبحان الله هو لا قائم ولا قاعد، ولا متكىء ولا مضطجع، ولا متصل، ولا منفصل فكيف هو؟ قال: لا كيف له، ويحك أتدرى ما الكيف؟ قال: لا، قال: إنما الكيف فى الغائب إذا استوصف فيوجد له فى الحاضر، فيقول الواصف هو كذا أو مثل كذا، وأما الرب جل وعلا فلا مثل له فيما غاب، ولا فيما بقى، ولا يقال له كيف، ولا يُطلب بالكيف، إنما يراد بالكيف الشبه والعدل، والله تعالى ليس كمثله شىء. وفى الصحيحين عن أبى سعيد: "حديث : جاء يهودى الى النبى صلى الله عليه وسلم يشكو صحابياً لطم وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم: "لم لطمت وجهه؟" فقال سمعته يقول: والذى اصطفى موسى على البشر، فغضبت وقلت: يا خبيث اصطفاه على محمد، فلطمته غيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون وأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدرى أفاق قبلى، أم جوزى بصعقة الطور" تفسير : فذكر للعرش قوائم، وإنما نهى عن التخيير قبل أن ينزل عليه أنه سيد ولد آدم، وأنه إمام الأنبياء، ونبيهم ونحو ذلك فى أحاديث. وانظر أى تخيير فى الحديث فكأنه فهم أن اليهودى أثبت الرسالة لسيدنا محمد الى غير اليهود، وفضل موسى عليه، والصحابى أراد تخييره صلى الله عليه وسلم على موسى عليه السلام، وهو على قدر سعة السماء السابعة، فيكون ما رواه أبو ذر من غيره أن الكرسى فيه كحلقة فى فلاة، والسموات والأرض فى الكرسى كحلقة باعتبار علو قبته، وزعمت طائفة من المتكلمين أن العرش محيط بالعالم كله من كل جهة، وأنه الفلك الأطلس، والفلك التاسع، ويرده ما صح بالقرآن أن الملائكة تحمله، وما جاء عن جابر بن عبدالله أن العرش اهتز لموت سعد بن معاذ، والفلك التاسع عند هؤلاء متحرك دائماً حركة متشابهة، وقد يجاب بأنه تحرك يوم مات حركة زائدة، وحمل حركته له على الاستبشار، يحتاج الى دليل، وأى دليل على أن الأفلاك تسعة. وأن التاسع أطلس، وتفسير العرش بالملك ينافيه حمل الملائكة له، وحديث أخذ موسى بقائمة منه، وحديث اهتزاز العرش لموت سعد، وحديث خلق الله الخلق، وكتب فى كتاب: أن رحمتى سبقت غضبى، وضعه فوق العرش، وأنه خارج عن خطاب العرب فى الظاهر، ولو كانت تعرف أيضاً العرش بمعنى الملك فيصير تارة الى تفسيره بالسرير المذكور الشرعى، وتارة الى تفسيره بالملك، وهذا خلاف الظاهر. واستواء الله على هذا الجسم العظيم ملكه إياه تعالى الله عن الحلول، ونحمل آيات القرآن على ظاهرها إلا ما يوجب التشبيه، فناوله، وروى عن على بن أبى طالب الاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، لأنه تعالى كان ولا مكان، فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان، وهو كلام حق إلا قوله السؤال عنه بدعة، فلعله موضوع، وشهر قوله: السؤال بدعة عن مالك فى الرؤية، وحسن جداً قول على: هو على ما كان قبل أن يخلق المكان، وقد نفى به وبقوله التكييف غير معقول إمكان الاستواء المعقول، ورجع الى معنى الملك. ومذهبنا ومذهب أبى الحسن الأشعرى، تأويل المتشابه، وكانت مالكية المغرب ينزهون الله عن ظاهر المتشابه، ويعرضون عن تأويله الى أن ظهر محمد بن تومر مهدى الموحدين فى صدر المائة السادسة، خرج الى المشرق فأخذ التأويل عن علماء مذهب أبى الحسن الأشعرى، ثم عاد الى المغرب، فنشر به تأويل المتشابه بما فى كلام العرب من التفنن والمجاز، فسمى أتباعه موحدين، تعريضاً بأن مخالفيهم بعدم التأويل بالوقف إيمانهم كلا إيمان، وهلك من أبقاها على ظاهرها، وزاد بلا كيف وقدم على العش على متعلقه للفاصلة، ويبعد أن يكون فاعل استوى هو ما من قوله تعالى: {له ما فى السَّماوات وما فى الأرض} فيتعلق باستوى، ويكون على العرش خبراً للرحمن، فيكون قوله تعالى: {أية : ثم استوى الى السماء}تفسير : [البقرة: 29، فصلت: 11] أى استقام له ما فى السموات، وكذا يبعد أن المعنى استوى إليه ما فى السموات الخ، لا يكون شىء أقرب إليه من آخر، وإن أراد قائل ذلك الخروج عن التشبيه، فقد كفاه التأويل بالاستيلاء، وإلا فما يقول فى دعواه إن الرحمن على العرش، ولا بد له من التأويل فيه، لأنه لم يجعل الخبر استوى. والصواب أن له خبر لما وقدم للحصر أى له لا لغيره، استقلالا، ولا شركة ما فيهما ملكاً وتصرفاً وخلقاً. {وما بَيْنهما} كالسحاب والهواء، والريح والطير التى لا تصل الأرض، والبحر وحوته، أرسل ملك بازاً وأطال، وجاء بحوت فاحضر عالماً وسأله فقال إن فى الجو بحراً والحوت منه {وما تحت الثَّرى} التراب كله، ومنقطعه، وذلك ما تحت الأرض السابعة، وهو صخرة خضراء كما رواه ابن عباس ومحمد بن كعب. وقال جابر بن عبدالله: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تحت الثرى؟ فقال: الماء، فقيل: وما تحت الماء، قال: ظلمة، قيل: فما تحت الظلمة؟ قال الهواء، قيل: فما تحت الهواء؟ قال الثرى، قيل فما تحت الثرى؟ قال انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق، وعن ابن عباس: الأرضون على ظهر الثور، والثور على بحر، ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر صخرة خضراء، خضرة السماء منها، وفى الصخرة التى ذكرها الله تعالى فى سورة لقمان، وذكر بعض أن الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى، وقيل: الثرى التراب الذى دون أن يكون طيناً، ويجوز أن يكون المراد مطلق التراب بمعنى ما ستره التراب، فيكون قد ذكر ما على ظهر الأرض، وما فى بطنها. والمراد أن ما ذكر فى الآية كله ملك له تعالى، ويجوز أن يكون المراد أن له علم ذلك، والأول المتبادر فيكون العلم فى قوله عز وجل.
الالوسي
تفسير : { ٱلرَّحْمَـٰنُ } رفع على المدح أي هو الرحمن. وجوز ابن عطية أن يكون بدلاً من الضمير المستتر في {أية : خَلَقَ} تفسير : [طه: 4] وتعقبه أبو حيان فقال: أرى أن مثل هذا لا يجوز لأن البدل يحل محل المبدل منه ولا يحل هٰهنا لئلا يلزم خلو الصلة من العائد اهـ، ومنع بعضهم لزوم اطراد الحلول ثم قال: على تسليمه يجوز إقامة الظاهر مقام الضمير العائد كما في قوله:شعر : وأنت الذي في رحمة الله أطمع تفسير : نعم اعتبار البدلية خلاف الظاهر، وجوز أن يكون مبتدأ واللام للعهد والإشارة إلى الموصول وخبره قوله تعالى: {عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } ويقدر هو ويجعل خبراً عنه على احتمال البدلية، وعلى الاحتمال الأول يجعل خبراً بعد خبر لما قدر أولاً على ما في «البحر» وغيره، وروى جناح بن حبيش عن بعضهم أنه قرأ {ٱلرحمـٰن} بالجر، وخرجه الزمخشري على أنه صفة لمن. وتعقبه أبو حيان بأن مذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلاتها كمن وما لا يجوز نعتها إلا الذي والتي فيجوز نعتهما فعندهم لا يجوز هذا التخريج فالأحسن أن يكون {ٱلرَّحْمَـٰنُ } بدلاً من {مِنْ } وقد جرى في القرآن مجرى العلم في وقوعه بعد العوامل، وقيل: إن {مِنْ } يحتمل أن تكون نكرة موصوفة وجملة {أية : خَلَقَ} تفسير : [طه: 4] صفتها و {ٱلرَّحْمَـٰنُ } صفة بعد صفة وليس ذاك من وصف الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلاتها غاية ما في الباب أن فيه تقديم الوصف بالجملة على الوصف بالمفرد وهو جائز اهـ وهو كما ترى. وجملة {عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } على هذه القراءة خبر هو مقدراً، والجار والمجرور على كل الاحتمالات متعلق باستوى قدم عليه لمراعاة الفواصل. و {ٱلْعَرْشِ } في اللغة سرير الملك وفي الشرع سرير ذو قوائم له حملة من الملائكة عليهم السلام فوق السمٰوات مثل القبة، ويدل على أن له قوائم ما أخرجاه في «الصحيحين» عن أبـي سعيد قال: حديث : جاء رجل من اليهود إلى النبـي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه فقال: يا محمد رجل من أصحابك قد لطم وجهي فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: ادعوه فقال: لم لطمت وجهه؟ فقال: يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر فقلت: يا خبيث وعلى محمد صلى الله عليه وسلم فأخذتني غضبة فلطمته فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون وأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور»تفسير : ، وعلى أن له حملة من الملائكة عليهم السلام قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } تفسير : [غافر: 7]. وما رواه أبو داود عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش أن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة» تفسير : وعلى أنه فوق السمٰوات مثل القبة ما رواه أبو داود أيضاً عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابـي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس ونهكت الأموال أو هلكت فاستسق لنا فإنا نستشفع بك إلى الله تعالى ونستشفع بالله تعالى عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك / في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك أنه لا يستشفع بالله تعالى على أحد من خلقه شأن الله تعالى أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن الله تعالى فوق عرشه وعرشه فوق سمٰواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة وأنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب»تفسير : ومن شعر أمية بن أبـي الصلت:شعر : مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء العالي الذي بهر النا س وسوى فوق السماء سريرا شرجعا لا يناله طرف العـ ـين ترى حوله الملائك صورا تفسير : وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أنه مستدير من جميع الجوانب محيط بالعالم من كل جهة وهو محدد الجهات وربما سموه الفلك الأطلس والفلك التاسع. وتعقبه بعض شراح «عقيدة الطحاوي» بأنه ليس بصحيح لما ثبت في الشرع من أن له قوائم تحمله الملائكة عليهم السلام، وأيضاً أخرجا في «الصحيحين» عن جابر أنه قال: سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ» تفسير : والفلك التاسع عندهم متحرك دائماً بحركة متشابهة، ومن تأول ذلك على أن المراد باهتزازه استبشار حملة العرش وفرحهم فلا بد له من دليل على أن سياق الحديث ولفظه كما نقل عن أبـي الحسن الطبري وغيره بعيد عن ذلك الاحتمال، وأيضاً جاء في «صحيح مسلم» من حديث جويرية بنت الحرث ما يدل على أن له زنة هي أثقل الأوزان والفلك عندهم لا ثقيل ولا خفيف، وأيضاً العرب لا تفهم منه الفلك والقرآن إنما نزل بما يفهمون. وقصارى ما يدل عليه خبر أبـي داود عن جبير بن مطعم التقبيب وهو لا يستلزم الاستدارة من جميع الجوانب كما في الفلك ولا بد لها من دليل منفصل. ثم إن القوم إلى الآن بل إلى أن ينفخ في الصور لا دليل لهم على حصر الأفلاك في تسعة ولا على أن التاسع أطلس لا كوكب فيه وهو غير الكرسي على الصحيح فقد قال ابن جرير: قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض»تفسير : . وروى ابن أبـي شيبة في كتاب «صفة العرش» والحاكم في «مستدركه» وقال: إنه على شرط الشيخين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وقد روي مرفوعاً والصواب وقفه على الحبر. وقيل: العرش كناية عن الملك والسلطان. وتعقبه ذلك البعض بأنه تحريف لكلام الله تعالى وكيف يصنع قائل ذلك بقوله تعالى: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17] أيقول ويحمل ملكه تعالى يومئذٍ ثمانية، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش» تفسير : أيقول آخذ بقائمة من قوائم الملك وكلا القولين لا يقولهما من له أدنى ذوق، وكذا يقال: أيقول في «حديث : اهتز عرش الرحمن» تفسير : الحديث اهتز ملك الرحمن وسلطانه، وفيما رواه البخاري وغيره عن أبـي هريرة مرفوعاً «حديث : لما قضى الله تعالى الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبـي فهو عنده سبحانه وتعالى فوق الملك والسلطان»تفسير : ؛ وهذا كذينك القولين. والاستواء على الشيء جاء بمعنى الارتفاع والعلو عليه وبمعنى الاستقرار كما في قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىّ } تفسير : [هود: 44] و{أية : لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ } تفسير : [الزخرف: 13] وحيث كان ظاهر ذلك مستحيلاً عليه / تعالى قيل: الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء كما في قوله:شعر : قد استوى بشر على العراق تفسير : وتعقب بأن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز، وذلك محال في حقه تعالى، وأيضاً إنما يقال: استولى فلان على كذا إذا كان له منازع ينازعه وهو في حقه تعالى محال أيضاً، وأيضاً إنما يقال ذلك إذا كان المستولى عليه موجوداً قبل والعرش إنما حدث بتخليقه تعالى وتكوينه سبحانه، وأيضاً الاستيلاء واحد بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة. وأجاب الإمام الرازي بأنه إذا فسر الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية، ولا يخفى حال هذا الجواب على المنصف. وقال الزمخشري: ((لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على العرش البتة وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة ويد فلان مغلولة بمعنى أنه جواد أو بخيل ولا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأساً قيل فيه يده مبسوطة لمساواته عندهم قولهم: جواد ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 64] الآية عنوا الوصف بالبخل ورد عليهم بأنه جل جلاله جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط)) انتهى. وتعقبه الإمام قائلاً: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم يقولون أيضاً: المراد من قوله تعالى: {أية : ٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ }تفسير : [طه: 12] الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور نعل، وقوله تعالى: {أية : يٰنَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الأنبياء: 69] المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام عن يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب البتة. وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله تعالى بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئاً لم يخض فيه انتهى، ولا يخفى عليك أنه لا يلزم من فتح الباب في هذه الآية انفتاح تأويلات الباطنية فيما ذكر من الآيات إذ لا داعي لها هناك والداعي للتأويل بما ذكره الزمخشري قوي عنده، ولعله الفرار من لزوم المحال مع رعاية جزالة المعنى فإن ما اختاره أجزل من معنى الاستيلاء سواء كان معنى حقيقياً للاستواء كما هو ظاهر كلام «الصحاح» و«القاموس» وغيرهما أو مجازياً كما هو ظاهر جعلهم الحمل عليه تأويلاً. واستدل الإمام على بطلان إرادة المعنى الظاهر بوجوه. ((الأول: أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولما خلق الخلق لم يحتج إلى ما كان غنياً عنه. الثاني: أن المستقر على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الجزء الحاصل منه في يساره فيكون سبحانه وتعالى في نفسه مؤلفاً وهو محال في حقه تعالى للزوم الحدوث. الثالث: أن المستقر على العرش أما أن يكون متمكناً من الانتقال والحركة ويلزم حينئذٍ أن يكون سبحانه وتعالى محل الحركة والسكون وهو قول بالحدوث أو لا يكون متمكناً من ذلك فيكون جل وعلا كالزمن بل أسوأ حالاً منه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. الرابع: أنه إن قيل بتخصيصه سبحانه وتعالى بهذا المكان وهو العرش احتيج إلى مخصص وهو افتقار ينزه الله تعالى عنه، وإن قيل بأنه عز وجل يحصل بكل مكان لزم ما لا يقوله عاقل. الخامس: أن قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] عام في نفي المماثلة فلو كان جالساً لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذٍ تبطل الآية. السادس: أنه تعالى لو كان مستقراً على العرش لكان محمولاً / للملائكة لقوله تعالى: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17] وحامل حامل الشيء حامل لذلك الشيء وكيف يحمل المخلوق خالقه. السابع: أنه لو كان المستقر في المكان إلٰهاً ينسد باب القدح في إلٰهية الشمس والقمر. الثامن: أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى قوم هي تحت بالنسبة إلى آخرين وبالعكس فيلزم من إثبات جهة الفوق للمعبود سبحانه إثبات الجهة المقابلة لها أيضاً بالنسبة إلى بعض، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال: المعبود تحت. التاسع: أن الأمة أجمعت على أن قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الصمد: 1] من المحكمات وعلى فرض الاستقرار على العرش يلزم التركيب والانقسام فلا يكون سبحانه وتعالى أحداً في الحقيقة فيبطل ذلك المحكم. العاشر: أن الخليل عليه السلام قال: {أية : لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام: 76] فلو كان تعالى مستقراً على العرش لكان جسماً آفلاً أبداً فيندرج تحت عموم هذا القول)) انتهى. ثم إنه عفا الله تعالى عنه ضعف القول بأنا نقطع بأنه ليس مراد الله تعالى ما يشعر به الظاهر بل مراده سبحانه شيء آخر ولكن لا نعين ذلك المراد خوفاً من الخطأ بأنه عز وجل لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا نريد باللفظ إلا موضوعه في لسانهم وإذا كان لا معنى للاستواء في لسانهم إلا الاستقرار والاستيلاء وقد تعذر حمله على الاستقرار فوجب حمله على الاستيلاء وإلا لزم تعطيل اللفظ وأنه غير جائز. وإلى نحو هذا ذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقال في بعض «فتاويه»: طريقة التأويل بشرطه وهو قرب التأويل أقرب إلى الحق لأن الله تعالى إنما خاطب العرب بما يعرفونه وقد نصب الأدلة على مراده من آيات كتابه لأنه سبحانه قال: {أية : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } تفسير : [القيامة: 19] و{أية : لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [النحل: 44] وهذا عام في جميع آيات القرآن فمن وقف على الدليل أفهمه الله تعالى مراده من كتابه وهو أكمل ممن لم يقف على ذلك إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وفيه توسط في المسألة. وقد توسط ابن الهمام في «المسايرة» وقد بلغ رتبة الاجتهاد كما قال عصرينا ابن عابدين الشامي في «رد المحتار حاشية الدر المختار» توسطاً أخص من هذا التوسط فذكر ما حاصله وجوب الإيمان بأنه تعالى استوى على العرش مع نفي التشبيه وأما كون المراد استولى فأمر جائز الإرادة لا واجبها إذ لا دليل عليه وإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا بالاتصال ونحوه من لوازم الجسمية فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء فإنه قد ثبت إطلاقه عليه لغة في قوله:شعر : فلما علونا واستوينا عليهم جعلناهم مرعى لنسر وطائر تفسير : وقوله قد استوى بشر البيت المشهور. وعلى نحو ما ذكر كل ما ورد مما ظاهره الجسمية في الشاهد كالاصبع والقدم واليد. ومخلص ذلك التوسط في القريب بين أن تدعو الحاجة إليه لخلل في فهم العوام وبين أن لا تدعو لذلك. ونقل أحمد زروق عن أبـي حامد أنه قال: لا خلاف في وجوب التأويل عند تعين شبهة لا ترتفع إلا به. وأنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقاً مع نفي التشبيه والتجسيم منهم الإمام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام أحمد والإمام الشافعي ومحمد بن الحسن وسعد بن معاذ المروزي وعبد الله بن المبارك وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري والترمذي وأبو داود السجستاني. ونقل القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد في كتاب «الاعتقاد» عن أبـي يوسف عن الإمام أبـي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشيء من ذاته ولكن يصفه بما وصف سبحانه به نفسه ولا يقول فيه / برأيه شيئاً تبارك الله تعالى رب العالمين. وأخرج ابن أبـي حاتم في «مناقب الشافعي» عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر فنثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفى سبحانه عن نفسه فقال: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11]، وذكر الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» أنه قد اتفق على ذلك أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم، وكلام إمام الحرمين في «الإرشاد» يميل إلى طريقة التأويل وكلامه في «الرسالة النظامية» مصرح باختياره طريقة التفويض حيث قال فيها: والذي نرتضيه رأياً وندين به عقداً اتباع سلف الأمة فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعاني المتشابهات مع أنهم كانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر مسنوناً أو محتوماً لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق الاهتمام بفروع الشريعة وقد اختاره أيضاً الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي صنفه في «اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين»، وفي كتابه «الإبانة في أصول الديانة» وهو آخر مصنفاته فيما قيل، وقال البيضاوي في «الطوالع»: والأولى اتباع السلف في الإيمان بهذه الأشياء ـ يعني المتشابهات ـ ورد العلم إلى الله تعالى بعد نفي ما يقتضي التشبيه والتجسيم عنه تعالى انتهى. وعلى ذلك جرى محققو الصوفية فقد نقل عن جمع منهم أنهم قالوا: إن الناس ما احتاجوا إلى تأويل الصفات إلا من ذهولهم عن اعتقاد أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وإذا كانت مخالفة فلا يصح في آيات الصفات قط تشبيه إذ التشبيه لا يكون إلا مع موافقة حقيقته تعالى لحقائق خلقه وذلك محال. وعن الشعراني أن من احتاج إلى التأويل فقد جهل أولاً وآخراً أما أولاً فبتعقله صفة التشبيه في جانب الحق وذلك محال، وأما آخراً فلتأويله ما أنزل الله تعالى على وجه لعله لا يكون مراد الحق سبحانه وتعالى. وفي «الدرر المنثورة» له أن المؤول انتقل عن شرح الاستواء الجثماني على العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه بالأمر السلطاني الحادث وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه بمحدث آخر فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلي في الاستواء بقول الشاعر: قد استوى البيت، وأين استواء بشر على العراق من استواء الحق سبحانه وتعالى على العرش فالصواب أن يلزم العبد الأدب مع مولاه ويكل معنى كلامه إليه عز وجل. ونقل الشيخ إبراهيم الكوراني في «تنبيه العقول» عن الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال في «الفتوحات» أثناء كلام طويل عجب فيه من الأشاعرة والمجسمة: الاستواء حقيقة معقولة معنوية تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهره، والفقير قد رأى في «الفتوحات» ضمن كلام طويل أيضاً في الباب الثالث منها ما نصه: ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الفهم من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شيء البتة ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ويقولون: / لا ندري كان يكفيهم قول الله سبحانه وتعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] ثم ذكر بعد في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: الذي رواه مسلم: «حديث : إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف شاء» تفسير : التخيير بين التفويض لكن بشرط نفي الجارحة ولا بد وتبيين ما في ذلك اللفظ من وجوه التنزيه، وذكر أن هذا واجب على العالم عند تعينه في الرد على بدعي مجسم مشبه. وقال أيضاً فيما رواه عنه تلميذه المحقق إسماعيل بن سودكين في «شرح التجليات»: ولا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع لكونها لا تطابق دليله العقلي كأخبار النزول وغيره لأنه لو خرج الخطاب عما وضع له لما كان به فائدة وقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام أرسل ليبين للناس ما أنزل إليهم ثم رأيناه صلى الله عليه وسلم مع فصاحته وسعة علمه وكشفه لم يقل لنا أنه تنزل رحمته تعالى ومن قال تنزل رحمته فقد حمل الخطاب على الأدلة العقلية والحق ذاته مجهولة فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين، والعرب تفهم نسبة النزول مطلقاً فلا تقيده بحكم دون حكم، وحيث تقرر عندها أنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء يحصل لها المعنى مطلقاً منزهاً وربما يقال لك هذا يحيله العقل فقل الشأن هذا إذا صح أن يكون الحق من مدركات العقول فإنه حينئذٍ تمضي عليه سبحانه وتعالى أحكامها انتهى، وقال تلميذه الشيخ صدر الدين القونوي في «مفتاح الغيب» بعد بسط كلام في قاعدة جليلة الشأن حاصلها أن التغاير بين الذوات يستدعي التغاير في نسبة الأوصاف إليها ما نصه: وهذه قاعدة من عرفها أو كشف له عن سرها عرف سر الآيات والأخبار التي توهم التشبيه عند أهل العقول الضعيفة واطلع على المراد منها فيسلم من ورطتي التأويل والتشبيه وعاين الأمر كما ذكر مع كمال التنزيه انتهى. وخلاصة الكلام في هذا المقام أنه قد ورد في الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة ألفاظ توهم التشبيه والتجسيم وما لا يليق بالله تعالى الجليل العظيم فتشبث المجسمة والمشبهة بما توهمه فضلوا وأضلوا ونكبوا عن سواء السبيل وعدلوا وذهب جمع إلى أنهم هالكون وبربهم كافرون، وذهب آخرون إلى أنهم مبتدعون وفصل بعض فقال: هم كفرة إن قالوا: هو سبحانه وتعالى جسم كسائر الأجسام ومبتدعة إن قالوا: جسم لا كالأجسام وعصم الله تعالى أهل الحق مما ذهبوا إليه وعولوا في عقائدهم عليه فأثبتت طائفة منهم ما ورد كما ورد مع كمال التنزيه المبرأ عن التجسيم والتشبيه فحقيقة الاستواء مثلاً المنسوب إليه تعالى شأنه لا يلزمها ما يلزم في الشاهد فهو جل وعلا مستو على العرش مع غناه سبحانه وتعالى عنه وحمله بقدرته للعرش وحملته وعدم مماسة له أو انفصال مسافى بينه تعالى وبينه ومتى صح للمتكلمين أن يقولوا: إنه تعالى ليس عين العالم ولا داخلاً فيه ولا خارجاً عنه مع أن البداهة تكاد تقضي ببطلان ذلك بين شيء وشيء صح لهؤلاء الطائفة أن يقولوا ذلك في استوائه تعالى الثابت بالكتاب والسنة. فالله سبحانه وصفاته وراء طور العقل فلا يقبل حكمه إلا فيما كان في طور الفكر فإن القوة المفكرة شأنها التصرف فيما في الخيال والحافظة من صور المحسوسات والمعاني الجزئية ومن ترتيبها على القانون يحصل للعقل علم آخر بينه وبين هذه الأشياء مناسبة وحيث لا مناسبة بين ذات الحق جل وعلا وبين شيء لا يستنتج من المقدمات التي يرتبها العقل معرفة الحقيقة فأكف الكيف مشلولة وأعناق التطاول إلى معرفة الحقيقة مغلولة وأقدام السعي إلى التشبيه مكبلة وأعين الأبصار والبصائر عن الإدراك والإحاطة مسملة:شعر : مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد تفسير : وقد أخرج اللالكائي في كتاب «السنة» من طريق الحسن عن أمه عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء غير / مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر، ومن طريق ربيعة بن عبد الرحمن أنه سئل كيف استوى على العرش فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول وعلى الله تعالى إرساله وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم، ومتى قالوا بنفي اللوازم بالكلية اندفع عنهم ما تقدم من الاعتراضات وحفظوا عن سائر الآفات وهذه الطائفة قيل هم السلف الصالح، وقيل: إن السلف بعد نفي ما يتوهم من التشبيه يقولون: لا ندري ما معنى ذلك والله تعالى أعلم بمراده. واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على نحو ذلك كثيرة جداً ويبعد غاية البعد أن يخاطب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم العباد فيما يرجع إلى الاعتقاد بما لا يدري معناه، وأيضاً قد ورد في الأخبار ما يدل على فهم المخاطب المعنى من مثل ذلك، فقد أخرج أبو نعيم عن الطبراني قال: حدثنا عياش بن تميم حدثنا يحيـى بن أيوب المقابري حدثنا سلم بن سالم حدثنا خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى يضحك من يأس عباده وقنوطهم وقرب الرحمة منهم فقلت: بأبـي أنت وأمي يا رسول الله أو يضحك ربنا؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إنه ليضحك» تفسير : قلت: فلا يعد منا خيراً إذا ضحك فإنها رضي الله تعالى عنها لو لم تفهم من ضحكه تعالى معنى لم تقل ما قالت. وقد صح عن بعض السلف أنهم فسروا، ففي «صحيح البخاري» قال مجاهد: استوى على العرش علا على العرش وقال أبو العالية: استوى على العرش ارتفع، وقيل: إن السلف قسمان قسم منهم بعد أن نفوا التشبيه عينوا المعنى الظاهر المعرى عن اللوازم وقسم رأوا صحة تعيين ذلك وصحة تعيين معنى آخر لا يستحيل عليه تعالى كما فعل بعض الخلف فراعوا الأدب واحتاطوا في صفات الرب فقالوا: لا ندري ما معنى ذلك أي المعنى المراد له عز وجل والله تعالى أعلم بمراده. وذهبت طائفة من المنزهين عن التشبيه والتجسيم إلى أنه ليس المراد الظواهر مع نفي اللوازم بل المراد معنى معين هو كذا وكثيراً ما يكون ذلك معنى مجازياً وقد يكون معنى حقيقياً للفظ وهؤلاء جماعة من الخلف وقد يتفق لهم تفويض المراد إليه جل وعلا أيضاً وذلك إذا تعددت المعاني المجازية أو الحقيقة التي لا يتوهم منها محذور ولم يقم عندهم قرينة ترجح واحداً منها فيقولون: يحتمل اللفظ كذا وكذا والله تعالى أعلم بمراده من ذلك. ومذهب الصوفية على ما ذكره الشيخ إبراهيم الكوراني وغيره إجراء المتشابهات على ظواهرها مع نفي اللوازم والتنزيه بليس كمثله شيء كمذهب السلف الأول وقولهم بالتجلي في المظاهر على هذا النحو، وكلام الشيخ الأكبر قدس سره في هذا المقام مضطرب كما يشهد بذلك ما سمعت نقله عنه أولاً مع ما ذكره في الفصل الثاني من الباب الثاني من «الفتوحات» فإنه قال في عد الطوائف المنزهة: ((وطائفة من المنزهة أيضاً وهي العالية وهم [من] أصحابنا فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها... وقالوا: حصل في نفوسنا من تعظيم الله تعالى الحق جل جلاله بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة ما جاءنا من عنده بدقيق فكر ونظر فأشبهوا في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم حيث لم ينظروا ولم يؤولوا [ولا صرفوا] بل قالوا: ما فهمنا فقال أصحابنا بقولهم ثم انتقلوا عن مرتبة هؤلاء بأن قالوا: لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات وذلك بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفكري ونجلس مع الحق تعالى بالذكر على بساط الأدب والمراقبة والحضور والتهيىء لقبول ما يرد [علينا] منه تعالى حتى يكون الحق سبحانه وتعالى متولي تعليمنا بالكشف والتحقق / لما سمعوه تعالى يقول: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [البقرة: 282] و{أية : إِنْ * تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } تفسير : [الأنفال: 29]. {أية : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طه: 114]. {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } تفسير : [الكهف: 65] فعندما توجهت قلوبهم وهممهم إلى الله عز وجل ولجأت إليه سبحانه وتعالى وألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث والنظر ونتائج العقول كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة فعند ما كان منهم هذا الاستعداد تجلى لهم الحق (عياناً) معلماً فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني تلك الكلمات دفعة واحدة... فعرفوا المعنى التنزيهي الذي سيقت له. ويختلف ذلك بحسب اختلاف مقامات إيرادها وهذا حال طائفة منا وحال طائفة أخرى منا أيضاً ليس لهم هذا التجلي لكن لهم الإلقاء والإلهام واللقاء والكتاب وهم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامات عندهم لا يعرفها سواهم فيخبرون بما خوطبوا به وبما ألهموا وما ألقى إليهم أو كتب)) اهـ المراد منه. ولعل من يقول بإجراء المتشابهات على ظواهرها مع نفي اللوازم كمذهب السلف الأول من الصوفية طائفة لم يحصل لهم ما حصل لهاتين الطائفتين والفضل بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء. هذا بقي هل يسمى ما عليه السلف تأويلاً أم لا؟ المشهور عدم تسمية ما عليه المفوضة منهم تأويلاً وسماه بعضهم تأويلاً كالذي عليه الخلف، قال اللقاني: أجمع الخلف ويعبر عنهم بالمؤولة والسلف ويعبر عنهم بالمفوضة على تنزيهه تعالى عن المعنى المحال الذي دل عليه الظاهر وعلى تأويله وإخراجه عن ظاهره المحال وعلى الإيمان به بأنه من عند الله تعالى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما اختلفوا في تعيين محمل له معنى صحيح وعدم تعيينه بنا. على أن الوقف على قوله تعالى: {أية : وَٱلرّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } تفسير : [آل عمران: 7] أو على قوله سبحانه: {إِلاَّ ٱللَّهُ} ويقال لتأويل السلف إجمالي ولتأويل الخلف تفصيلي انتهى ملخصاً. وكان شيخنا العلامة علاء الدين يقول: ما عليه المفوضة تأويل واحد وما عليه المؤولة تأويلان، ولعله راجع إلى ما سمعت، وأما ما عليه القائلون بالظواهر مع نفي اللوازم فقد قيل: إن فيه تأويلاً أيضاً لما فيه من نفي اللوازم وظاهر الألفاظ أنفسها تقتضيها ففيه إخراج اللفظ عما يقتضيه الظاهر، وإخراج اللفظ عن ذلك لدليل ولو مرجوحاً تأويل. ومعنى كونهم قائلين بالظواهر أنهم قائلون بها في الجملة، وقيل: لا تأويل فيه لأنهم يعتبرون اللفظ من حيث نسبته إليه عز شأنه وهو من هذه الحيثية لا يقتضي اللوازم فليس هناك إخراج اللفظ عما يقتضيه الظاهر، ألا ترى أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على رؤية الله تعالى في الآخرة مع نفي لوازم الرؤية في الشاهد من المقابلة والمسافة المخصوصة وغيرهما مع أنه لم يقل أحد منهم: إن ذلك من التأويل في شيء، وقال بعض الفضلاء: كل من فسر فقد أول وكل من لم يفسر لم يؤول لأن التأويل هو التفسير فمن عدا المفوضة مؤولة وهو الذي يقتضيه ظاهر قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } تفسير : [آل عمران: 7] بناءً على أن الوقف على {إِلاَّ ٱللَّهُ } ولا يخفى أن القول بأن القائلين بالظواهر مع نفي اللوازم من المؤولة الغير الداخلين في الراسخين في العلم بناءً على الوقف المذكور لا يتسنى مع القول بأنهم من السلف الذين هم هم وقد يقال: إنهم داخلون في الراسخين والتأويل بمعنى آخر يظهر بالتتبع والتأمل، وقد تقدم الكلام في المراد بالمتشابهات وذكرنا ما يفهم منه الاختلاف في معنى التأويل وأنا أميل إلى التأويل وعدم القول بالظواهر مع نفي اللوازم في بعض ما ينسب إلى الله تعالى مثل قوله سبحانه: {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ } تفسير : [الرحمٰن: 31] وقوله عز وجل: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} تفسير : [يس: 30] كما في بعض القراآت وكذا قوله صلى الله عليه وسلم إن صح: «حديث : الحجر الأسود يمين الله في أرضه فمن قبله أو صافحه فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه» تفسير : فاجعل الكلام فيه خارجاً مخرج التشبيه لظهور القرينة، ولا أقول: الحجر الأسود من صفاته تعالى كما قال السلف / في اليمين وأرى من يقول بالظواهر ونفي اللوازم في الجميع بينه وبين القول بوحدة الوجود على الوجه الذي قاله محققو الصوفية مثل ما بين سواد العين وبياضها، وأميل أيضاً إلى القول بتقبيب العرش لصحة الحديث في ذلك، والأقرب إلى الدليل العقلي القول بكريته ومن قال بذلك أجاب عن الأخبار السابقة بما لا يخفى على الفطن. وقال الشيخ الأكبر محي الدين قدس سره في الباب الحادي والسبعين والثلثمائة من «الفتوحات»: إنه ذو أركان أربعة ووجوه أربعة هي قوائمه الأصلية وبين كل قائمتين قوائم وعددها معلوم عندنا ولا أبينها إلى آخر ما قال، ويفهم كلامه أن قوائمه ليست بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن، وصرح بأنه أحد حملته وأنه أنزل عند أفضل القوائم وهي خزانة الرحمة، وذكر أن العمى محيط به وأن صورة العالم بجملته صورة دائرة فلكية، وأطال الكلام في هذا الباب وأتى فيه بالعجب العجاب، وليس له في أكثر ما ذكره فيه مستند نعلمه من كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه ما لا يجوز لنا أن نقول بظاهره، والظاهر أن العرش واحد، وقال من قال من الصوفية بتعدده، ولا يخفى ما في نسبة الاستواء إليه تعالى بعنوان الرحمانية مما يزيد قوة الرجاء به جل وعلا وسبحان من وسعت رحمته كل شيء.
الشنقيطي
تفسير : تقدم إيضاح الآيات الموضحة لهذه الآية وأمثالها في القرآن في سورة "الأعراف" مستوفى. فأغنى عن إعادته هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : (5) - وَالَّذِي نَزَّلَ القُرْآنَ مِنَ المَلأِ الأعْلَى، وَخَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاواتِ العُلاَ، هُوَ الرَّحْمَنُ الَّذِي اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ. وَهُوَ المُهَيْمِنُ عَلَى الكَوْنِ كُلِّهِ، فَأَمْرُ النَّاسِ إِلَيْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالآية السابقة أعطتْنا مظهراً من مظاهر العطف والرحمة، وهذه تعطينا مظهراً من مظاهر القَهْر والغَلَبة، واستواء الرحمن - تبارك وتعالى - على العرش يُؤخَذ في إطار. {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11]. وسبق أن تكلمنا في الصفات المشتركة بين الحق سبحانه وبين خَلْقه، فلَكَ سمعٌ وبصر، ولله سمع وبصر، لكن إياك أنْ تظن أن سمع الله كسمْعك، أو أن بصره كبصرك. كذلك في مسألة الاستواء على العرش، فللحقِّ سبحانه استواء على عرشه، لكنه ليس كاستوائك أنت على الكرسي مثلاً. والعرش في عُرْف العرب هو سرير المْلك، وهل يجلس الملك على سريره ليباشر أمر مملكته ويدير شئونها إلا بعد أ نْ يستتبَّ له الأمر؟ وكذلك الخالق - جَلَّ وعلا - خلق الكون بأرضه وسمائه، وخلق الخَلْق، وأنزل القرآن لينظم حياتهم، وبعد أن استتبَّ له الأمر لم يترك الكون هكذا يعمل ميكانيكياً، ولم ينعزل عن كَوْنه وعن خَلْقه؛ لأنهم في حاجة إلى قيوميته تعالى في خَلْقه. ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي ناموا مِلْءَ جفونكم، لأنِّي قَيُّوم لا أنام ". تفسير : فكوْنُ الله ليس آلةً تعمل من تلقاء نفسها، وإنما هو قائم بقيوميته عليه لا يخرج عنها؛ لذلك كانت المعجزات التي تخرق نواميس الكون دليلاً على هذه القيومية. ثم يقول الحق سبحانه: {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} معناهُ عَلا وقَهرَ والعرشُ: العِزَّةُ والسُّلطانُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):