٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} أي: النار، واقترب منها، {نُودِىَ يٰمُوسَىٰ} وفي الآية الأخرى: {أية : نُودِىَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِى ٱلأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّىۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [القصص: 30] وقال ههنا: {إِنِّىۤ أَنَاْ رَبُّكَ} أي: الذي يكلمك ويخاطبك {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} قال علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو أيوب وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكي، وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيماً للبقعة. وقال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة، وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافياً غير منتعل، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: {طُوًى} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو اسم للوادي، وكذا قال غير واحد، فعلى هذا يكون عطف بيان، وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه، وقيل: لأنه قدس مرتين، وطوى له البركة وكررت، والأول أصح كقوله: {أية : إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوىً} تفسير : [النازعات: 16]. وقوله: {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} كقوله: {أية : إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي وَبِكَلَـٰمِي} تفسير : [الأعراف: 144] أي: على جميع الناس من الموجودين في زمانه، وقد قيل: إن الله تعالى قال: يا موسى أتدري لم خصصتك بالتلكيم من بين الناس؟ قال: لا، قال: لأني لم يتواضع إلي أحد تواضعك. وقوله: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} أي: استمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك: {إِنَّنِىۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وقوله: {فَٱعْبُدْنِى} أي: وحدني، وقم بعبادتي من غير شريك {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىۤ} قيل: معناه: صَلِّ لتذكرني، وقيل: معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك لي، ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: وأقم الصلاة لذكري»تفسير : ، وفي "الصحيحين" عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»تفسير : . وقوله: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ} أي: قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها. وقوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} قال الضحاك عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: (أكاد أخفيها من نفسي) يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: من نفسه، وكذا قال مجاهد وأبو صالح ويحيى بن رافع. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} يقول: لا أطلع عليها أحداً غيري. وقال السدي: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: (إني أكاد أخفيها من نفسي) يقول: كتمتها من الخلائق، حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت. وقال قتادة: أكاد أخفيها، وهي في بعض القراءات: (أخفيها من نفسي) ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين. قلت: وهذا كقوله تعالى: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65] وقال: {أية : ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} تفسير : [الأعراف: 187] أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب، حدثنا أبو تميلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي عن وِقَاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير: (أكاد أخفيها)، يعني بنصب الألف وخفض الفاء، يقول: أظهرها، ثم قال: أما سمعت قول الشاعر:شعر : دَأْبَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْراً دَمِيكاً بِأَريكَيْنِ يُخْفِيانِ غَميراً تفسير : قال السدي: الغمير: نبت رطب ينبت في خلال يبس، والأريكين موضع، والدميك الشهر التام، وهذا الشعر لكعب بن زهير. وقوله سبحانه وتعالى: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} أي: أقيمها لا محالة؛ لأجزي كل عامل بعمله {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7 - 8] و {أية : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الطور: 16] وقوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا} الآية، المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين. أي: لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك، فقد خاب وخسر {فَتَرْدَىٰ} أي: تهلك وتعطب، قال الله تعالى: {أية : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} تفسير : [الليل: 11].
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا ءَاتَٰهَا } وهي شجرة عوسج {نُودِىَ يٰمُوسَىٰ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فلمَّآ أتَاهَا} يعني النار، التي هو نور {نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ} وفي هذا النداء قولان: أحدهما: أنه تفرد بندائه. الثاني: أن الله أنطق النور بهذا النداء فكان من نوره الذي لا ينفصل عنه، فصار نداء منه أعلمه به ربه لتسكن نفسه ويحمل عنه أمره فقدم تأديبه بقوله: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} الآية. وفي أمرْه بخلعهما قولان: أحدهما: ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس، قاله علي بن أبي طالب، والحسن، وابن جريج. والثاني: لأن نعليه كانتا من جلد حمار ميت، قاله كعب، وعكرمة، وقتادة. {إِنَكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} فيه وجهان: أحدهما: أن المقدس هو المبارك، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه المطهر، قاله قطرب، وقال الشاعر: شعر : وأنت وصول للأقارب مدره برىء من الآفات من مقدس تفسير : وفي {طُوىً} خسمة تأويلات: أحدها: أنه اسم من طوى لأنه مر بواديها ليلاً فطواه، قاله ابن عباس. الثاني: سمي طوى لأن الله تعالى ناداه مرتين. وطوى في كلامهم بمعنى مرتين، لأن الثانية إذا أعقبتها الأولى صارت كالمطوية عليها. الثالث: بل سمي بذلك لأن الوادي قدس مرتين، قاله الحسن. الرابع: أن معنى طوى: طَإِ الوادي بقدمك، قاله مجاهد. الخامس: أنه الاسم للوادي قديماً، قاله ابن زيد: فخلع موسى نعليه ورمى بهما وراء الوادي. قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وأقم الصلاة لتذكرني فيها، قاله مجاهد. والثاني: وأقم الصلاة بذكري، لأنه لا يُدْخَلُ في الصلاة إلا بذكره. الثالث: وأقم الصلاة حين تذكرها، قاله إبراهيم. وروى سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا"، تفسير : قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَلاَةَ لِذَكرِي}. قوله تعالى: {أكَادُ أُخْفِيهَا} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أي لا أظهر عليها أحداً، قاله الحسن، ويكون أكاد بمعنى أريد. الثاني: أكاد أخفيها من نفسي، قاله ابن عباس ومجاهد، وهي كذلك في قراة أُبَيّ "أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي" ويكون المقصود من ذلك تبعيد الوصول إلى علمها. وتقديره: إذا كنت أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لك؟ الثالث: معناه أن الساعة آتية أكاد. انقطع الكلام عند أكاد وبعده مضمر أكاد آتي بها تقريباً لورودها، ثم استأنف: أخفيها لتجزى كل نفسٍ بما تسعى. قاله الأنباري، ومثله قول ضابىء البرجمي: شعر : هممت ولم أفعل وكدت وليتني تكرت على عثمان تبكي حلائله تفسير : أي كدت أن أقتله، فأضمره لبيان معناه. الرابع: أن معنى -أخفيها: أظهرها، قاله أبو عبيدة وأنشد: شعر : فإن تدفنوا الداءَ لا نخفيه وأن تبعثوا الحرب لا نقعد تفسير : يقال أخفيت الشيء أي أظهرته وأخفيته إذا كتمته، كما يقال أسررت الشيء إذا كتمته، وأسررته إذا أظهرته. وفي قوله: {وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ} وجهان: أحدهما: أسر الرؤساء الندامة عن الأتباع الذي أضلوهم. والثاني: أسر الرؤساء الندامة. قال الشاعر: شعر : ولما رأى الحجاج أظهر سيفه أسر الحروري الذي كان أضمرا تفسير : {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} فيه وجهان: أحدهما: أنه على وجه القسم من الله، إن كل نفس تجزى بما تسعى. الثاني: أنه إخبار من الله أن كل نفس تجزى بما تسعى. قوله عز وجل: {فَتَرْدَى} فيه وجهان: أحدهما: فتشقى. الثاني: فتنزل.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا أَتَـٰهَا} أي النارَ التي آنسها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: رأى شجرةً خضراءَ أطافت بها من أسفلها إلى أعلاها نارٌ بـيضاءُ تتقدُ كأضْوإ ما يكون، فوقف متعجباً من شدة ضوئها وشدةِ خُضرة الشجرة فلا النارُ تُغيّر خضرتها ولا كَثرةُ ماء الشجرة تُغيّر ضوءَها. قالوا: النارُ أربعةُ أصنافٍ: صنفٌ يأكل ولا يشرب وهي نارُ الدنيا، وصنفٌ يشرب ولا يأكل وهي نارُ الشجرِ الأخضر، وصنفٌ يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنفٌ لا يأكل ولا يشرب وهي نارُ موسى عليه الصلاة والسلام، وقالوا: هي أربعةُ أنواعٍ: نوعٌ له نورٌ وإحراقٌ وهي نارُ الدنيا، ونوع لا نورَ له ولا إحراقَ وهي نارُ الأشجار، ونوعٌ له نورٌ بلا إحراقٍ وهي نارُ موسى عليه الصلاة والسلام، ونوعٌ له إحراقٌ بلا نور وهي نارُ جهنم. روي أن الشجرة كانت عَوْسَجةً، وقيل: كانت سَمُرة {نُودِىَ يٰمُوسَىٰ} أي نودي فقيل: يا موسى {إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ} أو عومل النداءُ معاملةَ القول لكونه ضرباً منه، وقرىء بالفتح أي بأني، وتكريرُ الضمير لتأكيد الدليلِ وتحقيقِ المعرفة وإماطةِ الشبهة. روي أنه لما نودي يا موسى، قال عليه الصلاة والسلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: «أنا ربك» فوسوس إليه إبليسُ: لعلك تسمع كلامَ شيطان، فقال: أنا عرفتُ أنه كلامُ الله تعالى بأني أسمعه من جميع الجهاتِ بجميع الأعضاء. قلت: وذلك لأن سماعَ ما ليس من شأنه ذلك من الأعضاء ليس إلا من آثار الخلاق العليم تعالى وتقدس، وقيل: تلقّى عليه الصلاة والسلام كلامَ رب العزة تلقياً روحانياً ثم تمثل ذلك الكلامُ لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهه {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} أُمر عليه الصلاة والسلام بذلك لأن الحفْوةَ أدخلُ في التواضع وحسنِ الأدب، ولذلك كان السلفُ الصالحون يطوفون بالكعبة حافين، وقيل: ليباشر الواديَ بقدميه تبركاً به، وقيل: لما أن نعليه كانتا من جلد حمارٍ غيرِ مدبوغ، وقيل: معناه فرِّغْ قلبَك من الأهل والمال، والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها فإن ربوبـيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من موجبات الأمر وداوعيه وقوله تعالى: {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ} تعليلٌ لوجوب الخَلْع المأمور به وبـيانٌ لسبب ورودِ الأمر بذلك من شرف البُقعة وقُدْسِها، روي أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي {طُوًى} بضم الطاء غيرُ منوّن، وقرىء منوناً، وقرىء بالكسر منوناً وغيرَ منّون، فمَنْ نوّنه أوّله بالمكان دون البقعة، وقيل: هو كثني الطي مصدرٌ لنوديَ أو المقدس أي نودي نداءين أو قُدّس مرة بعد أخرى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ} [الآية: 11-12]. قال جعفر: قيل لموسى عليه السلام: كيف عرفت أن النداء هو نداء الحق؟ فقال: لأنه أقيانى وشملنى فكأن كل شعرة منى كانت مخاطبة بالنداء من جميع الجهات وكأنها تعبر من نفسها بجواب فلما شملتنى أنوار الهيبة وأحاطت بى أنوار العزة والجبروت علمت أنى مخاطب من جهة الحق، فلما كان أول الخطاب إنى تم بعده. أنا علمت أنه ليس لأحد أن يخبر عن نفسه باللفظتين جميعًا متتابعًا إلا الحق فأدهشت وهو كان محل الفناء فقلت: أنت الذى لم تزل، ولا تزال ليس لموسى معك مقام ولا له جرأة الكلام إلا أن تبقيه ببقائك، وتنعيه بنعوتك. فتكون أنت المخاطب، والمخاطب جميعًا. فقال: لا يحمل خطابى غيرى، ولا يجيبنى سواى أنا المكلم وأنا المكلم وأنت فى الوسط شبح يقع بك محل الخطاب. قوله تعالى: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} [الآية: 12]. قال أبو سفيان: اخلع نعليك ليصيب قدمك بركة الوادى والوادى بركة قدمك. وقال الشبلى: اخلع الكل منك تصل إلينا بالكل، فتكون ولا تكون، فتحقق فى عين الجمع بكون أخبارك عنا، وفعلك فعلنا. قال ابن عطاء: اخلع نعليك أعرض بقلبك عن الكون فلا تنظر إليه بعد هذا الخطاب. وقال أيضًا: النعل النفس، والواد المقدس دين المرجان وقت خلوك من نفسك، والقيام معنا بدينك، وقيل اخلع نعليك فإنك بعين موجودك وقال جعفر: اقطع عنك العلائق فإنك بأعيننا. وقال ابن عطاء: اخلع نعليك أى: أسقط عنك محل الفصل والوصل فقد حصلت فى الواد المقدس وهو الذى يطهرك عن الأحوال أجمع ويبردك إلى محولها عليك. قيل فى قوله: واد المقدس طوى. أى: أطوى عنك بساط المخالفات فقد حصلت فى هذا الوادى ومطية طوى عن قلبه ما لا يكون مقدسًا. وقال ابن عطاء: فى قوله: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} أى: انزع عنك قوة الاتصال والانفصال إنك بالواد المقدس أى: بواد الانفراد معى ليس معك أحد سواى.
القشيري
تفسير : علم موسى أنه كلام الحق - سبحانه - لَمَّا سَمِعَ فيه الترتيبَ والتنظيمَ والتركيب، فَعَلِمَ أنه خطاب الحق. ويقال إنما عرف موسى - عليه السلام - أنه كلامُ الله بتعريفٍ خصَّه الحق - سبحانه - به من حيث الإلهام دون نوعٍ من الاستدلال. قوله: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ...} فإِن بِسَاطَ حضرةِ الملوكِ لا يُوطَأُ بِنَعْلٍ. ويقال ألقِ عصاك يا موسى, واخلع نعليك، وأَقِمْ عندنا هذه الليلةَ ولا تَبْرَحْ. ويقال الإشارة في الأمر بخلع النعلين تفريغ القلب من حديث الدارَيْن، والتجرد للحقِّ بنعت الانفراد. ويقال: (اخلع نعليك): تَبَرَّأْ عن نَوْعَيْ أفعالك، وامْحُ عن الشهود جنْسَيْ أحوالِك من قربٍ وبُعْدٍ، ووَصْلٍ وفَصْلٍ، وارتياح واجتياح، وفناء وبقاء... وكُنْ بوصفنا؛ فإٍنما أنت بحقنا. أَثْبَتَه في أحواله حتى كان كالمجرد عن جملته، المُصْطَلَم عن شواهده. قوله: {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى}: أي إنك بالوادي المقدس عن الأعلال؛ وساحاتُ الصمدية تَجِلُّ عن كل شيْن، وإيمانٍ وزَيْن؛ عن زَيْنٍ بإحسان وشَيْنٍ بعصيان؛ لأنَّ للربوبية سَطَعَاتِ عِزِّ تقهر كل شيء.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما اتاها} اى انتهى الى النار التى آنسها قال ابن عباس رضى الله عنه رأى شجرة خضراء احاطت بها من اسفلها الى اعلاها نار بيضاء تتقد كاضوء ما يكون ولم ير هناك احدا فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار فسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما تكل الابصار عنه فوضع يديه على عينيه وخاف وبهت فالقيت عليه السكينة والطمأنينة ثم نودى وكانت الشجرة سمرة خضراء او عوسجة او عليقا او شجرة العناب وهى شجرة لا نار فيها بخلاف غيرها من الاشجار. قالوا النار اربعة اصناف. صنف يأكل ولا يشرب وهى نار الدنيا. وصنف يشرب ولا يأكل وهى نار الشجر الاخضر. وصنف يأكل ويشرب وهى نار جهنم. وصنف لا يأكل ولا يشرب وهى نار موسى. وقالوا ايضا هى اربعة انواع نوع له احراق بلا نور وهى نار الجحيم. ونوع له نور بلا احراق وهى نار موسى. ونوع له احراق ونور وهى نار الدنيا. ونوع ليس له احراق ولا نور وهى نار الاشجار. يقول الفقير النور للمحبة والنار للعشق وعند ما كمل وامتلأ نور محبة موسى وتم واشتغل نار عشقه وشوقه تجلى الله له بصورة ما فى بطنه وذلك لانه لما ولد له ولد القلب الذى هو طفل خليفة الله فى ارض الوجود فى ليلة شاتية هى ليلة الجلال ظهر له نور ذاتى فى صورة نار صفاتية لان الصورة انما هى للصفات واحترق جميع انانيته وحصل له التوجه الوحدانى فعند ذلك {نودى} فقيل {يا موسى انى انا} للتوكيد والتحقيق يعنى [شك مكن ومتيقن شكوه من]{ربك} [بروردكار توام] {فاخلع}[بس بيرون كن وبيكفن ازباى خود]{نعليك} امر بذلك لان الحفوة ادخل فى التواضع وحسن الادب ولذلك كان بشر الحافى ونحوه يسيرون حفاة وكان السلف الصالحون يطوفون بالكعبة حافين شعر : كنجى كه زمين وآسمان طالب اوست جون درنكرى برهنه بايان دارند تفسير : او ليتشرف مشهد الوادى بقدوم قدميه وتتتصل بركة الارض اليه. وقيل للحبيب تقدم على بساط العرش بنعليك ليتشرف العرش بغبار نعال قدميك ويصل نور العرش يا سيد الكونين اليك او لانه لا ينبغى لبس النعل بين يدى الملوك اذ دخلوا عليهم وهذا بالنسبة الى المرتبة الموسوية دون الجاه المحمدى كما مر آنفا. وذكر فى فضائل ابى حنيفة انه كان اذا قدم على الخليفة للزيارة استدعى منه الخليفة ان لا ينزل عن بغلته بل يطأبها بساطه. او لانهما كانا غير مدبوغين من جلد الحمار فالخطاب خطاب التأديب كما فى حل الرموز. قال الكاشفى [اصح آنست كه نعلين ازجلد بقربود وطاهر] او لان النعل فى النوم يعبر بالزوجة فاراد تعالى ان لا يلتفت بخاطره الى الزوجة والولد. قال فى الاسرار المحمدية جاء فى غرائب التفسير فى قوله سبحانه {فاخلع نعليك} يعنى همك بامرأتك وغنمك. وقال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره يعنى الطبيعة والنفس. يقول الفقير لا شك ان المرأة صورة الطبيعة والولد صورة النفس لان حبه من هواها غالبا وايضا ان المرأة فى حكم الرجل نفسه لانها جزؤ منه فى الاصل والغنم ونحوه انما هو من المعاش التابع للوجود فكأنه قيل فاخلع فكر النفس وما يتبعها ايا كان وتعال. وقال بعضهم المراد بالنعلين الدنيا والآخرة كأنه امره بالاستغراق فى معرفة الله ومشاهدته والوادى المقدس قدس جلال الله وطهارة عزته. وقال بعضهم ان اثبات الصانع يكون بمقدمتين فشبهتا بالنعلين اذ بهما يتوصل الى المقصود وينتقل الى معرفة الخالق فبعد الوصول يجب ان لا يلتفت اليهما ليبقى القلب مستغرقا فى نور القدس فكأنه قيل فاخلع فكر الدليل والبرهان فانه لا فائدة فيه بعد المشاهدة والعيان شعر : ساكنان حرم از قبله نما آزادند تفسير : وفى المثنوى شعر : جون شدى بربامهاى آسمان سرد باشد جست وجوى ثردبان آينه روشن كه شد صاف وجلى جهل باشد برنهادن صيقلى بيش سلطان خوش نشسته در قبول زشت باشد حستن نامه رسول تفسير : ولهذا غسل حضرة الشيخ الشبلى قدس سره جميع كتبه بعد الوصول الى الله تعالى فتدبر {انك بالواد المقدس} المطهر والمتبعد من السوء {طوى} اسم الوادى عطف بيان له. قال فى القاموس الوادى مفرج بين جبال او تلال او آكام وطوى واد بالشام وهو بالتنوين منصرف بتأويل المكان وبتركه غير منصرف بتأويل البقعة المعروفة - روى - ان موسى عليه السلام خلعهما والقاهما وراء الوادى.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمور {إني أنا ربك} بفتح الهمزة والياء. الباقون بكسرها وسكون الياء إلا نافعاً فانه فتح الياء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع وعاصم وحمزة والكسائي {طوى} بضم الطاء مصروفاً. وروى بكسر الطاء غير مصروف ابو زيد عن أبي عمرو. وقال: هي أرض. وقرأ {وإنا اخترناك} بالتشديد بالف حمزة، واصله واننا اخترناك والنون والالف نصب بـ (إن) و (ان) مع ما بعدها فى موضع نصب بتقدير، نودي {إنا اخترناك}. وقرأ الباقون {وأنا اخترتك} على التوحيد فـ {أنا} رفع بأنه ابتداء و {اخترتك} خبره. وفى قراءة أبي {وإنني اخترتك} فهذه تقوي قراءة حمزة والكسائي. من لم يصرف {طوى} يجوز أن يكون اعتقد انه معدول عن (طاو) وهو معرفة، ويجوز أن يكون نكرة، لأنه اسم البقعة. يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) إن موسى (ع) لما أتى النار التي آنسها نودي، فقيل له يا موسى، والنداء الدعاء على طريقة يا فلان، وهو مد الصوت بنداء على هذه الطريقة يقال: صوت نداء، وذلك أنه بندائه يمتد {إني أنا ربك} فيمن فتح الهمزة. فالمعنى نودي بأني أنا، ولما حذف الباء فتح. ومن كسرها فعلى الاسنئناف أو على تقدير قيل له إني أنا ربك الذي خلقك ودبرك {فاخلع نعليك} وانما علم موسى (ع) أن هذا النداء من قبل الله تعالى بمعجزة أظهرها الله، كما قال في موضع آخر {أية : نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وان ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب} تفسير : حتى قيل له {أية : يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} تفسير : وقيل السبب الذي لأجله أمر بخلع النعلين فيه قولان: احدهما - ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس في قول علي (ع) والحسن وابن جريج. وقال كعب وعكرمة: لانها كانت من جلد حمار ميت. وحكى البلخي أنه امر بذلك على وجه الخضوع والتواضع، لان التحفي في مثل ذلك أعظم تواضعاً وخضوعاً. والخلع نزع الملبوس يقال: خلع ثوبه عن بدنه وخلع نعله عن رجله. وقد ينزع المسمار، فلا يكون خلعاً، لانه غير ملبوس ويقال: خلع عليه رداءه كأنه نزعه عن نفسه وألبسه اياه. والوادي سفح الجبل. ويقال للمجرى العظيم من مجاري الماء واد واصله عظم الامر. ووديته إذا أعطيته ديته، لأنها عطية عن الأمر العظيم من القتل. والمقدس المبارك - فى قول ابن عباس ومجاهد - وقيل هو المطهر، قال امرؤ القيس: شعر : كما شبرق الولدان ثوب المقدس تفسير : يريد بالمقدس: العابد من النصارى، كالقسيس ونحوه و (شبرق) أي شق. وقيل فى معنى (طوى) قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: هو اسم الوادي. وقال الحسن: لانه طوي بالبركة مرتين، فعلى هذا يكون مصدر طويته طوى، وقال عدي بن زيد: شعر : آعاذل ان اللوم فى غير كنهه عليّ طوى من غيك المتردد تفسير : وقوله {وأنا اخترتك} اي اصطفيتك {فاستمع لما يوحى} اليك من كلامي واصغ اليه وتثبت {إني أنا الله لا إله إلا أنا} أي لا إله يستحق العبادة غيري {فاعبدني} خالصاً، ولا تشرك في عبادتي احداً {وأقم الصلاة لذكري} أي لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم - في قول الحسن ومجاهد - وقيل: معناه لأن أذكرك بالمدح والثناء. وقيل المعنى متى ذكرت ان عليك صلاة كنت فى وقتها أوفات وقتها، فأقمها. وقرئ - بفتح الراء - قال أبو علي: يحتمل أن يكون قلب الكسرة فتحة مع ياء الاضافة. ثم اخبر الله تعالى بأن الساعة يعني القيامة {آتية} أي جائية {أكاد أخفيها} معناه أكاد لا أظهرها لاحد - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - أي لا أذكرها بأنها آتية، كما قال تعالى {أية : لا تأتيكم إلا بغتة} تفسير : وقيل {أخفيها} بضم الألف بمعنى أظهرها، وانشد بيتاً لأمرئ القيس بن عابس الكندي: شعر : فان تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد تفسير : فضم النون من نخفه - ذكره ابو عبيدة - قال انشدنيه ابو الخطاب هكذا، وانشده الفراء بفتح النون. وقال ابي بن كعب: المعنى {أكاد أخفيها} من نفسي. قال ابن الانباري تأويله من نفسي {أكاد أخفيها} أي من قبلي، كما قال {أية : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك}. تفسير : وقوله {لتجزي كل نفس بما تسعى} اي تجازي كل نفس بحسب عملها، فمن عمل الطاعات اثيب عليها، ومن عمل المعاصي عوقب بحسبها
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّآ أَتَاهَا} متعلّقاً قلبه بأهله وماشيته لانّه تركها بحالٍ لا يجوّز العقل تركها بتلك الحال {نُودِيَ يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ} قرئ بفتح همزة انّى وكسرها {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} الوادى المفرج بين الجبال والتّلال والآكام وطوى قرئ منصرفاً وغير منصرفٍ باعتبار كونه علماً للوادى وعلماً للبقعة وسمّى مقدّساً لانّه بورك فيه بسعة الرّزق والخصب كما قيل، او لانّه كان مطهّراً من عصيان بنى آدم، او لانّه قدّست فيه الارواح واصطفيت فيه الملائكة وكلّم الله موسى تكليماً كما فى الخبر، وسمّى طوىً لانّه كان مطويّاً فيه العلوم، او الملائكة والبشر، او الخير والبركة، او عالم الطّبع والكثرات، او الخلق والحقّ وامره بخلع نعليه لانّ الحفاء اقرب الى التّواضع، ولان يلاصق قدمه الوادى فتتبرّك به ولانّ النّعلين كانتا كنايةً عن الاهل، او عن الاهل والمال كما يعبّران فى الرّؤيا بالمنكوحة، او لانّهما كانتا كناية عن خوف ضياع ماله واهله، او عن خوف ضياع اهله وخوف فرعون فأمره بخلع حبّ الغير او خوف الغير من قلبه، وما نقل من طرق العامّة من انّهما كانتا من اهاب الميتة فأمره الله بخلعها؛ ورد صريحاً تكذيبه من طريقنا. اعلم، انّ الانسان من اوّل طفوليّته مبتلىً بمشتهياته الحيوانيّة ومقتضياته النّفسانيّة فهو بعد البلوغ امّا يقف عليها ولا يعرف من الدّين والملّة سوى ما اخذه واعتاده من الآباء والاقران، او يظهر فى وجوده زاجرا لهىٌّ فيزجره عن الوقوف على الحيوانيّة وهو امّا يقف على هذه الحالة ويتحيّر فى امره حتّى يدركه الموت وهو حال اغلب النّاس او يصل بهيجانه وانزجاره الى زاجرٍ الهىٍّ ظاهرىٍّ من نبىٍّ او خليفته ويسلّم نفسه له ويقبل منه الاحكام القالبيّة الظّاهرة فى اىّ دينٍ وملّة كان، وهو امّا يقف عن طلبه ويكتفى بالاتّصال بالزّاجر الالهىّ وظواهر الاحكام القالبيّة وهو حال اغلب الملّيّين، او يتهيّج لطلب بواطن الاحكام القالبيّة ويطلبها؛ وهو امّا يقف ويتحيّر حتّى يدركه الموت، او يصل الى من يدلّه على طريق معرفة بواطن الاحكام؛ وهذا امّا يكتفى بالوصلة البشريّة والبيعة الولويّة، او يزداد بذلك شوقه الى معرفة البواطن وشهود الغيب؛ وذلك امّا يقف على هذه الحال حتّى يدركه الموت او تدركه العناية الالهيّة وتوصله الى مقامٍ من النّفس يرى فيه مظاهر الله ويسمع صوت الله من مظاهره وهذا اوّل مقام الاطّلاع على الغيب والالتذاذ ببواطن الشّرع، وهذا اوّل مقامٍ يصلح العبد لان يرجعه الله الى الخلق للدّعوة والتّكميل فانّ دعوته هناك تكون على بصيرةٍ ويصير العبد من اتباع محمّدٍ (ص) الّذين اشار اليهم بقوله تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف:108]؛ سواء كان من امّة محمّدٍ (ص) او من الامم الماضية، ولمّا كان الانسان مفطور التّعلّق بالكثرات ولا يبلغ الى هذا المقام الاّ من طرح الكثرات وازال الانانيّات كان الله تعالى اذا اراد ان يبلغ عبده الى هذا المقام ابتلاه بالبلايا الواردة النّفسيّة والبدنيّة والحقّيّة والخلقيّة حتّى ينزجر غاية الزّجرة ويستوحش غاية الوحشة وينصرف من الكثرة الى الوحدة ولذلك يظهر قبل ظهور صاحب الامر الدّجّال والسّفيانىّ، وقبل خراب الدّنيا يأجوج ومأجوج، ولمّا اراد الله تعالى ان يبلّغ موسى (ع) الى هذا المقام وكان شديد الاهتمام بالكثرات وحقوقها سلّط عليه البرد وظلمة اللّيل وتفرّق الماشية ومخاض المرأة وعدم انقداح الزّندة وضلال الطّريق حتّى دهش غاية الدّهشة واستوحش غاية الوحشة، ثمّ اراه نوره بصورة النّار وبلّغه الى ذلك الوادى وذلك الوادى واقع بين جبلى انانيّة الله وانانيّة العبد ومطوىّ فيه الخيرات والبركات ومجتمع للملك والبشر والخلق والحقّ، ومطوىّ فيه انموذجات العلوم كلّها والآيات جلّها، وهذا هو طور النّفس ومرتفعها وفناء دار التّوحيد فانّ الطّور اسم للجبل ولفناء الدّار كما انّه علمٌ لجبل قرب ايلة يضاف الى سينا وسينين وعلم جبلٍ بالشّام، وقيل: هو يضاف الى سينا وسينين، وعلم جبلٍ بالقدس عن يمين المسجد، وآخر عن قبلته به قبر هارون، وجبلٌ برأس العين، وجبلٌ مشرفٌ على الطّبريّة وعلم كورة بمصر، وعلم بلد بنواحى نصيبين.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا أَتَاهَا} أى النار. {نُودِىَ يَا مُوسَى إنِّى أَنَا رَبُّكَ} بكسر الهمزة لتأويل النداء بالقول. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتحها لتقدير حرف الجر وهو الباء وسكن غير نافع وابن كثير وأبى عمرو الياء وياء إنى آنست وياء إننى أنا الله وسكن الكوفيون ياء لعلى آتيكم. ولا يخفى ما فى الكلام من التأكيد بإن وأنا، فقد روى أنه نودى: يا موسى فقال مسرعا: لبيك لبيك سمعت كلامك: فأين أنت؟ فقال: إنى أنا ربك فوقك ويمينك وشِمالك وخلفك وفى الأرضين وأقرب إليك من حبل الوريد. ولما انقضى الخطاب وانصرف من الوادى تعرض له إبليس - أبعده الله عنا - فقال له: لعلك تسمع كلام شيطان. فقال: أنا عرفت أنه كلام الله سبحانه وتعالى بأنى أسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء. وروى أنه لما أتى النار وجد تسبيح الملائكة، فإذا قرب منها بعُدت، وإذا بعُد قربت، ولم يختلف الصوت. وإن قلت: كيف تحقيق للمسألة على مذهبنا؟ قلت: إن الله - سبحانه وتعالى عما تقول المشبهة - خلق كلاماً فى الشجرة أو فى الهواء أو على لسان مَلك كما أنزل على لسان جبريل: {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} تفسير : ونحو ذلك ولم يتوهم أحد أن المراد بالمنزل الحافظ جبريل وإنما قال: سمعه من كل جهة وكل عضو دفعاً لما يوسوس إليه أنه كلام شيطان. {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} تعظيما للمقام، كما يُخلعان للمسجد ونحوه تواضعا، ولتنال قدماه بركة المقام وكانتا من جلد بقرة مُذكاة. وقيل: لأنهما من جلد حمار ميت. وروى أنه غير مدبوغ، ولما خلعهما ألقاهما من وراء الوادى. {إنَّكَ} تعليل للخلع المأمور به {بِالْوَادِى} فى الوادى {الْمُقَدَّسِ} المطهر المعظم المبارك. قيل: قدِّس مرتين. وقيل: المراد المقدس عن اشتغال القلب بالأهل والمال والولد فالمراد بخلع النعلين الكناية عن تفريغ القلب عن الاشتغال بذلك. {طوًى} اسم للوادى بدل أن بيان ممنوع من الصرف للتأنيث باعتبار البقعة مع العلمية. وقيل: هو كثنىّ من العلى بمعنى مرتين مفعول مطلق لنودى أو المقدس، أى فردى نداءين، أو قدس مرتين. والصحيح الأول. قال ابن هشام: وأما طوى فيمن منع صرفه فالمعتبر فيه التأنيث باعتبار البقعة لا العدل عن طاوٍ؛ ولأن العدل قد أمكن غيره وهو التأنيث فلا وجه لتكلف العدل. ويؤيد اعتبار التأنيث أنه يصرف باعتبار المكان فلو كان العدل معتبرا فيه لما انصرف إذا اعتبر فيه المكان انتهى. وقرأ ابن عامر والكوفيون بالتنوين باعتبار التذكر؛ لأنه واد؛ ولأنه موضع وذلك وادى الطور. وقيل: واد مستدير عميق مثل الطور. وقيل: إن طوى اسم واد بالشام، وهو عند الطور الذى أقسم الله به فى القرآن. وقيل: إن طوى بمعنى يا رجل بالعبرانية. وقيل: معرب معناه ليلا. وقيل: طوى بمعنى طويت لك الأرض مرتين. قال الجوهرى: لما قيل لموسى: استمع لما يوحى وقف على حجر ووضع يمينه على شماله وألقى دقنه على صدره، ووقف بسمع وكان كل لباسه صوفا. واعلم أن الصحيح أن امر موسى عليه الصلاة والسلام انقضى تلك الليلة. وزعم بعض عن ابن عباس أنه أقام فى ذلك الأمر حولا.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا أتاها} أى النار فى شجرة عناب خضراء يانعة، أو سمرة أو عوسجة، أو عليقة تزداد النار شدة، فتزداد الشجرة خضرة وحسناً، وروى أنه ينتظر سقوط شىء منها ليأخذه، فإذا أقرب منها مالت إليه، كأنه تريده، ويقال: إذا قرب منها بعدت، وإذا أدبر تبعته، ثم خمدت بمرة، وبقى متعجباً وهى نار لا تأكل ولا تشرب. وصنف يأكل ويشرب، وهى نار الدنيا، وصنف يشرب ولا يأكل، وهى نار الشجر الأخضر، وصنف يأكل ولا يشرب وهى نار جهنم، وهؤلاء أربعة الأصناف. ونار موسى لها نور بلا إحراق، وعن ابن عباس: هى نور سمى ناراً لأنها قصد موسى. وللشبه وصنف له نور واحراق، وهى نار الدنيا، ونوع لا نور له ولا إحراق وهى نار الأشجار ما لم تخرج، ونوع له إحراق بلا نور وهى نار جهنم. {نُودىَ يا موسى} ولا يضر الفصل بوقوف موسى وتعجبه مدة، ومعالجته الآخذ منها تقول: لما جاء زيد أطعمته، ولو بقى بعد المجىء مقدار الطبخ، أو المجىء بالطعام، ونائب فاعل النداء ضمير موسى، ودع عنك قول ضمير النداء أى نودى النداء، وقول: إن يموسى نائب الخ، اللهم إلا أن يعتبر نودى بقيل أى قيل يا موسى.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا أَتَـٰهَا } أي النار التي آنسها وكانت كما في بعض الروايات عن ابن عباس في شجرة عناب خضراء يانعة، وقال عبد الله بن مسعود: كانت في سمرة، وقيل: في شجرة عوسج. وأخرج الإمام أحمد في «الزهد» وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن وهب بن منبه قال: لما رأى موسى عليه السلام النار انطلق يسير حتى وقف منها قريباً فإذا هو بنار عظيمة تفور من ورق شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق لا تزداد النار فيما يرى إلا عظماً وتضرماً ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق إلا خضرة وحسناً فوقف ينظر لا يدري علام يضع أمرها إلا أنه قد ظن أنها شجرة تحترق وأوقد إليها بوقد فنالها فاحترقت وأنه إنما يمنع النار شدة خضرتها وكثرة مائها وكثافة ورقها وعظم جذعها فوضع أمرها على هذا فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه فلما طال عليه ذلك أهوى إليها بضغث / في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها فلما فعل ذلك مالت نحوه كأنها تريده فاستأخر عنها وهاب ثم عاد فطاف بها ولم تزل تطمعه ويطمع بها ثم لم يكن شيء بأوشك من خمودها فاشتد عند ذلك عجبه وفكر في أمرها فقال: هي نار ممتنعة لا يقتبس منها ولكنها تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين فلما رأى ذلك قال إن لهذه لشأناً ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة لا يدري من أمرها ولا بم أمرت ولا من صنعها ولا لم صنعت فوقف متحيراً لا يدري أيرجع أم يقيم فبينما هو على ذلك إذ رمى بطرفة هو فرعها فإذا أشد ما كان خضرة ساطعة في السماء ينظر إليها تغشى الظلام ثم لم تزل الخضرة تنور وتصفر وتبيض حتى صارت نوراً ساطعاً عموداً بين السماء والأرض عليه مثل شعاع الشمس تكل دونه الأبصار كلما نظر إليه يكاد يخطف بصره فعند ذلك اشتد خوفه وحزنه فرد يده على عينيه ولصق بالأرض وسمع حينئذ شيئاً لم يسمع السامعون بمثله عظماً فلما بلغ موسى عليه السلام الكرب واشتد عليه الهول كان ما قص الله تعالى. وروي أنه عليه السلام كان كلما قرب منها تباعدت فإذا أدبر اتبعته فأيقن أن هذا أمر من أمور الله تعالى الخارقة للعادة ووقف متحيراً وسمع من السماء تسبيح الملائكة وألقيت عليه السكينة وكان ما كان. وقالوا: النار أربعة أصناف صنف يأكل ولا يشرب وهي نار الدنيا، وصنف يشرب ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر، وصنف يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنف لا يأكل ولا يشرب وهي نار موسى عليه السلام. وقالوا أيضاً هي أربعة أنواع. نوع له نور وإحراق وهي نار الدنيا، ونوع لا نور له ولا إحراق وهي نار الأشجار ونوع له إحراق بلا نور وهي نار جهنم. ونوع له نور بلا إحراق وهي نار موسى عليه السلام، بل قال بعضهم: إنها لم تكن ناراً بل هي نور من نور الرب تبارك وتعالى، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذكر ذلك بلفظ النار بناء على حسبان موسى عليه السلام وليس في إخباره عليه السلام حسب حسبانه محذور كما توهم واستظهر ذلك أبو حيان وإليه ذهب الماوردي. وقال سعيد بن جبير هي النار بعينها وهي إحدى حجب الله عز وجل واستدل له بما روي عن أبـي موسى الأشعري عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»تفسير : ذكر ذلك البغوي وذكر في «تفسير الخازن» أن الحديث أخرجه مسلم. وظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام حين أتاها {نُودِىَ } من غير ريث وبذلك رد بعض المعتزلة الأخبار السابقة الدالة على تخلل زمان بين المجيء والنداء، وأنت تعلم أن تخلل مثل ذلك الزمان مما لا يضر في مثل ما ذكر، وزعم أيضاً امتناع تحقق ظهور الخارق عند مجيئه النار قبل أن ينبأ إلا أن يكون ذلك معجزة لغيره من الأنبياء عليهم السلام، وعندنا أن ذلك من الإرهاص الذي ينكره المعتزلة، والظاهر أن القائم مقام فاعل {نُودِىَ } ضمير موسى عليه السلام، وقيل: ضمير المصدر أي نودي النداء، وقيل: هو قوله تعالى: {يَا مُوسَىٰ } الخ وكأن ذلك على اعتبار تضمين النداء معنى القول وإرادة هذا اللفظ من الجملة وإلا فقد قيل: إن الجملة لا تكون فاعلاً ولا قائماً مقامه في مثل هذا التركيب إلا بنحو هذا الضرب من التأويل. وفي «البحر» مذهب الكوفيين معاملة النداء معاملة القول ومذهب البصريين إضمار القول في مثل هذه الآية أي نودي فقيل: {يَا مُوسَىٰ }.
ابن عاشور
تفسير : بني فعل النداء للمجهول زيادة في التشويق إلى استطلاع القصة، فإبهام المنادي يشوّق سامع الآية إلى معرفته فإذا فاجأه {إنِّي أنا ربُّكَ} علم أنّ المنادي هو الله تعالى فتمكن في النفس كمال التمكن. ولأنه أدخل في تصوير تلك الحالة بأنّ موسى ناداه مناد غير معلوم له، فحكي نداؤه بالفعل المبني للمجهول. وجملة {إنِّي أنا ربُّكَ} بيان لجملة {نُودِيَ}. وبهذا النداء علم موسى أنّ الكلام موجّه إليه من قِبَل الله تعالى لأنه كلام غير معتاد والله تعالى لا يغيّر العوائد التي قررها في الأكوان إلاّ لإرادة الإعلام بأنّ له عناية خاصة بالمغيّر، فالله تعالى خلق أصواتاً خَلقاً غير معتاد غير صادرة عن شخص مشاهد، ولا موجهة له بواسطة ملَك يتولى هو تبليغ الكلام لأنّ قوله {إنِّي أنا ربُّكَ} ظاهر في أنه لم يبلّغ إليه ذلك بواسطة الملائكة، فلذلك قال الله تعالى: {أية : وكلم الله موسى تكليماً}تفسير : [النساء: 164]، إذ علم موسى أن تلك الأصوات دالة على مراد الله تعالى. والمرادُ التي تدلّ عليه تلك الأصوات الخارقة للعادة هو ما نسميه بالكلام النفسي. وليس الكلام النفسي هو الذي سمعه موسى لأن الكلام النفسي صفة قائمة بذات الله تعالى منزّه عن الحروف والأصوات والتعلّق بالأسماع. والإخبار عن ضمير المتكلم بأنه ربّ المخاطب لتسكين روعة نفسه من خطاب لا يرى مخاطِبه فإن شأن الرب الرفق بالمربوب. وتأكيد الخبر بحرف (إنّ) لتحقيقه لأجل غرابته دفعاً لتطرق الشك عن موسى في مصدر هذا الكلام. وقرأ أبو عمرو وابن كثير «أني» بفتح الهمزة على حذف باء الجر. والتقدير: نودي بأني أنا ربّك. والتأكيد حاصل على كلتا القراءتين. وتفريع الأمر بخلع النعلين على الإعلام بأنه ربّه إشارة إلى أن ذلك المكان قد حلّه التقديس بإيجاد كلام من عند الله فيه. والخلع: فصل شيء عن شيء كان متّصلاً به. والنعلان: جلدان غليظان يجعلان تحت الرجل ويشدّان برباط من جلد لوقاية الرِّجل ألم المشي على التّراب والحصى، وكانت النعل تجعل على مثال الرجل. وإنما أمره الله بخلع نعليه تعظيماً منه لذلك المكان الذي سيسمع فيه الكلام الإلهي. وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كانت نعلاه من جلد حمارٍ ميّت»تفسير : . أقول: وفيه أيضاً زيادة خشوع. وقد اقتضى كلا المعنيين قوله تعالى: {إنَّكَ بالوادِ المُقَدَّسِ} فحرف التوكيد مفيد هنا التعليل كما هو شأنه في كل مقام لا يقتضي التأكيد. وهذه خصوصية من جهات فلا يؤخذ منها حكمٌ يقتضي نزع النعل عند الصلاة. والواد: المَفْرج بين الجبال والتلالِ. وأصله بياء في آخره. وكثر تخفيفه بحذف الياء كما في هذه الآية فإذا ثُني لزمتْه الياء يقال: وادِيان ولا يقال وادَان. وكذلك إذا أضيف يقال: بوادِيك ولا يقال بوادِك. والمقدّس: المطهّر المنزّه. وتقدم في قوله تعالى: {أية : ونُقدس لك} تفسير : في أول البقرة (30). وتقديس الأمكنة يكون بما يحلّ فيها من الأمور المعظمة وهو هنا حلول الكلام الموجه من قِبَل الله تعالى. واختلف المفسرون في معنى {طُوَىً} وهو بضم الطاء وبكسرها، ولم يقرأ في المشهور إلاّ بضم الطاء، فقيل: اسم لذلك المكان، وقيل: هو اسم مصدر مثل هُدى، وصف بالمصدر بمعنى اسم المفعول، أي طواه موسى بالسير في تلك الليلة، كأنه قيل له: إنك بالواد المقدّس الذي طويتَه سَيراً، فيكون المعنى تعيين أنه هو ذلك الواد. وأحسن منه على هذا الوجه أن يقال هو أمر لموسى بأن يطوي الوادي ويصعَدَ إلى أعلاه لتلقي الوحي. وقد قيل: إنّ موسى صَعِدَ أعلى الوادي. وقيل: هو بمعنى المقدس تقديسين، لأن الطي هو جعل الثوب على شقين، ويجيء على هذا الوجه أن تجعل التثنية كناية عن التكرير والتضعيف مثل: {أية : ثم ارجع البصر كرتين}تفسير : [الملك: 4]. فالمعنى: المقدّس تقديساً شديداً. فاسم المصدر مفعول مطلق مبيّن للعدد، أي المقدّس تقديساً مضاعفاً. والظاهر عندي: أنّ {طُوىً} اسم لصنف من الأودية يكون ضيقاً بمنزلة الثوب المطوي أو غائراً كالبئر المطوية، والبئر تسمى طَوِيّاً. وسمي وادٍ بظاهر مكة (ذا طوى) بتثليث الطاء، وهو مكان يسن للحاج أو المعتمر القادم إلى مكة أن يغتسل عنده. وقد اختلف في (طوى) هل ينصرف أو يمنع من الصرف بناء على أنه اسم أعجمي أو لأنه معدول عن طاو، مثل عُمر عن عامر. وقرأ الجمهور {طوى} بلا تنوين على منعه من الصرف. وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف منوّناً، لأنه اسم واد مذكّر. وقوله {وأنَا اخْتَرْتُكَ} أخبر عن اختيار الله تعالى موسى بطريق المسند الفعلي المفيد تقوية الحكم، لأنّ المقام ليس مقام إفادة التخصيص، أي الحصر نحو: أنا سعيت في حاجتك، وهو يعطي الجزيل. وموجِب التقوّي هو غرابة الخبر ومفاجأته به دفعاً لتطرّق الشك في نفسه. والاختيار: تكلف طلب ما هو خير. واستعملت صيغة التكلف في معنى إجادة طلب الخير. وفُرع على الإخبار باختياره أن أُمِر بالاستماع للوحي لأنه أثر الاختيار إذ لا معنى للاختيار إلاّ اختياره لتلقي ما سيوحي الله. والمراد: ما يوحى إليه حينئذ من الكلام، وأما ما يوحى إليه في مستقبل الأيام فكونه مأموراً باستماعه معلوم بالأحْرى. وقرأ حمزة وحده «وأنّا اخترناك» بضميري التعظيم. واللام في {لِمَا يُوحَى} للتقوية في تعدية فعل «استمع» إلى مفعوله، فيجوز أن تتعلق بـ{اخْتَرْتُكَ}، أي اخترتك للوحي فاستمع، معترضاً بين الفعل والمتعلّق به. ويجوز أن يضمّن استمع معنى أصْغِ.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَتَاهَا} {يٰمُوسَىٰ} (11) - فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى النَّارَ التِي رَآها، وَجَدَهَا تَشْتَعِلُ فِي شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، وَكُلَّمَا ازْدَادَتِ النَّارُ تَوَهُّجاً، ازْدَادَتِ الشَّجَرَةُ اخْضِرَاراً، فَوَقَفَ مُتَعَجِّباً مِمَّا يَرَى. فَنُودِيَ: يَا مُوسَى وَصَدَرَ إِلَيْهِ النِّدَاءُ مِنَ الجِهَةِ اليُمْنَى مِنَ الوَادِي، فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، كَمَا فِي آيَةٍ أُخْرَى. فَرَدَّ مُوسَى عَلَى الصَّوْتِ الذِي نَادَاهُ قَائِلاً: مَنِ المُتَكِلِّمُ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقال: إن موسى عليه السلام لما أتاها وجد نوراً يتلألأ في شجرة، لكن لا خضرةُ الشجرة تؤثر في النور فتبهته، ولا النورُ يطغى على خضرة الشجرة فيمنع عنها الخضرة، فهي - إذن - مسألة عجيبة لا يقدر عليها إلا الله. فكانت هذه النار هي أول الإيناس لموسى في هذا المكان الموحِش، وكأن هذا المنظر العجيب الذي رآه إعداد إلهي لموسى حتى يتلقَّى عن ربه، فليستْ المسألة مجرد منظر طبيعي. وقوله تعالى: {نُودِيَ يٰمُوسَىٰ ..} [طه: 11] أي: في هذه الدهشة {نُودِيَ ..} [طه: 11] فالذي يناديه يعرفه تماماً؛ لذلك ناداه باسمه {يٰمُوسَىٰ ..} [طه: 11] وما دام الأمر كذلك فطَمع الخير فيه موجود، وبدأ موسى يطمئن إلى مصدر النداء، ويأنَسُ به، ويبحث عن مصدر هذا الصوت، ولا يعرف من أين هو؛ لذلك اعتبرها مسألة عجيبة مثل منظر الشجرة التي ينبعث منها النور.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):