٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} أي وإن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غني عن جهرك فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى منه، وهو ضمير النفس. وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء والجهر فيما ليس لإِعلام الله بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار، ثم إنه لما ظهر بذلك أنه المستجمع لصفات الألوهية بين أنه المتفرد بها والمتوحد بمقتضاها فقال:
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ } في ذكر أو دعاء، فالله غني عن الجهر به {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى } منه. أي: ما حدّثَت به النفس، وما خطر ولم تحدِّث به فلا تجهد نفسك بالجهر.
ابن عبد السلام
تفسير : {السِّرَّ} ما ساررت به غيرك، {وَأَخْفَى} ما أضمرته ولم تحدث به "ع" أو ما أضمرته في نفسك وأخفى ما لم يكن ولا أضمره أحد في نفسه، أو أسرار عباده وأخفى سر نفسه عن خلقه، أو ما أسره الناس وأخفى الوسوسة أو ما أسره من علمه [و] عمله السالف، وأخفى: ما يعمله في المستأنف، أو العزيمة، وأخفى الهم دون العزيمة.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وإن تجهر بالقول} أي تعلن به {فإنه يعلم السر وأخفى} قال ابن عباس: السر ما تسر في نفسك وأخفى من السر ما يلقيه الله في قلبك من بعد ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك لأنك لا تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غداً والله يعلم ما أسررت به اليوم وما تسر به غداً، وعنه أن السر ما أسر به ابن آدم في نفسه وأخفى ما هو فاعله قبل أن يعلمه، وقيل السر ما أسره الرجل إلى غيره وأخفى من ذلك ما أسره في نفسه، وقيل السر هو العمل الذي يسر من الناس وأخفى هو الوسوسة، وقيل السر أن يعلم الله تعالى أسرار العباد وأخفى هو سره من عباده فلا يعلم أحد سره، وقيل: مقصود الآية زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر والإخفاء على ما فيه ثواب أو عقاب، فالسر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها والإخفاء هو الذي يبلغ حد العزيمة ثم وحد نفسه فقال تعالى {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} تأنيث الأحسن والذي فضلت به أسماؤه في الحسن دون سائر الأسماء، دلالتها على معنى التقديس والتحميد والتعظيم والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في الحسن. قوله عز وجل {وهل أتاك حديث موسى} أي وقد أتاك لما قدم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه بقصة موسى عليه الصلاة والسلام ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، حتى ينال عند الله الفوز والمقام المحمود {إذ رأى ناراً} وذلك أن موسى استأذن شعيباً في الرجوع من مدين إلى مصر ليزور والدته وأخاه فأذن له، فخرج بأهله وماله وكانت أيام الشتاء فأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته حامل في شهرها لايدري أليلاً تضع أم نهاراً، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة شاتية شديدة البرد لما أراد الله من كرامته فأخذ امرأته الطلق فأخذ زنده فجعل يقدح فلا يورى فأبصر ناراً من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور {فقال لأهله امكثوا} أي أقيموا {إني أنست ناراً} أي أبصرت ناراً {لعلي أتيكم منها بقبس} أي شعلة من نار في طرف عود {أو أجد على النار هدى} أي أجد عند النار من يدلني على الطريق {فلما أتاها} أي أتى النار ورأى شجرة خضراء من أعلاها إلى أسفلها أطافت بها ناراً بيضاء تتقد كأضوء ما يكون، فلا ضوء النار يغير خضرة الشجرة ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار، قيل كانت الشجرة ثمرة خضراء وقيل كانت من العوسج، وقيل كانت من العليق وقيل كانت شجرة من العناب، روي ذلك عن ابن عباس وقال أهل التفسير لم يكن الذي رآه موسى ناراً بل كان نوراً ذكر بلفظ النار لأن موسى عليه الصلاة والسلام حسبه ناراً. قال ابن عباس: هو من نور الرب سبحانه وتعالى، وقيل هي النار بعينها وهي إحدى حجب الرب تبارك وتعالى، يدل عليه ما روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حجابه النار لو كشفها لأهلكت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"تفسير : أخرجه مسلم قيل إن موسى أخذ شيئاً من الحشيش اليابس وقصد الشجرة فكان كلما دنا نأت عنه، وإذا نأى دنت منه، فوقف متحيراً وسمع تسبيح الملائكة وألقيت عليه السكينة فعند ذلك {نودي يا موسى إني أنا ربك} قال وهب: نودي من الشجرة فقيل يا موسى فأجاب سريعاً وما يدري من دعاه فقال إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك منك فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله تعالى فأيقن به، وقيل إنه سمعه بكل أجزائه حتى إن كل جارحة منه كانت أذناً وقوله {فاخلع نعليك} كان السبب فيه ما روي عن ابن مسعود مرفوعاً في قوله فاخلع نعليك قال كانتا من جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ وإنما أمر بخلعها صيانة للوادي المقدس، وقيل أمر بخلعهما ليباشر بقدميه تراب الأرض المقدسة لتناله بركتها فإنها قدست مرتين فخلعها موسى فألقاهما من وراء الوادي {إنك بالواد المقدس} أي المطهر {طوى} اسم للوادي الذي حصل فيه وقيل طوى واد مستدير عميق مثل المطوي في استدارته {وأنا اخترتك} اصطفيتك برسالاتي وبكلامي {فاستمع لما يوحى} فيه نهاية الهيبة والجلال له فكأنه قال له لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} ولا تعبد غيري {وأقم الصلاة لذكري} أي لتذكرني فيها وقيل لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري، وقيل لإخلاص ذكري وطلب وجهي ولا ترائي فيها ولا تقصد بها غرضاً آخر، وقيل معناه إذا تركت صلاة ثم ذكرتها فأقمها، (ق) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك"تفسير : وتلا قتادة {وأقم الصلاة لذكري} وفي رواية: "حديث : إذا رقد أحدكم في الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول {وأقم الصلاة لذكري} ".
البقاعي
تفسير : ولما كان الملك لا ينتظم غاية الانتظام إلا بإحاطة العلم، وكان الملك من الآدميين قد لا يعلم أحوال أقصى ملكه كما يعلم أحوال أدناه لا سيما إذا كان واسعاً ولذلك يختل بعض أمره، اعلم أنه سبحانه بخلاف ذلك، فقال حثاً على مراقبته والإخلاص له: { وإن تجهر بالقول } أي بهذا القرآن للبشارة والنذارة أو لغير ذلك أو بغيره، فإنه علام به وغير محتاج إلى الجهر، فلا يتكلف ذلك في غير ما أمرت بالجهر به لغرض غير الإسماع { فإنه يعلم السر } وهو ما يناجي به الاثنان مخافتة { وأخفى* } من ذلك، وهو ما في الضمائر مما تخيلته الأفكار ولم يبرز إلى الخارج وغيره من الغيب الذي لم يعلمه غيره تعالى بوجه من الوجوه، ومنه ما سيكون من الضمائر. ولما كان من هو بهذه الأوصاف من تمام العلم والقدرة ربما ظن أن له منازعاً، نفى ذلك بقوله معلماً أن هذا الظن باطل قطعاً لا شبهة له وأن ما مضى ينتج قطعاً: { الله } مفتتحاً بالاسم الأعظم الحاوي لصفات الكبر وغيرها { لا إله إلا هو} ثم علل ذلك بقوله: { له } أي وحده {الأسماء الحسنى*} أي صفات الكمال التي لا يصح ولا يتصور أن يشوبها نقص ما، بل هو متصف بها دائماً اتصافاً حقيقياً لا يمكن انفكاكه، كما يكون لغيره من الاتصاف ببعض المحاسن في بعض الأحايين ثم يعجز عنه في وقت آخر أو بالنسبة إلى زمان آخر. ولما أتبع ذلك قصة موسى عليه السلام مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف، وأرشد ذلك إلى أن المعنى: هل تعلم له سمياً، أي متصفاً بأوصافه أو بشيء منها له بذلك الوصف مثل فعله، ولما كان الجواب قطعاً: لا، ثبت أن لا متصف بشيء من أوصافه، فعطف على هذا المقدر قصة موسى عليه السلام، ويكون التقدير: هل علمت بما ذكرناك به في هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل من إسعادك في الدارين تكثير أجرك، وتفخيم أمرك، بتكثير أتباعك، وعطف عليه القصة شاهداً محسوساً على ما له من الاتصاف بما انتفى عن غيره من الأسماء الحسنى، ولاسيما ما ذكر هنا من الاتصاف بتمام القدرة والتفرد بالعظمة، وأنه يعلي هذا المصطفى بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه إليه النصرة على الملوك وسائر الأضداد، والتمكين في أقطار البلاد، وكثرة الأتباع، وإعزاز الأنصار والوزراء والأشياع، وغير ذلك بمقدار ما بين ابتداء أمرهما من التفاوت، فإن ابتداء أمر موسى عليه السلام أنه أتى النار ليُقبس أهله منها ناراً أو يجد عندها هدى. فمنح بذلك من هدى الدارين والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح، وهذا النبي الكريم كان ابتداء أمره أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك اجتذاباً من الحق له قبل النبوة بمدد، تدريباً له وتقوية لقلبه، فأتته النبوة وهو في مضمارها سائر، وإلى أوجها بعزمه صائر بل طائر، وموسى عليه السلام رأى حين أتته النبوة آية العصا و اليد، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه، كما أسنده ابن إسحاق في السيرة. وروى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : إني لأعرف حجراً كان يسلم عليَّ قبل أن أبعثتفسير : فقال تعالى مقرراً تنبيهاً على أنه يذكر له منه ما يكفي في تسليته وتقوية قلبه، وتبكيت اليهود الذين توقفوا في أمره صلى الله عليه وسلم وغشوا قريشاً حين تكلفوا طيّ شقة البين إليهم ورضوا بقولهم لهم وعليهم ليكون فائدة الاستفهام أن يفرغ أذنه الشريفة للسماع وقلبه للوعي العظيم: {وهل أتاك} أي يا أشرف الخلق! {حديث موسى* } نادباً إلى التأسي بموسى عليه السلام في تحمل أعباء النبوة وتكليف الرسالة والصبر على مقامات الشدائد، وشارحاً بذكر ما في هذه السورة من سياق قصة ما أجمل منها في سورة مريم، ومقرراً بما نظمه في أساليبها ما تقدم أنه مقصد السورة من أنه يسعده ولا يشقيه، ويعزه على جميع شانئيه بإعزازه على أهل بلده بعد إخراجهم له، كما أعز موسى عليه السلام من خرج من بلادهم خائفاً يترقب، ترغيباً في الهجرة ثالثاً بعد ما رغب فيها أولاً بقصة أصحاب الكهف وثانياً بقصة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأنه يعلي قومه على جميع أهل الأرض، وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض، يذل بهم الجبابرة، ويهلك من علم شقاوته منهم كما فعل بقوم موسى، وأشار بإنجاء موسى عليه السلام على يد عدوه وإلقائه المحبة عليه وهداية السحرة دون فرعون وقومه، وعبادة بني إسرائيل العجل بعد ما رأوا من الآيات والنعم والنقم، ثم رجوعهم عنها إلى عظيم قدرته على التصرف في القلوب لمن كان يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث أسفاً، وكذا ما في قصة آدم عليه السلام من قوله {أية : فنسي ولم نجد له عزماً} تفسير : [طه: 115] وقوله{أية : ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى}تفسير : [طه: 122] ولعله أشار بقوله {أية : واحلل عقدة من لساني} تفسير : [طه: 27] إلى ما أنعم الله به عليه من تيسير هذا الذكر بلسانه، وأرشد بدعاء موسى عليه السلام بشرح الصدر وتيسير الأمر وطلب وزيراً من أهله إلى الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن يؤيد الله الدين بأحد الرجلين، فأيده بأعظم وزير: عمر بن الخطاب رضي الله عنه - كما مضى هذا إلى تمام ما اشتمل عليه سياق قصة موسى عليه السلام هنا، إتماماً لتبكيت اليهود على تعليمهم قريشاً أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، وما ذكر معها من دقائق، من أمر قصة نبيهم صلى الله عليه وسلم، لا يعلمها أحد منهم أو إلا حذّاقهم، منها أن الموعد كان يوم الزينة، ومنها إيمان السحرة إيماناً كاملاً، ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل، ومنها إلقاء السامري لأثر الرسول، فإني لم أر أحداً من اليهود يعرف ذلك، وأخبرني بعض فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم عليه السلام وما منحه وأعطاه، وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به، وأعقب ذلك بقوله تعالى {أية : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم}تفسير : [مريم: 58] وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية، والدرجات المنفية الجليلة لا سيما وقد اتبع ذلك بقوله { أية : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً} تفسير : [مريم: 59] كان هذا مظنة إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} وأيضاً فقد ختمت سورة مريم يقوله {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً} بعد قوله {وتنذر به قوماً لداً} وقد رأى عليه الصلاة والسلام من تأخر قريش عن الإسلام ولددها ما أوجب إشفاقه وخوفه عليهم. ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام يحزنه تأخير إيمانهم، ولذلك قيل له {فلا تحزن عليهم} فكأنه عليه الصلاة والسلام ظن أنه يستصعب المقصود من استجابتهم، أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة، فبشره سبحانه وتعالى بقوله: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم، فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر {أية : فلا يحزنك قولهم}تفسير : [يونس: 65] ثم تبع ذلك سبحانه تعريفاً وتأنيساً بقوله {الرحمن على العرش استوى} إلى أول قصص موسى عليه السلام، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ملكه، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه. فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره، ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السلام، وما كان منه في إلقائه صغيراً في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول - والله أعلم، انتهى. {إذ} أي حديثه حين {رأى ناراً} وهو راجع من بلاد مدين {فقال لأهله امكثوا} أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه من السير؛ ثم علل أمره بقوله: {إني ءانست} أي أبصرت في هذا الظلام إبصاراً بيناً لا شبهة فيه من إنسان العين الذي تبين به الأشياء، وهو مع ذلك مما يسر من الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم {ناراً} فكأنه قيل، فكان ماذا؟ فقال معبراً بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل بالهدى: {لعلي ءاتيكم} أي أترجى أن أجيئكم {منها بقبس} أي بشعلة من النار في رأس حطبة فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة {أو أجد على} مكان {النار هدى*} أي ما أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم {فلما أتاها}. ولما كان في الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم، بنى للمفعول قوله: {نودي} من الهدى الذي لا هدى غيره؛ ثم بين النداء بقوله: {يا موسى*} ولما كان المقام للتعريف بالأيادي تلطفاً، قال مؤكداً، تنبيهاً له على تعرف أنه كلامه سبحانه من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير الهيئة التي عهدها في مكالمة المخلوقين، مسقطاً الجار في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي حفص بالفتح، وحاكياً بقول مقدر عند الباقين: {إني أنا ربك} أي المحسن إليك بالخلق والرزق وغيرهما من مصالح الدارين {فاخلع نعليك} كما يفعل بحضرات الملوك أدباً، ولتنالك بركتها ولتكون مهيأً للإقامة غير ملتفت إلى ما وراءك من الأهل والولد، ولهذا قال أهل العبارة: النعل يدل على الولد. ثم علل بما يرشد إلى أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال: {إنك بالواد المقدس} أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك؛ ثم فسره بقوله: {طوى*} ولما كان المعنى: فإني اخترته تشريفاً له من بين البقاع لمناجاتك، عطف عليه قوله: {وأنا اخترتك} أي للنبوة {فاستمع} أي أنصت ملقياً سمعك معملاً قلبك للسماع {لما} أي اخترتك للذي، وقدم استمع اهتماماً به {يوحى*} أي يقال لك مني سراً مستوراً عن غيرك سماعه وإن كان في غاية الجهر، كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ثالث بما يجعل له من الخلوة إعلاماً بعلو قدره وفخامة أمره؛ ثم فسر الموحى بأول الواجبات وهو معرفة الله تعالى؛ فقال مؤكداً لعظم الخبر وخروجه عن العادات: {إنني أنا الله} فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ الأنسب للملطوف به - بعد التعرف إليه بالإكرام - الإقامة في مقام الجلال والجمال. ولما كان هذا الاسم العلم جامعاً لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت عن أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى، حسن تعقيبه بقوله: {لا إله إلا أنا} ولما تسبب عن ذلك وجوب إفراده بالعبادة، قال: {فاعبدني} أي وحدي: ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة، وآية الخضوع والمراقبة وروح الدين فقال: {وأقم الصلاة} أي التي أضاعها خلوف السوء، إشارة إلى أنها المقصود بالذات من الدين، لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة على المراقبة، بما فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء، وذلك معنى {لذكري*} وذلك أنسب الأشياء لمقام الجلال، بل هي الجامعة لمظهري الجمال والجلال؛ ثم علل الأمر بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى، بل لا بد من إماتتهم، ثم بعثهم لإظهار العظمة ونصب موازين العدل، فقال مؤكداً لإنكارهم معبراً بما يدل على سهولة ذلك عليه جداً: {إن الساعة ءاتية} أي لاريب في إتيانها، فهي أعظم باعث على الطاعة. ولما كان بيان حقيقة الشيء مع إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجباً في الغالب لنسيانه والإعراض عنه، فكان غير بعيد من إخفائه أصلاً ورأساً، قال مشيراً إلى هذا المعنى: {أكاد أخفيها} أي أقرب من أن أجدد إخفاءها، فلذا يكذب بها الكافر بلسانه والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها والمؤمن لا يستعد غفلة عنها، فراقبني فإن الأمر يكون بغتة، ما من لحظة إلا وهي صالحة للترقب؛ ثم بين سبب الإتيان بها بقوله: {لتجزى} أي بأيسر أمر وأنفذه {كل نفس} كائنة من كانت {بما تسعى*} أي توجد من السعي في كل وقت كما يفعل من أمر ناساً بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما يستحق.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}[7] قال: أخفى من السر ما لم يفكره العبد فيه وهو مفكره نوماً.
السلمي
تفسير : قال: السر ما يطالعه العبد، ولا يطالعه الملك، ولا الشيطان ولا تحسّ به النفس، ولا شهادة العقل وهو فى الأضمار لم تهوه الهمم، ولا تديره الفطن، وهى فى لباب لُب القلب من حقائق المحض من خطرات الإلهام كشرر النار الكامن فى الشجرة الرطبة حتى تمثله الإرادة والمشيئة، والأحكام فينتقل فى الأحوال فهذا هو السر وما هو أخفى فما لم يحن ولم يطالع لا يعلمه إلا الله فهو أخفى من الحقائق فإذا ظهر مغلوقه بدأ عمله. وقال الواسطى رحمه الله: السر ما خفى على العباد والذى هو أخفى ما لم يقل له كن. سمعت عبد الله بن حمد السراوى يقول: حدثنا محمد بن منصور الصائغ يقول: سمعت مردويه الصائغ يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: فى قوله: {يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} يعلم ما فى نفسك وما تعلمه غدًا. قال الجنيد رحمه الله: يعلم سرّه فيك وأخفى سرّه فيك.
القشيري
تفسير : النَّفْسُ لا تقف على ما في القلب، والقلبُ لا يقف على أسرار الرُّوح، والروح لا سبيل له إلى حقائق السرِّ. والذي هو أخفى من السِّرِّ فهو ما لا يَطَّلِعُ عليه إلا الحق. ويقال الذي هو أخفى من السر لا يفسده الشيطان، ولا يكتبه المَلَكَانِ، ويستأثِرُ بِعلْمه الجبَّارُ، ولا تقف عليه الأغيار.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان تجهر بالقول} اى ان تعلن بذكره تعالى ودعائه. فاعلم انه تعالى غنى عن جهرك واعلانك {فانه} تعالى {يعلم السر واخفى} يقال فلان يحسن الى الفقراء لا يراد حال ولا وستقبال وانما يراد وجود الاحسان منه فى جميع الازمنة والاوقات ومه قوله {يعلم السر واخفى} علمهما منه مستمر دائم وذلك ان علمه تعالى منزه عن الزمان كما هو منزه عن المكان باسره فالتغيير على المعلوم لا على العلم عندنا والسر واحد الاسرار وهو ما يكتم ومنه اسرّ الحديث اذا اخفاه وتنكير اخفى للمبالغة فى الخفاء اى يعلم ما اسررته الى غيرك وشيئا اخفى من ذلك وهو ما اخطرته ببالك من غير ان تتفوّه به اصلا وما اسررته فى نفسك واخفى منه وهو ما ستسره فيما سيأتى اى ما يلقيه الله فى قلبك من بعد ولا تعلم انك ستحدث به نفسك وهذا اما نهى عن الجهر كقوله تعالى{أية : واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول}تفسير : واما ارشاد للعباد الى ان الجهر ليس لاسماعه بل لغرض آخر من تصور النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها من الاشتغال بغيره وقطع الوسوسة عنها وهضمها بالتضرع والجؤار وايقاظ الغير ونشر البركات الى مدى صوته وتكثير اشهاد ونحو ذلك وجاء انه عليه السلام لما توجه الى خيبر اشرف الناس على واد فرفعوا اصواتهم بالتكبير الله اكبر لا اله الا الله فقال عليه السلام "حديث : اربعوا على انفسكم"تفسير : اى ارفقوا بأنفسكم لا تبالغوا فى رفع اصواتكم {أية : انكم لا تدعون اصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم}تفسير : ويحتاج الى الجمع بين هذا امره عليه السلام برفع الاصوات بالتلبية وقد يقال المنهى عنه هنا الرفع الخارج عن العادة الذى ربما آذى بدليل قوله عليه السلام حديث : اربعوا على انفسكمتفسير : اى ارفقوا بها كذا فى انسان العيون. يقول الفقير انما نهى النبى عليه السلام اصحابه عن رفع الصوت اخفاء لامره عن العدو ولان اكثر اصحابه كانوا ارباب احوال فشأنهم الاعتدال بل الاخفاء الا لضرورة قوية كما فى ازاء العدو او اللصوص تهييبا لهم ولا شك ان اعدى العدو النفس واشد اللصوص الشيطان ولذا اعتاد الصوفية بجهر الذكر تهييبها لهما وطردا للوسوسة وقد اختار الحمكماء للسلطان جهارة الصوت فى كلامه ليكون اهيب لسامعيه واوقع فى قلوبهم كما فى العقد الفريد. وفى التأويلات النجمية السر باصطلاح اهل التحقيق لطيفة بين القلب والروح وهو معدن اسرار الروحانية والخفى لطيفة بين الروح والحضرة الالهية وهو مهبط انوار الربوبية واسرارها ولهذا قال عقيب قوله {أية : يعلم السر واخفى الله لا اله الا هو}تفسير : الآية اشارة ان مظهر الوهية صفاته العليا انما هو الخفى الذى هو اخفى من السر اى الطف واعز واعلى واشرف واقرب الى الحضرة الا وهو سر وعلم آدم الاسماء كلها وهو حقيقة قوله عليه السلام "حديث : ان الله خلق آدم فتجلى فيه " تفسير : ثم اعلم ان لطيفه السر التى بين القلب والروح تكون موجودة فى كل انسان عند نشأته الاولى والخفى ينتشئ عند نشأته الاخرى فلذا يمكن ان يكون كل انسان مؤمن او كافر معدن اسرار الروحانية وجملتها المعقولات ولا يمكن الا لمؤمن موحد ان يكون مهبط انوار الربانية واسرارها وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن تَجْهَرْ} يا محمّد (ص) او يا من يتأتّى منه الخطاب وهو عطف على قوله له ما فى السّماوات وتعليل آخر لشمول علمه وسعته وتصريح باحاطة علمه بعد التّلويح اليه او جملة حاليّة والمعنى ان تجهر {بِٱلْقَوْلِ} يعلمه {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} فكيف لا يعلم الجهر، والسّرّ ما اخفيته فى نفسك، واخفى ما خطر ببالك ثمّ نسيته كما فى الخبر، او السّرّ ما كان مخفيّاً عن غيرك، وأخفى ما كان مكموناً عن نفسك ولم تطّلع انت ولا غيرك عليه.
اطفيش
تفسير : {وَإنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ} تعلن به {فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفَى} تعليل نائب عن جواب إن. وإن شئت فقل: جوابها محذوف وذلك تعليل بلا نيابة وإن تجهر بكلام فالله غنى عن جهرك بعلمه منك بلا جهر؛ لأنه يعلم الكلام السر وما هو أخفى منه وهو ما خطر فى النفس أو حدّثت به النفس فلا تجهد نفسك بالجهر فى ذكر الله والدعاء. وذكر ذلك عقب ما مر لاقتران الإرادة والقدرة فى حقه سبحانه والإرادة لا تنفك عن العلم، فأفاد أن ملمسه محيط بجليّات الأمور وخفيّاتها على سواء. فالجهر بالذكر والدعاء إنما هو لتصوير النفس بهما ورسوخها فيه ومنعها عن الاشتغال بغير الله وهضمها بالهزع والصياح. وعن ابن عباس: السر: ما فى النفس، وأخفى: ما سيخطر فيها. وقيل: السر جميع ما قيل أو عمل فى غير حضرة الناس ولم يعلموا به، وأخفى: ما فى النفس. وقيل: السر: ما سره الناس. والأخفى: ما لا يظهره الله سبحانه للخلق، ويتفرع عن ذلك زجر المكلف عن القبائح ظاهرة أو باطنة، من حيث إن الله سبحانه يعلم كل ما خفى أو سُرّ، مما فيه ثواب أو عقاب أو ما لا ثواب ولا عقاب له. وهذا أبلغ من قول الخازن: إن المراد ما فيه ثواب أو عقاب. وفى الآية أيضا نهى عن الجهر كما قال: {أية : واذكر ربك فى نفسك} تفسير : الآية.
اطفيش
تفسير : {وإِنْ تجْهَر بالقَوْل} الخ فهو محيط بذلك ملكاً وعلماً. والخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو اللفظ له، والمراد هو وأمته، أو للإنسان، والمتبادر أنه صلى الله عليه وسلم المراد لموافقة قوله تعالى: "أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"تفسير : [طه: 2]. {فإِنَّه يعْلَم السِّرَّ} مالم ترفع به صوتك، أو ما تكلمت به، بتحريك لسانك دون أن تسمع منكر تعظيماً أى وشيئاً أخفى من ذلك، وهو ما فى قلبك دون تحريك لسانك، وزاد سعيد بن جبير على ذلك ما سيكون فى قلبك، ولا تنطق به، وقيل السر ما أخفيته فى نفسك، والأخفى ما يحدث ببالك ونسيته، وعن ابن عباس: السر ما تسر فى نفسك، وأخفى ما يحدث بعد فيها، وعنه السر ما فى نفسك، والأخفى ما ستفعله، وقيل: السر ما أسره الى غيره، وأخفى ما فى نفسه، وقيل: السر ما يفعل فى خفاء عن الناس: والأخفى الوسوسة، وذلك كله فى الطاعة والمعصية والمباح. وقيل ذلك ترغيب فى الطاعة، وزجر عن المعصية، ظاهرة أو باطنة، وعن زيد بن أسلم أخفى فعل ماض معطوف على يعلم بمعنى أنه يعلم الخلق وما عند الخلق، وأخفى عن الخلق، ما عنده كقوله تعالى: "أية : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً" تفسير : [طه: 110] وهو معنى صحيح بعيد عن لفظ الآية، والقول مطلق الكلام، فدخل ذكر الله عز وجل ودعاءه بالأولى وبالذات: لأنه صلى الله عليه وسلم يجهد بالدعاء، وبتبليغ القرآن، حتى إن بعضاً خص القول بذكره صلى الله عليه وسلم لله عز وجل، ودعاءه إياه على أن أل للعهد، والله يعلم السر وأخفى، جهر الناطق أو أسر. ولا يتوقف علمه على الجهر، فالجواب محذوف وقوله: {فإنه يعلم السر وأخفى} تعليل، والتقدير وإن تجهر بالقول فاعلم أن الله يعلم السر وأخفى، فكيف لا يعلم الجهر؟ والثلاثة عنده سواء، أو إن تجهر فاعلم أن الله غنى عن جهرك، لأنه يعلم السر وأخفى، وخص الجهر بالذكر لأنه الأكثر فى الناس، وللإرشاد الى أن الجهر بالذكر أفضل لأن فيه تصوير النفس بالذكر والسماع من نفسه، كأنه يسمع من غيره أيضاً، وتثبيته فيها، ومنعها عن الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة، وتنبيه الغافل، وإشهار التوحيد، والشرع والتعليم، وذلك بالإخلاص وانتقاء المحذور. وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: "حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شىء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" تفسير : وحمل على التعليم، وإذا لم يكن مقام داع للجهر أو لم يقصد ذلك المقام فلا جهر وهو قوله تعالى: "أية : واذكر ربك فى نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر" تفسير : [الأعراف: 205]. وجاء الحديث: أن دعاء السر يعدل سبعين من الجهر، ويجهر حيث ورد الجهر، كتكبير العيدين والتلبية، ويسر حيث يسمع القرآن لأنه لا حسن أن يعلو صوت على القرآن، ولا أن يشغل عنه، وجاء أكثر من عشرين حديثاً فى جهره صلى الله عليه وسلم بالذكر، مع أن قوله عز وجل: "ودون الجهر، نقول معناه: ودون الجهر المفرط، وقد قيل الإخفاء فى مكة، وحين هاجر أمر بالجهر، لدليل أنه يجهر، وقيل السر له صلى الله عليه وسلم، والجهر لغيره دفعاً للوساويس.
الالوسي
تفسير : {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ } الخ بيان لإحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء إثر بيان شمول قدرته تعالى لجميع الكائنات، والخطاب على ما قاله في «البحر» للنبـي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته عليه الصلاة والسلام، وجوز أن يكون عاماً أي وإن ترفع صوتك أيها الإنسان بالقول {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسّرَّ } أي ما أسررته إلى غيرك ولم ترفع صوتك به {وَأَخْفَى } أي وشيئاً أخفى منه وهو ما أخطرته ببالك من غير أن تتفوه به أصلاً، وروي ذلك عن الحسن وعكرمة أو ما أسررته في نفسك وما ستسره فيها وروي ذلك عن سعيد بن جبير. وروي عن السيدين الباقر والصادق السر ما أخفيته في نفسك والأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته. وقيل: {أَخْفَىٰ} فعل ماض عطف على {يَعْلَمْ } يعني أنه تعالى يعلم أسرار العباد وأخفى ما يعلمه سبحانه عنهم وهو كقوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } تفسير : [طه: 110]، وروى ذلك أبو الشيخ في «العظمة» عن زيد بن أسلم وهو خلاف الظاهر جداً؛ فالمعول عليه أنه أفعل تفضيل والتنكير للمبالغة في الخفاء، والمتبادر من القول ما يشمل ذكر الله تعالى وغيره وإليه ذهب بعضهم، وخصه جماعة بذكره سبحانه ودعائه على أن التعريف للعهد لأن استواء الجهر والسر عنده سبحانه المدلول عليه في الكلام يقتضي أن الجهر المذكور في خطابه عز وجل، وعلى القولين قوله تعالى: {فَإِنَّهُ } الخ قائم مقام جواب الشرط وليس الجواب في الحقيقة لأن علمه تعالى السر وأخفى ثابت قبل الجهر بالقول وبعده وبدونه. والأصل عند البعض وإن يجهر بالقول فاعلم أن الله تعالى يعلمه فإنه يعلم السر وأخفى فضلاً عنه. وعند الجماعة وإن تجهر فاعلم أن الله سبحانه غني عن جهرك فإنه الخ، وهذا على ما قيل إرشاد للعباد إلى التحري والاحتياط حين الجهر فإن من علم أن الله تعالى يعلم جهره لم يجهر بسوء، وخص الجهر بذلك لأن أكثر المحاورات ومخاطبات الناس به، وقيل: إرشاد للعباد إلى أن الجهر بذكر الله تعالى ودعائه ليس لإسماعه سبحانه بل لغرض آخر من تصوير النفس بالذكر وتثبيته فيها ومنعها من الاشتغال بغيره وقطع الوسوسة وغير ذلك، وقيل: نهى عن الجهر بالذكر والدعاء كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } تفسير : [الأعراف: 205]. وأنت تعلم أن القول بأن الجهر بالذكر والدعاء منهي لا ينبغي أن يكون على إطلاقه. والذي نص عليه الإمام النووي في «فتاويه» أن الجهر بالذكر حيث لا محذور شرعياً مشروع مندوب إليه بل هو أفضل من الإخفاء في مذهب الإمام الشافعي وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد وإحدى الروايتين عن الإمام مالك بنقل الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» وهو قول لقاضيخان في «فتاويه» في ترجمة مسائل كيفية القراءة وقوله في باب غسل الميت: ويكره رفع الصوت بالذكر، فالظاهر أنه لمن يمشي مع الجنازة كما هو مذهب الشافعية لا مطلقاً كما تفهمه عبارة «البحر الرائق» وغيره وهو قول الإمامين في تكبير عيد الفطر كالأضحى، ورواية عن الإمام أبـي حنيفة نفسه رضي الله تعالى عنه بل في «مسنده» ما ظاهره استحباب الجهر بالذكر مطلقاً، نعم قال / ابن نجيم في «البحر» نقلاً عن المحقق ابن الهمام في «فتح القدير» ما نصه قال أبو حنيفة: رفع الصوت بالذكر بدعة مخالفة للأمر من قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } تفسير : [الأعراف: 205] الآية فيقتصر على مورد الشرع، وقد ورد به في الأضحى وهو قوله سبحانه: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [البقرة: 203]. وأجاب السيوطي في «نتيجة الذكر» عن الاستدلال بالآية السابقة بثلاثة أوجه، ((الأول: أنها مكية ولما هاجر صلى الله عليه وسلم سقط ذلك، الثاني: أن جماعة من المفسرين منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير حملوا الآية على الذكر حال قراءة القرآن وأنه أمر له عليه الصلاة والسلام بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنده الأصوات، ويقويه اتصالها بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ } تفسير : [الأعراف: 204] الآية، الثالث: ما ذكره بعض الصوفية أن الأمر في الآية خاص بالنبـي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل وأما غيره عليه الصلاة والسلام ممن هو محل الوساوس فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيراً في دفعها)) وفيه ما فيه. واختار بعض المحققين أن المراد دون الجهر البالغ أو الزائد على قدر الحاجة فيكون الجهر المعتدل، والجهر بقدر الحاجة داخلاً في المأمور به، فقد صح ما يزيد على عشرين حديثاً في أنه صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يجهر بالذكر. وصح عن أبـي الزبير أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» تفسير : وهو محمول على اقتضاء حاجة التعليم ونحوه لذلك، وما في «الصحيحين» من حديث أبـي موسى الأشعري قال: حديث : كنا مع النبـي صلى الله عليه وسلم وكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنه معكم إنه سميع قريب» تفسير : محمول على أن النهي المستفاد التزاماً من أمر اربعوا الذي بمعنى ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم مراد به النهي عن المبالغة في رفع الصوت، وبتقسيم الجهر واختلاف أقسامه في الحكم يجمع بين الروايتين المختلفتين عن الإمام أبـي حنيفة، وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قوماً يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين، وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل عليه ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو محمول على الجهر البالغ، وخبر «خير الذكر الخفي وخير الرزق أو العيش ما يكفي» صحيح. وعزاه الإمام السيوطي إلى الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي عن سعد بن أبـي وقاص، وعزاه أبو الفتح في «سلاح المؤمن» إلى أبـي عوانة في «مسنده» الصحيح أيضاً، وهو محمول على من كان في موضع يخاف فيه الرياء أو الإعجاب أو نحوهما، وقد صح أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام جهر بالدعاء وبالمواعظ لكن قال غير واحد من الأجلة: إن إخفاء الدعاء أفضل. وحد الجهر على ما ذكره ابن حجر الهيتمي في «المنهج القويم» أن يكون بحيث يسمع غيره والإسرار بحيث يسمع نفسه. وعند الحنفية في رواية أدنى الجهر إسماع نفسه وأدنى المخافتة تصحيح الحروف وهو قول الكرخي. وفي «كتاب الإمام محمد» إشارة إليه، والأصح كما في «المحيط» قول الشيخين الهندواني والفضلي وهو الذي عليه الأكثر أن أدنى الجهر إسماع غيره وأدنى المخافتة إسماع نفسه. ومن هنا قال في «فتح القدير»: إن تصحيح / الحروف بلا صوت إيماءاً إلى الحروف بعضلات المخارج لا حروف إذ الحروف كيفية تعرض للصوت فإذا انتفى الصوت المعروض انتفى الحرف العارض وحيث لا حرف فلا كلام بمعنى المتكلم به فلا قراءة بمعنى التكلم الذي هو فعل اللسان فلا مخافتة عند انتفاء الصوت كما لا جهر انتهى محرراً. وقد ألف الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في تحقيق هذه المسألة رسالتين جليلتين سمى أولاهما: ـ «نشر الزهر في الذكر بالجهر» ـ وثانيتهما: «بإتحاف المنيب الأواه بفضل الجهر بذكر الله» ـ رد فيها على بعض أهل القرن التاسع من علماء الحنفية من أعيان دولة ميرزا ألغ بيك بن شاه دخ الكوركاني حيث أطلق القول بكون الجهر بالذكر بدعة محرمة وألف في ذلك «رسالة»، ولعله يأتي إن شاء الله تعالى زيادة بسط لتحقيق هذه المسألة والله تعالى الموفق.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : له ما في السماوات وما في الأرض}تفسير : [طه: 6] لدلالة هذه الجملة على سعة علمه تعالى كما دلّت الجملة المعطوف عليها على عظيم سلطانه وقدرته. وأصل النظم: ويعلم السر وأخفى إن تجهر بالقول؛ فموقع قوله: {وإن تَجْهَر بالقَوْلِ} موقع الاعتراض بين جملة {يعلم السر وأخفى} وجملة {الله لا إله إلاّ هو}. فصيغ النظم في قالب الشرط والجزاء زيادة في تحقيق حصوله على طريقة ما يسمى بالمذهب الكلامي، وهو سوق الخبر في صيغة الدليل على وقوعه تحقيقاً له. والمعنى: إنه يعلم السر وأخفى من السرّ في الأحوال التي يجهر فيها القائل بالقول لإسماع مخاطبه، أي فهو لا يحتاج إلى الجهر لأنه يعلم السر وأخفى. وهذا أسلوب متبع عند البلغاء شائع في كلامهم بأساليب كثيرة. وذلك في كل شرط لا يقصد به التعليق بل يقصد التحقيق كقول أبي كبير الهذيلي:شعر : فأتت به حُوش الفؤاد مبطّنا سُهُداً إذَا ما نَام ليلُ الهَوْجل تفسير : أي سُهُداً في كلّ وقت حين ينام غيره ممن هو هَوْجل. وقول بشامة بن حزن النهشلي:شعر : إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهم حَدّ الظُبات وصَلناها بأيدينا تفسير : وقول إبراهيم بن كُنيف النبهاني:شعر : فإن تكن الأيام جَالت صروفها ببؤسَى ونُعمى والحوادث تفعل فما ليَّنَتْ منا قناةً صَليبةً وما ذللتنا للّتي ليس تَجْمُل تفسير : وقول القطامِي:شعر : فمن تكن الحضارة أعجبته فأيّ رجال بادية ترانا تفسير : فالخطاب في قوله وإنْ تَجْهَر} يجوز أن يكون خطاباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعم غيره. ويجوز أن يكون لغير معيّن ليعم كلّ مخاطب. واختير في إثبات سعة علم الله تعالى خصوص علمه بالمسموعات لأنّ السر أخفى الأشياء عن علم الناس في العادة. ولمّا جاء القرآن مذكراً بعلم الله تعالى توجهت أنظار المشركين إلى معرفة مدى علم الله تعالى وتجادلوا في ذلك في مجامعهم. وفي «صحيح البخاري» عن عبدالله بن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقهُ قلوبِهم فقال أحدهم: أترون أنّ الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جَهَرنا ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر: إنْ كان يسمع إذا جهرنا (أي وهو بعيد عنا) فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله تعالى: {أية : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا قلوبكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون}تفسير : [فصلت: 22]. وقد كثر في القرآن أنّ الله يعلم ما يسرّ الناس وما يعلنون ولا أحسب هذه الآية إلا ناظرة إلى مثل ما نظرتْ الآية الآنفة الذكر. وقال تعالى: {أية : ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرّون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور}تفسير : [هود: 5]. يبقى النظر في توجيه الإتيان بهذا الشرط بطريقة الاعتراض، وتوجيه اختيار فرض الشرط بحالة الجهر دون حالة السر مع أن الذي يتراءى للناظر أنّ حالة السر أجدر بالذكر في مقام الإعلام بإحاطة علم الله تعالى بما لا يحيط به علم الناس، كما ذكر في الخبر المروي عن ابن مسعود في الآية الآنفة الذكر. وأحسب لفرض الشرط بحالة الجهر بالقول خصوصية بهذا السياق اقتضاها اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهر بالقرآن في الصلاة أو غيرها، فيكون مورد هذه الآية كمورد قوله تعالى: {أية : واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول}تفسير : [الأعراف: 205] فيكون هذا مما نسخَه قوله تعالى: {أية : فاصدَع بما تؤمر}تفسير : [الحجر: 94]، وتعليم للمسلمين باستواء الجهر والسر في الدعاء، وإبطال لتوهم المشركين أن الجهر أقرب إلى علم الله من السر، كما دل عليه الخبر المروي عن أبي مسعود المذكور آنفاً. والقول: مصدر، وهو تلفظ الإنسان بالكلام، فيشمل القراءة والدعاء والمحاورة، والمقصود هنا ما له مزيد مناسبة بقوله تعالى: {أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }تفسير : [طه: 2] الآيات. وجواب شرط {وإن تجهر بالقول} محذوف يدل عليه قوله: {فإنه يعلم السر وأخفى}. والتقدير: فلا تشقّ على نفسك فإنّ الله يعلم السر وأخفى، أي فلا مزية للجهر به. وبهذا تعلم أن ليس مساق الآية لتعليم الناس كيفية الدعاء، فقد ثبت في السُّنّة الجهر بالدعاء والذكر، فليس من الصّواب فرض تلك المسألة هنا إلاّ على معنى الإشارة. وأخفى اسم تفضيل، وحذف المفضل عليه لدلالة المقام عليه، أي وأخفى من السر. والمراد بأخفى منه: ما يتكلم اللسان من حديث النفس ونحوه من الأصوات التي هي أخفى من كلام السر.
الشنقيطي
تفسير : خاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة بأنه: إن يجهر بالقول أي يقله جهرة في غير خفاء, فإنه جل وعلا يعلم السر وما هو أخفى من السر. وهذا المعنى الذي أشار إليه هنا ذكره في مواضع أخر, كقوله: {أية : وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الملك: 13], وقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} تفسير : [النحل: 19]، وقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} تفسير : [محمد: 26]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الفرقان: 6], الآية, إلى غير ذلك من الآيات. وفي المراد بقوله في هذه الآية {وَأَخْفَى} أوجه معروفة كلها حق ويشهد لها قرآن. قال بعض أهل العلم {يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ}: أي ما قاله العبد سراً {وَأَخْفَى} أي ويعلم ما هو أخفى من السر, وهو ما توسوس به نفسه. كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16]. وقال بعض أهل العلم: الإنسان أنه فاعله, كما قال تعالى: {أية : وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 63], وكما قال تعالى: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ}تفسير : [النجم: 32] فالله يعلم ما يسره الإنسان اليوم. وما سيسره غداً. والعبد لا يعلم ما في غد كما قال زهير في معلقته: شعر : وأعلم علم اليوم والأمس وقبله ولكنني عن علم ما في غد عم تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَأَخْفَى} صيغة تفضيل كما بينا, أي ويعلم ما هو أخفى من السر. وقول من قال: إن "أخفى" فعل ماض بمعنى أنه يعلم سر الخلق, وأخفى عنهم ما يعلمه هو. كقوله: {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} تفسير : [طه: 110] - ظاهر السقوط كما لا يخفى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] أي فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه, كما قال تعالى: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}تفسير : [الأعراف:55] {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [الأعراف: 205] الآية. ويوضح هذا المعنى الحديث الصحيح. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع أصحابه رفعوا أصواتهم بالتكبير قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ارْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تَدْعون أصم ولا غائباً, إنما تدعون سميعاً بصيراً. إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ".
د. أسعد حومد
تفسير : (7) - وَإِنْ تَجْهَرْ بِدُعَاءِ اللهِ وَذِكْرِهِ، فَاعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ ذلِكَ، لأَِنَّهُ يَعْلَمُ مَا أَسْرَرْتَهُ إِلى غَيْرِكَ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ بِهِ صَوْتَكَ، وَيَعْلَمُ مَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ مِمَّا يَخْطُرُ فِي بَالِكَ دُونَ أَنْ تَتَفَوَّهَ بِهِ. وَأَخْفَى - حَدِيثَ النَّفْسِ وَخَوَاطِرَها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - حينما يطلب من رسوله أن يذكر يريد منه أن يُذكِّر تذكيراً مرتبطاً بنيته، لا ليقطع العَتْب عنه نفسه، فالمسألة ليست جهراً بالتذكير. وإذا كان تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إنني سأحرس سرك كما أحرس علانيتك، وأن الجهر عندي مثل السر، بل وأخفى من السر، وهو صلى الله عليه وسلم مؤتمن على الرسالة فإنه تعالى يقول أيضاً لأمته: إياكم أن تقولوا كلاماً ظاهره فيه الرحمة، ونيتكم غير مستقرة عليه؛ لأن الله كما يعلم الجهر يعلم السر، وما هو أخفى من السر. وتكلمنا عن الجهر، وهو أن تُسمع مَنْ يريد أن يسمع، والسر: أن تخصَّ واحداً بأن تضع في أذنه كلاماً لا تحب أن يشيع عند الناس، وتهمس في أذنه بأنك المأمون على هذا الكلام، وأنت ترتاح نفسياً حينما تُلقِي بسرِّك إلى مَنْ تثق فيه، وتأمن أَلاَّ يذيعه، وهناك في حياة كل منا أمور تضيق النفس بها، فلا بُدَّ لك أن تُنفِّسَ عن نفسك، كما قال الشاعر: شعر : وَلاَ بُدَّ مِنْ شَكْوَى إِلَى ذِي مُرُوءَةٍ يوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أَوْ يتوجَّعُ تفسير : فأنت - إذن - في حاجة لمَنْ يسمع منك ليريحك، ويُنفِّس عنك، ولا يفضحك بما أسررْتَ إليه. ومعنى {وَأَخْفَى} [طه: 7] أي: أَخْفى من السر، فإنْ كان سِرُّك قد خرج من فمك إلى أذن سامعك، فهناك ما هو أَخْفَى من السر، أي: ما احتفظتَ به لنفسك ولم تتفوَّه به لأحد. لذلك يقول تعالى: {أية : وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الملك: 13] أي: مكنوناتها قبل أن تصير كلاماً. وقال أيضاً: {أية : وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ..}تفسير : [ق: 16] فوسوسة النفس، وذات الصدور هي الأَخْفى من السر، فلديْنَا - إذن - جَهْر، وسِرٌّ، وأخفى من السر، لكن بعض العارفين يقول: وهناك في علم الله ما هو أخْفى من الأَخفى، فما هو؟ يقول: إنه تعالى يعلم ما سيكون في النفس قبل أن يكون. وبعد ذلك جاء الحق سبحانه بالكلمة التي بعث عليها الرسل جميعاً: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلسِّرَّ}: الذي تستره من الناس. {وَأَخْفَى}. يعني الوسوسة [الآية: 7]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى} [الآية: 10]. يهديه الطريق. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله: {يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} [الآية: 7] قال: السر ما أَسررت في نفسك {وَأَخْفَى}: يعني ما لم تحدث به نفسك. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن سعيد بن جبير في قوله: {طُوًى} [الآية: 12]. قال: يقول طأَ الأَرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. يعني من بركة الوادي. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} [الآية: 14]. يقول: إِذا صلى عبد ذكر ربه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} قالَ الإِمامُ زيد بن علي عليهما السلام السِّرُّ: ما أَحْرَزْتَهُ فِي نفسِكَ. وقالَ: ما أَسررتَ إِلى غَيرِكَ. وأَخفى: ما لم تُحدِّثْ بِهِ نَفسَكَ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 595 : 2 : 3 - سفين عن أبي داود عن الضحاك في قوله {يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} قال، "السر" ما حدثت به نفسك، {وَأَخْفَى} ما لم تحدثك به. [الآية 7].
همام الصنعاني
تفسير : 1798- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}: [الآية: 7]، من السر ما حَدَّثت به نفسك، وما لم تحدث به نفسك أيضاً مما هو كائن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):