Verse. 2362 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

اِنَّنِيْۗ اَنَا اللہُ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّاۗ اَنَا فَاعْبُدْنِيْ۝۰ۙ وَاَقِـمِ الصَّلٰوۃَ لِذِكْرِيْ۝۱۴
Innanee ana Allahu la ilaha illa ana faoAAbudnee waaqimi alssalata lithikree

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم لصلاة لذكري» فيها.

14

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لآ إِلَٰهَ إِلآ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِى } فيها.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِذِكْرِى} لتذكرني فيها، أو لا تدخل فيها إلا بذكر، أو حين تذكرها.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي} [الآية: 14]. قال الواسطى رحمه الله: لا يشغل قلبك بغيرى فعلاً، وقولاً، ولا تكن من أبناء الأفعال والأحصار، والأعمار، والدهور. كن من أبناء الأزل والأبد مطالعًا لما سبق من الأولية. وجرى لك فى الأخرية، وإن كان كلاهما واحدًا. قال ابن عطاء رحمه الله: إشارة إلى الحقيقة الحق إذ الأزل والأبد علة وذكر الأوقات، الدهور علة. وقال الواسطى رحمه الله: أظهر هذا الخلق فى شموخ وعلو فى أنفسهم فأمرهم لعلة الفاقة، ولا لعلة الاستغناء تنسمًا لرؤية الاضطرار قال يا موسى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى. أَحَبَّ أن يريه عجزه. وقال أيضًا: بالعبرانية خاطب موسى ثم وصف لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} هل تلونت الصفة بذلك، فإن قال: لو لونتها اختلاف اللغات لتلونت فى اختلاف الأوامر والنواهى. قال الحسين: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} تنظيف البشر عن الآلهة. وإذا خلا السرّ من تعظيم غيره، فلا وجه لهذا القول. قال الواسطى رحمه الله: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي} ابتدأه بالتوحيد، وختم بلسان الطاعة {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}. قال ابن عطاء: أقم معى بحسن الأدب، ولا تغفل عنى وأنت متوجه إلىَّ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي}. تقدَّسْتُ عن الأعلال في أَزلي، وتنزهت (.....) والأشكال باستحقاقي لجلالي وجمالي. ويقال: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ}: الأغيار في وجودي فَقْدٌ، والرسومُ والأطلالُ عند ثبوتِ حقي محوٌ. قوله: {فَٱعْبُدْنِي}: أي تَذَلَّلْ لِحُكْمي، وأنفِذْ أمري، واخضعْ لجبروتِ سلطاني. قوله جلّ ذكره: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}. إقامتُها من غير ملاحظة مُجْرِيها ومُنْشِيها يُورِث الإعجاب. وإذا أقام العبدُ صلاتَه على نعت الشهود والتحقق بأن مجريها غيره كانت الصلاة بهذا فتحاً لباب المواصلة. والوقوف على محل النجوى، والتحقق بخصائص القرب والزلفة.

اسماعيل حقي

تفسير : {اننى انا الله}[بدرستى كه منم خداى تعالى] وهو بدل من يوحى دال على تقدم علم الاصول على الفروع فان التوحيد من مسائل الاصول والعبادة الآتية من الفروع {لا اله الا انا}[نيست خدى بغير من] فاذا كان كذلك {فاعبدنى} فخصنى بالعبادة والتوحيد ولا تشرك بعبادتى احدا {واقم الصلاة} من عطف الخاص على العام لفضله {لذكرى} من اضافة المصدر الى مفعوله اى لتذكرنى وتكون ذاكرا الى فان ذكر الله كما ينبغى عبارة عن الاشتغال بعبادته باللسان والجنان والاركان والصلاة جامعة لها او من اضافته الى فاعله اى لاذكرك بالاثابة. وفى التأويلات النجمية وأدم المناجات والمحاضرة معنى ببذل الوجود لنيل ذكرى اياك بالتجلى على الداوم لافناء وجودك المتجدد.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} بيان لما يوحى {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} لمّا كان اساس الرّسالة واصل الاصول والفروع فى الدّين هو التّوحيد كان الله تعالى يوحى بتوحيده الآلهة والعبادة اوّل ما يوحى {فَٱعْبُدْنِي} اى صر عبداً لى بخروجك من رقّيّتك لنفسك وللشّيطان ومن شراكة نفسك والشّيطان لله فى عبديّتك او اعمل لى عمل العبيد {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} اى لان اذكرك ولا شرف اشرف منه يعنى انّ الصّلٰوة ذكرك لى وذكرك لى مستعقب لذكرى لك، او لان تذكرنى او لمحض ان تذكرنى من غير شوب غرضٍ آخر فيها، او المعنى اقم الصّلٰوة لحصول ذكرى بمعنى انّك كلّما تذكّرتنى فتوجّه توجّهاً تامّاً حتّى تقيم الصّلٰوة ولا تكن كمن يذكرنى ذكراً ناقصاً من غير توجّهٍ والتفاتٍ، او بمعنى انّك كلّما ذكرت الصّلٰوة المنسيّة بان ذكرتنى وذكرت امرى وتذكّرت نسيان الصّلٰوة المنسيّة فأقمها، او بمعنى انّى ذاكرٌ لك بالذّكر العامّ مداماً ويقتضى ذلك ان تكون متوجّهاً الىّ توجّهاً تامّاً وقد سبق فى اوّل البقرة معانى الصّلٰوة، وتحقيق اقامتها، وانّ اقامة الصّلٰوة عبارة عن ايصال الصّلٰوة القالبيّة بالصّلٰوة الذّكريّة القلبيّة وايصال الصّلٰوة الذّكريّة بالصّلٰوة الفكريّة الصّدريّة، وايصال الصّلٰوة الفكريّة بالصّلٰوة القلبيّة الحقيقيّة، وايصال الصّلٰوة القلبيّة بالصّلٰوة الرّوحيّة. واعلم، انّ الذّكر كما سبق بيانه فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152] له مراتب ودرجات وانّ الذّكر الحقيقىّ وحقيقة الذّكر هو خليفة الله فى الارض، فانّه وان كان بحسب ملكه مختفياً كونه ذكر الله لكنّه بملكوته ذكر جلىّ لله بحيث يلتبس على غير ذى البصيرة التّامّة انّه هو الله لظهور المحكىّ به بحيث يختفى البينونة ويغلب حكم الظّاهر على المظهر، وانّ المقصود من الاذكار والاعمال الّتى يقرّرها صاحب هذا الامر على السّالك هو حصول هذا الذّكر فانّه غاية الغايات ونهاية النّهايات، فالمعنى على هذا اقم الصّلٰوة واوصل مراتبها كلاًّ بالاخرى لتحصيل هذا الذّكر او لحصوله يعنى ان لم يكن هذا الذّكر حاصلاً لك فاقم الصّلٰوة ليحصل لك لانّه هو البغية العظمى والغنية القصوى، وان كان هذا الذّكر حاصلاً لك فاقم الصّلٰوة شكراً لهذه النّعمة واستتماماً لتلك البركة.

اطفيش

تفسير : {إنَّنِى أَنَا اللهُ لاَ إلهَ إلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِى} وحدى، وذلك مستأنف من نفس للوحى. وادعى القاضى أن إننى أنا الله الخ بدل من ما ويردُّه أن الهمزة مكسورة فلو كان ذلك بدلا لفتحت لنية اتصالها بلام الجر. اللهم إلا أن يقال: المراد لفظ إننى أنا الله الخ. وأفاد هذا الكلام أن الموحى إنما هو توحيدٌ هو منتهى العلم، أمرٌ بعبادة كمال العمل. {وَأَقِمِ الصَّلٰوةَ} إيت بها مستقيمة خصها بالذكر وأفردها بالأمر لعظم شأنها؛ لأن فيها تذكر المعبود وشغل القلب واللسان به. {لِذِكْرِى} لتذكُرنى فيها ذكر قلب ولسان، بحيث لا تُرانى بها ولا تشوبها بذكر غيرى، أو لتكون لى ذاكرا غير ناس؛ فإن المخلصين يجعلون ذكره على بال ويَقْصِرون هممهم به. واللام للتعليل والمصدر مضاف للمفعول اصطلاحاً. وقيل: لأنى ذكرتها فى الكتب وأمرت بها أو لأذكرك بالثناء وأجعلَ لك لسان صدق أو لأذكرك فى عليين بها فاللام للتعليل والمصدر مضاف للفاعل، أو لأوقات ذكرى بتقدير مضاف، وهو مواقيت الصلاة، أو لذكر صلاتى بتقدير مضاف أيضا. ويدل له ما روى عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد: من نسى صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها. وفى رواية تقديم النوم. وفى رواية: فليقضها بدل فليصلها. وروى أنس: من نسى صلاة فليصل إذا ذكر لا كفارة لها إلا ذلك. وممن فسر الآية بذلك قتادة. وروى مالك وأبو عمرو الإمام الأندلسى أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك ذكر الآية تفسيراً لها بذلك واللام فى الوجهين الآخرين للتوقيت. وإن شئت فقل للحضور والمصدر على الأول من الوجهين مضاف للمفعول اصطلاحاً وفى الثانى لمحذوف ناب عنه مذكور لا فاعل ولا مفعول. وإن شئت فلا تقدر مضافاً فى الثانى لأنه إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله، ولأن فيها ذكره، ولأن الذكر والنسيان من الله. وقيل: لذكرى بعد غفلة أى أقم الصلاة النافلة إذا تذكرت حبى لها وأمرى بها وقرئ بإسكان الياء وقرئ للذكر.

اطفيش

تفسير : وإن قلت: كيف يجوز تعليقه باخترتك مع قوله: {إِنَّنِى أنا الله لا إله إلا أنا} فإن تعليقه باخترتك يفهم أن اختياره لكون الله لا إله إلا هو، مع أنه لم يختره لهذا فقط؟ قلت: لا حصر للاختيار فى ذلك بل تنصيص على الأهم، أو لم يسق "إننى أنا الله لا إله إلا أنا" للدخول تحت اخترتك، والأمر بالاستماع أمر بالتأهب لما قيل له: "أية : فاستمع لما يُوحى" تفسير : [طه: 13] وقف على حجر، واستند الى آخر، ووضع يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدره، وأصغى بشرار شره، وأدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء للسمع، وحضور العقل، والعزم على الامتثال، وبنى الوحى للمفعول للفاصلة، فلم يقل لما يوحى بكسر الحاء، ورتب على وحدانية الله تعالى العبادة بالفاء فى قوله: {فاعْبُدنى} تذللك لى بكل ما أمكن وقدرت عليه. مما أمرت به خصوصاً وعموماً، ولا يترجح أن المراد هنا التوحيد، بل العموم، ويدل للعموم حذف المعمول. أو لمزية الصلاة على ما بعد التوحيد، خصها بالذكر فى قوله عز وجل: {وأقِم الصَّلاة لذْكرى} تخصيصاً بعد تعميم العبادة، لاشتمالها على ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان. وقد سماها الله إيماناً فى قوله تعالى: "أية : ما كان الله ليضيع إيمانكم" تفسير : [البقرة: 143] واللام متعلق بأقم أو باعبد على التنازع، وإعمال الثانى أو من مجرد الحذف لدليل أى ائت بها مستقيمة لتذكرنى فيها، بمعنى أنها مشتملة على الأذكار فإذا أقمتها فقد أتيت بهذه الأذكار، أو لئلا ننسانى، أو لتذكرنى خاصة لا تشوبها برياء، أو ذكر غيرى، أو لتستغرق أو فاتك بالذكر. ويجوز أن تكون الياء فاعلا فى المعنى، أى لأن أذكرك بالثناء، أو لذكرى إياها وإياك فى الكتب، وما قبل هذا من الإضافة للفظ الذى يقال فى الاصطلاح مفعول به، وكاذ إذا جعلنا اللام للتوقيت. أى لأوقات ذكرى، وهى أوقات الصلاة {أية : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا} تفسير : [النساء: 103] وذلك دليل على أن لا فرض بعد التوحيد كالصلاة. ويجوز أن يكون لذكر صلاتى بعد نسيانها على حذف مضاف، فتكون اللام للتعليل، أو للتوقيت، أى قضها عند تذكرها، أو يعتبر أن ذكر الصلاة سبب لذكر الله، فأطلق المسبب على المسب، أو أوقع ضمير الله موقع ضمير الصلاة لشرفها، أو المراد الذكر الحاصل منى، فأضيف الذكر بمعنى التذكر لله عز وجل لأحد هذه الملابسات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا استيقظ أو تذكر فذلك وقتها" تفسير : ويدل لهذا قراءة قتادة: لذكرى بفتح الراء، وبألف بعد، أى للتذكر بعد نوم أو نسيان، وبدل له أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول: {وأقم الصلاة لذكرى} " تفسير : بفتح الراء بعدها ألف، وعلل وجوب العبادة وإقامة الصلاة بقوله: {إِن السَّاعة} يوم القيامة {آتيةٌ} لا محالة حتى أنها كشىء متوجه إليك تراه مستقبلا {أكادُ أخْفيها} لا أذكرها، ولكن ذكرتها قطعاً للأعذار، والمقاربة مجاز، وعن ابن عباس وجعفر الصادق: {أكاد أخفيها} من نفسى كما هو فى مصحف أبى، وزاد فى بعض القراءات فكيف أظهرها لكم، وكذلك فى مصحف ابن مسعود بزيادة، فكيف يعلمها مخلوق، وفى لفظ ابن خالويه زيادة، فكيف أظهركم عليها، وحقيقة ذلك محالة عن الله عز وجل، لكن جاز ذلك مبالغة فى الإخفاء كما جاء فى الحديث: "حديث : من السبعة الذين يظلمهم الله تحت ظله رجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه" تفسير : وقول الشاعر: شعر : أيام تصحبنى هند وأخبرها ماكدت أكتمه عنِّى من الخبر تفسير : أو أخفى أزيل الخفاء، ويدل له قراءة فتح الهمزة، فإنه لا يقال خفاه إلا بمعنى أزال خفاءه، أو أكاد بمعنى أريد، أى أريد إخفاء تفصيلها ببيان وقتها، كقوله: شعر : كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من لهو الصبابة ما مضى تفسير : وقيل: آكاد زائد أى آتية أخفى تفصيلها، وقيل أخفيها أظهرها من الأضداد كغبر بمعنى مضى، وغبر بمعنى بقى واللام فى قوله: {لتجزى كل نَفْسٍ بما تسْعَى} متعلق بآية أى آتية بإذنى للجزاء، أو بأخفى على معنى أزيل خفاءها، والمعنى بما تسعاه أو بسعيها خيراً أو شراً، أو المراد الخير تنبيهاً على أن المراد بها فى الذات إثابة المطيع، وأما العقاب فعارض بسوء اختيار صاحبه، والعموم أولى.

الالوسي

تفسير : {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } بدل من {أية : مَا يُوحَىٰ } تفسير : [طه: 13] ولا ريب في أن اختياره عليه السلام ليس لهذا فقط والتعلق باخترناك كيفما كان يقتضيه. وأجيب بأنه من باب التنصيص على ما هو الأهم والأصل الأصيل، وقيل: هي سيف خطيب فلا متعلق لها كما فِى{أية : رَدِفَ لكم} تفسير : [النمل: 72] وما موصولة. وجوز أن تكون مصدرية أي فاستمع للذي يوحى إليك أو للوحي، وفي أمره عليه السلام بالاستماع إشارة إلى عظم ذلك وأنه يقتضي التأهب له، قال أبو الفضل الجوهري: لما قيل لموسى عليه السلام استمع لما / يوحى وقف على حجر واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره وأصغى بشراشره. وقال وهب: أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر والإصغاء بالسمع وحضور العقل والعزم على العمل وذلك هو الاستماع لما يحب الله تعالى، وحذف الفاعل في {أية : يُوحَى } تفسير : [طه: 13] للعلم به ويحسنه كونه فاصلة فإنه لو كان مبنياً للفاعل لم يكن فاصلة. والفاء في قوله تعالى: {فَٱعْبُدْنِى } لترتيب المأمور به على ما قبلها فإن اختصاص الألوهية به تعالى شأنه من موجبات تخصيص العبادة به عز وجل، والمراد بها غاية التذلل والانقياد له تعالى في جميع ما يكلفه به، وقيل: المراد بها هنا التوحيد كما في قوله سبحانه: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] والأول أولى {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ } خصت الصلاة بالذكر وأفردت بالأمر مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها وإنافتها على سائر العبادات بما نيطت به من ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره، وقد سماها الله تعالى إيماناً في قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143]. واختلف العلماء في كفر تاركها كسلاً كما فصل في محله. وقوله تعالى: {لِذِكْرِي } الظاهر أنه متعلق بأقم أي أقم الصلاة لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وروي ذلك عن مجاهد، وقريب منه ما قيل أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به، وفرق بينهما بأن المراد بالإقامة على الأول تعديل الأركان، وعلى الثاني الإدامة وجعلت الصلاة في الأول مكاناً للذكر ومقره وعلته، وعلى الثاني جعلت إقامة الصلاة أي إدامتها علة لإدامة الذكر كأنه قيل أدم الصلاة لتستعين بها على استغراق فكرك وهمك في الذكر كقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ } تفسير : [البقرة: 45]. وجوز أن يكون متعلقاً باعبدني أو بأقم على أنه من باب الإعمال أي لتكون ذاكراً لي بالعبادة وإقامة الصلاة، وإذا عمم الذكر ليتناول القلبـي والقالبـي جاز اعتبار باب الإعمال في الأول أيضاً وهو خلاف الظاهر. وقيل: المراد أقم الصلاة لذكري خاصة لا ترائي بها ولا تشوبها بذكر غيري أو لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي ولا تقصد بها غرضاً آخر كقوله تعالى: {أية : فَصَلّ لِرَبّكَ } تفسير : [الكوثر: 2] أو لأن أذكرك بالثناء أي لأثنى عليك وأثيبك بها أو لذكري إياها في الكتب الإلٰهية وأمري بها أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلوات فاللام وقتية بمعنى عند مثلها في قوله تعالى: {أية : يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } تفسير : [الفجر: 24] وقولك: كان ذلك لخمس ليال خلون. ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها، وروي ذلك عن أبـي جعفر، واللام حينئذٍ وقتية أو تعليلية، والمراد أقم الصلاة عند تذكرها أو لأجل تذكرها والكلام على تقدير مضاف والأصل لذكر صلاتي أو يقال: إن ذكر الصلاة سبب لذكر الله تعالى فأطلق المسبب على السبب أو أنه وقع ضمير الله تعالى موقع ضمير الصلاة لشرفها أو أن المراد للذكر الحاصل مني فأضيف الذكر إلى الله عز وجل لهذه الملابسة، والذي حمل القائل على هذا الحمل أنه ثبت في «الصحيح» من حديث أبـي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح فلما قضاها قال: «حديث : من نسي صلاة فليقضها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: {أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِذِكْرِى }»تفسير : فظن هذا القائل أنه لو لم يحمل هذا الحمل لم يصح التعليل وهو من بعض الظن فإن التعليل كما في «الكشف» صحيح والذكر على ما فسر في الوجه الأول وأراد عليه الصلاة والسلام أنه إذا ذكر الصلاة انتقل من ذكرها إلى ذكر ما شرعت له وهو ذكر الله تعالى فيحمله على إقامتها، وقال بعض المحققين: إنه لما جعل المقصود الأصلي من الصلاة ذكر الله تعالى وهو حاصل مطلوب في كل وقت فإذا فاته الوقت المحدود له ينبغي المبادرة إليه ما أمكنه فهو من إشارة النص لا من منطوقه حتى يحتاج إلى التمحل فافهم. / وإضافة {ذكر} إلى الضمير تحتمل أن تكون من إضافة المصدر إلى مفعوله وأن تكون من إضافة المصدر إلى فاعله حسب اختلاف التفسير. وقرأ السلمي والنخعي وأبو رجاء {للذكرى} بلام التعريف وألف التأنيث، وقرأت فرقة {لذكرى } بألف التأنيث بغير لام التعريف، وأخرى {للذكر} بالتعريف والتذكير.

ابن عاشور

تفسير : هذا ما يوحى المأمور باستماعه، فالجملة بدل من {أية : ما يوحى}تفسير : [طه: 13] بدلاً مطابقاً. ووقع الإخبار عن ضمير المتكلّم باسمه العلَم الدالّ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد. وذلك أول ما يجب علمه من شؤون الإلهية، وهو أن يعلم الاسم الذي جعله الله علَماً عليه لأن ذلك هو الأصل لجميع ما سيُخاطب به من الأحكام المبلغة عن ربّهم. وفي هذا إشارة إلى أنّ أول ما يتعارف به المتلاقون أن يعرفوا أسماءهم، فأشار الله إلى أنه عالم باسم كليمه وعلّم كليمه اسمه، وهو الله. وهذا الاسم هو علم الربّ في اللغة العربية. واسمه تعالى في اللغة العبرانية (يَهْوهْ) أو (أَهْيَهْ) المذكور في الإصحاح الثالث من سفر الخروج في التّوراة، وفي الإصحاح السادس. وقد ذكر اسم الله في مواضع من التوراة مثل الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر الخروج في الفقرة الثامنة عشرة، والإصحاح الثاني والثلاثين في الفقرة السادسة عشرة. ولعله من تعبير المترجمين وأكثر تعبير التّوراة إنما هو الرب أو الإله. ولفظ (أهْيَهْ) أو (يَهْوَهْ) قريب الحروف من كلمة إله في العربية. ويقال: إن اسم الجلالة في العبرانية «لاَهُمْ». ولعل الميم في آخره هي أصل التنوين في إله. وتأكيد الجملة بحرف التأكيد لدفع الشك عن موسى؛ نزل منزلة الشاكّ لأن غرابة الخبر تعرّض السامع للشك فيه. وتوسيط ضمير الفصل بقوله {إنَّني أنا الله} لزيادة تقوية الخبر، وليس بمفيد للقصر، إذ لا مقتضى له هنا لأن المقصود الإخبار بأنّ المتكلّم هو المسمى الله، فالحمل حمل مواطاة لا حملُ اشتقاق. وهو كقوله تعالى: {أية : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}تفسير : [المائدة: 72]. وجملة {لا إلٰه إلاَّ أنا} خبر ثان عن اسم (إنّ). والمقصود منه حصول العلم لموسى بوحدانية الله تعالى. ثمّ فرع على ذلك الأمر بعبادته. والعبادة تجمع معنى العمل الدالّ على التعظيم من قول وفعل وإخلاصٍ بالقلب. ووجه التفريع أن انفراده تعالى بالإلهية يقتضي استحقاقه أن يُعبد. وخصّ من العبادات بالذكر إقامة الصلاة لأنّ الصلاة تجمع أحوال العبادة. وإقامة الصلاة: إدامتها، أي عدم الغفلة عنها. والذكر يجوز أن يكون بمعنى التذكر بالعقل، ويجوز أن يكون الذكر باللّسان. واللاّم في {لِذِكْرِي} للتّعليل، أي أقم الصلاة لأجل أن تذْكُرني، لأنّ الصلاة تذكّر العبد بخالقه. إذ يستشعر أنه واقف بين يدي الله لمناجاته. ففي هذا الكلام إيماء إلى حكمة مشروعية الصلاة وبضميمته إلى قوله تعالى: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}تفسير : [العنكبوت: 45] يظهر أن التقوى من حكمة مشروعية الصلاة لأنّ المكلّف إذا ذكر أمر الله ونهيه فعل ما أمره واجتنب ما نهاه عنه والله عرّف موسى حكمَة الصلاة مُجملةً وعرّفها محمداً - صلى الله عليه وسلم - مفصّلة. ويجوز أن يكون اللام أيضاً للتوقيت، أي أقم الصلاة عند الوقت الذي جعلتُه لذِكري. ويجوز أن يكون الذكر الذكرَ اللساني لأن ذكر اللسان يحرّك ذكر القلب ويشتمل على الثناء على الله والاعترافِ بما له من الحق، أي الذي عيّنته لك. ففي الكلام إيماء إلى ما في أوقات الصلاة من الحكمة، وفي الكلام حذف يعلم من السياق. وجملة {إنَّ السَّاعة ءَاتِيَة} مستأنفة لابتداء إعلام بأصل ثان من أصول الدّين بعد أصل التوحيد، وهو إثبات الجزاء. والساعة: علَم بالغلبة على ساعة القيامة أو ساعة الحساب. وجملة {أكَادُ أُخْفِيهَا} في موضع الحال من الساعَةَ، أو معترضة بين جملة وعلّتها. والإخفاء: الستر وعدم الإظهار، وأريد به هنا المجاز عن عدم الإعلام. والمشهورُ في الاستعمال أن «كاد» تدلّ على مقاربة وقوع الفعل المخبر به عنها، فالفعل بعدها في حيّز الانتفاء، فقوله تعالى: {أية : كادُوا يكونون عليه لِبداً}تفسير : [الجنّ: 19] يدلّ على أن كونهم لِبَداً غير واقع ولكنه اقترب من الوقوع. ولما كانت الساعة مخفية الوقوع، أي مخفية الوقت، كان قوله {أكاد أُخفيها} غير واضح المقصود، فاختلفوا في تفسيره على وجوه كثيرة أمثلها ثلاثة. فقيل: المراد إخفاء الحديث عنها، أي من شدّة إرادة إخفاء وقتها، أي يراد ترك ذكرها ولعلّ توجيه ذلك أنّ المكذبين بالساعة لم يزدهم تكرر ذكرها في القرآن إلا عناداً على إنكارها. وقيل: وقعت {أكَادُ} زائدة هنا بمنزلة زيادة (كان) في بعض المواضع تأكيداً للإخفاء. والمقصود: أنا أخفيها فلا تأتي إلاّ بغتة. وتأوّل أبو عليّ الفارسي معنى {أُخْفِيها} بمعنى (أظهرها)، وقال: همزة {أخفيها} للإزالة مثل همزة أعْجَم الكتابَ، وأشكى زيداً، أي أزيل خفاءَها. والخفاء: ثوب تلفّ فيه القِربة مستعار للستر. فالمعنى: أكاد أظهرها، أي أظهر وقوعها، أي وقوعها قريب. وهذه الآية من غرائب استعمال (كاد) فيضم إلى استعمال نفيها في قوله: {أية : وما كادوا يفعلون} تفسير : في سورة البقرة (71). وقوله {لِتُجْزَىٰ} يتعلّق بـ{آتِيَةٌ} وما بينهما اعتراض. وهذا تعليم بحكمة جعل يوم للجزاء. واللام في {لِتُجْزى كلُّ نَفْسٍ} متعلّق بـ{آتِيَةٌ}. ومعنى {بِمَا تَسْعَىٰ} بما تعمل، فإطلاق السعي على العمل مجاز مرسل، كما تقدم في قوله: {أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها}تفسير : في سورة الإسراء (19). وفُرع على كونها آتية وأنها مخفاة التحذيرُ من أن يصدّه عن الإيمان بها قوم لا يؤمنون بوقوعها اغتراراً بتأخر ظهورها، فالتفريع على قوله {أكاد أُخفيها} أوقع لأنّ ذلك الإخفاء هو الذي يُشبّه به الذين أنكروا البعث على الناس، قال تعالى: {أية : فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً}تفسير : [الإسراء: 51] وقال: {أية : وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين}تفسير : [الجاثية: 32]. وصيغ نهي موسى عن الصدّ عنها في صيغة نهي من لا يؤمن بالساعة عن أن يصدّ موسى عن الإيمان بها، مبالغة في نهي موسى عن أدنى شيء يحول بينه وبين الإيمان بالساعة، لأنه لما وجّه الكلام إليه وكان النّهي نهي غير المؤمن عن أن يصدّ موسى، عُلم أنّ المراد نهي موسى عن ملابسة صدّ الكافر عن الإيمان بالساعة، أي لا تكن ليّن الشكيمة لمن يصدك ولا تُصْغ إليه فيكون لينك له مجرئاً إياه على أن يصدك، فوقع النهي عن المسبب. والمراد النهي عن السبب، وهذا الأسلوب من قبيل قولهم: لا أعرفنّك تفعل كذا ولا أرَينّك ههنا. وزيادة {واتَّبَعَ هَواه} للإيماء بالصلة إلى تعليل الصدّ، أي لا داعي لهم للصدّ عن الإيمان بالساعة إلا اتّباع الهوى دون دليل ولا شبهة، بل الدليل يقتضي الإيمان بالساعة كما أشار إليه قوله {لِتُجزى كلُّ نفسٍ بما تَسعى}. وفرع على النهي أنّه إن صُدّ عن الإيمان بالساعة رَدِيَ، أي هلك. والهلاك مستعار لأسْوأ الحال كما في قوله تعالى: {أية : يهلكون أنفسهم }تفسير : في سورة براءة (42). والتفريع ناشىء عن ارتكاب المنهِي لا على النهي، ولذلك جيء بالتفريع بالفاء ولم يقع بالجزاء المجزوم، فلم يقل: تَرْدَ، لعدم صحة حلول (إنْ) مع (لا) عوضاً عن الجزاء، وذلك ضابط صحة جزم الجزاء بعد النّهي. وقد جاء خطاب الله تعالى لموسى عليه السلام بطريقة الاستدلال على كلّ حكمٍ، وأمرٍ أو نهي، فابتدىء بالإعلام بأنّ الذي يُكلمه هو الله، وأنه لا إله إلاّ هو، ثمّ فرع عليه الأمر في قوله {فاعْبُدني وأقِمِ الصلَوٰةَ لِذِكري}، ثم عقب بإثبات الساعة، وعلل بأنها لتجزى كلّ نفس بما تسعى، ثم فرع عليه النهي عن أن يصده عنها من لا يؤمن بها. ثم فرع على النهي أنه إن ارتكب ما نهي عنه هلك وخسر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} (14) - إِنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ لِلْمُكَلَّفِ هُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَاحِدٌ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ رَبُّ المَخْلُوقَاتِ وَخَالِقُها، وَالمُتَصَرِّفُ فِيها، فَقُمْ يَا مُوسَى بِعِبَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ، وَأَدِّ الصَّلاَةَ عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ الذِي أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ، بِكَامِلِ شُرُوطِها لِتَذْكُرَ بِهَا رَبَّكَ، وَتَدْعُوَهُ دُعاءً خَالِصاً لاَ يَشُوبُهُ إِشْرَاكٌ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيها فَكَفَّارَتُها أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَتفسير : ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في الآية قبل السابقة خاطبه ربه: {أية : إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ}تفسير : [طه: 12] ليُطمئنه ويُؤنسه بأنه المربِّي العطوف، يعطي حتى للكافر الذي يعصاه، لكن هنا يخاطبه بقوله: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} [طه: 14] أي: صاحب التكاليف، والمعبود المطاع في الأمر والنهي، وأوّل هذه التكاليف وقمّتها، والينبوع الذي يصدر عنه كل السلوك الإيماني: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} [طه: 14]. لذلك قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ". تفسير : وما دام لا إله إلا هو فلا يصح أنْ نتلقَّى الأمر والنهي إلاَّ منه، ولا نعتمد إلا عليه، ولا يشغل قلوبنا غيره، وهو سبحانه يريد منا أنْ نكون وكلاء: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}تفسير : [الفرقان: 58]. فالناصح الفطن الذي لا يتوكل على أحد غير الله، فربما توكّلت على أحد غيره، فأصبحت فلم تجده، وصدق الشاعر حين قال: شعر : اجْعَلْ بربِّكَ كُلَّ عِزِّكَ يسْتقِرُّ وَيثبتُ فَإِذَا اعْتَززْتَ بمَنْ يموتُ فإنَّ عِزَّكَ ميِّتُ تفسير : فكأن الحق سبحانه في قوله: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} [طه: 14] يقول لموسى: لا تخفْ، فلن تتلقى أوامر من غيري، كما قال سبحانه في آية أخرى: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 42]. أي: لذهبَ هؤلاء الذين يدَّعُون الألوهية إلى الله يجادلونه أو يتودَّدون إليه، ولم يحدث شيء من هذا. ويشترط فيمن يُعطي الأوامر ويُشرِّع ويُقنِّن ألاَّ ينتفع بشيء من ذلك، وأن تكون أوامره ونواهيه لمصلحة المأمورين، ومن هنا يختلف قانون الله عن قانون البشر الذي يدخله الهوى وتخالطه المصالح والأغراض، فمثلاً إنْ كان المشرِّع والمقنِّن من العمال انحاز لهم ورفعهم فوق الرأسماليين، وإن كان من هؤلاء رفعهم فوق العمال. وكذلك ألاَّ يغيب عنه شيء يمكن أنْ يُستدرك فيما بعد، وهذه الشروط لا توجد إلا في التشريع الإلهي، فله سبحانه صفات الكمال قبل أن يخلق الخَلْق. لذلك قال بعدها: {فَٱعْبُدْنِي} [طه: 14] بطاعة أوامري واجتناب نواهيَّ، فليس لي هَوَى فيما آمرك به، إنما هي مصلحتك وسلامتك. ومعنى العبادة: الناس يظنون أنها الصلاة والزكاة والصوم والحج، إنما للعبادة معنى أوسع من ذلك بكثير، فكلُّ حركة في الحياة تؤدي إلى العبادة، فهي عبادة كما نقول في القاعدة: كُلُّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب. فالصلاة مثلاً لا تتم إلا بستْر العورة، وعليك أنْ تتأمل قطعة القماش هذه التي تستر بها عورتك: كم يد ساهمتْ فيها منذ كانتْ بذرة في الأرض، إلى أنْ أصبحتْ قماشاً رقيقاً يستر عورتك؟ فكلُّ واحد من هؤلاء كان في عبادة وهو يُؤدِّي مهمته في هذه المسألة. كذلك رغيف العيش الذي تأكله، صنبور المياه الذي تتوضأ منه، كم وراءها من أيادٍ وعمال ومصانع وعلماء وإمكانات جُنِّدَتْ لخدمتك، لتتمكن من أداء حركتك في الحياة؟ لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - حينما يُحدِّثنا عن الصلاة يوم الجمعة يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 9-10]. وهكذا أخرجنا إلى الصلاة من عمل، وبعد الصلاة أمرنا بالعمل والسعي والانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، فمخالفة الأمر في: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الجمعة: 9] كمخالفة الأمر في: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 10]. وخَصَّ البيع هنا؛ لأن البائع أحرص على بيْعه من المشتري على شرائه، وربما كان من مصلحة المشتري ألاَّ يشتري؟ فالإسلام - إذن - لا يعرف التكاسل، ولا يرضى بالتنبلة والقعود، ومَنْ أراد السكون فلا ينتفع بحركة متحرِّك. وسيدنا عمر - رضي الله عنه - حينما رأى رجلاً يقيم بالمسجد لا يفارقه سأل: ومَنْ ينفق عليه؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه. لماذا؟ لأنه يسهم في حركة الحياة ويوسع المنفعة على الناس. إذن: فكلُّ عمل نافع عبادة شريطة أنْ تتوفر له النية، فالكافر يعمل وفي نيته أنْ يرزق نفسه، فلو فعل المؤمن كذلك، فما الفرق بينهما؟ المؤمن يعمل، نعم لِيقوتَ نفسه، وأيضاً ليُيسِّر لإخوانه قُوتَهم وحركة حياتهم. فسائق التاكسي مثلاً إذا عمل بمبلغ يكفيه، ثم انصرف إلى بيته، وأوقف سيارته، فمَنْ للمريض الذي يحتاج مَنْ يُوصِّله للطبيب؟ والبائع لو اكتسب رزقه، ثم أغلق دكانه مَنْ يبيع للناس؟ إذن: اعمل لنفسك، وفي بالك أيضاً مصلحة الغير وحاجتهم، فإنْ فعلتَ ذلك فأنت في عبادة. تعمل على قَدْر طاقتك، لا على قَدْر حاجتك، ثم تأخذ حاجتك من منتوج الطاقة، والباقي يُرَدُّ على الناس إما في صورة صدقة، وإما بثمن، وحَسْبك أنْ يسرت له السبيل. إذن: نقول: العبادة كل حركة تؤدي خدمة في الكون نيتك فيها لله. ثم يقول تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} [طه: 14] فلماذا خَصَّ الصلاة دون سائر العبادات؟ قالوا: لأن الصلاة هي العبادة الدائمة التي لا تنحلّ عن المؤمن، ما دام فيه نَفَس، فالزكاة مثلاً تسقط عن الفقير، والصيام يسقط عن المريض، والحج يسقط عن غير المستطيع، أمّا الصلاة فلا عذر أبداً يبيح تركها، فتصلي قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً، فإنْ لم تستطيع تصلي، ولو إيماءً برأسك أو بجفونك، فإنْ لم تستطع فحَسْبُك أن تخطرها على قلبك، ما دام لك وَعْي، فهي لا تسقط عنك بحال. كذلك، فالصلاة عبادة مُتكرِّرة: خمس مرات في اليوم والليلة؛ لتذكرك باستمرار إنْ أنستْك مشاغل الحياة رب هذه الحياة، وتعرض نفسك على ربك وخالقك خمس مرات كل يوم. وما بالك بآلة تُعرَض على صانعها هكذا، أيمكن أن يحدث بها عُطّْل أو عَطَب؟ أما الزكاة فهي كل عام، أو كل محصول، والصوم شهر في العام، والحج مرة واحدة في العمر. لذلك، كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حَزَبه أمر قام إلى الصلاة ليعرض نفسه على ربه وخالقه عز وجل، ونحن نصنع هذا في الصنعة المادية حين نعرض الآلة على صانعها ومهندسها الذي يعرف قانون صيانتها. وفي الحديث الشريف: "حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة ". تفسير : وسبق أن ذكرنا أن للصلاة أهميتها؛ لأنها تُذكِّرك بربك كل يوم خمس مرات، وتُذكِّرك أيضاً بنفسك، وبقَدر الله في الآخرين حين ترى الرئيس ومرؤوسه جَنْباً إلى جَنْب في صفوف الصلاة، فإنْ جئتَ قبل رئيسك جلستَ في الصف الأول، وجلس هو خلفك، ثم تراه وهو منُكسِر ذليل لله تعالى، وهو يعرف أنك تراه على هذه الهيئة فيكون ذلك أدْعى لتواضعه معك وعدم تعاليه عليك بعد ذلك. وكم رأينا من أصحاب مناصب وقيادة يبكون عند الحرم، ويتعلقون بأستار الكعبة وعند الملتزم، وهو العظيم الذي يعمل له الناس ألف حساب. ففي الصلاة - إذن - استطراق للعبودية لله تعالى. لذلك من أخطر ما مُنِي به المسلمون أنْ تجعلَ في المسجد أماكن خاصة لنوعية معينة يُخلَى لها المكَان، ويصاحبها الحرس حتى في بيت الله، ثم يأتي في آخر الوقت ويجلس في الصف الأول، وآخر يفرش سجادته ليحجز بها مكاناً لحين حضوره، فيجد المكان خالياً. وينبغي على عامة المسلمين أن يرفضوا هذا السلوك، وعليك أنْ تُنحِّي سجادته جانباً، وتجلس أنت؛ لأن أولوية الجلوس بأولوية الحضور، فقد صفها الله في المسجد إقبالاً عليه. وهذه العادة السيئة تُوقع صاحبها في كثير من المحظورات، حيث يتخطى رقاب الناس، ويُميِّز نفسه عنهم دون حق، ويحدث انتقاص عبودي في بيت الله. ولأهمية الصلاة ومكانتها بين العبادات تميِّزت في فرضها بما يناسب أهميتها، فكُلُّ العبادات فُرِضَتْ بالوحي إلا الصلاة، فقد استدعى الحق رسوله الصدق ليبلغه بها مباشرة لأهميتها. وقد ضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - بالرئيس إذا أراد أنْ يُبلِّغ مرؤوسه أمراً يكتب إليه، فإنْ كان الأمر مهماً اتصل به تليفونياً، فإنْ كان أهمّ استدعاه إليه لِيُبلِّغه بنفسه. ولما قرَّبه الله إليه بفرض الصلاة جعل الصلاة تقرُّباً لعباده إلى الله. وقوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} [طه: 14] أقام الشيء: جعله قائماً على أُسس محكمة، فإقامة الصلاة أن تؤديها مُحكَمة كاملة الأركان غير ناقصة. {لِذِكْرِيۤ} [طه: 14] أي: لتذكري؛ لأن دوام ورتابة النعمة قد تُنسيك المنعم، فحين تسمع نداء (الله أكبر)، وترى الناس تُهرَع إلى بيوت الله لا يشغلهم عنها شاغل تتذكر إنْ كنتَ ناسياً، وينتبه قلبك إنْ كنتَ غافلاً. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} [طه: 14] المعنى أنني لمَّا تجليت ألوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى في عالم وجودك المجازي إله من الهوى وغيره، {إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي} [طه: 14] بمساعي إفناء وجودك المتولد من منشأ قالبك على الدوام ما دام باقياً {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} [طه: 14] أي: أدم المناجاة في المحاضرة مع تبدل الوجود {لِذِكْرِيۤ} [طه: 14] أي: لنيل ذكري إياك بالتجلي على الدوام؛ لإفناء وجود المتحد. وبقوله: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ} [طه: 15] يشير إلى أن كل قلب يكون هذا حاله، فإن فيما منه بكشف غطاء الحجب الإنسانية عنه بتجلي صفة الجلالة لآتية التي من شأنها البروز لله الواحد القهار {أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15] عزة شأنها وعظمة سلطانها فيسقى من الكرم على بعض خواص {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} [طه: 15] في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب جزاءاً مناسباً لسعيهم، فلمَّا كان سعي الروح بحسب الوطن الأصلي للرجوع إلى سكنى إضافة من روحي فجزاءه من تجلي صفة الجلالة بالانعدام من الوجود المجازي انعدام الناسوتي في اللاهوتي، وكان سعي السر بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإضافة الفيض الإلهي عليه، وكان سعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفية وقابلية لتجلي الصفات الجمال والجلال فجازاءه بدوام تجلي صفة الجمال، واتصافه بصفة الجلال؛ ليبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الإلهي الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق الغيوب، وكان بسعي النفس بتبديل الأخلاق واتقاء الأوصاف الظلمانية الحيوانية؛ لاتصافها بالصفات الروحانية الربانية فجزاؤها بإشراقها بنور ربها لإزالة ظلمة صفاتها، واطمئنانها إلى ذكر ربها المكون قابلة لله بجذبة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28] وكان سعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة فجزاؤه رفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين. {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} [طه: 16] لا يصرفنكم عن هذه السعادات والكرامات يا موسى القلب النفس الأمارة التي لا يؤمن بها، واتبعت هواها في طلب الشهوات واللذات الدنيوية {فَتَرْدَىٰ} [طه: 16] فتهلك بانقطاعك عن الحق تعالى فيه إشارة إلى أن هلاك القلب وقساوته في هلاك النفس وقساوتها. ثم أقول في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15] يعني: أكاد أخفي الساعة وإتيانها، وأخفي أحوال الجنة ونعيمها، وأهوال النار وعذاب جحيمها لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار، بل تكون خالصة لوجهي كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البينة: 5] وفي ذلك تهديد عظيم للعباد، وإظهار عزة وعظمة لنفسه إلا أنه سبقت رحمتي غضبي بما أخفيت الساعة وإتيانها، والله أعلم.

همام الصنعاني

تفسير : 1806- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيِّب أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : من نسِيَ صلاة فليصلها إذَا ذَكَرهاتفسير : ، فإن الله يقول: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}: [الآية: 14].