٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : قرأ حمزة: (وإنا اخترناك) وقرأ أبي بن كعب: (وإني اخترتك) وههنا مسائل: المسألة الأولى: معناه اخترتك للرسالة وللكلام الذي خصصتك به، وهذه الآية تدل على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق لأن قوله: {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ } يدل على أن ذلك المنصب العلي إنما حصل لأن الله تعالى اختاره له ابتداء لا أنه استحقه على الله تعالى. المسألة الثانية: قوله: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } فيه نهاية الهيبة والجلالة فكأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهب له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفاً إليه فقوله: {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ } يفيد نهاية اللطف والرحمة وقوله: {فَٱسْتَمِعْ } يفيد نهاية الهيبة فيحصل له من الأول نهاية الرجاء ومن الثاني نهاية الخوف. المسألة الثالثة: قوله: {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لآ إِلَـٰهَ إلآ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى } يدل على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع لأن التوحيد في علم الأصول والعبادة من علم الفروع وأيضاً الفاء في قوله: {فَٱعْبُدْنِى } تدل على أن عبادته إنما لزمت لإلهيته وهذا هو تحقيق العلماء أن الله هو المستحق للعبادة. المسألة الرابعة: أنه سبحانه بعد أن أمره بالتوحيد، أولاً ثم بالعبادة ثانياً، أمره بالصلاة ثالثاً احتج أصحابنا بهذه الآية على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز من وجهين: الأول: أنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفية تلك العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكاً عن البيان. الثاني: أنه قال: {وأقم الصلاة لذكري} ولم يبين كيفية الصلاة قال: القاضي لا يمتنع أن موسى عليه السلام قد عرف الصلاة التي تعبد الله تعالى بها شعيباً عليه السلام وغيره من الأنبياء فصار الخطاب متوجهاً إلى ذلك ويحتمل أنه تعالى بين له في الحال وأن كان المنقول في القرآن لم يذكر فيه إلا هذا القدر. والجواب: أما العذر الأول فإنه لا يتوجه في قوله تعالى: {فَٱعْبُدْنِى } وأيضاً فحمل مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم لأن موسى عليه السلام ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب عليه السلام فلو حملنا قوله: {وأقم الصلاة} على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة، أما لو حملناه على صلاة أخرى لحصلت الفائدة الزائدة، قوله: لعل الله تعالى بينه في ذلك الموضع وإن لم يحكه في القرآن قلنا لا نشك أن البيان أكثر فائدة من المجمل فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية. المسألة الخامسة: في قوله: {لِذِكْرِي } وجوه: أحدها: لذكري يعني لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلي لي. وثانيها: لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد. وثالثها: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها. ورابعها: لأن أذكرك بالمدح والثناء واجعل لك لسان صدق. وخامسها: لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري. وسادسها: لإخلاص ذكري وطلب وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضاً آخر. وسابعها: لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم كما قال تعالى: { أية : لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 37] وثامنها: لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة لقوله تعالى: { أية : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } تفسير : [النساء: 103]. وتاسعها: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ } حين تذكرها أي أنك إذا نسيت صلاة فاقضها إذا ذكرتها. روى قتادة عن أنس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك » تفسير : ثم قرأ: {وأقم الصلاة لذكري} قال الخطابي يحتمل هذا الحديث وجهين. أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها والآخر أنه لا يلزم في نسيانها غرامة ولا كفارة كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئاً من نسكه فدية من إطعام أو دم. وإنما يصلي ما ترك فقط فإن قيل حق العبارة أن يقول أقم الصلاة لذكرها كما قال عليه السلام: « حديث : فليصلها إذا ذكرها » تفسير : قلنا قوله: {لِذِكْرِى } معناه للذكر الحاصل بخلقي أو بتقدير حذف المضاف أي لذكر صلاتي. المسألة السادسة: لو فاتته صلوات يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء فلو ترك الترتيب في قضائها جاز عند الشافعي رحمه الله ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة نظر إن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة ولو بدأ بصلاة الوقت جاز وإن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فات الوقت يجب أن يبدأ بصلاة الوقت حتى لا تفوت ولو تذكر الفائتة بعدما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها ولا يجب وقال أبو حنيفة رحمه الله يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزد على صلاة يوم وليلة حتى قال: لو تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة تركها اليوم يبطل فرض الوقت فيقضي الفائتة ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل حجة أبي حنيفة رحمه الله الآية والخبر والأثر والقياس، أما الآية فقوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِي } أي لتذكرها واللام بمعنى عند كقوله: { أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78] أي عند دلوكها فمعنى الآية أقم الصلاة المتذكرة عند تذكرها وذلك يقتضي رعاية الترتيب وأما الخبر فقوله عليه السلام: « حديث : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها » تفسير : والفاء للتعقيب وأيضاً روى جابر بن عبد الله قال: «حديث : جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس قال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا والله ما صليتها بعد قال فنزل إلى البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها تفسير : وهذا الحديث مذكور في «الصحيحين» قالت الحنفية والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي » تفسير : فلما صلى الفوائت على الولاء وجب علينا ذلك. والثاني: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مخرج البيان للمجمل كان حجة وهذا الفعل خرج بياناً لمجمل قوله تعالى: { أية : أَقِيمُواْ الصلاة } تفسير : [النور: 56] ولهذا قلنا إن الفوائت إذا كانت في حد القلة يجب مراعاة الترتيب فيها وإذا دخلت في حد الكثرة يسقط الترتيب وأما الأثر فما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «حديث : من فاتته صلاة فلم يذكرها إلا في صلاة الإمام فليمض في صلاته فإذا قضى صلاته مع الإمام يصلي ما فاته ثم ليعد التي صلاها مع الإمام»تفسير : وقد يروى هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القياس فهو أنهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة والمزدلفة فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة كذلك حجة الشافعي رحمه الله أنه روى في حديث أبي قتادة: « حديث : أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها » تفسير : ولو كان وقت التذكر معيناً للصلاة لما جاز ذلك فعلمنا أن ذلك الوقت وقت لتقرر الوجوب عليه لكن لا على سبيل التضييق بل على سبيل التوسع إذا ثبت هذا فنقول إيجاب قضاء الفوائت وإيجاب أداء فرض الوقت الحاضر يجري مجرى التخيير بين الواجبين فوجب أن يكون المكلف مخيراً في تقديم أيهما شاء ولأنه لو كان الترتيب في الفوائت شرطاً لما سقط بالنسيان ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في يوم غيم ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال والعصر بعد الزوال فإنه يعيدهما جميعاً ولم يسقط الترتيب بالنسيان لما كان شرطاً فيهما فههنا أيضاً لو كان شرطاً فيهما لما كان يسقط بالنسيان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ } من قومك {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ } إليك مني.
النسفي
تفسير : {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ } اصطفيتك للنبوة، {وإنا اخترناك } حمزة { فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } إليك للذي يوحى أو للوحي، واللام يتعلق بـ {ٱسْتَمَعَ } أو بـ {ٱخْتَرْتُكَ } {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى } وحدني وأطعني {وأقم الصلاة لذكري} لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثناء، أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري، أو لتكون لي ذاكراً غير ناس، أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة لقوله: {أية : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} تفسير : [النساء: 103] وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها وذا يصح بتقدير حذف المضاف أي لذكر صلاتي، وهذا دليل على أنه لا فريضة بعد التوحيد أعظم منها. {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ } لا محالة {أَكَادُ } أريد عن الأخفش وقيل صلة {أُخْفِيهَا } قيل: هو من الأضداد أي أظهرها أو أسترها عن العباد فلا أقول هي آتية لإرادتي إخفاءها، ولولا ما في الأخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من الحكمة وهو أنهم إذا لم يعلموا متى تقوم كانوا على وجل منها في كل وقت لما أخبرت به {لِتُجْزَىٰ } متعلق بـ {ءاتِيَةٌ } {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } بسعيها من خير أو شر {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا } فلا يصرفنك عن العمل للساعة أو عن إقامة الصلاة أو عن الإيمان بالقيامة فالخطاب لموسى والمراد به أمته {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا } لا يصدق بها {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } في مخالفة أمره {فَتَرْدَىٰ } فتهلك {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} «ما» مبتدأ و{تِلْكَ } خبره وهي بمعنى هذه و{بِيَمِينِكَ } حال عمل فيها معنى الإشارة أي قارة أو مأخوذة بيمينك. أو {تِلْكَ } موصول صلته {بِيَمِينِكَ } والسؤال للتنبيه لتقع المعجزة بها بعد التثبت، أو للتوطين لئلا يهوله انقلابها حية، أو للإيناس ورفع الهيبة للمكالمة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: "وَأنَا اخْتَرْتُكَ" أي للرسالة والكلام. قرأ حمزة "وَأنَّا اخْتَرْنَاكَ" بفتح الهمزة فضمير المتكلم المعظم نفسه. وقرأ السلمي والأعمش وابن هرمز كذلك إلا أنهم كسروا الهمزة. والباقون: "وَأنَا اخْتَرْتُكَ" بضمير المتكلم وحده. وقرىء "أَنِّي اخْتَرْتُكَ" بفتح الهمزة. فأما قراءة حمزة فعطف على قوله {أَنِّي أَنَا رَبُّكَ} وذلك أنه يفتح الهمزة هناك ففعل ذلك لما عطف غيرها عليها. وجوز أبو البقاء أن يكون الفتح على تقدير: وَلأنّا اخْتَرْنَاكَ فَاسْتَمِعْ، فعلقه باسْتَمِعْ. والأول أولى. ومن كسرها فلأنه يقرأ {إنِّي أَنَا رَبُّكَ} بالكسر. وقراءة أُبي كقراءة حمزة بالنسبة للعطف. ومفعول "اخْتَرْتُكَ" الثاني محذوف، أي اخترتك من قومك. قوله: "لِمَا يُوحَى" الظاهر تعلقه بـ "اسْتَمِع" ويجوز أن تكونَ اللام مزيدة في المفعول على حد قوله تعالى "رَدِفَ لَكُمْ" وجوز الزمخشري وغيره أن تكون المسألة من باب التنازع بين "اخْتَرْتُكَ" وبين "اسْتَمِعْ" كأنه قيل: "اخْتَرْتُكَ لِمَا يُوحَى فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى". قال الزمخشري: فعلق اللام باسْتَمِعْ أو باخْتَرْتُكَ وقد رد أبو حيان هذا بأن قال: ولا يجوز التعليق باخْتَرْتُكَ لأنه من باب الإعمال فكان يجب أو يختار إعادة الضمير مع الثاني، فكان يكون: فاسْتَمِعْ لَهُ لِمَا يُوحَى، فدل على أنه من باب إعمال الثاني. قال شهاب الدين: والزمخشري عنى التعليق المعنوي من حيث الصلاحية وأما تقدير الصناعة فلم يَعْنِهِ. (و "ما") يجوز أن تكون مصدرية وبمعنى الذي، أي فاسْتَمِعْ للوحي أو للذي يوحى). فصل هذه الآية تدل على النبوة لا تحصل بالاستحقاق، لأن قوله: "وَأَنَا اخْتَرْتُكَ" يدل على أن ذلك المنصب العالي إنما حَصَل لأنه تعالى اختاره له ابتداء لا أنه يستحقه على الله تعالى. وقوله: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} أي: إليك فيه نهاية الهيبة والجلالة كأنه قال: لَقَدْ جَاءَك أمْرٌ عظيمُ فتأهَّبْ له، واجعَلْ كلَّ عقلك وخاطرِك مصروفاً إليه. ثم قال: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي} ولا تعبد غيري، وهذا يدل على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع: لأن التوحيد من علم الأصول والعبادة من علم الفروع. وأيضاً فالفاء في قوله: "فَاعْبُدْنِي" تدل على أن عبادته إنما لزمت لإلهِيَّتِهِ. فصل احتجُّوا بهذه الآية على أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة من وجهين: الأول: أنه تعالى بعد أن أمره بالتوحيد أمره بالعبادة، ولم يذكر كيفية العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكاً عن البيان. الثاني: أنه قال: "أَقِم الصَّلاَةَ لِذِكْرِي" ولم يبين كيفية الصلاة. قال القاضي: لا يمتنع أن موسى عليه السلام - قد عرف الصلاة إلى تعبَّدَ الله تعالى - بها شُعَيْباً - عليه السلام - وغيره من الأنبياء، فتوجه الخطاب إلى ذلك، ويحتمل أنه تعالى بيَّن له في الحال، وإن كان المنقول في القرآن لم يذكر فيه إلا هذا القول. وأجيب عن الأول: بأنه لا يتوجه في قوله تعالى: "فَاعْبُدْنِي" وأيضاً فحَمْلُ مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم، لأن موسى - عليه السلام - ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب - عليه السلام -، فلو حملنا قوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِذِكْرِيۤ} على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة، أما لو حملناه عى صلاة أخرى لحصلت فائدة زائدة. وقوله: لعلَّ اللهَ بيَّنه في ذلك الموضع، وإن لم يحكه في القرآن قلنا: لا شك أن البيان (أكثر فائدة) من المجمل، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية. قوله: "لِذِكْري" يجوز أن يكون المصدرُ مضافاً لفاعله، أي: لأنِّي ذكرتُها في الكتب، أو لأني أذكرك. (ويجوز أن يكون مضافاً لمفعوله، أي: لأَنْ تَذْكُرْنِي) وقيل: معناه ذكر الصَّلاة بعد نسيانها، لقوله - عليه السلام -: "حديث : مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نَسِيَهَا فَلْيُصلِّهَا إذَا ذَكَرَها ". تفسير : قال الزمخشري: وكان حق العبارة لِذِكْرِهَا ثم قال: ومَنْ يَتمحّل له أن يقول إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله أو على حذف مضاف أي لِذِكْر صلاتي، أو لأن الذكر والنسيان من الله تعالى في الحقيقة وقرأ أبو رجاء والسلمي "لِلْذِكْرَى" بلام التعريف وألف التأنيث. وبعضهم: "لِذِكْرِي" منكَّرة وبعضهم: "لِلذِّكْرِ" بالتعريف والتذكير. فصل ذكرُوا في قوله تعالى: "لِذِكْرِي" وجوهاً: أحدها: لِذِكْرِي بمعنى لِتَذْكُرَنِي، فإنَّ ذِكْرِي أنْ أُعْبَدَ ويُصَلَّى لِي. والثاني: لتَذْكُرني منها لاشتمال الصلاة على الأذكار؛ عن مجاهد. وثالثها: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها. ورابعها: لأن أَذكُرَك بالمدح والثناء. وخامسها: لِذِكْرِي خاصة لا يشوبه ذكرُ غيري. وسادسها: لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين، كقوله: {أية : لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 37]. وسابعها: لأوقات ذِكْري، وهي مواقيت الصلاة، لقوله: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103]. وثامنها: أقِم الصَّلاة حين تذكرها أي: إِنَّكَ إذَا نسيتَ صلاةً فاقْضها إذا ذكرتَها، قال عليه السلام: "حديث : مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَها لاَ كَفَّارَةَ لهَا إلاَّ ذَلِك" تفسير : ثم قرأ "أقِم الصَّلاَةَ (لِذِكْرِي"). قال الخطَّابي هذا الحديث يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكفرها غير قضائها. والآخر: أنه لا يلزمه في نسيانها غرامة، ولا كفارة، كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر، وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئاً فدية من دم أو طعام إنما يصلّي ما ترك فقط. فإن قيل: حق العبادة أن يقول: صَلِّ الصَّلاةَ لذكرِها، كما قال عليه السلام: "حديث : إذَا ذَكَرَها " تفسير : فالجواب: قوله: "لِذِكْرِي" معناه: للذِّكْر الحاصل بِخَلْقِي. أو بتقدير حذف مضاف أي: لذكر صلاتي. (فصل) لو فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء، فلو ترك الترتيب في قضائها جاز عند الشافعي - رحمه الله -، ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة، فإن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة، ولو بدأ بصلاة الوقت جاز، وأن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فاتت صلاة الوقت فيجب البداءة بصلاة الوقت لئلا تفوت الأخرى. ولو تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمّها ثم قضى الفائتة. ويستحبّ أن يعيد صلاة الوقت بعدها، ولا يجب. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزد على صلاة يوم الجمعة حتى قال: ولو تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة تركها اليوم يبطل فرض الوقت، فيقضي الفائتة، ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن يكون الوقت ضيِّقاً فلا يبطل، واستدل بالآية والخبر والقياس والأثر. أما الآية فقوله تعالى: "أَقِم الصَّلاةَ لِذِكْرِي" أي لتذكرها و "اللام" بمعنى "عِنْدَ" كقوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسراء: 78] أي عند دلوك الشمس، فالمعنى: أَقِم الصَّلاَةَ عِنْدَ تَذَكرها، وذلك يقتضي وجوب الترتيب. وأما الخبر فقوله عليه السلام: "حديث : مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَها" تفسير : والفاء للتعقيب. وروي في الصحيحين حديث : أنَّ عُمَرَ بن الخطاب جاء إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ الخندق فجعَلَ يَسُبُّ كفارَ قريش ويقول: والله يا رسول الله ما صلَّيْتُ العصرَ حتَّى كادت الشَّمْسُ تغربَ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَأنَا والله ما صلَّيْتُهَا بعد" قال: فنزل إلى بُطْحَان فَصلى العصرَ (بَعْدَ ما غَرَبَت الشمسُ) ثم صلى بعدها المغربتفسير : . والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه قال: "حديث : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" تفسير : وقد صلى الفوائت على الولاء فيجب علينا اتباعه. والثاني: أن فعلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مخرج البيان للمجمل كان حجة، وهذا الفعل خرج بياناً لمجمل قوله: "أَقِيمُوا الصَّلاةَ" ولهذا قالوا: إن الفوائت إذا كانت قليلة يجب مراعاة الترتيب فيها، فإذا كثرت سقط الترتيب للمشقة. وأما الأثر: فرُوِي عن ابن عمر أنه قال: "حديث : مَنْ فاتَهُ صلاةٌ فَلَمْ يَذْكُرْها إلا في صَلاَة الإمام فليمض في صلاته، فإذَا قَضَى صلاتَه مع الإمَام يُصَلِّي ما فاته، ثم ليُعد التي صلاها مع الإمام" تفسير : وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأما القياس: فإنهما صلاتا فرض جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة، فأشبهتا صلاتي عرفةٍ والمزدلفة، فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما، وجب أن يكون حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة كذلك. واحتج الشافعي رحمه الله بما روى أبو قتادة: "حديث : أنَّهُمْ لَمَّا نَامُوا عَنْ صَلاَةِ الفَجْرِ ثُمَّ انْتَبَهُوا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَمَرَهُمْ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يقُودُوا رَوَاحِلَهُم ثُمَّ صَلاَّهَا"تفسير : . ولو كان وقت التذكير معيناً للصلاة لما جاز ذلك، فعلمنا أن ذلك الوقت وقت لتقرر الوجوب عليه، لكن لا على سبيل التضييق بل على سبيل التوسع، وإذا ثبت هذا فنقول: إيجاب قضاء الفوائت، وإيجاب أداء فرض الوقت الحاضر يجري مجرى التخيير بين الواجبين، فوجب أن يكون المكلف مخيراً في تقديم أيهما شاء، ولأنه لو كان الترتيب واجباً في الفوائت لما سقط بالنسيان، ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في يوم غيْم، ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال (والعصر بعد الزوال) فإنه يعيدهما جميعاً، ولم يسقط الترتيب بالنسيان لما كان شرطاً فيهما، فهاهنا أيضاً لو كان الترتيب شرطاً فيهما لما كان يسقط بالنسيان.
ابو السعود
تفسير : {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} أي اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرىء وأنّا اخترناك بالفتح والكسر، والفاء في قوله: {فَٱسْتَمِعْ} لترتيب الأمرِ أو المأمورِ به على ما قبلها، فإن اختيارَه عليه السلام لما ذكر من موجبات الاستماع والأمرِ به، واللام في قوله تعالى: {لِمَا يُوحَى} متعلقةٌ باستمعْ وما موصولةٌ أو مصدريةٌ، أي فاستمع الذي يوحى إليك أو الوحْيَ لا باخترتك كما قيل، لكن لا لما قيل من أنه من باب التنازُعِ وإعمالِ الأول فلا بد حينئذ من إعادة الضميرِ مع الثاني بل لأن قوله تعالى: {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ} بدلٌ من (ما يوحى) ولا ريب في أن اختيارَه عليه الصلاة والسلام ليس لهذا الوحي فقط، والفاءُ في قوله تعالى: {فَٱعْبُدْنِى} لترتيب المأمورِ به على ما قبلها فإن اختصاصَ الألوهية به سبحانه وتعالى من موجبات تخصيصِ العبادةِ به عز وجل {ٱتْلُ مَا} خُصت الصلاةُ بالذكر وأُفردت بالأمر مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها وإنافتِها على سائر العبادات بما نيطت به من ذكر المعبودِ وشُغل القلبِ واللسانِ بذكره، وذلك قوله تعالى: {لِذِكْرِى} أي لتذكُرني فإن ذِكْري كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادةِ والصلاة، أو لتذكُرني فيها لاشتمالها على الأذكار، أو لذكري خاصةً لا تشوبُه بذكر غيري، أو لإخلاص ذكري وابتغاءِ وجهي لا تُرائي بها ولا تقصِدُ بها غرضاً آخرَ، أو لتكون ذاكراً لي غيرَ ناس، وقيل: لذكري إياها وأمْري بها في الكتب، أو لأنْ أذكُرَك بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري وهي مواقيتُ الصلاة، أو لذِكْر صلاتي لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : من نام عن صلاة أو نسِيَها فليصلِّها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ } » تفسير : . وقرىء لذِكْرىٰ بألف التأنيثِ وللذكرى معرفاً وللذكْر بالتعريف والتنكير وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ} تعليلٌ لوجوب العبادة وإقامةِ الصلاة أي كائنةٌ لا محالة، وإنما عُبّر عن ذلك بالإتيان تحقيقاً لحصولها بإبرازها في معرِض أمرٍ محققٍ متوجِّهٍ نحو المخاطبـين {أَكَادُ أُخْفِيهَا} أي لا أظهرها، بأن أقول: إنها آتيةٌ، ولولا أن ما في الإخبار بذلك من اللطف وقطعِ الأعذار لما فعلتُ، أو أكاد أظهرُها بإيقاعها من أخفاه إذا أظهره بسلب خفائِه، ويؤيده القراءةُ بفتح الهمزة من خفاه بمعنى أظهره، وقيل: أخفاه من الأضداد يجيء بمعنى الإظهار والسَّترِ. وقوله تعالى: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} متعلقٌ بآتيةٌ، وما بـينهما اعتراضٌ أو بأخفيها على المعنى الأخير، وما مصدرية أي لتُجزى كلُّ نفس بسعيها في تحصيل ما ذُكر من الأمور المأمور بها، وتخصيصُه في معرِض الغاية لإتيانها مع أنه لجزاء كلِّ نفس بما صدر عنها سواءٌ كان سعياً فيما ذكر، أو تقاعداً عنه بالمرة، أو سعياً في تحصيل ما يُضادّه للإيذان بأن المرادَ بالذات من إتيانها هو الإثابةُ بالعبادة، وأما العقابُ بتركها فمن مُقتَضَيات سوءِ اختيارِ العصاة وبأن المأمورَ به في قوة الوجوبِ والساعةَ في شدة الهول والفظاعة يوجِبان على كل نفسٍ أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجِدَّ في تحصيل ما ينجّيها من الطاعات، وحينئذ تحترز عن اقتراف ما يُرديها من المعاصي، وعليه مدارُ الأمر في قوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [هود: 7] فإن الابتلاء مع شموله لكافة المكلفين باعتبار أعمالِهم المنقسمةِ إلى الحسن والقبـيح أيضاً لا إلى الحسن والأحسَن فقط قد عُلّق بالأخيرين، لما ذكر من أن المقصودَ الأصليَّ من إبداع تلك البدائعِ على ذلك النمط الرائعِ إنما هو ظهورُ كمالِ إحسانِ المحسنين وأن ذلك لكونه على أتم الوجوه الرائقةِ وأكملِ الأنحاءِ اللائقةِ يوجب العملَ بموجبه بحيث لا يحيد أحدٌ عن سَننه المستبـين، بل يهتدي كلُّ فرد إلى ما يرشد إليه من مطلق الإيمان والطاعة، وإنما التفاوتُ بـينهم في مراتبهما بحسب القوة والضعفِ، وأما الإعراض عن ذلك والوقوعُ في مهاوي الضلال فبمعزل من الوقوع فضلاً عن أن ينتظم في سلك الغايةِ لذلك الصنعِ البديع، وإنما هو عملٌ يصدُر عن عامله بسوء اختيارِه من غير مصحِّحٍ له أو مسوِّغ. هذا ويجوز أن يُراد بالسعي مطلقُ العمل.
السلمي
تفسير : قول الواسطى: المختار من جهته من هو مصطنعه ومصطفيه، وَمُرَبيه على يد أعدائه، والملقى محبته فى قلوب عباده فلم يستطيعوا له إلا محبة، والمطلق لسانه بحل العُقد والميسر له أمره فلا يعسر عليه مطلوب بحال، كل هذا يقدم إليه ويَمُنُّ عليه ليكون ثابتًا عند مكافحة الخطاب ومواجهًا لوحى الكلام.
القشيري
تفسير : وعلى علمٍ مني بك اصطفيتكُ، وجَرَّدْتُكَ ونقيتك عن دَنَسِ الأوهام وكلِّ ما يُكَدِّرُ صَفْوَك. ويقال بعدما اخترتُك فأنت لي وبي، وأنت محو في فنائك عنك.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانا اخترتك} اى اصطفيتك للنبوة والرسالة وقرأ حمزة {وانا اخترناك}{فاستمع}[بس كوش فرا دار]{لما يوحى} للذى يوحى اليك منى من الامر والنهى اللام متعلقة بالسمع مزيدة فى المفعول كما فى ردف لكم.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} يعنى للرّسالة والوحى، وقرئ انّا اخترناك بفتح الهمزة وتشديد نون انا، واخترنا بصيغة المتكلّم مع الغير {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} للوحى او للّذى يوحى اليك.
اطفيش
تفسير : {وَأنَا اخْتَرْتُكَ} لرسالتى ولكلامى. وقرأ حمزة وأنَّا اخترناك بتشديد النون. وقال أبو عمر الدانى: إن الكسائى قرأ أبضا مثله. {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} ما موصول اسمى أو حرفى. والأول أولى؛ لأنك إذا قلت للوحى وأردت المعنى المصدرى ضعُف المعنى؛ لأن الاستماع للموحى أولى منه للوحى. وإن أوَّلت الوحى بالوحى فجعل ما موصولا اسميا مغن عنه نعم لا ضعف على تعليق اللام باخترتك؛ فإنه يجوز تعليقها به. فجعلة استمع معترضة وتعليقها باستمع، ولا يبعد التنازع. وفى الكلام نهاية الهيبة والجلال له، كأنه قيل: لقد جاءك أمر عظيم فتأهَّب له.
اطفيش
تفسير : {وأنا أخْتَرتك} من ناس زمانك الرسالة {فاسْتَمع} هذا مسبب، للاختيار مترتب عليه: فإن الاختيار من موجبات الاستماع {لِمَا يُوحَى} للذى يوحى، أو للوحى متعلق باستمع، ويقدر ضمير لاخترتك على التنازع، ولم يثبت لأنه فضله، الأصل أنا اخترتك له، أى لما يوحى، ولو علق به على التنازع لذكر ضميره لاستمع، هكذا فاستمع له لما يوحى، فلما لم يذكر له علم أعماله والتقدير للأول، إلا أن يعلق بالأول، أو يقدر مثله للثانى، من باب مجرد الحذف لدليل.
الالوسي
تفسير : {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ } أي اصطفيتك من الناس أو من قومك للنبوة والرسالة. وقرأ السلمي وابن هرمز والأعمش في رواية {وإنا } بكسر الهمزة وتشديد النون مع ألف بعدها {اخترناك} بالنون والألف، وكذا قرأ طلحة وابن أبـي ليلى وحمزة وخلف والأعمش في رواية أخرى إلا أنهم فتحوا همزة أن، وذلك بتقدير اعلم أي واعلم أنا اخترناك، وهو على ما قيل عطف على{أية : ٱخْلَعْ} تفسير : [طه: 12] ويجوز عند من قرأ {أنّى أَنَاْ رَبُّكَ} [طه: 12] بالفتح أن يكون العطف عليه سواء كان متعلقاً بنودي كما قيل أو معمولاً لاعلم مقدراً كما أختير. وجوز أبو البقاء أن يكون بتقدير اللام وهو متعلق بما بعده أي لأنا اخترناك {فَٱسْتَمِعْ } وهو كما ترى، والفاء في قوله تعالى: {فَٱسْتَمِعْ } لترتيب الأمر والمأمور به على ما قبلها فإن اختياره عليه السلام لما ذكر من موجبات الاستماع والأمر به، واللام في قوله سبحانه: {لِمَا يُوحَى } متعلقة باستمع، وجوز أن تكون متعلقة باخترناك، ورده أبو حيان بأنه يكون حينئذٍ من باب الإعمال ويجب أو يختار حينئذٍ إعادة الضمير مع الثاني بأن يقال: فاستمع له لما يوحى. وأجيب بأن المراد جواز تعلقها بكل من الفعلين على البدل لا على أنه من الإعمال. واعترض على هذا بأن قوله تعالى: {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ...}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 13- وأنا الله أصطفيك بالرسالة، فاصغ لما أوحيه إليك لتعلمه وتبلغه قومك. 14- إننى أنا الله الإله الواحد، لا معبود بحق سواى، فآمن بى واعبدنى، وداوم على إقامة الصلاة لتظل فى ذكر دائم بى. 15- إن الساعة - التى هى موْعد لقائى، وقد أخفيت موعدها عن عبادى، وأظهرت لهم دلالتها - آتية لا محالة، لتحاسب كل نفس على ما عملت وتُجزى به. 16- فلا يصرفنك يا موسى عن الإيمان بالساعة والاستعداد لها من لا يصدق بها، ومال مع هواه فتهلك. 17- وما تلك التى تمسكها بيدك اليمنى؟ 18- وأجاب موسى: إنها عصاى أعتمد عليها فى مسيرى، وأسوق بها غنمى، ولى فيها منافع أخرى، كدفع أذى الحيوان. 19- قال الله سبحانه لموسى: ارم بها على الأرض. 20- فرمى بها موسى، ففوجئ بها تنقلب حية تمشى. 21- فارتاع منها، فطمأنه الله قائلا: تَناوْلها دون خوف، فإننا سنعيدها عصا كما كانت. 22- وأَدْخِل يدك فى جيب ثوبك مضمومة إلى جنبك تخرج بيضاء ناصعة من غير داء، وقد جعلناها لك معجزة ثانية على رسالتك.
د. أسعد حومد
تفسير : (13) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ عَلَى جِميعِ المَوْجُودِينَ فِي زَمَانِهِ لِيَكُونَ رَسُولَهُ، وَطَلَبَ إِليهِ الاسْتِمَاعَ لِمَا سَيُوحِيِهِ إِليهِ، وَمَا يَقُولُهُ لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: وإنْ كنتُ رباً لك ورباً للكافرين فسوف أزيدك خصوصية لك {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} [طه: 13] أي: للرسالة، والله أعلم حيث يجعل رسالته. لذلك لم نزل القرآن على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اعترض كفار مكة على القرآن، ولم يجدوا فيه عيباً فيما يدعو إليه من أخلاق فاضلة ومُثل عليا، ولم يجدوا فيه مَأْخذاً في أسلوبه، وهم أمة ألِفتْ الأسلوب الجيد، وعَشقَتْ آذانها فصاحة الكلام، فتوجهوا بنقدهم إلى رسول الله فقالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. فكلُّ اعتراضهم أنْ ينزلَ القرآن على محمد بالذات؛ لذلك رَدَّ عليهم القرآن بما يكشف غباءهم في هذه المسألة، فقال: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}تفسير : [الزخرف: 32] كيف ونحن قد قسمنا بينهم معيشتهم الأدْنى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ}تفسير : [الزخرف: 32]. وهم يريدون أنْ يقسموا رحمة الله فيقولون: نزل هذا على هذا، وهذا على هذا؟ ثم يقول تعالى: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} [طه: 13] مادة: سمع. منها: سمع، واستمع وتسمَّع. قولنا: سمع أي مصادفة وأنت تسير في الطريق تسمع كلاماً كثيراً. منه ما يُهمك وما لا يهمك، فليس على الأذن حجاب يمنع السمع كالجفْنِ للعين، مثلاً حين ترى منظراً لا تحبه. إذن: أنت تسمع كل ما يصل إلى أذنك، فليس لك فيه خيار. إنما: استمع أنْ تتكلَّف السماع، والمتكلم حُر في أنْ يتكلم أو لا يتكلم. وتسمَّع. أي: تكلّف أشدّ تكلّفاً لكي يسمع. لذلك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حين يخبر أنه ستُعم بلوى الغِنَاء، وستنتشر الأجهزة التي ستشيع هذه البلوى، وتصبها في كل الآذان رَغْماً عنها يقول: "حديث : مَنْ تسمَّع إلى قَيْنة صب الآنك في أذنيه ". تفسير : أي: تكلَّف أنْ يسمع، وتعمَّد أن يوجه جهاز الراديو أو التليفزيون إلى هذا الغناء، ولم يقُل: سمع، وإلاّ فالجميع يناله من هذا الشر رَغْماً عنه. وهنا قال تعالى: (فَاسْتَمِعْ) ولم يقُلْ: تسمَّع: لأنه لا يقترح على الله تعالى أنْ يتكلم، ومعنى: استمع أي: جَنِّد كلَّ جوارحك، وهيىء كُلَّ حواسّك لأن تسمع، فإنْ كانت الأذن للسمع، فهناك حواسّ أخرى يمكن أنْ تشغلها عن الانتباه، فالعين تبصر، والأنف يشمّ، واللسان يتكلم. فعليك أنْ تُجنِّد كل الحواسّ لكي تسمع، وتستحضر قلبك لتعي ما تسمعه، وتنفذ ما طلب منك؛ لذلك حين تخاطب صاحبك فتجده مُنْشغِلاً عنك تقول: كأنك لست معنا. لماذا؟ لأن جارحة من جوارحه شردتْ، فشغلتْه عن السماع. وقوله تعالى: {لِمَا يُوحَىۤ} [طه: 13] الوحي عموماً: إعلام بخفاء من أيٍّ لأيٍّ في أيٍّ، خيراً كان أم شراً، أمّا الوحي الشرعي فهو: إعلام من الله إلى رسول أرسله بمنهج خَيْر للعباد، فإنْ كان الوحي من الله إلى أم موسى مثلاً، أو إلى الحواريين فليس هذا من الوحي الشرعي. وهكذا تحدَّدَتْ من أيٍّ لأيٍّ في أيٍّ. لكن، كيف ينزل الوحي من الله تعالى على الرسول؟ كيف تلتقى الألوهية في عُلُوِّها بالبشرية في دُنوها؟ إذن: لا بُدَّ من واسطة؛ لذلك قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [الحج: 75]. فالمصطفى من الملائكة يتقبَّل من الله، ويعطي للمصطفى من البشر؛ لأن الأعلى لا يمكن أنْ يلتقي بالأدنى مباشرة {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ..}تفسير : [الشورى: 51]. فاستعداد الإنسان وطبيعته لا تُؤهّله لهذا اللقاء، كيف ولما تجلَّى الحق - سبحانه - للجبل جعله دَكّاً، ومن عظمته سبحانه أننا لا نراه ولا نتكلم معه مباشرة، ولا نُحِسّه بأيّ حاسة من حواسنا، ولو حُسَّ الإله بأيِّ حاسة ما استحق أنْ يكونَ إلهاً. وكيف يُحَسُّ الحق - تبارك وتعالى - ومن خَلْقه وصَنْعته مَا لا يُحَسُّ، كالروح مثلاً؟ فنحن لا نعلم كُنْهها، ولا أين هي، ولا نُحِسّها بأيّ حاسّة من حواسنا، فإذا كانت الروح المخلوقة لم نستطع أنْ ندركها، فكيف ندرك خالقها؟ الحق الذي يدَّعيه الناس ويتمسَّحون فيه، ويفخر كل منهم أنه يقول كلمة الحق، وكذلك العدل وغيرها من المعاني: أتدركها، أتعرف لها شكلاً؟ فكيف - إذن - تطمع في أنْ تدرك الخالق عز وجل؟ إذن: من عظمته سبحانه أنه لا تدركه الحواس، ولا يلتقي بالخَلْق لقاءً مباشراً، فالمصطفى من الملائكة يأخذ عن الله، ويعطى للمصطفى من الخَلْق، ثم المصطفى من الخَلْق يعطى للخَلْق، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم يجهد، ويتصبَّب جبينه عَرَقاً في أول الوحي؟ ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يحجبَ الوحي عن رسوله فترة ليستريح من مباشرة المَلكِ له، وبانقطاع الوحي تبقى لرسول الله حلاوة ما أوحي إليه ويتشوّق إلى الوحي من جديد، فيهون عليه ما يلاقي في سبيله من مشقة؛ لأن انشغال القلب بالشيء يُنسي متاعبه؟. وقد رُوي أنه صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي يُسمَع حوله دَوِيٌّ كدَويِّ النحل، ولو صادف أن رسول الله وضع رجله على أحد أصحابه حين نزول الوحي عليه فكان الصحابي يشعر كأنها جبل، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ وتئن من ثِقَله. وقد مثّلنا للواسطة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية بالتيار الكهربائي حين نُوصِّله بمصباح صغير لا يتحمل قوة التيار، فيضعون له جهازاً ينظم التيار، ويعطي للمصباح على قَدْر حاجته وإلاّ يحترق. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعد وصولك إلى مقام الكشف والشهود {أَنَا ٱخْتَرْتُكَ} أي: اصطفيتك من المكاشفين من أرباب الولاية للتكميل والرسالة على الناس النسين التوجه إلى بحر الحقيقة، فعليك التوجه إلى الإهداء والتجنب عن الميل إلى الهوى {فَٱسْتَمِعْ} أي: اقتصر في تكميلك ورسالتك {لِمَا يُوحَىۤ} [طه: 13] إليك من مقام عظيم جودنا، ولا تلتفت إلى الأهواء الفاسدة، حتى لا تضف أنت، ولا تضلهم عن السبيل، فبلّغ إلى الناس نيابة عني: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} الواحد الأحد المحيط بجميع مراتب الأسماء {لاۤ إِلَـٰهَ} أي: لا جامع لجميع المراتب {إِلاۤ أَنَاْ} الجامعُ لجميعها، المستحق للإطاعة والانقياد {فَٱعْبُدْنِي} أنت حق عبادتي؛ أي: أحسن الأدب معي، وتخلَّق بأخلاقي {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أي: دوام الميل بجميع الأعضاء والجوارح {لِذِكْرِيۤ} [طه: 14] أي: توجه نحوي بجميع أعضائك وجوارحك لتذكرَني بها وتشكرَني بجميعها، حتى أنكشف لك من كلٍ منها بحيث كنتُ سمعك وبصرك وبدنك ورجلك، إلى غير ذلك من جوارحك حتى قامت قيامتُك الكبرى، وقمتَ بين يدي المولى، وتمكنتَ في جنة المأوى، عند سدرة المنتهى، التي يرتقي وينتهي إليها عروجك في الصعود والارتقاء. ثم قال سبحانه تعليماً لعباده، وحثاً لهم على طلب الانكشاف التام: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ} أي: ساعة الانكشاف التام على الذي لم يبق معه الطلب كانكشافك يا موسى {آتِيَةٌ} حاصلةً لكل أحدٍ من الناس دائماً في كل آنٍ، لكن {أَكَادُ أُخْفِيهَا} أي: أُخفي ظهورها لهم {لِتُجْزَىٰ} أي: لتتمكن {كُلُّ نَفْسٍ} بمرتبةٍ من المراتب الإلهية {بِمَا تَسْعَىٰ} [طه: 15] أي: بسبب ما تجتهد فيه، وتكتسب من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي الجارية على ألسنة الرسل؛ يبطل سر التكليف والتشريع. وإذا كان الأمر كذلك {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} أي: فلا يصرفك عن الأم بالانكشاف التام إعراضُ {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا} تقليداً، حتى يطلبها تحقيقاً، بل أنكرها وأعرضَ عنها {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} المضلةُ في تيه الغفلة والحرمان {فَتَرْدَىٰ} [طه: 16] فتهلك بداء الجهل والخذلان. وإذ اخترناك للرسالة العامة، وهبنا لك شاهداً أصدق على دعواك الرسالة؛ لذلك سألناك أولاً بقولنا {وَمَا تِلْكَ} الخشيةُ التي حملتَها {بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} [طن: 17] المستكشفُ على حقائق الأشياء؛ يعني: هل تعرف فوائدها وما تترتب عليها، وما تؤول هي عليها، أم لا؟. {قَالَ} موسى على مقتضى علمه بها: {هِيَ} أي: هذه الخشبة {عَصَايَ} أستعينُ بها في بعض الأمور، وإذا عييتُ وتعبتُ {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَ} إذا احتجت إلى هشِّ الورق، وإسقاطه من الشجر لرعي الغنم {أَهُشُّ} وأُسط {بِهَا} ليكون علفاً {عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا} غير ذلك {مَآرِبُ أُخْرَىٰ} [طه: 18] من الاستظلال، ودفع الهوام، مقاتلة العدو إلى غير ذلك. {قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ} [طه: 19] حتى تشهد آيتنا الكبرى {فَأَلْقَاهَا} امتثالاً للأمر الإلهي {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} [طه: 20] تشمي علي بطنها كسائر الحيات، فخاف وموسى منها، وتضيق صدره من قلة رسوخه وعدم تمرنه بابتلاءات الله واختباراته؛ لأنه كان في أوائل حاله. {قَالَ} سبحانه بعدما ظهرت أمارات الوجل منه: {خُذْهَا} هي عصاك يا موسى {وَلاَ تَخَفْ} من صورتها الحادثة، فإنا من كمال قدرتنا {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا} وصورتها {ٱلأُولَىٰ} [طه: 21] التي هي في يدك، استعنتَ بها في بعض الأمور، وإنما بدلنا صورتها لتتنبه على أن لنا القدرة على إحياء الجمادات التي هي أبعد بمراحل عن إهداء الضالين من الأحياء. {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ} ذات شعاعٍ محيٍّرٍ للعقول والأبصار {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي: من غير حجاب يسترها وينُقص من نورها؛ لتكون {آيَةً أُخْرَىٰ} [طه: 22] لك أجلى من الآية السابقة. وإنما أريناك الآيات قبل إرسالك من أرسلناك {لِنُرِيَكَ} أولاً {مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ} [طه: 23] فيطمئن بها قلبك، ويقوى ظهرك بإمدادنا لك في رسالتك، وتأييدنا إياك فيها. فإذا اطمئن قلبك وقوي ظهرك {ٱذْهَبْ} أيها الهادي بإهدائنا وتوفيقنا نيابةً عنا {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} الضال المستغرق في بحر العتو والعناد {إِنَّهُ طَغَىٰ} [طه: 24] أي: ظهر علينا مستكبراً بقوله للضعفة: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24] فبلِّغ إنذاراتنا وتخويفاتنا، وزد عليها الدلائل العقلية والنقلية والكشفية؛ لعله يتنبه بها، وينزجر بسببها عما عليه من العتو والعناد. وبعدما سمع موسى خطاب الله إياه {قَالَ} مشمِّرَ الذيل إلى الذهاب طالباً التوفيق من رب الأرباب: {رَبِّ} يا من ربَّاني بأنواع اللطف والكرم، وأعطائي الآيتين الكريمتين العظيمتين؛ لتكوننا شاهدين على صدقي في دعواي {ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه: 25] أي: وسِّع لبي؛ بحيث لا يخطر ببالي خوفُ من العدو أصلاً. {وَ} مع ذلك {يَسِّرْ} وسهِّل {لِيۤ أَمْرِي} [طه: 26] هذا؛ بحيث لا أضطربُ في تبليغه، ولا أستوحشُ من جاه فرعون وشوكته. {وَ} إذا شرعُت لأداء الرسالة {ٱحْلُلْ} وارفع لكنةً عارضةً من مهابة العدو، سيما هذا الطاغي {عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} [طه: 27] كي {يَفْقَهُواْ قَوْلِي} [طه: 28] وغرضي منها. {وَ} إذا أوقعتني لأداء رسالتك يا ربي {ٱجْعَل لِّي وَزِيراً} ظهيراً، يصدِّقني في أمري، ويعينني عليه، ولا تجعل ظهيري من الأجانب؛ لقلة شفقتهم عليَّ وعطفهم بي، بل اجعله {مِّنْ أَهْلِي} [طه: 29] وأقربائي أولى، وهو {هَارُونَ} إذ هو {أَخِي} [طه: 30] الأكبر بمنزلة الأب في الشفقة، وإذا جعلتَ هارون وزيري {ٱشْدُدْ بِهِ} أي: أقوِّ وأحكم بسببه يا معيني ومغيثي {أَزْرِي} [طه: 31] أي: ظهري {وَ} لا يتحقق تقويته على حقيقته إلا بعد اشتراك معي في أداء الرسالة {أَشْرِكْهُ} يا ربي {فِيۤ أَمْرِي} [طه: 32] ورسالتي، بأن تنكشف عليه كما انكشفت لي؛ ليكون من المكاشفين، الموقنين بوحدانيتك يا ربي، الممتثلين بأوامرك، المجتنبين عن نواهيك. وإنما سأتلك يا ربي الإعانة بأخي {كَيْ نُسَبِّحَكَ} ونقدَس ذاتَك عما لا يليق بشأنك تقديساً {كَثِيراً} [طه: 33]. {وَنَذْكُرَكَ} ونناجيك بأسمائك الحسنى وصفاتك العظمى ذكراً {كَثِيراً} [طه: 34]. وكيف لا نسبحك ونَذْكُرِك {إِنَّكَ} بذاتك وأوصافك وأسماءك {كُنتَ} محيطاً {بِنَا بَصِيراً} [طه: 35] بجمع أحوالنا. {قَالَ} تعالى رفقاً له وامتناناً عليه؛ لرجوعه إليه بالكلية: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ} أي: قد حصل لك جمع مطالبك؛ لتوجهك علينا، ورجوعك إلينا {يٰمُوسَىٰ} [طه: 36]. كيف {وَلَقَدْ} أنعمنا عليك حين لا ترقَبِ لك ولا شعور بأن {مَنَنَّا عَلَيْكَ} من وفور رحمتنا وشفقتنا لك {مَرَّةً أُخْرَىٰ} [طه: 37].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَأَنَا اخْتَرْتُكَ } أي: تخيرتك واصطفيتك من الناس، وهذه أكبر نعمة ومنة أنعم الله بها عليه، تقتضي من الشكر ما يليق بها، ولهذا قال: { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } أي: ألق سمعك للذي أوحي إليك، فإنه حقيق بذلك، لأنه أصل الدين ومبدأه، وعماد الدعوة الإسلامية، ثم بين الذي يوحيه إليه بقوله: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا } أي: الله المستحق الألوهية المتصف بها، لأنه الكامل في أسمائه وصفاته، المنفرد بأفعاله، الذي لا شريك له ولا مثيل ولا كفو ولا سمي، { فَاعْبُدْنِي } بجميع أنواع العبادة، ظاهرها وباطنها، أصولها وفروعها، ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة، لفضلها وشرفها، وتضمنها عبودية القلب واللسان والجوارح. وقوله: { لِذِكْرِي } اللام للتعليل أي: أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي، لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله، معطل عن كل خير، وقد خرب كل الخراب، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصا الصلاة. قال الله تعالى: {أية : اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وهذا النوع يقال له توحيد الألوهية، وتوحيد العبادة، فالألوهية وصفه تعالى، والعبودية وصف عبده.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 599 : 6 : 16 - سفين عن الأعمش قال، في قراءة عبد الله {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} اخترناك. [الآية 13].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):