Verse. 2357 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

وَہَلْ اَتٰىكَ حَدِيْثُ مُوْسٰى۝۹ۘ
Wahal ataka hadeethu moosa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهل» قد «أتاك حديث موسى».

9

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما عظم حال القرآن وحال الرسول فيما كلفه اتبع ذلك بما يقوي قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام تقوية لقلبه في الإبلاغ كقوله: { أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } تفسير : [هود: 120] وبدأ بموسى عليه السلام لأن المحنة والفتنة الحاصلة له كانت أعظم ليسلي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويصبره على تحمل المكاره فقال: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ } يحتمل أن يكون هذا أول ما أخبر به من أمر موسى عليه السلام فقال: {وَهَلْ أَتَاكَ } أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له، وهذا قول الكلبي. ويحتمل أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال: أليس قد أتاك، وهذا قول مقاتل والضحاك عن ابن عباس. المسألة الثانية: قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ} وإن كان على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز على الله تعالى لكن المقصود منه تقرير الجواب في قلبه، وهذه الصيغة أبلغ في ذلك كما يقول المرء لصاحبه هل بلغك خبر كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة ما يرمى إليه، ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قبل النبي عليه السلام لا من قبل الله تعالى. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {إِذْ رَأَى نَاراً } أي هل أتاك حديثه حين رأى ناراً قال المفسرون: استأذن موسى عليه السلام شعيباً في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد حاد عن الطريق فقدح موسى عليه السلام النار فلم تور المقدحة شيئاً، فبينا هو مزاولة ذلك إذ نظر ناراً من بعيد عن يسار الطريق. قال السدي: ظن أنها نار من نيران الرعاة وقال آخرون: إنه عليه السلام رآها في شجرة وليس في لفظ القرآن ما يدل على ذلك، واختلفوا فقال بعضهم الذي رآه لم يكن ناراً بل تخيله ناراً والصحيح أنه رأى ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء، قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر لقوله تعالى: { أية : جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً } تفسير : [يس: 80] ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة، ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار موسى عليه السلام وقيل أيضاً النار على أربعة أقسام: أحدها: نار لها نور بلا حرقة وهي نار موسى عليه السلام. وثانيها: حرقة بلا نور وهي نار جهنم. وثالثها: الحرقة والنور وهي نار الدنيا. ورابعها: لا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار، فلما أبصر النار توجه نحوها {فقال لأهله امكثوا}. فيجوز أن يكون الخطاب للمرأة وولدها والخادم الذي معها ويجوز أن يكون للمرأة وحدها ولكن خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على الجمع، وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم: {إِنّى آنَسْتُ نَاراً } أي أبصرت، والإيناس الإبصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين فإنه يبين به الشيء والإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم وقيل هو أيضاً ما يؤنس به ولما وجد منه الإيناس وكان منتفياً حقيقة لهم أتى بكلمة إني لتوطين أنفسهم ولما كان الإيناس بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين بني الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال: {لعلي آتيكم} ولم يقطع فيقول إني آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به. والنكتة فيه أن قوماً قالوا: كذب إبراهيم للمصلحة وهو محال لأن موسى عليه السلام قبل نبوته احترز عن الكذب فلم يقل آتيكم ولكن قال لعلي آتيكم ولم يقطع فيقول إني آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما: {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى } والهدى ما يهتدى به وهو اسم مصدر فكأنه قال أجد على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة، ومعنى الاستعلاء على النار أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها {فَلَمَّا أَتَـٰهَا } أي أتى النار قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء فوقف متعجباً من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار فسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً، قال وهب: فظن موسى عليه السلام أنها نار أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء. وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي يا موسى قال القاضي الذي يروى من أن الزند ما كان يورى فهذا جائز وأما الذي يروى من أن النار كانت تتأخر عنه فإن كانت النبوة قد تقدمت له جاز ذلك وإلا فهو ممتنع إلا أن يكون معجزة لغيره من الأنبياء عليهم السلام وفي قوله: { أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ } تفسير : [طه: 13] دلالة على أن في هذه الحالة أوحى الله إليه وجعله نبياً، وعلى هذا الوجه يبعد ما ذكروه من تأخر النار عنه وبين فساد ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ يٰمُوسَىٰ } وإن كانت تتأخر عنه حالاً بعد حال لما صح ذلك ولما بقي لفاء التعقيب فائدة قلنا: القاضي إنما بنى هذا الاعتراض على مذهبه في أن الإرهاص غير جائز وذلك عندنا باطل فبطل قوله وأما التمسك بفاء التعقيب فقريب لأن تخلل الزمان القليل فيما بين المجيء والنداء لا يقدح في فاء التعقيب. المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو وابن كثير (أنى) بالفتح أي نودي بأني أنا ربك والباقون بالكسر أي نودي فقيل: يا موسى أو لأن النداء ضرب من القول فعومل معاملته. المسألة الخامسة: قال الأشعري إن الله تعالى أسمعه الكلام القديم الذي ليس بحرف ولا صوت، وأما المعتزلة فإنهم أنكروا وجود ذلك الكلام فقالوا: إنه سبحانه خلق ذلك النداء في جسم من الأجسام كالشجرة أو غيرها لأن النداء كلام الله تعالى والله قادر عليه ومتى شاء فعله، وأما أهل السنة من أهل ما وراء النهر فقد أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى عليه السلام صوت خلقه الله تعالى في الشجرة واحتجوا بالآية على أن المسموع هو الصوت المحدث قالوا: إنه تعالى رتب النداء على أنه أتى النار والمرتب على المحدث محدث فالنداء محدث. المسألة السادسة: اختلفوا في أن موسى عليه السلام كيف عرف أن المنادي هو الله تعالى فقال أصحابنا: يجوز أن يخلق الله تعالى له علماً ضرورياً بذلك ويجوز أن يعرفه بالمعجزة، قالت المعتزلة: أما العلم الضروري فغير جائز لأنه لو حصل العلم الضروري بكون هذا النداء كلام الله تعالى لحصل العلم الضروري بوجود الصانع العالم القادر لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات تكون معلومة بالاستدلال ولو كان وجود الصانع تعالى معلوماً له بالضرورة لخرج موسى عن كونه مكلفاً لأن حصول العلم الضروري ينافي التكليف، وبالإتفاق لم يخرج موسى عن التكليف فعلمنا أن الله تعالى عرفه ذلك بالمعجز ثم اختلفوا في ذلك المعجز على وجوه. أولها: منهم من قال نعلم قطعاً أن الله تعالى عرفه ذلك بواسطة المعجز ولا حاجة بنا إلى أن نعرف ذلك المعجز ما هو. وثانيها: يروى أن موسى عليه السلام لما شاهد النور الساطع من الشجرة إلى السماء وسمع تسبيح الملائكة وضع يديه على عينيه فنودي يا موسى؟ فقال: لبيك إني أسمع صوتك ولا أراك فأين أنت؟ قال: أنا معك وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب إليك منك. ثم إن إبليس أخطر بباله هذا الشك وقال: ما يدريك أنك تسمع كلام الله؟ فقال: لأني أسمعه من فوقي ومن تحتي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي كما أسمعه من قدامي، فعلمت أنه ليس بكلام المخلوقين. ومعنى إطلاقه هذه الجهات أنى أسمعه بجميع أجزائي وأبعاضي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذناً. وثالثها: لعله سمع النداء من جماد كالحصى وغيرها فيكون ذلك معجزاً. ورابعها: أنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث أن تلك الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار وتلك النار ما كانت تضر تلك الخضرة، وهذا لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه. المسألة السابعة: قالوا: إن تكرير الضمير في {إِنِّى أَنَاْ رَبُّكَ } كان لتوليد الدلالة وإزالة الشبهة. المسألة الثامنة: ذكروا في قوله: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } وجوهاً. أحدها: كانتا من جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس ولذلك قال عقيبه: {إِنَّكَ بالوادي المقدس طوى} وهذا قول علي عليه السلام وقول مقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي. والثاني: إنما أمر بخلعهما لينال قدميه بركة الوادي وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد. وثالثها: أن يحمل ذلك على تعظيم البقعة من أن يطأها إلا حافياً ليكون معظماً لها وخاضعاً عند سماع كلام ربه، والدليل عليه أنه تعالى قال عقيبه: {إِنَّكَ بالوادي المقدس طوى} وهذا يفيد التعليل فكأنه قال تعالى: اخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس طوى. وأما أهل الإشارة فقد ذكروا فيها وجوهاً: أحدها: أن النعل في النوم يفسر بالزوجة والولد فقوله: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } إشارة إلى أن لا يلفت خاطره إلى الزوجة والولد وأن لا يبقى مشغول القلب بأمرهما. وثانيها: المراد بخلع النعلين ترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة كأنه أمره بأن يصير مستغرق القلب بالكلية في معرفة الله تعالى ولا يلتفت بخاطره إلى ما سوى الله تعالى والمراد من الوادي المقدس قدس جلال الله تعالى وطهارة عزته يعني أنك لما وصلت إلى بحر المعرفة فلا تلتفت إلى المخلوقات. وثالثها: أن الإنسان حال الاستدلال على الصانع لا يمكنه أن يتوصل إليه إلا بمقدمتين مثل أن يقول العالم المحسوس محدث أو ممكن وكل ما كان كذلك فله مدبر ومؤثر وصانع وهاتان المقدمتان تشبهان النعلين لأن بهما يتوصل العقل إلى المقصود ويتنقل من النظر في الخلق إلى معرفة الخالق ثم بعد الوصول إلى معرفة الخالق وجب أن لا يبقى ملتفتاً إلى تينك المقدمتين لأن بقدر الاشتغال بالغير يبقى محروماً عن الاستغراق فيه فكأنه قيل له لا تكن مشتغل القلب والخاطر بتينك المقدمتين فإنك وصلت إلى الوادي المقدس الذي هو بحر معرفة الله تعالى ولجة ألوهيته. المسألة التاسعة: استدلت المعتزلة بقوله: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } على أن كلام الله تعالى ليس بقديم إذ لو كان قديماً لكان الله قائلاً قبل وجود موسى اخلع نعليك يا موسى ومعلوم أن ذلك سفه فإن الرجل في الدار الخالية إذا قال: يا زيد افعل ويا عمرو لا تفعل مع أن زيداً وعمراً لا يكونان حاضرين بعد ذلك جنوناً وسفهاً فكيف يليق ذلك بالإله سبحانه وتعالى وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: الأول: أن كلامه تعالى وإن كان قديماً إلا أنه في الأزل لم يكن أمراً ولا نهياً. والثاني: أنه كان أمراً بمعنى أنه وجد في الأزل شيء لما استمر إلى ما لا يزال صار الشخص به مأموراً من غير وقوع التغير في ذلك الشيء كما أن القدرة تقتضي صحة الفعل ثم إنها كانت موجودة في الأزل من غير هذه الصحة فلما استمرت إلى ما لا يزال حصلت الصحة كذا ههنا وهذا الكلام فيه غموض وبحث دقيق. المسألة العاشرة: ليس في الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل والصحيح عدم الكراهة وذلك لأنا إن عللنا الأمر بخلع النعلين بتعظيم الوادي وتعظيم كلام الله كان الأمر مقصوراً على تلك الصورة، وإن عللناه بأن النعلين كانا من جلد حمار ميت فجائز أن يكون قد كان محظوراً لبس جلد الحمار الميت وإن كان مدبوغاً فإن كان كذلك فهو منسوخ بقوله عليه السلام: « حديث : أيما إهاب دبغ فقد طهر » تفسير : وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: « حديث : ما لكم خلعتم نعالكم » تفسير : قالوا: خلعت فخلعنا قال: «حديث : فإن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً» تفسير : فلم يكره النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في النعل وأنكر على الخالعين خلعهما وأخبرهم بأنه إنما خلعهما لما فيهما من القذر. المسألة الحادية عشر: قرىء طوى بالضم والكسر منصرفاً وغير منصرف فمن نونه فهو اسم الوادي ومن لم ينونه ترك صرفه لأنه معدول عن طاوي فهو مثل عمر المعدول عن عامر ويجوز أن يكون اسماً للبقعة. المسألة الثانية عشرة: في طوى وجوه: الأول: أنه اسم للوادي وهو قول عكرمة وابن زيد. والثاني: معناه مرتين نحو مثنى أي قدس الوادي مرتين أو نودي موسى عليه السلام نداءين يقال ناديته طوى أي مثنى. والثالث: طوى أي طياً قال ابن عباس رضي الله عنهما إنه مر بذلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالوادي المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه ومن ذهب إلى هذا قال طوى مصدر خرج عن لفظه كأنه قال: طويته طوى كما يقال هدى يهدي هدي، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } قال أهل المعاني: هو استفهام إثبات وإيجاب معناه؛ أليس قد أتاك؟ وقيل: معناه وقد أتاك؛ قاله ابن عباس. وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه بعد ثم أخبره. {إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى } قال ابن عباس وغيره: هذا حين قضى الأجل وسار بأهله وهو مقبل من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ الطريق، وكان موسى عليه السلام رجلاً غيوراً، يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه، لئلا يروا امرأته؛ فأخطأ الرفقة ـ لما سبق في علم الله تعالى ـ وكانت ليلة مظلمة. وقال مقاتل: وكانت ليلة الجمعة في الشتاء. وهب بن منبه: استأذن موسى شعيباً في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله وغنمه، وولد له في الطريق غلام في ليلة شاتيةٍ باردةٍ مثلجةٍ، وقد حاد عن الطريق وتفرقت ماشيته، فقدح موسى النار فلم تورِ المِقْدَحة شيئاً، إذ بصر بنار من بعيد على يسار الطريق {فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ} أي أقيموا بمكانكم {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} أي أبصرت. قال ابن عباس: فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عنابٍ، فوقف متعجباً من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ضوء النار. وذكر المهدوي: فرأى النار ـ فيما روي ـ وهي في شجرة من العُلَّيق، فقصدها فتأخرت عنه، فرجع وأوجس في نفسه خيفة، ثم دنت منه وكلمه الله عز وجل من الشجرة. الماوردي: كانت عند موسى ناراً، وكانت عند الله تعالى نوراً. وقرأ حمزة «لأَهْلِهُ امْكُثُوا» بضم الهاء، وكذا في «القصص». قال النحاس وهذا على لغة من قال: مررت بِهُو يا رجل؛ فجاء به على الأصل، وهو جائز إلا أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة. وقال: «امكثوا» ولم يقل أقيموا، لأن الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ليس كذلك. «وآنست» أبصرت، قاله ابن الأعرابي. ومنه قوله: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً}تفسير : [النساء: 6] أي علمتم. وآنست الصوت سمعته، والقبس شعلة من نار، وكذلك المِقباس. يقال: قبَستُ منه ناراً أقبِس قَبْساً فأقبسني أي أعطاني منه قَبساً، وكذلك اقتبست منه ناراً، واقتبست منه علماً أيضاً أي استفدته، قال اليزيدي: أَقبستُ الرجل علماً وقَبَسته ناراً؛ فإن كنت طلبتها له قلت أقبسته. وقال الكسائي: أقبسته ناراً أو علماً سواء. وقبسته أيضاً فيهما. «هُدًى» أي هادياً. قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} يعني النار {نُودِيَ} أي من الشجرة كما في سورة «القصص» أي من جهتها وناحيتها على ما يأتي {يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ}. قوله تعالى: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف وجُبّةُ صوفٍ وكُمَّة صوف وسراويلُ صوف وكانت نعلاه من جلد حمار ميت» تفسير : قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج (حميد ـ هو ابن علي الكوفي ـ) منكر الحديث، وحميد بن قيس الأعرج المكي صاحب مجاهد ثقة؛ والكمة القلنسوة الصغيرة. وقرأ العامة «إني» بالكسر؛ أي نودي فقيل له يا موسى إني، واختاره أبو عبيد. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن محيصن وحميد «أَنِّي» بفتح الألف بإعمال النداء. واختلف العلماء في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين. والخلع النزع. والنعل ما جعلته وقاية لقدميك من الأرض. فقيل: أمر بطرح النعلين؛ لأنها نجسة إذ هي من جلد غير مُذَكًّى؛ قاله كعب وعِكرمة وقتادة. وقيل: أمر بذلك لينال بركة الوادي المقدس، وتمس قدماه تربة الوادي؛ قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن جريج. وقيل: أمر بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى. وكذلك فعل السلف حين طافوا بالبيت. وقيل: إعظاماً لذلك الموضع كما أن الحرَم لا يُدخَل بنعلين إعظاماً له. قال سعيد بن جبير: قيل له طَإِ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. والعرف عند الملوك أن تخلع النعال ويبلغ الإنسان إلى غاية التواضع، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه؛ ولا تبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها. وقد كان مالك لا يرى لنفسه ركوب دابة بالمدينة براً بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة، والجثة الكريمة. ومن هذا المعنى «حديث : قوله عليه الصلاة والسلام لبشير بن الخَصَاصِيّة وهو يمشي بين القبور بنعليه: «إذا كنت في مثل هذا المكان فاخلع نعليك»قال: فخلعتهما» تفسير : . وقول خامس: إن ذلك عبارة عن تفريغ قلبه من أمر الأهل والولد. وقد يعبر عن الأهل بالنعل. وكذلك هو في التعبير: من رأى أنه لابس نعلين فإنه يتزوّج. وقيل: لأن الله تعالى بسط له بساط النور والهدى، ولا ينبغي أن يطأ على بساط رب العالمين بنعله. وقد يحتمل أن يكون موسى أُمِر بخلع نعليه، وكان ذلك أوّل فرض عليه؛ كما كان أوّل ما قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ } تفسير : [المدثر: 2 ـ 5] والله أعلم بالمراد من ذلك. الثانية: في الخبر أنّ موسى عليه السلام خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي. وقال أبو الأحوص: زار عبد الله أبا موسى في داره، فأقيمت الصلاة فأقام أبو موسى؛ فقال أبو موسى لعبد الله: تقدّم. فقال عبد الله: تقدّم؛ أنت في دارك. فتقدّم وخلع نعليه؛ فقال عبد الله: أبالوادي المقدس أنت؟! وفي صحيح مسلم عن سعيد بن يزيد قال: قلت: لأنس: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعلين؟ قال: نعم. ورواه النَّسائي عن عبد الله بن السائب: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح فوضع نعليه عن يساره. وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: «حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قَذَراً» وقال:«إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر إذا رأى في نعليه قذراً أو أذًى فليمسحه وليصلِّ فيهما»»تفسير : . صححه أبو محمد عبد الحق. وهو يجمع بين الحديثين قبله، ويرفع بينهما التعارض. ولم يختلف العلماء في جواز الصلاة في النعل إذا كانت طاهرة من ذكيّ، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الصلاة فيهما أفضل، وهو معنى قوله تعالى: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تفسير : [الأعراف: 31] على ما تقدّم. وقال إبراهيم النخعي في الذين يخلعون نعالهم: لوددت أن محتاجاً جاء فأخذها. الثالثة: فإن خلعتهما فاخلعهما بين رجليك؛ فإن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا صلى أحدكم فليخلع نعليه بين رجليه»تفسير : . وقال أبو هريرة للمقبري: اخلعهما بين رجليك ولا تُؤذِ بهما مسلماً. وما رواه عبد الله بن السائب رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما عن يساره فإنه كان إماماً، فإن كنت إماماً أو وحدك فافعل ذلك إن أحببت، وإن كنت مأموماً في الصف فلا تُؤذِ بهما من على يسارك، ولا تضعهما بين قدميك فتشغلاك، ولكن قدام قدميك. وروي عن جُبَير بن مطعم أنه قال: وضع الرجل نعليه بين قدميه بدعة. الرابعة: فإن تحقق فيهما نجاسة مُجمَع على تنجيسها كالدم والعذرة من بول بني آدم لم يطهّرها إلا الغسل بالماء، عند مالك والشافعي وأكثر العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفاً فيها كبول الدواب وأرواثها الرطبة فهل يطهّرها المسح بالتراب من النعل والخفّ أو لا؟ قولان عندنا. وأَطلقَ الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزَاعيُّ وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يزيله إذا يبس الحكُّ والفركُ، ولا يزيل رطبه إلا الغسل ما عدا البول، فلا يجزىء فيه عنده إلا الغسل. وقال الشافعي: لا يطهّر شيئاً من ذلك كله إلا الماء. والصحيح قول من قال: إن المسح يطهّره من الخفّ والنعل؛ لحديث أبي سعيد. فأما لو كانت النعل والخفّ من جلد ميتة فإن كان غير مدبوغ فهو نجس باتفاق، ما عدا ما ذهب إليه الزُّهريّ والليث، على ما تقدمّ بيانه في سورة «النحل». ومضى في سورة «براءة» القول في إزالة النجاسة والحمد لله. الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} المقدّس: المطهَّر. والقُدْس: الطهارة، والأرض المقدّسة أي المطهرة؛ سميت بذلك لأن الله تعالى أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين. وقد جعل الله تعالى لبعض الأماكن زيادة فضل على بعض؛ كما قد جعل لبعض الأزمان زيادة فضل على بعض، ولبعض الحيوان كذلك. ولله أن يفضل ما شاء. وعلى هذا فلا اعتبار بكونه مقدساً بإخراج الكافرين وإسكان المؤمنين؛ فقد شاركه في ذلك غيره. و«طُوًى» اسم الوادي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال الضحاك: هو واد عميق مستدير مثل الطَّوِيّ. وقرأ عِكْرمة «طِوًى». الباقون «طُوًى». قال الجوهري: «طوى» اسم موضع بالشام، تكسر طاؤه وتضم، ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة وقال بعضهم: «طُوًى» مثل «طِوًى» وهو الشيء المَثْنِيُّ، وقالوا في قوله {ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى}: طُوِيَ مرتين أي قُدِّس. وقال الحسن: ثُنِيَتْ فيه البركة والتقديس مرّتين. وذكر المهدوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قيل له «طوى» لأن موسى طواه بالليل إذ مرّ به فارتفع إلى أعلى الوادي؛ فهو مصدر عمل فيه ما ليس من لفظه، فكأنه قال: «إِنك بِالوادِ المقدس» الذي طويته طوى؛ أي تجاوزته فطويته بسيرك. الحسن: معناه أنه قدّس مرتين؛ فهو مصدر من طويته طوى أيضاً. قوله تعالى: {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} أي اصطفيتك للرسالة. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ}. وقرأ حمزة «وَأَنَّا اخْتَرْنَاكَ». والمعنى واحد؛ إلا أنّ {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ}ها هنا أولى من جهتين: إحداهما: أنها أشبه بالخط، والثانية: أنها أولى بنسق الكلام؛ لقوله عز وجل: {يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} وعلى هذا النَّسق جرت المخاطبة؛ قاله النحاس. قوله تعالى: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} فيه مسألة واحدة ـ قال ابن عطية: وحدثني أبي ـ رحمه الله ـ قال: سمعت أبا الفضل الجوهري رحمه الله تعالى يقول: لما قيل لموسى صلوات الله وسلامه عليه: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع، وكان كل لباسه صوفاً. قلت: حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه فقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [الزمر: 18] وذم على خلاف هذا الوصف فقال: {أية : نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} تفسير : [الإسراء: 47] الآية. فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل، وأمر عباده بذلك أدباً لهم، فقال: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 204] وقال ها هنا: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى. روي عن وهب بن منبّه أنه قال: مِن أدب الاستماع سكون الجوارح وغَضّ البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى؛ وهو أن يكفّ العبد جوارحه، ولا يشغلها. فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغضّ طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحصر عقله فلا يُحدِّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم. وقال سفيان بن عُيينة: أوّل العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر؛ فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب، وجعل له في قلبه نوراً. قوله تعالى: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} فيه سبع مسائل: الأولى: اختلف في تأويل قوله: «لِذِكرِي» فقيل: يحتمل أن يريد لتذكرني فيها، أو يريد لأذكرك بالمدح في عليين بها، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول. وقيل: المعنى؛ أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة. وهذا تنبيه على عظم قدر الصلاة إذ هي تضرع إلى الله تعالى، وقيام بين يديه؛ وعلى هذا فالصلاة هي الذكر. وقد سمى الله تعالى الصلاة ذكراً في قوله: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 9]. وقيل: المراد إذا نسيت فتذكرت فصلِّ كما في الخبر «فليصلِّها إذا ذَكَرها». أي لا تسقط الصلاة بالنسيان. الثانية: روى مالك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذَكَرها فإن الله عز وجل يقول: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}»تفسير : . وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث حجاج بن حجاج ـ وهو حجاج الأول الذي روى عنه يزيد بن زُرَيع ـ قال: حدّثنا قتادة عن أنس بن مالك قال: «حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يرقد عن الصلاة ويغفل عنها قال: «كفارتها أن يصليها إذا ذكرها»» تفسير : تابعه إبراهيم بن طَهْمان عن حجاج، وكذا يروي همام بن يحيـى عن قتادة. وروى الدارقطنيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها» تفسير : فقوله: «فليصلِّها إذا ذكرها» دليل على وجوب القضاء على النائم والغافل، كثرت الصلاة أو قَلَّت، وهو مذهب عامّة العلماء. وقد حكي خلاف شاذ لا يعتد به، لأنه مخالف لنص الحديث عن بعض الناس فيما زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء. قلت: أمر الله تعالى بإقامة الصلاة، ونص على أوقات معينة، فقال: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسراء: 78] الآية وغيرها من الآي. ومن أقام بالليل ما أمر بإقامته بالنهار، أو بالعكس لم يكن فعله مطابقاً لما أمر به، ولا ثواب له على فعله وهو عاصٍ؛ وعلى هذا الحد كان لا يجب عليه قضاء ما فات وقته. ولولا قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذَكَرها»تفسير : لم ينتفع أحد بصلاة وقعت في غير وقتها، وبهذا الاعتبار كان قضاء لا أداء؛ لأن القضاء بأمر متجدّد وليس بالأمر الأول. الثالثة: فأما من ترك الصلاة متعمداً، فالجمهور أيضاً على وجوب القضاء عليه، وإن كان عاصياً إلا داود. ووافقه أبو عبد الرحمن الأشعري الشافعي، حكاه عنه ابن القصّار. والفرق بين المتعمد والناسي والنائم، حط المأْثَم؛ فالمتعمد مأثوم وجميعهم قاضون. والحجة للجمهور قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُواْ} ولم يفرق بين أن يكون في وقتها أو بعدها. هو أمر يقتضي الوجوب. وأيضاً فقد ثبت الأمر بقضاء النائم والناسي، مع أنهما غير مأثومين، فالعامد أولى. وأيضاً قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها» والنسيان الترك؛ قال الله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] و{أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [الحشر: 19] سواء كان مع ذهول أو لم يكن؛ لأن الله تعالى لا يَنْسى وإنما معناه تركهم و{أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} تفسير : [البقرة: 106] أي نتركها. وكذلك الذكر يكون بعد نسيان وبعد غيره. قال الله تعالى: (حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) تفسير : وهو تعالى لا ينسى فيكون ذكره بعد نسيان وإنما معناه عَلِمت. فكذلك يكون معنى قوله: «إذا ذكرها» أي علمها. وأيضاً فإن الديون التي للآدميين إذا كانت متعلقة بوقت، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها، وهي مما يسقطها الإبراء كان في ديون الله تعالى ألا يصح فيها الإبراء أولى ألا يسقط قضاؤها إلا بإذن منه. وأيضاً فقد اتفقنا أنه لو ترك يوماً من رمضان متعمداً بغير عذر لوجب قضاؤه فكذلك الصلاة. فإن قيل فقد روي عن مالك: من ترك الصلاة متعمداً لا يقضي أبداً. فالإشارة إلى أن ما مضى لا يعود، أو يكون كلاماً خرج على التغليظ؛ كما روي عن ابن مسعود وعليّ: أن من أفطر في رمضان عامداً لم يكفِّره صيام الدهر وإن صامه. ومع هذا فلا بد من توفية التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء، وإتباعه بالتوبة، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. وقد روى أبو المُطَوَّس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لم يجزه صيام الدهر وإن صامه» تفسير : وهذا يحتمل أن لو صح كان معناه التغليظ؛ وهو حديث ضعيف خرجه أبو داود. وقد جاءت الكفارة بأحاديث صحاح، وفي بعضها قضاء اليوم؛ والحمد لله تعالى. الرابعة: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من نام عن صلاة أو نسيها» تفسير : الحديث؛ يخصص عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ» تفسير : والمراد بالرفع هنا رفع المأثم لا رفع الفرض عنه، وليس هذا من باب قوله: «حديث : وعن الصبي حتى يحتلم»تفسير : وإن كان ذلك جاء في أثر واحد؛ فقف على هذا الأصل. الخامسة: اختلف العلماء في هذا المعنى فيمن ذكر صلاة فائتة وهو في آخر وقت صلاة، أو ذكر صلاة وهو في صلاة، فجملة مذهب مالك: أن من ذكر صلاة وقد حضر وقت صلاة أخرى، بدأ بالتي نسي إذا كان خمس صلوات فأدنى، وإن فات وقت هذه. وإن كان أكثر من ذلك بدأ بالتي حضر وقتها، وعلى نحو هذا مذهب أبي حنيفة والثوري والليث؛ إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: الترتيب عندنا واجب في اليوم والليلة إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت. فإن خشي فوات الوقت بدأ بها، فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب عندهم. وقد روي عن الثوري وجوب الترتيب، ولم يفرق بين القليل والكثير. وهو تحصيل مذهب الشافعي. قال الشافعي: الاختيار أن يبدأ بالفائتة ما لم يخف فوات هذه، فإن لم يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه. وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد واجب في صلاة ستين سنة فأكثر. وقال: لا ينبغي لأحد أن يصلي صلاة وهو ذاكر لما قبلها لأنها تفسد عليه. وروى الدَّارَقُطْني عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا ذكر أحدكم صلاة وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسي» تفسير : وعمر بن أبي عمر مجهول. قلت: وهذا لو صح كان حجة للشافعي في البداءة بصلاة الوقت. والصحيح ما رواه أهل الصحيح عن جابر بن عبد الله: «حديث : أن عمر يوم الخندق جعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالله إِنْ صَلَّيتُها» فنزلنا البطحان فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوضأنا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» تفسير : . وهذا نصٌّ في البداءة بالفائتة قبل الحاضرة، ولا سيما والمغرب وقتها واحد مضيَّق غير ممتد في الأشهر عندنا، وعند الشافعي كما تقدم. وروى الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله تعالى، فأَمر بالأذان بلالاً فقام فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. وبهذا استدل العلماء على أن من فاتته صلاة قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد. واختلفوا إذا ذكر فائتة في مضيَّق وقت حاضرة على ثلاثة أقوال: يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة، وبه قال مالك والليث والزهري وغيرهم كما قدّمناه. الثاني: يبدأ بالحاضرة وبه قال الحسن والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث والمحاسبي وابن وهب من أصحابنا. الثالث: يتخير فيقدم أيتهما شاء، وبه قال أشهب. وجه الأول: كثرة الصلوات ولا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة؛ قاله القاضي عياض. واختلفوا في مقدار اليسير؛ فعن مالك: الخمس فدون، وقد قيل: الأربع فدون لحديث جابر؛ ولم يختلف المذهب أن الست كثير. السادسة: وأما من ذكر صلاة وهو في صلاة؛ فإن كان وراء الإمام فكل من قال بوجوب الترتيب ومن لم يقل به (يقول)، يتمادى مع الإمام حتى يكمل صلاته. والأصل في هذا ما رواه مالك والدارقطني عن ابن عمر قال: «إذا نسي أحدكم صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليصلّ الصلاة التي نسي ثم ليعد صلاته التي صلّى مع الإمام» هذا لفظ الدارقطني؛ وقال موسى بن هارون: وحدثناه أبو إبراهيم التَّرْجُمانيّ، قال: حدثنا سعيد (به) ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووهم في رفعه، فإن كان قد رجع عن رفعه فقد وفق للصواب. ثم اختلفوا؛ فقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي صلى مع الإمام إلا أن يكون بينهما أكثر من خمس صلوات؛ على ما قدمنا ذكره عن الكوفيين. وهو مذهب جماعة من أصحاب مالك المدنيين. وذكر الخِرقِي عن أحمد بن حنبل أنه قال: من ذكر صلاة وهو في أخرى فإنه يتمها ويقضي المذكورة، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت واسعاً، فإن خشي خروج الوقت وهو فيها أعتقد ألاّ يعيدها، وقد أجزأته ويقضي التي عليه. وقال مالك: من ذكر صلاة وهو في صلاة قد صلى منها ركعتين سَلَّم من ركعتين، فإن كان إماماً انهدمت عليه وعلى من خلفه وبطلت. هذا هو الظاهر من مذهب مالك، وليس عند أهل النظر من أصحابه كذلك؛ لأن قوله فيمن ذكر صلاة في صلاة قد صلى منها ركعة أنه يضيف إليها أخرى ويسلّم. ولو ذكرها في صلاة قد صلى منها ثلاث ركعات أضاف إليها رابعة وسلّم، وصارت نافلة غير فاسدة ولو انهدمت عليه كما ذكر وبطلت لم يؤمر أن يضيف إليها أخرى، كما لو أحدث بعد ركعة لم يضف إليها أخرى. السابعة: روى مسلم «حديث : عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديث الميضأة بطوله، وقال فيه ثم قال: «أَمَا لكم فيّ أُسوة» ثم قال: «أَمَا إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها»» تفسير : وأخرجه الدارقطني هكذا بلفظ مسلم سواء، فظاهره يقتضي إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وحضور مثلها من الوقت الآتي؛ ويعضد هذا الظاهر ما أخرجه أبو داود من حديث عمران بن حُصَين، وذكر القصة وقال في آخرها: «فمن أدرك منكم صلاة الغَداة من غدٍ صالحاً فليقضِ معها مثلها». قلت: وهذا ليس على ظاهره، ولا تعاد غير مرة واحدة؛ لما رواه حديث : الدارقطني عن عِمران بن حصين قال: سرينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزاة ـ أو قال في سريّة ـ فلما كان وقت السحر عرَّسْنا، فما استيقظنا حتى أيقظَنا حرُّ الشمس، فجعل الرجل منا يَثِب فَزِعاً دَهِشاً، فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا فارتحلنا، ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، فقضى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالاً فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام فصلينا الغداة؛ فقلنا: يا نبي الله ألا نقضيهما لوقتهما من الغد؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم»»تفسير : . وقال الخطّابي: لا أعلم أحداً قال بهذا وجوباً، ويشبه أن يكون الأمر به استحباباً ليحرز فضيلة الوقت في القضاء. والصحيح ترك العمل لقوله عليه السلام: «حديث : أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم» تفسير : ولأن الطّرق الصحاح من حديث عِمران بن حُصَين ليس فيها من تلك الزيادة شيء، إلا ما ذكر من حديث أبي قتادة وهو محتمل كما بيناه. قلت: ذكر الحكاية الطبري في «أحكام القرآن» له أن من السلف من خالف قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» تفسير : فقال: يصبر إلى مثل وقته فليصل؛ فإذا فات الصبح فليصل من الغد. وهذا قول بعيد شاذ. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } آية مشكلة؛ فروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ «أَكَادُ أَخْفِيهَا» بفتح الهمزة؛ قال: أظهرها. {لِتُجْزَىٰ} أي الإظهار للجزاء؛ رواه أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل عن وِقَاء بن إياس عن سعيد بن جبير. وقال النحاس: وليس لهذه الرواية طريق غير هذا. قلت: وكذا رواه أبو بكر الأنباري في كتاب الرد؛ حدثني أبي حدثنا محمد بن الجهم حدثنا الفراء حدثنا الكسائي؛ ح ـ وحدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يوسف حدثنا يحيـى الحِمانيّ حدثنا محمد بن سهل. قال النحاس؛ وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيـى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد عن جبير: أنه قرأ «أَكَادُ أُخْفيها» بضم الهمزة. قلت: وأما قراءة ابن جبير «أَخْفِيهَا» بفتح الهمزة بالإسناد المذكور فقال أبو بكر الأنباري قال الفراء: معناه أظهرها من خفيت الشيء أخفيه إذا أظهرته. وأنشد الفراء لامرىء القيس:شعر : فإنْ تَدفِنُوا الدَّاءَ لا نَخْفِهِ وإنْ تَبعثُوا الحربَ لا نَقعُد تفسير : أراد لا نظهره؛ وقد قال بعض اللغويين: يجوز أن يكون «أخْفِيهَا» بضم الهمزة معناه أظهرها لأنه يقال: خَفيتُ الشيء وأَخفيته إذا أظهرتَه؛ فأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار. وقال أبو عبيدة: خَفيت وأَخفيت بمعنى واحد. النحاس: وهذا حسن؛ وقد حكاه عن أبي الخطّاب وهو رئيس من رؤساء اللغة لا يشك في صدقه؛ وقد روى عنه سيبويه وأنشد: شعر : وإِنْ تَكتُموا الداءَ لا نُخْفِهِ وإِنْ تَبعثُوا الحربَ لا نَقعُد تفسير : كذا رواه أبو عبيدة عن أبي الخطاب بضم النون. وقال امرؤ القيس أيضاً:شعر : خَفَاهنَّ من أنفاقِهنَّ كأنما خفاهنَّ وَدْقٌ من عَشِيِّ مُجَلِّبِ تفسير : أي أظهرهن. وروي: «من سحاب مركَّب» بدل «من عَشيٍّ مجلِّب». وقال أبو بكر الأنباري: وتفسير للآية آخر: «إِن الساعة آتية أكاد» انقطع الكلام على «أكاد» وبعده مضمر أكاد آتي بها، والابتداء «أُخفيها لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ». قال ضابىء البُرْجميّ: شعر : هَممْتُ ولم أَفعلْ وكِدتُ وليتَنِي تَركتُ على عثمانَ تَبْكِي حَلاَئِلُهْ تفسير : أراد وكدت أفعل، فأضمر مع كدت فعلاً كالفعل المضمر معه في القرآن. قلت: هذا الذي اختاره النحاس؛ وزيف القول الذي قبله فقال يقال: خَفى الشيءَ يخفيه إذا أظهره، وقد حكى أنه يقال: أخفاه أيضاً إذا أظهره، وليس بالمعروف؛ قال: وقد رأيت علي بن سليمان لما أشكل عليه معنى «أُخْفيها» عدل إلى هذا القول، وقال: معناه كمعنى «أَخْفيها». قال النحاس: ليس المعنى على أظهرها ولا سيما و«أَخْفيها» قراءة شاذة، فكيف تردّ القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة، ومعنى المضمر أولى؛ ويكون التقدير: إن الساعة آتية أكاد آتي بها؛ ودل «آتية» على آتي بها؛ ثم قال: «أُخْفيها» على الابتداء. وهذا معنى صحيح؛ لأن الله عز وجل قد أخفى الساعة التي هي القيامة، والساعة التي يموت فيها الإنسان ليكون الإنسان يعمل، والأمر عنده مبهم، فلا يؤخر التوبة. قلت: وعلى هذا القول تكون اللام في «لِتجزى» متعلقة بـ«ـأُخفِيها». وقال أبو علي: هذا من باب السلب وليس من باب الأضداد، ومعنى «أُخفِيها» أزيل عنها خفاءها، وهو سترها كخِفاء الأخفية (وهي الأكسية) والواحد خفاء بكسر الخاء (ما تلف به) القربة، وإذا زال عنها سترها ظهرت. ومن هذا قولهم: أشكيته، أي أزلت شكواه، وأعديته أي قبلت استعداءه ولم أحوجه إلى إعادته. وحكى أبو حاتم عن الأخفش: أن «كاد» زائدة مؤكدة. قال: ومثله {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه. وروي معناه عن ابن جبير، والتقدير: إن الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. وقال الشاعر:شعر : سريعٌ إِلى الهيجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ فما إِنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتنفَّسُ تفسير : أراد فما يتنفَّس. وقال آخر:شعر : وأَلاَّ ألوم النفسَ فيما أصابني وألاَّ أكاد بالذي نِلتُ أَنجحُ تفسير : معناه: وألا أنجح بالذي نلت؛ فأكاد توكيد للكلام. وقيل: المعنى «أَكَادُ أُخْفِيهَا» أي أقارب ذلك؛ لأنك إذا قلت: كاد زيد يقوم، جاز أن يكون قام، وأن يكون لم يقم. ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب. قال اللغويون: كدت أفعل معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل معناه: فعلت بعد إبطاء. وشاهده قول الله عزت عظمته {أية : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [البقرة: 71] معناه: وفعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم. وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بأكاد. وقيل: معنى {أَكَادُ أُخْفِيهَا} أريد أخفيها. قال الأنباري: وشاهد هذا القول الفصيح من الشعر:شعر : كادتْ وكِدتُ وتِلكَ خيرُ إِرادةٍ لو عَادَ من لَهْوِ الصَّبابةِ ما مَضَى تفسير : معناه: أرادت وأردت. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين فيما ذكره الثعلبي: إن المعنى أكاد أخفيها من نفسي؛ وكذلك هو في مصحف أبيّ. وفي مصحف ابن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق. وفي بعض القراءات: فكيف أظهرها لكم. وهذا محمول على أنه جاء على ما جرت به عادة العرب في كلامها، من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من نفسي. والله تعالى لا يخفى عليه شيء؛ قال معناه قطرب وغيره. والله أعلم. وقال الشاعر:شعر : أيامَ تَصحبني هند وأخبرُهَا ما أَكتم النفسَ من حَاجِي وأَسْرَارِي تفسير : فكيف يخبرها بما تكتم نفسه. ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» تفسير : الزمخشري وقيل معناه: أكاد أخفيها من نفسي، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف؛ ومحذوف لا دليل عليه مُطرَّح، والذي غرهم منه أن في مصحف أبيّ: أكاد أخفيها من نفسي؛ وفي بعض المصاحف: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها. قلت: وقيل إن معنى قول من قال أكاد أخفيها من نفسي؛ أي إن إخفاءها كان من قِبلي ومن عندي لا من قِبل غيري. وروي عن ابن عباس أيضاً: أكاد أخفيها من نفسي؛ ورواه طلحة بن عمرو عن عطاء. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا أظهر عليها أحداً. وروي عن سعيد بن جبير قال: قد أخفاها. وهذا على أن كاد زائدة. أي إن الساعة آتية أخفيها، والفائدة في إخفائها التخويف والتهويل. وقيل: تعلق «لتجزى» بقوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} فيكون في الكلام تقديم وتأخير؛ أي أقم الصلاة لتذكرني. «لِتُجْزَى كل نفسٍ بِما تسعى» أي بِسعيها {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. والله أعلم. وقيل: هي متعلقة بقوله: «آتية» أي إن الساعة آتية لتجزى. {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} أي لا يصرفنك عن الإيمان بها والتصديق لها {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}. {فَتَرْدَىٰ } أي فتهلك. وهو في موضع نصب بجواب النهي.

البيضاوي

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } قفى تمهيد نبوته صلى الله عليه وسلم بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة وتبليغ الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل.

ابن كثير

تفسير : من هنا شرع تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحي إليه، وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله قيل: قاصداً بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطريق، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلاً بين شعاب وجبال في برد وشتاء وسحاب وظلام وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليوري ناراً كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئاً، ولا يخرج منه شرر ولا شيء، فبينا هو كذلك، إذ آنس من جانب الطور ناراً، أي: ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: {إِنِّىۤ ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّىۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} أي: شهاب من نار. وفي الآية الأخرى: {أية : أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ ٱلْنَّارِ} تفسير : [القصص: 29] وهي الجمر الذي معه لهب {أية : لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}تفسير : [القصص: 29] دل على وجود البرد. وقوله: {بِقَبَسٍ} دل على وجود الظلام، وقوله: {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى} أي: من يهديني الطريق، دل على أنه قد تاه عن الطريق، كما قال الثوري عن أبي سعيد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى} قال: من يهديني إلى الطريق، وكانوا شاتين، وضلوا الطريق، فلما رأى النار قال: إن لم أجد أحداً يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار توقدون بها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهَلْ } قد {أَتَٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} أي قد أتاك حال موسى فيما اجتباه ربه لنبوته وحمله من رسالته. واحتمل ذلك أن يكون ذلك بما قصه عليه في هذا الموضع، واحتمل أن يكون بما عرفه في غيره. {إِذْ رَءَا نَاراً} وكانت عند موسى ناراً، وعند الله نوراً، قال مقاتل: وكانت ليلة الجمعة في الشتاء. {فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ} أي أقيموا. والفرق بين المكث والإقامة أن الإقامة تدوم والمكث لا يدوم. {إِنِّي أَنَسْتُ نَاراً} فيه وجهان: أحدهما: رأيت ناراً. والثاني: إني آنست بنار. {لَّعَلِّي ءَآتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ} أي بنار تصطلون بها. {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً} فيه وجهان: أحدهما: هادياً يهديني الطريق، قاله قتادة. والثاني: علامة أستدل بها على الطريق. وكانوا قد ضلوا عنه فمكثوا بمكانهم بعد ذهاب موسى ثلاثة أيام حتى مر بهم راعي القرية فأخبره بمسير موسى، فعادوا مع الراعي إلى قريتهم وأقامواْ بها أربعين سنةً حتى أنجز موسى أمر ربه.

ابن عطية

تفسير : هذا الأستفهام هو توقيف مضمنه تنبيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدأ الرجل إذا أدرت إخباره بأمر غريب فتقول أعلمت كذا وكذا، ثم تبدأ تخبره. والعامل في {إذ} ما تضمنه قوله {حديث} من معنى الفعل، وتقديره {وهل أتاك} ما فعل موسى {إذ رأى ناراً} أو نحو هذا، وكان من قصة موسى عليه السلام أنه رحل من مدين بأهله بنت شعيب وهو يريد أرض مصر وقد طالت مدة جنايته هنالك فرجاً عن طريقه في ليلة مظلمة وندية ويروى أنه فقد الماء فلم يدر أين يطلبه فبينما هو كذلك وقد قدح بزنده فلم يور شيئاً {إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا} أي أقيموا، وذهب هو إلى النار فإذا هي مضطرمة في شجرة خضراء يانعة قيل كانت من عناب، وقيل من عوسج، وقيل من عليقة، فلما دنا منها تباعدت منه ومشت، فإذا رجع عنها اتبعته فلما رأى ذلك أيقن أن هذا أمر من أمور الله تعالى الخارقة للعادة، وانقضى أمره كله في تلك الليلة، هذا قول الجمهور وهوالحق، وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: أقام في ذلك الأمر حولاً ومكثه أهله ع: وهذا غير صحيح عن ابن عباس وضعيف في نفسه. و {آنست} معناه أحسست ومنه قول الحارث بن حلزة: [الخفيف] شعر : آنست نبأة وروعها القَنْــــ ناص ليلاً وقد دنا الإمساء تفسير : والنار على البعد لا تحس إلا بالأبصار، فلذلك فسر بعضهم اللفظ برأيت، و"آنس" أعم من {رأى} لأنك تقول آنست من فلان خيراً أو شراً. و"القبس" الجذوة من النار تكون على رأس العود أو القصبة أو نحوه، و"الهدى" أراد الطريق، أي لعلي أجد ذا هدى أي مرشداً لي أو دليلا، وان لم يكن مخبراً. و"الهدى" يعم هذا كله وإنما رجا موسى عليه السلام هدى نازلته فصادف الهدى على الإطلاق، وفي ذكر قصة موسى بأسرها في هذه السورة تسلية للنبي عما لقي في تبليغه من المشقات وكفر الناس فإنما هي له على جهة التمثيل في أمره. وروي عن نافع وحمزة "لأهلهُ امكثوا" بضمة الهاء وكذلك في القصص، وكسر الباقون الهاء فيهما. وقوله تعالى {فلما أتاها} الضمير عائد على النار، وقوله {نودي} كناية عن تكليم الله له، وفي {نودي} ضمير يقوم مقام الفاعل، وإن شئت جعلته موسى إذ قد جرى ذكره، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "إني" بكسر الألف على الإبتداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "أني" بفتح الألف على معنى "لأجل أني" {أنا ربك فاخلع نعليك}، و {نودي} قد توصل بحرف الجر وأنشد أبو علي: [الكامل] شعر : ناديت باسم ربيعة بن مكدم ان المنوه باسمه الموثوق تفسير : واختلف المتأولون في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين، فقالت فرقة كانتا من جلد حمار ميت فأمر بطرح النجاسة، وقالت فرقة بل كانت نعلاه من جلد بقرة ذكي لكن أمر بخلعها لينال بركة الوادي المقدس وتمس قدماه تربة الوادي، وتحتمل الآية معنى آخر هو الأليق بها عندي، وذلك أن الله تعالى أمره أن يتواضع لعظم الحال التي حصل فيها، والعرف عند الملوك أن تخلع النعلان ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه، ولا نبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها، و {المقدس} معناه المطهر، و {طوى} معناه مرتين مرتين، فقالت فرقة معناه قدس مرتين، وقالت فرقة معناه طويته أنت، أي سرت به، أي طويت لك الأرض مرتين من طيك، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "طوىً" بالتنوين على أنه اسم المكان، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "طوى" على أنه اسم البقعة دون تنوين، وقرأ هؤلاء كلهم بضم الطاء، وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو بكسر الطاء، وقرأت فرقة "طاوي" وقالت فرقة هو اسم الوادي، و"طوى" على التأويل الأول بمنزلة قولهم ثنى وثنى أي مثنياً، وقرأ السبعة غير حمزة "وأنا اخترتك" ويؤيد هذه القراءة تناسبها مع قوله {أنا ربك} وفي مصحف أبي بن كعب "وأني اخترتك"، وقرأ حمزة "وأنّا اخترناك" بالجمع وفتح الهمزة وشد النون، والآية على هذا بمنزلة قوله {أية : سبحان الذي أسرى بعبده} تفسير : [الأسراء: 1] ثم قال {أية : وآتينا} تفسير : [الإسراء: 2] فخرج من إفراد إلى جمع، وقرأت فرقة وإنا اخترناك" يكسر الألف. قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت أبا الفضل بن الجوهري يقول: لما قيل لموسى {فاستمع} وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع وكان كل لباسه وصوفاً. وقرأت فرقة "بالواد المقدس طاوي" وقوله {وأقم الصلاة لذكري} يحتمل أن يريد لتذكيري فيها أو يريد لأذكرك في عليين بها فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول واللام لام السبب، وقالت فرقة معنى قوله {لذكري} أي عند ذكري إذا ذكرتني وأمري لك بها، فاللام على هذا بمنزلتها في قوله {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس} تفسير : [الإسراء: 78] وقرأت فرقة "للذكرى"، وقرأت فرقة "لذكرى" بغير تعريف، وقرأت فرقة "للذكر".

ابن عبد السلام

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} باصطفائه للنبوة وتحميله للرسالة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدىً} هذا الاِسْتفهام توقيفٌ مضمنه: تَنْبِيه النفس إلى ٱسْتماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدَأُ الرجل إذا أَردْتَ إخْبَارَه بأَمْرٍ غَرِيبٍ؛ فتقول: أعلمْتَ كذا، وكذا، ثم تبدأ تخبره. وكان من قصّة مُوسَىٰ - عليه السلام - أنه رحل من مَدْيَن بأهله بِنْت شُعَيْب - عليه السلام - وهو يريدُ أَرض مِصْر، وقد طالت مُدَّة جِنَايته هُنَالِكَ، فَرَجَا خَفَاءَ أمْره، وكان فيما يزعمون رَجُلاً غَيُوراً، فكان يَسِيرُ الليلَ بأهْلِهِ، وَلاَ يَسِيرُ بالنهار مخافةَ كشفة الناسِ، فَضَلَّ عن طريقه في لَيْلَةٍ مُظْلمة، فبينما هو كذلك، وقد قَدَحَ بزنده، فلم يُورِ شَيْئاً {إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ}، أيْ: أقِيموا، وذهب هو إلى النار، فإذا هي مُضْطَرِمةٌ في شَجَرةٍ خَضْرَاءَ يانِعةٍ، قيل: كانت من عُنَّابٍ، وقِيلَ: من عَوْسَج، وقِيلَ: من عُلَّيْقٍ، فكلَّما دَنَا مِنْها، تباعَدَتْ منه، ومَشَتْ فإذا رجع عنها اتَّبعَتْهُ، فلما رأَى ذَلِكَ أَيقنَ أَنَّ هذا مِنْ أُمُورِ اللّه الخَارِقَةِ للعادة، ونُودِي، وٱنْقَضَىٰ أَمْرُه كُلّه في تلك الليلة؛ هذا قول الجُمْهُورِ، وهو الحقُّ، وما حُكِيَ عن ابنِ عباسٍ: أنَّه قال: أَقامَ في ذلك الأَمْرِ حَوْلاً، فغيرُ صَحِيحٍ عن ابن عباس. و{آنَسْتُ}: معناه: أَحْسَسْتُ، والقَبَسُ: الجذْوةُ من النار، تكون على رَأْس العُودِ. والهُدَى: أراد هُدَى الطريقِ، أَيْ: لعلي أَجِدُ مرشداً لي، أوْ دليلاً. وفي قِصَّة مُوسَىٰ بأسْرها في هذه السورة تسْلِيةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم عما لَقِيَ في تَبْلِيغه من المَشَقَّاتِ صلى الله عليه وسلم والضميرُ في قوله: {أتَاهَا}: عائِدٌ على النار. وقوله: «نُودي»: كنايةٌ عن تَكْلِيم اللّه تعالى له (عليه السلام). وقرأَ نَافِعٌ وغيرُه: إنِّي ـــ بكسر الهمزة ـــ على الابْتداءِ، وقرأَ أَبُو عَمْرو، وٱبْنُ كَثِير: «أَنِّي» ـــ بفتحها ـــ على معنى: لأَجل أَنِّي أَنا رَبُّك، فَاخْلَعْ نعليك. واخْتُلِفَ في السبب الذي مِنْ أَجْله أُمِرَ بخلْعِ النعلين: فقالتْ فِرْقَةٌ: كَانَتَا من جِلْد حَمِارٍ مَيِّتٍ، فأُمِرَ بِطَرْحِ النَّجَاسَةِ. وقالت فرقةٌ: بل كَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ بقَرَةٍ ذَكِيّ؛ لكن أُمِر بخلعهما لينَالَ بركَةَ الوَادِي المُقدَّسِ، وتمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوَادِي. قال * ع *: وتحتمل الآيةُ مَعْنًى آخَرَ، هو الأَليقُ بها عِنْدِي؛ وهو: أَن اللّه تعالى أمرَه أنْ يتأدَّبَ، ويتَوَاضَعَ؛ لعظم الحَالِ الَّتي حَصَلَ فيها، والعُرْف عِنْد المُلُوكِ: أَنْ تُخلَعَ النَّعْلاَنِ، ويبلغُ الإنْسان إلَى غاية تَوَاضُعِهِ، فكأَنَّ مُوسَىٰ - عليه السلام - أُمِر بذلك عَلَى هذا الوجه، وَلاَ نُبَالِي كيفَ كَانَتْ نَعْلاَهُ من ميتة أوْ غيرها. و {ٱلْمُقَدَّسِ}: معناه المطهَّرُ، و {طُوىً}: معناه مَرَّتَيْنِ. فقالت فرقةٌ: معناه قُدِّسَ مرتيْنِ، وقالت فِرْقةٌ: معناه طُوِيَتْ لك الأَرْضُ مَرَّتَيْنِ من ظنك. قال الفَخْرُ: وقِيلَ: إنَّ طُوًى ٱسْم وادٍ بالشام، وهو عند الطُّورِ الذي أَقْسم اللّه به في القرآن. وقيل: إنَّ {طُوىً} بمعنى: يَا رَجُلُ، بالعَبْرَانِيَّةِ، كأنه قِيلَ: يا رجل ٱذْهَبْ إلَى فِرْعون. انتهى. «من تفسيره لسورة والنازعات». قال * ع *: وحدثني أَبِي - رحمه اللّه - قال: سمعت أَبا الفضل بْنَ الجوهري - رحمه اللّه تعالى - يقول: لما قِيل لموسى: استمع لما يُوحَىٰ، وقف على حَجَرٍ، واستند إلَى حَجَرٍ، ووضع يَمِينه عَلَى شِمَالِه وأَلْقى ذَقَنَهُ على صَدْرِه، ووقف يستمع، وكان كُلُّ لباسه صُوفاً. وقوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِي}: يحتمل أن يريدَ: لِتَذْكُرَنِي فيها، أوْ يريد: لأَذْكركَ في عِلِّيَينَ بها، فالمصدرُ محتمل الإضافة إلى الفَاعِل، أَوِ المفعول. وقالت فِرْقةٌ: معنى قولهِ {لِذِكْرِي} أيْ: عند ذِكْرى، أَيْ: إذا ذكرتني، وأمري لك بها. * ت *: وفي الحديث عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مَنْ نَسِيَ صَلاَةً، فَلُيصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا؛ فَإنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا؛ قَالَ اللّهُ تَعَالَى: {أقِمِ الصَّلَوٰةَ لِذِكْرَي}»تفسير : . انتهى. فقد بيَّن له صلى الله عليه وسلم ما تحتمله الآيةُ، واللّهُ الموفِّقُ بفضله؛ وهكذا استدل ابنُ العربي هنا بالحديثِ، ولفظه: وقد رَوَى مَالَكٌ وغيرُه: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نسِيَهَا، فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَهَا؛ فَإنَّ اللّهَ تَعَالَىٰ يَقُولُ: {أَقِمِ الصَّلَوٰةَ لِذِكْرَي}»تفسير : . انتهى. من «الأحكام». وقرأت فرقةٌ: «لِلذِّكْرَىٰ»، وقرأتْ فرقةٌ: «لِلذِّكْرِ»، وقرأتْ فرقةٌ: «لِذِكْرَى» بغيرِ تعرِيف.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ إِذْ رَأَى نَاراًً}... الآية: لما عظم حال القرآن، وحال الرسول عليه السلام بما كلَّفه أتبع ذلك بما يقوي قلبَ رسوله من ذكر أحوال الأنبياء تقوية لقلبه في الإبلاغ، كقوله تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [هود: 120]. وبدأ بموسى لأن فتنته كانت أعظم (ليتسَلَّى قلبُ الرسول عليه السلام بذلك، ويصبر على تحمل المكاره. قوله: "وَهَلْ أَتَاكَ" يحتمل أن يكون هذا أول ما أخبر به من أمر موسى فقال: "وَهَلْ أَتَاكَ" أي لم يأتك إلى الآن) وقد أتاك الآن فتنبه له، وهذا قول الكلبي. ويحتمل أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال: أليس قد أتاك، وهذا قول مقاتل والضحاك عن ابن عباس، وهذا وإن كان على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز على الله تعالى لكن المقصود منه تقرير الخبر في قلبه، وهذه الصورة أبلغ في ذلك كقولك لصاحبك: هَلْ بلغكَ عني كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة ما يرمي إليه، ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قِبَل موسى لا من قِبَل الله (تعالى). قوله: "إذْ رَأَى" يجوز أن يكون منصوباً بالحديث وهو الظاهر ويجوز أن ينتصب بـ (اذكر) مقدراً قاله أبو البقاء. أو بمحذوف بعده، أي إذا رأى ناراً كان كيت وكيت كما قاله الزمخشري. و "هَلْ" على بابها من كونها استفهام تقرير. وقيل: بمعنى قد. وقيل: بمعنى النفي. وقرأ "لإِهْلِهُ امْكُثُوا" بضم الهاء حمزة، وقد تقدم أنه الأصل وهو لغة الحجاز. وقاله أبو البقاء: إن الضم (للإتباع). قوله: "آنَسْتُ" أي أبصرت، والإيناس: الإبصار والتبيُّن ومنه إنسان العين، لأنه يبصر به الأشياء، والإنس لظهورهم كما قيل: الجن لاستتارهم. وقيل: هو الوجدان. وقيل: هو الإحساس فهو أعم من الإبصار. وأنشدوا للحارث بن حلزة: شعر : 3642- آنَسْتُ نَبْأَةً وَأَفْزَعَهَا القُنـ ـنَاصُ عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْسَاءُ تفسير : والقَبَس: الجَذْوَةُ من النار، وهي الشعلة في رأس عود أو قصبة ونحوهما وهو فعلٌ بمعنى مفعول كالقَبَض والنَّفَض بمعنى المقبوض والمنفوض. ويقال: أَقْبَسْتُ الرجلَ علماً، وَقَبَسْتُه ناراً، ففرقوا بينهما، هذا قول المبرد. وقال الكسائي: إن فعل وأَفْعَل يقالان في المعنيين فيقال: قَبَسْتُه ناراً وعِلماً وأَقْبَستُهُ أيضاً (ناراً وعلماً). وقوله: "مِنْهَا" يجوز أن يتعلق (بـ "آتِيكُمْ" أو) بمحذوف على أنه حال من "قَبَس" وأما بعضهم ألف "هُدًى" وقفاً، والجيد أن لا تُمال، لأن الأشهر أنها بدل من التنوين. فصل قال المفسرون: استأذن موسى شعيباً في الرجوع من مَدْيَنَ إلى مصر لزيارة والدته وأخته، فأذن له، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام. فولدت امرأته في ليلة شاتية، وكانت ليلة الجمعة فألجأه السير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، فقدح زنده فلم يورِهِ، فبينما هو في مزاولة ذلك إذ أبصر ناراً من بعيد على يسار الطريق من جانب الطور. قال السُّدي: فظن أنها نارٌ من نيران الرعاة. وقال آخرون: إنه عليه السلام رآها في شجرة وليس في القرآن ما يدل على ذلك. وقال بعضهم: الذي رآه لم يكن ناراً (بل تخيله ناراً) والصحيح أنه رأى ناراً ليكون صادقاً في خبره، إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء. قيل: النار أربعة أقسام: نارٌ تأكل ولا تشرب، وهي نار الدنيا. ونارٌ تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر لقوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} تفسير : [يس: 80]. ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة. ونارٌ لا تأكل ولا تشرب، وهي نار موسى عليه السلام. وقيل أيضاً: النار أربعة: أحدها: نارٌ لها نور بلا حرقة، وهي نار موسى عليه السلام. ونارٌ لها حرقة بلا نور، وهي نار جهنم. ونارٌ لها حرقة ونور، وهي نار الدنيا. ونار لا حرقة لها ولا نور وهي نار الأشجار. فلما أبصر النار "قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا" يجوز أن يكون هذا الخطاب للمرأة وولدها والخادم. ويجوز أن يكون للمرأة وحدها خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على الجمع وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجمع تفخيماً، أي: أقيموا في مكانكم. {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً}. أي أبصرتُ ناراً، والإيناس: الإبصار وقيل: إبصار ما يُؤنَسُ بِهِ ولما وجد الإيناس - وكان منتفياً - حقيقة لهم أتى بكلمة "إنِّي" ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقَبَس ووجود الهدى مترقبين متوقعين بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع، فقال: "لَعَلِّي" ولم يقطع فيقول: إنِّي آتيكُمْ، لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به، والنكتة فيه أن قوماً قالوا: كَذَبَ إبراهيمُ للمصلحة وهو محال، لأن موسى عليه السلام قبل نبوته احترز فلم يقل: إِنِّي آتِيْكُمْ، بل قال "لَعَلِّي آتِيكُمْ". والقَبَسُ: النارُ المقتبسةُ في رأس عودٍ أو فتيلةٍ أو غيرهما. {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى} أي ما يهتدي به وهو اسم مصدر، فكأنه قال: أجِدُ على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة. ومعنى الاستعلاء على النار: (أَنَّ أهلَ النارِ) يستعلون المكان القريب منها، ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها مشرفين عليها، فكأنه قال: أُجِدُ على النارِ مَنْ يَدُلُّنِي. "فَلَمَّا أتَاهَا" أي النار، قال ابن عباس: رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها أطافت بها نار بيضاء تتّقد كأضوأ ما يكون فوقف متعجباً من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا النار تغير خضرتها، ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار. قال ابن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء. وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت من العَوْسَج. وقال وهب: كانت من العُلَّيْق. وقيل: كانت من العِنَّاب. قال أكثر المفسرين: إنَّ الذي رآه موسى لم يكن ناراً بل كان نورَ الربِّ (تبارك وَتَعالى) ذُكِرَ بلفظ النار، لأن موسى عليه السلام حسبه ناراً فلما دَنَا مِنْها سمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً. قال وهب: ظن موسى أنها نار أوقدت، فأخذ من دقاق الحطب وهو الحشيش اليابس ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده، فتأخر عنها وهابَها، ثم لم تزل تطعمه، ويطمع فيها، ثم لم يكن بأسرع من خمودها كأنها لم تكن ثم رمى موسى ببصره إلى فروعها، فإذا خضرتها ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يديه على عينيه، فنودي يا موسى. قال القاضي: الذي يروى من أن الزند ما كان يروى فجائز، وما رُوِي من أن النار كانت تتأخر عنه، فإن كانت النبوة قد تقدمت له جاز ذلك وإلا فهو ممنوع إلاَّ أن يكون معجزة لغيره من الأنبياء، لأن قوله: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} تفسير : [طه:13] دليل على أنه إنما أوحي إليه في هذه الحالة، وجعله نبيًّا. وعلى هذا يبعدُ ما ذكروه من تأخر النار عنه وبيَّنَ فسادَ ذلك، قوله تعالى: فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيََ} ولو كانت تتأخر عنه حالاً بعد حالٍ لَمَا صحَّ ذلك، ولَمَا بقي لفاء التعقيب فائدة. والجواب: أنَّ القاضي بَنَى هذا الاعتراضَ على مذهبه في أنَّ الإرهاص غير جائز. وذلك باطل، فبطلَ قوله، وأمَّا التمسُّك بفاء التعقيب فقريب، لأنَّ تخللَ الزمان القليل بين المجيء والنداء لا يقدح في فاء التعقيب. قوله: "نودي" القائم مقام الفاعل ضمير موسى. وقيل: ضميرُ المصدر، أي نُودِي النداء، وهو ضعيف. ومنعُوا أنْ يكون القائم مقامه الجملة من "يا مُوسَى"، لأن الجملةَ لا تكونُ فاعلاً.

ابو السعود

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير أمر التوحيدِ الذي إليه انتهى مَساقُ الحديث وبـيانِ أنه أمرٌ مستمرّ فيما بـين الأنبـياء كابراً عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه الصلاة والسلام حيث قيل له: { أية : إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ} تفسير : [طه: 14] وبه ختَم عليه الصلاة والسلام مقالَه حيث قال: { أية : إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [طه: 98] وأما ما قيل من أن ذلك لترغيب النبـيِّ عليه الصلاة والسلام في الائتساء بموسى عليه الصلاة والسلام في تحمل أعباءِ النبوة والصبرِ على مقاساة الخطوبِ في تبليغ أحكامِ الرسالة، فيأباه أن مساقَ النظمِ الكريم لصرفه عليه الصلاة والسلام عن اقتحام المشاقِّ، وقوله تعالى: {إِذْ رَأَى نَاراً} ظرفٌ للحديث، وقيل: لمضمر مؤخّر أي حين رأى ناراً كان كيتَ وكيت، وقيل: مفعولٌ لمضمر مقدّم أي اذكرْ وقتَ رؤيته ناراً. روي أنه عليه الصلاة والسلام استأذن شعيباً عليهما الصلاة والسلام في الخروج إلى أمّه وأخيه فخرج بأهله وأخذ على غير الطريق مخافةً من ملوك الشام، فلما وافىٰ واديَ طُوًى وهو الجانبُ الغربـيُّ من الطور وُلد له وَلدٌ في ليلة مظلمةٍ شاتية مُثلجة وكانت ليلةَ الجمعة وقد ضل الطريقَ وتفرّقت ماشيتُه ولا ماءَ عنده، وقَدَح فصَلَد زندُه، فبـينما هو في ذلك إن رأى ناراً على يسار الطريق من جانب الطور {فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ} أي أقيموا مكانَكم، أمرهم عليه الصلاة والسلام بذلك لئلا يتْبعوه فيما عزم عليه عليه الصلاة والسلام من الذهاب إلى النار كما هو المعتادُ، لا لئلا ينتقلوا إلى موضع آخرَ فإنه مما لا يخطُر بالبال، والخطابُ للمرأة والولدِ والخادمِ، وقيل: لها وحدها والجمعُ إما لظاهر لفظ الأهلِ أو للتفخيم كما في قول مَنْ قال: [الطويل] شعر : وإن شئتِ حرمتُ النساءَ سواكمُ تفسير : {إِنّى آنَسْتُ نَاراً} أي أبصرتُها إبصاراً بـيّناً لا شُبهةَ فيه، وقيل: الإيناسُ خاصٌّ بإبصار ما يؤنَس به والجملةُ تعليلٌ للأمر أو المأمورِ به {لَّعَلِّى ءًاتِيكُم مِّنْهَا} أي أجيئكم من النار {بِقَبَسٍ} أي بشُعلة مقتبَسةٍ من معظم النارِ وهي المُرادةُ بالجذوة في سورة القَصص وبالشهاب القبسُ {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى} هادياً يدلني على الطريق على أنه مصدرٌ سمّي به الفاعلُ مبالغةً، أو حُذف منه المضافُ أي ذا هدايةٍ، أو على أنه إذا وُجد الهادي فقد وجد الهُدى، وقيل: هادياً يهديني إلى أبواب الدين فإن أفكارَ الأبرارِ معمورةٌ بالهمّة الدينية في عامة أحوالِهم لا يشغَلهم عنها شاغلٌ، والأولُ هو الأظهرُ لأن مساقَ النظمِ الكريم لتسلية أهلِه، وقد نُصّ عليه في سورة القَصص حيث قيل: { أية : لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ } تفسير : [القصص: 29]، وكلمةُ أو في الموضعين لمنع الخلوِّ دون منْعِ الجمعِ، ومعنى الاستعلاء في قوله تعالى: {عَلَى ٱلنَّارِ} أن أهلَ النارِ يستعلون المكانَ القريب منها أو لأنهم عند الاصطلاءِ يكتنفونها قِياماً وقعوداً فيُشرفون عليها. ولما كان الإتيانُ بهما مترقَّباً غيرَ محقَّقِ الوقوعِ صُدّر الجملة بكلمة الترجي، وهي إما علةٌ لفعل قد حذف ثقةً بما يدل عليه من الأمر بالمُكث والإخبار بإيناس النارِ وتفادياً عن التصريح بما يوحشهم، وإما حالٌ من فاعله أي فأَذهب إليها لآتيَكم أو كي آتيَكم أو راجياً أن آتيَكم منها بقبس.. الآية، وقد مر تحقيق ذلك مفصلاً في تفسير قوله تعالى: { أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 21].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ إِذْ رَأَى نَاراً} [الآية: 9-10]. قال الواسطى: موسى خطرت بحسه الخطوط فى أخذ نار فقال النور فلا ينبغى لأحد أن ييئس من نفسه جوله من شاهد الحظ إلى شاهد الحق.

القشيري

تفسير : سؤال في صيغة الاستفهام والمراد منه التقرير والإثبات. وأجرى - تعالى - سُنَّتَه في كتابه أن يذكر قصة موسى عليه السلام في أكثر المواقع التي يذكر فيها حديث نبينا صلى الله عليه وسلم, فيعقبه بذكر موسى عليه السلام.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهل اتاك حديث موسى} يحتمل ان يكون اول ما اخبر الله به من امر موسى فان السورة من اوائل ما نزل فيكون الاستفهام للانكار اى لم يأتك الى الآن خبر موسى وقصته وقد اتاك الآن بطريق الوحى فتنبه له واذكر لقومك ما فيه من امر التوحيد ونحوه يحتمل انه قد اتاه ذلك سابقا فيكون استفهام تقرير فكأنه قال قد اتاك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيهًا على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف؛ لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارًا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. هـ. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مَسَاق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرًا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: {إِنني أنا الله لا إِله إِلا أنا فاعبدني}، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال: {أية : إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [طه: 98]، ثم ردَّ مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و {هل}: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و {إذ رأى}: ظرف للحديث؛ لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهل أتاك حديثُ موسى}: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرًا لأمر التوحيد، {إِذْ راى نارًا} تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبًا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافةً من ملوك الشام، فلما وافى وادي طُوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، وُلد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدحَ النار فلم تُورِ المِقْدَحة. فبينما هو في ذلك {إِذْ رأى نارًا} على يسار الطريق من جانب الطور، {فقال لأهله امكثوا} أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك؛ لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، {إِني آنستُ} أي: أبصرت {نارًا}، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يُؤنس به. {لعلّي آتيكم منها بقَبَس} أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، {أو أجدُ على النار هُدىً}؛ هاديًا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و {أوْ} في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع؛ إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديًا. ومعنى الاستعلاء في قوله: {على النار}؛ لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدَّر الجملة بكلمة الترجي. {فلما أتاها} أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نارٌ بيضاء، تتَقِدُ كأضوء ما يكون، فوقف متعجبًا من شدة ضوئها، رُوي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سَمُرَة... بينما هو ينظر، {نُودي} فقيل: {يا موسى إِني أنا ربك}، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير؛ لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: مَن المتكلم؟ فقال الله عزّ وجلّ: {أنا ربك}، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: {إنني أنا}، عرفت أنه كلام الله عزّ وجلّ. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: {فاخلع نعليك}؛ لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: {إِنك بالوادِ المقدَّس}: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. رُوي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و {طُوى}: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقُرئ منونًا؛ لتأوله بالمكان، وغير المنون؛ لتأوله بالبقعة. {وأنا اخترتُك} أي: اصطفيتُكَ للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: {وإنَّا اخترناك} بنون العظمة، {فاستمع لما يُوحى} أي: للذي يُوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: {إِنني أنا الله لا إِله إِلا أنا}، فالجملة بدلَ من "ما". {فاعبدني}؛ أَفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. {وأقم الصلاة لذكري}: لتذكرني فيها؛ لاشتمالها على الأذكار، وأُفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة؛ لفضلها على سائر العبادات؛ لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإنَّ الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو {لذكري}: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا تُرائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام قال: "حديث : مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَة، أَوْ نَسِيَها، فَلْيُصلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ لأنَّ الله تَعالى يَقُول: "وأقم الصلاة لذكري "تفسير : . قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. {إِن الساعة آتيةٌ}: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبَّر بالإتيان؛ تحقيقًا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. {أكادُ أُخفيها} أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، مِنْ أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. وردّه ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: "خفى"؛ الثلاثي، لا "أخفى". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أُبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يُخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خَلَق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. هـ. وقوله تعالى: {لتُجزى كُلُّ نفس بما تسعى} متعلق بآتية، أو بأُخفيها - على معنى: أظهرها -، لتُجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرًا كان أو شرًا. {فلا يَصُدَّنك عنها} أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها {مَن لا يؤمن بها} حتى تكسَل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجهًا للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإنَّ النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى: {أية : لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ} تفسير : [هُود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها {واتَّبعَ هواه} أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، {فَتَرْدَى}: فتهلك؛ فإنَّ الإغفال عنها، وعن تحصيل ما يُنجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارًا في مرأى العين، وهو نورُ تَجَلِّي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المُطَّلَبِ، إني آنست نارًا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارًا لقلوبكم وأسراركم. أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل: شعر : واخلع النعلين إن جئتَ إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعــا وأزل ما بيننا من بَيْنِنَا تفسير : إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية؛ شكرًا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأُكرم مثواك، وأُجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهلُ العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابنُ الفارض، حيث قال في كلام له: شعر : آنسْـتُ في الحَيّ نارًا لَيْلاً فَبَشّرْتُ أهلي قُـلْـتُ امـْكـُثُـوا فلَعـلّي أجِدْ هُدايَ لَعَلّي دَنَـوْتُ مِنها فـكانَتْ نار التكلم قبلي نودِيتُ منها كـفاحًا رُدّوا لَياليَ وَصْـلي حـتى إذا مال تَـدانَى الــ ــميقاتُ في جَمْعِ شَملي صارَتْ جِـباليّ دكًا مـنْ هيبَةِ المُـتَجَـلّي ولاحَ سـرًّ خَفيٌ يدْرِيه مَنْ كَانَ مِثْلي فالموتُ فِيهِ حياتي وفي حَياتيَ قَتلي وصِرْتُ مُوسَى زَمَاني مذ صار بَعْضِيَ كُلي تفسير : قوله: "صارت جبالي دكًّا" أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: "مذ صار بعضي كلي"، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المُفني للأواني. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام

الجنابذي

تفسير : عطف على ما انزلنا لانّ الاستفهام للتّقرير فهو بمنزلة قد اتيك او مستأنفة، والمقصود تذكيره (ص) بحكاية موسى (ع) حتّى يكون تسليةً له (ص) عن اذى قومه وحملاً له على الصّبر على متاعبهم وتجزئةً على دعوتهم من غير تأمّلٍ فى قبولهم وردّهم، ومن غير خوفٍ من لومهم وايذائهم، وتقويةً لتوكّله واعتماده على ربّه (ص) وترغيباً فى التّوسّل به والانقطاع من كلّ من سواه يعنى تذكّر حكاية موسى (ع).

الأعقم

تفسير : {وهل أتاك حديث موسى} يعني قد أتاك خبره {إذ رأى ناراً}، قيل: أن موسى استأذن شعيباً في الخروج إلى الله فأذن له وخرج بأهله، فولدت له في الطريق ابناً في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وقد ضلّ الطريق، وتفرقت ماشيته وما عنده، فقدح النار فلم يور، فأبصر ناراً من بعيد عن يساره وكان ذلك ليلة الجمعة {فقال لأهله} امرأته {امكثوا} أقيموا مكانكم وهي بنت شعيب {إني آنست} أبصرت {ناراً لعلي آتيكم منها بقبس} النار المقبسة من رأس عود أو فتلة أو غيرها {أو أجد على النار هدى} أي أجد قوماً يهدوني في الدين أو يعرفوني الطريق {فلمَّا أتاها} أتى النار، قيل: رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها تستوقد فيها ناراً بيضاء ويسمع تسبيح الملائكة، وقيل: كان نوراً ولم يكن ناراً، وقيل: النار والنور واحد، وقيل: لما رأى ذلك تحيّر وتعجّب وعلم أنه معجز العادة فقال سبحانه: {نودي} أي ناداه الله تعالى وقال: {يا موسى إني أنا ربك}، وقيل: لما كلَّمه الله قال: من المتكلم؟ قال الله: {إني أنا ربك}، فإن قيل: كيف أسمعه كلامه؟ قالوا: الكلام فعل المتكلم فخلق الله النداء في الشجرة، وقيل: رأى نوراً عظيماً فخاف فألقيت عليه السكينة ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة، وروي أن إبليس وسوس اليه لعلك تسمع كلام شيطان، فقال: أنا أعرف أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست، وأسمعه بجميع أعضائي {فاخلع نعليك}، قيل: أمر بخلع نعليه لأنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، وقيل: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً، وقيل: لأن الحفرة تواضع لله، ومن ثم طاف السلف بالكعبة، وروي أنه خلع نعليه وألقاهما وراء الوادي، ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه {إنك بالواد المقدس} المبارك، وقيل: المطهر {طوىً}، قيل: اسم الوادي {وأنا اخترتك} للرسالة {فاستمع لما يوحى}، ثم ابتدأ بالتوحيد فقال: {إنني أنا الله لا إله إلاَّ أنا} أمره أن يبلغ ذلك قومه {فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} فيها بالتسبيح والتعظيم، وقيل: لأن اذكر بالمدح والثناء {إن الساعة آتية} لا محالة {أكاد أخفيها} وأكاد صلة، وقيل: أكاد أريد كقوله: {كدنا ليوسف} أي أردنا، والإِخفاء هو الإِسرار، يقال: خفيت الشيء {لتجزى كل نفس بما تسعى} من خير وشر {فلا يصدّنك} عن الساعة {من لا يؤمن بها} لا يمنعك بالإِيمان بالساعة من لا يؤمن بالساعة {واتّبع هواه فتردى} فتهلك {وما تلك بيمينك} إنما سأله ليريه عظيم ما يخترعه عز وعلا من الخشبة اليابسة من قلبها حيَّة وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان، وقيل: كانت من أوس الجنة أخرجها آدم (عليه السلام) وتوارثوه إلى أن بلغ شعيباً فدفعها إلى موسى {أتوكأ عليها وأهشّ بها على غنمي} أخبط بها ورق الأشجار لترعاها غنمي {ولي فيها مآرب أخرى} قال جار الله: كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن جناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة، وكان يقاتل بها السباع، وروي أنه كان يستسقي بها فتطول طول البئر فتصير شعبتاها دلواً، ويكونان بالليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها رداءه وسقاءه فجعلت تماشيه، وإذا سار في البرية ركزها واستظل، كل ذلك معجزات ظهرت فيها {قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حيَّة تسعى} تمشي بسرعة، وقيل: صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تورم حتى صار ثعباناً وهو أكبر ما يكون من الحيات عن ابن عباس {قال خذها} يا موسى {ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى} أي في حال ما كانت عصا {واضمم يدك إلى جناحك} وجناحا الإِنسان جانباه والأصل المستعار منه جناحي الطير، والمراد إلى جنبك تحت العضد {تخرج بيضاء من غير سوءٍ} كناية عن البرص، وروي أنه كان آدم فأخرج يده من المدرعة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس أي خذ هذه الآية بعد العصا حية {لنريك} لهاتين الآيتين بعض {من آياتنا الكبرى} ولما الرسالة وأداة المعجزة أمره بالتبليغ فقال: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} تعدّى {قال رب اشرح لي صدري} يعني وسّع لي صدري حتى لا أضجر {ويسِّر لي أمري} أي سهّل علي أدنى ما كلّفتني {واحلل عقدة من لساني} وكان في لسانه عقدة، وعن ابن عباس كان في لسانه رتّه لما روي في حديث الجمرة، واختلف في زوال العقدة بكمالها فقيل: بقي بعضها لقوله: {وأخي هارون هو أفصح مني لساناً}، وقوله: {ولا يكاد يبين} وكان في لسان الحسين (رضي الله عنه) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ورثها من عمّه موسى"تفسير : . وقيل: زالت لقوله: {قد أوتيت سؤلك يا موسى} {واجعل لي وزيراً من أهلي} الوزير من الوزرة لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، ومن الوزر لأن الملك يعتصم برأيه، أو من المؤازرة وهي المعاونة {هارون أخي أشدد به أزري} وكان أخاه لأبيه وأمه، وكان بمصر، وأشركه الله تعالى بينهما في النبوة، سأله موسى خمسة: شرح الصدر وتيسير الأمر واحلل عقدة واجعل لي وزيراً من أهلي أي ظهيراً معيناً وخامسها بين ما هو فقال هارون أخي، فأجابه الله تعالى: و{قال قد أوتيت سؤلك يا موسى} وروي في العقدة قيل: جمرة طرحها في فيه لأنه أخذ بلحية فرعون فنتفها، فهمّ بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وعلامته أن تقرب له التمرة والجمرة، فقربا فأخذ بالجمرة فجعلها في فيه، وقيل: أن جبريل حوّل يده من التمرة إلى الجمرة. الأزر: القوة وآزره قوّاه، أي اجعله شريكي في الرسالة حتى نتعاون على عبادتك وذكرك {كي نسبّحك} ننزّهك عمّا لا يليق عليك {ونذكرك كثيراً} نحمدك ونثني عليك، وبيَّن تعالى أنه أجاب موسى إلى ما سأله وأنعم عليه مع سائر نعمه من قبل، فقال سبحانه: {قد أوتيت سؤلك يا موسى} مرادك وطلبتك.

اطفيش

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} أتبع ذكر نبوته صلى الله عليه وسلم بقصة موسى ليقتدى به فى حمل أثقال النبوة وتبليغ الرسالة والصبر على مُقاساة الشدائد؛ فإن هذه السورة من أوائل ما نزل. قال الشيخ هود: هل بمعنى قد والمراد التحقيق ويحتمل التوقع فإن كان صلى الله عليه وسلم يتوقع حديث موسى فظاهر وإلا فإنه سبحانه وتعالى عظم حديث موسى حتى إن من شأن من سمع به مجملا أن يتوقع تفصيله. وبعد فالحق أن هل للاستفهام التقريرى أى هل يا محمد بما عندك من إتيان حديثه أو عدم إتيانه إليك. ومثل هذا فى الاستعظام كثير كما تبدأ الرجل - إذا أردت إخباره بأمر غريب - تقول: هل علمتَ كذا وكذا ثم تخبره.

اطفيش

تفسير : {وهل أتاك حديثُ مُوسَى} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما أو ذى به موسى عليه السلام كغيره، أنهم عراهم من أفواههم ما عراك، وإعلان بأن شأن الأنبياء القيام بالتوحيد وأموره. وتحمل المشاق بعد ما سلاه عن تكذيب قومه تقوله سبحانه: "أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" تفسير : [طه: 2] والاستفهام للتقرير، وأجاز بعض أن يكون للنفى أى ما أتاك حديث موسى قبل، بل نخبرك به الآن، وقيل هو بمعنى قد، وحديث بمعنى اسم مفعول أو المصدر، ولذلك علق به قوله: {إِذ رأى ناراً} أى ما تحدث به إذ رأى ناراً، أو تحدثه إذ رأى ناراً، ويجوز تعليقه به مع بقائه على معنى الكلام أو الخبر بلا تأويل، لأن الظرف يكفى فيه رائحة الفعل، أو يعلق بمحذوف، أى إذ رأى ناراً الخ، كان كيت وكيت، أو كان كيت وكيت إذ رأى ناراً، أو يجعل مفعولا لمحذوف، أى اذكر إذ رأى ناراً. استأذن موسى شعيباً عليهما السلام أن يخرج من مدين الى مصر لزيارة أمه وأخيه، وقد طالت المدة من حين قتل القبطى بمصر، ورجا خفاء أمره، فأذن له، وكان غيوراً فخرج بلا رفقة لئلا ترى زوجه، وقيل برفقة يصحبهم ليلا، ويفارقهم نهاراً، وكانت على أتان على ظهرها جوالق فيها أثاث البيت، ومعه غنمه، وأخذ على غير طريق فيما قيل خوفاً من ملوك مصر، ولما وافى طوى بالجانب الغربىّ من الطور، ولد له ابن فى ليلة مظلمة شاتية مثلجة، ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، وقدم زنده ولم يور ناراً، فبينما هو كذلك إذ رأى ناراً بيضاء، على شجرة خضراء، تتقد من أسفلها الى أعلاها، كلما قرب منها بعدت، وكلما ذهب عنها قربت، وهى نور على صورة النار، وقيل نار لا تحرق، يدنو منها ليقبس فى حطب بيده، فتبعد ويذهب فتقرب، وهى على يسار الطريق من جانب الطور. {فقال لأهْله امْكُثوا} هنا لا تتبعونى فى مسيرى الى هذه النار، خطاب لزوجه وخادمه وما ولد له، ولو كان لا يعقل لأنه توسط، أو خاطبهما دونه بلفظ الجمع، أو لزوجه للتعبير بلفظ الأهل، أو لتعظيمها كقول الشاعر: شعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم تفسير : {إنى آنسْتُ ناراً} أبصرتها إبصاراً لا شبهة فيه، أو أبصرت ما يؤنس به وهو النار، أو وجدت ناراً {لعلِّى آتيكم منها} أى من النار، ومن للابتداء {بِقَبَسٍ} بشعلة مقتبسة على رأس جزلة من الحطب، والجاران متعلقان بآتيكم، وهو مضارع لا اسم فاعل، لأنه أنسب بالمضارع فى قوله: {أو أجدُ على النَّارِ هُدًى} هادياً أو ذا هداية الى الماء، ويجوز إبقاؤه على ظاهره من المصدرية بلا تأويل، كأنه قال أو أجد هداية إليه من هاد، والمقام لذلك لا كما قال مجاهد وقتادة المراد الهداية الى أبواب الدين. من حيث إن قلوب الأبرار مغمورة بالدين، لا يشتغلون عنها إلا يريان الى قوله: {أية : لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة}تفسير : [القصص: 29] وأو لمنع الخلو لا لمنع الجمع، إذ لا يكره أن يجد قبساً ولا دلالة على الماء جميعاً، بل يجب ذلك، ولا مانع من أن تكون أو فى الآية بمعنى الواو، فيكون قد طلبهما جميعاً، ولكن الأصل أن تكون بمعنى أو إلا لدليل. والاستعلاء على مكان يقرب من النار، كما قال سيبويه الإلصاق بمكان يقرب من زيد فى: مرت بزيد، وقد يعتبر فى الاستعلاء أن المطابخ مثلا أو المصطلى يعلو جسده على النار، ولا سيما إن كان لهما شغل بالانحناء فوقها كالاصطلاء، وإصلاح شواء، ولا مانع من جعل على بمعنى عند، أو مع وما تقدم هو المشهور، ويجوز تعليقه بمحذوف حال من هدًى، ومقتضى الظاهر: أو أجد عليها، ولكن أظهر ليصرح بالعلة. فإن النار لا تخلو من وجود نافع منها، ولو واحد، ولا سيما جماعة. والمقصود المنون إن كان عن ياء كتب ياء، أو عن واو كتب ألفاً فقيل ألفه لام الكلمة، ففى حال النصب يوقف بألف الأصل كالجر، والرفع على أنه يحذف التنوين للوقف، فيرجع ألف الأصل، ومن قال: يقلب ألفا كتبه ألفاً، ومن يقف على المنصوب المنون بالإسكان كتبه ياء إذا كان عن ياء.

ابن عاشور

تفسير : أعقب تثبيت الرسول على التبليغ والتنويه بشأن القرآن بالنسبة إلى من أنزله ومن أنزل عليه بذكر قصة موسى - عليه السلام - ليتأسّى به في الصبر على تحمل أعباء الرسالة ومقاساة المصاعب، وتسليةً له بأن الذين كذبوه سيكون جزاؤهم جزاء مَن سلَفَهم من المكذبين، ولذلك جاء في عقب قصة موسى قوله تعالى: {أية : وقد آتيناك من لدنا ذكراً من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً خالدين فيه}تفسير : [طه: 99 ـــ 101]. وجاء بعد ذكر قصة آدم وأنه لم يكن له عزم {أية : فاصبر على ما يقولون}تفسير : [طه: 130] الآيات. فجملة {وهل أتَاكَ حَدِيثُ موسىٰ} عطف على جملة {أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}تفسير : [طه: 2]. الغرض هو مناسبة العطف كما تقدم قريباً. وهذه القصة تقدّم بعضها في سورة الأعراف وسورة يونس. والاستفهام مستعمل في التشويق إلى الخبر مجازاً وليس مستعملاً في حقيقته سواء كانت هذه القصة قد قُصت على النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل أم كان هذا أولَ قصصها عليه. وفي قوله: {إذ رأى ناراً} زيادة في التشويق كما يأتي قريباً. وأوثر حرف (هل) في هذا المقام لما فيه من معنى التحقيق لأن (هل) في الاستفهام مثل (قَد) في الإخبار. والحديث: الخبر، وهو اسم للكلام الذي يحكى به أمر حدث في الخارج، ويجمع على أحاديث على غير قياس. قال الفراء: «واحِد الأحاديث أُحْدُوثة ثم جعلوه جمعاً للحديث» اه. يعني استغنوا به عن صيغة فُعلاء. و{إذْ} ظرف للحديث. وقد تقدّم نظائره، وخص هذا الظرف بالذكر لأنه يزيد تشويقاً إلى استعلام كنه الخبر، لأن رؤية النار تحتمل أحوالاً كثيرة. ورؤية النار تدلّ على أن ذلك كان بليل، وأنه كان بحاجة إلى النار؛ ولذلك فرع عليه: {فَقَالَ لأَهْله امْكُثُوا}... الخ. والأهل: الزوج والأولاد. وكانوا معه بقرينة الجمع في قوله {امكثوا}. وفي سفر الخروج من التّوراة «فأخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى أرض مصر». وقرأ الجمهور - بكسر هاء ضمير - {أهلِه} على الأصل. وقرأه حمزة وخلف: بضم الهاء، تبعاً لضمة همزة الوصل في امكثوا. والإيناس: الإبصار البيّن الذي لا شبهة فيه. وتأكيد الخبر بإن لقصد الاهتمام به بشارة لأهله إذ كانوا في الظلمة. والقبَس: ما يؤخذ اشتعاله من اشتعال شيء ويقبس، كالجَمرة من مجموع الجمر والفتيلة ونحو ذلك. وهذا يقتضي أنه كان في ظلمة ولم يجد ما يقتدح به. وقيل: اقتدح زَنده فَصَلَد، أي لم يقدح. ومعنى {أو أجدُ على النار هدى}: أو ألقَى عارفاً بالطريق قاصداً السير فيما أسير فيه فيهديني إلى السبيل. قيل: كان موسى قد خفي عليه الطريق من شدّة الظلمة وكان يحب أن يسير ليلاً. و {أوْ} هنا للتخيير، لأنّ إتيانه بقبس أمر محقق، فهو إما أن يأخذ القبس لا غير، وإما أن يزيد فيجد صاحب النار قاصداً الطريق مثله فيصحبه. وحرف {على} في قوله: {أو أجِدُ على النَّارِ هُدىً} مستعمل في الاستعلاء المجازي، أي شدّة القرب من النار قرباً أشبه الاستعلاء، وذلك أنّ مُشعِل النار يستدني منها للاستنارة بضوئها أو للاصطلاء بها. قال الأعشى:شعر : وباتَ على النار النّدى والمحلّقُ تفسير : وأراد بالهدى صاحب الهدى. وقد أجرى الله على لسان موسى معنى هذه الكلمة إلهاماً إياه أنه سيجد عند تلك النار هُدى عظيماً، ويبلّغ قومه منه ما فيه نفعهم. وإظهار النّار لموسى رمْز رباني لطيف؛ إذ جعل اجتلابه لتلقي الوحي باستدعاء بنور في ظلمة رمزاً على أنه سيتلقى ما به إنارة ناس بدين صحيح بعد ظلمة الضلال وسوء الاعتقاد.

الشنقيطي

تفسير : الآيات. قد بينا الآيات الموضحة لها في سورة "مريم" في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} تفسير : [مريم: 52] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

الواحدي

تفسير : {وهل أتاك} يا محمَّد. {حديث موسى} خبره وقصَّته. {إذ رأى ناراً} في طريقه إلى مصر لمَّا أخذ امرأته الطَّلْقُ {فقال لأهله} لامرأته: {امكثوا} أقيموا مكانكم {إني آنست} أبصرت {ناراً لعلي آتيكم منها بقبس} شعلة نارٍ {أو أجد على النار هدى} مَنْ يهديني ويدلُّني على الطَّريق، وكان قد ضلَّ عن الطَّريق. {فلما أتاها} أي: النَّار. {نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك} وكانتا من جلد حمارٍ ميِّتٍ غيرِ مدبوغٍ، لذلك أُمر بخلعها {إنك بالواد المقدس} المُطهَّر {طوى} اسم ذلك الوادي. {وأنا اخترتك} اصطفيتك للنُّبوَّة {فاستمع لما يوحى} إليك مني. {وأقم الصلاة لذكري} لتذكرني فيها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: هل أتاك: قد أتاك فالاستفهام للتحقيق. حديث موسى: أي خبره وموسى هو ابن عمران نبي بني إسرائيل. إذ رأى ناراً: أي حين رؤيته ناراً. لأهله: زوجته بنت شعيب ومن معها من خادم أو ولد. آنست ناراً: أي أبصرتها من بعد. بقبس: القبس عود في رأسه نار. على النار هدى: أي ما يهديني الطريق وقد ضل الطريق إلى مصر. فلما أتاها: أي النار وكانت في شجرة من العوسج ونحوه تتلألؤ نوراً لا ناراً. نودي يا موسى: أي ناداه ربه قائلاً له يا موسى....! المقدس طوى: طوى اسم للوادي المقدس المطهر. اخترتك: من قومك لحمل رسالتي إلى فرعون وبني إسرائيل. فاستمع لما يوحى: أي إليك وهو قوله تعالى: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ}. لذكري: أي لأجل أن تذكرني فيها. أكاد أخفيها: أي أبالغ في إخفائها حتى لا يعلم وقت مجيئها أحد. بما تسعى: أي سعيها في الخير أو في الشر. فتردى: أي تهلك. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد ففي نهاية الآية السابقة [8] كان قوله تعالى {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : تقريراً للتوحيد وإثباتاً له وفي هذه الآية [9] يقرره تعالى عن طريق الإخبار عن موسى، وأن أول ما أوحاه إليه من كلامه كان إخباره بأنه لا إله إلا هو أي لا معبود غيره وأمره بعبادته. فقال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ} أي يا نبينا {حَدِيثُ مُوسَىٰ إِذْ رَأَى نَاراً}، وكان في ليلة مظلمة شاتية وزنده الذي معه لم يقدح له ناراً {فَقَالَ لأَهْلِهِ} أي زوجته ومن معها وقد ضلوا طريقهم لظلمة الليل، {ٱمْكُثُوۤاْ} اي ابقوا هنا فقد آنست ناراً أي أبصرتها {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} فنوقد به ناراً تصطلون بها أي تستدفئون بها، {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى} أي أجد حولها ما يهدينا طريقنا الذي ضللناه. وقوله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} أي أتى النار ووصل إليها وكانت شجرة تتلألؤ نوراً {نُودِيَ يٰمُوسَىٰ} أي ناداه ربه تعالى قائلاً يا موسى {إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ} أي خالقك ورازقك ومدبر أمرك {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} وذلك من أجل أن يتبرك بملامسة الوادي المقدس بقدميه. وقوله تعالى {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} أي لحمل رسالتي إلى من أرسلك إليهم. {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} أي إليك وهو: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} أي أنا الله المعبود بحق ولا معبود بحق غيري وعليه فاعبدني وحدي، {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}، أي لأجل أن تذكرني فيها وبسببها. فلذا من لم يصل لم يذكر الله تعالى وكان بذلك كافراً لربه تعالى. وقوله {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ} أي إن الساعة التي يقوم فيها الناس أحياء من قبورهم للحساب والجزاء آتية لا محالة. من أجل مجازاة العباد على أعمالهم وسعيهم طوال أعمارهم من خير وشر، وقوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} أي أبالغ في إخفائها حتى أكاد أخفيها عن نفسي. وذلك لحكمة أن يعمل الناس ما يعملون وهم لا يدرون متى يموتون ولا متى يبعثون فتكون أعمالهم بإراداتهم لا إكراه عليهم فيها فيكون الجزاء على أعمالهم عادلاً، وقوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ} ينهى تعال موسى أن يَقبل صدَّ صَادٍ من المنكرين للبعث متَّبعي الهوى عن الإِيمان بالبعث والجزاء والتزود بالأعمال الصالحة لذلك اليوم العظيم الذي تجزى فيه كل نفس بما كسبت وهو لا يظلمون، فإن من لا يؤمن بها ولا يتزود لها يردى أي يهلك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. 2- تقرير التوحيد وإثباته، وأن الدعوة إلى لا إله إلا الله دعوة كافة الرسل. 3- إثبات صفة الكلام لله تعالى. 4- مشروعية التبرك بما جعله الله تعالى مباركاً، والتبرك التماس البركة حسب بيان الرسول وتعليمه. 5- وجوب إقام الصلاة وبيان علة ذلك وهو ذكر الله تعالى. 6- بيان الحكمة في إخفاء الساعة مع وجوب اتيانها وحتميته.

القطان

تفسير : امكثوا: انتظروا، توقفوا. آنستُ: أبصرت، ولها معان اخرى. بقبس: بشعلة من نار على رأس عود. بالواد المقدّس: الذي اسمُه طُوَى. لذكري: لتكون ذاكرا لي. أكاد اخفيها: ابالغ في اخفائها عن الناس. فتَرْدَى: فتهلك. بدأت قصة موسى من الآية التاسعة وتستمر الى نهاية الآية السابعة والتسعين، والواقع ان ذِكر موسى في القرآن أكثرُ قَصص المرسَلين وروداً فيه. وتأتي القصة على ما يناسب موضوع السورة. وهنا جاءت قصة موسى لتسلية الرسول الكريم، وتقوية قلوب المؤمنين، وإظهار كيف كانت العاقبة لموسى والنصر حليفه بعد أن شُرِّدَ، وأذاق فرعونُ قومه ألوانَ العذاب. وقد تحمَّل موسى من المكاره ما تنوء به راسياتُ الجبال، وقابل ذلك بعزمٍ لا يفتر. هل بلغكَ أيها النبيُّ خبرُ موسى وكيف كان بدء الوحي إليه.. لقد أبصر ناراً في مسيره ليلاً من مَدْيَنَ ومعه زوجتُه وبعضُ اهله، فقال لزوجته ومن معها من أهلِه: انتظِروا في مكانكم، إني أبصرتُ نارا، وأرجو ان أَجيئكم بشُعلة منها، أو أجدَ حول النار من يهديني الطريق. وفي سورة القصص 29 {أية : لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}تفسير : وهذا يدلّ على أنه كان هناك بعضُ البرد، والجذوة: الجمرة. فلما بلغ المكانَ الذي رأى فيه النار، سمع صوتاً عُلوياً يناديه: يا موسى. فلم ير شيئا وتحيَّر روهو يتلفّت يميناً ويسارا. فإذا بالصوت يقول له: إني أنا اللهُ ربك، فاخلَعْ نعلَيك احتراماً للبقعة المقدَّسة، وتكريماً للموقف، فإنك بالوادي المطهَّر المبارك المسمَّى "طوى"، وقد اصطفيتُك من قومك بالنبوّة والرسالة، فأصغِ لما أُوحيه إليك لتعيَه وتبلِّغه الى قومك، فإن هذا الّذي جاءك أمرٌ عظيم فتأهّبْ له. ثم بين الله له أهم ما أوحى اليه: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}. لقد عرّفه اللهُ بنفسه وأنه إله واحد لا إله الا هو. ثم بعد ذلك أمرَه بعبادته دون غيره، وان يقيم الصلاة على أحسن وجهٍ ليذكره دائما. فهذان أمران من الأصول: توحيدُ الله، وعبادته باخلاص. ثم بين الأصلَ الثالث المهم الذي ينكره المشركون والملحِدون. فقال: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ}. إن يوم القيامة آتٍ لا محالة، وإني أنا أُخفي توقيته ليُجزى كل عمل وتحاسَبَ كل نفس على ما عملتْ. وقد فسّر بعض المفسرين: أكاد أخفيها: أكاد أظهرها. وفي اللغة خَفَيْتُ الشيء اظهرته. فلا يصرفنّك يا موسى عن الإيمان بالساعة والاستعدادِ لها من لا يؤمن بها، ولا يصدِّق بالبعث، فهو لا يرجو ثوابا، ولا يخاف عقابا، فإن فعلتَ ذلك يا موسى هلكتَ. قراءات: قرأ حمزة: فقال لأهلهُ امكثوا، بضم هاء لأهله. والباقون لأهله بكسر الهاء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: أني انا ربك بفتح همزة اني. والباقون إني بكسر الهمزة. وقرأ حمزة: وأنّا اخترناك، بصيغة الجمع. والباقون: وانا اخترتك كما هو في المصحف.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَتَاكَ} (9) - يَقُصُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم حَديثَ مُوسَى، عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَكَيْفَ كَانَ ابْتِدَاءُ الوَحْيِ إِلَيْهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ} يا محمد {حَدِيثُ مُوسَىٰ} قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات مجازه: أليس قد أتاك؟ . وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه ثم أخبره. {إِذْ رَأَى نَاراً} ليلة الجمعة، وقال وهب بن منّبه: استأذن موسى شعيباً في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر ناراً من بعيد عن يسار الطريق {فَقَالَ لأَهْلِهِ} لامرأته {ٱمْكُثُوۤاْ} أقيموا مكانكم {إِنِّيۤ آنَسْتُ} أبصرتُ { نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب أو غير ذلك {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى} يعني من يدلّني على الطريق {فَلَمَّآ أَتَاهَا} رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نوراً عظيما فخاف وتعّجب، فأُلقيت عليه السكينة ثمّ {نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ} وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام {أية : وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [الحجر: 89]. {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} وكان السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدَّثنا أحمد بن نجدة قال: حدَّثنا الحمّاني قال: حدَّثنا عيسى بن يونس عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} قال: كانتا من جلد حمار ميّت، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نعليه؟ وإنّما أُمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأُقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبالواد المقدّس أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أُمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافياً، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الاشارة: معناه: فرِّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ} المطهّر { طُوًى} اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: اراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طُويَت عليه البركة طيّاً، وقرأ عكرمة: طوى بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طِوَىً بالتنوين وإلاّ جرّاً لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلّما كان معدولاً عن وجهه كان مصروفاً عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ * إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي} ولا تعبد غيري {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} قال مجاهد: أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمَّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدَّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدَّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} ". تفسير : وقيل: هو مردود على الوحي يعني فاستمع لما يوحى واستمع لذكري. {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} فأكاد صلة، كقول الشاعر: شعر : سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما أن يكاد قرنه يتنفس تفسير : يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثرالمفسّرين: معناه أكاد أُخفيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف اُبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أُخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنَّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أُذعت سرّي، فيقول مجيباً له معتذراً إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟ معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: شعر : أيام تُعجبني هند وأُخبرها ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري تفسير : فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخفيها بفتح الألف أي أُظهرها وأُبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: شعر : خفاهنّ من إنفاقِهنّ كأنّما خفاهنّ ودق من سحاب مركّب تفسير : أي اخرجهن. {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} أي تعمل من خير وشرّ {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ} يصرفنّك {عَنْهَا} يعني عن الإيمان بالساعة {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} مراده {فَتَرْدَىٰ} فتهلك. {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ} وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل {أَتَوَكَّأُ} اعتمد {عَلَيْهَا} إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. {وَأَهُشُّ} وأخبط {بِهَا} الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسُّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ} حوائج ومنافع، واحدتها مأرَبة ومَأرُبة بفتح الراء وضمّها {أُخْرَىٰ} ولم يقل أُخَر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد إلاسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه {أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا} من يده {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعباناً، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع {أية : كَأَنَّهَا جَآنٌّ} تفسير : [النمل: 10] وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأُنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعاً فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الاعجوبة {قَالَ} الله تعالى له {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا} أي إلى سيرتها وهيئتها {ٱلأُولَىٰ} نردّها عصاً كما كانت {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} برص ولا داء {آيَةً أُخْرَىٰ} سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ } وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الكبرى وفاقاً لرؤس الآي، وقيل: فيه اضمار معناه {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا} الآية الكبرى دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذا جاء الاستفهام من الله تعالى فاعلم أنه استفهام على غير حقيقته، فلا يُرَاد هنا طب الفهم، لأن أخبار محمد تأتيه من ربه - عز وجل - فكيف يستفهم منه. إنما المراد بالاستفهام هنا التشويق لما سيأتي كما تقول لصاحبك: هل بلغك ما حدث بالأمس؟ فيُشوِّقه لسماع ما حدث. والحديث: أي الخبر عنه سواء أكان بالوحي، أو بغير الوحي، كأن حكيت له قصة موسى عليه السلام .. فهل بلغتْك هذه القصة؟ اسمعها الآن مني: {إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن بدايات أهل النهايات بقوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} [طه: 9] إلى قوله {فَتَرْدَىٰ} [طه: 16] فقوله: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} [طه: 9] يشير إلى أن موسى القلب {إِذْ رَأَى نَاراً} [طه: 10] أي: ناراً من جانب طير الروح {فَقَالَ لأَهْلِهِ} [طه: 10] وهم النفس وصفاتها {ٱمْكُثُوۤاْ} [طه: 10] أسكنوا هاهنا في ظلمة الطبيعة الحيوانية {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} [طه: 10] وهي نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب وجود الإنسانية أثراً ولا رسماً ولا ظلال {أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [التحريم: 6]. {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} [طه: 10] يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ} [طه: 10] بالطريقة {هُدًى} [طه: 10] إلى الحقيقة ببذل الوجود ولنيل المقصود: شعر : أَقول لِجارَتي وَالدَّمعُ جارٍ وَلي عَزم الرَّحيل إِلى الدِيارِ ذَريني أَن أَسيرَ وَلا تَنوحي فَإِنَ الشّهبَ أَشرَفها السّواري أَأَرضي بِالإِقامةِ في فَلاةٍ وَفَوقَ الفَرقَدينِ عَرفتُ داري تفسير : قوله: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ} [طه: 11] من شجرة ذات القدس بخطاب النس {يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ} [طه: 11-12] لأريك {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] أي: انزع عن تعلقات الكونين عن شرك لأقدس عن لوث التعلقات وأرى شرك المطهر، فتارة: بقطع تعلق الدنيا الدنية الخسيسة الفانية، ومرة: بنزع تعلق الآخرة الشريفة العلية الباقية؛ فالمعنى: إنك يا موسى القلب إذا خلعت نعلي الكونين على قدمي همتك وبهمتك المتعلقة أحديهما: بالدنيا، والأخرى: بالآخرة، فقد طهرت وادي شركك عن لوث الالتفات بهما فإنك قد حصلت. {بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} [طه: 12-13] وأنا اخترتك يا موسى القلب من بين سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح، وكرمتك بهذه الكرامة؛ لتكون كليمي وصاحب سري يا موسى القلب {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} [طه: 13] بسمع الطاعة والقبول ببذل أنانيتك لأنانيتي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الاستفهام التقريري والتعظيم لهذه القصة والتفخيم لها: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } في حاله التي هي مبدأ سعادته، ومنشأ نبوته، أنه رأى نارا من بعيد، وكان قد ضل الطريق، وأصابه البرد، ولم يكن عنده ما يتدفأ به في سفره. { فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ } أي: أبصرت { نَارًا } وكان ذلك في جانب الطور الأيمن، { لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ } تصطلون به { أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } أي: من يهديني الطريق. وكان مطلبه، النور الحسي والهداية الحسية، فوجد ثم النور المعنوي، نور الوحي، الذي تستنير به الأرواح والقلوب، والهداية الحقيقية، هداية الصراط المستقيم، الموصلة إلى جنات النعيم، فحصل له أمر لم يكن في حسابه، ولا خطر بباله. { فَلَمَّا أَتَاهَا } أي: النار التي آنسها من بعيد، وكانت -في الحقيقة- نورا، وهي نار تحرق وتشرق، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره " فلما وصل إليها نودي منها، أي: ناداه الله، كما قال: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } تفسير : { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى } أخبره أنه ربه، وأمره أن يستعد ويتهيأ لمناجاته، ويهتم لذلك، ويلقي نعليه، لأنه بالوادي المقدس المطهر المعظم، ولو لم يكن من تقديسه، إلا أن الله اختاره لمناجاته كليمه موسى لكفى، وقد قال كثير من المفسرين: " إن الله أمره أن يلقي نعليه، لأنهما من جلد حمار " فالله أعلم بذلك.